Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
العدد ٥٧ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٠
стр. 3712
الدرر الكامنة
ليس أحسن من تراجم الرجال للوقوف على حال السياسة والاجتماع في عصر من العصور ففي جملة ما طبع من كتب التراجم والطبقات كتاب خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر للمحبي المتوفى سنة ١١١١ وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي المتوفى سنة ١٢٣٢ ولم تطبع تراجم أعيان القرن الثامن والتاسع والعاشر وإن كان مثل السبكي في طبقاته والصلاح الكتبي في وفياته قد تعرضا لبعض المترجمين في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لحافظ عصره قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن علي حجر الكناني العسقلاني الأصل المصري والضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ وإن لم يدركا من الرجال من جاء ممن ذكرهم صاحب الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة النجم الغزي المتوفى سنة ١٠٦١.
وها نحن نتكلم عن الدرر الكامنة وسنعقبه في الجزئين التاليين بالكلام على الضوء اللامع والكواكب السائرة.
جاء في كشف الظنون: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ اثنتين وخمسين وثمانمائة مجلد ضخم أوله الحمد لله الذي يحيي ويم يت الخ جيمع فيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الأعيان مرتباً على الحروف ذكر في آخره أنه فرغ منه في شهور سنة ٨٣٠ ثلاثين وثمانمائة ولم يكمل الغرض لبقايا من التراجم في الزوايا ثم اختصره جلال الدين السيوطي في مجلد ولابن المبرد أيضاً مختصره.
أما الكتاب الذي نحن بصدده فمنه في دمشق مخطوط قديم بخط إبراهيم البقاعي مهمل غير معجم وتعسر في الحايين قراءته وهو في مجلد ضخم من القطع الكبير قال في مقدمته: أما بعد فهذا تعليق مفيد جمعت فيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الهجرة النبوية من ابتداء سنة إحدى وسبعمائة إلى آخر سنة ثماني مائة من الأعيان والعلماء والملوك والأمراء والوزراء والأدباء والشعراء وعنيت فيه برواية الحديث النبوي فذكرت من اطلعت على حاله واشرت إلى بعض مروياته إذ الكثير منهم شيوخ شيوخي وبعضهم أدركته ولم القه وبعضهم لقيته ولم أسمع منه وبعضهم قد سمعت منه واستمددت فيب هذا الكتاب من أعيان العصر لأبي الصفا الصفدي ومجاني العصر لشيخ شيوخنا أبي حيان ومذهبه وذهبة العصر
стр. 3713
لشهاب الدين أبي الفضل وتاريخ مصر لشيخ شيوخنا الحافظ قطب الدين الحلبي وذيل سير النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي وذيل ذيل المرآة للحافظ علم الدين البرزالي والوفيات للعلامة تقي الدين ابن رافع والذيل عليه للعلامة شهاب الدين ابن جحى وما جمعنا صاحبنا تقي الدين المقريزي في أخبار الديار المصرية وخططها ومعاجم كثير من شيوخنا والوفيات للحافظ أبي الحسين بن أسد الدمياطي والذيل عليه لشيخنا الحافظ أبي الفضل بن الحسين العراقي وتاريخ غرناطة للعلامة لسان الدين ابن الخطيب والتاريخ للقاضي ولي الدين ابن خلدون المالكي إلى غير ذلك وبالله الكريم عوني وإياه أسأل عن الخطأ صوني إنه قريب مجيب. .
وهذا المجلد في ٢٦٧ ورقة مرتبة على حروف المعجم يميل فيه المؤلف إلى الاختصار وفيه من تراجم المشاهير ترجمة أبي جعفر ابن الزبير والشهاب الأذرعي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن فضل الله العمري وعماد الدين ابن كثير وابن الوردي وابن الشهاب محمود وابن المطهر الشيعي والصلاح الصفدي والعلائي والطوفي وابن خطيب داريا وابن عقيل وابن القيم وبرهان الدين القيراطي وابن هشام وابن رجب وابن جماعة والتاج السبكي والأردبيلي والتقي السبكي والسلطان محمود غاران والحافظ البرزالي وابن الأكفاني والحافظ اله١بي وشيخ الربوة ولسان الدين ابن الخطيب والخطيب القزويني والكمال ابن الزملكاني وابن دقيق العيد والبدر البلقيني وابن الوكيل وابن سيد الناس وابن نباتة وابن الحاج وابن المكرم والشمس القونوي وأبو حيان الأندلسي وقطب الدين الشيرازي والحافظ المزي وغيرهم ممن كانوا غرة ذاك القرن.
كما أن فيه من الخاملين ممن لا تسقط لهم على تراجم ولو مختصرة إلا في هذا السفر ومن أعظم ما يلفت نظرك في هذا الكتاب روح التعصب التي كانت مستحوذة في ذاك العصر أيام كان يقتل كل من يخالف الجمهور في فكر أو مذهب فتقرأ فيه صورة مكبرة من حال ذاك القرن الذي استولت فيه على هذه البلاد الجراكسة والتتار ممن أصبحوا ألعوبة في أيدي المتعصبة من رجال الدين هاك ما قاله في ترجمة إسمعيل بن سعيد الكردي المقري المصري تفقه وتمهر في القراآت والفقه والعربية وكان طلق العبارة سريع الجواب حسن التلاوة يدري الحاوي والحاجبية ويحفظ الكثير من التوراة والإنجيل رمي بالزندقة بسبب
стр. 3714
أنه كان كثير الهزل وحفظت منه كلمات قبيحة حتى صار يقال له إسمعيل الكافر وإسمعيل الزنديق وطلب إلى تقي الدين الأختاي وأدعي عليه فخلط في كلامه فسجن فجاءه شخص من الصالحين فأخبره أنه رأى النبي ﷺ في منامه فقال له قل: للأخناي يضرب رقبة إسمعيل فإنه سب أخي لوطاً فاستدعى به وأعد مجلساً وأقيمت عليه البينة بأمور معضلة فأمر به فقتل بحكم المالكي بين القصرين في السادس والعشرين من صفر سنة عشرين وسبعمائة نقلته من خط القطب وذكر أنه حضر ذلك وقال كان قد نظر في المنطق فدخل في كلام لا فائدة فيه فضبط عليه. وقرأت في تاريخ موسى بن محمد اليوسفي أنه كان مشهوراً بالعلم بين الفقهاء وله فضيلة مشهور في الأدب. . قلنا وأقبح بعصر يقتل فيه العالم عقيب رؤيا يراها أحد أرباب الخيال.
وممن ضربوا على الزندقة ناصر بن أبي الفضل بن إسمعيل المقري الصالحي ولد سنة ٦٦٦ ونشأ جميلاً جداً وكان صوته مطرباً فكان يقرأ في الختم والترب وحفظ التنبيه ثم ركب الباجر يقي علي فصار يقع منه كلمات معضلة وسلك سبيل التزهد ودخل إلى بغداد مع ركب العراق فيقال أنهم نقموا عليه شيئاً وهموا به فتوجه إلى ماردين ثم فر منها إلى حلب فجرى على عادته في الشطح فأنكر عليه كمال الدين بن الزملكاني وهو يومئذ قاضي حلب فقبض عليه وأرسله مقيداً إلى دمشق فقامت عليه البينة عند القاضي شرف الدين المالكي فأعذر إليه فما أبدى عذراً بل تشهد وصلى ركعتين وجهر بتلاوة القرآن ثم ضربت عنقه وذلك في ربيع كالأول سنة ٧٢٦ ويقال أنه أنشد حين قدم ليقتل:
إن كان سفك دمي اقصى مرادهم ... فما غلت نظرة منهم بسفك دمي
وقال ابن الحبيب قلت فيه لما قتل:
يا أيها الهيتي هيت إلى الردى ... كم تجتري بلسان خب هالك
أرسلت من حلب لجلق موثقاً ... ونقلت بعد الشافعي لمالك
وفي الحاشية بخط ابن حيان البقاعي: قال ابن كثير ضربت عنقه بسوق الخليل على كفره واستهتاره بآيات الله وشركه وصحبته الزنادقة كالنجم ابن خلكان والشمس محمد الباجريقي وابن العمار البغدادي قال الشيخ علم الدين: وحضر قتله العلماء والأكابر وأرباب الدولة وكان يوماً مشهوداً أعز الله فيه الإسلام (!) وأذل فيه الزنادقة وأهل البدع وقد شهد مهلكه
стр. 3715
وكان شيخنا ابن تيمية أيضاً حاضراً يومئذ وقن أنبه وقرعه على ما كان يصدر منه اهـ. .
وقال في ترجمة السكاكيني ما نصه: محمد بن أبي بكر بن ابي القاسم الهمداني ثم الدمشقي السكاكيني الشيعي ولد سنة ٦٣٥ بدمشق طلب الحديث وتأدب وسمع وهو شاب ابن إسمعيل العراقي والرشيد بن مسلمة ومحمد بن علام في آخرين وتلا بالسبع روى عنه البرزالي والذهبي وآخروتن من آخرهم أبو بكر بن المحب وبالإجازة شيخنا برهان الدين التنوخي. وأقعد في صناعة السكاكين عند شيخ رافضي فافسد عقيدته فأخذ عن جماعة من الإمامية وله نظم وقصائد ورد على العفيف التلمساني في الاتحاد وأمَّ بقرية جسرين مدة وأمَّ بالمدينة النبوية وعند أميرها منصور بن جماز (؟) ولم يحفظ عنه سب في الصحابة بل له نظم في فضائلهم إلا أنه كان يناظر على القدر وينكر الجبر وعنده تعبد وسعة علم قال ابن تيمية: هو من يتسنن به الشيعي ويتشيع به السني. وقال الذهبي: كان حلو المجالسة ذكياً عالماً فيه اعتزال وينطوي على دين وإسلام وتعبد سمعنا منه وكان صديقاً لأبي وكان ينكر الجبر ويناظر على القدر ويقال أنه رجع في آخر عمره ونسخ صحيح البخاري ووجد بعد موته في سنة خمسين وسبعمائة بخط يشبه خطه كتاب يسمى الطرائف في معرفة الطوائف يتضمن الطعن على دين الإسلام وأورد فيه أحاديث مشكلة وتكلم على متونها تكلم عارف لما يقول إلا أن واضع الكتاب يدل على زندقة فيه وقال في آخره وكتبه مصنفة عبد الحميد بن داود المصري وشهد جماعة من أهل دمشق أنه خطه فأخذه تقي الدين السبكي عنده وقطعه في الليل وغسله بالماء ونسب إليه عماد الدين ابن كثير الأبيات التي أولها.
أيا معشر الإسلام ذمي دينكم الأبيات ومات السكاكيني في صفر سنة ٧٣١ وفي الحاشية وجزم ابن كثير أن الكتاب الدال على الزندقة خطه وقال: إن فيه انتصاراً لليهود وأهل الأديان الفاسدة قال ولما مات لم يشهد دفنه القاضي شمس الدين بن مسلم ودفن بسفح قاسيون وقتل ابنه فيما بعد على قذف أمهات المؤمنين عائشة وغيرها ﵄.
وتراجم مثل السكاكيني تؤخذ على أمثال الحافظ الذهبي وكفاه فضلاً أن مثل الذهبي والبرزالي يعدان من مفاخرهما الأخذ عنه وآثار التعصب والحقيقة لا تخفى على قراء العبارة الأخيرة. وقال في ترجمة علي بن الحسن بن أبي الفضل بن جعفر بن محمد ابن
стр. 3716
كثير الحلبي الرافضي قدم دمشق وأقام بها سنوات فاتفق أنه شق الصفوف الناس في صلاة جنازة بالجامع الأموي وهو يعلن بسبب من ظلم آل محمد فنهره عماد الدين بن كثير وأغرى به العامة وقال أن هذا يسب الصحابة فحملوه إلى القاضي تقي الدين السبكي فاعترف بسب أبي بكر وعمر ﵄ فعقدوا له مجلساً فحكم نائب المالكي بضرب عنقه تعزيزاً وزجراً بعد أن كررت عليه التوبة ثلاثة أيام فأصر فضربت عنقه بسوق الخليل وحرق العوام جسده وذلك في جمادى الأولى سنة سبعمائة وخمس وخمسين.
ومن أنعم النظر في تراجم من قتلوا يتضح له أنهم كانوا على جانب عظيم من العقل والعلم وأن أكثر ما روي عنهم متقول عليهم ليجدوا السبيل إلى إقناع العامة والحكام لإزهاق أرواجهم.
وفي الدرر عدة تراجم من هذا القبيل تدل على انحطاط في ذاك العصر وأن الناس كانوا يعمدون للتشفي ممن يحبون إلى استفتاء القاضي المالكي لأن مذهب مالك يقضي بأن يكون التعزيز بالقتل أو بالحبس أو بالتشهير كما وقع لأحمد بن محمد مري البعلي الحنبلي من أشياع بان تيمية فرفعوا أمره إلى القاضي المالكي بالقاهرة فضربه ضرباً مبرحاً بحضرته حتى أدماه ثم شهره على حمار أركبه مقلوباً ثم نودي عليه هذا جزاءُ من يتكلم في حق رسول الله صلي الله عليه وسلم فكادت العامة تقتله ثم أعيد إلى السجن.
ومثل ما وقع لأحمد بن محمد البققي المصري الأديب العالم فضربوا عنقه بأمر القاضي المالكي بالطبع لأنه بدت منه كما قيل أمور تنبئ بأنه مستهزئ بأمور الديانة وأنه منحل مستحل المحرمات.
