← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وهذه المدارس لا تتطلب من تلامذتها بالخوف ولا بالقصاص. فإن التأثير الروحي الناشئ من الشخص المربي الحري بكل تجلة والانقياد للطبيعة أو للعقل وتأثير نوع الحياة والعمل المطلوب هي وحدها حرية بتربية أخلاق حرة. وعلى ذلك يسمح للتلميذ أن يجري مع ميوله ويقوم بما يزيد في نشاطه عَلَى عمله ولا تطلبه المدرسة إلا بما لا غنية عنه بتربيته الطبيعية والعقلية فتعلمه بالقدوة وبما يسود فيها من الأفكار العامة إلى أن يدرك ماهية الواجب بحيث يتضح له بأن نجاحه هو نتيجة لازمة لنظام منطبق عَلَى العقل. أما العقوبات فيستغنى عنها في هذه المدرسة لأن المربي يتنزل إلى تقريب مناهجه من عقل التلميذ ويعامله عَلَى نصاب العدل وإذا اختلت هذه الشروط تصبح الحاجة ماسة إلى العقوبات وعلى التلميذ من ثم أن يتعاطى عمله بابتهاج وهذه هي الطبقة من التلامذة التي تتوخى المدرسة تنشئتها والقيام عليها ولا تطلب منهم الكمال بل تريدهم عَلَى أن يرتقوا تدريجياً متناسباً مع قواهم واستعدادهم. وإذا لم يكف ذكاء التلميذ وإرادته للتوقي من الأغلاط أو لسد مواضع الخلل من تربيته فإن المدرسة تنشطه وتصبر عليه في جهاده عَلَى أنها لا تكلفه ما لا طاقة له به. ويعامل كل تلميذ بالاحترام اللائق بشخصه فإن المربي الحقيقي هو الذي يكتشف في كل تلميذ حتى في المقصرين منهم في المدارك ما هو جدير بالاحترام وقابل للتكمل فإذا تم ذلك فالحياة المدرسية تنقضي في دعة نافعة ونفع شامل. وإذا مست الحاجة إلى إنزال القصاص بالتلميذ فلا يكون إلا عَلَى أقل درجاته فمن أساء استعمال حريته تحجز عليه ومن تراخى في درسه يغيرون له الأسلوب في الإلقاء والمراقبة وطريقة تنشيطه وهكذا تجتهد المدرسة أن تحمل الولد عَلَى الاعتراف بخطائه وتأخذ بيده كل الأخذ لتوقد في نفسه جذوة العمل الصالح. ويحرمون العقوبات البدنية والقصاص الخارجي التي ليس لها علاقة داخلية مع الخطأ الذي ارتكبه كما لا يعمدون إلى مكافأة المحسن من التلامذة بمكافآت مادية. لا جرم أن أعظم العقوبات التي تشاهد في تربية مدارس المدن ناشئة من الخروج عن سنة الفطرة وهذا ساقط من ذاته في مدرستنا بالنظر لموقعها من الخلاء ولطرز معيشتنا.

стр. 3222

ولقد اقتنعنا بأن كل شخص لم يطرأ عَلَى قلبه وذكائه ما يشوههما كل التشويه هو قابل للخير حري بالمعاناة لإصلاح حاله. فالثقة والحب والإخلاص والمعاملة بحسب قانون العقل كلها من العاملات في ضمان النجاح للمرء حتى أن النجاح وإن كان لا يرجى في الحال بهذه الطريقة فإننا عَلَى ثقة بأن البذرة الملقاة لابد عاجلاً أو آجلاً أن تأتي أكلها. نحن نحاول أن نحب تلاميذنا بدون ضعف لنلقنهم معنى الواجب ونحببه إلى نفوسهم وننشطهم عَلَى الرغبة فيه أبداً. هذه هي القواعد التي جرينا عليها منذ عشر سنين وظهرت بعض نتائجها وحذت حذونا بعض المدارس التي أنشئت في البلاد الخارجية فأبانت عن نجاح وستعظم فائدته في المستقبل أكثر. معنى التاريخ كتب الدكتور ماكس نورد كتاباً بالإفرنسية تحت هذا الاسم جاءت فيه بعض الفقرات الآتية: إن ما كان يراه الجيل الماضي في التاريخ لا يراه الحاضر وما يناسب هذا لا يناسب المستقبل وما يناسب الهنود واليابانيين لا يناسب الأوربيين والأميركيين فالتاريخ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فما تنبه به اليوم إلى مصلحة عامة لا يكون له غداً تأثير في العالم. فالتاريخ يسير في ظلمات الماضي كالإنسان الذي يحمل مصباحاً وشخصية المؤرخ تظهر وإن قال ذلك المؤرخ أن الواجب إخفاؤه لإيراد الحقائق مجردة. وقد قال هيرودوتس أبو التاريخ ليس التاريخ إلا لعب ممن يرويه ولا يختلف عن القصائد التي تنظم في تمجيد الأبطال إلا بكونه نثراً وهذه شعر. وهو إلى اليوم لم يبرح على ما يدعيه بعضهم من أنه أصبح علماً عبارة عن قصة ولا يختلف المؤرخ عن القصصي إلا بأن حريته محدودة بحوادث حدثت وعرفت في الجملة وذلك لأنه لا يستطيع أن يناقض ما وقع التسليم به عند السواد الأعظم. ليس التاريخ علماً لأن العلم ليس إلا معرفة الصلات بين النتائج والمقدمات التي تربض الظواهر ببعضها البعض ومعرفة النواميس العامة في الطبيعة التي هي مفصحة عنها. وقد ردَّ المؤلف هربرت سبنسر قول من يطلق لفظ علم على هذا النوع من التقييد والتنسيق في الحوادث. وعبثاً حاولت فلسفة التاريخ أن تحدد الصلة الأصلية في الحوادث وأن تضيع القوانين التي تتسلسل بها الوقائع التاريخية وربما جاء زمن اقتدر الناس فيه على تدوين تاريخهم خالياً من التناقض إذا ارتقى الفونوغراف

стр. 3223

والتصوير الشمسي أكثر من الآن. ولكن لا يتأتى أن يدون بهذه الواسطة إلا جزء صغير من الحوادث وما وراءها وهو الأهم كنحو ما يضمر في روح البشر ويبقى مخفياً عنا فلا سبيل إلى نقشه ونقله. والحقيقة أن لكل مؤرخ رأياً خاصاً في الصور الكبرى من الماضي والحاضر وقلما تتفق صوره على صور رصفائه. التاريخ هو غير تدوين الوقائع بل هو خارج عنه وأرقى منه وما التاريخ إلا مجموع حوادث اعترضت الجهاد الإنساني في سبيل الحياة فهو تابع الأعمال والمحن والميول والحقائق التي يحاول الإنسان بها أن يوفق بينه وبين الشروط الطبيعية والصناعية الكائنة في المحيط الذي ولد فيه ويجب عليه أن يعيش وسطه فلا ترى بين رجل عادي ورجل فاتح فرقاً في الطبيعة وكلاهما خاضعان للقوانين الفطرية فالأول لا علاقة له بغيره قد يعيش ويموت فلا يدري به أحد أما الثاني فيؤثر بأفكاره وأعماله في ألوف وملايين من أبناء جنسه فالفرق بينهما في الكمية لا بالكيفية وكم من أناس كبر مقامهم من دونوا أخبارهم حتى أن كثيرين ليعجبوا من أرباب الرحلات السخفاء عجبهم من كبار الفاتحين المصلحين وكم من أناس هم عظماء في نظر أمة ولا يذكرون عند أخرى وكم من زلازل وحرائق أثرت في الانقلاب البشري أكثر من الحروب والغارات وما سبب ذلك إلا المؤرخون فإنهم غالوا في هذه وسردوا أخبار تلك على وجه عادي. قال ومن المحقق أن معرفة الحوادث التاريخية ليس فيها ضرورة حيوية كما هو الحال في الظواهر الطبيعية ونواميسها بل إنها تسد في المرء حاجة نفسية بل حاجة اجتماعية. وملكة النقد على الجملة غير مرتقية في السواد الأعظم من الخلق فلم يرزقوا استعداداً للتمييز بين الحق والباطل وقلما يهتمون بذلك فكل قول يؤكد قائله صحته يقبلونه مصدقين بدون أن يطلبوا الدليل عليه وأن يبحثوا عن درجته من الصحة والتثبت. فكما أن اللاهوت يوقف الناس عن الأسباب الأخيرة في نظام هذا العالم أو المعجزات تكشف خفايا المستقبل هكذا تدوين الحوادث التاريخية كان يوقفهم على معميات الماضي. ولو اهتم البشر بالاطلاع على الأسباب الأخيرة على نسبة اهتمامهم بالاطلاع على الأسباب القريبة لقضي على عالم اللاهوت منذ عهد طويل على نحو ما جرى ما جروا في التاريخ الطبيعية الذي خلفه بلينوس وعلم الحياة تألف أرسطو وكتاب الطبيعة لبطليموس ولو اهتموا بمعرفة الماضي

стр. 3224

اهتمامهم بالمستقبل لأدركوا منذ عهد بعيد أن تدوين وقائع التاريخ لا يوصل إلى معرفة المستقبل إلا كما يدل علم النجوم والقيافة والعرافة. الصحة المدرسية اجتمعت جمعية الصحة الألمانية في ديسو من بلاد ألمانيا وبحثت في أمور كثيرة في حفظ صحة التلامذة ولاسيما في مسألة العيون فقد رأي أن خير وقاية للعين من الأمراض عناية الأمهات بنظافة عيون أبنائهم وبناتهم ثم عناية المدارس بذلك والتوفر على تقليل النقائض الإرثية وملاحظة مواضع النور في المدارس بحيث لا يقترب الأولاد مما ينظرون فيه وأن تجعل الدروس في الصباح أما وقت العصر فيصرف في الألعاب والرياضات حتى يتيسر للنظر أن يتمرن على النظر إلى المساوف البعيدة. ولا باس حين الحاجة من إنشاء مدارس خاصة بضعاف الأبصار من التلامذة وهذا خير طريق للعناية بنظر حماة الوطن وأبناء المستقبل على أن يعنى أرباب البيوت بصحة عيون أبنائهم عناية المدارس بها بعد. كلية ليبسيك احتفلت كلية لايبسيك الألمانية بمرور خمسمائة سنة على تأسيسها فقد أنشئت سنة ١٤٠٩ على يد أساتذة وتلامذة من الألمان هاجروا من براغ للخلاص من النفوذ السلافي فمد فريديريك المحارب ظل حمايته عليها وكذلك صاحب مسينا فحازت شهرة وقوة لم تزل محتفظة بهما حتى اليوم. وفيها الآن خمسة آلاف تلميذ من أقطار أوربا وانتدبت كليات ألمانيا وغيرها من كليات الغرب مندوبين عنها حتى اضطرت عمدة الاحتفال أن تحدد عدد الخطباء وناب كثير من ملوك الإمارات الألمانية وقد احتفلوا بإقامة موكب تاريخي اشترك فيه ألفا رجل يمثل الأدوار المختلفة في الحياة المدرسية في ليبسيك منذ سنة ١٤١٩ إلى ١٨٣٠ ومما مثلوه فيها مناقشة لوثيروس صاحب الدعوة البرتستانتية مع خصمه إيك وحرب الثلاثين سنة والدور الذي رفض فيه الفيلسوف ليبنز من نيل شهادة الحقوق ودور ليسنج وكيتي وأربعة من قدماء تلامذة لايبسيك. بلجيكا الحديثة نشر فرنسوي أقام في بلاد البلجيك زمناً كتاباً في وصفها جاء أن ليس في بلجيكا روح بلجيكية كما ليس في ألمانيا ولا في فرنسا روح فرنسوية ولا في إنكلترا روح إنكليزية لأنه

