← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

١٣٠٠. آستير (النجم) _جريدة رومية يومية أسست هذه السنة تبيع ألفاً في سلانيك وترسل لمشتركها ألفاً فيكون المجموع (٢٠٠٠). قونوبي (البرغش) _جريدة رومية أسبوعية نصفها منظوم وهو القسم الأول حتى العنوان وشرائط الاشتراك ونصفها منثور وكلها هزل أسست قبل سنة ويباع منها ألف نسخة. نه آليثيا (الحقيقة الجديدة) _جريدة رومية يومية أسست سنة ١٩٠٣ ميلادية باسم اليثيا (الحقيقة) ثم بعد الدستور ضم لها نه آ (جديد). به لوس (ب بدل) (سهم) _جريدة رومية أسبوعية هزلية أسست هذه السنة تبيع مقدار ألف نسخة. أبوكا (زمان) _جريدة يهودية يومية أسست سنة ١٨٧٣ ميلادية ولها من المشتركين في سلانيك ستمائة وتبيع فيها مقدار ألف وخمسمائة ومشتركوها في الأطراف سبعمائة فيكون مجموع ما تصرفه ٢٨٠٠. الأمبرسيال ' إسرائيلية يومية. أسست سنة ١٩٠٨ ميلادية تبيع مقدار ألف نسخة. قرباج (سوط) _جريدة يهودية أسبوعية هزلية أسست هذه السنة فنالت رغبة الناس جميعهم ولذلك تبيع مقدار ستة آلاف نسخة. الآونير (المستقبل) _جريدة يومية تصدر يوم الاثنين والأربعاء والجمعة وتبيع مقدار ألف نسخة. أنشئت قبل ثلاث سنوات. ره وياتا بو بو لار (مجلة العوام) _مجلة يهودية أسبوعية تنشر في إدارة ما قبلها وترسل معها يوم الجمعة. ويرقوزيكو (شيطان) _جريدة يهودية أسبوعية هزلية لم تنل الرغبة مثل أختها قرباج. لاتريبوناليبر (المحكمة الحرة) _جريدة يهودية أسبوعية يباع منها مقدار ألف نسخة. جورنال دوسالونيك (جريدة سلانيك) _جريدة إفرنسية محررها إسرائيلي أسست قبل ١٥ سنة تصدر الأحد والثلاثاء والخميس تبيع في سلانيك مقدار ألف نسخة ولها فيها سبعمائة مشترك ولها في الأطراف أربعمائة مشترك فيكون مجموع ما تصرفه ٢١٠٠ نسخة. بروغره دوسالونيك (رقي سلانيك) _جريدة إفرنسية يومية محررها من أهل سلانيك أسست

стр. 3432

قبل ١١ سنة يباع منها مقدار ألف نسخة. كان للبلغار ثلاث جرائد قل مشتروها فخسرت فتعطلت جميعها. وأما أهل سلانيك فلا يزيدون عن مائة وخمسين ألفاً وقد كنت أحب أن أقايس أهل الشام وجرائدهم بأهل سلانيك وجرائدهم بهم المطالعة ولاسيما ويأتيهم كل يوم من جرائد إستانبول مثل طنين وأقدام وصباح ويكي غزته ما لا يمكن حصره ولكن لا علم لي بمقدار أهل الشام ولا بجرائدهم ولا بمقدار ما يصرف منها فهل لأحد الفضلاء ممن يعرف ذلك أن يتخذ هذه العجالة أساساً ويتحفنا بالمقايسة؟ سلانيك ر. ب التربية العقلية وضع أحد أساتذة المدارس الجامعة في فرنسا كتاباً في التربية العقلية قال فيه بشأن تعلم الإنشاء أن أفضل طريقة يتخذها المعلم في تعليم تلامذته ألا يقترح عليهم كتابة موضوع بدون أن يدلهم على الطريق التي يجب عليهم سلوكها لأن الأفضل في نظره أن تتدارك أغلاطهم قبل وقوعها من أن تصلح بعد كتابتها فإن نقد الأغاليط عقيم في الأكثر ولا يخلو دائماً من الضرب على سندان واحد فلأجل الفائدة من التصليح يجب أن يكون في الوظيفة أو الفرض بعض الميزات الابتدائية والأجدر أن تقرأ للمتعلم قطع من أقوال الغير في الموضوع الذي يقضي عليه كتابته. قال أن من الصعب تعليم الأولاد أن يكتبوا أو يحكموا كتابة صحيحة وحكماً صحيحاً ولكن من الممكن تلقينهم كلهم معنى النظام وحسن السياق وذلك يتأتى بدرس ما كتبه الكاتبون حق دراسته وتحليله وبيان مزاياه ومتانة تراكيبه ومتى تم للم رء أن يعرف ما حوت كتابة كبار الكتاب من الحسنات يوشك أن يقبض على سر الإنشاء. المدرسة والأخلاق وضع أحد علماء الألمان كتاباً في التربية الأخلاقية قال فيه أن الواجب في تعليم الأطفال أن يدربوا أنفسهم بأنفسهم وأن يعلمهم معلموهم كيفية التوفيق بين شخصيتهم الروحية وشخصيتهم الحسنة فيباحثوهم في موضوعات في الأخلاق الشخصية أو الاجتماعية ذات ارتباط كلي بحياة التلامذة أنفسهم وأن يعودوا في المدارس إلى القول بعدم المركزية أي

стр. 3433

الحكومة المستقلة بحيث يعدون الطفل للديمقراطية العملية ويكلون ذلك للمتقدمين من التلامذة. غاية التربية قال أستاذ التربية والعليم في كلية برلين أن غاية التربية تقوية حواس الشخص ما أمكن مع احترام الخلق الطبيعي وشخصية الأفراد فالواجب أن نحكم فيه قوة الانتباه والتفكر والذاكرة ولا نعجل في استثمار عقله. وهو يشدد كثيراً في تربية الإرادة لأنها أهم من كل شرح وتفصيل في تربية أخلاق المرء. آثار عربية ظفر البارون ماكس فون أوبنهايم اثناء سياحته في الشرق على عدة كتابات استخرج بعضها ودفعها إلى علماء الآثار ليحلوها ومن جملتها ١٩٦ أثراً عربياً حلها المسيو برشم ونشرها في كتاب خاص ومعظمها لم يعرف وهي مما عثر عليه السائح الألماني من جنوبي بحيرة حمص إلى دمشق ماراً بقلعة الحصن ومصياف وحماة وقنسرين وحلب والرها (أورفة) وماردين وديار بكر والبيرة وعينتاب وآذنة وطرسوس وقره مان وقونية ويرد تاريخ معظمها إلى عهد استيلاء المماليك على مصر ومنها ست كتابات من عهد الخليفة المنصور في ديار بكر تاريخها سنة ٢٩٧ من الهجرة وبعضها من عهد سيف الدولة ابن حمدان في حلب من سنة ٣٥٤ ومنها أثر وجد في دمشق من عهد السلطان طوطش السلجوقي (٤٨٠) وآخر في سلمية من عهد الأمير خلف ٤٨١. علم نفس الطفل ألف أحد علماء سويسرا كتاباً في تربية الأطفال وتعليمهم قال فيه: إن الطفولية يجب أن ينظر إليها بأنها باب للاستعداد للحياة وتختلف مدة الطفولية بحسب درجة كمال النوع فكلما اعتبر تاماً أي حافلاً غنياً بالمقاومات يطول طور الطفولية وعبثاً يريد المرء اختصار هذا الطول لأن الفطرة حمت هذا الدور من نقص التركيب بألف واسطة وكلما كانت الطفولية قصيرة يكون ترقي الطفل قاصراً. وتكلم عن لعب الطفل فقال أنه بالنسبة للطفل من أهم المعدات لاستقبال الحياة فإنا نرى اللعب حتى في الحيوانات سارياً بحسب قواهم الطبيعية فالهرة الصغيرة تلعب بكرة من الورق كما تلعب بفأرة والجدي تظاهر بأنه يناطح في حين

стр. 3434

ليس له قرون وكذلك الحال في الطفل فإن الألعاب على اختلاف ضروبها هي استعداد للعمل القانوني الذي يعمله يوم يبلغ أشده فمن كتب له أن يكون صالحاً في طفوليته يكون رجلاً تام الأدوات في رجوليته والطفل الذي رزق السلامة في أعضاءه والعمل لنما يعد جسمه للمشاق أفضل وأقدر في جهاد الحياة ممن يحملون الشهادات العالية التي تنبئ بدرسهم واستظهارهم فاللعب باعث قوي في نمو الحواس يمد كل من نشأ من النشاط وهو يشترك مع الفكر القوي في سن الفتوة فالواجب أن يترك هذا التصور يأخذ مأخذه كما يشاء ويضاف إلى ذلك رغبة الطفل في النظر والسؤال فينبغي أن لا يضن الأبواب بالجواب على أسئلة يسألها الابن هذا في سن الطفولية أما في سن البلوغ فإن التقليد من أكبر أدوات الارتقاء فالبالغ يبلغ عند الاقتضاء ليسهل التوفيق بينه وبين المطالب العالية والطفل يقلد في لعبه وهذا اللعب مما يفيده. والمهم في ذلك أن يطبق أعماله على محيطه وأن يقوي قواه ويتعلم معلومات جديدة وينمو على الدوام نمواً طبيعياً وأخلاقياً وهو يرتقي هذا الترقي إذا قابل بنفسه المصاعب التي يجب عليه التغلب عليها تناول بنفسه المعارف اللازمة والأسرار التي يقضى عليه كشفها وسبر غورها. وقال أن علم التربية والتعليم (بيداكوجيا) هو علم معرفة درجات النشوء الطبيعي في الطفل واستخدام كفاءاته الفطرية لترقيتها. سن تعليم القراءة يبدأ الأولاد بتعليم القراءة في إنكلترا في السنة الثالثة وفي سويسرا بين الخامسة إلى السابعة بحسب المقاطعات وقد بدأ إميل روسو في الخامسة عشرة. وبحث أحدهم بحثاً دقيقاً فتبين له أن الطفل يتعلم القراءة في الأكثر بسرعة بين السابعة والثامنة وتقل السرعة بين السابعة والسادسة وأن الأظهر في هذه الحال أن يبدأ في سن السادسة بتعلم القراءة. وأكدت مديرة مدارس الأمهات في فرنسا أن تعليم الولد قبل السادسة يضر جداً ولكنها سمحت بأن يقرأ الأولاد بين الخامسة والسادسة من أعمارهم نحو عشرين دقيقة فقط وقالت ينبغي أن يدل الطفل على الكلمات التي يقرأها ولا يكتفي بتكرارها فقط إذ تشتغل في تلك الحال ذاكرته فقط وأن يقرأ بصوته العادي بدون أن يرفعه وأن تستعمل له الألفاظ المستعملة نفسها بدون ألفاظ مجهولة.

