Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
من الضروري إدخال قيد يتضمن للغرف المذكورة حق الدفاع عن المصالح التجارية وصيانتها وبذلك فقط تعلو مكانة هذه الأوضاع.
ويجب تأسيس غرف تجارية في كل حاضرة من حواضر الولايات كما هي الحال في فرنسا وأن يكون تأسيسها في مراكز الألوية والأقضية غير محتم وإذا ارتأى التجار أو الحكومة تأسيسها في الألوية أو الأقضية يجب أن يكون ذلك بعد موافقة المحاكم التجارية في مراكز الولايات والألوية والأقضية أو موافقة الغرف التجارية في مراكز الولايات والألوية.
يجب إعطاء الرخصة بتأسيس الغرفة من قبل الولاية وإعلام نظارة التجارة بواقعة الحال. ولا حاجة بحسب النظام الحالي لتصديق انتخاب الأعضاء من قبل الحكومة ويجب أن تبقى الحال كما هي اليوم ولا أرى أيضاً أن يتوقف انتخاب الرئيس على إجازة الولاة والمتصرفين والقيم مقامين بل يشترط على الرئيس الذي ينتخب أن يكون من الوطنيين.
وللأعضاء المراسلين في بلادنا أيضاً شأن كبير ولذلك يجب أن يكون للغرفة أعضاء مراسلون من البلدة التي أسست فيها الغرفة وهي تنتخبهم ويجب أن يحضروا الجلسات ويستضاء بآرائهم في بعض المسائل كما أنه من الضروري أن يكون للغرفة أعضاء مراسلون في الولايات والبلاد الأجنبية. ويجب أيضاً توسيع حق الانتخاب وإعطاؤه لكثير من التجار والصناع الذين يؤدون رسوم التمتع وعملاً بهذا المبدأ يجب العدول عن القاعدة التي تقضي بأن يكون تعين النصف من أعضاء لجنة الانتخاب من قبل الحكومة والنصف الآخر من قبل التجار وأن يكون حق الانتخاب للعضوية مشروطاً بالأحوال الآتية. أن يكون المرشح للانتخاب مقيماً منذ مدة معينة في البلدة التي تقام فيها الغرفة مشتغلاً هذه المدة بصناعة أو تجارة (بكل ما تشتمل هاتين الكلمتين من ضروب الأعمال) ومن الذين يؤدون ضريبة التمتع ومن ذوي الأشراف والاستقامة.
أما مسألة الجنسية العثمانية فقد سبق أن هذا الشرط غير مصرح به في القانون الفرنسوي ولكنه مرعي في الانتخابات وأما عندنا فلم تشترط التابعية العثمانية على الأعضاء فمنهم الأجنبي ومنهم العثماني على السواء. ويجب أن تظل الغرف على هذه الحال إلى حين ولاسيما وأن التجار الأجانب المقيمين في بلادنا منذ مدة طويلة قد درسوا شؤون بلادنا حق
стр. 3677
الدراسة وإذا أضفنا إلى ذلك مقدرتهم العلمية وسعة إطلاعهم ووفرة بحثهم تبين لنا أنه يستفاد منهم إذا كانوا بين أعضاء غرفنا التجارية إنما يشترط على أولئك الأعضاء الأجانب إقامتهم في بلادنا مدة لا تقل عن عشر سنين مشتغلين خلالها بالتجارة.
جاء في نظام غرف التجارة أن لها الحق في إنشاء مدارس وجرائد تجارية ويجب أن يكون لها الحق أيضاً بتأسيس غير ذلك من الأوضاع التجارية وأن تتعهد (إذا رغبت) القيام بالأمور العمرانية على طريق الامتياز ولكن الواجب أن تكون خاضعة للشروط التي تشترط على غيرها من أصحاب الامتيازات.
ولا يمكن لغرفنا التجارية أن تقوم بالأعمال التي تؤول إلى ترقية تجارتنا ما لم تتوفر في ميزانيتها المداخيل وإلا فإن محافظة الحالة الحاضرة تقضي بأن تظل مداخيلها تكاد لا تساوي النفقات الجارية السنوية مما لا يجوز البقاء عليه أبداً.
فيجب تقسيم الشركات الأنونيم على درجات معينة وإلزامها بتأدية مقادير مقررة سنوية تعين بحسب هذه الدرجات. ويجب أن تقرر درجات التجار بدر ما يدفعون من ضرائب التمتع لا بمجرد رأي الغرف وتقديرها. ومن اللازم اللازب تسجيل التجار أصحاب هذه الدرجات كافة وإلزامهم بتأدية الضرائب السنوية.
* * *
لم يتصل بأحد إلى هذا العهد أن الغرف التجارية قامت منذ تأسيسها بمشروع يرفع مكانة التجارة في هذه البلاد. ولقد غابت هذه الغرف حيناً من الزمن ثم عادت تظهر في مظهر الحياة ثم أفلت بعد الشروق أفولاً لا طلوع بعده أو عاد بعضها بعد طول الغروب ولم تكن أعمالها في الغالب إلا عبارة عن تسويد القرطاس أو إبداء بعض الآراء التي لم يلتفت إليها. ولم تلتفت الغرف التجارية إلى إنشاء مدارس أو صحف تجارية البتة. ولا تلقى تبعة هذا الإهمال على الغرف التجارية بل على الحكومة السابقة. ولقد سبق أن بعض الغرف التجارية طلبت مرات عديدة إصلاح الأصول الرسومية وتسهيل المصالح التجارية دون أن تتجاوز إلى طلب إنشاء أوضاع جديدة ولم تثمر هذه المراجعات قط.
ولما يئس التجار من الاستفادة من الغرف التجارية تخلو عنها ولم يعودوا يؤمون أبوابها وقطعوا عنها رواتبهم السنوية ومما يدلنا على درجة ارتباط التجار بغرفهم هذه مداخيل
стр. 3678
غرفة القسطنطينية قبل عشر سنين فإنها كانت في ذلك الحين ضعفي مداخيلها اليوم.
هذه الأحوال من جهة وكون انتخاب الأعضاء لغرفة التجارة في العاصمة لم يكن كما وضعه القانون بل كان بيد نظارة النافعة تمنح العضوية من تشاء على نحو ما كانت تجري القاعدة في الإحسان بالرتب والمناصب من جهة أخرى كل هذا وذاك ليس من الأمور التي ترتاح إليها نفوس التجار أو تطمئن بسببها قلوبهم إلى للغرفة التجارية.
التجار أكثر وأسرع من جماع طبقات الأمة معرفة وشعوراً بالانقلاب الكبير الذي يسري إلى شؤوننا العامة. ومع ذلك فإن حياة حرية التجارة قائمة بتوطيد دعائم الأمن ومتى اطمأن جمهور التجار إلى أن مصالحهم الأصلية مصونة يجدر بنا الاعتماد عليهم بحيث لا يغادرون مثقال ذرة من واجباتهم ومن الواجب على الغرف أن تطلب من الحكومة بجد ومضاء تحديد نظام الغرف وتعديله وأن البحث بحثاً مدققاً في ضروريات التجارة ونواقصها في المحال التي تنتسب إليها وتدفع بآرائها وملاحظاتها إلى نظارة التجارة وأن توجه همتها إلى إنشاء المدارس والصحف التجارية والدروس الليلية التي تكفل توسيع دائرة العلم بين أرباب التجارة. كل ذلك حقيق بالمفاداة ولا شك أن الأعمال المعروفة في هذا السبيل تكلل بالنجاح.
ويجب أن تكون غرفة القسطنطينية التجارية نموذجاً لسائر الغرف وأن تدفن العنعنات الماضية فتجعلها نسياً منسياً: يجب أن تتقدم هذه الغرفة بفتية الأفكار وتدخل الإصلاح الحقيقي إلى مجلتها المدرسية وغير منكر أن هذه الصحيفة التجارية الوحيدة في البلاد العثمانية لا تفي بالحاجة بمقالاتها التي لا تتجاوز العمودين وفقراتها المترجمة بل يجب على غرفة القسطنطينية أن تتخذ مجلة غرفة التجارة الفرنسوية مثالاً وتنحو نحوها فتنشئ على منوالها صحيفة تجارية جامعة لأخبار التجارة الداخلية والخارجية الجدية المفيدة والموضوعات الأساسية فإذا لم تقم غرفة القسطنطينية بهذه الأعمال ولم تأت بالآثار الدالة على رقي صحيح لا تنال مكانة أرفع من مكانتها في دورها السابق.
أما التجار المسجلة أسماؤهم في دفتر غرفة القسطنطينية فهم (٤٧) من الصنف الأول و (١٠٧) من الثاني و (٢٤٠) من الثالث و (٥٠) من الرابع وقد يوجد بين تجار الصنفين الثالث والرابع من يجب أن ينتظموا بين تجار الصنفين الأول والثاني وبين التجار الذين لم
стр. 3679
يسجلوا أسماءهم في الغرفة كثير يجدر بهم الانتظام في إحدى الدرجات الأربع. والأمل وطيد بترقي مداخيل الغرفة ولو بقيت على أصول تصنيف درجات التجار على حالتها الحاضرة.
وتبلغ مداخيل غرفة القسطنطينية وحدها (ما عدا مداخيل جريدتها ونفقاتها) ١٧٥. ٣٢٦ قرشاً صحيحاً تنفق في مقابلة ذلك ٤٣٥٣٢ قرشاً على رواتب موظفيها و٢١٧٣٩ قرشاً على النفقات المتفرقة و٢١٦٠٠٠ على أجور داره ونحوه. فالنفقات الإدارية وحدها تتجاوز دخل الغرفة ولا ينفق على المشاريع النافعة من مداخيلها بارة واحدة وما حالة غرف التجارة في الولايات بأشفى للصدور وأوفى للأماني من غرفة القسطنطينية ولقد رغبت أن أعرف عدد غرف التجارة في الولايات والألوية والأقضية من القيود الرسمية فماذا رأيت؟. .
رأيتني أمام كمية تستحق العجب: في بلادنا مئة وخمسون غرفة تجارية على أن عامة غرف التجارة في فرنسا لا تتجاوز المئة والعشرين.
وبما أنني أعتبر الغالب من هذه الغرفة المقيدة في الدفاتر حبراً على ورق ولا أصدق أن الفهرس الذي أنقل منه متقارناً للصحة.
وللأجانب في بعض المراكز التجارية العثمانية غرف تجارية ففي القسطنطينية غرف تجارية إنكليزية وإفرنسية وطليانية ونمسوية وألمانية ويونانية ولكل واحدة منها نظام داخلي وللغرفتين الإنكليزية والفرنسوية مجلتان بلسان قومهما. اسست غرفة التجارة الإنكليزية في سنة ١٨٨٧ ولها رئيس وثمان أعضاء وعضوان خارجيان وعضوا شرف وكاتب وأمين صندوق وأربعة كتبة شرف في سلانيك وأزمير ومنشستر ولندن ولهذه الغرفة مراسلون في سلانيك وأزمير ومنشستر ولندن والولايات العثمانية. ولها مجلة يبلغ حجمها ستاً وثلاثين صفحة كبرى جامعة لمقالات في التجارة الإنكليزية العثمانية والأخبار والإحصاء.
وفي أزمير أيضاً غرفة تجارية إنكليزية.
ويشترط في عضوية الغرف التجارية الإنكليزية الاشتغال بالتجارة أو بالصناعة أو الشؤون المالية ويشترط على العضو أن يكون إنكليزياً أو من وكلاء المعامل الإنكليزية في البلاد
стр. 3680
العثمانية.
ورئيس الشرف لغرفة التجارة الفرنسوية هو قنصل فرنسا لعام ولها لجنة إدارية مؤلفة من تسع أشخاص في جناق قلعة ولجنة أخرى مؤلفة من تسعة عشر شخصاً في بورصة ولها مراسلون في سبعين بلداً داخل البلاد وفي الخارج لها من يخابرها في روسيا وفارس ورومانيا والصرب واليونان.
وتصدر هذه الغرفة شهرياً مجلة في سبعين أو ثمانين صفحة منذ اثنين وعشرين حجة بلا انفصال. وتدعى هذه المجلة مجلة الشرق التجارية. وهيب جامعة للأخبار والمقالات المفيدة للغاية وإني أتمنى أن تعلو مكانة غرفتنا التجارية إلى منزلة غرفتي التجارة الفرنسوية والإنكليزية وأن تتقدم جريدتها تقدم الجرائد اليومية.
ما بين النهرين:
تعريب ز. خ.
стр. 3681
آلاسكا واللاسكاويون
آلاسكا جزيرة تنيف مساحتها على مساحة فرنسا ثلاثة مرات أصبحت الآن معتركاً حيوياً جديداً لبني البشر إلا أن وعورة المسالك واختلاف الهواء بها ترك أربعة أخماس من أرضها في عداد المجاهل.
وقد كانت هذه البلاد الواقعة في أقصى الغرب الشمالي من أميركا الشمالية والمنفصلة عن قارة آسيا بخليج بهرنغ مستعمرة للدولة الروسية فباعتها من حكومة أميركا.
