← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

أو الإنكليزية أو الروسية أو الجرمنية كلمة يكلم رفيقه بإحداهن قبل انقضاء الأعوام عليه وكيف يقبل السوريون مثل هذه الشريعة الشريعة المدرسية الظالمة التي تكم فم التلميذ وتعوده الخيانة اضطراراً لقضاء حاجاته الضرورية وتنشئه على حب لغة غير لغته ووطن غير وطنه ولو أن المدارس السورية توجب التخاطب بلغة أجنبية في ساعة واحدة معينة للتلاميذ لكان إيجابها معذوراً وإن لم يكن له مثيل في أي مدارس أوروبا وأميركا وإنما هو الاحتقار يركب الطلاب! والمدرسة التي لا تصان فيها اللغة الوطنية تكون عدوة الشعب ولو كان منشؤها من الصرحاء. إن البلاء ليس في الادعاء وحده بل في اختزال كل منا رأيه والتصرع والتصاغر للأجنبي والتمروء الظاهر تكلفه والتفوق البادي تحيفه مع الوطني وريح التخاذل حتى في اللغة تنجف كل ذروة باقية في جرفها وتحتمل كل درة كنا نعرفها قبل عصفها ولله في تدابيره شؤون. وهناك آفة جديدة على اللغة من إهمال معاجمها المعروفة وعدم تنقيحها وتصحيحها وإدخال الموضوعات الحديثة إليها ففي أي معجم نرى تفسيراً عصرياً للمجهر والندي والرعاد والمنطاد مثلاً أو جمعاً لشتات ما أجمع على صحته المحققون أو توسعاً في الاشتقاق والنحت والقلب والإبدال والتركيب والإدغام مما لا غنى عنه في لغة حية بل نرى أن كل معجم يطبع حديثاً يجرد من الكثير من أصوله بدوى حفظ آداب الناشئة وصون أخلاقها. فليكن ذلك. ولكن بعد بذل شيءٍ من العناية لزيادة الضروري للكبار كإنقاص الضروري للصغار. الفيلسوف اللغوي يجد في كل معجم لغوي حديث زيادة جديدة وشروحاً مفيدة إلا في العربية الباقية كالرسوم الدوارس مع تعداد المدارس. وترى المثقفين والمهذبين ينشرون صفحات الحريري والبديع ومجمع البحرين وأمثالهما لإشراب الطلبة روح المخادعة والمصانعة والجبانة والخيانة والحيلة والرذيلة على غير قصد منهم أو بقصد استظهار الشوارد والأوابد ويطوون صفحات كل كتاب يكون أفيد وأعود وأنفع وأرفع لأنهم لا يزالون كالفلاحين الشرقيين محافظين على المحاريث القديمة. ومن عيوب العربية إيراد جموع لا مفرد لها وأفعال لا مصدر ولا ماضي لأحدها. فهل

стр. 3747

تقبل فلسفة اللغة شيئاً من هذا؟ وهل يعقل أن واضعي اللغة ينو كلاً من غير أجزءا؟ إننا لا ننسب هذا الخلل إلا إلى المدعي المحافظة على سلامة اللغة أو يكونون يحافظون على قديم عقيم لا يسلم به عقل سليم. وفي اللغة عيوب كثيرة ألصقها بها غير الراسخين ونظن أنها أوان النهضة الأدبية قد آن وأنه يجب أن يعلن دستور اللغة كما أعلن دستور الحكومة. أنا مورد الآن ما وردني من العامي الفصيح للغاية التي بسطتها في التوطئة: تواً_اسأل عجوزاً أو شيخاً أن يدلك على بيت أو طريق في لبنان فيقول لك اذهب تواً ويشير بإصبعه والكلمة فصيحة من قولهم جاء تواً أي قاصداً لا يعرجه شيء. بربص_يقال بربص الأرض إذا أرسل فيها الماء لتجود أو بقرها أو سقاها سقياً روياً وهو المعنى الذي تستعمل العامة كالكلمة له في بعض السواحل والقرى الغزيرة المياه أما في سائر لبنان فيفهمون البربصة رش الماء أمام البيوت والحوانيت وليس في المعنى شذوذ. دعث_الدعث هو تدقيق الرجل التراب على وجه الأرض بالقدم. ودعس_وقريب مه دعس الشيء إذا وطئه شديداً والغريب أن أكثر الصحافيين يعتبرون دعس عامية وأن الكتاب لا يستعملونها لزعمهم أن المعنى عامي غير تام أما دعث فلا يذكرها أحد منهم مع أن القرويين يستعملونها للرص ويقولون عن الأرض المدوسة مدعوثة وعن السطح التي تكف: يجب دعسها أو دعثها. فليتأمل القارئ. دعك_كلمة فصيحة ويقال دعك: الثوب إذا ألان خشنته إلا أن متفرنجي اللغة لا يرون في الكلمة فصاحة فيستملون أخلق وهي لا تدل على شيءٍ من الدعك بل على البذ والإرثاث. دعر_يقول العرب: عود دعر نخر للرديء الكثير الدخان ويفهمون الدعارة (بتشديد الراء) سوء الخلق ويقولون دعر العود إذا دخن ولم يتقد وتقول العامة رجل دعر إذا كان متصلباً جافياً وهو من المجاز الذي لا غنى عنه إلا من الناس من لا يريد أن يمتد نظره إلى أبعد من أرنبة أنفه. دغري_في محيط المحيط أن الدغري تحريف الطوغري بالتركية ومعناه الصحيح والمستقيم فلماذا لا يرجع إلى الاشتقاق العربي فيكون معناه الاقتحام من غير تثبت وهو المعنى الذي يريده أكثر العامة إذ يقولون: اذهب دغري وذهب دغري إلى البيت وإذا وجد