стр. 3435

انتظام التجارة ثبت أن التكافل النامي في المصالح المادية بين البشر واضطرار كل بلدة أن تطلب المواد الأولية والمواد التي تفرغ في قالب آخر أو تبحث عن مصرف لبضائعها وحاصلاتها في البلدان الأخرى كان منه كان منه أن عدل النظام التجاري العام تعديلاً كبيراً لاسيما وقد أصبح اليوم طول سكك حديد الأرض مليون كيلومتر وكان سنة ١٨٧٠ مائتي ألف كيلومتر فقط وأصبحت السفن تحمل اليوم ٣٠ مليون طن وكانت سنة ١٨٧٥ لا تحمل غير ٣. ٧٠٠. ٠٠٠ طن وعدد الأسلاك البرقية البحرية ١٤٠٠ ولم يكن سنة ١٨٦٦ سوى سلك واحد فكيف تكون الحال يا ترى عندما تملأ البحور والبرور بالسفن والسكك والأجواء بالطيارات. التربية المشتركة كتب أحد العارفين في مجلة الأسبوع الأدبي في جنيف مقالاً في معنى تربية البنين والبنات في مدرسة واحدة فأورد عدة أمثلة تثبت أفضلية هذا النوع من التعليم ولاسيما لما شوهد من نتائجه الحسنة في إنكلترا وقال فيه أن تربية الجنسين معاً ولاسيما في المدارس الداخلية (كذا) اقل خطراً من تربية كل جنس مع أبناء جنسه. ومن شروط النجاح في ذلك أن يؤخذ الأولاد صغار السن جداً ويتركون يعيشون أبداً معاً ويطرحون العناصر التي لا يمكن التوفيق بينها فيربى الأولاد والشبان في مدارس الفلاة حيث تسلم الحياة من الشوائب وأخلاق الجد تكون أحسن أثراً وأن يسلموا إلى مربين تخرجوا على الأصول الحديثة في علم النفس فيربى كل جنس بحسب طبيعته وما ينتظره في حياته من الواجبات. الولادات والوفيات كانت الولادات أزيد من الوفيات سنة ١٩٠٨ في أكثر ممالك أوربا فبلغت الولادات في ألمانيا ٨٧٩. ٥٦٢ والوفيات ٧٩٥. ١٠٧ وفي النمسا ٣١٣. ٦١٦ و٣٠١. ٩٣٦ وفي المجر ٢٣٩. ٧٦٠ و٢٢٨. ٣٣٨ وفي البلجيك ٦٤. ٨٣٧ و٦٧٣٠٥ وفي إنكلترا وغاليا ٤١٩. ٩٢١ و٣٤٦. ٨٤٧ وفي بلاد القاع أو هولاندة ٨٤. ٩٢٦ و٧٥. ٩١١ وفي إيطاليا ٣٦٨. ٦٦٧ و٣٨٥. ١٦٥ وفي نروج ٢٧. ٦٠٠ و٣٠. ٤٥٠ وفي السويد ٥٨. ٤٠٧ و٤٤. ٢٠٤.

стр. 3436

الهند البريطانية وضع أحد علماء فرنسا كتاباً في الهند بعد درس عشرين سنة فقسمها إلى قسمين قسم مساحته مليونان وستمائة ألف كيلو متر مربع وسكانه ٢٣٢ مليون نسمة وهذا القسم تحكم عليه إنكلترا مباشرة وقسم مساحته مليون وسبعمائة وخمسون ألف كيلو متر مربع سكانه ٦٢ مليوناً ونصف مليون وهذا القسم يحكمه راجات الهند والزعماء الوطنيون المحالفون للعرش البريطاني ولهم مستشارون إنكليز. ومناخ البلاد بالطبع مختلف باختلاف الأصقاع فإقليم راجبوتانا رمال تبعث الحرارة المدهشة في الصيف وتجلد المياه في الشتاء. ومسالة المياه أهم ما في الهند من المسائل وقد أقام الإنكليز في إقليم بنجاب أعظم آلات الري في العالم ويقدر عدد من يهلك كل سنة في الألف ٣١ منهم ١٩ بالحمى. والسكان طوائف وكل طائفة تخرج منها أناساً ولكن لا تدخل إليها أحداً وكان عددهم منذ نحو خمسين سنة لا يتجاوز المئة فأصبح اليوم ٢٣٧٨ تقسم بين ٤٣ عنصراً وتابعية. ومنها أربع طوائف يتألف منها ١٦ في المئة من الشعب الهندي وهي طبقة البراهمة وعدد أعضائها ١٤. ٨٠٠. ٠٠٠ والشاماريين ١١ مليوناً وكل واحدة من الرجابوتيين والآهريين ١٠ ملايين والطبقات الكبيرة تسحق الصغيرة. والظاهر أن المناخ مؤثر جداً في السكان حتى أصبحوا إلى الكسل أقرب منهم إلى حياة العمل وكل واحد يريد أن يعمل له وهو مستريح فتجد في كل خمسة رجال يعملون بحسب الظاهر واحداً لا يعمل شيئاً أصلاً يستريح وآخر يناظر وآخر يعاون فالأرض تؤجر من كبير إلى أصغر وتتعاورها الأيدي بالإيجار. وكثرة الديانات تزيد الأعياد وأيام الراحة والناس لا يربحون ولا ينظرون في المستقبل والفائض فاحش جداً عندهم ولذلك ترى المرابين في خطر أبداً من السلب والقتل على أن الفلاح اقرب إلى الاتفاق مع المرابي من جباة الأموال لأن جباة الأموال لأن الضرائب ثابتة لا تتغير بحسب جودة المواسم وعدمها ولها أوقات معينة لا مناص من أدائها فيها ولذلك تراه عند الضائقة يعمد إلى المرابي فيستدين منه بفائض كبير وقد كان ثلث الفلاحين منذ ثلاثين سنة مدينين على أمل أن يخلصوا من ديونهم والثلثان الآخران لا أمل لهما بالخلاص حتى اضطرت الحكومة الإنكليزية في بنجاب أن تسن قانون ١٩٠٠ تقضي فيه على الفلاح أن لا يبيع أرضه إلا

стр. 3437

من فلاح ولكن المرابين كلهم أصحاب زراعات ولذلك لم يقل بيع الأراضي ولا رهنها. ولم تنفذ الحكومة هذا القانون في البلاد الأخرى. وقوة الحكومة البريطانية في الهند ناشئ من كون إنكلترا تحكم عناصر مختلفة من السيخيين والمسلمين ولماهراتيين والهنود والبرمانيين وكلهم يتحاسدون بينهم وينفصل بعضهم عن بعض في الجنس والعادات والأديان ولذلك كان من الصعب إشراكهم كلهم في منافع الإدارة على قدم المساواة وعدد المسلمين هناك ٦٢ مليوناً والهنود ٢٠٧ ملايين وكان المسلمون حكام البلاد مدة قرون لذلك يحتقرون المسابقات التي تجري للدخول في الوظائف أما البراهمة فيتسابقون إليها. تربية العقل ألف الدكتور تولوز الفرنسوي كتاباً في هذا المعنى قال فيه أن النظر أفيد للمرء من البحث والدرس في خزائن الكتب والتمرن على حكم الأمور الواقعة خير من إملاء الذهن بمعارف ميتة لا محصل لها والعمل خير من التصور والحركة أفضل من التخيل وتكلم فيه على ضرورة العمل للإنسان فقال يجب أن يعمل المرء ليعيش لا أن يعيش ليعمل وأن الراحة الحقيقية هي في الانقطاع بضعة أسابيع عن العمل كل الانقطاع بعد قضاء زمن في الجهاد والجد لا في تعديل العمل وتخفيفه. جلسة الأولاد تبين أن السبب في تشويه أجسام الأولاد استعدادهم الكلي للجلوس على مقاعد كيفما اتفق وأن البحث قد أثبت بأن في كل خمسة ملايين طالب يتخرج ٥٧٠ ألفاً مشوهين في أجسامهم وأحسن واسطة لاتقاء ذلك إجلاسهم على مناضد عالية بحيث لا يكادون يقعدون إلا منتصبة قاماتهم وأرجلهم تمس الأرض وبذلك يقوى هيكلهم العظمي على طبيعته ويتنفسون تنفساً حسناً. الخطوط الحديدية في الأرض ظهر من إحصاء أخير أن طول السكك الحديدية في القارات الخمس زاد في السنة الماضية ٢٥ ألف كيلومتر فتجاوز طولها المليونان كيلومتر منها أربعمائة ألف فقي الولايات المتحدة وكندا ومئة ألف في أميركا الجنوبية وستون ألفاً في ألمانيا ومثلها في روسيا وخمسون ألفاً في فرنسا وثلاثة وأربعون ألفاً في النمسا وثمانية وثلاثون ألفاً في إنكلترا وجميع الخطوط

стр. 3438

الحديدية في آسيا لا تتجاوز الخمسة والتسعين ألف كيلومتر وفي أفريقية أحد وثلاثين ألفاً وفي أستراليا تسعة وعشرين ألفاً. صحة المدارس تكلم أحد الخطباء في مؤتمر الفنون في المدرسة في نانسي إحدى حواضر فرنسا في موضوع صحة المدارس فقال أن للنور دخلاً كبيراً في القراءة وإن الواجب أن تكون حروف المطبعة ثخينة في الجملة وأن يعتنى باختيار الألوان المفرحة في الجدران والحوائط ويستغنى عن الألوان الباهتة القذرة كلون الشوكولا والألواح الحجرية السود. والألوان البيضاء الجافية التي تجعل صفوف المدارس كأنها غرف مستشفيات بل الواجب تنويع الألوان والأدهان على الطريقة المقبولة للأولاد فاللون الأحمر والأزرق والبرتقالي مما ينفع النفس والنظر في الأيام الممطرة الغائمة وتكون للنفس بمثابة شعاع الشمس قال والواجب الإكثار في المدارس من الزهور والورود تزرع كيفما اتفق في الأفنية والمماشي ويعلم الصبي احترامها حتى لا يقطفها بمجرد وقوع نظرة عليها كما يعلم مراعاة الحيوان. الأولاد المدخنون حقق أساتذة هولانديون تأثير التدخين في الأولاد ثبت لهم مضاره في عقولهم وأخلاقهم والمدخنون هم كسالى وفاسدو الأمزجة والتراكيب ويزيد معدل المدخنين من الأولاد بالنسبة لحالة أهليهم من الرفاهية وعدمها.

стр. 3439

العدد ٥٣ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١٠

стр. 3440

أبو العلاء المعري ١ً_موطنه وأسرته إلى جنوبي حلب على بعد ثماني عشرة ساعة عنها بلدة معتدلة الهواء قديمة عرفها الرومانيون باسم (خالس) ثم لقبت لعدهم بذات القصور وهي اليوم قضاء من أعمال حلب يعرف بقضاء معرة النعمان نسبة إلى المعرة قصبة ولفظة المعرة سريانية بمعنى المغارة وليست في شيء من التفاسير التي عددها ياقوت الحموي في معجم البلدان ولقد زعم بعض المؤرخين أنها سميت بمعرة النعمان نسبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري عامل حمص الذي مر بها فمات له ولد دفنه فيها فنسبت إليه وقد توفي النعمان سنة ٦٥ هـ (٦٨٤م). وعندي أن رأي ياقوت فغي معجمه أقرب إلى الصحة وهو أنها نسبت إلى أحد أجداد المعري وهو النعمان الملقب بالساطع ابن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن خزيمة بن تيم الله بن تنوخ بن أسد بن دبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. فتنوخ إحدى القبائل الثلاث التي هي نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب اجتمعت هذه القبائل مع غيرها في البحرين وتحالفوا على التناصر وأقاموا هناك فسموا تنوخاً وتنوخ بمعنى الإقامة فتكون تنوخ حياً من بني قضاعة من عرب اليمن (وقيل من الأزد) خرجوا من مدينة مأرب إلى البحرين عند سيل العرم ثم تفرقوا في نواحي العراق والشام ونزل منهم النعمان زعيم قبيلته بالمعرة فنسبت إليه وهو أوجه الأقوال وأمثلها. فمعرة النعمان كانت حصينة منيعة فتحها المسلمون في صدر الإسلام ثم استولى عليها الإفرنج الصليبيون سنة ٤٩٢هـ (١٠٩٨م) وأعادها المسلمون إلى أيديهم سنة ٥٢٩هـ (١١٣٤م) وزارها ابن بطوطة وابن جبير وغيرهما من السياح وقالا أنها كانت لعدها من أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقاً وبساتينها ممتدة إلى مسافة يومين وفيها الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه. ولا شان لفستقها اليوم ولكن فيها الزيتون والتين الزبيب والعسل وأنواع الحبوب والقطن وفيها صناعة النسيج والدباغة. وتوجد قرى كثيرة باسمها منها معرة مصرين قرب حلب ومعرة باش من قضاء النبك في جبل القلمون ومعرة صيدنايا من أعمال دومة وغيرها. وإلى المعرة ينسب كثير من العلماء أشهرهم أبو العلاء هذا وكذلك كانت موطن اسر