إن البحث لم يهتد إلى شيءٍ مهم فيما يتعلق بالسكان الأصليين من وجهة علم الأنساب بل ظل أكثره إن لم نقل كله ناقصاً مبهماً. فالشعوب النازلة سواحل البحر قد تمكن بعض المرسلين من درس أحوالها أما المتوغلة في الداخل فاكتفى العلم بأخذ روايات من ارتادوها من الذين ضربوا في عرضها للتنقيب عن معادن الذهب أو لصيد بعض الحيوانات التي ينتفع من جلودها للفراء الثمينة. وكلا الفريقان مما لا يعول على قولهما ولا يرجى أن يفيا البحث العلمي حقه أو بعض حقه.
ويستدل من آخر إحصاء لسكان هاتيك البلاد الذي جرى سنة ١٩٠٠ للميلاد أن عددهم (٢٩٥٣٦) نسمة يدخل فيهم الأسكيمو ولكن ذلك مما لا يصح الاعتماد عليه لأسباب جمة أهمها أن أغلب تلك الشعوب من الرحل ولم يتيسر الوصول إلى بعضها لوعورة المسالك كما ذكر. أضف إلى ذلك ما دفعته إليهم المدنية الأوربية من آفاتها كالجدري والسل والزهري وداء السكر بعد اكتشاف مناجم كلوندبك الذهبية فإن هذه الأمراض الفتاكة فعلت وما زالت تفعل في الأهلين ما لا يفعله الأسل حتى أن كثيراً من القرى خوت على عروشها وأصبحت قاعاً صفصفاً قب انتشار داء الجدري انتشاراً مريعاً من وراء الغابة. ولهذا يتراءى لي أن عدد السكان تنازل إلى الخمسة والعشرين ألفاً وهم يقسمون إلى فريقين فالأول يضم إليه شعوب شيلكا وياكوتا وهايداج وأباعوت وأوك الذين يتفقون في الجنس والنسل. والثاني شعب واحد يدعى دنا ويختلف عن الأول باعتبار علم أصل الشعوب وسلائلهم وهو ينزل البلاد الواسعة التي تمتد من خليج الهودسون إلى قلب ألاسكا على أن هذا التقسيم المبني على علم ناقص لا يلتفت إليه ولا يعمل به إلى أن يقوم علماء الإنسان بالتتبع العلمية والبحث الكافي ويتفقوا على ذلك شأنهم في سكان أميركا الأصليين.
والذي يزيد المستطلع إشكالاً في أمرهم مشاكلتهم بعضهم بعضاً حتى أنك لتخالطهم من
стр. 3682
عنصر واحد لاتفاق أزيائهم وأخلاقهم ومهما كان النقابة دقيق الفكر بعيد النزر لا يتمكن من النقد الصحيح والتمييز المصيب فلنحسبهم الآن قوماً واحداً وندرس أحوالهم الاجتماعية.
يجد القائلون بأن سكان أميركا الصليين من المغوليين الذين هبطوا أميركا عن طريق خليج بهرنغ وصخور الأووسيك من الوثائق ما يقوي حجتهم وبرهانهم. لا جرم أن جولف استرايت الذي وصل إلى سواحل ألاسكا بعد اجتيازه جزر اليابان هو الذي نفخ في الساحلين من شرقي آسيا روح الجرأة والإقدام على ارتياد هذه البلاد حتى أصبح أمر إحدى السفن الشراعية اليابانية التي جرفها التيار الحار سنة ١٨٣٣ ميلادية ودفعها إلى ساحل ألاسكا مشهوراً لأن البرابرة وفي الأصل اليام يام جعلوا منها مائدة كانت عيداً لأولهم وآخرهم.
أما الآن فقد وضع الحق وظهر ما كان باطناً من أن ألاسكا كانت مأهولة بالسكان في أزمنة ما قبل التاريخ كسائر أخوانها من البلاد الأفريقية ويثبت هذه الحجة ما تراه الآن في عادات الأسكاويين وأخلاقهم وطبائعهم ولغتهم فإن كل هذه لم تكن عليها مسحة تدل على أنها آسيوية.
ونحن نتوخى في عجالتنا هذه البحث عن حالتهم الأصلية قبل أن يمازجها ما اكتسبوه من الاحتكاك بالأوربيين فنقول أن هؤلاء قد اجتازوا دور التكامل البدائي للبشر وتباعدوا ما أمكن عن الهمجية حتى صاروا أقرب إلى البداوة منهم إلى التوحش قبل أن تطأها أقدام المكتشفين الروس.
وترى لهم في البلاد الساحلية الآن البيوت الواسعة القوراء وبعض المصايف والقصور التي أقيمت على منوال الأوربيين وبالإجمال فهم أرقى علماً وأوسع مدارك من شعوب البوروج الذين ما زالوا يلبسون جلود البهائم.
والغريب في أمر هاته البيوت الفطرية أنها على اتساعها وقد يختلف طولها بين المائتي متر وعرضها بين الخمسة عشر والعشرين متراص تكفي لإيواء عائلات كثيرة معاً ومع هذا لا ترى فيها نافذة خلا بعض الثقوب في سقوفها لانبعاث الدخان المتصاعد من المواقد واجتذاب نور الشمس إلى الداخل ولم يكن فيها ما يصلح في الخارج سوى بعض الأبواب كما أن سطوحها لم تكن مائلة من طرفيها كما هو الحال في غير بنايات بل لها ميل قليل
стр. 3683
يكفي لتسليط مياه المطر على الخارج وتنفع هذه السطوح خطباء القوم فيرتقونها ويتخذونها منبراً عند الحاجة.
وتنبنى هذه اليبيوت من عيدان الحطب التي لم تصقل ويقتطعونها بمقاطع خشبية لأن الحديد الذي فيه البأس الشديد والمنافع الجمة للناس لم يعرفوا به بعد.
ويعتاضون عن الحديد بقرون نوع من الحيوان يسمى عندهم وايثي أو بقواطع من شجر البابل وفي الشتاء حيث يهجم الثلج بخيله ورجله يضيفون إلى البنايات الداخلية طبقة من رفيع القصب وبمثل ذلك أيضاً يفرقون البيت أيضاً عن أخيه فيكون دساً بين العائلات التي تأوي إليه.
أما أثاث هذا البيت البدائي فهو موافق له كل الموافقة فلا تجد فيه من الرياش ما يضيق معه الرحب بل هو في منتهى البساطة وهناك مقاعد خشبية تحت الفراش أو هي أسرة النوم على طول جدار البيت والفراش هو من السل قش الحصر وقد زيد في نشجه عند موضع الرأس حتى أشبه بالوسادة كما أن غطاءهم أو لحافهم من جلود الغزلان المدبوغة أو نوع من الكلاب المجعدة الشعر وقد أوشك نسلها بالانقراض بينهم.
لهؤلاء البائسين الذين يطلق عليهم اسم همج بعض صناعات لو أنصف المطلعون عليها لقالوا بكبر عقولهم ورقة شعورهم وقد ترى بعض الصناديق من صنعهم على حين لا يعرفون المسمار ولا رأوا آلات النجارة. والحدادة غاية في الضبط وآية في الدقة وطول هذه الصناديق متر وعرضها ستون أو سبعون سنتيمتراً وعمقها سبعون أو ثمانون سنتيمتراً.
وصف أحد المراسلين صناعتهم هذه بقوله أنهم يأتون بخشبة من شجر الأرز ويشقونها على أربعة وجوه ثم يصقلونها ما أمكن ويلفونها جيداً فيتكون منها زوايا الصندوق الثلاث ثم يخيطون طرفا الخشبة الداخليين بخيطان قوية من جلود الوعل يدخلونها بالمسلة الإبرة المصنوعة من قرون نوع آخر من الوعل فتحصل معهم الزاوية الرابعة أما أسفله فإنهم يجعلونه من قطعة واحدة من الخشب وله حافة تتصل أطرافها بالزوايا الأربع فيخاط كذلك بدقة غريبة حتى أنك لا تجد فيه عوجاً ولا أمتاً. ويكون غطاء الصندوق من قطعة واحدة أيضاً يمدونها على شقوق الزوايا المتناظرة فيتم الصندوق الذي يعد من بدائع الإبداع. وبعد
стр. 3684
أن يحفروا على الغطاء شارة العائلة أو الفريق ويدهنونه بلون مناسب يضعون فيه الملابس القيمة والفراء الثمينة التي تلبس في الأعياد والمناسبات.
ويبلغ الشتاء أشده ويقرص البرد في بعض بلادهم فيتقون بأسهما بحفر مستديرة يفتحونها في بطن الأرض على سعة متر أو مترين كبيوت الأسكيمو وهنالك يختبئ العشرون أو الثلاثون منهم مجتمعين فيحصل الدفء بينهم.
وتعلو هذه الحفر أكواخ حقيرة ليس لها من النوافذ إلا واحدة في رأسها هي للجيئة والذهاب والهواء والنور أما سبيلهم إلى هذه الأنفاق فهو عمود من خشب نقروه حتى نتأت منه أرجل أشبه بالسلم.
وقد اتفق الأسكاويون على عادة غريبة جرى عليها أغلب الأقوام الفطريين وبينهم هنود أميركا الوسطى والجنوبية وهي عزل البنات اللواتي يبلغن أشدهن والنساء اللائي في المحيض في أكواخ خاصة بهن حتى يطهرن ولو جردنا صناعة السلال الدقيقة التي يصنعونها من رفيع القصب نجد كل صناعاتهم ساذجة للغاية. نعم إنهم يحيكون بعض الأقمشة المتينة من خيوط خاصة يستخرجونها من ألياف شجر الأرز ويخلطونها بأصواف وعول صيغين وكندا وأصواف الكلاب التي مر ذكرها فيتكون عندهم منها نسيج متين يفي بحاجتهم إلا أن ذلك مما لا يعد صناعة نافعة.
وهذه الكلاب هي من الحيوانات الداجنة التي يمكن أن يقال عنها أنها وحيدة هذا القوم فهم ينتفعون من جلودها وأصوافها وتفيدهم في صيدهم وجر عجلاتهم على الجليد ولكنها ويا للأسف قد أوشكت تنقرض كما ذكرنا وقل نسلها قلة يخشى من ورائها.
وللسلال التي أشرنا إليها شهرة واسع عند أهل الإخصاء في جميع شتات الآثار ورائع الصنائع وهي أهل لأن تكون كذلك لأن عملها جميل متقن وعلى الرغم من أنها لم تطل بطبقة صمغية فقد تجدهم يستخدمونها في امتياح المياه من الآبار ونقلها ولا يرشح الماء من هذا السجل الدلو أو السلة أبداً.
والأغرب من هذا أن النبات الذي يستعمل في صنع هذه السلال يختلف باختلاف الشعوب إلا أن أرقها وأدقها ما كان من ألياف شجر الأرز ويوجد من هذه السلال ما أربى عمره على خمسين عاماً تتداولها الأيدي صباح مساء أما صانعوها فإنهم من النساء على الأعم.
стр. 3685
وللنساء ولع خاص بالزينة والتبرج فيذهبن مذهب الماديين حتى أن المقارنة النسلية بينهن على هذه الوتيرة.
وتلقى ذلك ظاهراًَ كل الظهور في بعض الشعوب فترى الأب لا يهمين على ابنه أوسبطه إلا حين تزوجه من امرأة بينا يكون للشاب الخيار بقبول الابنة التي انتخبها له والده أو رفضها.
أما ما يتعلق بوجود القرابة بين المرأة وزوجها فلم يكن لها من قاعدة مألوفة أو خطة مرسومة بل ترك ذلك لاجتهاد كل فريق منهم. فقد ترى لدجى بعضهم جوازاً بزواج أبناء العم بينا تلقى زواج فتى وفتاة خاضعين لزعيم واحد من المحظورات عند آخرين فالأولين لم تمنعهم لحمة النسب من الزواج والآخرين منعتهم صلة التبعية فقط.
وتجد الزواج عند بعضهم كأنه اتفاق وقتي أو هو أقرب إلى الاستمتاع منه إلى الزواج والأنكى من كل ذلك أن شرعتهم قد تركت جبل الرجال على غواربهم وأحلت لهم افتراس أية امرأة في حيهم. نعم إنهم اشترطوا في ذلك أن يتبارز الشاب الطالب مع زوج المرأة المطلوبة برزاً لا يتخلله سفك دم لأن لا سلاح لديهم فإذا ما غلب الأول الثاني على أمره وطرحه أرضاً جاز له التصريف الملق في امرأته. ولكن ماذا يفيد هذا الشرط وهل يغني عن الحق شيئاً ما دامت الغلبة للقوة؟ وإذا كانو الزوج الأول ممن يعتقدون قوة خصمه ويستنكف عن مبارزته فيحق حينئذ لذلك الخصم أن يذهب إلى بيت الأول ويدعو امرأته إلى اللحاق به وهنالك لا يسع صاحبتنا إلا الجري وراء زوجها الجديد البطل والدخول في داره وحرمه ويظل الأول منزوياً في إحدى زوايا بيته ينظر إلى هذه العادة الغريبة شرراً وقد اعتراه اليأس وأشبه الهرة التي كسرت إناء الحليب.