стр. 3748

اختلاف فمما لا يعتد له. الثغرة_يلفظ أكثر اللبنانيين الثاء بين لفظها الأصلي ولفظ التاء أو الطاء فيقولون انثغرت الثغرة ويستعملون الكلام الفصيح في المواضع التي لا يحسن كثير من الكتاب هذه الأيام استعماله فيها ولا عبرة باللفظ الذي يفسد المعنى_لو كان اللفظ يفسد معنى الكلمة لكانت اللغة الإنكليزية فاسدة في أكثر كلامها بين اللفظ الإنكليزي والأميركي والكندياني والأسترالي. الثلم_خط المحراث ويريد البعض جعله غير فصيح من طريقة لفظه التي أشرنا إليها في الثغرة. أحزك الحمل_شده جيداً والمكارون يستعملون هذه الكلمة الفصيحة التي لا ترضي البعض مع أن معنى حزكه عصبه وضغطه واحتزك بالثوب واحتزم. بلصقي_اللبناني يقول: بلصقي أي بجنبي ولا يوجد أصح من هذا التعبير للمعنى المراد إلا أن استعمال العامة له جعله عند بعض الناس غير عربي كما جعل بعض الفضائل مستحى بها إلا أن أصحابنا هؤلاء ينظرون إلى الكلام نظرهم إلى المصنوعات الوطنية التي ليس لأنفسها وأدقها قيمة عندهم ولو استطاعوا أن يعاضوا عن هواء سورية العليل بهواء معل بشرط أن لا يكون وطنياً لما ترددوا. مزعه_مزقه والكلمة عربية وعلى لسان كل لبناني. شلخه_هبره بالسيف وجريمة العامة أنها تستعمل الشلخ للمدية والمنجل إلا أن المنتشرين على أطراف الجبل والمضطرين إلى منازلة ومقاتلة المغيرين والغزاة يقولون شلخه بالسيف. حزّ_وعلى ذكر الشلخ نقول أن نصيب حز من (المتعصرين_ونريد بهم الذين يدعون نفوسهم عصريين بلغتنا العامية) ليس أفضل من نصيب شلخ. بقال: حز الشيء قطعه وفي فقه اللغة للثعالبي أنه خاص بالحمم إلا أن العرب تقول حز الخشبة فرضها والعامة تقول: حزز المنشار جعل فيه أشراً ونقول أيضاً الحز للقطع والحز للقطعة ولا نرى ما يعاب به الاشتقاق. حش_قطع الحشيش أو طلبه وجمعه والكتاب يؤثرون استعمال قطع الحشيش على حشه مع

стр. 3749

أن الكلمة الأصلية لا يصح غيرها لمعناها. القلت_النقرة في الصخر يجتمع فيها الماء واصلها لنقرة الجبل يستنقع فيها الماء ويستعملها الأولاد من العامة صحيحة دون أكثر الكتاب. غطغط_غلب النوم عليه هذا هو المعنى الأعم عند العامة ويأتي بعده معنى غليان القدر فلو قام منشئ بليغ واستعمل الكلمة لقال المنعصرون عنه أنه يأتي بالوحشي والحوشي أو أن الكلمة دخيلة لأنهم هكذا يريدون أو هكذا يفهمون. زلق_زلقت قدمه زلت. والزلقة الصخرة الملساء وبها سميت قرية في ساحل بيروت وفي التسمية دلالة على أن اللسان العربي كان في بلادنا فصيحاً ولا تزال الآثار تشهد له إلا أن من نكد الدنيا عليه أن عار فيه_بروحه لا بلفظه_غير كثار وأن جاهلية مع الإدعاء بمعرفته جيش جرار. زحل_عن مكانه تنحى وتباعد. زحلقه_دحرجة ومنه تزحلق الأولاد في مطاوعه. شخر_صات من حلقه أو أنفه ولا نريب ما يجعل الكلمة غير فصيحة في استعمالها للغطيط. قفقف_في معاجم اللغة: قفقف الرجل ارتعد من البرد وغيره واضطرب حنكاه واصطكت أسنانه وهو المعنى الذي تستعمله العامة له تماماً إلا أن هناك م عنى آخر لم نعثر عليه في المتون وإنما ورد رواية وإسناداً في لسان العرب: قفقت الدجاجة على بيضها حضنته واستعمال الكلمة شائع في لبنان للمعنيين فهل أغرب من هذا النقص في معاجم اللغة. وخش_الشيء كان وخشاً أي رديئاً وهذا هو لمعنى الذي تريده العامة من الوخش ضد الناعم لأنهم لا يحصون الأشياء فقط به بل يتنازلون بمعناه رذائل الناس وخشارتهم ويصيبون بكل فصاحة. طم=بالتراب دفن وغطى. كب=أفرغ. طرقه_طريق. من الحاضر_من الجاهز.

стр. 3750

بتكه قطعه تشديد للمبالغة. بت_الأمر أمضاه. بربر=صاح وأجلب وتكلم بألفاظ وحشية. قرقر=شقشق (حاجي تقرقر وتبربر). وكل كلمة مما مر واجبة الاستعمال في موقعها إذ ليس ما يسد مسدها. القز=في محيط المحيط إن العامة تستعمل القز لما غزل من الفيالج المبيضة فهل هي تستعملها إلا لما استعملها الشاعر القائل: يرفلن في سرق الحرير وقزه؟. راز وروز=يقال رازه جربه وامتحونه وقدره وراز الرجل اختبره قال الحريري: لا تسال المر من أبوه ورز ... خلاله ثم صله أو فأصرم وروز كرمه روأ في تقديره وترتيبه فمات قول المتفرنجين! نتش_نتش اللحم جذبه قرصاً والشعر نتفه. النتفة=ما تنتفه بأصابعك والفعل نتف بمعى نزع. يرى المتروي أن معنى العامة في محله وإن أنكر المنكرون وعلى هذا المثال ثفل وثفل. نش=الغدير أخذ ماؤه في النضوب وهو المعنى المستعمل له النش عند العامة أكثر من الحلب والنز. والنز من العامي الفصيح وهو النجل أو الماء المتحلب من الأرض. بقبق_من من السوريين لم يسع هذه الكلمة؟ تقول العامة فلان بقبق أي يهذر وفي المعاجم أن البقبقة تفريغ الكلام على الناس وربما كانت فلسفة الكلمة في المعنى العامي الذي يتناول معنى الهذر والشقشقة والغموض. وهم يقولون أيضاً عند إنزالهم الجرة في حوض أو الدلو في بئر أن الماء يبقبق فليطلب الأدباء الأصل لتثبت لهم فصاحة الكلمة. قرفة_يقال بنو فلان قرفتي أي هم الذين أظن عندهم طلبتي وسل بني فلان عن ناقتك فإنهم قرفة أي تجد خبرها عندهم والعامة تستعمل الكلمة كالقراف والمقارفة مصدري قارف أي قارب. وقراف من لا يستفيق دعارة ... يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب

стр. 3751

إلا أن أصل المقارفة للأشياء الدنيئة وما لا شك فيه أن التعميم الذي جرت عليه العامة ناتج عن المخالطة المفسدة للغة إلا أن غرضي الآن هو إثبات صراحة أكثر الكلمات الدارجة وإذا وجد في بعضها خلل فذلك من جهل المدعين فوق ما هو من مخالطة الأعاجم أما ترون كيف تستدرك العامة المعنى بقولها: مقارفة التاجر الفلاني حسنة والآخر رديئة فروح اللغة لا تزال فيهم وهم أفيد لها من الذين لا يفهمون ولا يريدون تفهم معنى الكلام. قرف_تقول العامة قرف قمعة الشجرة أي انتزعها والأصل القشر. تـ هذا مثل التف عندي مثل وسخ وقد لا تكون العامة تفهم أن التف هو وسخ الظفر إلا أنها أنها شيءٌ لا يعبأ به وتستعمل الكلمة فصيحة. تفه_أصل هذه الكلمة تفه وفساد لفظها لا يفسد معناها فهي فصيحة يجب استعمالها على حد ما تستعملها العامة بعد إقامة اللفظ فهي تقول: شيء تفه وأمر تفه وكلام تفه وقولها صحيح فصحى. هبط_لازم متعد يقال هبط بمعنى سقط وهبطه بمعنى إنزاله وأكثر استعمال العامة للفظ مشدوداً فهم يقولون هبط الحائط فأين المأخذ؟ مسماك_المسماك عود يكون في الخباء يمسك به البيت أي يرفعه قال ذو الرمة الثقفي: كأن رجليه مسماكان من عشر ... صقبان لم تتقسم عنهما النجب والكلمة مستعملة عند القرويين بمعناها الوضعي إلا أنهم يستعملونها لرفع الكرم أيضاً ويظن البعض أنها لا تعود فصيحة فعلى هذا المذهب الغريب لا يجوز لنا أن نضع للجامحين شكيمة ولا أن نلقي إلى الأكفاء مقاليد الأمور. إن بلية اللغة في أبناءها المقيدين لأنهم مقيدون ولما كنا نبحث في المسماك فلا بأس في استعمال الكلمة العامية الفصيحة من أن كل من لا يكون لطيفاً يكون بالطبع سميكاً. هبج_هبجه بالعصا ضربه وهبجه ورمه وتهبج تورم وبما أن العامة تستعمل الفعل بمجرد ومزيده لم يعد عند المنشئين فصيحاً. هبش وهمش_لينظر العارفون إذا كان معنى الجمع والالتقاط تاماً أو لا. جرس_المنشئون يستعملون شهر والعامة تستعمل جرس للتسميع بالناس وإشهار عيوبهم ونوقائصهم والكلمة العامية أصح وأوقع.

стр. 3752

ما هذه الجرسة!. هاش_لا تلفت يا قارئي إلى هوش الكلاب وتهويشهم فإن أبناء العربية آخذون بخناقها وإنما نذكر قول العامة: الناس هائشون وقولهم: هم في هوشة وكانوا يتهاوشون للدلالة على الهرج والهيج والفتنة والفساد والاختلاط وتذكر في الوقت نفسه أن الكلمة عربية فصيحة وأن الهوش والبوش من فصيح اللغة أيضاً وإنه لا ينقصنا إلا التحقيق. الكلمات التالية كلها من فصيح العربية المحسوبة عامياً. الشلشلة القطران والانتشار_التمشير للرفع والتقليص_قش الشيء جمعه والأولاد والنساء في لبنان يقولون: نحن ذاهبون إلى الحقل أو الحرج نقش الوقود_هارش واثب وخارش للناس والكلاب والشيء بالشيء يذكر فالعامة تقول رجل هرش للشيخ ولنا فعل هرش الرجل يهرش إذا ساء خلقه فإذا كانت كلمة هرش عربية فهرش مصحفة وهل أقدر الأئمة لا يلحنون؟ _لازق لاصق_ولصقي ولصق بيتي بجانبي وجانبه_الهتيكة الفضيحة وهي في لسان العرب دون الفروز ىبادي ومحيط المحيط_حاص حوله أي حام_نعر صوت بخيشومه وصاح: كفى تنعر وفلان ينعر_رزه غرزه والشيء في الشيء أثبته: رز الوتد ورز العدل والمد والجراب. صول الحنطة والكلس_عزوة الرجل_نتفةٌ ونتَفه ونتَّفه_الولفْ_خارت قوته أي ضعفت_عزره لأمه ووبخه_الولودية الصغر_خنخن لم يبين ك لامه أي أبدى خنه أو غنه في خياشيمه_خنفس على القوم. كرههم وعدل عنهم ومنه فلان مختنفس والولد مخنفس. تفاصح تكلف الفصاحة_فلتة لسان وفلت لسانه_السحت الكسب من مال الحرام_نكس رأسه طأطأه_تعوق تأخر وتريث_يسرها الله: سهلها_طعمه مز: فيه مزازة أو طعم بين الحلاوة والحموضة قال الحريري: لا أبالي من أي كاس تفوق ... م ت ولا ما حلاوة من مزازة همدت النار: ذهبت حرارتها أطفأت البتة_نصت وتنصت: سكت مستمعاً وتسمع_خبص الشيء بالشيء خلطه وخبصه للمبالغة_الخبتة: التواضع والخشوع_تزنتر: تبختر وهي فصيحة إلا أن العامة تكره التزنتر والتبختر. حت: حك وقشر_خبطه: ضربه ضرباً شديداً. تبقط_تقول العامة: فلان يتبقط والمعنى انه يتناول الشيء قليلاً قليلا أو شيئاً شيئا إلا أن استهزاء جهلة المتعلمين بالعامة يجعل الكلام الفصيح غير فصيح عند الأغبياء دون سواهم.

стр. 3753

قرفص_من اين اتت القرفصاء التي هي أنت يجلس الرجل على إليته وبلزق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه إذا كان لا يوجد لها فعل بمعناها فإن قول العامة قرفص يدل على القرفصاء إلا أن المعاجم تنكر هذا المعنى مع وضوحه. أنشد أبو المهدي: لو امطخت وبراً وضبتا ... ولم تنل غير الجمال كسبا ثم جلست القرفصاء منكباً ... تحكي أعاريب فلاة هلبا ثم اتخذت اللات فينا ربا ... ما كنت إلا نبطياً قلبا إلا أن العربية في حاجة إلى التحقيق والتدقيق. انظر إلى فرع آخر من هذا الأصل فإنهم يدعون اللصوص المتجاهرين قرافصة لأنهم يقرفصون الأسير أي يشدون يديه تحت رجليه إلا أنهم لم يذكروا يا أخي للجمع مفرداً والجموع التي لا مفرد لها غير قليلة فهل هذا معقول؟!. نبر_من معواني نبر المعنى الذي اتخذته العامة لرفع الصوت. أنشد اللحياني: إني لأسمكع نبرة من قولها ... فيكاد أن يفغشى علي سرورا فلماذا لا تكون الكلمة فصيحة. لا ندري!. نهر_بالله يا ابناء العربية ما هذه الفوضى! تقولون نهر السائل وانتهره زجره والعامة تستعمل المعنى نفسه إلا بعضها للنداء عن توسع وما يثبت وجود معنى الزجر في نهر العامة أنها لا تستعمل الكلمة إلا عند الحدة والشدة فمفسدو اللغة هم اكثر حملة الأقلام لا العامة التي لا تزال محافظة على ما لا يحافظ عليه أكثر الدارسين. وقريب من نهر نده. تحوج_متى ذهب الناس في طلب الحاجات يقولون نحن ذاهبون نتحوج وكذلك يقولون عند شراء حوائج العروس ومع ذلك تعتبر هذه الكلمة عامية عن غير تروِ إذ ما هي بضاعة التاجر غير حاجته وجهاز العروس غير حاجتها؟ خش_أهلاً وسهلاً خش. أي ادخل وخشت الحية في الحائط دخلت والكلمة من الفصيح. هتَّ_بماذا هتني تعيرني وتحط مرتبتي ومنزلتي. مقمق_يجب أن يكون لنا من معنى التكلم بأقصى الحلق هذا الفعل بدليل وجود اسم فاعل منه وهو المقامق إلا أن معاجم اللغة لا تشير إلى شيء من هذا أو أن النقص الظاهر فيها تكمله العامة بقولها: فلان يشقشق ويمقمق فليزجع المنقبون إلى المتون ويعتبروا.