стр. 3441

مشهورة مثل الأمراء الأرسلانيين التنوخيين في لبنان وآل الجندي في حمص وغيرهم. وقد نشأ من التنوخيين في معرة النعمان سليمان بن محمد بن سليمان من سلالة النعمان ابن عدي المنتهي نسبه إلى الحاف بن قضاعة التنوخي الشهير وهو جد المعري لأبيه كان قاضياً في بلدته ومن العلماء الأعلام في وقته وترعرع ولده عبد الله والد المعري على الأدب وكلف بالعلم وتزوج امرأة مون آل سبيكة مواطنيه الذين عرفوا بآدابهم وخدم الأدب والمعارف إلى أن رزق ولده أبا العلاء هذا فكان صفوة هذا البيت وخلاصة ذكائه ومخيض زبده وآدابه. ٢ً_نشأَته ولد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن محمد بن سليمان التنوخي في معرة النعمان في بيت عرف بالأدب والفضل ومن والدين من سلالة العلماء يوم الجمعة في ٣ ربيع الأول سنة ٣٦٣هـ (٩٧٣م) وما أن انفتحت عيناه لنور العالم ومشاهدة جمال الطبيعة حتى مني بالجدري في أول سنة ٣٧٦هـ (٩٧٧م) فأطفأت نورهما وردته إلى قلبه فتوقد ذكاءً وقد رتجل شعراً لما عيره بذلك عبد الله الخوارزمي وهو قوله: قالوا العمى منظرٌ قبيحٌ ... قلت لكم بفقدي يهون والله ما في الوجود شيءٌ ... تأسى على فقده العيون وكثيراً ما كان يقول أحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر. ولقد كانت له أسوة بكثير من كبار الشعراء والعلماءِ الذين أصيبوا بالعمى مثل هوميروس اليوناني وبشار بن برد العربي وغيرهما والذي يظهر ممن شاهدوه أنه كان في أول أمره قد غشي يمنى حدقتيه بياض وذهبت اليسرى جملة فكانت إحدى عينيه بارزة والأخرى غائرة جداً وذلك يخالف ما ذهب إليه بعضهم من أنه كان أكمه. وكان يقول: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأنني ألبست في الجدري ثوباً معصفراً. وكانت في وجهه ندوب الجدري وهو نحيف الجسم عصبي المزاج حاد الذهن قوي الحافظة. قرأ النحو واللغة على أبيه ثم رحل إلى حلب وقرأ على محمد بن عبد الله بن السعد النحوي فتمن من آداب اللغة وطالع كثيراً من المؤلفات لوفرة المكاتب في حلب وقلتها في بلدته ونظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ولم يكتسب به بل نمه شارحاً فيه أغراض نفسه

стр. 3442

معبراً عن شواعره وواصفاً عجائب الكون ولاسيما الأفلاك. ومفسراً غرائب الاجتماع وحاضاً على الزهد والاعتزال. وممعناً في فلسفة الوجود. ومتشكياً من مناوأة الأيام ومساورة المصائب. وعلى الجملة فإنه أبلغ شاعر قام في الإسلام ذاهباً في شعره مذهب الفلسفة وحرية الفكر والنظر إلى الكون بعين العقل وكان مولعاً بمطالعة المتنبي وتحدي أفكاره فنظم على منواله غير متقيد بالصناعة اللفظية. وأتقن العلوم ابن عشرين سنة فصار مرجع الأدباء ومحط رحال البلغاء فتخرج عليه كثير من علماء عصره من أشهرهم أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي. وأبو زكريا الخطيب التبريزي شارح الحماسة. وقد رحل في تفقد المكاتب والتوسع بالمعارف إلى طرابلس الشام المشهورة بمكتبتها العظيمة إذ ذاك وسار إلى اللاذقية فنزل ديراً فيها وسمع أحد الهبان بعض العلوم واطلع على مذهبي اليهود والمسيحيين وكذلك قصد دمشق وحلب وبغداد وغيرها. وكان يرتزق من وقف كان يحصل منه ثلاثين درهماً في العام ينفق نصفها على من يخدمه فعورض في رزقه فذهب إلى بغداد متظلماً مما عارضه ٣٩٨هـ (١٠٠٧م) ثم عاد إليها ثانية سنة ٣٩٩هـ (١٠٠٨م) وأقام فيها سنة وسبعة أشهر فتفقد مكاتبها وتعرف بعلمائها ودرس عليه كثير منهم قال أبو القاسم التنوخي: لما ورد المعري بغداد قرأت عليه شعره وذكر أنه دخل عليه وهو في بغداد علي بن عيسى الربعي ليقرأ عليه شيئاً من النحو فقال له الربعي: ليصعد الاصطبل فخرج مغضباً ولم يعد إليه. ويروى أنه دخل يوماً مجلس المرتضى فعثر بإنسان فقال به: من هذا الكلب فقال المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً وله أخبار كثيرة لا محل لاستيفائها. ومن أشعاره في غربته يحن إلى وطنه قوله: قيا برق ليس الكرخ داري وإنما ... رماني الدهر إليها منذ ليالي فهل فيك من ماءِ المعرة قطرة ... تغيث بها ظمآن ليس بسال وعاد أبو العلاء من بغداد إلى المعرة سنة ٤٠٠هـ (١٠٠٩م) ولزم بيته وشرع في التصنيف والتدريس فتقاطر إليه الأدباء من كل صوب مقتبسين آثاره وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الاقتدار فانقطع إلى خدمة الآداب وسمى نفسه رهين المحبسين للزوم بيته

стр. 3443

ولذهاب عينيه كما صرح في ذلك بقوله: أرني في الثلاثة من سبحوني ... فلا تسأل عن الخبر النبيث لفقدي ناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسد الخبيث وكان يلعب الشطرنج والنرد (الطاولة). ويملي على بضع عشرة محبرة في فنون من العلم وولع بالعلوم الرياضية وأتقنها وله كثير من الأبيات الرياضية مثل قوله: طرق العلى مجهولة فكأنها ... صم العوائد مالها أجذار والعقل أنذرنا بما هو كائن ... في الدهر ثم تشعب الأنذار وعلى الجملة فإن المعري كان غزير الفضل وافر الأدب عالماً باللغة ضليعاً بآدابها حسن الشعر جزل الكلام قوي الذاكرة شديد الذكاء. ٣ً_حافظته ونوادره ووفاته اشتهر أبو العلاء بقوة الحافظة اشتهاراً عظيماً فاق فيه بديع الزمان الهمذاني وغيره وربما زاد حفظاً بالعمى فإنه يجمع الذهن ويقوي المخيلة. ومما يروى عنه أنه جرى حساب طويل بين رجلين في مكان تشرف عليه غرفته فسمع الحساب وحفظه. ثم ضاعت الأوراق بعد أيام فأملاها عليهما ووجدت الأوراق بعد ذلك فكانت طبق إملائه. وأعجب من هذا أنه كان يوماً عند يهودي فأتاه يهودي آخر واستودعه صرَّة. ثم جاء يطلبها بعد سنة فأنكرها فرافعه إلى القاضي ولم يكن بينهما شهود إلا المعري فاستقدمه القاضي وسأله. فقال: إنني رجل أعمى لم أبصر ما كان بينهما. ولكنني سمعت كلاماً بالعبرانية أذكر لفظه ولا أعرف معناه. فدعا القاضي يهودياً خالي الذهن من القصة وأعاد عليه الشيخ ذلك الكلام فإذا هو يؤذن بصحة الدعوى. وأنشده مرة أبو نصر المنازي قوله: وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظماءٍ زلالاً ... ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم

стр. 3444

فقال له أبو العلاء: أنت أشعر من بالشام. وطويت الأيام على قوله فلما رحل إلى بغداد أنشهد المغازي فيها: لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى شحبى قلب الخلي فقيل غنى ... وبرح بالشجي فقيل ناحا وكم للشوق في أحشاء صبٍ ... إذا اندملت أجد لها جراحا ضعيف البصر عنك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى بذاك بنو الهوى سكرة صحاة ... كأحداق المهى مرضى صحاحا فقال له أبو العلاء. ومن بالعراق علي قوله قبلاً (أنت أشعر من بالشام) إلى غير ذلك وكان يقصده كثير من العلماء للتعارف به وممن نزل بالمعرة القاضي عبد الوهاب البغدادي فمدحه المعري (راجع ابن خلكان ١: ٤٣١). ومكن نوادره أن الوزير أبا الفضل التميمي الدرامي البغدادي اجتمع بأبي العلاء هذا في بلدته المعرة لما بعثه القائم بأمر الله العباسي من بغداد رسولاً إلى صاحب أفريقية المعز بن باديس وأنشده قصيدة لأمية يمدح بها صاحب حلب قبل عينه وقال لله أنت من ناظم. ولقي يوماً غلاماً فسأله عن الطريق فدله. فسأله الغلام عن اسمه فعرفه به فقال له أأنت القائل: وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل قال: نعم. قال: إن الأوائل وضعوا ٢٩ حرفاً للهجاء فهل لك أن تزيد عليها حرفاً فسكت وقال لرفيقه: أن هذا الغلام لا يعيش لحدة ذهنه وهكذا كان. وبقي أليف الأدب منقطعاً إلى التدريس حتى مرض ثلاثة أيام ومات في الرابع منها ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم الثالث من مرضه: اكتبوا عني. فتناولوا الدوي والأقلام فأملى عليهم غير الصواب فقال القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت. فمات يوم الجمعة ثالث ربيع الأول سنة ٤٩٩هـ (١٠٥٨م) بالمعرة. وفي طبقات ابن الأنباري أنه توفى سنة ٤٩٩ وهو خطأ. وقبره في ساحة من دور أهله وعلى الساحة باب صغير قديم وهو مهمل وقد أوصى أن يتب على قبره: هذا جناه أبي عليَّ (م) ما جنيت على أحد.