ويقيم الزوجان على أن يملك كل منهما ماله من أثاث البيت ورياشه إن كان هناك ما يقال له أثاث ورياش ولا يجوز لهما أن يشتركا في كل شيءٍ من أنواع القنيات ومتى توفى الزوج الرجل يسترد ذوو قرباه ما كان له في الدار من مال ومتاع أما إذا سبقت المرأة زوجها إلى الموت فلا يكتفي أهلها بأخذ ما لها في البيت فقط بل هم يضطرون الزوج إلى إعطاء هدية ذات قيمة لتكون عزاءً وسلواناً لهم على فقد ابنتهم.
ومتى فاجأ الحامل المخاض يدخلها بعض النسوة العجائز الحاضرات غرفة خاصة وبعد
стр. 3686
ولادتها يغسلن الطفل بالماء الفاتر ويرششن على جسمه مسحوق شجر الأرز ثم يضعونه في سلة على شكل سرر الأطفال ويعلقونها في دعامة البيت الخشبية أو غصن من أغصان الشجر وهذه السلال أو السرر مصنوعة بحيث يتسنى للأم أن تحملها على ظهرها أثناء مشيها.
ويخرج الطفل من سريره مرتين في اليوم على الأكثر لأخذ إفرازاته وتبقى هذه السلة عشاً له إلى أن يدرك حد الفطام والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ومتى أتممنها يدرج الطفل من عشه أو سجنه وتذهب الأم في ذلك السرير إلى جهة نائية من الحرج فتعلقه في إحدى الأغصان تقدمه إلى الملك الموكل بحفظ ذلك الوليد طول حياته.
وهنالك بدعة سيئة يجري عليها بعض الشعوب في أطفالهم. فهم يلفعون رؤوسهم عقب اليوم الثالث من ولادتهم بعمامة من قشور الشجر وهذه العادة القبيحة التي تغير من شكل عظم الرأس وتهصره وتشوه الخلقة هي في عرفهم علامة خاصة بالنبلاء. ثم يتلو ذلك التلفيع يوم خاص يجتمع فيه لفيف الأسرة أو يقيمون حفلة حافلة بتسمية اسم الوليد وبعدها تبدأ دروس التربية الجسمانية وبعد انقضاء السنة الرابعة عن ولادة الصبيان يجهزون عليهم بالضرب بعضي رفيعة صباح كل يوم صيفاً كان أو شتاءً ربيعاً كان أو خريفاً ليزيدوا حسن جلودهم على زعمهم وفوق ذلك فهم يرغمونهم على الاغتسال بالماء البارد في الأنهار الجارية.
ومتى بلغوا العاشرة من حياتهم يدفعونهم من أكواخهم إلى الخارج حفاة عراة ليقضوا ليليهم نياماً يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء أو أنهم يمضونه وأيديهم قيد ماء الجليد على ضفاف البحيرات ولا يجوز لهم رفعها إلا بعد أن تشرق الشمس عليهم فتحل عقال هؤلاء المحكوم عليهم بظلم العقول السخيفة.
وعندما يأزف زمان تكاثر الأسماك في الماء وتطفو عليها طبقات من السمك المنتن يبعثون بأولادهم تحت جنح الليل ليستنشقوا تلك الروائح الكريهة ويعتادوها ويمارسوا الفروسية تحت رعاية ملك الحفظ.
أما من حيث المعتقد فهم بعيدون جداً عن الاعتراف بإله قادر قائلون بتعدد الأرواح التي ملأت السهل والجبل وعلى رأيهم أن لكل منهم عملاً خاصاً به حتى أن العجماوات والشجر
стр. 3687
وآلات الصيد وكل ما يقع عليه نظرهم في هذا الكائن الهائل من جماد ونبات وحيوان له ملك موكل به ولذلك تراهم أبداً مشتغلين بالمراسم والعبادات ليرضوا هذه الآلهة الكثيرة وينعموا بالاً في هذه الحياة الدنيا.
مثال ذلك أن أفراد الشعوب التي تقتات من الصيد لا يتيسر لها أكل لحم الوعل الذي يصيدونه بهناء بل أنهم يحتفظون بالدماء والأمعاء لئلا تقع تحت يد وحش ضار فيأكلها وذلك لاعتقادهم أن الملك الموكل بذلك يطلع بقية الوعول على جلية الأمر ويريهم النقص الذي حصل من الصائدين في سبيل احترام رفيقهم فلا يعودون يجودون بأنفسهم ليصطادوا بل يلجئون إلى الجبال التي تناطح السحاب ويشكل على الملقين في العناية بهم أمر الصيد.
ثم أنهم عندما يأتون بصيد الوعل إلى بيوتهم لا يجوزون به الأبواب التي وطئتها أقدام النساء وفي عرفهم أن ظباء النساء وظباء الوعل أعداء متشاكسون.
وعندما يزمع أحدهم صيد الدب الأبيض يطلب إلى روح ذلك الحيوان أن تتمثل أمامه كحيوان مستسلم ولا تمسه بسوءٍ فإن ساعده ووفق إلى صيده يدهن وجهه على وجه الإنسان بألوان مختلفة علامة شكره على نجاحه ويبدأ بتلاوة قصيدة رثاءٍ يمدح فيها خلال الفقيد العزيز وسجاياه الغرّ (!).
ومن غريب عاداتهم في مباشرة طعام لحم الدب أنهم يبدؤون برأسه على أن يكون وجوه حاضري الوليمة مصبوغاً بالألوان وأن يعلق على رأس الدب في أعلى غصن من شجرة باسقة بحيث يراه أبناء جلدته عزيز الجانب رفيع الجناب في الحياة وبعد الممات. يقولون وبعد هذا لا يأنف الحيوان مقابلة الصيادين والتعرض لأسنة حرابهم وأخشابهم. ولا يقتصر هذا الاحترام على نوع الدب فقط بل يكاد يكون عاماً في جميع الحيوانات. وعندما يتجاذب الأهلون حديث الصيد ويخصون بالذكر الحيوان الذي يبغون قتله أو صيده بالفخاخ يمازج حديثهم أخشنة والأدب فيخفتون من أصواتهم لئلا يقرع مسامع الأرواح الموكلة بتلك الحيوانات كما أنه يكون منسجماً متناسقاً كقولهم: رفاقنا. لعل أولياء نعمتنا يتكرمون علينا برؤية أحدهم فيكون نصيباً منهم وعلاً أو غزالاً أو دباً إلى غير ذلك.
ولو اكتفوا بهذه التعاليم والتقاليد فقط لكان لهم فيه بعض العذر ولكنهم شملوا به الفاكهة أيضاً فحالما يبادرون بجنسي الثمار يكون لديهم راهب أو ساحر يتلو عليهم جهاراً دعاءً
стр. 3688
يليق بالمقام ويرضى به الملائكة الموكلة لتتم البركة ويحصل الخير. وبينا الراهب يتلو الأدعية والإذكار يقف زعماء الشعب وفي أيديهم العصي يراقبون أعمال الشبان حتى إذا ما رأوا أحداً فتح عينيه قبل ختام الدعاء أوسعوه ضرباً ولكماً.
على أن كل ما ذكر لا يعادل الحفلات التي يقيمونها عند حلول موسم صيد نوع من السمك فعندما تقع سمكة في يد الصياد في أول الموسم يرفعها على ساعدين لأنه محظور عليه أن تمسها يده فيأتي بكل وقار إلى رئيس الرهبان الذي يتقبلها منه بقبول حسن ويرفعها إلى مكان خص بها وهيئ لها من غصون الصنوبر.
ثم يقترح على شيخ جليل من الحضور تكون له الوجاهة والرجاحة في قومه أن يصف حول السمكة العصي التي تشير كل منها إلى أسرة من البيوت الكريمة بحسب درجاتها ثم يتناول الرئيس الراهب العصي واحدة بعد واحدة ويمس بها مسيح السمكة الأمامي الذي يعتدونه بيدها اليمنى ويخاطبها بقوله: لي الشرف أن أقدم لكريم مقامك الأسرة الفلانية التي حضرت إلى رحابك الواسع وأطلب إليك أن تسمحي لها بأن تكون موطئ قدمك إلى غير ذلك من ضروب الإطراء وصنوف المديح. وبعد إتمام هذه المراسم يضع السمكة في قدر جديد ويسلقونها على النار بين النشيد والترتيل ثم توزع بين زعماء القوم وتليها الأسماك التي تشرفت بالعيد بعدها وتطبخ هذه أيضاً ثم تعطى إلى من لم يكن حرم عليه أكل السمك شرعاً.
لرؤساء الدين عند هذه الطوائف شأن كبير لأنهم يعتقدون فيهم أنهم وسطاء بينهم وبين الملائكة أو الرواح الموكلة وتنتقل الرهبنة من الآباء إلى الأبناء وتتعاطى هؤلاء الرهبان بعض مواد تخدر الجسم في حين يعنون كل العناية بالاعتكاف والانقطاع عن الناس فيكون فيهم من وراء ذلك شيءٌ من الجمود والسكينة.
ومما يدعو إلى الانتباه الأنصاب القائمة في مداخل البلدان وقبالة البيوت وقد زعم المكتشفون من الروس أنها تماثيل تعبد والحقيقة أن هذه شارات خاصة لكل أسرة منها شارة فمنها ما يكون كالطير ومنها ما يكون كالسمك وأشباههما من الحيوان على أن هذه تخدم في تفريق البيوت بعضها عن بعض لأنها كلها مبنية على نسق واحد لا يمكن التمييز بينها إلا بمييزات خاصة وهذه التماثيل تفي بالغرض المطلوب. ولهم نوع من السحرة
стр. 3689
يطبون المرضى ولكتن بإخراج الأرواح الشريرة منهم لا بالعلاج النافع الذي لا يعرفونه. ثم هم يدعون أن كل أسرة منهم من نسل أحد الأرواح الموكلة ويعتقدون أن لهم صلة بالسماء كالصينيين أبناءِ ماءِ السماءِ ولله في خلقه شؤون.
حيفا.
عبد الله مخلص.
стр. 3690
قانون الجمعيات
الفصل الأول
المادة الأولى_الجمعية هي الهيئة المؤلفة من أشخاص عديدين غايتهم توحيد معارفهم أو مساعيهم دون أن يقصدوا اقتسام الربح.
المادة الثانية_لا تضطر الجمعية إلى نيل الرخصة قبل تأليفها إلا أنها يقضى عليها عقيب تأسيسها إخبار الحكومة طبقاً للمادة السادسة.
المادة الثالثة_لا يجوز تأليف الجمعية المستندة على أساس غير مشروع مغاير لأحكام القوانين والآداب العامة أو مخل بالأمن في المملكة وتمام ملكية الدولة وتغيير شكل الحكومة الحاضرة والتفريق سياسة بين العناصر العثمانية المختلفة.
المادة الرابعة_محظور تأليف جمعيات سياسية أساسها وعنوانها القومية والجنسية.
المادة الخامسة_يشترط في أعضاء الجمعيات أن لا تكون سنهم أقل من عشرين غير محكوم عليهم بجناية أو محرومين من الحقوق المدنية.
المادة السادسة_ممنوع كل المنع تأليف الجمعيات السرية. فإذا أنشئت جمعية تقدم بياناً في الأستانة لنظارة الداخلية وفي الولايات لأكبر موظف ملكي يوقع عليه مؤسسو الجمعية ويختمونه فيبينون فيه عنوان الجمعية ومقصها ومركز إدارتها وأسماء المكلفين بإدارتها وصفتهم وملح إقامتهم. ويعطى علم خبر مقابل هذا البيان. ويربط بالبيان المذكور نسختان على نظام الجمعية الأساسية المصدق عليهما بطابع (ختم) الجمعية الرسمي.
وبعد أخذ العلم والخبر يعلن المؤسسين الكيفية على أن الجمعيات مضطرة أن تخبر الحكومة حالاً بالتعديلات والتبديلات التي تجريها سواء في نظامها الأساسي أو في هيئة الإدارة ومحال الإقامة وهذه التعديلات والتبدلات يعمل بها في يوم إخبار الحكومة وتقيد في سجل خاص يبرز في كل وقت تطلبه العدلية والملكية.
المادة السابعة_لمركز كل جمعية مجلس إدارة يؤلف من شخصين على الأقل وإذا كان للجمعية فروع يجب أن يكون لكل واحد منها مجلس إدارة مربوط بالمركز ويشترط على المجالس أن يكون لها أولاً سجل تبين فيه هوية الأعضاء وتاريخ دخولهم ثانياً سجل للمقررات والمفاوضات والتبليغات ثالثاً سجل فيه مقدار دخل الجمعية ونفقاتها بأنواعها
стр. 3691
ومفرداتها وتبرز هذه السجلات الملكية والعدلية في أي وقت تطلبها.