стр. 3754

طاح_ذهب وتاه في الأرض ومنه الطائح عند العامة لفار من وجه الحكومة ولا يوجد كلمة أدل على المعنى فيجب استعمالها. أنثم الجسم_قلنا أن بعض لفظ العامة غير صحيح إلا أن كلامهم فصيح ومن الشواهد أنثم الجسم أي ذاب وضعف وبعض الدروز في لبنان لا يزالون يلفظون الكلمة على حقها ولا يبدلون الثاء سيناً وشيء من العناية يرجع إلى اللغة رونقها ولو أن الحكومة تقيم الأئمة لإقامة الكلام واللفظ لكانت تخدم البلاد والعباد مازالت مدارسنا توجب على التلاميذ التخاطب بلغة أجنبية ولا توجب عليهم التخاطب ولو لساعة بفصيح لغتهم كأن التخاطب بفصيح العربية عار وبفصيح سائر اللغات فخار. وقوق_من فصيح اللغة أن الوقواق المكثار الوقواقة المهذارة. قال أبو البدر المسلمي: إن ابن ترنى أمته وقوافه ... تأتي تقول البوق والحماقة إلا أن المعاجم لا تذكر الفعل إلا لنباح الكلب واخلاط صوت الطير وعندي أن الكلمة على ما تستعملها العامة صحيحة فصيحة إذ كيف يقولون وقواق ووقواقة ولا يقولون وقوق بمعناهما ثم أن العامة تستعمل القوقة في التهكم كأنها تقول أن فلاناً يخلط ويلت فإذا رفض اللغويون إلا التقيد بسلاسل التقليد البليد فلا أقل من التسليم بصحة المجاز. لت_ثم أن اللت هو الخلط فلماذا يجوز لنا الخلط واعتبراه فصيحاً ولا يجوز لنا استعمال اللت وهو بمعناه. فكم أنت مظلومة ايتها العامة. فقع_مات من شدة الحر والعامة تقول فقع ومات مع تخصيص المعنى بالهم والغم إلا أن المراد ظاهر حوادث الفقع في حمارة الصيف كثيرة في أمهات مدن الولايات ويجب استعمال الكلمة إلا من مفاقيع اللغة. تصيع الرجل=ضل. من تصيع الماء اضطرب على وزجهه وفي الحرب معنى التفرق بتردد وتحير فلماذا لا نتوسع في اللغة كما توسع العرب قبلنا. المداس=الحذاء الحذاء الذي يلبس في الرجل والمتفرنجون يفضلون الستيك والصباط والجزمة لأن المداس ستعمل من العامة فكأنهم يحاولون إظهار تفوقهم بنبذ أصح الكلمات العربية لا لحجة إلا أن الكلمة من غير زيهم الحديث. حبك فلاناً=دلك حنكه والغريب أن الكلمة تعد عامية متى استعملت لدلك القابلة حلق الطفل

стр. 3755

قبل أن يرضع فإذا كان معنى الدلك موجوداً فأين العامية في الكلمة وهي على فصاحتها. ابعط في كلامه: لم يرسله على وجهه قال رؤبة: وقلت أقوال امرئء لم يبعط ... أعرض عن الناس ولا تسخط وأبعط في السوم تباعد وتجاوز القدر قال حسان: ونجى أراهط ابعطوا ولو أنهم ... ثبتوا لما رجعوا إذاً بسلام سفق_سفقه بالكف: لطمه قال أبو منصور سفقت الباب واسفقته أجفته وسفق وجه الرجل لطمه فاستعمال العامىة لسفق في محله. دمشق_الشيء زينه. قال أبو نخيلة: دمشق ذاك الصخر المصخر وهذا هو المعنى العامة: شاب مدمشق وقام مدمشقاً. دلق_تروى في المعاني التالية، تد \ لق السيل عليه واندلق هجم واندفع_اندلق الشيء خرج من مكانه وكل ما ندر خارجاً فقد اندلق ويقال: طعنه فاندلقت اقناب بطنه أي خرجت أمعاءه ودلق وأدلق السيف أخرجه فأي جريمة لغوية في استعمال العامة للدلق والاندلاق بمعنى الصب والانصباب. عثر_زل ومثر ساقط وزال والعامة تلفظ الثاء تاء. خثر_جمد وتماسك ومخثر مجمد. لز_الشيء شده والصقه والقوم اجتمعوا وتضاسيقوا والشيء بالشيء ألزمه به فليعتبر اللغويون. زمك_عن ابن الأعرابي زمكت القربى وزمجتها إذا ملأتها والزمك إدخال الشيء بعضه في بعض والعامة تستعمل المجرد والمشدد استعمالاً صحيحاً. زرك_زرك الغلام ساء خقهز هذا عند اللغويين فصيح ولكن ألا يجوز لنا أن نعامل زرك معاملة سئم فنقول اسأم وسأم وأزرك وزرك ولماذا؟! قد تكون العامة على صواب. دعقه_في لسان العرب الدعق الدق ومحيط المحيط لا يذكر هذا المعنى الذي هو معنى العامة تماماً إلا إذا كان لا يجوز لنا استعمال الصب للبترول لأنه لم يكون عند العرب ولا لسائل آخر غير الماء والخمر. حوشه_جمعه وانحاش عنه تقبض ونفر والحواشة ما يستحيا منه والعامة تستعمل كل ذلك

стр. 3756

دون حملة الأقلام. لقلاق بقباق_مهذار كثير الكلام واللقلقة تقطيع الصوت والجلبة ولقلق وقلقل بمعنى واحد للتحريك والهز. لاط_لاطه خلطه وعجنه وقد وردت في كلام الإمام علي. الحدو_الحدو عند الموت من الفصيح. سن_سن الأرض ملسها قال الشاعر: ثم خاصرتها إلى القبة الخض ... راء ونمشي في مرمر مسنون وهو المعنى الذي تستعمله القروية اللبنانية بعد أن تطين بيتها أو تمرحه وتسنه وتسن الحجرية. شرم_شق وقطع فهو مشروم بكل فصاحة. استملح_الشيء عده مليحاً. سبرك سبري_تريد العامة بذلك أن عليك ما علي لأن أصلك كأصلي وهيئتك كهيئتي وليس من مغمز. تعنفص_كان ذا صلف وخفة وخيلاء وادعى بما ليس فيه ولا يريد أن يكون له رباعي. تغنجت: شكلت وتدللت. تغجل: فلان على فلان بغى عليه وظلمه فو مغلج. ثخنها: غلظها وصلبها. حزر: الشيء قدره وضمنه وحزره القى عليه ما يحزره. أقلعت الباخرة=في الجرائد والمجلات والكتب نقرأ هذه العبارة الواجب الإقلاع عنها_كانوا يقولون أقلعت السفينة أي نشرت شراعها أو قلوعها لتمخر شاقة الماء ولم يكن أيام كانوا يستعملون العبارة بخار أما اليوم فلا يجوز أن نقول أقلعت الباخرة بل مخرت أو جرت إلا إذا كان المركب غير بخاري وفي مثل هذه العبارة يظهر فضل اللغة العربية ويثبت لهؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً منها أننا بغنى عن تحدي الفرنجة الذين يقولون أقلعت الباخرة لفقر لغاتهم. ضربت بكلامه عرض الحائط=مهما التمس المجازيون الأعذار لا أجد هذا التعبير عربياً