ومثل ما وقع لأحمد بن محمد بن إسمعيل الحلبي الأديب المتصوف فضبطت عليه ألفاظ موبقة فرفع أمره إلى الحاكم بحلب فحكم القاضي المالكي صدر الدين الدميري بسفك دمه فقتل وهو القائل:
إذا نلت المنى بصديق صدق ... فكان وداده وفق المراد
فحاذر أن تعامله بقرض ... فإن القرض مقراض الوداد
ومثله إسمعيل الكردي وأحمد الروسي وعثمان الدكالي وفضل الله ابن اليهودي ومحمد الباجريقي وعلي بن الحسن الرافضي وغيرهم ممن ذهبوا شهداء قضاة المالكية والمتعصبة
стр. 3717
من العامة وبعضهم كانوا في مظهر علماءهم الذين أوصلوا الأمة إلى هذه الدرجة من الأفكار والتصور.
ومن الغريب أنهم كانوا يخوفون حتى من كان على رأيهم من الفقهاء والعلماء فقد ذكر ابن حجر في ترجمة العلاء ابن العطار أن الشيخ شمس الدين النقيب وغيره تكلم فتاوى تصدر من أبي الحسن ابن العطر وادعوا أن فيها تخبيطاً ومخالفة لمذهب القاضي واجتمعوا عند بعض الحكام فبادروا جماعة من محبي الشيخ علاء الدين فقالوا له إنهم هيأوا شهادات يشهدون عليك بها فخارت قوته وبادر إلى الحنفي وصدرت عليه دعوى فحكم بإسلامه وحقن دمائه وبقاءُ جهاته علية!!!
وها نحن أولاء ننقل ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية لأنها تصور لك مزية هذا الكتاب وهي خير ترجمة عثرنا عليها بل تصور لك ذاك العصر الذي كثر فيه تعذيب العلماء قال ابن حجر ﵀: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي تقي الدين أبو العباس بن شهاب الدين ابن مجد الدين ولد سنة ٦٦١ وتحول به أبوه من حران سنة ٦٧ فسمع من ابن أبي عبد الدائم والقاسم الأربلي والمسلم ابن علان وابن أبي عمر والفخر في آخرين وقرأ بنفسه ونسخ سنن أبي داود وحصل الأجزاء ونظر في الرجال والعلل وتفقه وتمهر وتميز وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجباً في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف.
وأول ما أنكروا عليه في مقالاته في شهر ربيع الأول سنة ٦٩٨ فقام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية وبحثوا معه ومنع من الكلام ثم حضر مع القاضي إمام الديون القزويني فانتصر له وقال هو وأخوه جلال الدين: من قال شيئاً عن الشيخ تقي الدين عزرناه.
ثم طلب ثاني مرة سنة خمس وسبعمائة إلى مصر فتعصب عليه بيبرس الجاشنكير وانتصر له سلار ثم آل أمره إلى أن حبسفي خزانة البنود مدة ثم نقل في صفر سنة تسع إلى الإسكندرية ثم أفرج عنه وأعيد إلى القاهرة ثم أعيد إلى الإسكندرية.
ثم حضر الناصر من الكرك فأطلقه ووصل إلى دمشق في آخر سنة ٧١٢ وكان السبب في
стр. 3718
هذه المحنة أن مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانه في معتقده لما وقع إليه من أمور تنكر في ذلك فعقد له مجلس في سابع رجب فسئل عن عقيدته فأملى منها شيئاً ثم أحضروا العقيدة التي تعرف بالواسطية فقريء منها وبحثوا في مواضع ثم اجتمعوا في ثاني عشره وقرروا الصفي الهندي يبحث معه ثم أخروه وقدموا الكمال الزملكاني ثم انفصل الأمر على أنه شهد على نفسه أنه شافعي المعتقد (كذا) فأشاع أتباعه أنه انتصر فغضب خصومه ورفع واحداً من أتباع ابن تيمية إلى الجلال القزويني نائب الحكم بالعادلية فعززه وكذا فعل الحنفي باثنين منهم.
ثم في ثاني عشرين رجب قرأ المزيّ فصلاً من كتاب أفعال العباد للبخار يفي الجامع فسمعه بعض الشافعية فغصب وقال: نحن المقصودون بهذا ورفعه إلى القاضي فطلع إلى القلعة فوافاه ابن تيمية فتشاجرا بحضرة النائب فاشتظ اتبن تيمية على القاضي بكون نائبه جلال الدين آذى أصحابه في غيبة النائب فأمر النائب من ينادي: إن من تكلم في العقائد فعل به كذا. وقصد بذلك تسكين الفتنة.
ثم عقد له مجلس في سلخ رجب وجرى فيه بين ابن الزملكاني وابن الوكيل مباحثة فقال: ابن الزملكاني لابن الوكيل ما جرى على الشافعية قليل حتى تكون أنت رئيسهم. فظن القاضي نجم الدين ابن صصري أنه عناه فعزل نفسه وقام فأعاده الأمراء وولاه النائب وحكم الحنفي بصحة الولاية ونفذها المالكي فرجع إلى منزله وعلم أن الولاية لم تصح فصمم على العزل فرسم النائب لنوائبه بالمباشرة إلى أن يرد أمر السلطان.
ثم وصل بريدي في أواخر شعبان بعوده ثم وصل بريدي في خامس رمضان يطلب القاضي والشيخ وأن أرسلوا بصورة ما جرى للشيخ في سنة ٦٩٨ ثم وصل مملوك النائب وأخبر بأن الجاسنكير والقاضي المالكي قد قاما في الإنكار على الشيخ وأن الأمر اشتد بمصر على الحنابلة حتى صفع بعضهم ثم توجه القاضي والشيخ إلى القاهرة ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان وعقد مجلس في ثالث عشريه بعد صلاة الجمعة فادعى على ابن تيمية عند المالكي فقال: هذا عدوي ولم يجب عن الدعوى فكرر عليه فأصر فحكم المالكي بحبسه فأقيم في المجلس وحبس في برج ثم بلغ المالكي أن الناس تتردد إليه فقال: يجب التضييق عليه إن لم يقتل وإلا فقد ثبت كفره فنقلوه ليلة عيد الفطر
стр. 3719
إلى الجب وعاد القاضي الشافعي على ولايته ونودي بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله خصوصاً الحنابلة. فنودي بذلك وقرئ المرسوم قرأه ابن الشهاب محمود في الجامع ثم جمعوا الحنابلة من الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشافعي (؟).
وذكر ولد الشيخ جمال الدين ابن الظاهري في كتاب كتبه لبعض معارفه بدمشق أن جميع من بمصر من القضاة والشيوخ والفقراء والعلماء والعوام يحطون على ابن تيمية إلا الحنفي فإنه يتعصب له وإلا الشافعي فإنه ساكت عنه وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر المنبجي لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن العربي فكتب إليه كتاباً يعاتبه على ذلك فما أعجبه لكونه بالغ في الحط على ابن العربي وتكفيره فصار هو يحط على ابن تيمية ويغري به بيبرس الجاشنكير. وكان بيبرس يفرط في محبة نصر ويعظمه.
وقام القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية مع الشيخ نصر وبالغ في أذية الحنابلة. واتفق أن قاضي الحنابلة شرف الدين الحراني كان قليل البضاعة في العلم فبادر إلى إجابتهم في المعتقد وأسلموه خطه بذلك واتفق بأني قاضي الحنفية بدمشق وهو شمس الدين ابن الحريري انتصر لابن تيمية وكتب في خطه مخ٠تصراً بالثناء عليه بالعلم والفهم وكتب منه بخطه ثلاثة عشر سطراً من جملتها: منذ ثلثمائة سنة ما رأى الناس مثله فبلغ ذلك ابن مخلوف فسعى في عزل ابن الحريري فعزل وقرر عوضه شمس الدين الأذرعي ثم لم يلبث الأذرعي أن عزل في السنة المقبلة وتعصب سلار لابن تيمية وأحضر القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي وتكلم معهم في إخراجه فاتفقوا على أن يشترطون معه شرطاً وأن يرجع عن بعض العقيدة فأرسلوا إليه مرات فامتنع من الحضور إليهم واستمر.
لم يزل ابن تيمية في الجب إلى أن شفع فيه مهنا أمير آل فضل فأخرج في ربيع الأول في الثالث والعشرين منه وأحضر إلى القلعة ووقع البحث مع بعض الفقهاء وكتب عليه محضر بأنه قال: أنا أشعري ثم وجد خطه بما نصه: الذي اعتقد أن القرآن معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديم وهوليس مخلوق وليس بحرف ولا صوت وأن قوله الرحمن على العرش استوى ليس على ظاهره ولا أعلم كنه المراد بل لا يعلمه إلا الله والقول في النزول كالقول في الاستواء وكتبه أحمد ابن تيمية.
стр. 3720
ثم اشهدوا عليه أنه تاب مما ينافي ذلك مختاراً وذلك في خامس وعشرين ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة وشهد عليه بذلك جمع جم من العلماء وغيرهم وسكن الحال وأفرج عنه وسكن القاهرة.
ثم اجتمع جمع من الصوفية عند تاج الدين ابن عطاء فطلعوا في العشر الأوسط من شوال إلى القلعة وشكوا ابن تيمية أنه يتكلم في حق مشايخ الطريق وأنه قال لا يستغاث بالنبي ﷺ فاقتضى الحال أن أمر بالمسير إلى الشام فتوجه على خيل البريد وكل ذلك والقاضي زيد الدين ابن مخلوف مشتغل بنفسه بالمرض وقد اشرف على الموت وقد بلغه سفر ابتن تيمية فراسل النائب فرده من بلبيس وادعى عليه عند ابن جماعة وشهد عليه شرف الدين ابن الصابوني وقيل ابن علاء الدين القونوي أيضاً شهد عليه فاعتقل بسجن حارة الديلم في ثامن عشر شوال إلى سلخ صفر سنة تسع وسبعين فنقل عنه أن جماعة يترددون إليه وأنه يتكلم في نحو ما تقدم فأمر بنقله إلى الإسكندرية فنقل إليها في سلخ صفر وكان سفره صحبة أمير مقدم لمك يمكن أحداً من جهته من السفر معه وحبس برج شرقي ثم توجه إليه بعض أصحابه فلم يمنعوا منه فتوجهت طائفة منهم بعد طائفة وكان موضعه فسيحاً فصار الناس يدخلون إليه ويقرأون عليه ويبحثون معه. قرأت ذلك في تاريخ البرزالي فلم يزل إلى أن عاد الناصر إلى السلطنة فشفع فيه عنده فأمر المالكي فاشترط المالكي أن لا يعود فقال له السلطان: قد تاب. وسكن بالقاهرة وتردد الناس إليه إلى أن توجه صحبة الناصر إلى الشام بنية الغزاة في سنة ١٢ وذلك في شوال فوصل دمشق في مستهل ذي القعدة فكانت مدة غيبته عنها أكثر من سبع سنين وتلقاه جمع كثير فرحاً بمقدمه وكانت والدته إذ ذاك في قيد الحياة.
ثم قاموا عليه في شهر رمضان سنة ١٩ بسبب مسالة الطلاق وأكد عليه المنع من الفتيا ثم عقد له مجلس آخر في رجب ثم حبس بالقلعة ثم أخرج في عاشوراء سنة إحدى وعشرين ثم قاموا عليه مرة أخرى في شعبان سنة ٢٦ بسبب مسألة الزيارة واعتقل بالقلعة فلم يزل بها إلى أن مات في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ٨٢٧.
قال الصلاح الصفدي: كان كثيراً ما ينشدني:
تموت النفوس بأوصابها ... ولم يدر عوادها ما بها
стр. 3721
وما أنصفت مهجة تشتكي ... أذاها إلى غير أحبابها
وكان ينشد كثيراً:
من لم يقد ويدس في خيشومه ... رهج الخميس فلن يعود خميسا
وأنشد له على لسان الفقراء:
والله ما فرقنا اختيار ... وإنام فرقنا اضطرار
جماعة كلنا كسالى ... واكلنا ما له عيار
تسمع منا إذا اجتمعنا ... حقيقة كلها فشار
وسرد أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار وأورد فيه من أمداح أهل عصره كابن الزملكاني قبل أن ينحرف عنه وكأبي حيان كذلك وغيرهما قال ورثاه محمود بن علي الدقوقي ومجير الدين الخياط وصفي الدين عبد المؤمن البغدادي وجمال الدين ابن الأثير وتقي الدين محمد بن سليمان الجعبري وعلاء الدين ابن غانم وشهاب الدين ابن فضل الله وزين الدين ابن الوردي وجمع جم وأورد لنفسه فيه مرثية على قافية الضاد المعجمة.
قال الذهبي ما ملخصه: كان يقضي منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف واستدل ورجح وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه قال: وما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردوها منه ولا أشد استحضاراً للمتون وعزوها منه كأن السنة نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وعين مفتوحة وكان ىية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه وأما أصول الديانة ومعرفة أحوال المخالفين فكان لا يشق غباره فيه هذا مع ما كان عليه من المكارم والشجاعة والفراغ من ملاذ النفس ولعل فتاويه في النون وتبلغ ثلثمائة مجلد بل أكثر وكان قوالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم.