стр. 3445

والمشهور أنه مكتوب على قبره: قد كان صاحب هذا القبر جوهرة ... مكنونة صاغها الرحمن من شرف عزت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردها غيرة منها إلى الصدف وقرئ على قبره سبعون مرثية ورثاه نحو ١٨٠ شاعراً. ٤ً_أخلاقه ومعتقده كان المعري حاد الذهن عصبي المزاج فضاق خلقاً في آخر أيامه لأن العمى يرث الضجر كثرت مصائبه فاختار العزلة وأكثر الشكوى وسوء ظنه بالناس بدليل قوله: من عاش غير مداج من يعاشره ... أساء عشرة أصحاب وأخدان كم صاحب يتمنى لو نعيت له ... وإن تشكيت راعاني وفداني قوله: توحد فإن الله ربك واحد ... ولا رغبن في عشرة الرؤساء يقل الأذى والعيب في ساحة الفتى ... وإن هو أكدى قلة الجلساء وكان حر الضمير تدل سريرته على ظاهرته ولذلك قال: وأردتموني أن أكون مدلساً ... هيهات غيري آثر التدليسا وربما تظاهر بما ليس من خلقه تلبية لقوانين المعاشرة كقوله: ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً ... تجاهلت حتى ظن أني جاهل فوا عجباً كم يدعي الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل وكان متواضعاً يمقت الكبرياء فلذلك قال: دعيت أبا العلاء وذاك مينٌ ... ولكن الصحيح أبو النزول وبقي نحو ٤٥ سنة منقطعاً عن أكل اللحوم والبيض واللبن مقتصراً على المآكل النباتية لأنه كان يذهب مذهب من تقدمه من الفلاسفة الذين لا يعذبون الحيوانات بالذبح وقال ابن الأنباري: أنه كان برهمياً ولذلك لما وصف له فروج وهو مريض لم يأكله بل خاطبه بقوله: استضعفوك فوصفوك. وإلى ذلك أشار تلميذه أبو الحسن علي بن همام في مرثيته له بقوله: وإن كنت لم ترق الدماء زهادةً ... فلقد أرقت اليوم من عيني دماً وكان يذهب مذهب الهنود أيضاً في إحراق جثة الميت كما جرى لسبنسر وكوخ في

стр. 3446

عصرنا بدليل قوله: حرَّق الهند من يموت فمازا (م) روه في روحة ولا تكبير واستراحوا من ضغطة القبر ميتاً ... وسؤال لمنكر ونكير وقلوه: إذا حرق الهندي بالنار نفسه ... فلم يبق غض للتراب ولا عظم فهل هو خاشٍ من نكير ومنكر ... وضغطة قبر لا يقوم لها نظم ومن قواعده السياسية التي يصدع بها عظماء ساستنا في هذه الأيام قولهُ: يقول لك العقل لذي بين الهدى ... إذا أنت لم تدرأ عدواً فداره فقبل يد الجاني الذي لست واصلاً ... إلى قطعها وانظر إلى سقوط جداره ومن مذهبه الشورى بدليل قوله: مُلَّ المقام فكم أعاشر أُمة ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها وهم أجزاؤها ومنه كره للمدح ولذلك قال: إذا أثني على المرء يوماً ... بخير ليس فيّ فذاك هاجي وحقي أن أساء بما افتراهُ ... فلؤم من غريزتي ابتهاجي ومن مبادئه التثبت عند حلول النوائب كما قال: غير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شاد وشبيه صوت النعي إذا قي ... س بصوت البشير في كل نادٍ أبكت تلكم الحمامة أم ... غنت على فرع غصنها مياد ذهب مذهب القائلين أن وجود الولد جناية فلم يتزوج بدليل ما أوصى أن يكتب على قبره وبدليل أقوال له كثيرة منها: على الولد يجني والد ولو أنهم ... ولاة على أمصارهم خطباء وربما كان متردداً في البعث والمعاد والخلود ولكن اعتقاده بها أكثر من إنكاره لها ومن قوله: أيها الملحد لا تعصي النهى ... فلقد صح قياس واستمر

стр. 3447

أن تعد في الجسم يوماً روحه ... فهو كالربع خلا ثم عمر ولذلك ألف بعضهم كتاباً في الدفاع عنه سماه (دفع المعرة عن شيخ المعرة) وألف كمال الدين ابن العديم كتاب (دفع التجري عن المعري) وكتبت مقالات كثيرة في تبرئته مما نسب إليه من الزندقة. ٥_شعره يكفي شعر المعري أن يقال في ناظمه أنه فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة وقد تصرف فيه تصرفاً غريباً وسرح خياله في العوالم العلوية والسفلية فمثلها أحسن تمثيل وحرص الناس على شعره فجمع في ثلاثة دواوين (لزوم ما لا يلزم) (وسقط الزند) و (ضوء السقط) وقد قلت فيها مور ياً: ومبذرق نظر اللفيفة جاءني ... والنار قربي بالثقاب يضرَّم مذ قال هذا ضوءُ سقط الزند قل ... ت له أراه لزوم مالا يلزم ومنها انتخب الآن ما يدل على مسرح خيال المعري وحسن وصفه ودقة فكره وقوة بصيرته فمن أقواله يصف السهر والليل من قصيدة: باتت عرى النوم من عيني محللة ... وبات كوري على الوجناءِ مشدوداً كأن جفني سقا نافر فزع ... إذا أراد وقوعاً ريع أو ذيدا ظن الدجى فظة الأظفار كاسرةً ... والصبح نسراً فما ينفك مزؤودا تناعس البرق أي لا أستطيع سرى ... فنام صحبي وأمسى بقطع البيدا كأنه غار منا أن نصاحبه ... وخاف أن نتقاضاك المواعيدا من يخبر الليل إذا جنت حنادسه ... والرمل عني لما طل أو جيدا أني أراح لأصوات الحداة به ... وللركائب يخبطن الجلاميدا كأنهن غروب ملؤها تعبٌ ... فهن يمتحن بالأرسان تقويدا ومن حماسياته قوله من قصيدة: يتهللون طلاقة وكلومهم ... ينهل منهن النجيع الأحمر لا يعرفون سوى التقدم آسياً ... فجراحهم بالسمهرية تسبر من كل من لولا سعر بأسه ... لا خضر في يمنى يديه الأسمر

стр. 3448

يذكي تلهب ذهنه أوقاته ... فكأنما هو بالغدو مهجر وضجيج طفلهم الحسام وإن ثوى ... منهم فتى فمع المهند يقبر فكأنهم يرجون ليقيا ربهم ... بالبيض تشفع عندهم وتكفر إنا من أقام الحروف وهي كأنها ... نونٌ بدارك والمعالم أسطر وقال من قصيدة أخرى في الغنى والفقر: وإن الغنى والفقر في مذهب النهى ... لسيان بل أعفى من الثروة العدم وما نلت مالاً قط إلا ومال بي ... ولا درهماً ولا در بي الهم لك الخير قد أنفذت ما هو ملبسي ... حياءً وعند الله من قائل علم ولو أنه أضاف أضعاف مثله ... من التبر لم يثبت له في نداك اسم وأهون به في راحة أريحية ... كآخر ماضٍ ليس من شأنه الضم فمني تقصير ومنك تفضل ... بعذر فلا حمد لدي ولا ذم فلو كنت شعراً كنت أحسن منشد ... سليم القوافي لا زحاف ولا خرم وقال أيضاً من قصيدة أخرى: تقول ظباء الحزم والدمع ناظم ... على عقد الوعاء عقد ضلال لقد حرمتنا أثقل الحلي أختنا ... فما وهبت إلا سموط لآلي فإن صلحت للناظمين دموعنا ... فأنتن منهن والكثيب حوالي جهلتن أن اللؤلؤ عندنا ... رخيص وأن الجامدات غوالي ولو كان حقاً ما ظننتن لاغتدت ... مسافة هذا البر سيف أوال وقال في نار القرى: المو قدي نار القرى الآصال والأ ... سحار بالأهضام والأشعاف حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ... ترمي بكل شرارة كطراف وقال في خلاء الفكر للنظم والنثر: ولولا ما تكلفنا الليالي ... لطال القول واتصل الروي ولكن القريض له مغان ... وأولاها به الفكر الخالي وقال في التوجيه البديعي:

стр. 3449

فدونكم خفض الحياة فإنما ... نصبنا المطايا في الفلاة على القطع وقال أيضاً: حروف سرى جاءت لمعنى أردته ... برتني أسماءٌ لهن وأفعال قال: لو جرت النباهة في طريق ال ... خمول إليَّ لاخترت الخمولا قال: فصرفني فغيرني زماني ... سيعقبني بحذف وإدغام وقال من قصيدة: وليلا تلحق الأهوال فيه ... بفود الشيخ ناصية الغلام إذا سئموا الرحيل فكل غر ... يرى صرعاته خلس اغتنام كأن جفونه عقدت برضوى ... فما يرفعن من سكر المنام لو أن حصى المناخ مدى حداد ... أزرتها النخور من السآم وجاز إليّ إبرادي هجير ... يجوز من القراب إلى الحسام يرد معاطس الفتيان سفعاً ... وإن ثني اللثام عن اللثام إذا الحرباء أظهر دين كسرى ... فصلى والنهار أخو الصيام وإذ دنت الجنادب في ضحاها ... أذاناً غير منتظر الإمام قال: وكم لك من أب وسم الليالي ... على جبهاته سمة اللئام مضى وتعرف الأعلام فيه ... غني الوسم عن ألف ولام قال: لفظ كأن معاني السكر تسكنه ... فمن تحفظ بيتاً منه لم يفق فرتب النظم ترتيب الحلي على ... شخص الجلي بلا طيش ولا خرق الحجل للرجل والتاج المنيف لما ... فوق الحجاج وعقد الدر للعنق فإن توافق في معنى بنو زمن ... فإن جل المعاني غير متفق قد يبعد الشيء من شيءٍ يشابهه ... إن السماء نظير الماءِ في الرزق قال: أرى المجد سيفاً والقريض نجاده ... ولولا نجاد السيف لم يتقلد وخير حمالات السيوف حمالة ... تحلت بإبكار الثناء المخلد قال: كأن كل جواب أنت ذاكره ... شنف يناط بأذن السمع الواعي قال: وكلامك المرآة تصدق في الذي ... تحكي وأنت الصارم المصقول

стр. 3450

قال: فيا قبر واهٍ من ترابك ليناً ... عليه وآه من جنادلك الخشن لأطبقت إطباق المحارة فاحتفظ ... بلؤلؤة المجد الحقيقة بالخزن قال: وليلة سرت فيها وابن مزنتها ... كميت عاد حياً بعدما قبضا كأنما هي إذ لاحت كواكبها ... خود من الزنج تجلى وشحت خضضا كأنما النسر قد قصدت قوادمه ... فالضعف يكسر منه كل ما نهضا والبجر يحتث نحو الغرب أينقه ... فكلما خاف من شمس الضحى ركضا ومنهل ترد الجوزاء غمرته ... إذا السما شطر المغرب اعترضا وردته ونجوم الليل وانية ... تشكو إلى الفجر إن لم تطعم الغمضا قال: وأرى ابا الخطاب نال من الحجى ... حظاً زواه الدهر عن خطابه لا يطلبن كلامه متشبه ... فالدر ممتنع على طلابه أثني وأخاف من ارتحال ثنائه ... عني فقيد لفظه بكتابه كلم كنظم العقد يحسن تحته ... معناه حسن الماء تحت حبابه فتشوفت شوقاً إلى نغماته ... إفهامنا ورنت إلى آدابه والنخل ما عكفت عليه طيوره ... إلا لما علمته من إرطابه ردت لطافته وحدة ذهنه ... وحش اللغات أوانساً بخطابه والنحل يجني المرَّ من نور الربى ... فيصير شهداً في طريق رضابه وقال ملغزاً في الإبرة: سعت ذات سم في قميصي وغادرت ... به أثراً والله يشفي من السم كست قيصراً ثوب الجمال وتبعاً ... وكسرى وعادت وهي عارية الجسم وقال وقد أبدع في تشبيه الليل والبرق: كما أغضى الفتى ليذوق غمضاً ... فصادف جفنه جفناً قريحاً إذا ما احتاج أحمر مستطيراً ... حسبت الليل زنجياً جريحاً وقال وقد أبدع: يا سعد أخبية الذين تحملوا ... لما ركبت دعيت سعد المركب غادرتني كبنات نعش ثابتاً ... وتركت قلبي مثل قلب العقرب

стр. 3451

قال: لا تطلبن بآلة أنت حاجة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل سكن السما كأن السماء كلاهما ... هذا له رمح وذاك أعزل قال: ولا تجلس إلى أهل الدنايا ... فإن خلائق السفهاء تعدي وقال يصف انعكاس صورة السماء ونجومها في مرآة الماء: فأطعمن في أشباههن سواقطاً ... على الماء حتى كدن يلتقطن باليد فمدت إلى مثل السما رقابها ... وعبت قليلاً بين نسر وفرقد قال: أطرق كأنك في الدنيا بلا نظر ... وأصمت كأنك مخلوق بغير فم وإن هممت بمين فاتخذ لفماً ... مضاعفات لتثني اللفظ باللفم وقال في ذم الدنيا من أبيات: وقد نطقت بأصناف العظام لنا ... وأنت فيما يظن القوم خرساء يموج بحرك والأهواء غالبة ... لراكبيه فهل للسفن إرساء إذا تعطفت يوماً كنت قاسية ... وإن نظرت بعين فهي شوساء قال: إن الأعلاء إن كانوا ذوي رشد ... بما يعانون من داءِ أطباءِ وما شفاك من الأشياء تطلبها ... إلا الألباء لو تلقى الألباء نفر من شرب كاس وهي تتبعنا ... كأننا لمنايا أحياء قال يصف الشباب: إن الشبيبة نار إن أردت بها ... أمراً فبادره إن الدهر مطفئها قال: إذا فعل الفتى ما عنه ينهى ... فمن جهتين لا جهة أساَء وقال في النساء: علموهن الغزل والنسج والرد ... ن وخلوا كتابة وقراءة فصلاة الفتى بالحمد والإخلاص ... تجزي عن يونس وبراءه تهتلك الستر بالجلوس أما الستر ... إن غنت القيان وراءه وقال في أدب الأخلاق: إذا صاحبت في أيام بؤس ... فلا تنس المودة في الرخاء ومن يعدم أخوه على غناه ... فما أدى الحقيقة في الإخاء ومن جعل السخاء لأقربيه ... فليس بعارف طرق السخاء