المادة الثامنة_كل جمعية تعطي بياناً بموجب المادة السادسة تكون بالواسطة مدعية ومدعى عليها في المحاكم كما هو مبين في المادة التاسعة ولها الحق بأن تنصرف وتدير ما عدا الإعانات التي تكلف بها الدولة أولاً الحصص النقدية التي يعطيها أعضاؤها على أن تتجاوز سنوياً الأربع والعشرين ليرة ثانياً المحل المخصص لاجتماع أعضاء الجمعية وإدارتها ثالثاً الأموال غير المنقولة اللازمة للوصول إلى المقصد الذي اتخذته وفقاً لنظامها الخاص. ومحظور على الجمعيات أن تتصرف بغير ذلك من العقارات.
المادة التاسعة_تكون المراجعات والمطالبات باسم الجمعيات لمأموري الحكومة والمحاكم والمجالس الرسمية بعرائض عليها طوابع يوقع عليها الكتاب العموميون والمديرون بتوقيعهم وطابعهم الذاتي ولا تجري غير ذلك من الوسائط. وإن أمثال هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بالمعاملات باسم الجمعية تبين هويتهم في نظام الجمعية الأساسي.
المادة العاشرة_يمكن لأعضاء الجمعيات أن ينفصلوا عنها في أي وقت يريدون ولو اشترط في نظاماتها الأساسية عكس ذلك بعد أن يؤدوا ما عليهم من الحصص النقدية التي حان استيفاؤها وتختص بالسنة الحالية.
المادة الحادية عشرة_محظور إدخال الأسلحة النارية والجارحة إلى المكان الذي تجتمع فيه الجمعية كما أنه يحظر حفظها فيه إلا أنه يمكن أن يوجد أسلحة بقدر اللزوم في الأندية المختصة بتعليم الصيد والقنص ولعب السيف على أن تكون للضابطة علم بذلك.
المادة الثانية عشرة_تمنع الحكومة كل جمعية لم تعط بياناً للحكومة ولم تخبر ولم تعلن عن نفسها حسب المادة الثانية والسادسة ويعاقب بالغرامة النقدية من خمس ليرات إلى خمس وعشرين ليرة مؤسسوها ومجلس إدارتها وصاحب محل اجتماعها أو مستأجره على أن يحكم بجزاء آخر إذا كانت أمثال هذه الجمعية مؤلفة لمقصد مضر من المقاصد المسطورة في المادة الثالثة والمبينة في قانون الجزاء كما يقضي به القانون المذكور.
المادة الثالثة عشرة_يؤخذ جزاء نقدي من ليرتين إلى عشر ليرات من الذين يأتون أعمالاً تخالف باقي أحكام المادة السادسة ما عدا الأخبار والإعلان وأحكام المادة الرابعة والخامسة والسابعة والتاسعة. ويغرم أعضاء الجمعيات التي تمنع بموجب المادة الثانية عشرة وتبقى
стр. 3692
مخالفة لهذا القانون أو تؤسس من جديد بالجزاء النقدي من عشر ليرات إلى خمسين ليرة وبالسجن من شهرين إلى سنة ويجازى وبعين الجزاء من يعطون محالهم لاجتماع أعضاء جمعية منعت.
المادة الرابعة عشرة_إذا كان نظام الجمعية التي تحل برضا أعضاءها واختيارهم أو بموجب نظامها الداخلي أو تمنعها الحكومة صريحاً يعمل بموجب الأموال العائدة إليها وإلا تعامل على حسب ما تقرره هيئة الجمعية العمومية.
أما إذا كانت الجمعية قد منعت لتألفها لأحد الأسباب المضرة المبينة في المادة الثالثة فإن الحكومة تأخذ أموالها وتضبطها.
المادة الخامسة عشرة_الندية هي من قبيل الجمعيات المدرجة في هذا الفصل.
المادة السادسة عشرة_الجمعيات الموجودة اليوم مضطرة أن تقدم بياناً وتعلن كما تقضي بذلك المادة الثانية والسادسة وأن توفق معاملتها على باقي مواد هذا القانون خلال شهرين اعتباراً من إعلان هذا القانون.
الفصل الثاني.
المادة السابعة عشرة_إن اعتبار الجمعية خادمة للمبادئ العامة متوقف على تصديق الحكومة بقرار من شورى الدولة.
وهذه الجمعيات يمكن القيام المعاملات الحقوقية كافة التي لا تمنع منها نظاماتها الأساسية ولا بد للأسهم والسندات التي تعود إلى حاملها أن تقيد وتحول باسم الجمعية ولا يمكن للجمعية أن تقبل هبة أو وصية إلا بإذن خاص من الحكومة وتباع أموال الهبة أو الوصية الغير منقولة إذا لم تنفع الجمعية في مقصدها ويصرح في قرار البيع بالمدة التي يجب أن تباع في خلالها ويسلم بدل العقار المباع إلى صندوق الجمعية.
المادة الثامنة عشرة_للضابطة حق تفتيش الجمعيات والأندية فتفتح هذه أبواب محال اجتماعها لمأموري الضابطة في كل وقت. يجب أن يكون مع موظفي الضابطة كي يثبتوا أنهم دخلوا محال الاجتماع مستندين على لزوم حقيقي أمر أو إذن رسمي يضطرون إلى إبرازه ويكون صادراً إليهم من ناظر الضابطة في الأستانة ومن أكبر مأمور ملكي أو وكيله في الولايات.
стр. 3693
المادة التاسعة عشرة_على ناظري الداخلية والعدلية تنفيذ هذا القانون.
في ٢٩ رجب سنة ١٣٢٧وفي ٣١ آب سنة ١٣٢٥.
стр. 3694
سير العلم والاجتماع
سعة التأليف ومؤلفو الشيعة
كتبت رصيفتنا العرفان تتمة لما كتبناه في الجزء الأول من المقتبس الخامس في سعة التأليف في الإسلام ذوكرت المكثرين من التأليف عند الشيعة فقالت: لم نجد بين رجال القرن الأول من له ثلاثون مصنفاً لعدم انتشار التأليف آنئذ وغلبة الأمة ويكفي بأن تثبت للشيعة مؤلفين على حين أنه لم يكن لغيرهم تأليف في ذلك القرن فقد ألف أمير المؤمنين علي ﵇ صحيفة في الديات وألف سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري في الأخبار والسير وألف أبو الأسود الدؤلي في النحو الأدب وألف كثيرون غيرهم ممن يطول الشرح في تعدادهم.
ومن المؤلفين المكثرين من رجال الشيعة في القرن الثاني لوط بن يحيى أو محنف المؤرخ المشهور الذي يروي عنه الطبري وغيره من المؤرخين قال النجاشي له كتب كثيرة وعد منها نحو ثلاثين كتاباً كلها في التاريخ والسير.
وهشام بن الحكم عدد له النجاشي نحو ثلاثين كتاباً أكثر في الكلام والفلسفة الإلهية.
ومن رجال الشيعة في القرن الثالث إبراهيم بن محمد الثقفي قال النجاشي له كتب كثيرة والتي اتصل بنا منها ثم عددها نحو أربعين كتاباً.
والحسن بن موسى أبو محمد النوبختي قال النجاشي له على الأوائل؟ كتب كثيرة منها كتاب الآراء والديانات وحجج طبيعية مستخرجة من كتب أرسطاطاليس في الرد على من زعم أن الفلك حي ناطق وكتاب في المرايا وجهة الرؤية فيها وعدد له نحو أربعين كتاباً.
وسعد بن عبد الله أبو القاسم القمي عدد له ما ينيف عن ثلاثين كتاباً.
وعبد العزيز بن يحيى الجلودي ذكر النجاشي كتبه في أربع صفحات وقد بلغت مائة وأربعة وثمانين كتاباً في جملة فنون وأغلبها تاريخ وأخبار وفقه.
وعلي بن محمد العدوي الشمشاطي كقال النجاشي له كتب كثيرة عدد منها ما يقرب من أربعين كتاباً ومما يلفت النظر منها كتب الأنوار والثمار قال النجاشي قال سلامة بن دكا أن هذا الكتاب ألفان وخمسمائة ورقة يشتمل على ذكر ما قيل في الأنوار والثمار من الشعر وكتاب النزه والابتهاج قالَ قال لي سلامة بن دكا أنه نحو ألفاتن وخمسمائة ورقة يذكر فيه
стр. 3695
آداباً وأخباراً ومن جملة كتبه مختصر تاريخ الطبري وأغلب كتبه ضخمة.
والفضل بن شاذان أبو محمد الأزدي النيسابوري قال النجاشي: ذكر الكحي أنه صنف مائة وثمانين كتاباً وقع إلينا منها وعدد نحو خمسين كتاباً.
ومحمد بن ارومه أبو جعفر القمي قال النجاشي: ذكر القميون وغمزوا عليه ورموه بالغلو حتى دس عليه من يفتك به فوجدوه يصلي من أول الليل إلى آخره فتوقفوا عنه وقد عدد له نحو ثلاثين كتاباً ومن العجيب أن بينها كتاباً في الرد على الغلاة وكل كتبه دينية.
ومحمد بن جعفر بن أحمد بن بطه المؤدب أبو جعفر القمي قال النجاشي: كبير المنزلة بقم كثير الأدب والفضل والعلم يتساهل في الحديث ويعلق الأسانيد بالإجازات وفي فهرست ما رواه غلط كثير وقد عدد له أكثر من خمسين كتاباً أكثر كتبه مسماة بأسماء الأعداد فله كتاب الواحد والاثنين إلى التسعة والأربعين.
ومحمد بن أحمد أبو الفضل الجعفي الكوفي المعروف بالصابوني عدد له النجاشي نحو سبعين كتاباً وقد كان زيدياً فصار اثني عشرياً.
وهشام بن محمد السايب قال النجاشي: كان له كتب كثيرة وعدد له منها خمسين كتاباً في الأنساب والتاريخ والسير.
ويونس بن عبد الرحمن قال النجاشي: وكانت له تصانيف كثيرة وعدد منها أكثر من ثلاثين كتاباً.
ومن رجال الشيعة المشهورين في سعة التأليف في القرن الرابع أحمد بن محمد بن دول القمي قال النجاشي: له مائة كتاب وعدد منها جانباً.
وعلي بن أحمد أبو القاسم قال النجاشي: كان يقول بأنه من آل أبي طالب وغلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنف كتباً كثيرة أكثرها على الفساد وقد عدد له نحو خمسين كتاباً أغلبه ردود وبها رد على أرسطاطاليس وكتاب في تفسير القرآن وكتاب في النفس.
ومحمد بن يعقوب الكليني عدد له النجاشي أربعين كتاباً وقال: صنف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يشمى الكافي في عشرين سنة ومات سنة ٣٢٩ سنة تناثر النجوم.
ومحمد بن أحمد بن الجنيد المكاتب أبو علي الإسكافي عدد له النجاشي ما يقرب على مائة وثمانين كتاباً كلها دينية فقه وسير وكلام.
стр. 3696
ومحمد بن بابويه القمي المشتهر بالشيخ الصدوق عدد له النجاشي نحو مائة كتاب.
وموسى بن الحسن أبو الحسن الأشعري القمي قال النجاشي: صنف ثلاثين كتاباً عدد منها اثني عشر كتاباً.
ومن المؤلفين في هذا القرن إسماعيل الصاحب بن عباد وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني وهما وإن لم تبلغ تآليف كل منهما الثلاثين فإنها تناهز العشرين فضلاً عن تعدد مجلداتها وغزير فائدتها.
ومن المكثرين من التأليف في القرن الخامس علي بن الحسين أبو القاسم السيد المرتضى الشهير فقد عدد له النجاشي أربعين كتاباً ويقال بأن له ثمانين كتاباً وهو صاحب أمالي المرتضى الذي طبع في مصر.
ومحمد بن محمد بن النعمان المشهور بالشيخ المفيد عدد له النجاشي نحو مائة وستين كتاباً.
أما في القرن السادس فيوجد من الشيعة عدة مؤلفين بيد أنهم غير مكثرين.
ومن المكثرين من التأليف في القرن السابع السيد أحمد بن طاووس قال في الروضات وصنف اثنين وثمانين كتاباً في فنون من العلم وعد منها طرفاً صالحاً.
والحسن بن المطهر الحلي المشهور بالعلامة عدد له صاحب الروضات سبعين مصنفاً ورأيت على الحواشي بعض مصنفاته بأن له ثلاثمائة مصنف.
والسيد علي بن طاووس عدد له صاحب الروضات نقلاً عن كتب كثيرة أكثر من ثلاثين مصنفاً كل كتاب منها عدة مجلدات.
ومحمد الخواجة نصير الدين الطوسي الحكيم المعروف عدد له صاحب الروضات نحو ثلاثين كتاباً في فنون مختلفة.
ومن المكثرين من التأليف في القرن الثامن محمد بن معية النسابة وهو وإن لم يتجاوز ما عدد له صاحب الروضات خمسة عشر كتاباً فهي تبلغ الستين مجلداً منها كتاب أخبار الأمم فإنه قال صاحب الروضات خرج منه أحد وعشرون مجلداً وكان يقدر إتمامه في مائة مجلد كل مجلد أربعمائة ورقة.
ومحمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول فهو وإن لم يذكر صاحب أمل الآمل إلا نحو خمسة عشر كتاباً فمن المشهور أن له تآليف جمة في فنون مختلفة جزيلة الفائدة.
стр. 3697
ومحمد بن مكرم الأنصاري الإفريقي صاحب كتاب لسان العرب المعجم المعروف له كتب كثيرة ويقال أن مختصراته خمسمائة مجلد.
أما في القرن التاسع فلم نعثر على مؤلفين مكثرين بين رجال الشيعة وإن كان يوجد بينهم عدة مؤلفين مقلين.
وممن اشتهر في القرن العاشر بكثرة التأليف زيد الدين الشهيد الثاني العاملي ثم الجبعي عدد له تلميذه العودي من المؤلفات المتنوعة ما ينيف عن ستين مؤلفاً.
وممن
اكثر في التأليف في القرن الحادي عشر سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي عدد له صاحب الروضات نحو أربعين مصنفاً وبها الكتب التي وقعت في عشر مجلدات.
وصدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المشتهر بالملا صدرا عدد له صاحب الروضات نحو ثلاثين كتاباً أكثرها في الحكمة الإلهية.
ومحمد بن الحسن بن علي بن محمد المعروف بالشيخ الحر العاملي صاحب كتاب الوسائل في الحديث وأمل الآمل فغي علماء جبل عامل في التراجم وقد ترجم نفسه به وعدد مصنفاته كما نقله صاحب الروضات فإذا هي تنيف عن أربعين كتاباص ورسالة.
ومن المؤلفين المكثرين في القرن الثاني عشر إسماعيل المازندراني قال صاحب الروضات بعد أن عدد له أربعة عشر كتاباً ورسالة إلى غير ذلك من السائل والمؤلفات الكثيرة التي تبلغ نحو مائة وخمسين مؤلفاً متيناً في فنون شتى من العلوم والحكم والمعارف.
ومحمد باقر المشهور بالمجلسي عدد له صاحب الروضات نحو خمسين مؤلفاً عربياً وخمسين مؤلفاً فارسياً وبعد الفراغ من تعدادها قال: وعدد أبيات جميع ما ذكر من العربي والفارسي ألف ألف بيت واثنين وأربعمائة لف بيت وسبعمائة وإذا وزعت على أيام عمره التي هي ثلث وسبعون سنة من غير زيادة ولانقصان يكون قسمة كل سنة تسعة عشر ألف بيت ومائتين وخمسة عشر بيتاً وخمسة عشر حرفاً وهكذا بالترتيب اهـ.
والسيد خلف عدد له صاحب الروضات نقلاً عن أمل الآمل وغيره من كتب التراجم نحو ثلاثين مؤلفاً.
وسليمان البحراني عدد له صاحب الروضات أمثر من خمسين مؤلفاً أكثرها رسائل.
стр. 3698
وعبد الله بن جمعة السماهيجي البحراني عدد له صاحب الروضات نقلاً عن بعض إجازاته أكثر من ثلاثين كتاباً ورسالة.
والسيد هاشم البحراني عدد له صاحب الروضات أكثر من ثلاثين كتاباً وفيها المجلدات الضخمة.
ومن المكثرين في التأليف في القرن الثالث عشر من الشيعة الشيخ أحمد الإحسائي فقد قال صاحب الروضات بعد ما عدد له ثلاثين مؤلفاً إلى تمام مائة رسالة وكتاب.
ومحمد الباقر البهبهاني قال صاحب الروضات نقلاً عن صاحب المنتهى له ستون مؤلفاً ثم عدد أكثرها.
وملا جعفر الاستربادي عدد له صاحب الروضات نحو أربعين مؤلفاً في علوم مختلفة أكثرها مجلدات ضخمة.
وأبو القاسم الميرزا القمي صاحب كتاب القوانين في الأصول عدد له صاحب الروضات عد كتب كلها مجلدات ضخمة وقال وجد بخطه ما يؤدي بأنه كتب ألف رسالة في مسائل مخصوصة من العلوم.
ومحمد بن عبد النبي المعروف بميرزا محمد الأخباري نقل صاحب الروضات بأنه كتب كتاباً في الرجال ترجم به نفسه وعدد مؤلفاته وهي ثمانون مؤلفاً في فنون عقلية ونقلية وشهودية وجلها أو كلها مجلدات كبيرة ومنها ما وقع في عدة مجلدات اهـ.
مدرسة الاستقلال
ذكرت مجلة العلم الاجتماعي أن مدرسة دي روش في فرنسا احتفلت بمرور عشر سنين على تأسيسها فذكر رئيسها في هذه المناسبة ما قامت به المدرسة منذ إنشائها في تربية العقول ونزع حب الاتكال من النفوس وتحبيب الاستقلال إليها قال أن هذه المدرسة أنشأها أديمون ديمولانس (صاحب كتاب سر تقدم الإنكليز والسكسونيين) وغرضها أن تقصد إلى القضاء على الأساليب والعادات المتبعة في المدارس الداخلية الفرنسوية فهي تعاكس الظلم الناشئ من التدريب المبالغ فيه وتقاوم إنهاك القوى في عامة أشكاله وطريقة اتباع الخطط في الدروس ورخاوة التربية الطبيعية وقلة كفاية التربية الصحية وفقدان التربية العملية ونزع الأساليب المتبعة في تربية الأخلاق وتلقين الأديان.
стр. 3699
وقد ذكرت المجلة أن غاية ما توخته هذه المدرسة أن توفق بين النمو العقلي في الطفل وعنيت أن تبين للأولاد لماذا يعلمون الشيء الفلاني وإن تشوقهم إلى تعلمه لحل المسألة الفلانية بحيث يهتمون بنتائجها وكان ممن تخرجوا في تلك المدرسة منذ سنة ١٩٠٥ أن تقدموا للمسابقة فأحرز قصب السبق منهم ٥٦ من ٦٧ وأبانوا عن كفاءة مدهشة في المواد التي لا تسألهم عنها المدارس مثل الرياضات البدنية واللغات الحية والموسيقى والمعلومات العلمية وتربية الأخلاق. وأحسن ثمرات التعليم الاستقلالي أنه لم يعمد إلى البطالة فرد من المتخرجين على أسلوبه بل أنم ٢٦ منهم دخلوا في التجارة والصرافة وكثيرون قصدوا البلاد الخارجية وثلاثة دخلوا المدارس التجارية و١١ في الصناعة وقلما يرغب تلامذة هذه المدرسة في التوظف والأعمال الحرة بل يختارون الصناعات العلمية الحرة فلم يدخل منهم حتى الآن سوى واحد في معمعان السياسة وواحد آثر التوظيف.
مؤتمر العناصر
ومن أول مظاهر الإخاء بين البشر المؤتمر الذي سيعقد في لندرا في شهر تموز ١٩١١ فهو أول مؤتمر عام للعناصر يساعد على تبادل الاحترام بين عناصر الشرق والغرب وستتلى فيه مفكرات غريبة يتلوها أناس من أرقى الرجال من أهل العالمين القديم والحديث وسيكون بينهم خمسة وعشرون رئيساً في مجالس النواب وأربعون أسقفاً ومئة وثلاثون أستاذاً في الحقوق الدولية وغير ذلك سيكون لهذا المؤتمر شأن عظيم في مستقبل العناصر البيضاء وغيرها.
استعمار الإسلام
قالت مجلة الاقتصاد الدولية إننا قد أيقظنا اليابان والصين من سباتهما وها قد أصبحنا ولاسيما الأميركان منا نعض الأنامل ندماً على ما قدمناه بين يدي تينك الأمتين وقد أخذ المسلمون ينهضون وينتبهون أيضاً بحسب رأي المسيو لشاتليه (المقتبس م٥ ص٢٧٦) كما يفهم من الأرقام التي أتى بها للدلالة على انتباه المسلمين قال أن الصحف الإسلامية تكون الرأي العام الإسلامي على أن تكون منافع الجمارك والأراضي والغابات والمعادن والنقل والاحتكارات والامتيازات وكل ثمرات الأرض إسلامية خاصة بالمسلمين يقول لسان حالها الإسلام للمسلمين وقد علقت المجلة على ما تقدم بهذه الجملة الغريبة وهاكها بنصها معربة:
стр. 3700
إننا نعد أنفسنا سعداء إذا اكتفى المؤمنون بهذا ولم يأتوا فيستعمروننا على الطريقة التي عمدنا إليها معهم.
ضعاف المدارك
نقلت مجلة الاقتصاديين الباريزية عن إحدى المجلات الإنكليزية مبحثاً لأحد أطباء إنكلترا جاء فيه أن بين عامة الناس والبله الثابتة بلاهتهم في بريطانيا العظمى طبقة كبرى ضعيفة في مداركها وهي عالة على أسرها والمجتمع وعددها لا يقل عن خمسين ألفاً قال أن ضعف العقل أرثى وأصحابه يشتد غرامهم ويكثر أولادهم على حين يقل أولاد الأذكياء وبذلك ينتج ضعف الأخلاق والعقل في المجتمع وذلك لأتن ضعاف العقول يأتون بالجرائم والمفاسد أكثر من غيرهم وضعيفات العقل من البنات أقرب بنات جنسهن إلى الإغواء. وقد حسبوا جميع سكان ورخوس فكان خمسهم أو ربعهم ضعاف العقول فالواجب إذن تقوية هذه المدارك الضئيلة والمدارس التي أقيمت لغرض تقوية الضعاف في عقولهم لم تثمر الثمرة المطلوبة لأنه لم ينجح واحد في الخمسين ممن دخلوها لأنها أنشئت على مبدأ مدارس أقوياء العقول أي على طريقة مدرسية صرفة لا شأن فيها للصناعات. قالت المجلة فإن ادعى صاحب هذا الفكر بأن هذا خطر عظيم على المجتمع أجيب بأنه كان منذ كان البشر ولكنه لم يكن محسوساً كما هو الآن لأن الملاجئ والأديار تؤوي أمثال هؤلاء وكانوا من قبل مشتتين فالخطر وإن كان واقعياً إلا أنه ليس بالدرجة التي يظنها الطبيب المشار إليه نعم إن الأولاد كلهم يصاغون صياغة واحدة من سن السادسة إلى الثانية عشرة بمعنى أنهم يتعلمون القراءة والكتابة وما تعلم القراءة والكتابة بالأمر السهل كما يظهر بل هو من شاق الأعمال التي لا نقدرها حق قدرها فإن المستخدم إحدى المكاتب يملي ثلاثين كلمة في الدقيقة أي ما يعادل طول خمسة أمتار فتكون هذه الخطوط ثلثمائة متر في الساعة أو ألف كيلو متر في ثلثمائة يوم من أيم السنة وهي أيام العمل. ولأجل كتابة ١٣٠ كلمة يدور رأس القلم ٤٨٠ دورة في الدقيقة و٢٨. ٨٠٠ دورة في الساعة دع عنك ما يتبع ذلك من التعاريج مما لا يقل طوله كله عن مئة ألف كيلومتر في السنة ولولا العادة ما سهلت الكتابة وخففت من تعب الأعصاب وهذا هو العمل الذي يقضي على الأولاد أن يعملوه فهل يستغرب إذا رأينا بعضهم ينوؤن بهذا العبء الثقيل وأن ما يطلبه الطبيب لضعاف العقول من تعليمهم
стр. 3701
الصناعات هو أحق به أن يطلب لجميع المتعلمين إذا أردنا أن يكون لهم عقل سليم فقي جسم سليم.
تربية الحس
كتب بول غوتليه من علماء التربية في فرنسا مقالة في نقص تربية الحس في مجلة التربية جاء فيها: لا أرى في التربية أكثر إهمالاً في العادة من تربية الحس فإنه متروك وشأنه ينمو كما يشاء وعلى النحو الذي يشاء فيأخذ بالاتفاق ذات اليمين أو ذات الشمال في المدرسة والأشرة وترى الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات يعنون بما في جهدهم بتلقين العلوم ولا يلتفتون إلى تربية القلب في حين أن الحس أصل القوى كلها ومبدأ كل حياة ولا أثر للذكاء والإرادة بدونه على ما أبان ذلك الفلاسفة المحدثون أمثال ريبو وفوليه وبرجسون. فالفكر الذي لا يقتبس من حرارته عار عن القوة. فبه تعرف مطويات الضمائر وعناوين الأمزجة وغاية الجهد بل هو الصورة لما في الأفراد من مزايا الإبداع. قال روسكين (من علماءؤ الاجتماع الإنكليز): إننا نشكو من قلة الحس أكثر من كثرته فقلته أدت ببعض الأرواح إلى الابتذال فمن آثار قلته عادات وأعمال تخالف الإنسانية لا خوف يزعجها ولا فرح ولا شرف ولا تقوى يهزها فإذا تثاقلت يد المرء في تعاطي العمل وجف قلبه وساءت عاداته وجمد فؤاده يصبح مبتذلاً على قلة عواطفه وسرعة ذكائه وجودة مأتاه ومنزعه فالعقل لا يعرف غير الحق فهو الإنسانية الربانية تستحكم من القلوب فتدرك الإلهيات وصالح الأعمال.