قال: ولم أر مثله في ابتهاله واستغاثته بالله وكثرة توجهه وأنا لا أعتقد فيه عصمة بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية فإنه كان مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشراً من البشر تعتريه حدة في البحث وغضب وشظف للخصم تزرع له عداوة في النفوس وإلا لو لاطف خصومه لكان كلمة إجماع كان كبارهم خاضعين لعلومه معترفين بشفوفه مقرين بندور خطائه وأنه بحر لا ساحل له وكنز لا نظير له ولكن ينقمون عليه أخلاقاً وأفعالاً وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك.
стр. 3722
قال: وكان محافظاً على الصلاة والصوم معظماً للشرائع ظاهراً وباطناً ولا يؤتى من سوء فهم فإن له الذكاء المفرط ولا من فقلة علمه فإنه بحر زخار ولا كان متلاعباً بالدين ولا ينفرد بمسائل بالتشهي ولا يطلق لسانه بما اتفق بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن يناظر أسوة من تقدمه من الأئمة فله أجر على خطائه وأجران على إصابته إلى أن قال:
تمرض أياماً بالقلعة تمرضاً جداً إلى أن مات لية الاثنين العشرين من ذي القعدة وصلي عليه بجامع دمشق وصار يضرب بكثرة من حضر جنازته وأقل ما قيل في عددهم أنهم خمسون ألفاً.
قال الشهاب بن فضل الله لما قدم ابن تيمية على البريد إلى لاقاهرة في سنة سبعمائة نزل عند عمي شرف الدين وحض أهل المملكة على الجهاد وأغلظ القول للسلطان والأمراء ورتبوا له في مدة إقامته في كل يوم ديناراً ومخفقة طعام فلم يقبل من ذلك وأرسل له السلطان بقجة قماش فردها قال ثم حضر عنده شيخنا ابو حيان فقال ما رأت عيناي مثل هذا الرجل ثم مدحه بأبيات ذكر أنه نظمها بديهة وأنشده إياها:
لما أتاني تقي الدين لاح لنا ... داع إلى الله فرد ماله وزر
على محياه من سيما الأولى صحبوا ... خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبراً ... حبر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... قام سيد تيم غذ عصت مضر
وأظهر الحق إذ آثاره اندرست ... وأخمد الشر إذ طالت له شرر
كنا نحدث عن حبر يجيء فها ... أنت الإمام الذي قد كان ينتظر
قال ثم دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه فأغلط ابن تيمية القول في سيبويه فنافره أبو حيان وقطعه بسببه ثم عاد ذاماً له وصير ذلك ذنباً لا يغفر قال: وحج ابن المحب سنة ٧٣٤ فسمع من أبي حيان أناشيد فقرأ عليه هذه الأبيات فقال قد شتها من ديواني ولا أذكره فسأله عن السبب فقال: ناظرته في شيءٍ من العربية فذكرت له كلام سيبويه فقال ليس بشيءٍ قال أبو حيان: وهذا لا يستحق الخطاب وبقال أن ابن تيمية قال له ما كان سيبويه نبي النحو ولا كان معصوماً بل أخطأ في أكثر من أربعين موضعاً وما تفهمها أنت فكان
стр. 3723
ذلك سبب مقاطعته إياه وذكره في تفسيره البحر بكل سوءٍ وكذلك في مختصره النهر ورثاه شهاب الدين ابن فضل الله بقصيدة رئية مليحة وترجم له ترجمة هائلة تنقل من المسالك إن شاء الله تعالى. ورثاه زين الدين ابن الوردي بقصيدة لطيفة طائية قال كمال الدين السومري في أماليه: ومن عجائب ما وقع في الحفظ من أهل زماننا أن ابن تيمية كان يمر بالكتاب فيطالعه مرة فينتقش في ذهنه وينقله من مصنفاته بلفظه ومعناه.
وقال الأقشهري في رحلته في حق ابن تيمية: بارع في الفقه والأصلين والفرائض والحساب وفنون أخرى وما من فن إلا وله فيه يد طولى وقلمه ولسانه متقاربان.
قال الطوفي: سنعته يقول: من سألني مستفيداً حققت له ومن سألني متعنتاً ناقضته فلا يلبث أن ينقطع فأكفى مؤنته وذكر تصانيفه وقال في كتابه أبطال الحيل عظيم النفع: وكان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث ويورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس كأن هذه العلوم بين عينيه فيأخذ منها ما يشاء ويذر. ومن ثم نسب أصحابه إلى الغلو فيه واقتضى له ذلك العجب بنفسه حتى زها على أبناء جنسه واستشعر بأنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم قديمهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شيءٍ فبلغ الشيخ إبراهيم الرقي فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر وقال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً ثم خالف فيها نص الكتاب منها اعتداد المتوفى عنها زوجها أطول الأجلين. وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتى أنه سب الغزالي فقام عليه قوم كادوا يقتلونه ولما قدم غازان بجيوش التتر إلى الشام خرج إليه وكلمه بكلام قوي فهمَّ بقتله ثم نجا واشتهر أمره من يومئذ.
واتفق أن السيخ نصراً المنبجي كان قد تقدم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه فبلغه أن ابن تيمية يقع في ابن العربي لأنه كان يعتقد بأنه مستقيم وأن الذي ينسب إليه من الاتحاد أو الإلحاد من قصور فهم من ينكر عليه فأرسل ينكر عليه فكتب إليه كتاباً طويلاً ونسبه وأصحابه إلى الاتحاد الذي هو حقيقة الإلحاد فعظم ذلك عليهم وأعانه عيله قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد منكرة (؟) وقعت منه في مواعيده وفتاويه فذكروا أنه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا. فنسب إلى التجسيم
стр. 3724
ورده على من توسل بالنبي ﷺ واستغاث فاشخص من دمشق في رمضان سنة خمس (بعد السبعمائة) فجرى عليه ما جرى وحبس مراراً فأقام على ذلك نحو أربع سنين أو أكثر وهو مع ذلك يشتغل ويفتي إلى أن اتفق أن الشيخ نصراً قام على الشيخ كريم الدين الأيلي شيخ خانقاه سعيد السعداء فأخرجه من الخانقاه وعلى شمس الدين الحريري فأخرجه من تدريس الشريفية فيقال أن الأيلي دخل الخلوة بمصر أربعين يوماً فلم يخرج حتى زالت دولة بيبرس وخمل ذكر نصر وأطلق ابن تيمية إلى الشام.
وافترق الناس فيه شيعاً فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله أن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله وأنه مستوي على العرش بذاته فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام فقال أن لا أسلم أن التحيز والانقسام منة خواص الأجسام فألزم بأنه يقول ثبت (؟) التحيز في ذات الله تعالى.
ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله أن النبي ﷺ لا يستغاث له وأن في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم رسول الله ﷺ وكان اشد الناس عليه في ذلك النور البكري فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض المحاضرين: يغزز فقال البكري لا معنى لهذا القول فإنه إن كان تنقيصاً يقتل وإن لم يكن لا يعزز.
ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي ما تقدم ولقوله أنه كان مخذولاً حيث ما توجه وأنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة ولقوله أنه كان يحب الرياسة وأن عثمان كان يحب المال ولقوله أبو بكر أسلم شيخاً لا يدري ما يقول وعلي اسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه على قول ولكلامه في قصة خطبة ابنة أبي جهل وما فيها من الثناء على. . . وقصة أبي العاص بن الربيع وما يوجد من مفهومها فإنه مشنع في ذلك فألزموه بالنفاق لقوله ﷺ ولا يبغضك إلا منافق.
ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه فكان ذلك مؤكداً لطول سجنه وله وقائع شهيرة وكان إذا حوقق وألزم يقول لم أرد هذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالاً بعيداً قال: وكان من أذكياء العالم وله في ذلك أمور عظيمة منها أن محمد بن أبي بكر السكاكيني عمل أبياتاً على لسان ذمي في إنكار القدر وأولها:
أيا علماء الدين ذمي دينكم ... تحير دلوه بأعظم حجة
стр. 3725
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي
فوقف عليها ابن تيمية فثنى إحدى رجله على الأخرى وأجاب في مجلسه قبل أن يقوم بمائة واسعة عشر بيتاً أولها:
سؤالك يا هذا سؤال معاند ... مخاصم رب العرش باري البرية
وقال شيخ شيوخنا الحافظ ابن سيد الناس في ترجمة ابن تيمية وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين قال: فألفيته ممن أدرك من العلوم حظاً، وكان يستوعب السنة والآثار حفظاً إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وروايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، بزر في كل فن على أبناء جنسه، فلم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه. كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحره العذب النمير، ويرتعون ممن ربع فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد وألب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليهم من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلاماً، أوسعوه بسببه ملاماً، وفوقوا لتبديعه سهاماً، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازعه طائفة أخرى ينسبون من الفقر إلى طريقه، ويزعمون أنه على أدق باطن منها وأجلى حقيقة، وكشف تلك الطرائق، وذكر لها مراغم وموابق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعه، واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعته، فأوصلوا إلى الأمراء أمره، وأعمل كل منهم في كفره فكره، فرتبوا المحاضر، وألهبوا الرويبضة (؟) للسعي بها عند الأكابر وسعوا في نقله إلى حاضرة المملكة بالديار المصرية فنقل، وأودع السجن ساعة حضوره واعتقل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قوماً من عمار الزوايا وسكان المدارس، من عامل في المنازعة، مخاتل بالمخادعة مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وليس بالمجاهر بكفره بأسوأ حالاً من المجامل وقد دبت إليه عقارب مكره، فرد الله كيد كل من نحره، ونجاه على يد من اصطفاه والله غالب على أمره، ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، إلى أن فوض أمره إلى بعض القضاة فتقلد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه
стр. 3726
ذلك إلى حيث ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله والى الله ترجع الأمور، وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكان يومه مشهوداً ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كل فجٍ عميق، يتبركون بمشهده يوم تقوم الأشهاد، ويتمسكون بسريره حتى كسروا تلك الأعواد.
وقال الذهبي مترجماً له في بعض الإجازات: قرأ القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ وبرع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وهو دون العشرين وصنف التصانيف وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه وتصانيفه نحو أربعة آلاف كراسة وأكثر.
وقال في موضع آخر وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلاً عن المذاهب الأربعة فليس له فيه نظير وفي موضع آخر وله باع طويل في معرفة أحوال السلف وقلَّ أن تذكر مسألة إلا ويذكر فيها المذاهب والأئمة وقد خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل صنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة ولما كان معتقلاً بالإسكندرية التمس منه صاحب سبتة أن يجيز له بعض مروياته فكتب له جملة من ذلك في عشرة أوراق بأسانيده ومن بحفظه بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر من يكون وأقام عدة سنين لا يفتي بمذهب معين.
وقال في موضع آخر: بصيراً بطريقة السلف واحتج له بأدلة وأمور لم يسبق إليها وأطلق عبارات أحج عنها غيره حتى قام عليه خلق من العلماء بالمصريين فبدعوه وناظروه وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق اذا أداه إليه اجتهاده وحدة ذهنه وسعة دائرته فجرى بينهم حملات جزئية ووقعات شامية ومصرية ورموه عن قوس واحدة ثم نجاه الله وكان دائم الاشتغال كثير الاستغاثة قوي التوكل رابط الجأش له أوراد وأذكار يدمنها.
وكتب الذهبي إلى السكبي يعاتبه بسبب كلام وقع منه في حق ابن تيمية فأجابه ومن جملة الجواب: وأما قول سيدي في الشيخ تقي الدين فالمملوك يتحقق كبير قدره وزخارة بحره وتوسعه في العلوم النقلية والعقلية وفرط ذكاءه واجتهاده وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف والمملوك يقول ذلك دائماً وقدره في نفسي أكثر من ذلك وأجل ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه وجريه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى وغرابة مثله في هذا الزمان بل من الزمان.
стр. 3727
وقرأت بخط الحافظ صلاح الدين خليل العلائي في ثبت شيخ شيوخنا الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن خليل ما نصه: وسمع بهاء الدين المذكور على الشيخين شيخنا وسيدنا وإمامنا فيمت بيننا وبين الله تعالى شيخ التحقيق السالك بمن اتبعه أحسن طريق ذي الفضائل المتكاثرة والحجج الباهرة التي أقرت الأمم كافة أن همها عن حصره قاصرة متعنا الله بعلومه الفاخرة ونفعنا به في الدنيا والآخرة وهو الشيخ الإمام العالي الرباني والحبر البحر القطب النوراني إمام الأئمة بركة الأمة علامة العلماء وارث الأنبياء آخر المجتهدين أوحد علماء الدين شيخ الإسلام حجة الأعلام تقي الدين. . . سيف المناظرين برح العلوم كنز المستفيدين ترجمان القرآن أعجوبة الزمان فريد العصر والأوان. . . حجة الله على العالمين اللاحق بالصالحين للماضين مفتي الفرق ناصر الحق علامة الهدى عمدة الحفاظ ركن الشريعة كنز المعاني والألفاظ ذي الفنون البديعة أبي العباس ابن تيمية اهـ.