стр. 3452

وقال: القلب كالماء والأهواء طافية ... عليه مثل حباب الماء بالماء منه تنمت ويأتي ما يغيرها ... فيخلف العهد من هند وأسماء والقول كالخلق من سيءٍ ومن حسن ... والناس كالدهر من نور وظلماء وقال: ينافي ابن آدم حال الغصون ... فهاتيك أجنت وهذا جنى تغير حناؤه شيبه ... فهل غير الظهر لما انحنى قال: لن تستقيم أمور الناس في عصر ... ولا استقامت فذا أمناً وذا رعبا ولا يقوم على حق بنو زمن ... من عهد آدم كانوا في الهوى شعبا قال: يغدو على خله الإنسان يظلمه ... كالذيب يأكل عند الغرة الذيبا قال: تقادم عمر الدهر حتى كأنما ... نجوم الليالي شيب هذي الغياهب وقال في النمام: وإنك إن أهديت لي عيب واحد ... جدير إلى غيري بنقل عيوبي وقال في الرياء: والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وقال في فساد الناس: عرفتكم بني حواء قدماً ... فكلكم أخو ضغن مكور وما فيكم على الإحسان جازٍ ... ولا منكم على النعمى شكور قال: صدف الطبيب عن الطعا ... م وقال مأكله يضر كل يا طبيب ولا خلا ... ص من الردى فلن تغر قال: مثل الفتى عند التغرب والنوى ... مثل الشرارة إن تفارق نارها إن صادفت أرضاً أرتك خمودها ... أو وافقت أكلاً أرتك منارها قال: وغن اقتناع النفس من أحسن الغنى ... كما أن سوء الحرص من أقبح الفقر قال: وما الوقت إلا طائر يأخذ المدى ... فبادره إذ كل النهى في بداره رأتك البرايا ظالماً يا ابن آدم ... وبئس الفتى من جار عند اقتداره

стр. 3453

قال: اضرب وليدك تأديباً على رشد ... ولا تقل هو طفل غير محتلم فرب شق برأس جر منفعة ... وقس على شق رأس السهم والقلم قال: النفس عند فراقها جثمانها ... محزونة لدروس ربع عامر كحمامة صيدت فثنت جيدها ... اسفاً لتنظر حال وكر دامر ولقد نسبه بعضهم إلى الكفر لقوله: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا تحطمنا الأيام حتى كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك ولكنه قال أيضاً في محل آخر: خلق الناس للمعاد فضلت ... أمة يحسبونهم للنفاذ إنما ينقلون من دار أعمال ... إلى دار شقوة ورشاد وقال أيضاً: فإني وجدت النفس تبدي ندامة ... على ما جنته حين يحضرها النقل وإن صدئت أرواحنا في جسومنا ... فيوشك يوماً أن يعادوها الصقل وقد لوّم في قوله أيضاً: تاه لنصارى والحنيفة ما اهتدت ... ويهود حيرى والمجوس مضلله قسم الورى قسمين هذا عاقل ... لا دين فيه وديّن لا عقل له والمرجح أنه كان متردداً في مذهبه وربما كان إقراره بالدين في أخريات أيامه كيف لا وهو القائل: عجبي للطبيب يلحد في الخالق ... من بعد درسه التشريحا ولقد علم المنجم ما يو ... جب للدين أن يكون صريحا رب روح كطائر القفص ... المسجون ترجو بموتها التسريحا ومن ذلك قوله: اذكر إلهك إن هببت من الكرى ... وإذا هممت لهجعة ورقاد واحذر مجيئك في الحساب بزائف ... فالله ربك أنقد النقاد تغشى جهنم دمعة من تائب ... فتبوخ وهي شديدة الإيقاد

стр. 3454

قوله: أزول وليس في الخلاق شك ... فلا تبكوا عليّ ولا تبكوا قوله: لا ييأسن من الثواب مراقب ... لله في الإيراد والإصدار فترى بدائع أنبات متحسساً ... إن الجزاء بغير هذي الدار وشعره كله على هذا النمط من حرية الفكر والشكوى وله من القصائد الفخرية المشهورة وغيرها ما نجتزئ عن ذكره الآن ومن نوادر قصائده ما نشرته مجلة المقتبس (٢: ٩٧ و٤: ٦٦). وعلى الجملة فإن المعري دقيق التصور حتى يمثل لك أحياناً أموراً لا يستطيع تمثيلها البصير وهاك الآن من فلكياته ما يدل على سمو مخيلته فمن قوله في الفجر: كأن سنا الفجرين لما توليا ... دم الأخوين زعفران وأيدع أفاض علي تاليهما الصبح ماءه ... فغير من إشراق أحمر مشبع قوله: كأن الليل حاربها ففيه ... هلال مثلما انعطف السنان ومن أم النجوم عليه درع ... يحاذر أن يمزقها الطعان وقد بسطت إلى الغرب الثريا ... يداً غلقت بأنملها الرهان كأن يمينك سرقتك شيئاً ... ومقطوع على السرق البنان قوله: يغرن عليّ الليل كل غارة ... يكون لها عند الصباح توالي ولاح هلال مثل نون أجادها ... بجاري النضار الكاتب ابن هلال ولقد اعتنى كثير من الغربيين بجمع أشعاره وترجمتها إلى لغاتهم مثل كارليل المستشرق الإنكليزي أستاذ العربية في جامعة كامبريدج في أواخر القرن الثامن عشر فإنه ترجم بعض أبيات باللاتينية والإنكليزية. وهكذا فعل المستشرق النمساوي فون كريمر فإنه نشر مقالات كثيرة في (المجلة الجرمانية الآسياوية) عن أبي العلاء وأفكاره وشعره نظماً سنة ١٨٧٧م ثم ألف كتاباً بعنوان (أشعار أبي العلاء المعري الفلسفية) طبع في فينا سنة ١٨٨٨ نقل فيه نثراً أمكثر من مائتي بيت شعري من شعر المعري. ثم ترجم رباعياته بالإنكليزية نظماً صديقي أمين أفندي الريحاني اللبناني بكتاب انتخبه من دواوينه الثلاثة وطبع في نيويورك سنة ١٩٠٣ في ١٤٤ صفحة صدره بمقدمة بحث فيها عن أبي العلاء وسيرته ومن رأيه أن عمر الخيام الشاعر الفارسي قد تحداه وهما متعاصران. واختار موسى أفندي بيكييف من أفاضل قازان (روسيا) منتخبيات من لزوميات المعري ونقلها إلى التركية في

стр. 3455

نحو مائتي صفحة مطبوعة في أورنبورغ سنة ١٩٠٨. واعتنى كثير من القدماء بدواوينه فإن عبد الله بن السيد البطليموسي النحوي الأندلسي شرح سقط الزند شرحاً ستوفى فيه المقاصد وهو أجود من شرح أبي العلاء صاحب الديوان المسمى بضوء السقط. وكذلك التبريزي خريج المعري شرح سقط الزند. وكان الحسين بن الجزري شاعر بني سيفا أمراء طرابلس الشام مغرماً بالمعري فكتب على ديوانه لزوم ما لا يلزم: إن كنت متخذاً لجراحك مرهماً ... فكتاب رب العين مرهم أو كنت مصطحباً حبيباً سالكاً ... سبل الهدى فلزوم ما لا يلزم ودواوينه الثلاثة مطبوعة في مصر وسورية. وقد قابلت مجلة المقتطف الغراء بينه وبين ملتون الشاعر الإنكليزي الضرير صاحب (الفردوس الضائع) راجع السنة العاشرة صفحة ٤٤٩ ومجلة الهلال الغراء ترجمته في السنة الخامسة عشرة صفحة ١٩٥. وترجمة رضاء الدين أفندي فخر الدين من علماء أورنبورغ فغي روسية بالتركية التترية في ٧٢ صفحة طبعت في المدينة المذكورة سنة ١٩٠٨. وغيرهم. ولقد كان المعري والمتنبي وابن هانئ ممن اختطوا خطة جديدة في الشعر لم ترق في عيون المحافظين على الأسلوب القديم فلذلك لم يسمحوا للمترشحين للنظم أن يتحدوهم كما في مقدمة ابن خلدون وغيرها فالمعري أشبه فكتور هيكو عند الإفرنسيين وكذلك صنواه. ٦ً_نثره وكتبه أهم ما وصل غلينا من نثر المعري رسائله التي نشرت في بيروت سنة ١٨٩٤ مشروحة بقلم الأستاذ شاهين عطية اللبناني في ٢٤٠ صفحة. وفيها تكلف غريب وإغراب في النثر لم تألفه العامة وإليك الآن أمثلة منها تعرفه عند القراء: فمن نثره قوله من رسالة إن كان للآداب أطال الله بقاء سيدنا يتضوع. وللذكاء نار تشرق وتلمع. فقد فغمنا على بعد الدار أرج أدبه. ومحا الليل عنا ذكاؤه بتلهبه. وخول الأسماع شنوفاً غير ذاهبة. واطلع في سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة. ومما كتبه إلى صديق له سأله أن ينقصه في ترتيب المكاتبة وقد أيقنت أن رسل نصيحته ليس بسمار. وإن صواب رأيه عن غير ائتمار. ولم أكتب في أمر أبي فلان إلا متكشراً ثم ثنيت

стр. 3456

باسترفاد المعونة مذكراً. إذ كان أدام الله عزه لا يشير. لسائله إلى الرفد البعيد. ولا يضرب لراجيه رؤوس المواعيد. وكتب إلى أبي القاسم المغربي جواباً عن فصل كتبه إليه وهو برمته كلما هم خبري بالهمود. وأشرفت على الخمود. نعشني الله بسلام يرد من حضرته يجل ثري كالروضة الحزينة. والبارقة المزنية. ولو كنت عن نفسي راضياً. لشرفتها بزيارة حضرته. ولكني عنها غير راضٍ. وما أقربني إلى انقراض. وإنما أنا قضيض التمراد. ومتخلف المراد. وقد عددت في أناس قيل فيهم تهلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون. عما كانوا يعملون. فإن نعمت أو شقيت. فدعائي ينصل بحضرته ما بقيت اهـ. وكتبت من رسالة لو اتصلت كتب مولاي كاتصال الأمطار وتوالت توالي الأنفاس لكنت بوليها. أسر مني بوسميها. وإلى مستأنفها. أشوق مني إلى سالفها. وما يكتب إلا في بر. ولا يحث على غير المصلحة في الجهر والسر. وما أدري ما أقول في السعادة التي قد رزقتها عنده حتى غطت معايبي. وسترت الأسدة التي أضرت بي. فما أنكر بعدها أن تعد نظفات الدر لأم الأدراص. وأن تصاغ مناطق الذهب للرباح. وأن يدعي المدعون أن ريش ابن أنقذ سهام صائبة. أو قنوات يزينه. . . . وقد اطال في بعض رسائله حتى أن المطالع يمل مطالعتها ولا يتجلد ليتم قراءتها وأخصر رسائله ما ختمها بقوله: كانت كتبي إليه كبارح الأروى تكون في الدهر مرة. والآن صارت كسوانح الغربان وبوارح الظباء: تكاثرت الظ باء على خراش ... فما يدري خراش ما بصيد ومن ألحف فدواؤه ما قال بشار. وليس للملحف مثل الرد. وعليه سلام لو كان يوم عرفة. أو شهراً لكان ناتقاً أي شهر رمضان والسلام وحسبي لله وحده. وقد عني بطبع رسائل المعري هذه الأستاذ مرغليوث وترجمها بالإنكليزية معلقاً عليها شروحاً مفيدة من أدبية وتاريخية مصدرة بترجمة المؤلف شمس الدين الذهبي معتمداً على نسخة في مكتبة ليدن قابلها على نسخة بيروت المشار إليها وقال أنها ينقصها تسع رسائل وبعض العاشرة. ومن نثره الذي بين أيدينا الآن (رسالة الغفران) وهي التي وصفها شمس الدين الذهبي في ترجمة المعري بقوله له رسالة الغفران في مجلدة قد احتوت على مزدكة واستخفاف وله