стр. 3225

ما من شعب في الأرض يملك روحاً خاصة به بل هو مزيج أرواح مختلفة ففي البلجيك شعبان ألفالون والفلامند وقد انتبه الشعب الفلامندي في السنين الأخيرة فطلب أن تعامل اللغة الإفرنسية واللغة الفلامندية بالمساواة. وفي البلجيك ٢. ٨٢٢. ٠٠٠ نسمة لا يتكلمون بغير الفلامندية و٢. ٥٧٤. ٠٠٠ نسمة لا تتكلم بغير الإفرنسية و٨٠١٦٠٠ يتكلمون بالإفرنسية والفلامندية و٢٨٣٠٠ لا يعرفون أن يتكلوا بغير الألمانية و٧٢٠٠ يتكلمون الفلامندية والألمانية و٤٢٩٠٠ يتكلمون باللغات الثلاث الشائعة في البلاد. والبلجيك متأخرة من حيث التعلم فنجد فيها ١٠١ أمي في كل ١٠٠٠ جندي أي أكثر من عشر أبنائها في حين ليس في هولاندة سوى ٢٣ أمياً في الألف وفي فرنسا ٤٧ وبحث المؤلف في أحزاب البلجيك فردها إلى ثلاثة أحزاب حزب الأحرار وحزب الدين وحزب الاشتراكيين وقال أن الحزب الأول ضعيف بالنسبة للثاني الذي استولى على الأمر فالأحرار يكتفون بأن يخاطبوا الأرواح والأفكار أما سائر الأحزاب فتدعو إلى مذهبها بما تقوم به من الأفعال النافعة العملية فهي تسطو على الفلاح والعامل والطفل أيضاً تتناولهم من المهد ولا تتركهم إلى اللحد. محصول الذهب قال مجلة الاقتصاديين: ما برح محصول الذهب في العالم يزيد سنة عن سنة وليس هو الذي زاد غلاء المعيشة بل إن الغلاء ناشيء بطبيعة الحال من التدابير السياسية والقوانين الاجتماعية وهاك جدولاً بمحصوله سنة ١٩٠٩ ومنه تفهم أن الولية قد فازت بها الترنسفال في هذا الباب. فرنك ٧٧٠. ١٠٠. ٠٠٠ الترنسفال ٤٢٩. ١٥٠. ٠٠٠ الولايات المتحدة ٣٦٧. ١٠١. ٩٧٨ أوستراليا ١٧٤. ٢١٦. ٠٠٠ روسيا ١٣٢. ٦٠٠. ٠٠٠ المكسيك ٦٤. ٢٨٥. ٥٠٠ رودوسيا

стр. 3226

٥٦. ١٠٠. ٠٠٠ الصين واليابان وكوريا ٥٤. ٨٢٥. ٠٠٠ كندا ٥٣. ٨٨٦. ٦٠٠ الهند الإنكليزية ٣٢. ٥٨٧. ٥٠٠ أفريقية الغربية ١٢. ٦٤٨. ٠٠٠ مدغسكر ١٢٧. ٥٠٠. ٠٠٠ الأقطار الأخرى ٢. ٣٢٩. ٠٠٠. ٠٠٠ المجموع.

стр. 3227

مخطوطات ومطبوعات أمهات مخطوطات ندر جداً بين غلاة الكتب العارفين في البلاد العربية مثل الشيخ طاهر الجزائري في دمشق ومحمود شكري أفندي الآلوسي في بغداد وأحمد بك زكي في القاهرة فهم يتوسلون إلى نشر كتب السلف بكل ما لديهم من ذرائع لينيروا بها آفاق البلاد ويحيوا موات المجموع والأفراد. وطريقة العالم المصري في الدعوة غريبة لأنه متشبع باللغة أو باللغات الإفرنجية فقد نشر أمس تقريراً طبعه باللغة العربية والتركية لتنظيم خزائن الكتب العامة في الآستانة وأقرب الطرق إلى الانتفاع بها واليوم نشر كراسة بالإفرنسية فقط ذكر فيها الأسباب التي يجب الاعتماد عليها في مصر لإحياء الآداب العربية فيها فقال أن القاهرة منذ أسسها الفاطميون استأثرت بالإرث العلمي الذي كان لبغداد وقرطبة فازدهرت فيها الحضارة الإسلامية وأنارت الأفق آثارها فنجحت مساعي العلماء المصريين إلى آخر عهد سلاطين المماليك وأثمرت أعمالهم ثمرات جنية كان لهم من تنشيط الملوك والأفراد الذين شغلوا بالآداب والعلوم ما دعاهم إلى تأليف مجاميع من المخطوطات النادرة والآثار الثمينة وكان للجوامع إلا قليلاً من مدارس وخزائن كتب دع عنك المكاتب التي جعلت خاصة لحفظ المخطوطات. وإن العمال الباهرة التي قامت على ذاك العهد لتدل عليها كتب النويري وابن فضل الله العمري وابن شامة والمقريزي والقلقشندي والسيوطي ثم ابن إياس والجبرتي من المتأخرين وإن المناصب السياسية التي تولى معظم هؤلاء أمرها قد كان لهم أعظم الخطط الجديدة التوفيقية ولكن ما جمع في مصر من مصنفات السلف في خمسة أو ستة قرون قد تمزق شذر مذر وانتقل إلى مكاتب مختلفة ولاسيما إلى الآستانة عقيب أن فتح السلطان سليم العثماني مصر وحمل القسم الآخر إلى مكتبة باريز ولاسيما منذ عهد حملة بونابرت على مصر ومكاتب برلين وليدن ولندن وأكسفورد ورومية وفينا وغيرها فجمعتها تلك الحكومات المنتبهة الغيورة على الآداب وأخذ علماؤها يبعثون إلينا منها الحين بعد الآخر ما يطبعونه أجود طبع ويعيون إلينا منا بالانقلابات السياسية وبجهل بعض الأجيال الماضية ولقد جمعت بفضل الخديوي وإسماعيل وإشارة علي مبارك باشا بقايا تلك الكنوز وأسست

стр. 3228

لها المكتبة الخديوية وها قد جاء دور يحق فيه للمصريين أن يستعيدوا سالف مكانتهم العلمية في العالم الإسلامي وبعد أن تكلم على ما أبرزته المطبعة الأميرية من مصنفات علماء العرب مثل كتاب الأغاني والعقد الفريد وتاريخ ابن خلدون وصحاح الجوهري وقاموس الفيروز آبادي وغيرها من المصنفات التي لها شأن حتى عند علماء المشرقيات من الإفرنج لفت أنظار الحكومة المصرية في عهد الخديوي عباس الثاني إلى إحياء ما خلفه لنا السلف الصالح وأورد ما وفق جمعه من مكاتب منوعة بواسطة التصوير الشمسي من الكتب الممتعة أو ما استنسخه أو ما عرف مكانه ككتاب نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين أحمد بن عبد الكريم النويري (ونويرة قرية بالقرب من بني سويف في صعيد مصر) وهو كتاب دائرة معارف في العلوم البشرية التي عرفت في عصره قسمه إلى خمسة أقسام وهي السماء والأرض وما فيها والإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات (وفيه نبذة في الطب) والتاريخ وهو في ٣١ مجلداً انتهى قبيل سنة وفاة المؤلف سنة ٧٣٣ هجرية. وتكلم ما شاء بيانه على هذا السفر الممتع وما لقيه من العناء في جميع أجزائه المتفرقة ثم ذكر دائرة معارف أخرى لمؤلفها شهاب الدين أبي العباس أحمد ابن فضل الله العمري واسم كتابه مسالك الإبصار في ممالك الأمصار وهو في ٣٢ مجلداً قسمه إلى قسمين الأرض والإنسان وهو دائرة معارف طبيعية جغرافية مع المصورات وتاريخية أدبية وسياسية وهذا المؤلف دمشقي وكان معاصراً للنويري. والكتاب الثالث الذي لفت إليه الأنظار جوامع العلوم لفريعين تلميذ أبي زيد البلخي من أهل القرن الثالث عشر وهو مثل دائرة معارف أيضاً. والكتاب الرابع والخامس درر التيجان لأبي بكر بن عبد الله أيبك الداواداري وكنز الدرر وجامع العبر للمؤلف نفسه وهو تاريخ مهم فيه أمور لم تنتشر بالطبع عن دولة الفاطميين والأيوبيين والمماليك وحياة المصريين وغارات التتار وأخلاقهم وتقاليدهم وأساطيرهم وسبب زوال الخلافة العباسية وفيه ترجمة مطولة للسلطان الناصر قلاوون صاحب المعاهد الخيرية في مصر والشام وأحسن سلاطين المماليك وحامي الآداب والمعارف في عصره. والكتاب السادس سيرة ابن السلطان جقمق لابن عرنشاه والكتاب السابع كتاب تجارب الأمم

стр. 3229

وتعاقب الهمم في وقائع العرب والعجم لابن مسكويه وهو من مؤرخي الإسلام الذي تفلسفوا في التاريخ. تطبعه على نفقتها اليوم أسرة جيب الإنكليزية بمعرفة الأمير كايتاني الإيطالي في رومية والكتاب الثامن ذيل تجارب الأمم للوزير أبي شجاع ولطائف المعارف للنيسابوري وهو في الأدب والتاريخ والسياسة والجغرافية والإحصاء وشجرة النسب الشريف النبوي للملك الأشرف السلطان أبي النصر قانصوه الغوري وكتاب صور الأقاليم الإسلامية لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي وهو في الجغرافيا وفيه ٢٢ مصوراً. والبلخي أول جغرافي في الإسلام استعمل رسم الأرض وكتاب تاريخ الأمير يشبك الظاهري وهو رحلة فيها وصف سورية وأرمينية وفارس في القرن التاسع للهجرة. ومن الكتب التي لفت إليها الأنظار كتاب الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع وقد كتب لنا يقول فيها أن النسختين اللتين ظفر بهما من كتابي الأدب الكبير والأدب الصغير لابن المقفع هما أجمل وأصح بكثير من اللتين اعتمدنا نحن واعتمد عليهما الأمير شكيب أرسلان في الطبع وإن الذي سميناه بالدرة اليتيمة إنما هي الأدب الكبير بعينه ونسخة زكي بك هي بالشكل الكامل ومنها كتاب ترجمة البقية من كتاب يمسطوس أحد فلاسفة يونان المعروف عند الإفرنج بجامبليك وهو الذي قاوم النصرانية في القرن الثالث للميلاد وأراد أن تبقى يونان على وثنيتها والكتاب الخامس عشر رسالة في تاريخ الغناء وعدم حرمته وأخبار المغنين في بلاد العرب ومؤلفه من أهل القرن الثاني والكتاب السادس عشر كتاب العز والمنافع للمجاهدين بآلات الحرب والمدافع وهو كتاب معرب عن اللغة الإسبانية الإسلامية (الجميادو) بقلم قاضيب فارس سنة ١٠٥٠هـ قال فيه أن البارود اخترعه راهب ألماني. هذه هي الكتب التي لفت إليها صاحب اللائحة أنظار العالم العربي والغربي معاً وهو يرى أن يبدأ بطبع دائرتي معارف النويري المصري والعمري الدمشقي ليكون لمصر مجد خالد كالأهرام على الدوام وفقه وسائر العاملين لخدمة العلم. فلسفة الإسلام نشر الماجور ليوناردو الإنكليزي كتاباً في الإسلام وصاحب الشريعة ﵊ على وجه يرفع الغشاء عنها ويزيل الشبه الشائعة في الغرب اليوم عن حقيقة هذا الدين وقد قدم له السيد أمير علي العام الهند الشهير مقدمة بالإنكليزية وأثنى على علمه