هذه ترجمة نابغة الإسلام وأعجوب علماء القرون الوسطى ولو لم يكن في هذا الكتاب سوى ترجمته لكان كافياً في طبعه والكتاب نسخة نفيسة نادرة في بابها لأن ناسخه عالم محقق ويعتاد الإنسان قراءة خطه على إعجامه بعد قراءة بضع صفحات منه وقد طمست بعض سطوره من أوائل بعض الصفحات لماء أو رطوبة ولكن يسهل إثبات الصحة ولو بمراجعة بعض المظان المطبوعة وغيرها.
والكتاب كما تقدم بخط البرهان البقاعي المفسر قال في آخره: قال شيخنا شيخ الإسلام والحفاظ مصنفه ومن خطه نقلت النسخة التي نقلت منها هذه فرغ منه جامعه سوى ما ألحق فيه بعد تاريخ فراغه في شهور سنة ثلاثين وثماني مائة ثم ألحق فيه إلى سنة سبع وثلاثين ولم يكمل الغرض من الإلحاق لبقايا من تراجم في زوايا لم أستوعبها بعد أعان الله تعالى على استكمال ذلك بمنه وكرمه آمين. قلت (البقاعي) وكانت كتابتي فيه للنسخة الأولى في ربيع الآخر سنة ٨٥٥ وعسر عليَّ قراءة كثير من النظم الذي في التراجم وغير ذلك ثم نقلته كذلك إلى هنا والمرجو من فضل الله تعالى من تحرير ذلك ومقابلته جميعه على الأصل المنقول منه أن تيسر وتحرر ذلك من أصوله إن شاء الله تعالى وكان فراغي من هذه في ١٧ شوال سنة ٨٥٩ بمنزلي بحارة بهاء الدين في القاهرة اهـ.
أما ابن حجر العسقلاني فهو شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر نسبة إلى حجر
стр. 3728
قوم تسكن الجنوب العسقلاني الأصل المصري المو لد والمنشأ والدار والوفاة ولد سنة سبعمائة وثلاث وسبعين وتوفي سنة ثمانمائة واثنين وخمسين والمؤلف هذا معدود من أئمة الشافعية وله غير ذلك من الكتب منها تاريخ مرتب على السنين سماه أنباء الغمر في أبناء العمر وفي المكتبة الظاهرية مسودته بخط مؤلفه وهي لا تكاد تقرأ لما فيها من سقم الحروف والشطب والتعليق قال في مقدمته: وبعد فيقول العبد الضعيف أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني الأصل المصري المولد القاهري الدار هذا تعليق جمعت فيه حواذث الزمان منذ مولدي سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة وهلم جرا مفصلاً كل سنة أحوال الدول ووفيات الأعيان مستوعباً لرواة الحديث خصوصاً من لقيته أو أجاز لي إلى أن قال وسميته أنباء الغمر في أبناء العمر.
وهاك نموذجاً من تأليفه: سنة سبع وسبعين وسبع مائة: فيها في المحرم طهر السلطان أولاده وعمل لهم مهيا عظيماً أنفق فيه من الأموال ما لا يحصى وظهر فيه من الفواحش والقبائح ما لا مزيد عليه واستمر ذلك سبعة أيام. سنة أربع وسبعين وسبع مائة: وفيها كان الوباءُ بدمشق فدام مدة تسعة أشهر وبلغ العدد في كل يوم مائتي نفر. سنة أربع وتسعين وسبع مائة: هجم على النائب بدمشق خمسة أنفس فقتلوه وأخرجوا من الحبس من الميكاسه (؟) وهم نحو مائة نفر وملكوا القلعة لحاجبهم الحاجب في عسكر دمشق وضيق عليهم إلى أن غلبوا فأحرق عليهم الباب وأمسكوا الثائرين فلم يبقوا منهم إلا من هرب.
وقال في أول الجزء الثاني وهو يبتدئ بأول القرن التاسع من الهجرة ما نصه: دخلت سنة إحدى وثماني مائة وسلطان مصر والشام والحجاز الملك الظاهر أبو سعيد برقوق وسلطان الروم أبو زيد عثمان وسلطان اليمن من نواحي تهامة الملك الأشرف ومن نواحي الجبال الإمام الزيدي الحسني وسلطان المغرب الأدنى أبو فارس عبد العزيز الحفصي وسلطان المغرب الأوسط المريني وسلطان المغرب الأدنى ابن الأحمر وصاحب البلاد الشرقية تيمور وكان المعروف باللنك وصاحب بغداد أحمد بن إدريس وأمير مكة حسن بن عجلان والخليفة العباسي أبو عبد الله المتوكل على الله ويدعى أمير المؤمنين وينازعه بهذا الاسم الإمام الزيدي وبع ملوك المغرب وصاحب اليمن.
وقد امتد الكتاب إلى سنة خمسين وثمانمائة وبدئ بعد سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة وقد
стр. 3729
ذكر صاحب كشف الظنون أذيلاً لأنباء الغمر فمن لنا بأن نظفر بالأصل والفرع ويطبعا كما يطبع الدرر الكامنة.
وأما ناسخ الكتاب فهو برهان البقاعي صاحب المناسبات ترجم له الضوء اللامع ترجمة مطولة وكلها مطاعن لأنهما تدارسا العلم في سن الطلب واستفاد كل منهما من الآخر على عادة الطلبة فمما قاله فيه إنه إبراهيم بن عمر البقاعي برهان الدين وكنى نفسه أبا الحسن الخرباوي البقاعي صاحب تلك العجائب والنوائب والقلاقل والمسائل المتعارضة المتناقضة ولد فيما زعم تقريباً سنة تسع وثمانمائة بقرية يقال لها خربة روحا من عمل البقاع ونشأ بها ثم تحول إلى دمشق ثم فارقها ودخل بيت المقدس ثم القاهرة قال ووقائعه كثيرة وأحواله شهيرة ودعاويه مستفيضة أهلكه التيه والعجب وحب الشرف والسمعة بحيث زعم أنه قيم العصرين بكتاب الله وسنة رسوله إلى غير ذلك من المطاعن التي وجهها إليه وظهرت فيها نواجذ الشر والعداوة على أنه من أهل العلم المذكورين في عصره والمعدودين من محاسن دهره ولو لم يكن له إلا تفسيره في تناسب الآيات والسور الذي لم يؤلف في الإسلام مثله لكفاه فضلاً ورحل في آخر أمره إلى دمشق واتخذها موطناً وتوفي في رجب سنة ٨٨٥ ودفن في مقبرة الحمرية ظاهر الشويكة في دمشق الشام ويوجد في المكتبة الظاهرية من تفسيره المنوه به نسختان عورضت إحداهما على مؤلفها وبها خطه ﵀.
стр. 3730
المسلمون والبولونيون
في الغرب من مملكة روسيا وفي الجنوب من بروسيا وفي الشمال من النمسا بلاد متنائية الأطراف وساعة البقاع مخصبة الرباع كثيرة الأنهار والغابات والمناجم اسمها بولونيا أي السهل باللغة الصقلبية وهي المعروفة في تواريخ الأتراك باسم لهستان قضى عليها نكد الطالع أن تفقد استقلالها لاختلاف كلمة أمرائها وأبنائها منذ نحو قرن ونصف فتقاسمتها روسيا والنمسا وألمانيا وتبلغ مساحة بولونيا الروسية وفيها عاصمة البلاد القديمة فارسوفيا ١٢٧. ٣١٩ كيلومتراً مربعاً وسكانها ٩. ٤٥٦. ٠٠٠ واذا أضنا إليهم سكان بولونيا النمسوية وبولونيا الألمانية يبلغ عددهم نحو عشرين مليوناً بحسب تقدير الجغرافيات الحديثة من أهل أوربا يدين نحو نصفهم بالكثلكة وباقيهم إسرائيليون وبرتستانت ومسلمون تاتار.
ومناخ هذه البلاد شديد ول
كنه معتدل في الجملة اذا قيس بمناخ روسيا وهو حار في الصيف بارد جداً في الشتاء وتقل فيها الثلوج وتجمد فيها الأنهار في الشتاء من شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر ونصف وقد انتشرت فيها الصناعات لكثرة ما فيها من الفحم الحجري فأصبحت أهم أقاليم روسيا من هذه الوجهة أما التجارة فتاد تكون محصورة في أيدي الإسرائيليين.
وتاريخ هذه الأمة قديم غامض أشبه بأساطير حتى القرن التاسع للميلاد وغاية ما يعلم أن هذه الأقطار الممتدة بين البحر الأسود وبحر البلطيق كان يسكنها في الأصل شعوب اسمها الأنتس والهنت والفاند ثم نزلها الصقالبة. وأول زعيم أنشأ مملكة بولونيا فلاح صالح اسمه بياست فحكمها إلى سنة ١٣٣٣ ودخلت النصرانية إلى بولونيا على يد ميسيسلاس الأول (٩٦٢_٩٢٢) وانضمت بلاد ليتوانيا إلى بولونيا في القرن الرابع عشر بزواج هدويج ابنة كازمير الأول (١٣٣٣_١٣٧٠) من لاديسلاس جاجلون.
وفي أوائل القرن الخامس عشر أي وفي العهد الذي بدأت تنشأ في أوربا ممالك مطلقة الحكم مستبدة السلطان بدأ الفشل السياسي والفوضى الإدارية تدب في مملكة بولونيا مما عجل تقسيمها وحذفها من رقعة السياسة الأوربية وذلك لاختلاف مصالح البلادين ليتوانيا وبولونيا واختلاف لسانيهما فكانت مجالس النواب في الولايات متباينة المقاصد تعاكس الملك في أقل الأمور حتى في عزل الموظفين الذين كانوا يعينون بلا عزل مدة حياتهم
стр. 3731
وأقل صاحب رأي في الانتخاب يوقف عمل الأكثرية ويفسد عليها أمرها حتى انقلبت الحال بعهد أن كتب النصر لبولونيا على الهوسيين وفرسان حملة السيوف أن تبقى بلا حكومة ولا جيش ما خلا أيام أسرة جاجلون.
وقد بدأ انحطاط بولونيا على عهد سيجسموند فازا سنة ١٦١٨ فأصبحت المملكة بدون مالية ولا بيت ملك وطني بل كان ينتقل الملك من فرنسوي يعينه مجلس النواب إلى مجري هذا وليس للبلاد حدود طبيعية تحميها من هجمات المهاجمين.
ثم عادت إلى البلاد بعض حياتها على عهد يوحنا سوبيسكي (١٦٧٤_١٦٩٥) فأصبح لها بعض مجد بجيش لها نظمته فبالجيش البولوني أنقذت فيينا من أيدي العثمانيين الذين حاصروها ولكن لم تعد نجاة البولونيين للنمساويين بشيءٍ من الفائدة عليهم ولا على حكومتهم. وخلف المنتخب فريدرك أغطس في ساكس ملكها سوبيسكي فاستند إلى إمارته سكسونيا فاستقام له أمر بولونيا ثم خلع وتداخلت روسيا في أمره ثم نشأ خصام بين بيوت الملك في بولونيا يدعي كل منهم حق التملك على البلاد وفي سنة ١٧٦٤ قضت إرادة كاثرينا الثانية صاحبة روسيا بتأييد ساتنيسلاس بونيانوفسكي على عرش السلطنة البولونية وفي وسط ذاك الاضطرابات كثرت الانقسامات الداخلية وجاءت الفتن الدينية التي كانت هادئة هناك فانضمت إلى المنافسات السياسية وذلك بما تخلل الأمر من عبث الأصابع الأجنبية فاستصرخ الأروام كاثرينا الثانية إمبراطورة روسيا واستنجد البرتستانت ماري تريز ملكة النمسا وفريدرك الثاني. وكان لروسيا نفوذ في مجلس نواب سنة ١٧٦٦ فسعت إلى إطلاق حرية المذهب وألفت حرية الانتخاب فاستقام أمر الحكومة وكان الاضطراب عندما ألفت سنة ١٧٦٨ اتحاد بار يضمن احترام الاستقلال الوطني ولكن كان قد سبق السيف العذل فتقرر بين روسيا والنمسا سنة ١٧٧٢ تقسيم بولونيا ولم يقاوم في ذلك من الدول سوى الدولة العلية فتقاسمت النمسا وألمانيا وروسيا تلك المملكة العظمى وفي سنة ١٧٩٥ قسمت البلاد نهائياً فوقعت العاصمة أي فارسوفيا من حصة روسيا وكراكوفيا وفيها كلية بولونيا العظمى من حظ النمسا ونالت بروسية بقية المملكة ثم نظم جزء منها مملكة جديدة ولكنها انتفضت وثارت سنة ١٨٣٠ فدخل الروس إلى فارسوفيا بعد أن أبلى البولونيون بلاءً حسناً فانحلت مملكة فارسوفيا وأقفلت كلية فلينا البولونية وصادرت الأموال
стр. 3732
ونفت الرجال فأصبحت بولونيا ولاية روسية وقام البولونيون سنة ١٨٦٣ ثانية وحملهم على الانتفاض وما رأوه من اشتغال روسيا في حرب الشرق فألف البولونيون منهم عسكراً لا يبقي ولا يذر بالنظر لقلة عدده تمكنت روسيا من قمع جماح الفتنة بعد سنة من نشوبها وما فتئ منذ ذاك العهد حال بولونيا في الولايات الروسية آيلا إلى نزع لغتها وإبدالها باللغة الروسية وتدريب أهلها على المناحي الروسية وكذلك حال ولايات بروسيا آخذة بالصبغة الألمانية الجرمانية.