стр. 3457

رسالة الملائكة ورسالة الطير على ذلك الأنموذج أرسلها إلى علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح صدرها بأشواق وتحيات ثم أشار إلى وصول رسالته إليه وأثنى عليها ثم استطرد في وصف الجنة ونعيمها ومن دخلها من الشعراء والملائكة على أسلوب أشبه بالشعر القصصي الروائي عند الإفرنج اليوم فجاء بعده بأكثر من قرنين دانتي شاعر الإيطاليين ونسج على منوالها (الرواية الإلهية) وملتون شاعر الإنكليز (الفردوس الضائع) وغيرهما ولكنهما لم يغربا باللغة مثله. وقد طبعت رسالة الغفران مصححة بقلم الشيخ إبراهيم اليازجي اللبناني في مصر سنة ١٩٠٧م في ٢١٣ صفحة. ولها نسختان مخطوطتان إحداهما في المكتبة الخديوية بمصر والثانية في مكتبة الكوبر يلي في الآستانة. ولا بأس أن ننتخب منها الآن قوله في الشعر صفحة ٥٥: فقال وما الأشعار فإني لم أسمع بهذه الكلمة قد إلا الساعة. فقلت الأشعار جمع شعر. والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط إن زاد أو نقص أبانه الحس. كان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات فجئت بشيءٍ منه إليك لعلك تأذن لي بالدخول من هذا الباب. ومن قوله يف اللغة صفحة ٩٣: والباب فيما كان مضاعفاً متعدياً أن يجيء بالضم كقولك عددت أعد ورددت أرد وقد جاء أشياء نوادر كقولهم شددت الحبل وأشد ونممت الحديث أتم وأنم وعللت القوم أعل وأعل. وإذا كان غير متعد فالباب الكسر كقولهم حل عليه الدين يحل وجل الأمر يجل. والضم في غير المتعدي أكثر من الكسر فيما كان متعدياً كقولهم شح يشح ويشح وشب الفرس يشب ويشب وصح الأمر يصح ويصح وفحت الحية تفح وتفح وجم الماء يجم ويجم وجد في الأمر يجد ويجد في حروف كثيرة اهـ. . وللمعري مؤلفات كثيرة غير ما ذكر ألمع إليها الحاج خليفة في كشف الظنون أهمها ظهر العصري في النحو. والفصول والغايات. وإقليد الغايات. وكتاب الفصول. وكتاب السادر. وقاضي الحق. والقائف على مثال كليلة ودمنة وتفسير منار القائف. ومبهج الأسرار. وملقي السبيل في المواعظ. والمواعظ السنية ونظم السور. والحقير النافع في النحو. وخطب الخيل عن ألسنتها. ورسائل المعونة. والصاهل والساجح. وزجر النائح يتعلق بلزوم ما لا يلزم. السجعات العشر في الوعظ. وسجع الحمائم. والسجع السلطاني في

стр. 3458

مخاطبات الملوك والوزراء. وسجع الفقيه. وسجع المضطرين عمله لرجل تاجر يستعين به على دنياه. وشرف السلف عمله لأمير الجيوش. وأهم مؤلفاته الأيك والغصون أو الهمزة والردف ولم يغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من فنون الشعر والأدب إلا أحصاها يقع في ألف ومائتي كراس وربما بلغ أربعين مجلداً من كتبنا اليوم. إلى غير ذلك مما يغني قليله عن كثيره. فهذا شيخ المعرة وفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة وهذه آثاره التي خلفها لنا ﵀ تنشد قول أبي الفتح حصينة المعري فيه: وعجبت أن تسع المعرة قبره ... ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع لو فاضت المهجات يوم وفاته ... ما استكثرت فيه فكيف الأدمع زحلة (لبنان). عيسى اسكندر معلوف.

стр. 3459

نظرة في النظرات تتمة ما ورد في الجزء الماضي أراد المنفلوطي في كلامه هذا أن يخطئ الإمام بأن ما دعا إليه من المبادئ الدينية لم يحن بعد وقتها وأن سواد هذه الأمة لم يتأهلوا لقبول هذه المبادئ جاعلاً ذلك علة العلل في إلحادهم ومروقهم من الدين وهذا قياس منطقي أعيذ للمنفلوطي عن أن يحشو فكره بمثله من الأوهام والخيالات التي أبان فيها عن فكر ليس له حظ من التجربة والاختبار. لا يستطيع صاحب النظرات فيما أعلم أن ينكر أن جل الداعين إن لم أقل كلهم أنجبهم الدهر وولدتهم العصور في أوقات كانت فيها الأفكار حين يقارع بعضها بعضاً في ميدان الحياة. ومن هنا نعلم الحاجة الماسة إلى المرشدين في مثل هذه الأحوال الحرجة والمآزق الضيقة وأنهم متى قاموا بفكرة إصلاحية لا بد أن يلاقوا في طريقهم من عثرات الفريق المخالف ما يستهدفون معه لضروب الإيذاء فيقومون بين مثالب الطعن والقد حتى تتسرب الفكرة إلى بعض من يعمل على نشرها في سرهم وجهرهم ليبقوا من سعيهم هذا خميرة حيوية في المجتمع الإنساني لمن يأتي بعدهم ممن تجد لها من عقولهم مباءة فتتأصل في نفوسهم فستفيدون إذ ذاك ويفيدون بما يدعون إليه ويسعون وراء أشرابه النفوس ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. بمثل هذا قامت المذاهب والأديان وتأيدت الآراء العلمية والنظريات الفلسفية. وإذا لم يكن الأمر كذلك فليدل لنا المنفلوطي برهاناً يبين مصلحاً قام بفكرة جديدة ولم يقم في وجهه في بيئته حتى من بني جلدته من يعمل على محاربته أو مناهضته بكل ما فيه من قوة وقدرة. ويا لله كيف جاز له أن يحكم على المبادئ السامية التي دعا غليها الشيخ محمد عبده كانت مدعاة للإلحاد والمروق من الدين بدعوى أن دعوته لم يحن بعد وقتها أو أنه يوجد ثمة من يمقتها وينبذها أو أنها نشرت بين فئة واتخذوا من هداها ضلالاً ومن نورها دجى حالكاً. وهؤلاء تلامذته مصريهم وشاميهم وعراقيهم وحجازيهم في عامة الأقطار يتنازعون مبادئه ويتدارسون كتبه لم ينظر إليهم الأستاذ المنفلوطي ونظر إلى فئة ضالة مضلة لا بد من وجودها في كل عصر ومصر. وكان الواجب على من لم يفهم ما أراد الأستاذ الإمام أو اشتبه عليه بأن يسأل عنه أهل

стр. 3460

العلم فقد قال أحد شيوخ العلم: يستحيل في نظر العقل أن يدعو الحق إلى الباطل والهدى إلى الإلحاد وأصول الدين الصحيح إلى المروق منه، بل ما أبطل مبطل ولا ألحد ملحد ولا مرق مارق إلا بجهله بالأصول الصحيحة ونبذه التعلم السديد وسلوك جواده القويمة. ولو كان من شروط الدعوة فقد المناوئين خشية مناهضتهم ومحاربتهم لما قام نبي بدعوة بإرشاد وتعليم لكانت الفكرة الإصلاحية التي قويت وشاعت بالمناهضة ثوت في سرى الرمس قبل أن يلحد القائم بها ولما كنا رأينا كتاباً منزلاً ولا أدباً غضاً ولا علماً صحيحاً وبالجملة ما كانت للأمم مدنية زاهرة ولا عمران زاخر. ولا وجه لإنكاره على مثل هذا الإمام لأن اتخاذ التأويل قاعة مما لا نكران فيه في كل تأويل جرى اللسان في مثله ووسعته اللغة وهي لثروتها وغزارة مادتها وسعت من المجاز ما يربو على الحقيقة حتى صرح أئمة البيان بأن المجاز أكثر من الحقيقة. حتى صرح أئمة البيان بأن المجاز أكثر من الحقيقة. ولو أعار نظره إلى من سبق ذاك الإمام في مسألة الجن والملك كحجة الإسلام الغزالي والراغب الأصفهاني والقاشاني ونحوهم لما أكبر هذه المسألة وقد أوضح ذلك الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه مذاهب الإعراب وفلاسفة الإسلام في الجن وأفاض في هذه المسألة بما لا يبقى معه ريبة لمرتاب فليرجع إليه من شاء. وأما ما قام به الإمام من بيان الأسرار وحكمه فذاك فن قديم عني به أئمة الإسلام وفلاسفته كالأئمة الذين تقدم ذكرهم وأضرابهم وهو عندهم من أجل الفنون التي يجب درسها والتوسع فيها. وقد أخذوا على أنفسهم أن يفهموا الأمة أن الدين مؤاخ للعقل مؤازر للحكمة ليس فيه ما يعلو عن العقل أو ينبو عن الفهم وحجتهم في ذلك أن القرآن الكريم هو الذي مهد السبيل للتعليل وصرح بذلك في آيات لا تحصى كما أوضحه الإمام ابن القيم في كتاب التعليل وقد حذا حذوه من المتأخرين حتى برع في هذا العلم_علم الحكمة والأسرار_الإمام ولي الله الدهلوي فألف كتابه المشهور حجة الله البالغة وأفرغ جهده في استنباط الأسرار في العبادات والمعاملات حتى جاء في مجلدين كاملين حافلين. ولقد سفه المنفلوطي رأي قاسم بك أمين أيضاً وأنحى له لأنه دعا المرأة وقد رآها في أحط دركات الجهل إلى أن تلم بمعرفة ما يلزمها جهاد الحياة وجلادها من تربية وتعليم لتكون

стр. 3461

المرأة صالحة لهذا المجتمع فتدير شؤون منزلها أو تضرب في الأرض لترتزق إن عضها ناب الفقر وفجعت بموت من يعولها ويكفلها وهو لم يدعها إلى ذلك_كما يعلم المنفلوطي_إلا خشية أن يمزق الحجاب وهي من الجهل المريع بمكان. وما ذنب قاسم بك أمين أن بين رأيه ولم يأبه لكيد الكائدين من تجار الأدب والدين والمرأة أخذت بالأسهل من رأييه والألصق بنفسها من نصيحته فتبرجت ورفعت برقعها قبل أن تنسج لها برقعاً من الأدب والحياة. ومما لا مشاحة فيه أن رجل المرأة قاسم أمين قام بدعوته أحسن قيام فوصف الدواء بعد أن شخص الداء ولو كان في البلاد الأوربية لأقيمت له النصب والدمى_وإن كان صاحب النظرات لا يقول بالتماثيل_احتفاءً به واعترافاً ببيض أياديه وسابقة فضله عليهم أو لو كان المنفلوطي يقدر عمل العامل وفضل الفاضل لما جرأ على أن يقول فيه: ما رأيت باطلاً أشبه بالحق من باطله. ٣ ـ آراؤه ذهب الأستاذ المنفلوطي في طائفة من أفكاره مذاهب فريق من فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر من أوربا حتى قابله بعضهم بروسو من حيث نظره إلى المجتمع الإنساني ومما قالوه: إن ما كتبه روسو في فن التربية والتعليم قائلاً: أيها الرجال، لا ترهقوا النشء الصغار على أن يفكروا كما تفكرون ويعتقدوا ما تعتقدون ولا تحاولوا إفساد ملكاتهم بهذه الفضيلة الموهومة والحرية المطلية التي هي في مذهب العقل غاية العبودية ومنتهى الاسترقاق الخ. . ._إن ما قاله روسو تعرض له المنفلوطي في فصل له عنوانه مدينة السعادة وأغرب ما لفت نظري أني لم أر في تلك المدينة ذات التمايز الذي أعرفه من مدائننا بين الناس في منازلهم ومراكبهم وأزيائهم كأن جميع سكانها سواء في حالة المعيشة ودرجة الثروة. وفي المنفلوطي نزعة اشتراكية تتجلى على أشدها في هذا الفصل في قوله: وحسب الرجل من البشر بيت يؤويه ومزرعة صغيرة يقتات منها ودابة تحمل أثقاله ثم لا شأن له فيما سوى ذلك.