стр. 3230

وحبه للحق والكتاب يطلب من مكتبة لوزان في لندرا. النصائح الكافية لمن يتولى معاوية كتاب في ٢٢٤ صفحة في أفعال معاوية بن أبي فيان رأس خلفاء بني أمية وما عامل به آل البيت وكيف قام على الإمام الحق وشيءٍ من تاريخ ذاك الدور تأليف السيد محمد بن عقيل العلوي الحسيني من نحارير الكاتبين والعالمين. مبادئ الفلسفة القديمة هي مجموعة فيها كتاب ما ينبغي أن يقدم قبل أن تعلم فلسفة أرسطو لأبي نصر الفارابي وكتاب عيون المسائل في المنطق ومبادئ الفلسفة له أيضاً عنيت بتصحيحها ونشرهما المكتبة السلفية بمصر لمؤسسيها محب الدين أفندي الخطيب وعبد الفتاح أفندي القثلان. وقد جعلت له مقدمة في ترجمة الفارابي مطولة وعلقت عليه حواشي مفيدة. سمير الليالي طبعت المكتبة الرفاعية في طرابلس الشام الجزء الأول من هذا الكتاب تأليف محمد أمين أفندي صوفي السكري وهو في جغرافية الممالك العثمانية وشيء من تاريخها وهو في ١٩٨ صفحة وعسى أن يزيد المؤلف كتابه تدقيقاً في الطبعة القادمة لأن فيه بعض نواقص لا يصح أن تبقى فيه. الغصن الرطيب في فن الخطيب هو مختصر في تعليم الخطابة للشيخ سعد الشرتوني من فصحاء لبنان ولغوييه وفيه كثير من القواعد وبعض أمثلة. مطالع الأضواء في مناهج الكتاب والشعراء هو موجز أيضاً للشيخ سعد الشرتوني انتقى فيه زبدة علوم المعاني والبيان والبديع والعروض بعبارات وجيزة قال أحد الناظرين فيه تبين لنا أثناء مرور النظر على مباحث هذا الكتاب أن المؤلف إذا استشهد ببيت شعر يعزو لقائله أو فقرة من المزامير يبين عدد الصحيفة التي وردت بها الآيات القرآنية الشريفة فإذا استشهد بها لا يعزوها بل يتخذها كالمثال المبتكر من عنده أو كالكلام المعتاد فيا حبذا لو أرجع الآيات كما يرجع غيرها.

стр. 3231

الأرض في السماء هي قصائد أجنبية أخلاقية تاريخية وأساطير حكمية تأليف محمد أفندي ظاهر خير الله من الشعراء والكتاب جمع فيها الحقائق العلمية والنتائج العقلية والفوائد الزراعية على نمط جديد ولم يلتزم فيها الروي في كل شطر وسماه الأرض في السماء أي ما ينال به الإنسان رغد العيش وحلاوة الأمن وهو مشكول بالشكل الكامل ليسهل على كل متناول وعدد صفحات هذا الجزء ١٤٢ ص طبع بالمطبعة الأدبية في بيروت ويطلب من مؤلفه في دمشق. دروس الحياة الإنسانية في مدرسة الله النباتية. هو كتاب في ١٥٢ ص تأليف أمين أفندي ظاهر خير الله المشار إليه جعل شعاره أن المبرؤات المحدودة تنطق بلسان صمتها عن تمام حكمة البارئ الغير محدودة وفيه مباحث أدبية واجتماعية جعل الدين ولاسيما آيات الكتاب المقدس دعامتها الكبرى وذلك لينتفع به طلاب المدارس المسيحية وهو مشكول أيضاً سهل العبارة حسن الأسلوب والنسج. تاريخ أبي المحاسن بدأت جامعة كليفورنيا في أميركا بنشر كتب في اللغات السامية أن تستفتح عملها بنشر الجزء الثاني من كتاب النجوم لزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبي المحاسن ابن تغري بردي وهو في ست مجلدات كان نشر الجزء الأول منه في ليدن. وهذا التاريخ يبدأ من الفتح الإسلامي وينتهي سنة ٨٧٢ للهجرة. وفي هذا الجزء كلام على خليفتين من خلفاء الفاطميين العزيز الناصر والحكم. حضارة بابل نشر المسيو مارتين ٢٤٨ رسالة باللغة البابلية وجدت في أبي حبة على خمسين كيلومتراً من مدينة بابل وفيها إشارات إلى ثروة تلك البلاد وأشخاصها ومجتمعها المدني وأشغالها التجارية والحقوقية وذلك مدة خمسين سنة من سقوط بابل إلى أوائل قيام دار ملك الفرس. ابن الطفيل نشر المسيو ليون غوتيه بالإفرنسية كتاباً على أبي بكر ابن الطفيل أحد فلاسفة الأندلس فيه

стр. 3232

ذكر حياته وأعماله وأشار إلى رسالته حي بن يقظان في الحكمة الشرقية. ابن رشد نشر المستشرق الموما إليه كتاباً في ابن رشد الفيلسوف الإسلامي جعله تتمة لما كتبه الفيلسوف رنان عنه وأفاض في الكلام على كتاب فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال.

стр. 3233

العدد ٥٠ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٠

стр. 3234

جرائد الولايات العربية كل شيءٍ أخذ بالنشوء والنمو في هذه الديار إلا جرائد الولايات العربية الرسمية فإنها كلما طال عليها الزمن تنحط مكانتها لأنها كانت ولا تزال تقدس أعمال الولاة وتزكيهم إلا قليلاً وجرائدٌ هذا حالها كيف يرضيك خبرها ومخبرها. للحكومة العثمانية اثنتا عشرة ولاية (أو لواء) عربية تصدر فيها ١١ جريدة رسمية أسوة سائر الولايات في آسيا الصغرى والروم إيلي وهي طرابلس الغرب، بيروت جبل لبنان، القدس، سورية، حلب، الموصل، بغداد، البصرة، الحجاز، اليمن تصدر مرة في الأسبوع لتقريظ أعمال الولاة والمتصرفين ونشر بعض أوامر الحكومة باللغتين العربية والتركية لأن الأولى لغة البلاد والثانية لغة الحكومة والعربية منقولة عن التركية بالحرف ولكنه قل لا تقدر أن تقول عنه عربياً ولا مولداً وأحر به أن يكون لغة خاصة يكاد لا يفهمها إلا قلائل ممن ألفوها أو ممن يعرفون التركية فإذا عشر عليهم فهم عبارة قلبوا الوجه التركي من الجريدة فقرأوا الأصل لينحل معهم الإشكال. إن هذه الدركة من الانحطاط بلغت لغة الجرائد بفسادها ولو كانت منتشرة بين طبقات القوم انتشار سائر الجرائد العربية لأفسدت من ملكة الأدب العربي فساداً لا يشبهه فساد ولكن من حسن الطالع أن قراءها محصورون أو يكادون يعدون على الأصابع وأقدمها أنشئ منذ خمس وأربعين سنة وأحدثها منذ سنتين واثنتان منها وهي الزوراء جريدة بغداد والموصل تصدران بالتركية الصرفة كأن الحكومة اعتبرت الجزيرة والعراق من الأقاليم التركية أو أنها أرادت أن توفر على اللغة العربية بعض الألفاظ والتراكيب الرديئة تصدر عن أعظم العواصم العربية القديمة أو أنها لم تجد في دار السلام والموصل الحدباء من يعرب لها جريدتها الرسمية. وجريدة لبنان تصدر بالعربية فقط وهي أحسن الجرائد الرسمية عبارة. ولذا فإن كلامنا اليوم مقصور على تسع جرائد لتسع ولايات كبرى كل منها حرية بأن تدعى مملكة لا ولاية لاتساع بقاعها وكثرة نفوسها وقديم مجدها ونكتفي بإيراد جملة من جرادها الرسمية ننقلها نموذجاً على انحطاط أسلوبها وتراكيبها نلتقطها من صفحة واحدة من كل واحدة ولا نشير إلى الجريدة حرصاً على كرامة القائمين بها وإن كان معظمهم لا يعرفون من العربية جملة ولا من قواعدها قاعدة وهم عامة يكتبون وينشرون بدون مبالاة بما يفسدون به لغة العامة والخاصة وإن كانت تتفاوت تلك الجرائد في عباراتها.

стр. 3235

فما ورد في إحداها قولها: صورة التحريرات الواردة بالشرف وهي تعريب عن الأصل التركي بالحرف ولفظ التحريرات لم يسبق في الفصيح استعماله كما لم يسبق للعرب استعمال خطاب بمعنى كتاب المستعملة بين المصريين ويجمعونها على خطابات قال في التاج وتحرير الكتاب وغيره تقويمه وتخليصه بإقامة حروفه وتحسينه بإصلاح سقطه وتحرير الحساب إثباته مستوياً لا غلث فه ولا سقط ولا محو فالتحرير يجمع على تحارير وليس هو مقابل لفظ رسالة وألوكة أو كتاب. أما تركيب الواردة بالشرف فمن أسمج التركيب. وقال: إن التشتت والافتراق هما يسببان ويحدثان الغوائل والمشكلات الداخلية ويؤديان إلى انقراض الهيئة المعظمة واضمحلالها كما تشهد بها مثالها التاريخية ولا يحصل لها السلامة والسعادة والترقي والتعالي إلا باتحاد قلوبهم واتجاههم جميعاً نحو غاية واحدة فنظراً لهذه الحقائق رئت نواب الملة تشكيل الجمعيات المبنية على أساس القومية والجنسية والمعنونة بها ملة بالوحدة العثمانية ففي هذه الجملة من الركاكة والألفاظ المبذولة الزائدة الدخيلة ما تراه. فأي داعٍ أولاً لتكرار لفظي التشتت والافتراق والغوائل والمشكلات وفعلي يسببان ويحدثان وانقراض واضمحلال وكلها بمعنى واحد يستغنى بأحدهما عن الأخرى ثم إلى أين يرجع ضمير أمثالها وكذلك كيف يرجع ضمير اتجاههم جميعاً. وتركيب يحصل لها السلامة والسعادة والترقي والتعالي من التراكيب السقيمة ولا معنى للتعالي هنا ولو قال لتمم لهم السعادة الخ لكان أسلم ومن القبيح استعمال فنظراً لهذه وأقبح منه رئت نواب المملة تشكيل فإن في هذا التركيب ثلاث غلطات فقط الأولى في الرسم فكان الوجه أن يقال رأى ولفظ الملة لا تستعمل بمعنى الأمة في العربية وهو من استعمال الترك فالملة الشريعة أو الدين كملة الإسلام والنصرانية واليهودية قال في التاج: وقيل هي معظم الدين وجملة ما يجيء به الرسل وقال الراغب: الملة اسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه ليتوصلوا به إلى جواره وقال أيبو إسحق: الملة في اللغة السنة والطريقة. وكذلك يقال في تشكيل فليس في العربية التشكيل بمعنى التأسيس أو الإنشاء فتشكل في الأمر عندهم تصور وشكله تشكيلاً وصوره. وما أبشع تركيب الجمعيات المبنية على أساس القومية والجنسية والمعنونة بها فتجد الألفاظ العربية في الظاهر ولكنها مبدوءة في تركيبها.