стр. 3757

فإننا لا نضرب عرض الحائط بالكلام لنهمله ونسقطه ونطرحه ونرميه. نحن نقول في العربية جاءني كتاب فلان فضربت به عرض الحائط وإنما لا نقول مثل هذا القول عن الكلام نفسه. حررت له وارسلت له=أصعب ما في اللغة على الدارسين أنفسهم إحسان استعمال أحرف الجر وكا مدقق يتناول الجرائد والمجلات إلا العدد القليل منهن يضحك من كثرة السقطات التي لا يعذر منشئ عليها وفي مقدرته شراء معجم أو في رأسه قوة تمييز بين هذا وذاك المعنى فأنت لا تكتب لأحد إلا إذا استكتبك ولا ترسل له إلا إذا كلفك الإرسال أما إذا أردت أن تقول أنك تخاطب أحداً بالكتابة فيجب أن تستعمل إلى لا اللام وهكذا في الإرسال ثم التحرير ليس الكتابة ولا الكتاب أو الرسالة بل انقاذهما من عبودية السقط والخلل والغريب جداً أن منشئي الجرائد والمجلات يدعون الكاتب محرراً وهم يريدون المنشئ لا المصحح ولا المصلح ولا المهذب ليعذروا والأغرب من ذلك أن بعض جامعي بعض المعاجم العربية سقطوا فيما سقط فيه غير المتمكنين والمدققين وقالوا عن الكتاب والرسالة تحرير فأودوا ولم يقوموا. غب افتقاد شريف الخاطر العاطر=هل على مثل البلادة في الإنشاء بلادة! كل كلمة بنفسها فصيحة إلا أن مجموعها لا معنى له المسؤولية الحقيقية على المدارس والساتذة الذين يسقطون إلى الجاهلين ولا يرفعونهم إليهم بل إن الجري عل الطرائق القديمة يجعل أكثر الكتابات سقيمة عقيمة خالية من المعنى ولكن تفرقع. إبقاء القديم على قدمه يجب أن يرجع على عهد بلغاء العربية لا إلى العهد المتأخر الذي اعتور اللغة فيه الخلل والفساد فما معنى العاطر والفاخر والشريف مع الخاطر ولماذا لا نكتب ونكاتب بفهم وسهولة وبساطة وسلامة؟ دام بقاؤه=طلب الدوام حماقة وحرام. أي بقاء يدوم! تدوم المادة بعد استحالة ولكن الذين يطلبون دوام البقاء أو يدجعون للناس به لا يريدون المادة بل البقاء في دار الفناء وخلود من أعدت لهم اللحود. همى الدمع من عيونها_كم من العيون للمرأة وإن تكن العيون عليها كثيرة. الملاحة الجوية_في طعم هذا الاصطلاح ملح فإنه من غير روح العربية ومن غير فقهها

стр. 3758

فإذا كنا نحن اصحاب الجرائد اليومية نلتمس الأعذار لضيق أوقاتنا عندما نلجأ إلى الحواضر فما هو عذر أساتذة المعاني في المدارس والكليات وما هو عذر أصحاب المجلات_المطير اصلح من الملاحة وإنما لا بد من اخيار كلمة اصلح. الملظم والعامر_خرج من عالم الخرافة المظلم إلى بلاد الحرية العامرة. الجرح يدمي_الجرح لا يدمي وإنما يدمى. خذ أي كتاب أو مجلة أو جريدة واعتبر فلسفة كاتبها دون الألفاظ والمعاني دون المباني. تجد أننا_إلا عدداً قليللاً من حملبة الأقلام_نتعسف ونتكلف ولا نراعي المعاني والبيان لأن أكثر المنشئين متطفلون. نحن ابعد أبناء اللغات الحية عن وضع الكلام في مواضعه وإقامته في مواقع لأننا لا ندرس فلسفة اللغة بل لأن أكثر أصحاب الجرائد والمجلات والمترجمين والمؤلفين من غير الأكفاء إلا بالتبجح والادعاء أو أن اللغة أمست واسطة للكسب والارتزاق حتى يعبث والنفاق وإليك بعض ما يخطر في خاطري الآن أجئ به وأكل إليك الحكم. طارت نفسه شعاعاً_تخرصات اتلأوهام_يغيظه من النظام_هل يعتمد كلام السقيم في طعم الماء_رفع الابن باسطاً يديه إلى والدته_سقط عليه بالضرب حتى جلد به الأرض. الجالية والطارئة: دون تمييز بين الاستيطان والعود=يسير ويسري دون فرق بين سفر النهار والليل_رحلوا في القطار إلى المدينة والولاية الفلانية. زاره أخوه فأحسن قراه=ظعنوا من أصحابهم إلى واشنطون=شخص البياع إلى بوسطن=كانم الخواجا فلان يتدفق في خطابه كالسيل المنهمر إلا أنه اعتذر أنه غير خطيب وشكر الناس وجل دون أن يتكلم!. ثم ما هي فائدة الحركات في اللغة إذا كنا لا نريد أن نصرف عن جعل الواو الثقيلة الد؟ في أولى وعمرو وحيوة وصلوة بجحة التمييز وإزالة اللبس وهلا يوجد غير هذه الكلمات في العربية بحاجة إلى الضبط؟ ثم ما هي فائدة الحركات إذا كنا نكتب إله ولا يجوز لنا أن نكتب مؤنثه إلهة؟ ثم كيف يعقل أن تكون جموع لا مفرد لها مثل شلقة ومخاطر ومحاسن وشماطيط وما جمعه الثعالبي وغيره وهل كان كل ما لا يكون سمعه بالجامع لا يكون وضعه الواضع جرياً على القياس؟ وكيف يمكن أن تكون المطاوعة في فعل ولا تكون في آخر مثله تماماً؟ وكيف تكون صيغة أفعل التفضيل في ما لا فعل له كقولهم هو اقلط منه؟