стр. 3462

وقالوا: يرى روسو أن الدور العالية التي شيدتها الحكومات للتعليم هي التي تغرس مبادئ الجهالة في النفوس وتبعد الإنسان عن عقله وفطرته والمنفلوطي يقول: وأي حاجة إلى المدارس في مثل هذا المجتمع وليس بأبر بآبائنا منا فنحن الذين نتولى تعليمهم وتهذيب نفوسهم وتمرينهم على العمل النافع فلا مدارس عندنا غير المصانع والمزارع نعلمهم كيف يرمون البذور وكيف يستنبتونها وكيف يصنعون الآلات الزراعية وكيف يستعملونها الخ. . . . وبالجملة فمن رأي الشيخ المنفلوطي أن لا يكون في هذا المجتمع سيد ولا مسود ولا غني ولا فقير ولا حاكم ولا محكوم فالشطر الأكبر الذي يقتفي أثرها هي فلسفة خيالية لا تأثير لها في أبناء القرن العشرين إلا بقدر ما للأساطير من التأثير في العلوم الرياضية. وهي إن جاز أن يكون لها أنصار قبل مائتي سنة أو يزيد فلن تجد لها فيما أحسب من هذا الجيل الجديد الناشئ على أفكار داروين وهيكل وهكسلي وسبنسر ورانكي ومومسن وبالزاك وزولا نصيراً وظهيراً لأنها مخالفة لسنن الطبيعة والحياة العملية. وقد ذهب مذهب (إسكندر دوما فيس) ولفيف من مفكري المتأدبين الغربيين في مقالته غرفة الأحزان في المرأة المجرمة من حيث يمهدون لها الأعذار ويرون الرجل أجدر باللائمة منها لأنها ضعيفة مفرطة الشعور ولأنه هو الذي هم بها فراودها عن نفسها واراد أن ينزل بها السوء فخدعها إذ عاهدها أن تكون له زوجة ويكون لها بعلاً فسلبها قلبها وشرفها وعفتها وغادرها حين علم أن في أحشائها جنينها يضطرب بين جنينها ناراً تضطرم وكان سبب شقاءها حتى أصبحت حزينة ذليلة تفضل الموت على عيش لا تستطيع معه أن تكون زوجة لرجل أو أماً لولد وأخذ لمجتمع البشري يتهكم بها ويعبث مما زادها حزناً واكتئاباً. وقد مثل لنا هذا البغي وقد تركت وراءها ما تراه من النعمة الواسعة والعيش الرغد في ذلك القصر الذي كانت متمتعة فيه بعشرة أمها وأبيها إلى منزل حقير في حي مهجور لا يعرفه أحد ولا يطرقه طارق لتقضي فيه البقية الباقية من حياتها. ولم يكتف ببيان هذه الجناية وحدها بل جعل أن أمها وأبيها قضيا حزناً لفقدها ويأساً من لقاها وختم الحادثة بأن أضاف على الجنايات جناية أخرى وهي هلاك المرأة المجرمة بعد أن أودع نفسها من العواطف الشريفة ما شعرت معه بمصيبة ساورتها الهموم وبلغت منها

стр. 3463

مبلغاً أودى بحياتها وهكذا ضاعف الجرم على الرجل وعله كاذباً وخادعاً ولصاً وقاتلاً وختم المقالة وهو يمحض الرجال القاسية قلوبهم النصح للرفق بضعيفات النفوس من النساء. والظاهر أن الأستاذ المنفلوطي كان لا ينظر إلى الحقيقة من حيث هي بل كان قلمه حين يأتي على وصف حادثة يختلف باختلاف المظاهر والمؤثرات فبينا نرى صفحات مقالته هذه مكتظة بما لا يملأ النفوس شفقة ورحمة وعطفاً وحناناً على العاهرات إذا به يضني عليها بجندي يقف ليخفرها ممن يريد أن يسلبها من الحقوق ما لم يبق منها إلا الذماء ويستكثر عليها ذلك في موقف هي خليقة بالشفقة والعناية أكثر من كل المواقف. ولقد رأيناه وهو يتكلم على المرقص في الأزبكية يحمل على الحكومة المصرية حملة منكرة ويحتدم غيظاً وحنقاً لأن هذه الحكومة المدنية المادية (على رأيه) التي هي مسؤولة أمام القانون عن استقرار الأمن واستتبابه تبعث بجندي يحمي أبواب العاهرات لئلا يعبث المشاغبون بالأمن والسكينة أو يعيثوا في الأرض فساداً. ومما قاله: إن العين لا تكاد تملك مدامعها سحاً وتذارفاً كلما أبصرت هذا الجندي الشريف واقفاً هذا الموقف الذليل يسمع قراع الدفوف، لا قراع السيوف ويرى حمرة الصهباء لا حمرة الدماء ويحمي الفسق والفجور لا القلاع والثغور. وما أعجب لشيء عجبي لهذه الحكومة التي تضن بجنديها أن يشتمه شاتم أو يلمسه لامس فتغضب له غضبة مضرية تتراءى فيها الشهامة والحمية والعزة والنخوة ثم لا تضن أن تؤجره نائحة في الجنائز، أو قوادة في المراقص. هذا ما قاله المنفلوطي وما يحدوه إلى هذا إلا أنه ودّ أن يكون في طليعة من يعمل بالدرس الذي ألقاه على الرجال القاسية قلوبهم ليعلمهم فيه الشفقة والرحمة والإحسان!!! وما رآه في مبدأه هذا الأكتولستوي الفيلسوف الروسي الشهير الذي يهيج هائجه على الحكومة الروسية ويصمها بالمعرة والدعارة لأنها تبعث بالأطباء إلى المواخير العامة وتعهد إليهم أن يعنوا بتطهيرها خفية أن تنتقل جراثيم الأدواء الدوية من هؤلاء البغيات الباغيات فتعم الشعب بأسره وتراه يرمي الأطباء بكل مكروه بدعوى أنهم يسعون وراء إشاعة الموبقات وتسهيل أسباب الفسق والفجور. ويقضي علينا الأخذ برأي هذا المصلح الأخلاقي الروسي أن نهمل تعهد أماكن الفسق

стр. 3464

والمواخير وأن ندع الجراثيم تفتك بمن ملكت عليهم أمرهم لتسري العدوى في الآخرين وتنتشر الأمراض الوبيئة الوبيلة في الأمة حتى تهلك عن آخرها بدعوى صون أخلاق الشعب كيلا يتطرق إليها الفساد والخلل. وقد رحم المنفلوطي المرأة البغي في غير هذا الموضع أيضاً وحض على التزوج بها ليرد إليها عرضها وزعم أن ذلك من أعظم القربات وعد الرجل الذي يرد العرض الضال إلى صاحبه المفجوع فيه أشرف ممن يمنح الحياة فاقدها. على شرط أن يكون الباعث على الزواج الرحمة والرأفة والحنان والشفقة لينظر في إصلاح قلبها ويحاول أن ينزع من جنينها ملكة الفساد الراسخة في نفسها ويداخلها مداخلة المؤدب المهذب الذي يصور في نظرها معيشة الفساد بصورة تنفر منها وتشمئز لها. ومما قال: ليت الرجال يأتمرون جميعاً على أن يستنقذوا بهذه الوسيلة الشريفة (الزواج) كل امرأة ساقها فقرها وعدمها أو فقد عائلتها إلى البغاء. وقد صرح في هذه المقالة أن بغاء البغي شقاء ما جناه عليها إلا الرجل فجدير به أن يغرم ما أتلف ويصلح ما أفسد وتعرض للمرأة أيضاً في مقالة التوبة فكأن بين جنينه جذوة نار من الحقد والموجدة تتقد على الرجل لأنه قتلها وعلى المجتمع الإنساني لأنه لا يعاقب القاتل على جرمه ولا يسلكه في سلسلة المجرمين. والغالب أن ثقته بالجرائد المصرية ضعيفة جداً فهو يراهاً نادياً من أندية القمار والكتاب جماعة اللاعبين والرؤوس المصرية موضوعة على مائدة الألعاب كما توضع الأكر على طاولة منضدة (البلياردو). والسيد وطني سلمي معتدل يفضل اتفاق الأحزاب السياسية على اختلافها وتعارفها على تناكرها ما دامت الغاية من تأليفها تحرير الوطن من رق العبودية. ومن رأيه أن العلماء والجهلاء سواء وليس بين الفريقين من الفرق إلا أن هؤلاء لا يعرفون كيف يعبرون عن آرائهم وأفكارهم وأولئك أعرف منهم في كيفية إفضاء الحكمة إليهم وسعيهم وراء وعظهم وإرشادهم وإن ما ينطق به الحكيم العالم من جوامع الكلم هو نفس ما يأتي به الجاهل من الأمثال لولا أن كلام الأول في أسلوب مجود ومقال الثاني في تعبير مبتذل.