فالحس يقرب بين الشخصيات ويسيطر على العواطف فيجمع الناس في أفراجهم ويشكرهم بعضهم مع بعض في أتراحهم بل هو السلسلة التي تربط كلاً منا بالعالم كله فهو الموزع الجوهري بين الشخصيات. والأفكار والأعمال نتيجة لازمة عنه وهو كذلك الصلات بين الأفكار. إذا نقص فلا شيء يحدو نحو الوكمال بل أن الكمال يفقد جملة ويجف معين العلم والصناعات والفضائل ويتعذر العلو وتفقد العشرة وتنحل ربط الاجتماع فلا إحساس ولا شفقة. إذا فقد الحس تضعف الإرادة ويبقى العلم ظلاً زائلاً ويفنى الذكاء. ولطالما رأينا علماء وهم مغفلون لو استقرت أحوالهم تجد لا فرق بينهم وبين حمر الخلائق لأن العلم لم يرق فيه الحس الرقيق الذي يمكنهم من معرفة ما لا يقع مباشرة تحت حواسهم وهو قلما
стр. 3702
يتعلم كتاب فالحس من ثم هو الحد الفاصل بين أن يجعل الرجل في كبار الرجال أو في طبقة ضعاف المغفلين.
وإذا حيد باستعداد الطفل عن الجادة منذ صغره لا يلبث أن يكون استعداده مبعث كثير من المفاسد وأصل جم من الخطايا يرسل بأحسن ما فيه عن مائية إلى الأغصان الشرهة الطفيلية فتهولك الأغصان النافعة وتقوى دواعي الهوى والشهوات فقد قال بول بورجه: تكاد تكون معظم الأمراض العصبية ناشئة من اضطراب العشق ومبدأ كل هذا الاضطراب من رداءة التدبير الصحي الأخلاقي زمان البلوغ فمن الحس تنشأ المطالب العالية والمطالب الدنيئة وهذه القوة أو هذا الأساس في كل قوة شواءٌ كان في الخير أو في الشر ينبغي أن لا يترك وشأنه في الولد على حين هو لدن رخيص إلى الغاية فإذا هب على ما يجب يكون منه أبطال وقديسون وإلا فلا أقل من أهل حشمة ووقار.
وأكثر ما يكون مربياً للحس بيت العائلة والتربية الأصلية هي التي تجعل الولد على استقامة لا ينالها من تربية أخرى وفي حب الوالدة ولدها معنى من معاني الظرف تصحب المرء إلى قبره ولكم كانت عناية الأم أكبر مخرج للرجال الأعاظم حتى قالت العقيلة نيكر دي سوسور إن الحنان هو الحرارة الضرورية لتنمية الجراثيم السعيدة.
والمدارس الداخلية مضرة وهي لصغار السن جريمة ويتضرر البنات وهن سيصبحن ملائكة البيت بدخولهن المدارس الداخلية إذ يبتعدن عن الأسرة بل عن العالم ويفطم الولد من الحب ولا يعرف غير جفاء النظام والعذاب والمجرد وقلة مبالاة الإدارة بأمره.
يتعذب وما من أحد يعنى به عناية حقيقية أو يعرف ذوقه وميوله ولا يجد حوله من يبوح إليه بذات نفسه فهو وحيد محروم من الهواء وإحساسه يذبل إذا لم نقل يفسد ولذلك كانت المدارس الداخلية في فرنسا لا تخلو من مفاسد تلحق الأخلاق. وقد انتبه الإنكليز لذلك فلم يعودوا يرسلون بناتهم إلى المدارس الداخلية بل يجعلونهن في بيوت معلماتهن على أخلاقهن وينجون من إدارة تسير على هواها كإدارة الحبس فأفضل اختيار البيت لتربية الأولاد فيه فليس كالأسرة التي يخرجنا منها وازع يحف طفولتنا بعنايته ويعلمنا الظرف واللطف والطهارة التي كتب فيها رينان الفيلسوف يقول: أينم يتعلم الطفل أو الفتى الطهر وصفاء السريرة اللذين هما أساس كل أدب راسخ ويدرك زهرة العواطف التي تكون ذات
стр. 3703
يوم بهجة للمرء ودقة الفكر التي هي ذات أشكال لا تدرك بالتصور؟ أيتعلمها في الكتب وفي الدروس التي تلقى على مسامعه فيصغي إليها أو في رسائل يستظهرها؟ كلا إنه لا تعلمها في شيءٍ من ذلك بل يتعلم في الهواء الذي يعيش فيه والمحيط الاجتماعي الذي يصير إليه يتعلمها بحياته في أسرته ليس إلا. .
فالحنان الآخذ بعنان الأسرة بما فيه من الانتباه والحب هو الذي يربي حسن الطفل من نفسه بعيداً عن قلة الاهتمام والعدوى والحسد بعيداً منذ نعومة أظفاره عما يعبث به. ويجب أن لا يدفع الأولاد للخدامين والخدامات فإنهم يفسدونهم بضعف عقولهم وقلة عنايتهم حتى أن ولداً في الثالثة عشرة أصبح أبله بصنع خادمة ارادت تسكيته فوضعته في غرفة وأقفلت عليه الباب بضع دقائق حتى إذا فتحت الغرفة وجدته متخشباً وقد عولج الولد فشفي إلا أنه بقي أبله طوال حياته. فصح فينا ما قاله بلوتارك في القديم: من الغريب أننا نرى الواحد منا يستخدم خادماً له في حرث أرضه وآخر لتنظيم داره وغيره لإدارة نفقته فإذا كان له خادم سكير لا يستطيع عملاً يعهد إليه بتربية ولده ونحن كم عندنا من معلم ومعلمة خانهم الدهر فعمدوا إلى اتخاذ التعليم حرفة وهم ليسوا على شيءٍ من الأخلاق التي تطلب منهم لتربية خلق المتعلم فيرث الأولاد عنهم نقائصهم وأحياناً مفاسدهم بل يقتبسون دناءة النفس فيتجردون عن المطالب العالية النضيحة قبل أن يبلغوا السن اللازمة.
ولذلك وجب على الوالدين أنم لا يتخلوا لأحد عن ملاحظة أولادهم ففي الطفولية يتولون ذلك بأنفسهم وأثناء الدراسة يشرفون إشرافاً عليهم ولا يدفعونهم إلا لمعلمين أكفاء على أن دلال الولد وملاطفته على الدوام قلما تنشئ رجالاً أو نساء أحرياء بالاعتبار لأن رخاوة الحس على هذه الصورة تبعد بالولد عن تحمل المكاره والإفراط بالعناية به تعده إلى أن لا يتوقع إلا الدلال فالشاب يتطلب من الزوجة رفيقة لا أماً والشابة تنتظر أن تكون لعبة لا ملكاً. وهذه العيوب تلحق الولد الوحيد في الغالب لأن والديه يبالغان في دلاله.
وأضر ما يكون على طفل الإغراق في قضاء رغائبه وإعطاؤه من اللعب ما لا تشتد حاجته إليه بل أن يكون من شأنه أن يعوده على الإسراف والبذخ وخير من ذلك أن يعود الولد الحرمان والتقشف لأن الشدة القليلة في التربية تدعو المربى إلى الشجاعة. وعرف الإسبارطيون ذلك حق المعرفة وهذا هو السبب في أن الإنكليز مازالوا محافظين على
стр. 3704
أنواع الرياضات العنيفة وضرب السياط في المدرسة. لا جرم أن ذلك يمنع رقة القلب الكاذبة ويبعد من التأنث مما هو من العيوب حتى في النساء.
وينبغي أن لا نكتم شيئاً عن الأولاد يطلبون السؤال عنه وإذا كان ثمة ما لا يسوغ لهم إبداؤه نعدهم بأن نفصح عنه بعد حين فالجهل فيها ليس من الخير في شيءٍ لأنم الجهل خطر كل حين وقد كتب المسيو نيكولاي يقول: إن الأخلاق عبارة عن تعلم مجاهدة الشر لا أن يعقد الأمل الخيالي بأن يكبر الولد في سذاجة تامة في حين هو يعيش في العواء الفاسد الذي نستنشقه.
فلتربية الحس القوي الذي يقاوم الصدمات يجب أن نجعلها تمس الحياة عند بداءة ظهورها والمدرسة مفيدة في هذا الباب لأن الأخلاق تتحاك فيها ولا بأس بأن يغادر الولد البيت ويسيح في الخارج فإن ذلك مما يقوي فيه الإرادة ويشد عزمه على العيش في لهواء الطلق في هذه الحياة.
يجب أن يكون للحس نظام فقد كان علماء التربية حتى الآن يعتبرون الصناعات واسطة للتسلية لا نتيجة لها أو ألاعيب الصبيان وهي في الحقيقة أحسن تعويذة لأن في مكنتها أن تجعل أبداً في الإحساس مساوقة ونظاماً وتحيله إلى أجب غض إذا صح أن الاعتدال هو القصد لا في المأكل والمشرب بل في الفكر والعواطف هو أساس كل فضيلة فقد قال روسكين: إنم معرفة الجميل هو الطريق الحقيقي بل هو الدرجة الأولى لمعرفة حقيقة الأشياء الجميلة فإن الحياة والسرور بالجمال في عالم المادة هما من القسم الدائمة المقدسة في أعمال الخالق كما الفضيلة في عالم الأفكار.
فمن الواجب كل الوجوب أن يجعل شعور الطفل منذ نعومة أظفاره يحتك بالجمال بوجه عام والفنون بوجه خاص وذلك لا في كتب يدرسها بل فيما يحيط به يحف حوله وأن يوقى النظر إلى البشع كما يوقى النظر إلى ما ينافي الأدب.
يجب ألا ينشأ الطفل ويتطلع حواليه إلا ويجد الجمال في المسكن والجمال في المناظر فمن سيئات التمدن الحديث إن حرم أبناءه السكنى في بيوت وسط الغابات والأشجار وجعل مساكنهم متصلة بعضها ببعض بحيث لا تفتح النافذة إلا لترى واجهة البناء المحاذي لك ولا يفتح الطفل عينيه إلا ما على هو منحط وبشع على حين يسهل أن نزين مسكننا فليس
стр. 3705
الجمال هو البذخ بل إن النظافة النظام المدقق وانتقاء الأثاث والزهور وبعض النفائس والأعلاق في البيت تكفي في حمل الجمال إلى مسكننا ولأن تفتح لحياتنا اليومية على الدوام باباً يطل على عالم الخيال. والواجب أن يعنى بلباس الطفل على ما ينبغي على أسلوب لا ينافي الاقتصاد ولا الظرف. نحن لا نقول كما يقول الفيلسوف كارلايل أن اللباس يوجد النفس الإنسانية بل نقول بأنه يرتبها وينظمها. وعليه فالأحسن أن ينظر أيضاً في اختيار اللعب للطفل حتى لا يكون ممن تتقزز له النفس والأولى أن يعهد بصنع ألعاب الأطفال إلى أناس من أرباب الذوق والتفنن على ما كانت عليه الحال في القرن السابع عشر والثامن عشر. ويجب ألا تحرم المدرسة من مظاهر الجمال لأن الطفل يقضي فيها شطراً مهماً من أوقاته وغذ كان معظم الوالدين لا يستطيعون أن يجعلوا لأولادهم بيوتاً في الخلاء فالأجدر بالمدارس الثانوية أن تقيم مدارسها في الضواحي ليتيسر للأولاد أن يعودوا في المساء ليبيتوا في دور آبائهم. فقد كتب روسو أن البشر لم يخلقوا ليتجمعوا كما يتجمع النمل في القرية بل لينتشروا في الأرض التي يحرثونها فنفس الإنسان قتال لإخوانه. وهذه الحقيقة لا مجاز والمدن هوة الجنس البشري فعلك أن تبعث بالأولاد يجددون حياتهم بأنفسهم وينشطون قواهم وسط الحقول ويستعيضون عن تلك القوى التي يضيعونها في الهواء القذر من الأماكن المأهولة كثيراً.
وهكذا يجب أن تكون المدارس الابتدائية في القرى والمدن في أماكن يتخللها الهواء والنور وأن يستعاض عن الدهان التي تطلى بها جداران المدارس بالسواد عادة بألوان زاهية تزيل الوحشة عن قلب الطفل فيستفيد من ذلك عقله وقلبه. وأحر بأن تكون جدران المدرسة مزينة بمجاميع نفيسة ومفروشة حجرها أحسن فرش بحيث يكون الجمال عن إيمان الطفل وشماله وقدامه ووراءه ومن أجل هذا اختار بعض علماء التربية أن يربى الأطفال في حدائق خاصة بهم لينشئوا على التأمل في الكون والنظر في أسراره وبدائعه فالسماء تتعلم بالنظر فيها ولكنها لا تفيدنا بقدر ما نتعلم من الصغر والتأمل في عظمتها.