стр. 3236

وقال: فيجب أن تبلغون الذين يقتضي لهم التبليغ بالصورة الحسنة والمناسبة وتبينون لهم أن ليس في هذه المادة غرض سوى المحافظة على الوحدة العثمانية المتكفلة بالسلامة والسعادة العمومية وأن تجري التدريسات الابتدائية بالألسن القومية وتساعد على الجمعيات الخيرية والعلمية وأن لا يتلقى أحد الممنوعية المذكورة في شكل العرض إلى الأقوام فالغلط النحوي في هذه الجملة وهو ما نسامح به لأنه بسيط لا يفسد اللغة بقدر ما تفسدها تلك الألفاظ المعسلطة والتراكيب الشائنة المغلطة مثل تبلغون الذين يقتضي لهم التبليغ بالصورة الحسنة والمناسبة ولو قال: تبلغون من يجب على ما يجب. لكان أخصر واسلم. ولو قال الكفيلة بالسلامة العامة والسعادة الشاملة لأجاد ولفظ التدريس لا يجمع على تدريسات ومن الألفاظ ما يستحب مفرده أكثر من جمعه ومنها ما يعذب جمعه أكثر من مفرده ولعل جميع تدريسات جمعت على مثال تحريرات وكم أدخلت التركية إلى العربية من هذه الجموع والألفاظ التي تجدها عربية الأصل ولكن أتى عليها شيء من العجمة ومنها ما نقل منه اللفظ عن أصله مثل التشكيل. ومن سخيف اللفظ الممنوعية فإن المنع عربي في الأصل ولكن هذه الصيغة لم تعهد للعرب ولا لمن بعدهم وإنما جاءتنا في القرون المتأخرة ومثلها الممنونية ولا يقال أنا ممنون منك فالممنون المتطوع بل ممتن لك كما لا يقال المحظوظية والمسرورية والأمنية بمعنى الأمن والمقطوعية والمعلومية والمأذونية والمفهومية والانتقالية والفراغية وكل هذه الصيغ لا تجوز في لغة العرب دخلت عليها من التركية فاللحن كما قال عبد اللطيف البغدادي يتولد في الأمم والنواحي بحسب العادات والسير. ومادام في العربية متسع عن هذه الألفاظ فالأحسن نبذها وكذلك يقال في التنسيقات والمأموريات فقد خطأوا من قال من المتكلمين هذه المحسوسات وقالوا صوابها المحسات لأنه يقالا أحسست الشيء بمعنى أدركته فأما المحسوس فهو المقتول من حسه إذا قتله ولو راجع من يمسكون القلم العربي ليكتبوا به الجرائد في معاجم اللغة مثل هذه الألفاظ ونظروا في أصولها لردوا أكثرها إلى الصحة من تلقاء أنفسهم. وتقول: ينبغي إجراء التعقيبات المتمادية بوساطة مأمورين البلدية تحت نظارة الأطباء في المواقع المحررة آنفاً وتجري الفيران الميتة وألقاهن في الماء المغلي وإمساكهن بمللقاط

стр. 3237

الحديد الطويل وتبليلهن بدهن الكاز وإحراقهن بالنار. . . يجب إجراء الوصايا والتوضيحات الكافية للأهالي لإتلاف الفيران اللواتي لم تصبهن المرض بعد لا يمرضن ويكن واسطة لانتشار المرض ويجب أيضاً على الدوائر البلدية إعطاء أجورات مناسبة لكل فأرة التي يصطادونها الأهالي بالفخ قصداً لتقليلهن في البلد. هذه الجملة وحدها كانت تكفي للدلالة على ما في هذه الجريدة من منافيات البيان والقواعد المألوفة لصغار الطلبة دع عنك كبارهم. فمن الأغلاط اللغوية التي فيها التعقيبات والتوضيحات والأجورات ووقوعات ومن الغلاط النحوية مأمورين البلدية والصواب مأموري البلدية ولكل فارة يصطادونها الأهالي بالفخ وهذه اللغة يسمونها لغة البراغيث من قولهم أكلتني البراغيث وأولى أن تسمى لغة الفيران للتناسب ومثله تنزيل الفيران منزلة العاقل فقال (إلقائهن) والصواب إلقاؤها (ونبليلهن بدهن الكاز وإحراقهن الفيران اللواتي لم تصبهن المرض بعد لئلا تمرض فنكون. . . قصد تقليلها و (لا لا) هذه من أغلاط الرسم وصوابها بها لئلا كما يفهم من سياق العبارة ومن مراجعة الأصل التركي وكذلك (مللقاط) والأحسن ملقط ولم تكتف هذه الجريدة باستعمال الألفاظ التركية المهزعة بل هي تدخل إلى العربية ألفاظاً إفرنجية لها في اللغة ما يقابلها مثل لفظة (كادرو) التي شاعت في العهد الأخير في هذه البلاد يراد بها الموظفون غير العاملين فيقولون أخرج فيها خارج الكادرو أو القادرو وهي لفظة فرنسوية والأولى أن يقال اخرج من الخدمة أو اسقط أو ماثل ذلك. و (محلول السوبليمه) ولو قال محلول السليماني لأفهم وما أعجم و (الباراقات) ولو استعاض عنها بالأكواخ لأصاب شاكلة الصواب ولفظ (سوبليمة) و (باراك) من الألفاظ الفرنسوية أيضاً وعندنا ما يقابلهما من اللسان العربي). وجاء في جريدة أخرى لقطر آخر. المتعين لمتصرفية. . والصواب المعين. وندعو لمعاليه بالموفقية وهي جملة لم تشتم رائحة العربية ولو قالها عربي لأوردها هكذا (ندعو له بالتوفيق) فالموفقية من الألفاظ العربية المتتركة والأولى حذف الألف من ندعو كما تحذف موزعو الجرائد ومأمورو الإدارة. وقال: (بحمد الله وعنايته التي لانهاية لها من منذ يومين ثلاث قد تنزلت الأمطار النافعة في. . وجوارها وأخذت الزراع صيب المواضع. وفي أثناء نزول المطر في يوم الأحد قد أصابت الصاعقة المطبخ الواقع في الجهة الشمالية من

стр. 3238

خستة خانة المركز العسكري وبحمد الله لم يكن تلفات في النفوس ولا ضايعات سوى احتراق يسير في أرجل محمد علي من الخدمة بدون تأثير). هذه القطعة التي افتتحها الكاتب واختتمها بحمد الله نقول فيها ألف سبحان الله لما فيها من الركاكة والإفساد للغة قريش. وما أظن رجلاً من عرض الناس يكون له بعض مطالعة قليلة يكتب عبارة أحط من هذه ودليلنا (من منذ يومين ثلاث) و (لم يكن تلفات في النفوس ولا ضايعات سوى احتراق يسير في أرجل محمد علي من الخدمة بدون تأثير) وغير ذلك من الغلط الفظ الفظيع. أما تلفات وضايعات فتتصرف على وزن (موفقيات) و (تنسيقات) و (تعقيبات) ألفاظ أصلها عربي ولكن تركيبها أعجمي. ولم نفهم (أخذت الزراع صيب المواضع) إلا عندما قابلناها للوجه التركي فرأينا فيه ما تعريبه: (فأخذ الزراع يحرثون حقولهم ويسرعون إلى بذرها) كما إنا لم نفهم نسبة الأرجل إلى محمد علي وهل هذا الخادم له أكثر من رجلين كما نرى الآدميين أم له عدة أرجل ولعل هذا يقاس على مر بك آنفا من تنزيل غير العاقل منزلة العاقل في جملة الفيران. ومن أبشع التعابير تعبير (بدون تأثير) في آخر العبارة أما لفظ (خستة غانة) فلها في العربية ما يقابلها مثل دار المرضى أو مستشفى وكذلك جميع الألفاظ التي تختم بخانة فالواجب على العربي أن لا يخون لغته بل يردها إلى أصلها فلا يقول دفتر خانة ولا تيمار خانة ولا طوبخانة ولا موز خانة ولا بارود خانة ولا قره قولخانة بل يقول دار السجلات ودار المعتوهين ودار المدافع والمتحف أو دار المتحف ودار البارود ودار الخفر أو المخفرة الخ. ومن ركاكات هذه الصحيفة (لأجل تقوية الانضباط بداخل المملكة روي لزوم إنشاء واحد قره غول في مواقع. . . . . مخصوص لإقامة قوميسر البوليس. وقد تبرع. . . بخدمة مفتخرة بإعطاء عرصة منهما يكون إنشاء القره غول. . المصارف الإنشائية المقتضية للقره غول المذكور تعهد بتأديتها إعانة من طرف. . مأمور التوتون الرزي. . فإبراز الحمية من المومي إليهم بهذه الصورة أوجبت التقدير والممنونية.). وكان الأجدر أن يقال لتوطيد أمور الضبط في البلاد دعت الحاجة إلى إقامة مخفرة. . ليقيم فيها مفوض الشرطة خاصة فتبرع فلان بإعطاء عرصة تبنى فيها المخفرة على نفسه أداء النفقات لبنائها. . . فلان وفلان مأمور حصر الدخان. . . . وحمية الموما إليهم حرية

стр. 3239

بالشكر موجبة للأجر وهنا ننبه إلى رسم (المومى إليهم) الواردة في العبارة الأولى فالأولى رسمها بالألف لأنها من أومأ والأتراك يرسمونها بالياء وكثير من كتاب الصحف يتابعونهم على رسمها غلطاً. وجاء في هذا العدد (التقسيط المعطا من طرف. . .) وكان الأولى أن تجعل ألف المعطى بدل ياء (المومى إليهم). وجاء فيها: (تفضل بالأشعار من جانب قوماندان القواي العمومية أن مجموع الإعانة للبوابير العثمانية في المعسكر الهمايوني بلغت كما هو محرر أعلاه تسعة وخمسين ألفاً وسبعمائة وثمانية وثلاثين قرش وعشرة بارات وقد أرسلت رأساً إلى دار السعادة فإبراز حمية المتبرعين الجدية جديرة بالمحمدة والشكران) في هذه الجملة أربع ألفاظ أعجمية كان يتأتى الاستعاضة عنها بألفاظ عربية مثل (قوماندان) قائد (وقواي) القوة و (البوابير) السفن و (الهمايوني) السلطاني. ولو قال كتب قائد القوة العامة أن قد بلغت الإعانة للسفن العثمانية في المعسكر السلطاني. . . لأحسن ولفظ (قرش) تنصب على التمييز ولم نفهم معنى حمية المتبرعين الجدية ولا الشكران. وفي هذه الصفحة من الصحيفة أغلاط شائنة أخرى أكثرها مما يعرفها أحداث المدارس مثل: (إن طالبين المأمورية تؤخذ منهم ورقة ترجمة الحال ابتداءً ليعلم منشأهم وهويتهم والغير تابعين لهذا الأصول لا يكون إسعافهم لمسئولهم) وتعريب هذه الجملة هكذا: تؤخذ من طالبي التوظيف تراجمهم بادئ بدءٍ ليعرف منشأهم وأحوالهم ولا يجاب سؤال من لا يجرون على هذه الأصول) ولفظ هوية تكثر في الكلام المولد مثل كمية وكيفية. وجاء أيضاً ما نصه وفصه: فالمأمور الذي يمنع ويصر على عدم إعطاء ترجمة الحال بلا مانع فيلحظ أنه لمقصد ستر وإخفاء بعض خصوصات عائدة لسيئات سو ابق أحواله فالمأمورين المختارين السكوت مقابل إغماض العين بهذا الباب يرى أنهم غير موافقين للمصلحة وتعريب هذه الجملة كما يأتي: علم أن لم يمتنع من الموظفين عن إعطاء ترجمة بلا موجب مقصداً يريد ستره لسوء حاله والسكوت عن أهل هذه الطبقة يعد من الإهمال ولا يوافق المصلحة بحال. ومثله ففي هذه الحال واختياره لا يكون تجويز هذا المقصد والطالبين المأمورين بداية إذا ما أعطوا ورقة ترجمة الحال لا يكون قبولهم في خدمة الدولة قياساً للأصول ولأجله لزم

стр. 3240

التبيلغ تعميماً. . . ولا يجوز قطعياً لمأمورين الحكومة. . . وعلى فرض يحصل خلاف هذا الأساس من المستخدمين في خدمة الحكومة فطبيعياً تجري بحقهم المعاملة اللازمة وبناءً عليه يقتضي تلك التنبيهات جمل كلها من السخافات والركاكات بمكان لا يصل إليه كاتب إلا بخذلان من الله. وجاء في جريدة لقطر آخر: بناءً على شدة احتياج أهالي الولاية وضرورتهم كما علم من قرار تصفية البقايا وكان تدقيق ذلك وبتطبيق تعليمات مضبطة البقايا إلى نهاية سنة ١٣٢٠ في درجة الوجوب فقد تقرر استحصال الأمر بالتلغراف وإجراؤه وتعريب هذه الجملة كما يأتي: علم من قرار تصفية بقايا الموال أن أهالي الولاية في حاجة ماسة إلى تطبق عليهم لائحة البقايا إلى نهاية سنة ١٣٢٠ ولذا تقرر استصدار الأمر بلسان البرق وجرى العمل به. وفي هذه الصفحة من الصحيفة ألفاظ أعجمية عمت بها البلوى في اللغة القرشية مثل: أرسلت الولاية بمحررة أي في كتاب أو رسالة. واستحصال أمر وتسريع إجرائه أو مكانته ولفظة أهمية مثل موافقية ومعمورية أصلها عربي وتركيبها أعجمي وكذلك لتأمين وإدامة نعمة الأمنية والراحة إلى منتهى حدودها أي لتوطيد دعائم الأمن والراحة للغاية. ومثله نسب قوميسيون التنسيق إعطاء معاش المعزولية إلى. . . أي رأت لجنة الإصلاح منح راتب عزل إلى. . ولفظ معاش غير وارد في هذا المعنى والأولى أن يقال راتب أو مشاهرة وكذلك نسب رأى مناسباً وقوميسيون لجنة والمعزولية مثل الممنونية والأمنية والأهمية تقاس عليها ولكن لا تقس عليها بالله عليك ومثلها تبليغات وتعليمات وإيضاحات. وفي هذه الجملة تراكيب رديئة مثل: باش كاتب الأعشار وبلغت لهم الكيفية بتذاكر مخصوصة. . . المخبر عنه يكون مظنوناً بغشهار السلاح. . . أن ينظموا محاسباتهم العائدة لزمان إدارتهم بمجرد ما ينفكون عن مركز وظائفهم. . . وبذلك ظهرت أنه نزلت علامة الخصب والبركة في السنة الآتية. . . يقرر حق المفتين ببعض أحول مخصوصة مستثناة. . . والخطب يسير في إرجاع هذه الجمل إلى العربية فيقال: رئيس كتاب الأعشار وأبلغوا ذلك في رسائل خاصة. . . المتهم بأنه شهر السلاح. . . يضعون محاسباتهم أيام إداراتهم عندما يغادرون وظائفهم. . الخ.