هذا إجمال من تاريخ انقسام مملكة بولونيا أما حالتها الأدبية والعمرانية فإن لغتها من فروع اللغات السلافية الغربية وقريبة جداً من اللغة الكاسوبية واللغة البولابية.
وفي بولونيا عدة لهجات وقد نشأ من كلية كراكوفيا التي أنشأها كازمير الأكبر عدة رجال في الفلسفة والعلم منهم كوبرنيك الفلكي ونجحت اللغة البولونية على عهد ملوكها من أسرة جاجلون وذلك بفضل دعاة المذهب البرتستانتي الذين اختاروا نشر تعاليمهم بلغة الشعب وعلى يوحنا كوشانوفسكي سلم ذوق اللغة وتألفت على القواعد العلمية المألوفة لليونان والرومان ودام ذلك إلى القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر وهما قرنا الانحطاط لأن القوم شكغلوا بالفتن الداخلية فلم يعد أحد ينظر في الأدب وداهمت اللغة مفردات من اللغات الأجنبية.
وقد نشأ للآداب البولونية شعراء وكتاب كبار ومؤلفون ووعاظ وأثريون ومؤرخون وجغرافيون وقصصيون ودخل الشعر البولوني عل عهد الثورة سنة ١٨٣٠ في طور جديد وأثر على عقول الناهضين من شبانهم أحوال الفتن وانطلقت ألسنتهم بالشعر الممزوج بعواطف النفوس المتألمة ودامت طبقة الشعر في ارتقاء إلى أواخر القرن التاسع عشر بما تنشأ لهم من الشعراء بل والشاعرات المجيدات الذين حركوا كوامن النفوس وهيأوها لمطلب الكمال والاستقلال وساعد القصصيون خاصة بما نشروه من الأساطير والروايات على ترقية اللغة البولونية وإدخال حياة جديدة فيها في العهد الأخير دع عنك من خرج من هذه الأمة من الفلاسفة والمؤرخين.
وإن ما بقي من الآثار القليلة والعاديات في تلك البلاد ليدل دلالة واضحة على أن قدماء الصقالبة كانوا يحبون الصناعات والفنون وكذلك كانت الحال في القرون الوسطى في
стр. 3733
بولونيا فإن ملوكها حموا حمى الصنائع النفيسة فكانوا يأتون من إيطاليا بالبنائين والنقاشين المصورين حتى جاراهم البولونيون ونافسوهم في هذه الأعمال بعد.
ولكن الفتن التي استطار شرارها في القرنين الأخيرين سلب من نفوس البولونيين قرارها فهاموا على وجوههم بعد فقد استقلالهم في طول أوربا وأميركا وعرضهما وكثر منهم المهاجرون ولاسيما إلى أميركا الشمالية حتى قيل أنهم بلغوا نحو مليوني بولوني يحافظون إلى اليوم على لغتهم وآدابهم وعاداتهم القومية.
وللبولونيين غرام فائق في احتفاظهم بلغتهم وبتناغيمهم بتاريخهم فتراهم كلما طال المطال على تمزق ملكهم يحنون لاسترجاعه وتقوى عزائمهم على المطالبة به ولكن أوربا أو الساسة من أهلها قد قدت قلوبهم من حجر فلا تسمع لباك ولا تؤحم كل شاك. على أن البولونيين لم يعتمدوا بعد التجارب الكثيرة إلا على أنفسهم فكانوا وما زالوا يستعدون في بلادهم وخارجها للتربية الحربية حتى لا تزول منهم ملكة الكر والفر وقد أنشأوا لغرض الاستقلال جمعيات بثوا دعاتها في بلادهم وفي أوربا وأميركا يجمعون المال إلى أيام الشدة وهاذ المال يحفظونه في الغالب في فروع جمعياتهم في سويسرا وقد صرفوها كلها في الفتن الأخيرة التي ثارت في بولونيا الروسية عقيب حرب روسيا مع اليابان فكانت تأتينا أخبار فارسوفيا بفظائع البولونيين وشدة حكومة روسيا في قطع دابر الفتنة. وفي سويسرا أيضاً حفظ البولونيون تاج آخر ملكهم وصولجانه ونموذجاً من ألبستهم جعلوها في متحف خاص.
ولما انتشر ت الحرية بعض الشيء في روسية تنفس خناق البولونيين وقاموا يعيدون أمجاد آبائهم بمدارسهم ولم تنل روسيا مأرباً من نزع لغتهم وتلقينهم لغتها بالقوة بل عادت اللغة البولونية أكثر انتشاراً مما كانت قبل انقسام بلادهم ومن الغريب أن التشتت الذي أصاب أهلها والسعي الحثيث في معاملة مدارسها بالشدة في ألمانيا وروسيا لم تسفر إلا عن اندماج كثير من اليهود الجرمانيين في الجنسية البولونية لأن البولونيين من أقدر الأمم على جلب غيرهم إليهم كأن من خواص شعبهم أن يأخذ ولا يعطي.
كانت النمسا وما زالت أرفق الدول الثلاث الكبرى التي تقاسمت بينها بولونيا بهذه الأمة ولغتها وآدابها وعاداتها ولذلك كان إخلاص البولونيين لها أكثر من إخلاصهم للألمان
стр. 3734
والروس لأنمها ساوتهم بسائر عناصرها فلم يستثقلوا ظلها ولا تبرموا بإدارتها.
ولكثرة اندماج الألمانيين والإسرائيليين بالبولونيين من حيث يشعرون ولا يشعرون زادت نفوس فارسوفيا زيادة هائلة حتى بلغت الآن ثمانمائة ألف وكانت أقل من خمسين ألفاً وعدت من عواصم بلاد أوربا وبالنظر لخصب البلاد وعراقتها في الصناعات والتجارات ونشاط أهلها أكثر مكن سائر العناصر السلافية بلغت مداخيل المصنوعات البولونية ٤٢٠ مليون روبل وكانت أقل من ثلاثين وبلغت قيمة الثروة العامة في بولونيا الألمانية نحو ألف وثلاثمائة مليون مارك وكانت نحو أربعمائة مليون.
وهكذا تجد تجارتها واسعة باتساع غاباتها ومناجمها وخصب تربتها واقتدار أهلها على الصناعة والتقليد حتى حاكوا أعرق الأمم الغربية في الحضارة ويكفي أن كوري مخترع الراديوم هو وعقيلته من أهل بولونيا وإن فغي أهل أوربا كثير ممن نعرفهم الآن فرنسويون أو ألمانيين أو نمساويين أو إنكليزيين وهم في الحقيقة بولونيون لغة ومنشأ.
وبعد فيجدر وقد اتصل بنا نفس الكلام في هذا المبحث إلى هذا الحد أن نلم بطرف من تاريخ هذه الأمة وعلاقتها بالمسلمين ولاسيما آل عثمان فقد بدأت الصلات المهمة بين بولونيا والأمم الإسلامية على عهد لاديسلاس جاجلون والسلطان مراد الثاني وحاكم بلاد المجر على ذلك العهد يوحنا هونياد وهو تابع لبولونيا وكانت تحدث على الدوام مشاكل بين جيشه وجيش السلطان وبعد حروب وفتن كتب فيها النصرة تارة للعثمانيين وأخرى للمجريين سئمت نفوس الطرفين القتال فطلب السلطان مراد التوسط بالصلح إلى صاحب بولونيا فوقع على صكه في ١٤ ربيع الآخر سنة ٨٤٨هـ (١٤٤٤) لمدة عشر سنين على أن يعيد السلطان بلاد الصرب إلى ملكها وأن تضم بلاد الفلاخ إلى المجر ويفتدي السلطان صهره محمد الحلبي الذي أسر في وقعة كونوييرا بسبعين ألف دوكا (٨٠٥. ٠٠٠ فرنك).
واذا صادف أن السلطان مراد تنازل عن عرش الملك لابنه محمد طمعت أوربا في السلطنة ورأت الفرصة مناسبة للنيل منها وعلى عرش فتى لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره فطلب إلى صاحب بولونيا أن يشارك الدول في تحالفهن على العثمانيين فأبي للعهد الذي عقده مع سلطان العثمانيين فأرسل البابا إليه أوجين الرابع يصرح بنه لا خشية في بعض الأحوال من الحنث بالأيمان ومثل له بنفسه إذ أنه جهز ثماني سفن على نفقته وسمى نفسه
стр. 3735
رئيس العصبة فاضطر صاحب بولونيا أن يسير على الخطة التي رسمها إمام الأحبار فأنفذ بعوثه إلى إقليم تراسيا واشتبك القتال بين المجريين والبولونيين والفلاخيين من جهة والعثمانيين من جهة أخرى ونزل السلطان مراد بنفسه إلى ساحة الوغى بدل ابنه الذي خلفه فقتل أحد شيوخ العسكر العثماني واسمه خوجه خير ملك ملك بولونيا فدب الفشل في الجيش المتحزب كله وذلك في رجب سنة ٨٤٨هـ (١٤٤٤).
قال المؤرخ ليونارد شودزوكو: قال السلطان مراد بينا هو يطوف ساحة الوغى مع أمين سره أريب بك لما رأى صرعى الحرب من أعدائه: أليس من الغريب أن يكون كل هذا الجيش مؤلفاً من شبان وليس فيه شيخ واحد فأجابه أريب بك: لو كان فيه شيخ واحد لما ألقى بنفسه في مثل هذه الورطة المجنونة وقد فقد جيوش المحاربين في تلك الوقعة أشياء ثمينة ومنها سجلات ملك بولونيا فقدت مع ما فقد عند مصرعه وهي خسارة كبرى.
وفي سنة ١٤٤٧ كان التاتار في بلاد القريم في حروب دائمة فأجمع رأيهم على أن يحكموا كازمير جاجلون ملك بولونيا ودوق ليتوانيا فيما شجر بينهم فنزل بعض المنكوبين من التاتار بلاد ليتوانيا على الرحب والسعة وأعطاهم صاحب بولونيا أراضي يتوفرون على زراعتها وأخلصوا له ودافعوا في مواقف القتال عن حوزة بلاده وأطلق لهم حريتهم الدينية حتى استمال بذلك قلوبهم وجاء الملك لاديسلاس الرابع وأيد امتيازاتهم فأنشأوا لهم جوامع ومنارات وبعد أن كانوا بادية رحالة أصبحوا مزارعين ساكنين وادعين وفي سنة ١٤٩٤ جمع يوحنا البر ملك بولونيا بعض أمراء النصرانية في جواره وتحالفوا على قتال العثمانيين فساق السلطان بايزيد جيشاً مؤلفاً من أربعين ألف جندي اجتازوا نهر الطونة وانضموا إلى الفلاخيين وهجموا سنة ١٨٩٤ على بلاد بولونيا وكان صدر الأمر السلطاني إلى والي سيلسترا على بعض مواقعها في وقعتين ظفروا فيهما ولكن داهم الجيش العثماني برد قارس وثلج وأعاصير فهلك منه لأربعون ألفاً ولم يسلم سوى عشرة آلاف جندي عادوا أدراجهم يجتازون نهر الطونة.
وإذ تحالف ملك بولونيا مع ملك المجر وملك ليتوانيا اضطر السلطان بايزيد أن يبعث إلى كراكوفيا سفراء لعقد الصلح. وفي سنة ١٥٢١ أرسل السلطان سليمان الأول إلى بلاد المجر سفيراً لم يجبه المجريون إلا بخنق سفيره فساق السلطان على المجر قوة من جيشه
стр. 3736
غلب بها المجر ولئن أمدهم صاحب بولونيا بستة آلاف جندي لكن قوة الدولة العلية كانت أعظم وعاد السلطان سليمان في ربيع سنة ١٥٢٦ أيضاً في قوة من رجاله على بلاد المجر فأمد ملك بولونيا قوة الدولة العثمانية تغلبت فكتب النصر لأعلامها وهلك في المعركة لويز الثاني ملك المجر في خمسة وعشرين ألفاً من رجاله.
ثم سار سليمان إلى جهات المجر وأرجع البلاد إلى ملكها الشرعي وانقلبت الحال فتحالف سلطان العثمانيين مع ملكي بولونيا وفرنسا وتزوج السلطان سليمان بروكسلان من سبايا البولونيات فشغفته حباً واتخذها سلطانة شرعية وسماها خرّما وكانت على غاية من الجمال والأدب والذكاء ولكنها صرفت ذكاءها إلى الخبث فكانت القاضية على السلطان أن يعامل ابنه معاملة بربرية شهدت لها تواريخ العثمانيين فقتله بدسائسها.
وفي سنة ١٥٧٢ أعانت بولونيا الدولة العلية عندما تداخلت هذه لإقرار الأمن في نصابه في إقليم مولادافيا وسعت الدولة العلية كل السعي أن يبقى التحالف مستحكماً بينها وبين فرنسا وبولونيا عوادي النمسا ولكن حكم بولونيا ملوك لم يعدوا لهذا الأمر عدته. وفي سنة ١٥٧٦ تحالف السلطان مراد الثالث مع أتين باتوري أمير ترانسلفانيا وملك بولونيا وجددت المعاهدة سنة ١٦١٩.
ولكن أمير ترانسلفانيا واسمه بتلم كابور كان يطمع في الاستيلاء على المجر فحرض العثمانيين والتاتار على البولونيين فوقعت بين صاحبي بولونيا والعثمانية وقعة أخرى سنة ١٦٢٠ كسر فيها البولونيون وفي سنة ١٦٢١ قام السلطان عثمان الثاني في مئة ألف من جنده قاصداً إلى بولونيا فدحر جيشه ولما رأى أنه فقد منه ستون ألفاً اضطر يوم ٢٣ ذي القعدة ١٠٣٠ إلى عقد صلح صدق عليه في الأستانة سنة ١٦٢٣ سفير بولونيا.