стр. 3465

يقول قوله هذا ثم يكتب في مقالة موت العظماء ما نصه: ليست هذه العشرة ملايين (يعني المصريين) التي تراها إلا أطفالاً رضع، وسوائم رتع لولا علماؤها وأذكياؤها الذين يقودونها إلى الخير ويأخذون بيدها في ظلمات الحياة. فليت شعري إذا كان العلماء والجهلاء في مستوى واحد من العلم والتربية فلماذا ينحي على أمته وأبناء دياره وينزلهم منزلة الحيوانات العجم وفيهم العالم والجاهل. وإذا كان المنفلوطي قد وجد في معاجم اللغة مادتي العلم والجهل من الألفاظ المترادفة فيكون كلامه حينئذ جامعاً لمتناقض الأحكام. ٤ ـ لغته لم أر فيما رأيت من الكتب الممتعة التي وعت نتاجها قرائح أهل الأدب في هذا العصر كالريحاني وأمثاله أفصح لغة وأصح تركيباً من كتاب النظرات. فإنك ترى في فصوله مسحة العربية الأولى وقد خلت في الغالب من ركاكات الكتب الجدد والمبذوء من تراكيبهم وجملهم المتعاظلة التي اعتورتها العامة حقبة من الزمن انسلخت فيه عن العربية الخالصة حتى أصبحت إلى الأعجمي أقرب منها إلى اللسان العربي المبين. بيد أننا نرى من الواجب أن لا نمسك القلم في نقد ما رأيناه من سقطاته في جمل نزلت منزلة أقوال العامة وألفاظ لغوية كان الأجدر بكاتب أدبي مثل هذا أن يكون مصوناً عنها. فما نأخذه به استعماله فعل (ازدرى) متعدياً بالباء والعرب لا يعرفونه إلا متعدياً بنفسه في قوله في مقالة النبوغ من العجز أن يزدري المرء بنفسه واستعماله (الوظيفة) بمعنى (المنصب) وقوله: خرج في المنطق عن الحيوانية الناطقية والصواب أن يقال: من الحيوانية الناطقية وقوله جداً عجيب والأولى أن يقال عجيب جداً لأن جداً إذا قدمت أضيفت إلى ما بعدها ونسبته بديهة على بديهي وكان عليه أن يقال (بدهي) كما يقول في بجيلة (بجلي) واستعماله (تلائم) بمعنى التأم في قوله من مقالة الجمال غير متناسبة ولا متلائمة وقوله: ويحبس عليها أنفاسها فإن حبس هنا لا تتعدى إلا بـ عن فإذا تعدت بـ على كانت بمعنى الوقف واستعماله البسيط بمعنى الساذج وقوله ودققت النظر والعرب تقول. دقق الشيء إذا أنعم دقه واستعماله تربى بدل ربي وجمعه لفظة مثل على أمثلة

стр. 3466

والمسموع أمثال وقوله في السنة العامة والصواب على السنة العامة واستعماله الأعوج بدل الاعوجاج وتعرج عوضاً عن تعوج واحتجز بمعنى منع وقوله لا تسلم إلا الحياة وهي عامية والأفصح ولا تفادي إلا بالحياة وإدخاله واو الحال على الماضي بعد إلا كما أنها لا تدخل على المضارع المثبت في قوله: فما رايت سطوراً مقطوعة الأواسط إلا متشابهة الأطراف إلا وقرأتها وقوله نهشه في إصبعه والصواب نهش إصبعه واستعماله الأعراض بمعنى العلامات وقوله يودعه الله في فطرة الإنسان والصواب يودعه الله فطرة الخ. . . . هذا ما رأينا أن ننبه على ما ورد في كتاب النظرات من الألفاظ والجمل مما لا عهد للعرب به كما أن ثمة ألفاظاً أغفلناها ذكرها كاستعماله لفظة (المراسح) بدل (المسارح) و (البالونات) عوضاً عن (المناطيد) و (المكروبات) بدلاً من (الجراثيم) و (الطاولة) بدل (المنضدة). والعاقل يغتفر له هذه الهنات اليسيرة إذا عرف أن الكاتب بين ظهراني أمة معظم صحافييها وأدبائها وكتابها يرون أن في هذه اللغة التي يكتبون بها الغناء والكفاء عن أن يتحدوا العرب العرباء في مناحي أساليبهم وأقوالهم ولله في خلقه شؤون. ٥ ـ وصفه وهب السيد المنفلوطي ملكة خارقة في الوصف تكاد تكون فيه طبعاً وسليقة. وإني لأقرأ له القطعة الأدبية فيخيل إلي أنها من سحرها أن نفحة من قلم هيكو تهب عليَّ فلا أكاد أتم قراءتها حتى أهم بإعادتها المرة بعد الأخرى وأحمد الله على أن وجد في هذا العصر من ينفح هذا الهيكل البالي من الأدب روحاً جديدة ليحيا حياة رغد وهناء. قال في مقالة الغد: الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه وتصطخب أمواجه فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدر والجوهر أو الموت الأحمر. ولقد غمض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأبصار حتى لو أن إنساناً رفع قدمه ليضعها لا يدري أيضعها على عتبة القصر أو على حافة القبر. الغد صدر مملوء بالأسرار الغرار تحوم حوله البصائر، وتتسقطه العقول، وتستدرجه الأنظار فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال.

стр. 3467

يقول في نفسه: لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الولد أن يلد للموت ما جمع الجامع ولا بني الباني ولا ولد الولد. إلى أن قال: أيها الشبح الملثم بلثام الغيب، هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلاً لنرى لمحة واحدة من لمحات وجهك. أولاً فاقترب منا علناً نستطيع أن نستشف خيالك من وراء هذا اللثام المسدول فقد طارت قلوبنا شوقاً إليك، وذابت أكبادنا وجداً عليك. أيها الغد، إن لنا آمالاً كباراً وصغاراً، وأماني حساناً وغير حسان. فحدثنا عن آمالنا أين مكانها منك، وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها أأذللتها وأهنتها. أم كنت لها من المكرمين. لا لا، صن سرك في صدرك وأبق لثامك على وجوهك ولا تحدثنا حديثاً واحداً عن آمالنا وأمانينا حتى لا تفجعنا فيها فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا فإنما نحن أحياء بالآمال وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة. وحسنا هذه القطعة الذهبية التي أوردناها هنا دلالة على مكانة الكاتب من ملكة الوصف ومبلغ ما وهب من القوة الطبيعية في النثر الشعري أو الشعر المنثور. وللمنفلوطي في بعض فصول كتابه تشابيه جميلة واستعارات جديدة ربما غمضت على عقول من اعتادوا تمجيد القديم من المتأدبين أو تعامى عنها بعض من يرى المعاصرة حرمان فلم يرفعوا لها شأناً ولم يقيموا لها وزناً كقوله: فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحاً أو متلافاً أما الأول فلو كان جاراً لبيت فاطمة ﵂ وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه (المتحجر) لا تنفذ إليه عاطفة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان وربما أنكروا عليه وصفه القلب المتحجر وعد جعله للإحسان بسمات إغراقاً منه في المجاز ومبالغة في الاستعارة ولكن الحقيقة في غير ما يزعمون. ومثل قوله: فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابة سوداء أظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجماً لامعاً ولا كوكباً ساطعاً وقوله درع منسوجة من نجيع وقوله: بهذه الصواعق التي يمطرنها علينا من سماء الصحف ومن جمله الجميلة قوله: وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى رأيتني أحير من دمعه وجد في مقلة عاشق يدفعها الحب ويمنعها الحياء. لا أعلم هل أنا سر كامن في باطن الظلماء، أو حوت مضطرب في أعماق

стр. 3468

الماء وقوله أيضاً: وهناك أحسست بسلسبيل بارد من الأمل يتسرب إلى قلبي فينقع غلته ويطفئ لوعته وقوله في مقالة يخاطب بها المحزون: أنت حزين لأن نجماً زاهراً من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينك نوراً وقلبك سروراً، وما هي الأكر الطرف إن افتقدته فما وجدته وقوله: ابتسامة هادئة الخ. . . وقد أجاد الشيخ في مقالة غرفة الأحزان أيما إجادة حتى أن قارئ القصة ليجد أثرها في نفسه بعد قراءته لها في دمعة تترقرق في جفنه فتنم عن عواطفه وشعوره. وما هي لو علمت إلا جائزة القلب إلى البراع الذي خط تلك السطور بأسلوب يتدفق شعراً وشعوراً. ولا يسعه إلا أن يكبر ذلك الوصف الذي ألم بعامة أطراف الحادثة إكباراً فكان جائعاً لما تشعر به النفس من دبيب الآلام واعياً لما يصدر عن النفس السامية من شريف العواطف. ٦ ـ روح المؤلف إذا صحت النظرية القائلة الكتابة صورة الكاتب جاز لنا أن نحكم على المنفلوطي أنه من جماعة المتشائمين ولكن لا في مذهب من المذاهب الفلسفية أو التاريخية أو السياسية بل هو من يرون أن لا سعادة في الحياة ولا هناء وإن من العبث أن يلقي المرء بنفسه إلى التهلكة في معترك الحياة ما دامت الرذائل آخذة من النفوس مآخذها وإن ما نسميه فضيلة ليس إلا خداعاً ورياءً ونفاقاً دعيت بالفضيلة وهي ليس لها ظل في هذا الوجود. هو ينظر إلى المجتمع نظر الحانق الناقم لأنه يعتقد أنه مصاب بالسقم في فهمه والاضطراب في تصوره فلا عبرة بحكمه ولا ثقة بوزنه وتقديره إذ هو يسمي الفقير سافلاً وطيب القلب مغفلاً وطاهر السريرة بليداً والحليم عاجزاً. وإنك لترى في مقالته أين الفضيلة روح اليأس مجسمة وما يتخيله أو يفكر به هو قد مر بخاطر كثيرين من أدباء المشارقة والمغاربة وكثيراً ما أجهد الكاتب من هؤلاء نفسه ليضع قصة يأتي بها على شرور العالم ومفاسده وكنت كلما مررت بسطر من سطوره تصب اللعنات على هذه الحياة التي تراها مثل الشقاء وتتمثل آنئذ بقول الشاعر العربي الحكيم: إنما نحن بين ظفر ونابٍ ... من خطوب أسودهن ضراء نتمنى وفي المنى قصر العمر ... فنغدو بما نسر نساء

стр. 3469

صحة المرء للسقام طريق ... وطريق الفناء هذا البقاء بالذي نغتدي نموت ونحيا ... أقتل الداء للنفوس الدواء ما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاء من فساد يحويه للعالم الكو ... ن فما للنفوس منه اتقاء قاتل الله لذة لأذانا ... نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفقد فإيجادنا علينا بلاء_الخ. . . يدلك على هذا أيضاً ما تقرأه له أيضاً في مقالة الشعر البيضاء ويعني بها شعرة المشيب التي رآها تلوح في فوده فخاطبها مؤنباً إياها بأنها تدني له الموت وبالغ في تأنيبها وتعنيفها، وأغرق في عتبها ولومها ثم رجع بعد ذلك لنفسه وكأنه ندم على ما فرط منه بجنبها وأخذ يخاطبها قائلاً: ما الذي يحمله في صدرك لك من الحقد والموجدة رجل لم ينعم بشبابه فيحزن على ذهابه، ولم يذق حلاوة الحياة فيجزع لمرارة الممات ولم يستنشق نسمات السعادة غضاً رطباً فيأسى عليها عوداً يابساً. ما الذي ينقمه عليك من الشؤون رجل يعلم أنك وحي الأمل الذي يبشره بقرب النجاة من حياة ليس فيها من السعادة والهناء إلا لمحات قليلة يكدرها ما يحيط بها من الهموم والأكدار كما تكدر أنفاس الحزن الحارة صفحة المرآة. أليس كل ما أعده إليك من الذنوب أنك طليعة الموت الذي يخلصني من منظر هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالآلام والأسقام، الذي لا أغمض عيني فيه إلا لأفتحها على صديق يغدر صديقه وأخ يخون أخاه وعشير يحدد أنيابه ليمضغ عشيره، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته وفقير يقترح على الدهر حتى بلغة الموت فلا يظفر بأمنيته وملك لا يفرق بين رعيته وماشيته، ومملوك لا يميز بين ملك الملك وربوبيته ونفوس تتفانى قتلاً على لون حائل، وظل زائل، وغرض سافل، وعيش باطل وعقول تتهالك وجداً على نار تحرقها، وأنياب تمزقها وعيون حائرة في رؤوس طائرة تنظر ولا ترى شيئاً مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها. هكذا رأينا المنفلوطي يرمي هذا العالم بنظرات كلها شؤم كما هو شأن جماعة المتشائمين في عامة شؤونهم وأطوارهم وأحوالهم. ولولا أنه لا يقول إلا ما يعتقده ولا يعتقد إلا ما

стр. 3470

يسمع صداه من جوانب نفسه لقلنا أنها خاطرات شاعر وجدت لها من سماء مخيلته مطلقاً ثم ما لبثت أن أدركها الغروب. أم وأن هذا الكلام هو صورة من صور نفسه فلا جرم أنها حالة نفسية كثيراً ما تعرو من يميلون إلى التجرد عن المادة ويرون في سكوت الموت وظلمته حياة مفعمة بالحركة والنور والرغد والسرور. دمشق: صلاح الدين القاسمي.
следующие страницы →