стр. 3759

أو كيف يكون مضارع لا ماضي له كقولهم لم يذر؟ أو مزيد لا مجرد له. والأمثلة متوفرة. وثمت منابت العربية بعد أن كانت مستحلسة. وتفاصح كل من لم يكن فصيحاً ولن يكون متفصحاً. فوجب أن يرجع الناس إلى فقه اللغة الذي لا أعني به كتاب أبي منصور الثعالبي بل فلسفة اللغة حتى لا يرسل كل من اغتر بقدرته الكلام على عواهنه ويحسب أن من جمع كلمة إلى كلمة كان شاعراً أو ناثراً أو إماماً وثقة يجب الإقلال من الترديد والمبهم الذي لا يزيد إلا اعتكالاً والاعتدال في تعليم القواعد بحسب كل مذهب التوثق في معاني البليغ من المنظوم والمنثور والاستكثار من حفظ الجيد ولاسيما ما يدعى السهل الممتنع ويجب أن تكون مجلاتنا وجرائدنا المدارس الحقيقية فترفض كل كتاب عليلة بالمعاني وينبه المغرور والشعرور إلى ما يفسد الذوق ويدعو إلى الهزأ ومن فقه اللغة أن نصطلح على ما يذلل لنا صعاب اللفظ عند الترجمة والاستشهاد أي أن يكون لنا ما نستطيع معه نقل الكلمة الأعجمية من نكرة وعلم إلى معناها الأصلي. وقد كان للعرب روم وأشمام فليكن لنا زيادة على مثالهما والله ولي التوفيق.

стр. 3760

تولستوي فقدت الحكمة عضواً عاملاص من دعاتها وعمدة ثقة من أعز أنصارها ورعاتها وإنساناً كاملاً خدم الإنسانية بأفعاله وأقواله وأدهش اربا ابتقاليد بحسن مثاله وراع قلوب أهل السلطة بحظوته وإقباله ونعني به فيلسوف روسيا وأحد رجال الأخلاق في هذا العصر الكنت ليون نيكولايفتش تولستوي الذي هز نعيه أرجاء العالم المدني وأكبر رجال الإصلاح هول المصاب به. ولد هذا الحكيم في اياسيانا بوليانا من أعمال ولاية تولا الروسية سنة ١٨٢٨ فيتم منأمه وهو ابن سنة ونصف وفقد أباه في العشرة وهو من بيت وجاهة وغنى وكان جده سيء الإداترة يميل البى البذخ والإسراف ففقد ثروته حتى اضطر إلى التوظف فعينته روسيا والياً لقازان وجاء ابنه والد تولستوي ولم يكن على شيءٍ من العفاف حتى العشرين من سنه. ورزق ابناً من خادمة زوجه منها أهله ثم تخلى عن الوظائف وتزوج بوالدة تولستوي وكانت غنية تحسن الروسية كتابة وقراءة كما تحسن الإنكليزية والألمانية والإفرنسية والإيطالية والفنون والضرب على البيانو وكانت على جانب من حرية الفكر وسلامة الوجدان والسذاجة. واشتغل والد تولستوي بالزراعة في الأملاك الواسعة التي ورثها عن أبيه واتصلت إليه من زوجه وكان يحب المطالعة واقتنى مكتبة فيها شيء كثير من آداب الفرنسيس وكان من عادته أن لا يقتني بكتاباً قبل أن يأتي على مطالعة ما اقتناه من قبل فنشأ ليون تولستوي على اللغة الإفرنسية وكان يفهم كتب الفيلسوفين الفرنسيين روسو وفولتير كم يفهم شعر بوشكين شاعر الروس وأخذ الإفرنسية عن أستاذ فرنساوي اسمه سان توما ولم يبلغ الخامسة عشرة حتى كان متشبعاً بآدابها. ربي في المذهب الأرثوذكسي ولكن لم يكد يبلغ التاسعة عشرة من عمره حتى تجرد عن الاعتقاد بالكنيسة ولكنه عمد إلى التقية فلم يكن يظهر ما يضمر وكان وهو طالب يقوم بالفروض والواجبات وغادر سنة ١٨٤٧ الكلية التي كان يدرس فيها ليلتحق بالفلاحين ويحسن إليهم إلا أنه لم يفلح وفي سنة ١٨٥١ سافر إلى قفقاسيا حيث عين ضابطاً في المدفعية واشتهر ببسالته في حصار سواستبول فعين قائد فرقة وكان خلال تلك المدة قد نشر باكورة كتبه موقعة بالحروف الأولى من اسمه واسم أسرته ثم أقام في بطرسبرج مدة

стр. 3761

فكتب عدة مصنفات وقصص له وساح سنة ١٨٥٨ في ألمانيا وسويسرا وفرنسا وعاد إلى روسيا بعد تحرير الفلاحين فأنشضأ في بلده مدرسة نموذجية للفلاحين ومجلة في التربية والتعليم وعين قاضي صلح. وفي سنة ١٨٦٢ تزوج وطابت نفسه وحسن سلوكه ولم يكن من قبل كما قال عن نفسه على حالة حسنة في آدابه وكانت كتبه التي كتبها لأول عهد زواجه أحسن ما خطته يده وأسلمها فكراً وفي سنة ١٨٧٤ أخذ يتساءل عن مصير الحياة فصارت تبذر بوادر ذلك على أسلة قلمه ولسانه حتى إذا كانت سنة ١٨٨٣ تعرف على فلاحين كانا أنشأ لهما مذهبين دينيين من مقتضاهما تر جيح العهد القديم على العد الجديد وأن إصلاح العالم لا يتم إلا بالعمل اليدوي والشخصي وبعد أن جاهد تولستوي نفسه تخلى في رواية عن بعض أملاكه فوزعها على الفلاحين وترك جزءاً منها لأسرته كان يعمل فيه بنفسه على نحو ما يعمل صغار الفلاحين بأيديهم ومنذ ذاك الحين لم يترك بلده وطفق يحرث الأرض كما يحرث الآداب ويبث الفضيلة وصار قصره مجمع العلماء والفضلاء وفي ٢٤ شباط ١٩٠١ حرم المجحمع المقدسي الروسي تولتسوي لإلحاده وخروجه عن ربقة التقاليد الأرثوذكسية وتخوفت الحكومة الروسية عادية أفكاره فصارت تراقبه حتى كادت تنفيه مع ألوف من كانت تنفيهم إلى سيبيريا لولا أن لطف الله به ونفس خناق الحرية عن أمته بإنشاء مجلس الأمة. ويعتب رتولستوي بأنه من أقجدر القصصيبن الذين نبغوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وقد أجاد في ذكر الماضي من حياة أمته ووصف الروح الروسية والأخلاق الروسية بحسن مأتاه وجودة اختياره وتفصيله وتصويره فكان بما رزق من هذه الهبة يصور ابطاله كأنهم أحياء بل يصور الأشخاص من الدرجة الثانية والجمهور. وهو قليل العناية بإنشاءه ولذلك لا نقرأ عليه مسحة التفنن وإذ قد نشأ تولستوي لاهوتياً تراه يحاول يقترب مما يراه بأنه النصرانية الأصلية. وتتطالبه الفلسفة الطبيعية بأنه أحد دعاتها والنمافخون في ضرامها وأن تولستوي ليبحث في كل مكان عن الطبيعة. والجوهر في قاعد حياته هي الطبيعة الصوفية وللأخلاق عنده المقام الأول وجماع القول في فلسفته أن لا يقاوم الشر بالشر. وقد ظهرت كتبه كلها باللغة الروسية في ثمانية عشر مجلداً وترجم معظمها إلى لغات أوربا الراقية وترجم بعضها إلى العربية ولاسيما قصصه.