ثم أن روسيا أهاجت خاطر السلطان مراد الرابع على بولونيا ولكن حكمة صاحب بولونيا قضت بحقن الدماء وإن كان أزمع السلطان العثماني أن يملأ بجيوشه السهل والوعر في بولونيا لكون السفير البولوني تلطف في السفارة وأغضى عما سمع من السلطان من إرادة هذا أن تدين بولونيا بالإسلام وتدك حصونها وتؤدي إليه الجزية فعقدت بين الدولة العثمانية وبولونيا معاهدة سنة ١٦٣٤ كانت نافعة للبولونيين. وفي تلك السنة بدأت روسيا بحجة الدفاع عن مسيحيي الشرق تدس الدسائس.
стр. 3737
خدم نالي بك وهو بولوني واسمه الأصلي بوبوفسكي الباب العالي أعظم خدمة في القرن السابع عشر كما خدم البولونيين والليتوانيين فقد عينته الدولة مترجماً في الباب العالي وكان يحسن سبع عشرة لغة.
وفي سنة ١٦٧٢ زادت الأخطار التي كانت تهدد بولونيا منذ سنة ١٦٥٢ فكان قيصر الروس يدس الدسائس بين القوزاق والتاتار والأتراك ليحملهم على النيل من البولونيين حتى كان من السلطان محمد الرابع أن أعلن عليهم الحرب في نيسان سنة ١٦٧٢ فاستولى على كاميليك بودولسكي وليوبول وعلى أهم المواقع الحصينة من إقليم روتينيا غاليسيا. فطلب صاحب بولونيا الصلح من السلطان وتخلت بولونيا للباب العالي عن بودولي وأوكرين وأن تدفع إليه جزية سنوية قدرها ٢٢٠ ألف دوكا إلا أن الأمة البولونية لم ترض أن تدفع مثل هذه الجزية لما رأت فيها من العار عليها وآثرت أن تعود إلى الحرب تموت في ساحاتها من أن تقبل بشروط ارتضاها ملك لها مأفون الرأي ضعيف الحول والطول فعاد السلطان محمد الرابع إلى القتال وهاجم سوبيسكي جيوش العثمانيين في شوسيم على نهر دنيستر واستولى على المدينة ورجع العثمانيون على أعقابهم إلى بابا سوبيسكي إلى فارسوفيا للاشتراك في انتخاب ملك لبولونيا فقدر انتخابه ملكاً لها مكافأة له على الخدمة التي قدمها لأمته وعاد إلى قتال العثمانيين فهزمهم في بودوليا وأوكرانيا وفي ١٩ شعبان ١٠٨٧ هـ عقد الصلح على أن لا تدفع بولونيا شيئاً ويبقى لها قسم من إقليم بودوليا ويحتفظ العثمانيون بكاميليك وأن تكون مفاتيح الأماكن المقدسة بيد بولونيا لأنها دولة تسامح لا تتعصب لكاثوليكي ولا لرومي ولا لبرتستانتي ولا لغيرهم من أهل الأديان وذلك على الرم من إرادة روسيا فصفت العلائق بين الدولة العثمانية وحكومة بولونيا.
ولما ساقت الدولة العثمانية على فينا مائة وخمسين ألف رجل وكادت تستولي عليها أنجد صاحب بولونيا صاحب النمسا فارتد العثمانيون عن عاصمة النمسا ثم اقتتل الجيش العثماني مع الجيش النمساوي سنة ١٦٩١ في سالانكم على نهر الطونة فغلب العثمانيون أولاً ثم انهزموا فاقدين ثلاثين ألفاً من رجالهم وفي سنة ١٦٩٤ رد البولونيون العثمانيين من كامينيك برودولسكي.
ومال العثمانيون على عهد مصطفى الثاني عدة نصرات على جمهورية البنادقة واستولوا
стр. 3738
على الهرسك وأمدوها بالذخائر وجاز السلطان في جيشه الطونة ماراً بآق بنار (كارلسبرج) وتمسوار ولاغوس وقاتل النمساويين فقتل زعيمهم وقتل العثمانيون من الروس في أزوف ثلاثين ألفاً ثم فشل العثمانيون في غرة صفر ١١٠٨ في تسيا على يد النمساويين وكان العثمانيون يريدون إنقاذ بلاد المجر من النمسويين.
وفي خلال ذلك اجتمع ملوك أوربا للمرة الأولى لحل الاختلافات التي كانت بين الدولة العلية العثمانية وبين سبع دول من دول أوربا وبموجب ما تم من هذا الاجتماع أجعت الدلة العلية إلى بولونيا كامينيك وبودوليا وأوكرانيا وتخلت الأولى للثانية عن الخراج الذي كانت تتقاضاه منها ومنذ ذاك العهد تصافت بولونيا والعثمانية لأنهما أيقنا بدسائس حكومات أوربا التي يقصد بها إضعاف الفريقين فكانت أوربا تترك روسيا تعتدي على العثمانية وبولونيا والسويد بدون أن تطالبها بإحكام العدل والإنصاف ومراعاة حق الجوار نعم كانت تغضي عن روسيا لتنال قسطها من الأرض العثمانية والبولونية والسويدية.
نشبت حرب هائلة على عهد السلطان أحمد الثالث بين السويد وروسيا وبولونيا وسكسونيا دامت منذ سنة ١٧٠٠ إلى ١٧٠٩ فانهزم السويديون والبولونيون ولجئوا إلى الأرض العثمانية فنزلوا في بندر من إقليم بسرابيا فأكرمت العثمانية مثواهم إلا أن روسيا لحقت بالمنهزمين إلى الأرض العثمانية وفي خلال ذلك دخل الأسطول الروسي إلى الأستانة فاغتاظ السلطان وأعلن الحرب عاهداً بقيادتها العامة إلى الصدر محمد باشا البلطجي وحمي وطيس القتال بين عساكر الدولة يعضدها أنا من البولونيين وبين الروس في سهول هوسكب فأركب الله القائد العثماني أكتاف العدو ولكن على القائد العثماني عاد فارتشي من كاترينا الأولى ملكة روسيا وعقد بين دولته وبين الإمبراطورية الروسية معاهدة أجحفت بحقوق أمته فعزل السلطان ونفاه إلى جزيرة لمنوس وقتل خنقاً من ارتشوا معه من رجال الدولة إذ ذاك مثل وزير الداخلية ورئيس الكتاب وغيرهما وأعلن السلطان أن هذه المعاهدة بين الدولة العلية وروسية لاغية وعاد إلى إعلان الحرب على العدو سنة ١٧١١ بقيادة يوسف باشا الصدر الأعظم فأوقفت الحرب بسعي الروس في الأستانة وعقدت معاهدة جديدة بين المتحاربين فوقع رجال روسيا على عهد الصلح ليشغلوا الدولة ويغنموا الوقت فلما أبلغوا مضمون المعاهدة للقيصر أبى الإقرار عليها فأعلن السلطان الحرب في شوال
стр. 3739
سنة ١١٢٤ ولم يظفر الروس في هذه الوقعة بالعثمانيين إلا أن وزارتي لندرا والهاي كوانتا تعضدانه على العثمانية وبولونيا والسويد وبمسعاهما أوقفت الدولة العلية الحروب ووقعت في أدرنة يوم ١٣ حزيران ١٧١٣ على معاهدة صلح إلى خمس وعشرين سنة ولم تراع فيها مصالح الدولة العلية وعادت روسيا فعقدت معاهدة أخرى مع الدولة العلية سنة ١٧٢٠ من مقتضاها أنه يحق لها التدخل في شؤون بولونيا.
توفي السلطان أحمد الثالث سنة ١١٤٩ هـ وخلفه السلطان محمود الأول فحارب الفرس واضطر إلى التخلي عن تبريز وفي سنة ١١٤٩ وقع الفرس والعثمانيون على هدنة للتفرغ الدولة العثمانية لمقاومة اعتداء روسيا والنمسا. وأزمعت روسيا أن تجتاز بجيوشها بلاد بولونيا لتداهم الأرض العثمانية فاغتاظ لذلك السلطان محمود لأنه مخالف للعهد الموقع عليها ولم يسمع الروس لاحتجاج العثمانية فحاصروا مدينة أزوف واضطرت الحكومة العثمانية أن تسوق جيشاً في ٦ صفر ١١٤٩ هـ (١٧٣٦) وكانت قد سقطت المدينة قبل أن ينجدها الجيش العثماني واستولت روسيا على أوتشاكوف وكنبورن وعلى كوزلوف وبغجة وسراي وآق مسجد من بلاد القريم وأتى الروس من الفظائع في هذه الوقائع ما سطره لهم التاريخ بأحرف من نار حتى كتب المسيو كاستلنو في تاريخه الذي قدمه إلى القيصر اسكندر الأول بشأن هذه الوقائع ما تعريبه: إن الحملة لم تولي روسيا شرفاً فإن بلاد القريم أخرقت ودمرت وربما كان مثل هذا العمل يغتفر على عهد البربر لما فطروا عليه من الجهل ولكن إحراق المدن في القرن الثامن عشر وتخريب أهم المصانع والآثار وتدمير المعابد وإبادة المدارس العامة وإدخال الظلام على العقول بإحراق خزائن كتب الأمة التي تريد الانتفاع بها في إنارة أفكارها وإلقاء الشيوخ والنساء والأولاد طعمة للنيران لا يقصد منه الحرب بل إهلاك شعب عن بكرة أبيه.
وتحالفت روسيا والنمسا محالفة دفاعية هجومية واحتالت الثانية لعقد مؤتمر مؤلف من مندوبها ومندوبي روسيا والدولة العثمانية فرأى الروس بموجب المعاهدة المبرمة أنم تلغى جميع المحالفات التي كانت أبرمت بين الدولة العلية وإمبراطورية روسيا وأن تسلم إلى هذه بلاد القريم وكوبان وجميع البلاد التي نزلها التتار ويغترف لمولدافيا وفلاخيا بأنهما إمارتان مستقلتان تحت رعاية روسيا ويعترف بأن ملوك الروس هم قياصرة وأن تدخل
стр. 3740
السفن الروسية حرة إلى البحر الأبيض بين خليجي البوسفور والدرندنيل فلم ترض الدولة بهذه الشروط المجحفة وعادت النمسا فاستجمعت قواها وحمي الوطيس في بلاد البلقان وهزم العثمانيون العدو حتى اضطر الروس إلى أن يحرقوا بأنفسهم أسطولهم في بحر أزوف لئلا يسقط في أيدي العثمانيين.
وفي سنة ١٧٣٩ عقد الصلح بواسطة فرنسا بين الدولة العثمانية من جهة ودولتي روسيا والنمسا من أخرى وأعادت النمسا بلغراد وساباكزا وسونا وغيرها وأصبح نهر الطونة والساف تخوماً بينها وبين الدولة العثمانية وقضت المعاهدة الأخيرة على روسيا أن تهدم حصون أزوف وتاكانروج وتسحب سفنها من بحر أزوف والبحر الأسود ولا تتجر إلا على السفن الأجنبية وأن تظل القريم مستقلة وتنال لقاء ذلك حرية المذهب الأرثوذكسي في المملكة العثمانية وأن تقيم لها سفيراً دائماً في الأستانة ووعد السلطان أن يمنح لقب إمبراطورة للقيصرة حنة إيفانوفنا. ولم يجر في هذه المحالفة أي ذكر لبولونيا. وكان من نتائج هذه المعاهدة أن عرف الأرثوذكس على عهد السلطان عثمان الثالث سنة ١٧٥٧ بأن روسيا تعضدهم في البلاد العثمانية فكان أول عمل لهم أن ينهبوا دير الكاثوليك في يافا وهجموا على الفرنسيسكانيين وغيرهم من الباباويين حتى في كنيسة القبر المقدس وكسروا المصابيح والآثار وغيرها وجردوا الرهبان مما كان لهم.
ولما أبى أغسطس الثالث ملك بولونيا أن يدخل مع أعداء الدولة العلية في محالفة ضدها اعترف به الباب العالي ملكاً وأرسل من قبله إلى فارسوفيا عاصمة البولونيين مندوباً سنة ١٧٣٧ وذلك على عهد السلطان عثمان الثالث وكذلك أبلغ السلطان مصطفى الثالث بعد ثلاث سنين صاحب بولونيا بجلوسه على العرش وبدأت العلائق الحسنة بين الدولة العلية وحكومة بولونيا حتى كانت الدولة تصدر أوامرها المرة بعد المرة إلى عمالها في شوسيم وبندر والى خان القريم أن لا يكدروا صفو الصلات ينهم وبين بولونيا واذا نشأ على التخوم خلاف يحلونه بالحسنى.