стр. 3241

وتقرأ صورة من صور الركاكة في صفحة واحدة أيضاً من تلك الجرائد التي تصدر في قطر آخر أيضاً فمنها: يلزم إيفاء التعقيبات القانونية بحق من. . . لكل الملحقات والمراجع الإيجابية. . . أسماء الذواة الذينهم عينوا. . حيث كانت أرض أنموذج الزراعة بعيدة عن البلد وواقعة في محل لا يمر فيه أحد ولم يستفاد من هذا الأنموذج شيء حال كون نفق عليه الأموال الكثيرة وبذلت في إصلاحه المساعي الوفيرة فاستئذن كل من مجلس الولاية العام ومجلس الإدارة من نظارة الأحراش والمعادن والزراعة بأن يجعل الميدان والبستان الذي في جواره جفتلك الأنموذج. . . وعرف عن أهمية المسئلة أيضاً وحين اقترن ذلك بالتصديق العالي يجري الإيجاب اللازم. وصوابه: اسماء الأعيان الذي عينوا. . . لعامة العمالات والمراجع. . . لما كانت أرض الحقل النموذجي. . . لم ننتفع منه في حين أنفقت عليه الأموال الطائلة استأذن مجلس الولاية العام ومجلس الإدارة نظارة الحراج بأن يجعل مزرعة أنموذجية. . . عرف بمكانة المسالة حتى إذا صدق عليه يعمل بموجبه. وفي هذه الصحيفة من الألفاظ الأعجمية كل ما تنقبض منه النفس العربية مثل المشروطية والشائعة ووالمضبطة الاسترحامية وحيثية ملة النجيبية العثمانية واسترحامات وتفوهات لسانية الخ ويمكن أن يقال عنها الحكومة النيابية أو الدستورية والإشاعة ومضبطة الاسترحام وشرف الأمة العثمانية الكريمة. واسترحام وتفوه. ونرى أن هذه الجريدة كلما أرادت أم تتفاصح تسقط مثل قولها: ما تقرره وما افتكر بتاتاً تبديل وإلينا المحترم وأعهد بأن هكذا إشعارات لا تنقص بعزم وحزم حضرة المشار إليه الذي يتعلق بإصلاح المملكة. . المرتبة العليا والمكان المسمى. . . تترنم بالأنغام المحزنة التي تفعله بالأرواح ما لا تفعله السراح تريد أن تقول لم يتقرر ولم يفكر بتاتاً وهو العامل على إصلاح البلاد. . . المرتبة العليا والمكان السامي أو الأسمى. ولم أفهم ما يراد بالسراح هنا. وكذلك نحن متحمسين بحياة حب الوطن أي شعورنا وطني أو ما شاكل ذلك ولف حسيات يرسمونها بالتاء المفتوحة مثل ثقات لا ثقاة ولكن ليست من العربي في شيء. وإليك أنموذجات أخرى من جريدة قطر عظيم آخر: غير خاف على أن جميع المأمورين والمستخدمين هم مكلفون بإعطاء أوراق تراجم أحوالهم وكان الذين لم يقدمون أوراق لا يتعينون في المأموريات ابتداء وذلك من الأصول المتخذة فمن الضروري أن الذين يتعينون

стр. 3242

في خدمة يجب أن يعطوا ورقة ترجمة حالهم في اقل مدة وألا يتسببوا إلى الاحتياج بتبليغهم فيكون معلوماً لدى العموم أنه إذا وقع خلاف ذلك لا تجري معاملتهم وتكون الإشارة على أسمائهم في دفاتر القيود طبقاً للإشعار الواقع من نظارة الداخلية هذه المرة فلتجري التبليغات اللازمة إلى مأموري ومستخدمي النافعة بالمثابرة على مقتضاه. وجاء فيها: لحيث أنه من اللزوم أن أوراق الإخبارات. . . مستندة إلى قناعة كاملة من أصحابها وأن يصرح في الإمضاآت. . . أخبرنا بذلك العموم فيقتضي إعلانه بطرفكم. . . رياسة شوراء الدولة وتعليمات البول. . . المعاونية الأولى. . . باطن مظروفات مبطنة تعمل له خاصة لأجل إرساله بتمام المحافظة عن الضياع. . . حاصلات البول تفيد في خاناتها المخصوصة بالدفاتر المحلية. . . صندوق تسهيلات. . . من عموم مأموري البلدية. . . تلقى المسئولية على الآمر والصارف. . . يقيد مصروفاً بأنواعه ومقاديره بجهة المدفوعات في دفتر عينيات البول الخ. وهنا نترك تصحيح هذه العبارة مكتفين بإيرادها بنصوصها لئلا يطول البحث. وعندنا أن هذه الجرائد إذا دامت على هذا المنوال توجد في اللغة العربية لهجة جديدة لا يفهمها إلا طبقة مخصوصة ويكون الاختلاف بينها وبين الفصحى أكثر مما بين الإسبانيولية والبرتقالية وهناك بعض صحف رسمية هي أقرب إلى الصواب في منشوراتها وإن كانت لا تسلم مما تقع فيه الجرائد الركيكة العبا رة مثل قول إحداها: باشمديرية الرسومات وصل إلى مياه ثغرنا طريق شوسة للتحري على المزيفين استلفت الأنظار القشلة الهمايونية دفتر الاغتراب مستملكات الروس رفع راية العصيان ضد طمعاً بنوال مقاصدهم الأمر الهام يحكم وهلة الرفاه والراحة بناءً عليه وتوفيقاً لأحكام والأحرى أن يقال: رئاسة مديرية الجمرك. بلغ ثغرنا. . طريق مركبات أو معبدة. للبحث عن المزيفين. لفت الأنظار أو وجه الأنظار. الثكنة السلطانية. سجل الغرباء. مستعمرات الروس. رفع راية العصيان على. طمعاً بنيل مقاصدهم. الأمر المهم أو الجلل. يحكم لأول وهلة. الرفاهية أو الرفاهة والراحة. عملاً بأحكام. أما تركيب بناء عليه وعليه وحيث أن فهي مولدة لا يعرفها العرب والأولى أن يستعاض عنها بتراكيب أخرى عربية.

стр. 3243

تعليم النساء وترجمة علية بنت المهدي العباسي تمهيد كان الخلفاء والأمراء وخاصة الناس في صدر الإسلام حتى القرن الخامس للهجرة من أحرص الناس على تذيب بناتهم وجواريهم وأمهات أولادهم ينفقون الأموال ويجهدون النفوس السنين الطوال في تثقيف عقولهن وتقويم فطرتهن بالترويض والتخريج والتدريس والتحصيل على أيدي ثقات أهل العلم وأئمة النحاة والرواة وأشهر الحفظة والمجودين فما منهن بعد أن يتمرسن على العفاف وحب الفضيلة من لا تحفظ القرآن العزيز وطرفاً من أحكام الفقه والحديث ونتفاً من علمي الأنساب والتاريخ فضلاً عن آداب اللغة وآثار السلف من شعراء ومحدثين وغزاة وخطباء وكتبة وأمراء فكان صدر كل فتاة من فتياتهم كنزاً من أسمى الكنوز يصيب منه سميرها ما شاء من أدب وحكمة ونكتة وفكاهة فينجذب لها فؤاده وتنزع إليها عواطفه وتحل من نفسه محل الحرمة والتجلة والإعظام بمقدار ما يتوسمه فيها من مخايل الدراية والتعقل وآثار النجابة والاختبار. وما في ذلك من عجب بل العجب من النقيض وهيهات أن يخفى على أمثال المنصور والمهدي والرشيد والمأمون أن الحسن المادي مهما كان بارعاً رائعاً باهراً فتاناً إذا لم يقترن بالحسن المعنوي ويشفع بالظرف الأدبي كانت صاحبته كالتمثال المنحوت والصورة المنقوشة بل اقل قيمة وأبعد جاذبية منعهما لأن التمثال والصورة معدودان من الجمادات فلا يتوقع منهما الإنسان رشاقة الحركة ولطف الإشارة وخفة الروح وحلاوة المعنى وسعة الدراية وحسن الرواية ولذلك يستحسنان ويروقان بأعين الناظرين بمقدار ما أودع فيهما من دقة الصناعة وتناسب الرسم وحسن التكوين وتشاكل الألوان بمعزل عن تلك المزايا. أما الفتاة ذات الجسم المتحرك والنفس الحية واللسان الناطق والخلق السوي العتيدة أن تكون زوجاً مؤانسة وأما مربية فتأباها النفس ويعافها الذوق وينصرف عنها القلب وإن كانت جميلة وسيمة ما دامت جامدة كالصنم بكماء كالعجماء لا تفقه من أحوال الدنيا وأسرار الحياة وحقائق الكون وماهية ما يراد منها ومفروض عليها من سنن وواجب إلا ما كان مداره المطعم والمشرب وقوامه الملبس والمركب ومرجعه اللهو والقصف ونتيجته الحب