يقتضي أن يطلع الطفل منذ صغره على إبداع ما نقشه النقاشون وصاغه الصائغون وبناه البناءون وأن نبتعد عن تدريسه تاريخ الصناعة لأنهم لا يفهم منه شيئاً فيدخل الملل إلى قلبه بل الأولى أن نشرح له الجمال فقط ونشعره بوجوده. فعلم الطفل أن يكون هو متفنناً
стр. 3706
ى أن يكون كما قال روسكين أكثر خجلاً إذا لم يحسن الغناء مما إذا كان لا يعرف القراءة والكتابة لأنه من الممكن كل الإمكان أن يعيش المرء عيشة سعيدة ظريفة بدون كتب ولا حبر ولكن قلما يتأتى أن لا تميل النفس إلى الغناء إذا كان في يوم سعده. ولقد رأى اليونان هذا الرأي فكانوا يزعمون بأن تعليم الطفل الغناء يمدونه طول حياته بزاد ثمين من الحكمة والسرور دع عنك أن الغناء بالاشتراك مع الأصحاب هو آكد الطرق إلى تعلم التضامن. ثمك أنه من النافع تعويد الطفل أن يرسم بقلم الرصاص أو المنقش الأشكال والألوان الطبيعية فيتعلم بها الممارسة اللازمة للصناعات النفيسة ويعتاد النظام والتدقيق الذي يقود عواطفه بالطبع إلى التنسيق والذوق فإذا ربى الحس على هذا الطرز يستعد للتخلق بالفضائل بتقوية الإرادة وبدونها لا يتأتى قيام شيءٍ في عالم الفضيلة لأن الإرادة لا توجد الميول والرغائب تتخير منها وهذا الميل ناشئٌ مثل كثير من الميول عن الحس الذي يعمل كل العمل فمن اللازم اللازب تقوية ميول الطفل الحسنة بتثقيف إرادته بدون أن يشعر.
القدوة هي المربية في هذا الباب فهي تسلط على الرجال فما أجدرها أن تكون كذلك للأولاد يسيرون في أعمالهم بسيرتها وينهجون على الدهر نهجها فقد ذكروا أن فتاة أخذت في الشهر الخامس عشر من عمرها تقلد أباها في تقطيب حاجبه وتعتاد عادته في الغضب ولهجته في رفع صوته ثم تعلمت ألفاه في قلة الصبر والغضب وهكذا أصبحت تردد أفعال أبيها كلها بعد السنة الثالثة. وقانون القدوة الذي هو عمل من أعمال الاقتداء والمحيط يعمل عمله في الحس كما يعمل في الذكاء فقد قال مونتسكيو: من العادة أن يعلم الأب أولاده ما يعلم كما أن من العادة أن يورثهم شهواته. .
ولذا كان على الوالدين أن يراقبوا أنفسهم في كل ما يصدر عنهما بين أسرتهما وأمام أولادهما ويبتعدا عن كل ما شأنه أن يحدث في الولد تأثيراً سيئاً فيلا الأفعال والأقوال ونرى الناس لا يبالون أن يأتوا أمام الطفل ما يفسد أفعاله ومقاله ويعلمه الفاسد كلها قبل أن يعرف ماهيتها. فالغضب وكلمات الكبر والعجب واللذات الشهوانية والوقيعة والكذب تعرض كل يوم أمام عيني الطفل وأذنيه فتشوه حسه وتفسد نفسه ويعتذر الأبوان بأن ابنهما لا يأتيان أمامه وهو يدرك العيوب التي تتمثل أمامه على هذه الصورة ويتوهم بأن الواجب يقضي بذلك ويوشك أن يسوء نظره على الدهر.
стр. 3707
ويا سعد من لم يره أبواه لأنه في الأكثر يدللانه دلالاً يفسده فلا ينتهرانه لتربية نفسه خوفاً من بكاءه أو أن يفقدوا ابتسامة مؤقتة فتسوء تربية الطفل والطفلة بصنع أبويهما وإنالتهما كل رغائبهما وماذا يظنه الولد في نفسه متى رأى حواليه أناساً على أهبة تامة لسماع ما يقوله والإعجاب به وتدليله واستحسان كل ما يصدر من فمه أو يصفقون تصفيق السرور لكل ما يقوله مما يخالف الأدب. فلو كان رجلاً لما وسع عقله كل هذا التصفيق والاستحسان فما بالكح به وهو طفل.
ومن النسا من يسيرون على عكس هذه الخطة فيناكدون الطفل في أقواله وأفعاله ويغضبونه في عامة أحواله ويعلمونه الحسد بما يستعملونه معه من ضروب التهديد الشديد الدائم الذي يروقهم تكراره وهذا من مفاسد التربية أيضاً.
فعلى الوالدين أن يباعدا عن الطفل ما يرتكبه من المضرات في تربيته فلا يشتدان عليه ولا يرخيان له العنان بل تكون تربيتهما إلى القصد فلا يمنعانه من لذائذه بكل ما يطلب ويجيبانه من رغائبه إلى كل ما يشتهي فقد قيل من يحب كثيراً يعاقب كثيراً فتأنيب الطفل من أهم فروض الوالدين وأكبر مظهر من مظاهر عنايتهما. والأولاد كالأمم يعزون الصرامة ولا يحبون إلا ما يحترمون. كل هذا بدون أن يخلو ساعة من سرور ابنهما حتى يعيش ويكون تجليه سروراً طوال حياته.
قلنا أن الوالدين ينبغي أن يكونا خير قدوة لابنهما فهو لا يتأثر بالفضيلة إلا إذا رآها بالفعل مائلة أمامه منذ نعومة أظفاره وكم من الناس لا يتطالون إلى هذه الغاية لأنهم عاشوا في وسط غير متمدن ومنهم من يحفظون حطة نفس ينم علبيها تبذل أخلاقهم ومعلوم أن لهذه تأثير في القلب وهكذا الحال في كل الفضائل فإذا شاهدها الطفل اليوم بعد الآخر يتشربها وتطمح نفسه إلى أن يأتيها بذاته. فمن أبوين حرين ينشا طفل مخلص ومن أب محتشم يكون الولد عفيفاً ومن أسرة طاهرة يخلق الولد تقياً نقياًَ. فالعدوى في هذا الباب أشد فعلاً في الطفل من قانون الوراثة وإن للحركات والسكنات أفعالاً في خلقة الطفل وخلقته ولذلك وجب أن تصدر عن النفس دائمة لا متقطعة.
وكما يقضى على الأبوين أن يكونا خيبر قدوة لابنهما يجب عليهما أن يبذرا في نفسه البذور الصالحة وذلك بأن ينميا فيه حب الذات أو الإعجاب بأحسن ما فيه فليس أحسن في
стр. 3708
التربية من أن يشعر المربى من نفسه بخجل عما أتاه فليس الأولى البعد عن مكافحة حب الذات بل المناسب تنميته على النحو اللائق وتسييره إلى وجه الكمال فمن دواعي التربية وضع الثقة في نفس من تربيه فالأديان تدعو منتحليها إلى الإيمان فمن الضروري كما يقول بعض علماء الأخلاق أن يؤمن المرء بقوته الخاصة بمعزل عن معونة خارجية فأقل شك يطرأ علينا يبتلينا بالعقم وينضب مادتنا ويحول دون انبجاس إرادتنا القوية.
وكما تحافظ على حرمة الولد عليك أن تربيه على حرمة غيره وأن تعرفه بها بأن تضرب على العرق الحساس فيه إذا أحببت أن تلقنه معنى الإحساس فأعرض عليه مصائب الناس وقارنها بما يشعر به من هذا القبيل. وبغلط الوالدان اللذان يخفيان عن ابنهما شقاءهما كأنه رذيلة من الرذائل مع أن الفقر أحسن مدرسة لتعليم الطفل الذي ولد في الرفاهية حتى لا يعتبرها بأنها واجبة أو مضمونة وتنبه فيه الشعور بالشفقة. فمن النافع أن يعرف منذ طفوليته أن من الناس من خانهم سوء الطالع ليعتاد التحنن عليهم والإسراع إلى إغاثتهم.
وتحتاج في تربية الحس ليأتي بثمرات جنية إلى أن توقد جذوته بالتحميس ليعمل الأعمال العظيمة فالواجب أن يلقن الطفل بين العاشرة والحادية عشرة من سنة الولوع بغاية سامية أرقى مما يقع تحت نظره كل يوم وبذلك تتغذى روحه وينتفع بما لديه من القوى والمواد. وخير ما ينفع في هذا الشأن النظر في أنواع التعليم كالعلوم وتاريخ الفنون والآداب فالتعليم أعظم مهماز يربي ميول الطفل ويعده لأن يكون من كبار الرجال ويربأ به عن الانغماس في حمأة المصالح المبتذلة. فالتعليم لا يقوم بوظيفته إذا لم يكن فيه ما يوسع معارفنا بل يوقد شعلتها بتوجيهها نحو الحق والجمال والخير وأساس ذلك التحمس في الإنسان.
ولا يكتفى في تاريخ تعلم الصناعات والآداب بعرضها وتحليلها بل الواجب أن يعلمها الطفل في اللوحات وإليها كل والمصانع والشعر والقصص والخطب فهي لا تأخذ مكاناً من قلبه ويتحمس بها إلا بذلك. يعرض عليه ذلك بالعمل ويشرحه للمعلم فالتعليم الأدبي والصناعي مهما بلغ من غنائه لا يتيسر تلقينه بدون قطع تشرح السر فيه كالتشريح لا يستفيد منه المتعلم إذا لم يكن أمامه جثة. فعلينا أن نبتعد عن التحليلات التي لا مستند لها من الحقيقة لأنها بقطع النظر عما فيها من الضرر اللاحق بالذهن تعود المرء على العمل بالفارغ وهي خالية من تأثير في الحس فمن واجب الأستاذ أن يطلع تلميذه على مقاصد
стр. 3709
المؤلفين ويشرح لهم عواطفهم على صورة تتمثل فيها الحياة والشعور وتبعث في روحه احتذاء مثالهم وبذلك لا يكون من تعليم الفنون والآداب فتح السبل التي يفيض منها حس المتعلم بل إن حسه إذا تجمع على هذا النحو تزيد قوته وصفاؤه وتنبع منه ينابيع لا تجف طوال الحياة.
يقول بعضهم أن التربية العلمية الصرفة تجعل الذوق قاحلاً ولطكن ربما كان العلم يتطلب قوة في التحمس كما تتطلب الفنون والآداب من الصانع والكاتب فالبحث عن الحقيقة يستدعي إخلاصاً شديداً كالنظر في الجمال. والمرء كما يقول باسكال اقل سكراً باستحصال تركيب الطبيعة وما فيه من اللانهاية منه في إيجاد شيءٍ من تصوره. فالذين يصرفون حياتهم في البحث ليسوا أقل قوة ممن يخترعون أفكاراً من نفوسهم.
قال كلود برنارد: إن الرغبة الشديدة في المعرفة هي الباعث الوحيد الذي يجذب الباحث ويعضده في أعماله وهذه المعرفة هي التي يمسكها فتفر أمامه على الدوام وتكون في الوقت نفسه عذابه الوحيد وسعادته الوحيدة فمن لا يعرف كيف يقاسي المرء العذاب من أجل الحصول على مجهول لا يعرف الأفراح التي تصيبه عند اكتشاف الجديد وهي أفراح لا يدانيها شيءٌ في العالم للحقيقة كما للجمال بهاءٌ وجلال ولذلك كم فائدة تكون للحس ولارتقاء العلوم في المستقبل أن يكشف عنها القناع أمام أعين من يعلمهم إلا أنه يجب لإشراك التلامذة في البحث أن تكرر لهم تلك الحقائق ويطلب منهم أن يبحثوا بأنفسهم وأن يوفر لهم قسطهم من السرور باكتشافها فيطلعون على مقدمات العلوم والاكتشافات العظيمة ويشوقهم إلى احتذاء مثال من جاهدوا جهاد الأبطال امام قوى الطبيعة حتى تبطنوا أسرارها فإذا حمى وطيس البحث ينشأ فيهم حب الغاية المنشودة كما أن من يبدأ باللعب ويكون ضعيفاًُ لأول أمره لا يلبث أن تنبعث له همته ويزيد لبلوغ الغاية غرامه. وهذا يستدعي لتعليم الاداب أنم يجعل التلميذ مع اتصال بالحقيقة والطبيعة التي هي ميدان درس العالم بدلاً من حصره في مآزق تبعث نفسه على المقس والتأفف في حين كان يجب أن تذكي فيها شعلة حب العلم فقد قال الفيلسوف رنان: إننا نشبه بالقديسين والأبطال وكبار الرجال في كل عصر وجيل أهل الأخلاق العلمية الذين وقفوا أنفسهم خاصة للبحث عن الحقيقة غير مبالين بالملل بل ربما فاخروا بفقرهم وبسموا لما يقدم إليهم من التكريم وتساوى في نظرهم
стр. 3710
المدح والقدح وهم على ثقة فيما يعملون سعداء لأن لهم الحقيقة ولا سبيل إلى نشر ما تعبت به عقول نوابغ الأرض في العلم والآداب والصناعات إلا على أيدي أساتذة جهابذة وبغير ذلك لا يرتقي الحس.