وأدخلت روسيا في غضون ذلك جنداً لها إلى أرض بولونيا فاعترض الباب العالي عليها فأجابته بأنها تنوي إطفاء فتنة داخلية وأن العهود تقضي بأن لا تتدخل الدولة العثمانية في الشؤون البولونية ومع هذا أصر الباب العالي فاضطرت بولونيا أن تحسم الخلاف الذي
стр. 3741
حدث بين الشعب بداعي انتخاب ملك جديد فاتحدت بولونيا على أمر بينها تحت حماية الدولة العلية حتى أن السلطان مصطفى الثالث لما ذهب إلى جامع أيوب ليتقلد سيف عثمان الأول على العادة قدم له الجند كأس مشروب على نحو ما جرت العادة فأجابهم أنه يرجو في الربيع القادم أن يشرب معهم على أسوار بندر وضفاف دينبر.
ولقد كان جل رغائب روسيا في ذاك العهد أن تقسم بلاد السويد والدولة العثمانية وبولونيا فكانت تسعى إلى ذلك بكل حيلة وتحيد عن كل محالفة كما فعلت سنة ١٧٦٧ بالاتفاق سراً مع ملك بروسيا وأدخلت جيوشها إلى بولونيا فاغتاظت الدولة العلية لذلك إذ عدت هذه مقدمة إلى جلب الدب الأكبر إلى جوارها وأعلن السلطان مصطفى الثالث الحرب على كاترينة الثانية سنة ١١٨٢ هـ.
وفي سنة ١٧٦٩ أو ١٧٧٠ حدثت بين الدولة العلية وروسيا وقائع كتب فيها الظفر للروس ولاسيما في الحرب البحرية التي هاجم فيها الأسطول الروسي الأسطول العثماني في نافارين وأحرق السفن العثمانية بقيادة ربان إنكليزي وأحرقت مدينة تشسما بالقرب من أزمير وسمع صوت القذائف إلى بعد خمسين فرسخاً إلى أزمير على بعد ستة فراسخ ودام الحريق من الساعة الواحدة والنصف بعد نصف الليل إلى الساعة السادسة صباحاً وكان ذلك في ٣ ربيع الأول سنة ١١٨٣ هـ فخسر العثمانيون خمسة عشر سفينة في كل منها ٧٤ إلى ١٠٠ مدفع وتسع سفن في كل واحدة منها من ١٥ إلى ٣٠ وعدة مراكب واستاق الروس سفينة فيها ستون مدفعاً وخمسة زوارق ودامت الحرب بين لدولتين سنة ١٧٧١ و١٧٧٢ واستولى الروس على القريم وأحبوا عقد الصلح إلا أن السلطان نشر في المحرم ١١٨٧ (١٧٧٣) منشوراً يعلن فيه الحرب على روسيا فظفر الجيش العثماني عدة وقائع في سنتي ١٧٧٣ و١٧٧٤ وردوا الروس عن تجاوز نهر الطونة والى ما وراء سيلستر وبينا النصر كان حليف أعلامهم توفي السلطان مصطفى الثالث وكان قبيل وفاته أخذ منشوراً من حكومات بروسيا والنمسا وروسيا باتفاقهن على تقسيم بولونيا تقسيماً أولياً وذلك في سنة ١٧٧٢.
وخلف عبد الحميد الأول أخاه مصطفى الثالث وفي أيامه اتفقت روسيا والنمسا على حرب الدولة العثمانية فاستوليا على أوتشاكوف سنة ١٧٨٨ وفي خلال ذلك كانت ألمانيا تحاصر
стр. 3742
بلغراد فحزن السلطان لما نال ملكه حتى مات قهراً سنة ١٧٨٩ وظل خلفه سليم الثالث يحارب تينك الدولتين ولكن ردت الجيوش العثمانية على أعقابها واستولى الظافرون على بندر وغيرها واستولى النمسويون على بلغراد وسائر مدن الطونة وفي خلال ذلك أحبت إنكلترا وبروسيا والنمسا أن تحمل روسيا على توقيف الحرب على العثمانيين لاشتغالهن بثورة فرنسا الأولى ولكن كاترينا صاحبة روسيا رأت الفرصة مناسبة لدوام الحرب وإتمام رغائبها بشأن العثمانية وبولونية إلا أن جيوش العثمانيين ظفروا في عدة مواقع بالجيش الروسي وذلك في البحر الأسود بالقرب من يكي قوله ثم بالقرب من آق ير (سباستبول) وانهزم أمير البحر الروسي في ١٨ أيلول سنة ١٧٩٠ وتبدد أسطوله بعد خمس وستين سنة في ٨ أيلول أي سنة ١٨٥٥ سقطت سباستبول أيضاً وفي خلال ذلك حدثت لروسيا ما شغلها ببولونيا فعقدت الصلح مع الدولة العلية وفي سنة ١٧٩٣ قسمت بولونيا تقسيماً ثانياً وفي سنة ١٧٩٥ قسمت تقسماً ثالثاً بين الدول الثلاث ولم تفه دولة من الدول ببنت شفة في الاعتراض على هذا العمل إلا الدولة العلية التي اعترضت على نزع استقلال بولونيا بالقول والفعل ولكتن قدر فكان واستولت روسيا وبروسيا والنم سا على بلاد البولونيين بعد مذابح يبعث فيها الأرواح بيع المجان.
ولقد عزمت حكومات أوربا سنة ١٨١٥ أن تقيم في فينا مؤتمرا دولياً لتقرير حال السياسة وسعت روسيا أن لا يقبل مندوب من الدولة العلية فنجحت في مسعاها وكان من إثر ذلك أن أخذت روسيا تحرض اليونان والصرب والبلغار من رعايا الدولة العلية على نزع أيديهم من حكومتهم فقضي في دسائسها ألوف من هذه العناصر ومن المسلمين أيضاً.
وحدثت بين سنتي ١٨٤٠ و١٨٤٨ عدة فتن داخلية في البلاد العثمانية وكذلك في بلاد الفلاخ والمجر وتدخل الباب العالي في شؤون ولايات الطونة وأهم ذلك فتنة المجر ولو جرت الدولة العلية على تحالفها مع بولونيا والمجر وعنصراها من العناصر التي تحب العثمانيين كثيراً لنجحت هي وهم من غوائل سياسية كثيرة.
قلنا أن الجولة العلية ناهضت لحفظ استقلال بولونيا بالقول والفعل وذلك على عهد مصطفى الثالث الذي أعلن الحرب على كاترينا الثانية لمجرد الدفاع عن بولونيا فبعثت الدولة الصدر محمد أمين باشا إلى تخوم نهر الطونة ودنيستر سنة ١٧٦٨ فحاولت كاترينا
стр. 3743
أن تدخل إليه السم فاكتشف المكيدة وشنق الأطباء ولكان عاد الصدر فتناول رشوة من روسيا هو وأمير موالدافيا وترجمان الباب العالي فلما اكتشف السلطان أمرهم أمر بإعدامهم في آب سنة ١٧٦٩ وأرسل الباب العالي قائداً آخر ودام القتال بين البولونيين والعثمانيين من جهة وبين الروس من جهة أخرى إلى سنة ١٧٧٠ وانتهى على ما مر بك آنفاً بتدمير الأسطول العثماني في تلك الوقعة المشؤومة.
فالمسلمون والبولونيون أصدقاء منذ عرفوا ما يكيد لهم أعداؤهم حتى أن بولونيا لم ترسل بجيش منها مع جيوش الصليبيين لما قام هؤلاء باستخلاص بيت المقدس من أيدي المسلمين. ويكفي في عناية الدولة بالبولونيين وعنايتها بالمجريين أيضاً أنها فتحت صدر بلادها لقبول المنكوبين منهم والعاملين على إنهاض بلادهم واسترجاع سلطانهم فأنزلت في أرضها على الرحب والسعة ووسدت إلى بعضهم المناصب واستعانت بهم على تقوية كلمتها الجندية والسياسية حتى أن الدولة لما أرسلت إلى مؤتمر بكرش الدولة مندوباً من قبلها في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر أعلنت بأن دول أوربا اذا رضيت بأن تعيد مملكة بولونيا إلى حالتها يعد الباب العالي علناً عن امتلاك ولاية الطونة ولذلك رأى عقلاء البولونيين أن تؤلف كتائب بولونية سنة ١٨٥٤ تحت رعاية العثمانية فتألف عسكر القوزاق وكان من كتائب الدراغون التي جاءت إلى سورية أيام فتنة ١٨٦٠ في جبل لبنان.
وكان من كتائب البولونيين في حرب القريم أن أبلوا مع العثمانيين بلاءاً حسناً ولما انتهت الحرب اقتطعتهم الدولة بعض القرى في ضواحي بروسة وأسسوا لهم بلدة في ضواحي الأستانة لا تزال إلى اليوم وقد دان بعض قوادهم بالإسلام مثل ميخائيل ساجوفسكي الذي سمي بعد محمد صادق باشا ولوبورد زاكي الذي لقب بمحمد حلمي وغيرهما من رجال البولونيين الذين أخلصوا الخدمة للدولة العثمانية. وابن محمد صادق باشا المشار إليه هو مظفر باشا متصرف جبل لبنان السابق.
وهكذا كان الأتراك والبولونيين يتحابان كلما طال المدى خصوصاً والعثمانيون يعلمون حسن معاملة البولونيين ايام استقلالهم للتار المسلمين النازلين في بلادهم ليتوانيا منذ سنة ١٤٠١ وكيف كانوا يعتمدون عليهم في الدفاع ويؤلفون منهم كتائب تغني غناءها في رد هجمات المهاجمين على بلادهم وكانت لهم حريتهم المذهبية والشخصية حتى كانت تسمح
стр. 3744
لرجالهم أن يتزوجوا من النساء البولونيات لقلة النساء عند التتار وأن يتبعن مذهب رجالهن وما قط تزوجت مسلمة من بولوني كما أنه لم يتزوج تتاري من يهودية.
وكانت بلاد بولونيا قديماً الطريق التجاري لبلاد الشرق إلى أوربا لأن بولونيا كانت أول بلاد المسلمين ولذلك ترى العادات والأذواق واحدة في البولونيين وأكثر العثمانيين وبين البلادين من لصلات التجارية شيءٌ كبير ولاسيما بعد أن زادت مدنية البولونيين ونما عددهم الذي بلغ كما قال مؤلف الكتاب الذي اعتمدنا عليه في تعريب هذه النبذة ثلاثين مليوناً وهم نازلون بحر البلطيق إلى البحر الأسود ومن نهر أودر إلى داوينا إلى دنيبر.
ذهب استقلال بولونيا منذ نحو قرن ونصف ودعاة استقلالها مازالوا منبثين في البلاد لم يدخل اليأس على نفوسهم والأب يلقن أباه والأم تلقن ولدها التناغي بالاستقلال ويعلمون أبناءهم تاريخ بلادهم وعظمتها وبطش الحكومات التي تقاسمتهم ولاسيما روسيا ويذكرون لها مذابحها وأفاعيلها فيهم فهل يوفق أولئك الدعاة الغيورون إلى ما قصدوا إليه ذات يوم أن يخضعون على الدهر لمن استصفوا أرضهم وديارهم.
إن انقضاء القرون في حياة الشعوب لا شأن له بقدر كر السنين في حياة الأفراد وما المئة سنة بالشيء الكثير على أمة تطلب التجديد ونزع ربقتها ممن يظلمها ولذلك يرجى الاستقلال لكل أمة كان لها ففقدته كالمصريين والجزائريين والهنديين وغيرهم ممن استعمرت بلادهم وأقرب الأمم باستقلال البولونيون الليتوانيون.
стр. 3745
الفصيح والعامي والعامي الفصيح
من مبحث لنعوم أفندي مكرزل صاحب جريدة الهدى اليومية في نيويورك.
ليس في اللغة العربية معجم واحد يستحق أن يدعى نجعة الرائد يوفر الشواهد وكثرة الفوائد وضبط الشوارد ولا في غير اللفظة ما يدل على إزالة الإبهام وكشف الغامض بإيراد أبيات فحول الشعراء وعبارات بلغاء المنشئين على صحة الكلمة والعبارة كما نرى في وبستر في الإنكليزية وليتره في الفرنساوية فترى أكثر الكتاب يتخرصون في ما لا يعذرون عليه ويتوهمون أن البيان في الدخيل والحوشيّ والبلاغة في العقيم والوحشيّ وأن كل من هرف عرف.
افللغة في حاجة إلى معجم تقام على كل حرف منه شواهد شعرية ون ثرية يسلم معها الذوق ويستقيم ويرد الكلام المدعو عامياً إلى أصله الفصيح ويعدل عن التقعر إلى السهل المقبول.
قد تهتأ ثوب اللغة حتى كاد يسقط من تقطعه فترى كل من تحيف بيانه عجمة وجدل عن ادعاء ومكابرة يتحف الفصيح ويستلب البليغ ويحرك خشاشه غضباً على كل ملك من اللغة عناناً وضبط لها بياناً ويكون لا يدري من أي الدهداء هو ولا يعرف له في عالم الأدب أصل أو فصل ولكنه يتوهم أن كل كلمة يقرأها ولا يفهم معناها تكون من الحوشيّ والوحشيّ!. وإن كل ما تداولته السنة العامة ساقط ي \ جب الترفع عنه وتكون الكلمة التي لا يفهمها من ابلغ ما جرت به أقلام المنشئين والشعراء إلا أنه لم يطالع ليعلم ولا تحرى ليفهم ويكون بعض ما تداولته السنة العامة من بقايا فصح اللغات العربية التي اعتورها التصحيف والتحريف وقليل من البحث يرجعها إلى أصلها ويقيم من اللسان مناداه على ما وقع من نحو خمسين عاماً أو اليوم إذ توكف المجتهدون أثر بلغاء العربية الأقدمين وتنشطوا للبحث والتنقيب وأقبلوا على التدقيق والتحقيق وقد ترجع مثابرتهم اللغة إلى رونقها الأول بعد خمسين عاماً تأتي.