стр. 3762

وهذا الدور الأخير في حياته هو الذي تمنى أن يموت عليه قال في ترجمته نفسه: لما ذكرت ما أوتيت منن خير وما تم على يدي من شر رايتني أقسم أدوار حياتي الطويلة بأسرها إلى أربعة أدوار: أولها ذاك الدور العجيب خصوصاص إذا قيس بالدور الذي يليه_البار البهج الشعري واعني به دور الطفولية. ثم الدور الثاني عشرون سنة كان فيه من الغشاء الغليظ والخدمة والطمع بالمعالي وخصوصاً في المكاسب ما كان. ثم جاء الدور الثالث وهو ثماني عشرة سنة أي منذ تزوجت إلى نشور الروح وهوالدور الذي يحق أن يدعى في نظر العالم دور الأخلاق بمعنى اني عشت في هذه البثماني عشرة سنة كما تعيش الأسرة بالاحشمة والنظام غير مستسلم لمفسدة ينبذها الناس ولكن جميع مصالحي كانت مقصورة على عنايتي عناية مقرونة بحب الذات ممزوجة بالأنانية وعلى زيادة ثروتي وعلى نجاحي الأدبي وعلى مختلف حظوظ تنالها نفسي والدور الرابع يرد إلى عشرين سنة التي أنا فيها الآن وأود أن أموت عليها وبها يتمثل لي ما فغي الحياة الماضية من عظيم الخطر وهو الدور الذي لا ابغي سواه ما خلا اعتيادي الشر الذي اندمج في روحي في الأدوار الأخيرة. هذا مجمل من طفولية تولستوي وشبابه وكهولته وشيخوخته وقد نشأ فيه القيام على الظالمين ومجاهدة المستبدين من الرؤساء الدينيين والدنيويين مما ثقفه عن حالته تاتيانا ألكسندروفنا وكانت من نساء المتهذبات وعلمته الحب والميل إلى الوحدة والتأثر من المظالم كما علمه روسو وفولتير نزع ربقة التقاليد الموروثة. ولكن تولستوي لم يتحرر كل التحرير من رق العبودية للمحيط والمنشأ وبقيت فلسفته تربح من صبابات النصرانية ومدارها لا تقابل الشر بالشر. ولو سارت أوربا على هذه الفلسفة لما قام عمرانها وانبسط سلطانها على ما نرى. فلسان حال الغرب وجزاء سيئة سيئة مثلها فحكمة تولستوي ليست كحكمة معظم أنصار الحكمة في الغرب اليوم مادية صرفة بل هي روحية ممزوجة بطرف من آداب النصرانية تتخللها عقائد اشتراكية متطرفة فهو لا يرى أن يملك الأرض أحد لأنها لله بل تترك وشانها ينتفع بها عباها ويرى أن لا يعاقب المجرمون بالسجن بل أن يصفح عنهم الصفح الجميل ولا يعتقد بألوهية المسيح بل يرى أنه إنسان ذو مذهب هو خير المذاهب للناس ومن أفكاره الاشتراكية بل الفوضوية أن أحسن الطرق في الخلاص من ظلمك

стр. 3763

الحكومات أن يمتنع الناس عن الخدمة العسكرية وعن أداء الضرائب وبذلك تضطر الحكومات إلى إصلاح أمرها. ومن تعاليم تولستوي الأدبية أن يبتعد المرء عن مغازلة النساء ويتحد بزوجه قلباص وقالباً لأن هجرها مفسدة واي مفسدة وأن الواجب أن لا يفرق افنسان بين مواطنيه والغرباء لأن الناس ابناء أب واحد وأم واحدة ويسعى كل امرء بإزالة عدم المساواة بين البشر حتى يعيشوا بسلام. وله آراء في المعاد بعضها مما لا يقرها عليه رجال الدين. ولقد ضاق صدر تولستوي قبيل وفاته من شؤون بيته ويقال إن ما نشأ ذلك من مقاومة أسرته له في أمر خيري كان يريد أن يختم به حياته وهو أن يجعل ريع كتبه مادام الدهر وقفاً على أمته فلم يوافقه على هذا الفكر أهل بيته ولاسيما زوجته المشهورة ببخلها فقام تولستوي ذات يوم ورافق طبيبه على نية الهرب من بيته وركب في الدرجة الثالثة من القطار ليساوي الفقراء ولكن كانت المركبة مكتظة بالركاب حتى لم يكن فيها محل يجلس فيه الشيخ الحكيم فعرض موظف السكة الحديدية عليه أن ينتقل إلى الدرجة الأولى أو الثانية فأبى ونزل في إحدى المحطات وهي إسكابوفا وبصق دماً وزادت حرارته ثم اسلم الروح في غرفة مدير المحطة ويقال أن الفيلسوف كان ينوي أن يلحق بأحد الأديار لينضم إلى من فيه يعبد الله على مناحيهم وأنه قابل ابنة له راهبة في طريقه وفاوضها بضع ساعات كما خلا ساعات برئيس دار ثان. والأقرب إلى الذهن أن تولستوي عزفت نفسه عن الدنيا وأحب التجرد عنها وعن الملاذ وعن الأبهة في قصره وعن عيشة المحفوف بالخدم والحشم شاء أم أبى وأراد أن يفعل الخير بوقفه مداخيل كتبه على المدة فعاكسته زوجته وكان منه أن هام على وجهه لا يدر يكيف يسير فوافاه حمامه وشق نعيه على أمته البالغة مئة وخمسين مليوناً من البشر وعلى كل من اطلع على طرف من أفكاره وفلسفته العملية من منوري الأرض ولا عجب إذا عدته أمته مفخراً من مفاخرها جاد به الزمان وعده أهل الأخلاق الحكمة والإصلاح من أعظم من عملوا لأب النفس وإصلاح المجتمع الإنساني.