стр. 3244

والبعال فإذا عرض لها أمر يستوجب الإنباء_وهو مما يحدث كل يوم_قصرت في الأداء وتلكأت في الكلام وسعلت وتنحنحت وتسامجت ما شاءت ولم تقو على الإفهام وإن سئلت عن شيء أجابت بلا أدري أو هذرت بجواب لم يكن من لحمة السؤال ولا من سداه. فمن كانت على هذا الطرز_وما عدد أمثالها عندنا بقليل_أحر بها أن تكون عند أذكياء الرجال وأرباب الذوق والفضل ساقطة المنزلة ساقطة القدر رخيصة القيمة تفضلها الشخوص وتمتاز عنها الصور لأن هذه تمتع الأعين بجمالها ولا تضر النفوس أما تلك فإنها تورث الكراهة وتمني بالضجر وتبلي المنازل خاصة والمجتمع القومي عامة بأدواء من الهموم والموبقات تذهب بالأمم إلى أقصى الدركات. أجل وليس من ينكر أنك لتراها بادئ الأمر فتستحسنها لنقاء بشرتها وسواد حدقتها واعتدال قوامها وغضاضة جسدها وبضاضته وجدله والتفافه ثم تسمع كلامها الدال على جهلها وغباوتها المؤذن بقصر إدراكها وسذاجة قلبها وظلام ذاكرتها فتزدريها وتستهجنها وينبذها قلبك نبذ النواة ويطرحها ذكرك طرح القذاة لأنها لا تصلح للمؤانسة وترويح الهموم ولا ترجى للاستشارة وتسديد الرأي ولا تنفع للأمومة بأتم معانيها وللتربية وتدبير المنازل بكل ما يراد من هذين الواجبين بحكم العقل والصواب ومن كان هذا شأنها كانت سخطاً على النوع الإنساني ونيراً ثقيلاً على عاتق الوجود وكل أمة تقلص ظل مجدها ونضب معين رخائها ونزفت مواد قواها وتقطعت أسباب منعتها وعزتها وهنائها إنما نساؤها على تلك الشاكلة ولقد صدق من قال إن التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسراها. فيا حبذا لو اقتدى كبراؤنا وأعظامنا بمن درجوا قبلهم من أساطين الأمة وسراة أعلامها وصرفوا العناية إلى تعليم أولئك اللواتي لا يسمين بحق أوانس إلا إذا كن بالفعل نزهة المجالس ولا يقال لهن عقائل ما لم يكن بالحقيقة أرباب علم وأدب وتهذيب وفضائل فإن الناس على دين ملوكهم والعامة تقتدي بأعيانها فلإن أحسن هؤلاء الابتداء أحسن الاقتداء والعكس بالعكس سنة الله في الخلق منذ حلت الحضارة محل البداوة وقام التهذيب مقام الفطرة وأصبح البشر درجات ومراتب وطبقات. نقول هذا توطئة وتمهيداص لما نذكره الآن من ترجمة ابنة خليفة وأخت ثلاثة خلفاء وعمة ثلاثة وهي (علية بنت المهدي) التي عني قومها بتعليمها وتأديبها وتنوير عقلها وتوسيع

стр. 3245

دائرة اختبارها حتى صارت آية الفضل ونابغة الأدب ومثال العفاف وعنوان الرقة والبلاغة في قرض الشعر الصحيح الأجزاء المتين التراكيب الرشيق المعاني تتفنن في أساليبه وتأخذ بأطرافه أخذاً يبهر العقول ويفتن الألباب على كونها نشأة زهو وترف وغرسة صفو ونعيم. ومعلوم أن الملكة الشعرية لا تستحكم في فتاة إلى هذا الحد إلا بعد الإمعان والجد وإحياء وإحياء الليالي الطوال تبحراً في علوم العرب وإتقاناً لفنون الأدب وتعمقاً في دراسة أشعار النابغين المجيدين من فحول الجاهلية والمخضرمين والمولدين وإلا لما تهيأ لها أن تحذوا حذوهم وتنسج على منوالهم وما تلك بالوحيدة بين أترابها في ذلك العصر الزاهر وما بعده بل يوجد كثيرات مثلها حتى بين الجواري القيان فضلاً عن حرائر الآنسات الحسان. * * * ولدت عليه حفيدة المنصور_ثاني خلفاء العباسيين_وبنت المهدي وأخت موسى الهادي وإبراهيم ابن المهدي وهارون الرشيد والعباسة وأسماء وعمة الأمين والمأمون والمعتصم وصالح من سرية أم ولد تدعى مكنونة جارية المروانية وذلك سنة ١٦٠ للهجرة وأدركتها الوفاة نحو سنة ٢١٠ وقد ناهزت الخمسين على إثر حمى أصابتها وقد قال بعض المؤرخين في سبب وفاتها أن ابن أخيها المأمون ضمها إليه طويلاً وجعل يقبل رأسها والنقاب مسدول على وجهها فغصت بريقها من شدة ما نالها من حبس أنفاسها ثم شرقت وسعلت فكان في ذلك حتفها. قال أبو إسحق القيرواني في كتابه زهر الآداب كانت عليه لطيفة المعنى رقيقة الشعر حسنة مجاري الكلام رخيمة الصوت ولها ألحان حسان أحصاها أبو الفرج الصبهاني في كتابه فإذا هي ثلاثة وسبعون وكلها حسن مختار. وقال النوفلي عنها أنها من أوضئ النساء وجهاً وأعدلهن قواماً وأظرفهن كلاماً تقول الشعر المتين الجيد وتصوغ الألحان الحسنة وكان في جبينها أثر من شجة أو فضل سعة ينقص من محاسنها فاتخذت العصائب المكللة بالجواهر تستر ذلك العيب فكان ما أحدثته خير ما ابتدعته النساء وقد وهم من قال أن أختها العباسة المبدعة لتلك العصائب فإن ذلك لم يقله أحد من ثقاة المؤرخين.

стр. 3246

وقال إبراهيم ابن إسماعيل الكاتب كانت علية حسنة الدين لا تغني ولا تشرب إلا إذا كانت معتزلة الصلواة فإذا طهرت أقبلت على الصلاة وتلاوة الأوراد ومطالعة الكتب_إلا أن يدعوها الخليفة إلى شيء فلا تقدر على خلافه_وأطرب شيء إليها قول الشعر. وكان أحد أحفاد الفضل بن الربيع وزير الرشيد يقول ما اجتمع في الإسلام أخ وأخت أحسن غناءً من إبراهيم بن المهدي وأخته علية وكانت أخته تقدم عليه. حدث يوماً أبو أحمد بن الرشيد فقال: دخل في بعض الأيام المأمون إلى دار الحرم ودخلت معه فسمعت غناءً أذهل عقلي فلم أقدر أن أتقدم ولا أتأخر وفطن المأمون لما بي فضحك ثم قال: هذه عمتك عليه تطارح عمك إبراهيم. مالي أرى الأبصار بي جافية ... لم تلتفت مني إلى ناحية لا تنظر الناس إلى المبتلي ... وإنما الناس مع العافية وقد جفاني ظالماً سيدي ... فأدمعي منهلة واهية والشعر والغناء لها ومن شهرها في أخيها الرشيد وقد دعته إلى وليمة فلبى دعوتها: تفديك أختك قد حبوت بنعمةٍ ... لسنا نعدُّ لها الزمان عديلا إلا الخلود وذاك قربك سيدي ... لا زال قربك والبقاءُ طويلا وحمدت ربي في إجابة دعوتي ... فرأيت حمدي عند ذاك قليلاً قال الراوي ما معناه: لما زارها الرشيد قال لها غنيني يا أختي فقال وحياتك لأعملن فيك شعراً ولأصوغنَّ فيه لحناً ولأسمعنك به غناءً يطرب الثكلى ويرقص المقعد ويشجي المدنف ثم نظمت في وقتها الثلاثة أبيات التي ذكرناها وغنت بها في لحن جديد من خفيف الرمل فأطرب الرشيد كثيراً واستعادها إياه مرَّات. ولها فيه أيضاً وقد دعا أختها العباسة إلى زيارته ولم يدعها: ما لي نُسيت وقد نودي بأصحابي ... وكنت والذكر عندي رائحٌ غادِ أنا التي لا أطيق الدهر فرقتكم ... فرق لي يا أخي من طول إبعادي ولها في ابن أخيها الأمين وكانت لما مات الرشيد جزعت عليه جزعاً شديداً وتركت اللهو والغناء فلم يزل بها الأمين حتى عاودتهما وهي كارهة فقالت: أطلتِ عاذلتي لومي وتفنيدي ... وأنت جاهلة شوقي وتسهيدي

стр. 3247

لا تشرب الراح بين المسمعات وزر ... ظبياً غريراً نقي الخد والجيد قد رنحته شمول فهو منجدل ... يحكي بوجنته ماء العناقيد قام الأمين فأغني الناس كلهم ... فما فقير على حال بموجود ولها في لبانة ابنة أخيها علي بن المهدي وكانت من حسان زمانها الفاتنات: وحدثني عن مجلس كنت زينه ... رسولٌ أمينٌ والنساءُ شهودُ فقلت له كرّ الحديث الذي مضى ... وذكرك من بين الحدث أريدُ وليس في شعرها هذا بشيء بجانب غزلياتها فإن لها من المقاطيع في طل ورشا. ومنها قولها في رشا وقد كنَّت عنه بزينب: وجد الفؤاد بزينباً ... وجداً شديداً متعباً أصبحت من كلفي بها ... صباً كئيباً منصبا ولقد كنت عن اسمها ... عمداً لكي لا تغضبا وجعلت زينب سترةً ... وكتمت أمراً معجباً قال وقد عزَّ الوصا ... ل ولم أجد لي مذهبا والله لا نلت المودَّ ... ة أو تنال الكوكبا فلما اشتهر أنها تكني عن رشا بزينب قال وقد صحفت زينب بلفظة ريب: القلب مشتاق إلى ريب ... يا ربما من هذا العيبِ قد تيمت قلبي فلم أستطع ... إلا البكاء يا عالم الغيب خبأت في شعري اسم الذي ... أرته كالخبءِ في الجيب وكانت لزبيدة زوجة الرشيد جارية اسمها طغيان وشت بها مرة إلى الرشيد فقالت علية تهجوها وفيه مع أدب الكتاب أشد أنواع الذم وهو من مبتكراتها المأثورة: لطغيان خف منذ ثلاثين حجة ... جديد فلا يبلى ولا يتمزقُ وكيف بلى خف الدهر وهو كلهُ ... على قدميها في الهواء معلقُ فما خرقت خفاً ولم تبل جورباً ... وأما (ثياب فوقهُ) فتمزقُ ولما مات رشا أو قتل شببت في طل فقالت وقد صحفت اسمه في البيت الأول تلميحاً: أيا سروة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى طل لديك سبيل

стр. 3248

متى يلتقي من ليس يهوى وخروجه ... وليس لمن يهوى إليه الدخولُ عسى الله أن نرتاح من كربة لنا ... فيلقى اغتباطاً خلة وخليلُ ولها فيه أيضاً وقد جعلت التصحيف في البيت الثالث: سلم على ذاك الغزال ... الأغيد الحسن الدلال سلم عليه وقل له ... يا غل الباب الرجال خليت جسمي ضاحياً ... وسكنت في طل الجمال وبلغت مني غايةً ... لم أدر فيها ما احتيال ثم صرحت بعه في أبيات أخر تستعطفه به وتتهمه بالصدود والإعراض وهي قولها وهو من أرق التشبيب: يا رب إني قد عرضت بهجرها ... فإليك أشكر إذ ذاك يا رباه مولاة سوءٍ تستهين بعبدها ... نعم الغلام وبئست المولاه طل ولكني حرمت نعيمه ... ووصاله ما لم يغثني الله يا رب إن كانت حياتي هكذا ... ضراً عليَّ فما أريد حياة والذي أدبها وعلمها وخرجها فنون الشعر إنما هو عمرو أبو حفص الشطرنجي وقد نشأ هذا في دار أبيها المهدي مع أولاد مواليه ثم انقطع بعد موت المهدي إلى علية هذه ولما زوجت بموسى بن عيسى العباسي خرج معها إلى دار زوجها ولما عادت إلى القصر بموت زوجها عاد معها وسمي شاعرها وهو القائل عن لسانها لما غضب عليها الرشيد: لو كان يمنع حسن العقل صاحبهُ ... من أن يكون لها ذنب إلى أحد كانت علية أربى الناس كلهم ... من أن تكافأ بسوءٍ آخر الأبدِ ما أعجب الشيء نرجوه ونحرمه ... قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي فكانت أبياته هذه سبب رضى الرشيد عنها وإقباله عليها ومن أحسن الغزل وأرقه قولها: يا عاذلي قد كنت قبالك عاذلاً ... حتى ابتليت فصرت صباً ذاهلاً الحب أول ما يكون مجانةً ... فإذا تمكن صار شغلاً شاغلاً أرضى فيرضى قاتلي فتعجبوا ... يرضى القتيل وليس يرضى القاتلا وكان الرشيد قد استحلفها ألا تكلم طلاًّ ولا تشبب به في شعرها ولا تسميه فحلفت له ثم همَّ