وليس لنا حتى في مدارسنا الوطنية أثر للوطنية فترى في كل مدرسة سورية قد أوجبت على تلامذتها التخاطب بلغة غريبة عنهم حتى عند أول دخولهم بابها فيتسرب العقوق وشيءٌ من البله إلى قلوب وعقول هؤلاء الأولاد المساكين ويكون القائمون على تهذيبهم وتدريبهم من خونة الوطنية ومجرمي الآداب إذ كيف يعقل أن طالباً لا يفهم من الفرنساوية
стр. 3746
أو الإنكليزية أو الروسية أو الجرمنية كلمة يكلم رفيقه بإحداهن قبل انقضاء الأعوام عليه وكيف يقبل السوريون مثل هذه الشريعة الشريعة المدرسية الظالمة التي تكم فم التلميذ وتعوده الخيانة اضطراراً لقضاء حاجاته الضرورية وتنشئه على حب لغة غير لغته ووطن غير وطنه ولو أن المدارس السورية توجب التخاطب بلغة أجنبية في ساعة واحدة معينة للتلاميذ لكان إيجابها معذوراً وإن لم يكن له مثيل في أي مدارس أوروبا وأميركا وإنما هو الاحتقار يركب الطلاب! والمدرسة التي لا تصان فيها اللغة الوطنية تكون عدوة الشعب ولو كان منشؤها من الصرحاء.
إن البلاء ليس في الادعاء وحده بل في اختزال كل منا رأيه والتصرع والتصاغر للأجنبي والتمروء الظاهر تكلفه والتفوق البادي تحيفه مع الوطني وريح التخاذل حتى في اللغة تنجف كل ذروة باقية في جرفها وتحتمل كل درة كنا نعرفها قبل عصفها ولله في تدابيره شؤون.
وهناك آفة جديدة على اللغة من إهمال معاجمها المعروفة وعدم تنقيحها وتصحيحها وإدخال الموضوعات الحديثة إليها ففي أي معجم نرى تفسيراً عصرياً للمجهر والندي والرعاد والمنطاد مثلاً أو جمعاً لشتات ما أجمع على صحته المحققون أو توسعاً في الاشتقاق والنحت والقلب والإبدال والتركيب والإدغام مما لا غنى عنه في لغة حية بل نرى أن كل معجم يطبع حديثاً يجرد من الكثير من أصوله بدوى حفظ آداب الناشئة وصون أخلاقها. فليكن ذلك. ولكن بعد بذل شيءٍ من العناية لزيادة الضروري للكبار كإنقاص الضروري للصغار.
الفيلسوف اللغوي يجد في كل معجم لغوي حديث زيادة جديدة وشروحاً مفيدة إلا في العربية الباقية كالرسوم الدوارس مع تعداد المدارس. وترى المثقفين والمهذبين ينشرون صفحات الحريري والبديع ومجمع البحرين وأمثالهما لإشراب الطلبة روح المخادعة والمصانعة والجبانة والخيانة والحيلة والرذيلة على غير قصد منهم أو بقصد استظهار الشوارد والأوابد ويطوون صفحات كل كتاب يكون أفيد وأعود وأنفع وأرفع لأنهم لا يزالون كالفلاحين الشرقيين محافظين على المحاريث القديمة.
ومن عيوب العربية إيراد جموع لا مفرد لها وأفعال لا مصدر ولا ماضي لأحدها. فهل
стр. 3747
تقبل فلسفة اللغة شيئاً من هذا؟ وهل يعقل أن واضعي اللغة ينو كلاً من غير أجزءا؟ إننا لا ننسب هذا الخلل إلا إلى المدعي المحافظة على سلامة اللغة أو يكونون يحافظون على قديم عقيم لا يسلم به عقل سليم.
وفي اللغة عيوب كثيرة ألصقها بها غير الراسخين ونظن أنها أوان النهضة الأدبية قد آن وأنه يجب أن يعلن دستور اللغة كما أعلن دستور الحكومة.
أنا مورد الآن ما وردني من العامي الفصيح للغاية التي بسطتها في التوطئة:
تواً_اسأل عجوزاً أو شيخاً أن يدلك على بيت أو طريق في لبنان فيقول لك اذهب تواً ويشير بإصبعه والكلمة فصيحة من قولهم جاء تواً أي قاصداً لا يعرجه شيء.
بربص_يقال بربص الأرض إذا أرسل فيها الماء لتجود أو بقرها أو سقاها سقياً روياً وهو المعنى الذي تستعمل العامة كالكلمة له في بعض السواحل والقرى الغزيرة المياه أما في سائر لبنان فيفهمون البربصة رش الماء أمام البيوت والحوانيت وليس في المعنى شذوذ.
دعث_الدعث هو تدقيق الرجل التراب على وجه الأرض بالقدم.
ودعس_وقريب مه دعس الشيء إذا وطئه شديداً والغريب أن أكثر الصحافيين يعتبرون دعس عامية وأن الكتاب لا يستعملونها لزعمهم أن المعنى عامي غير تام أما دعث فلا يذكرها أحد منهم مع أن القرويين يستعملونها للرص ويقولون عن الأرض المدوسة مدعوثة وعن السطح التي تكف: يجب دعسها أو دعثها. فليتأمل القارئ.
دعك_كلمة فصيحة ويقال دعك: الثوب إذا ألان خشنته إلا أن متفرنجي اللغة لا يرون في الكلمة فصاحة فيستملون أخلق وهي لا تدل على شيءٍ من الدعك بل على البذ والإرثاث.
دعر_يقول العرب: عود دعر نخر للرديء الكثير الدخان ويفهمون الدعارة (بتشديد الراء) سوء الخلق ويقولون دعر العود إذا دخن ولم يتقد وتقول العامة رجل دعر إذا كان متصلباً جافياً وهو من المجاز الذي لا غنى عنه إلا من الناس من لا يريد أن يمتد نظره إلى أبعد من أرنبة أنفه.
دغري_في محيط المحيط أن الدغري تحريف الطوغري بالتركية ومعناه الصحيح والمستقيم فلماذا لا يرجع إلى الاشتقاق العربي فيكون معناه الاقتحام من غير تثبت وهو المعنى الذي يريده أكثر العامة إذ يقولون: اذهب دغري وذهب دغري إلى البيت وإذا وجد
стр. 3748
اختلاف فمما لا يعتد له.
الثغرة_يلفظ أكثر اللبنانيين الثاء بين لفظها الأصلي ولفظ التاء أو الطاء فيقولون انثغرت الثغرة ويستعملون الكلام الفصيح في المواضع التي لا يحسن كثير من الكتاب هذه الأيام استعماله فيها ولا عبرة باللفظ الذي يفسد المعنى_لو كان اللفظ يفسد معنى الكلمة لكانت اللغة الإنكليزية فاسدة في أكثر كلامها بين اللفظ الإنكليزي والأميركي والكندياني والأسترالي.
الثلم_خط المحراث ويريد البعض جعله غير فصيح من طريقة لفظه التي أشرنا إليها في الثغرة.
أحزك الحمل_شده جيداً والمكارون يستعملون هذه الكلمة الفصيحة التي لا ترضي البعض مع أن معنى حزكه عصبه وضغطه واحتزك بالثوب واحتزم.
بلصقي_اللبناني يقول: بلصقي أي بجنبي ولا يوجد أصح من هذا التعبير للمعنى المراد إلا أن استعمال العامة له جعله عند بعض الناس غير عربي كما جعل بعض الفضائل مستحى بها إلا أن أصحابنا هؤلاء ينظرون إلى الكلام نظرهم إلى المصنوعات الوطنية التي ليس لأنفسها وأدقها قيمة عندهم ولو استطاعوا أن يعاضوا عن هواء سورية العليل بهواء معل بشرط أن لا يكون وطنياً لما ترددوا.
مزعه_مزقه والكلمة عربية وعلى لسان كل لبناني.
شلخه_هبره بالسيف وجريمة العامة أنها تستعمل الشلخ للمدية والمنجل إلا أن المنتشرين على أطراف الجبل والمضطرين إلى منازلة ومقاتلة المغيرين والغزاة يقولون شلخه بالسيف.
حزّ_وعلى ذكر الشلخ نقول أن نصيب حز من (المتعصرين_ونريد بهم الذين يدعون نفوسهم عصريين بلغتنا العامية) ليس أفضل من نصيب شلخ. بقال:
حز الشيء قطعه وفي فقه اللغة للثعالبي أنه خاص بالحمم إلا أن العرب تقول حز الخشبة فرضها والعامة تقول: حزز المنشار جعل فيه أشراً ونقول أيضاً الحز للقطع والحز للقطعة ولا نرى ما يعاب به الاشتقاق.
حش_قطع الحشيش أو طلبه وجمعه والكتاب يؤثرون استعمال قطع الحشيش على حشه مع
стр. 3749
أن الكلمة الأصلية لا يصح غيرها لمعناها.
القلت_النقرة في الصخر يجتمع فيها الماء واصلها لنقرة الجبل يستنقع فيها الماء ويستعملها الأولاد من العامة صحيحة دون أكثر الكتاب.
غطغط_غلب النوم عليه هذا هو المعنى الأعم عند العامة ويأتي بعده معنى غليان القدر فلو قام منشئ بليغ واستعمل الكلمة لقال المنعصرون عنه أنه يأتي بالوحشي والحوشي أو أن الكلمة دخيلة لأنهم هكذا يريدون أو هكذا يفهمون.
زلق_زلقت قدمه زلت. والزلقة الصخرة الملساء وبها سميت قرية في ساحل بيروت وفي التسمية دلالة على أن اللسان العربي كان في بلادنا فصيحاً ولا تزال الآثار تشهد له إلا أن من نكد الدنيا عليه أن عار فيه_بروحه لا بلفظه_غير كثار وأن جاهلية مع الإدعاء بمعرفته جيش جرار.
زحل_عن مكانه تنحى وتباعد.
زحلقه_دحرجة ومنه تزحلق الأولاد في مطاوعه.
شخر_صات من حلقه أو أنفه ولا نريب ما يجعل الكلمة غير فصيحة في استعمالها للغطيط.
قفقف_في معاجم اللغة: قفقف الرجل ارتعد من البرد وغيره واضطرب حنكاه واصطكت أسنانه وهو المعنى الذي تستعمله العامة له تماماً إلا أن هناك م عنى آخر لم نعثر عليه في المتون وإنما ورد رواية وإسناداً في لسان العرب: قفقت الدجاجة على بيضها حضنته واستعمال الكلمة شائع في لبنان للمعنيين فهل أغرب من هذا النقص في معاجم اللغة.
وخش_الشيء كان وخشاً أي رديئاً وهذا هو لمعنى الذي تريده العامة من الوخش ضد الناعم لأنهم لا يحصون الأشياء فقط به بل يتنازلون بمعناه رذائل الناس وخشارتهم ويصيبون بكل فصاحة.
طم=بالتراب دفن وغطى.
كب=أفرغ.
طرقه_طريق.
من الحاضر_من الجاهز.
стр. 3750
بتكه قطعه تشديد للمبالغة.
بت_الأمر أمضاه.
بربر=صاح وأجلب وتكلم بألفاظ وحشية.
قرقر=شقشق (حاجي تقرقر وتبربر).
وكل كلمة مما مر واجبة الاستعمال في موقعها إذ ليس ما يسد مسدها.
القز=في محيط المحيط إن العامة تستعمل القز لما غزل من الفيالج المبيضة فهل هي تستعملها إلا لما استعملها الشاعر القائل:
يرفلن في سرق الحرير وقزه؟.
راز وروز=يقال رازه جربه وامتحونه وقدره وراز الرجل اختبره قال الحريري:
لا تسال المر من أبوه ورز ... خلاله ثم صله أو فأصرم
وروز كرمه روأ في تقديره وترتيبه فمات قول المتفرنجين!
نتش_نتش اللحم جذبه قرصاً والشعر نتفه.
النتفة=ما تنتفه بأصابعك والفعل نتف بمعى نزع. يرى المتروي أن معنى العامة في محله وإن أنكر المنكرون وعلى هذا المثال ثفل وثفل.
نش=الغدير أخذ ماؤه في النضوب وهو المعنى المستعمل له النش عند العامة أكثر من الحلب والنز. والنز من العامي الفصيح وهو النجل أو الماء المتحلب من الأرض.
بقبق_من من السوريين لم يسع هذه الكلمة؟ تقول العامة فلان بقبق أي يهذر وفي المعاجم أن البقبقة تفريغ الكلام على الناس وربما كانت فلسفة الكلمة في المعنى العامي الذي يتناول معنى الهذر والشقشقة والغموض.
وهم يقولون أيضاً عند إنزالهم الجرة في حوض أو الدلو في بئر أن الماء يبقبق فليطلب الأدباء الأصل لتثبت لهم فصاحة الكلمة.
قرفة_يقال بنو فلان قرفتي أي هم الذين أظن عندهم طلبتي وسل بني فلان عن ناقتك فإنهم قرفة أي تجد خبرها عندهم والعامة تستعمل الكلمة كالقراف والمقارفة مصدري قارف أي قارب.
وقراف من لا يستفيق دعارة ... يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
следующие страницы →