والتعليم الديني نافع جداً في تربية الحس فقد قال جبرائيل كومبايري: باعد عن الجنس البشري الاعتقاد بعالم أخروي أرقى مما هو فيه فإنك تسلبه بطبيعة الحال جزءاً من القوى اللازمة للتخلق بالفضيلة فإذا لم يكن هذا العالم إلا خلاءً واسعاً يضيع فيه صوت الإنسانية في الفراغ بدون أدنى قوة عاملة تضمن للعدل نصرة أبدية فالإنسانية معرضة للسقوط في حياة سافلة لاستهوائها وافتتانها بالمفاسد وما يتسرب إليها من مغريات الملاذ المادية وسواء علم الناس التعليم الديني أو لم يعلموه فمن الثابت أن الخرافات تقوى بضعف الأديان ولقلة العناية يفسد الدين ولكنه لا يضمحل فالواجب تلقين الطفل لباب الدين لا الحشو ولا اللغو ليشب على المعقول والتشبث بأذيال الجوهر بعيداً عن التعصب وصغر العقل فقد قال فكتور هوغو: إن ما يخفف الألم ويغرس التقوى والقوة والعقل والصبر والطهر والحرية في الإنسان هو أن ينظر على الدوام على عالم أحسن مما هو فيه يلمع من خلال ظلمات هذه الحياة.
стр. 3711
العدد ٥٧ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٠
стр. 3712
الدرر الكامنة
ليس أحسن من تراجم الرجال للوقوف على حال السياسة والاجتماع في عصر من العصور ففي جملة ما طبع من كتب التراجم والطبقات كتاب خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر للمحبي المتوفى سنة ١١١١ وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي المتوفى سنة ١٢٣٢ ولم تطبع تراجم أعيان القرن الثامن والتاسع والعاشر وإن كان مثل السبكي في طبقاته والصلاح الكتبي في وفياته قد تعرضا لبعض المترجمين في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لحافظ عصره قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن علي حجر الكناني العسقلاني الأصل المصري والضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ وإن لم يدركا من الرجال من جاء ممن ذكرهم صاحب الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة النجم الغزي المتوفى سنة ١٠٦١.
وها نحن نتكلم عن الدرر الكامنة وسنعقبه في الجزئين التاليين بالكلام على الضوء اللامع والكواكب السائرة.
جاء في كشف الظنون: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ اثنتين وخمسين وثمانمائة مجلد ضخم أوله الحمد لله الذي يحيي ويم يت الخ جيمع فيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الأعيان مرتباً على الحروف ذكر في آخره أنه فرغ منه في شهور سنة ٨٣٠ ثلاثين وثمانمائة ولم يكمل الغرض لبقايا من التراجم في الزوايا ثم اختصره جلال الدين السيوطي في مجلد ولابن المبرد أيضاً مختصره.
أما الكتاب الذي نحن بصدده فمنه في دمشق مخطوط قديم بخط إبراهيم البقاعي مهمل غير معجم وتعسر في الحايين قراءته وهو في مجلد ضخم من القطع الكبير قال في مقدمته: أما بعد فهذا تعليق مفيد جمعت فيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الهجرة النبوية من ابتداء سنة إحدى وسبعمائة إلى آخر سنة ثماني مائة من الأعيان والعلماء والملوك والأمراء والوزراء والأدباء والشعراء وعنيت فيه برواية الحديث النبوي فذكرت من اطلعت على حاله واشرت إلى بعض مروياته إذ الكثير منهم شيوخ شيوخي وبعضهم أدركته ولم القه وبعضهم لقيته ولم أسمع منه وبعضهم قد سمعت منه واستمددت فيب هذا الكتاب من أعيان العصر لأبي الصفا الصفدي ومجاني العصر لشيخ شيوخنا أبي حيان ومذهبه وذهبة العصر
стр. 3713
لشهاب الدين أبي الفضل وتاريخ مصر لشيخ شيوخنا الحافظ قطب الدين الحلبي وذيل سير النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي وذيل ذيل المرآة للحافظ علم الدين البرزالي والوفيات للعلامة تقي الدين ابن رافع والذيل عليه للعلامة شهاب الدين ابن جحى وما جمعنا صاحبنا تقي الدين المقريزي في أخبار الديار المصرية وخططها ومعاجم كثير من شيوخنا والوفيات للحافظ أبي الحسين بن أسد الدمياطي والذيل عليه لشيخنا الحافظ أبي الفضل بن الحسين العراقي وتاريخ غرناطة للعلامة لسان الدين ابن الخطيب والتاريخ للقاضي ولي الدين ابن خلدون المالكي إلى غير ذلك وبالله الكريم عوني وإياه أسأل عن الخطأ صوني إنه قريب مجيب. .
وهذا المجلد في ٢٦٧ ورقة مرتبة على حروف المعجم يميل فيه المؤلف إلى الاختصار وفيه من تراجم المشاهير ترجمة أبي جعفر ابن الزبير والشهاب الأذرعي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن فضل الله العمري وعماد الدين ابن كثير وابن الوردي وابن الشهاب محمود وابن المطهر الشيعي والصلاح الصفدي والعلائي والطوفي وابن خطيب داريا وابن عقيل وابن القيم وبرهان الدين القيراطي وابن هشام وابن رجب وابن جماعة والتاج السبكي والأردبيلي والتقي السبكي والسلطان محمود غاران والحافظ البرزالي وابن الأكفاني والحافظ اله١بي وشيخ الربوة ولسان الدين ابن الخطيب والخطيب القزويني والكمال ابن الزملكاني وابن دقيق العيد والبدر البلقيني وابن الوكيل وابن سيد الناس وابن نباتة وابن الحاج وابن المكرم والشمس القونوي وأبو حيان الأندلسي وقطب الدين الشيرازي والحافظ المزي وغيرهم ممن كانوا غرة ذاك القرن.
كما أن فيه من الخاملين ممن لا تسقط لهم على تراجم ولو مختصرة إلا في هذا السفر ومن أعظم ما يلفت نظرك في هذا الكتاب روح التعصب التي كانت مستحوذة في ذاك العصر أيام كان يقتل كل من يخالف الجمهور في فكر أو مذهب فتقرأ فيه صورة مكبرة من حال ذاك القرن الذي استولت فيه على هذه البلاد الجراكسة والتتار ممن أصبحوا ألعوبة في أيدي المتعصبة من رجال الدين هاك ما قاله في ترجمة إسمعيل بن سعيد الكردي المقري المصري تفقه وتمهر في القراآت والفقه والعربية وكان طلق العبارة سريع الجواب حسن التلاوة يدري الحاوي والحاجبية ويحفظ الكثير من التوراة والإنجيل رمي بالزندقة بسبب
стр. 3714
أنه كان كثير الهزل وحفظت منه كلمات قبيحة حتى صار يقال له إسمعيل الكافر وإسمعيل الزنديق وطلب إلى تقي الدين الأختاي وأدعي عليه فخلط في كلامه فسجن فجاءه شخص من الصالحين فأخبره أنه رأى النبي ﷺ في منامه فقال له قل: للأخناي يضرب رقبة إسمعيل فإنه سب أخي لوطاً فاستدعى به وأعد مجلساً وأقيمت عليه البينة بأمور معضلة فأمر به فقتل بحكم المالكي بين القصرين في السادس والعشرين من صفر سنة عشرين وسبعمائة نقلته من خط القطب وذكر أنه حضر ذلك وقال كان قد نظر في المنطق فدخل في كلام لا فائدة فيه فضبط عليه. وقرأت في تاريخ موسى بن محمد اليوسفي أنه كان مشهوراً بالعلم بين الفقهاء وله فضيلة مشهور في الأدب. . قلنا وأقبح بعصر يقتل فيه العالم عقيب رؤيا يراها أحد أرباب الخيال.
وممن ضربوا على الزندقة ناصر بن أبي الفضل بن إسمعيل المقري الصالحي ولد سنة ٦٦٦ ونشأ جميلاً جداً وكان صوته مطرباً فكان يقرأ في الختم والترب وحفظ التنبيه ثم ركب الباجر يقي علي فصار يقع منه كلمات معضلة وسلك سبيل التزهد ودخل إلى بغداد مع ركب العراق فيقال أنهم نقموا عليه شيئاً وهموا به فتوجه إلى ماردين ثم فر منها إلى حلب فجرى على عادته في الشطح فأنكر عليه كمال الدين بن الزملكاني وهو يومئذ قاضي حلب فقبض عليه وأرسله مقيداً إلى دمشق فقامت عليه البينة عند القاضي شرف الدين المالكي فأعذر إليه فما أبدى عذراً بل تشهد وصلى ركعتين وجهر بتلاوة القرآن ثم ضربت عنقه وذلك في ربيع كالأول سنة ٧٢٦ ويقال أنه أنشد حين قدم ليقتل:
إن كان سفك دمي اقصى مرادهم ... فما غلت نظرة منهم بسفك دمي
وقال ابن الحبيب قلت فيه لما قتل:
يا أيها الهيتي هيت إلى الردى ... كم تجتري بلسان خب هالك
أرسلت من حلب لجلق موثقاً ... ونقلت بعد الشافعي لمالك
وفي الحاشية بخط ابن حيان البقاعي: قال ابن كثير ضربت عنقه بسوق الخليل على كفره واستهتاره بآيات الله وشركه وصحبته الزنادقة كالنجم ابن خلكان والشمس محمد الباجريقي وابن العمار البغدادي قال الشيخ علم الدين: وحضر قتله العلماء والأكابر وأرباب الدولة وكان يوماً مشهوداً أعز الله فيه الإسلام (!) وأذل فيه الزنادقة وأهل البدع وقد شهد مهلكه
стр. 3715
وكان شيخنا ابن تيمية أيضاً حاضراً يومئذ وقن أنبه وقرعه على ما كان يصدر منه اهـ. .
وقال في ترجمة السكاكيني ما نصه: محمد بن أبي بكر بن ابي القاسم الهمداني ثم الدمشقي السكاكيني الشيعي ولد سنة ٦٣٥ بدمشق طلب الحديث وتأدب وسمع وهو شاب ابن إسمعيل العراقي والرشيد بن مسلمة ومحمد بن علام في آخرين وتلا بالسبع روى عنه البرزالي والذهبي وآخروتن من آخرهم أبو بكر بن المحب وبالإجازة شيخنا برهان الدين التنوخي. وأقعد في صناعة السكاكين عند شيخ رافضي فافسد عقيدته فأخذ عن جماعة من الإمامية وله نظم وقصائد ورد على العفيف التلمساني في الاتحاد وأمَّ بقرية جسرين مدة وأمَّ بالمدينة النبوية وعند أميرها منصور بن جماز (؟) ولم يحفظ عنه سب في الصحابة بل له نظم في فضائلهم إلا أنه كان يناظر على القدر وينكر الجبر وعنده تعبد وسعة علم قال ابن تيمية: هو من يتسنن به الشيعي ويتشيع به السني. وقال الذهبي: كان حلو المجالسة ذكياً عالماً فيه اعتزال وينطوي على دين وإسلام وتعبد سمعنا منه وكان صديقاً لأبي وكان ينكر الجبر ويناظر على القدر ويقال أنه رجع في آخر عمره ونسخ صحيح البخاري ووجد بعد موته في سنة خمسين وسبعمائة بخط يشبه خطه كتاب يسمى الطرائف في معرفة الطوائف يتضمن الطعن على دين الإسلام وأورد فيه أحاديث مشكلة وتكلم على متونها تكلم عارف لما يقول إلا أن واضع الكتاب يدل على زندقة فيه وقال في آخره وكتبه مصنفة عبد الحميد بن داود المصري وشهد جماعة من أهل دمشق أنه خطه فأخذه تقي الدين السبكي عنده وقطعه في الليل وغسله بالماء ونسب إليه عماد الدين ابن كثير الأبيات التي أولها.
أيا معشر الإسلام ذمي دينكم الأبيات ومات السكاكيني في صفر سنة ٧٣١ وفي الحاشية وجزم ابن كثير أن الكتاب الدال على الزندقة خطه وقال: إن فيه انتصاراً لليهود وأهل الأديان الفاسدة قال ولما مات لم يشهد دفنه القاضي شمس الدين بن مسلم ودفن بسفح قاسيون وقتل ابنه فيما بعد على قذف أمهات المؤمنين عائشة وغيرها ﵄.
وتراجم مثل السكاكيني تؤخذ على أمثال الحافظ الذهبي وكفاه فضلاً أن مثل الذهبي والبرزالي يعدان من مفاخرهما الأخذ عنه وآثار التعصب والحقيقة لا تخفى على قراء العبارة الأخيرة. وقال في ترجمة علي بن الحسن بن أبي الفضل بن جعفر بن محمد ابن
следующие страницы →