стр. 3249

يوماً بالدخول إليها وإذا بها تقرأ في سورة البقرة وقد بلغت الآية فإن لم يصبها وابلٌ فأطل وأرادت أن تقول فطل فقالت فالذي نهى عنه أمير المؤمنين فضحك وقال لها ولا كل هذا. هكذا روى القيرواني أما الأصبهاني فقال أنه عندما سمع الرشيد منها ذلك وهبها الغلام بعد أن قبل رأسها وقال لها لست أمنعك بعد اليوم من شيءٍ تريدينه وعندنا أن الرواية الأولى أدنى إلى الصحة على ما عهد من غيرة الرشيد وأنفته كيف وهو الهاشمي الأبي العزوف النفس ولقد روي عن لسان علية أنها قال لا غفر الله لي فاحشة ارتكبتها قط ولا أقول في شعري إلا عبثاً وهي هي التي تقول ما حرَّم الله شيئاً إلا وقد جعل فيما حلل منه عوضاً فبأي شيءٍ يحتج عاصيه وبالجملة لو لم يكن حبها للجمال مقصوراً على القيل والقال لما أكثرت من شعرها من ذكر الهجرة والوحشة والشوق فما نظمت بيتاً في التشبيب والغزل إلا كاد ينطق بعفتها وأدبها بغير لسان ويعرب عن نزاهتها وتصونها كأفصح ترجمان لأن النار لا تنبعث عن فؤَاد أخمدته الشهوات وأطفأت جذوته اللذات وما أحلى قولها تشكو وتتألم وهو من مهلهل الشعر: نام عذالي ولم أنم ... واشتفى الواشون من سقمي وإذا ما قلن بي ألمٌ ... شك من أهواه في ألمي ولو شئنا أن نأتي على جميع أخبارها ومنظوماتها وما ذكر الرواة من بدائعها ونكاتها لضاق بنا المقام وأدرك القارئ الملال فلم نرد بداً من الاقتصار على ما أوردنا تبصرة للرجال وتذكرة لمن أغفلن العلم ولم يعتنين بالفضل من ربات الحجال خاتمين هذا الفصل ببيتين لعلية لا يخلوان من الحكمة والعبرة لمن يكثر الزيارة واللبيب تغنيه الإشارة: إني كثرت عليه في زيارته ... فمل الشيءُ مملولٌ إذا كثرا ورابني منه أني لا أزال ارى ... في طرفه قصراً عني إذا نظرا سليم عنحوري

стр. 3250

مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن تتمة ما ورد في الجزء الماضي أقوال متقدمي فلاسفة الإسلام في الجن ابن سينا والفارابي. قال ابن سينا ﵀ في كتاب الحدود: الجن حيوان هوائي ناطق مكشف الجرم من شأنه أن يتشكل بأشكال مختلفة (قال) وليس هذا رسمه بل هو معنى اسمه اهـ قال أبو البقاء في كلياته: أي هذا بيان لمدلول هذا اللفظ مع قطع النظر عن انطباقه على حقيقة خارجية سواء كان معدوماً في الخارج أو موجوداً ولم يعلم وجوده فيه فإن التعريف الاسمي لا يكون إلا كذلك بخلاف التعريف الحقيقي فإن عبارة عن تصور ماله حقيقة خارجية في الذهن (ثم قال أبو البقاء) وجمهور أرباب الملل المصدقين بالأنبياء قد اعترفوا بوجوده واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة أيضاً. وفي رسالة للمعلم الثاني أبو نصر محمد الفارابي في جواب مسائل سئل عنها ما مثاله: (سئل) فيما رآه بعض العوام في معنى الجن وسأله عن ماهيته (فقال): الجن حي غير ناطق غير مائت وذلك على ما توجبه القسمة التي يتبين منها حد الإنسان المعروف عند الناس أعني الحي الناطق المائت، وذلك أن الحي منه ناطق مائت وهو الإنسان ومنه ناطق غير مائت وهو الملك، ومنه غير ناطق مائت وهو البهائم، ومنه غير ناطق غير مائت وهو الجن: فقال السائل: الذي في القرآن مناقض لهذا وهو قوله استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً والذي هو غير ناطق كيف يسمع وكيف يقول: فقال: ليس ذلك بمناقض وذلك أن السمع والقول يمكن أن يوجد للحي من حيث هو حي لأن القول والتلفظ غير التمييز الذي هو النطق، وترى كثيراً من البهائم لا قول لها وهي حية، وصوت الإنسان مع هذه المقاطع هو له طبيعي من حيث هو حي بهذا النوع كما أن صوت كل نوع من أنواع الحي لا يشبه صوت غيره من الأنواع كذلك هذا الصوت بهذه المقاطع التي للإنسان مخالف لأصوات غيره من أنواع الحيوان، أما قولنا: غير مائت فالقرآن يدل بذلك في قوله تعالى رب انظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين اهـ. أبو طالب المكي

стр. 3251

قال في قوت القلوب في الفصل الثلاثين تفصيل خواطر القلوب ما مثاله بعد سرد آيات وقال تعالى يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك وقال تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وقال ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون فمن السواء والتعديل والازدواج والتقويم أدوات الظاهر وأعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب. فأدوات الجسم هي الصفات الظاهرة. وأعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها الله تعالى بحكمته وسواها على مشيئته وقومها إتقاناً بصنعته وإحكاماً بصنعه (أولها) النفس والروح وهما مكانان للقاء العدو والملك وهما شخصان ملقيان للفجور والتقوى (ومنها) غرضان متمكنان في مكانين وهما العقل والهوى عن حكمين في مشيئة حاكم وهما التوفيق والإغواء (ومنها) نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة راحم وهما العلم والإيمان فهذه أدوات القلب وحواسه ومعانيه الغائبة وآلاته والقلب في وسط هذه الأدوات كالملك وهذه جنوده تؤدي إليه أو كالمرآة المجلوة وهذه الآلة حوله تظهر فيراها ويقدح فيه فيجدها. (ثم قال) فإذا أردا الله تعالى إظهار الخير من خزانة الروح حركها فسطعت نوراً في القلب فأثرت فينظر الملك إلى القلب فيرى ما أحدث الله تعالى فيه فيظهر مكانه فيتمكن على مثال فعل العدو في خزانة الشر وهي النفس، والملك مجبول على حب الهداية مطبوع على حب الطاعة كما أن العدو مجبول على الغواية مطبوع على حب المعصية فيلقي الملك الإلهام وهو خطوره على القلب بقدح خواطره يأمر بتقييد ذلك ويحسنه له ويحثه عليه وهذا هو إلهام التقوى والرشد. (ثم قال) ذكر تقسيم الخواطر وتفصيل أسمائها، فأما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من عمل الخير فهم (إلهام). وما وقع من عمل الشر فهو (وسواس). وما وقع في القلب من المخاوف فهو (الحساس). وما كان من تقدير الخير وتأميله فهو (نية). وما كان من تدبر الأمور المباحات وترجيها والطمع فيها فهو (أمنية وأمل). وما كان من تذكرة الآخرة والوعد والوعيد فهو تذكرة وتفكير.

стр. 3252

وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة. وما كان من تحدث النفس بمعاشها وتصريف أحوالها فهو همم. وما كان من خواطر العادات ونوازع الشهوات فهو لمم. ويسمى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطورة عدو بحسد أو خطرة ملك بهمس اهـ مخلصاً. الغزالي قال في المضنون الكبير: الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بأنفسها مختلفة بالحقائق اختلافاً يكون بين الأنواع مثال ذلك القدرة فهيب مخالفة للعلم والعلم مخالف للقدرة وهما مخالفان اللون واللون والقدرة والعلم أعراض قائمة بغيرها فكذلك بين الملك والشيطان والجن والملك فلا يدري أهو اختلاف بين النوعين كالاختلاف بين الفرس والإنسان أو الاختلاف في الأعراض كالاختلاف بين الإنسان الناقص والكامل وكذا الاختلاف بين الملك والشيطان وهو أن يكون النوع واحداً والاختلاف واقعاً في العوارض كالاختلاف بين الخير والشر والاختلاف بين النبي والولي، والظاهر أن اختلافهم بالنوع والعلم عند الله تعالى، وهذه الجوار المذكورة لا تنقسم أعني أن محل العلم بالله تعالى واحد لا ينقسم فإن العلم الواحد لا يحل إلا في محل واحد وحقيقة الإنسان كذلك فالعلم والجهل بشيء واحد في محل واحد متضادان وفي المحلين غير متضادين وأما أن هذا الجوهر غير منقسم وهل هو متحيز أم لا فهذا الكلام عائد إلى معرفة الجزء الذي يتجزأ فإن استحال الجزء الذي لا يتجزأ فهذا الجوهر غير منقسم ولا متحيز وإن لم يستحل الجزء الذي لا يتجزأ فيمكن أن يكون هذا الجوهر متحيراً_وقد قال قوم لا يجوز أن يكون غير منقسم ولا متحيز فإن الله تعالى غير منقسم ولا متحيز فمنا الذي يفصل هذا من ذلك وهذا غير مبرهن عليه لأنه ربما تباينا في حقيقة الذات وإن سلب عنهما الانقسام والتحيز والأمور المكانية وتلك سلوب والا عتبار بالحقائق لأن ما سلب عن الحقائق كالعرضين المختلفين بالحد والحقيقة الحالين في محل واحد فإن إيجاب احتياجهما إلى المحل وكونهما في المحل لا يفيد تماثلهما فكذلك سلب الاحتياج إلى المحل والمكان لا يفيد اشتراك الشيئين ويمكن أن تشاهد هذه الجواهر أعني جواهر الملائكة وإن كانت غير محسوسة وهذه المشاهدة على ضربين إما على سبيل

стр. 3253

التمثيل كقوله تعالى فتمثل لها بشراً سوياً وكما كان النبي ﵊ يرى جبريل في صورة دحية الكلبي والقسم الثاني أن يكون لبعض الملائكة بدن محسوس كما أن نفوسنا غير محسوسة ولها بدن محسوس هو محل تصرفها وعالمها الخاص بها فكذلك وربما كان هذا البدن المحسوس موقوفاً على إشراق نور النبوة كما أن محسوسات عالمنا هذا موقوف عند الإدراك على إشراق نور الشمس وكذا في الجن والشياطين اهـ. وقال الغزالي في الإحياء في بيان تسلط الشيطان على القلب بالوسواس بعد تمهيد مقدمة ما مثله: فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة ثم الرغبة تحرك العزم والعزم يحرك النية والنية تحرك الأعضاء والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العقبة وإلى ما يدعو إلى الخير أعني إلى ما ينفع في الدار الآخرة فهما خاطران مختلفان فأفتقر إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاماً والخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواساً ثم أنك تعلم أن هذه الخواطر حادقة ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنة الله تعالى فر ترتيب المسببات على الأسباب، فمهمات استنارت حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى (ملكاً) وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى (شيطاناً) واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى (توفيقاً) والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى (إغواءً وخذلاناً) فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة. و (الملك) عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالخير والأمر بالمعروف وقد خلقه الله وسخره لذلك. (والشيطان) عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير بالفقر. فالوسوسة في مقابلة الإلهام. والشيطان في مقابلة الملك. والتوفيق في مقابلة الخذلان. وإليه الإشارة بقوله تعالى (ومن كل شيء خلقنا زوجين). ابن حزم قال ﵀ في كتابه الفصل في الكلام على الجن ووسوسة الشيطان ولعله في

стр. 3254

المصروع: لم ندرك بالحواس ولم علمنا وجوب كونهم ولا وجوب امتناع كونهم في العالم أيضاً بضرورة العقل ولكن علمنا بضرورة العقل إمكان كونهم لأن قدرة الله تعالى لا نهاية لها وهو يخلق ما يشاء ولا فرق بين أن يخلق خلقاً عنصرهم التراب والماء فيسكنهم الأرض والهواء والماء_وبين أن يخلق خلقاً عنصرهم الهواء والنار فيسكنهم الهواء والنار والأرض بل كل ذلك سواء وممكن في قدرته لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحيلة للطبائع بنص الله على وجود الجن في العالم وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم وقد جاء النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة متعبدة موعودة متوعدة متناسلة يموتون وأجمع المسلمون كلهم على ذلك نعم والنصارى والمجوس والصابئة وأكثر اليهود، وهم يروننا ولا نراهم قال الله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم فصح أن الجن قبيل إبليس قال الله إلا إبليس كان من الجن، وإذا أخبرنا الله أننا لا نراهم فمن ادعى أنه يراهم ورآهم فهو كاذب إلا أن يكون من الأنبياء ﵈ فذلك معجزة لهم كما نص رسول الله ﷺ أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته قال فأخذته فذكرت دعوة أخي سليمان ولولا ذلك لأصبح موثقاً يراه أهل المدينة أو كما قال ﵇ وكذلك في رواية عن أبي هريرة الذي رأى إنما هي معجزة لرسول الله ﷺ ، ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية جني بعد موت رسول الله ﷺ وإنما هي منقطعات أو عمن لا خير فيه. وهم أجساد رقاق صافية هوائية لا ألوان لهم وعنصرهم النار كما أن عنصرنا التراب وبذلك جاء القرآن قال الله والجان خلقناه من قبل من نار السموم والنار والهواء عنصران لا ألوان لهما وإنما حدث اللون في النار المشتعلة عندنا لامتزاجها برطوبات ما تشتعل فيه من الحطب والكتان والأدهان وغير ذلك ولو كانت لهم ألوان لرأيناهم بحاسة البصر ولو لم يكونوا أجساماً صافية رقاقاً هوائية لأدركناهم بحاسة اللمس. وصح النص بأنهم يوسوسون في صدور الناس وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فوجب التصديق بكل ذلك حقيقة وعلمنا أن الله جعل لهم قوة يتصلون بها إلى

стр. 3255

قذف ما يوسوسون به في النفوس، برهان ذلك قول الله تعالى من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ونحن نرى الإنسان يرى ما له عنده ثأر فيضرب وتتبدل أعراضه وصورته وأخلاقه وتثور ناريته، ويرى من يحب فيثور له حال أخرى ويبتهج وينبسط، ويرى من يخاف فتحدث حال أخرى من صفرة ورعشة وضعف نفس، ويشير إلى إنسان آخر بإشارات يحيله أيضاً بالكلام إلى جميع هذه الأحوال فعلمنا أن الله جعل للجن قوى يتوصلون بها إلى تغيير النفوس والقذف فيها بما يستدعونه إليه نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ووسوسته ومن شرار الناس وهذا هو جريه من ابن آدم مجرى الدم كما قال الشاعر: وقد كنت أجري في حشاهن مرة ... كجري معين في قصب الآس (وأما الصرع) فإن الله قال كالذي يتخبطه الشيطان من المس فذكر عن وجل تأثير الشيطان في الصروع إنما هو بالمماسة فلا يجوز لأحد أن يزيد على ذلك شيئاً ومن زاد على ذلك شيئاً فقد قال ما لا علم له به وهذا حرام لا يحل قال ولا تقف ما ليس لك به علم وهذه الأمور لا يمكن أن تعرف البتة إلا بخبر صحيح عنه ﷺ ولا خبر عنه ﵇ بغير ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق فصح أن الشيطان يمس الإنسان الذي يسلطه الله عليه مساً كما جاء في القرآن يثير به من طبائعه السوداء والأبخرة المتصاعدة إلى الدماغ كما يخبر به عن نفسه كل مصروع بلا خلاف منهم فيحدث الله له الصرع والتخبط حينئذ كما نشاهده وهذا هو نص القرآن وما توجبه المشاهدة وما زاد على هذا فخرافات من توليد العزامين والكذابين وبالله تعالى نتأيد اهـ كلام ابن حزم. الفخر الرازي قال في مباحث الاستعاذة من أوائل تفسيره: أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم بل القول المحصل فيه قولان (الأول) أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة لها عقول وإفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة (والقول الثاني) أن كثيراً من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في التحيز وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية (قالوا) وهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن. وقد تكون

стр. 3256

كدرة سفلية شريرة وهي المسماة بالشياطين (ثم قال) واعلم أن قوماً من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية: وهذا باطل لوجهين (الأول) أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان وليس بفرس والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي وهو النفس ويلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس (الثاني) هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لا يجوز أن يقال أن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم أنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان. وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا أن الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار وهذان المعنيان لأعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض، والأشياء المختلفة بالماهية لا يمنع اشتراكها في بعض اللوازم فلما لا يجوز أن يقال الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة وإن كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار وإذ ثبت هذا فنقول لم لا يجوز أن يقال أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها وهي غير قابلة للتفرق والتمزق وإذا كان الأمر كذلك فإن تلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ثم أن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام الكثيفة لا تفرقها، أليس أن الفلاسفة قالوا أن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر فلم لا يفعل مثله في هذه الصورة، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها وأن تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعين، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة والدليل لم يقم على إبطالها فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها. (ثم قال الرازي) اع لم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتاً خفية وحروفاً خفية فكأن متكلماً يتكلم

стр. 3257

معه ومخاطباً يخاطبه فهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه. ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة أن تلك الأشياء ليست حروفاً ولا أصواتاً وإنما هي تخيلات الحروف والأصوات وتخيل الشيء عبارة عن حضور اسمه ومثاله في الخيال وهذا كما إنا إذا تخيلنا صور الجبال والبحار والأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب بل الموجود في العقل صورها وأمثلتها ورسومها وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فإنا إذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لأجل أنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وأمثلتها وصورها. وإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة، ولقائل يقول هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية أولاً فإن حصلت المساواة فقد عاد الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء_وإن كان الحق هو الثاني وهو أن الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات فحينئذ يعود السؤال وهو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات وكيف نجد في أنفسنا هذه الكلمة أو العبارة وجداناً لا نشك أنها حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة على الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة. أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات حقيقية. واعلم بأن القائلين بهذا القول قالوا فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر وإما شيءٌ آخر روحاني مباين يمكن إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل أن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك وأما أن يقال خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى (أما القسم الأول) وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان قادر على تركه فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد فعلها أو تركها لقدر

стр. 3258

عليه ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره. (وأما القسم الثاني) وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر فهو ظاهر الفساد. ولما بطل هذا القسمان بقي (الثالث) وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى (أما الذين قالوا) أن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا أن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين، وأما الذي قالوا أنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى) اهـ. المارودي قال في كتابه أعلام النبوة: الجن من العالم الناطق المميز يتناسلون ويموتون، وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار، وإن تميزوا بأفعال وآثار، إلا أن يخص الله برؤيتهم من يشاء، وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية، وما تخيلوه من آثارهم الخفية، (ثم قال): واختلفوا في الشياطين فزعم قوم أنهم كفار الجن يتناسلون ويموتون وزعم آخرون أنهم غير الجن وإنهم من ولد إبليس واختلف من قال بهذا في تناسلهم وموتهم فذهب فريق منهم إلى أنهم يتناسلون ويموتون وذهب آخرون إلى أنهم كإبليس لا يموتون إلا معه وإن تناسلهم انقطع بأنظار إبليس إلى يوم يبعثون، فإن أنكر قوم خلق الجن ولم يؤمنوا بالكتب الإلهية قهرتهم براهين العقول وحجج القياس (ثم أسهب في ذلك ﵀. القاشاني قال في تفسير آية وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن في سورة الأحقاف ما مثاله: الجن نفوس أرضية تجسدت في أبدان لطيفة مركبة من لطائف العناصر سماها الحكمة الفرس (الصورة المعلقة) ولكونها أرضية متجسدة في ابدان عنصرية ومشاركتها الأنس في ذلك سميا ثقلين وكما أمكن الناس التهدي بالقرآن أمكنهم وحكاياتهم من المحققين وغيرهم أكثر من أن يمكن رد الجميع وأوضح من أن يقبل التأويل: وقال في تفسير سورة الجن: قد مر أن في الوجود نفوساً رضية قوية لا في غلط النفوس

стр. 3259

السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة إدراكها ولا على هيآت النفوس الإنسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة الغالب عليها الأرضية_وملا في صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوي وتتجرد أو تتعلق ببعض الأجرام السماوية متعلقة بأجرام عنصرية لطيفة غلبت عليها الهوائية أو النارية أو الدخانية على اختلاف أحوالها سماها بعض الحكماء (الصور المعلقة) ولها علوم وإدركات من جنس علومنا وإدراكاتنا، ولما كانت قريبة بالطبع من الملكوت السماوي أمكنها أن تتلقى عالمها بعض الغيب فلا تستبعد أن ترتقي إلى أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة أي النفوس المجردة_ولما كانت أرضية ضعيفة بالنسبة إلى القوى السماوية تأثرت بتأثير تلك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وإدراك مداها من العلوم، ولا تنكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق وتهلك أو تنزجر من الارتقاء إلى الأفق السماوي فتتسفل فإنها أمور ليست بخارجة عن الإمكان اهـ. القاضي أبو يعلي بن الفراء نقل عن السفاريني أنه قال: الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة ويجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافاً للمعتزلة في قولهم أنها أجسام رقيقة ولرقتها لا نراها (قال): ولا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور وإنما يجوز أن يعلم الله ضرباً من ضروب الأفعال إذا فعله نقله الله من صورة إلى صورة فيقال أنه قادر على التصوير والتخييل على معنى أنه قادر على أمر إذا فعل نقله الله عن صورة إلى صورة أخرى لجري العادة وإما أن يصور نفسه فذلك محال لأن انتقالها عن صورة إلى صورة إنما يكون بنقص البنية وتفريق الأجزاء وإذا انتقلت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل من الجملة وكيف تنقل نفسها (قال) والقول في تشكيل الملائكة مثل ذلك (وسيأتي أول الخاتمة مبحث تمثل الروحاني مفصلاً). شيخ الإسلام ابن تيمية نقل عنه السفاريني أنه قال: لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن وكذا جمهور الكفار لأن وجودهم تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوماً بالاضطرار يعرفه

стр. 3260

الخاصة والعامة (قال) ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهال الفلاسفة ونحوهم، (وقال) ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساوياً لما على الأنس في الحد والحقيقة لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء: (وقال في تفسير سورة الإخلاص) إن الفلاسفة كلامهم في الإلهيات والكليات العقلية قاصر جداً وفيه تخليط كثير وإنما يتكلمون جيداً في الأمور الحسية الطبيعية وفي كلياتها فكلامهم فيها في الغالب جيد، وأما الغيب الذي تخبر به الأنبياء والكليات العقلية التي تعم الموجودات كلها وتقسم الموجودات قسمة صحيحة فلا يعرفونها البتة فإن هذا لا يكون إلا ممن أحاط بأنواع الموجودات وهم لا يعرفون إلا قليلاً من الموجودات وما لا يشهده الآدميون من الموجودات أعظم قدراً وصفة مما يشهدونه بكثير، ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا أخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار وهم يظنون أن لا موجود إلا ما علموه هم والفلاسفة يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وإن كان هذا لا دليل عليه وليس لهم بهذا النفي علم فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم لكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن وإلا فليس في علم الطب ما ينفي وجود الجن وهكذا تجد من عرف نوعاً من العلم وامتاز به على العامة الذي لا يعرفونه فيبقى بجهله نافياً لما لا يعلمه، وبنو آدم ضلالهم فيما حددوه ونفوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به قال تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه لما يأتيهم تأويله اهـ. وقد أسهب ﵀ في كتابه الفرقان_المطبوع_فيما يتعلق بالجن الشياطين فليراجع. ابن القيم قال ﵀ في زاد المعاد في علاج الصرع ما مثله: الصرع صرعان صرع من الرواح الخبيثة الأرضية_وصرع من الأخلاط الردية. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون بأن علاجه بمقابلة الرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدفع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا
следующие страницы →