стр. 3764

سير العلم والاجتماع الصناعة في مصر ألقى علي بك ثروت خط بة في الصناعة في المؤيمر الوطكني المصري جاء فيها ما ملخصه: لم يخطئ من قال أن الصناعة أثر الذكاء الإنساني في استخدام وتصغير أشكالها والتأليف بين قواها المختلفة ولذلك كانت أقوى الأمم من بنى هيلك قوتها على أساس مكين من الصناعة. وقد كانت أمتنا المصرية راقية في صنائعها منذ القدم. ولا تزال الآثار التاريخية شاهداً حياً على مبلغ رقيها الصناعي. وكفى بالدلالة عليه أن البلاد المصرية هي التي ثبتت فيها قوى الفراعنة ومدنيتهم وحفظت معها مدنية العرب. وكان حظها من الصناعة في التاريخ الحديث وا فراً فإنه لما ولي محمد علي باشا والكبير الأريكة الخديوية افرغ جهده في الصناعة الأهلية وجلب لها من الخارج ما ينقصها من فنون الصناعة الأجنبية. نظر إلى البلاد المصرية نظر حكيم فرأى أنها بطبيعة تكوينا زراعية صناعية فشمر عن ساعد الجد واخذ ينشئ المصانع المختلفة في كثير من بلاد الوجهين البحري والقبلي. أعانه على ذلك علماء فرنسا وبعض أساطين الصناعة فيها. ساعد أيضاً كثير من الإيطاليين والنمسويين. وقد جاوز عدد لمصانع المختلفة التي أنشأها مائة وخمسة وسبعين مصنعاً يصنع فيها الخزف والزجاج والجلد والجوخ والأنسجة المتنوعة والخيط بأنواعه والطرابيش والألبسة والأسلحة والبارود والمعادن والمدافع والسفن الحربية وجميع ما له بالمعيشة. فكان المصري يلبس ملابس أهلية تصنع في بلاده وكانت المدن الكبيرة والصغيرة والثغور وسائر البلاد العابرة حافلة بهذه المصانع والمعامل المتنوعة. أرسل الإرساليات العديدة إلى كثير من العواصم الأوربية لإتقان الصناعة حتى إذا عادوا إلى بلادهم بعد ذلك آبوا واقفين على أسرار الفنون محيطين بدقائق الصناعات فحلوا محل أولئك المعلمين في المصانع المصرية. أنشأ محمد علي مصانع أخرى لصنع الشمع وأحواضاً لصنع لوازم المراكب الحربية وداراً

стр. 3765

لضرب النقود في القلعة فكانت مصر في ذلك العهد أرقى كثيراًَ من اليابان. أخذت الصناعة تنمو وتزدهر حتى بلغت من الانتشار والرقي مبلغاً عظيماً وبقيت كذلك حتى عهد الخديوي سعيد وقد أسس معملاً كبيراً كان يديره إفرنسي كبير هو أنجلو بك. ثم أخذت الصناعة الأوربية تفد على مصر وعلى الأخص بعد إنشاء السكك الحديدية المصرية فألح قناصل الدول على سعيد باشا أن يبطل جميع المعامل فأبطلها ما عدا معامل الحربية فإنه أبقاها كما أنه أنشأ مدرسة الفنون والصنائع وقصر التعليم فيها على تعليم الرسم وفن العمارة وغيرها من الفنون الجميلة. وقد وفدت على مصر في عهد الخديوي سعيد بعثة إفرنسية من المهندسين الجيولوجيين للبحث عن المعادن في بلادنا فأذن لهم الخديوي أن يعملوا وفي أثناء عملهم عثروا في السودان على صنف الفحم الحجري وحملوا منه كمية إلى مصر لتجربتها فجربت ووجدت نافعة وأقر على نفعها أنجلو بك ولكن قنصل إنكلترا في ذلك العهد لح على الخديوي أن لا يعنى بهذا المر بدعوى أنه يكلف الحكومة المصرية نفقات طائلة فضلاً عن أن الفحم من صنف غير جيد فأطاع الخديوي وفقدت مصر بذلك مرفقاً تجارياً مهماً. وقد أنشئت في أوائل عهد إسماعيل مدرسة العمليات لكبرى في بولاق وكانت هذه المدرسة قائمة على نموذج مدارس الصنائع بفرنسا عين لها جيجيون بك الفرنسي ناظراً. قد بلغت من الرقي مبلغاً مدهشاً فكان المتخرجون فيها يؤدون عمل المهندس الميكانيكي والمهندس الرياضي معاً. وفي ذلك الوقت أنشئت المطبعة الأميرية في بولاق وأنشئ بجوارها معمل لعمل الورق على اختلاف أصنافه وأشكاله وكان ما يخرجه هذه المعمل كافياً لحاجة مصر. وقد بقيت على تلك الحال حتى هبط الاحتلال بلادها. وكذلك أنشئ الخديوي إسماعيل معامل السكر في الوجه القبلي والمدارس الصناعية في كل بلد من بلاد القطر فكان عهده من هذه الوجهة عهد حياة في الصناعة والصناع. قضت سلطة الاحتلال سنة ١٨٨٤ أن يلغي معدن المدافع النحاسية وتباع عددها الكبيرة فبيعت هذه العدد من شركة إنكليزية بثمن بخس كما قضى ببيع عدد ضرب النقود إلى شركة إنكليزية أخرى وكان من هذه العدد ما لم يستعمل بعد وما لم تفتح صناديقه إلا أيدي رجال هذه الشركة وصدر الأمر ببيع جميع عدد آلات مصنع الورق وذلك في سنة ١٨٨٥

стр. 3766

وفي هذه السنة أيضاً باعوا آلات وعدد الورشة الكبرى التي كانت الخاصة الخديوية قد أنشأتها حين اشترت سراء الجيزة. وفي سنة ١٨٨٧ بيعت العدد والآلات التي كانت تدار بها مغازل اقطن وبيعت ورش القطن في الأقاليم واحدة بعد أخرى. وفي عام ١٨٩٨ بيعت جميع آلات دار الصناعة الترسانة الكبرى بالإسكندرية وبركت مراكب البوسنة الخديوية وأحواضها لشركة إنكليزية بمائة وخمسين ألف جنيه وهو لا يعادل نصف ثمن حوض واحد والأحواض كثيرة والمراكب أكثر أما مراكب بولاق وترسانتها فإن جزءاً عظيماً منها قد بيع. أنشأ المرحوم علي باشا مبارك ناظر المعارف الأسبق مدرستين صناعيتين إحداهما في المنصورة الثانية في أسيوط ليكون منهما أبر ملجأ للتلاميذ الذين فصلوا من المدارس التجهيزية التي كانت في المديريات فألغاها الاحتلال أما مدرسة المنصورة فلم تبق طويلاً لأن الورشتين اللتين يملكهما بعض الإنكليز في تلك المدينة قضتا على حياتها. حتى إذا كانت سنة ١٨٩٣ عادت إلى حالتها السابقة وأصبحت الآن ورشة بسيطة لا يتعلم فيها الطلاب إلا مبادئ القراءة والكتابة والهندسة والحساب والرسم العملي بعد أن كانت تعلم فيها العلوم الهندسية والميكانيكية العالية. وليس ثمة دليل على عظيم الخطأ في رقي الصناعة في مصر أقطع ولا أنصع من الأقوال السديدة التي ذكرها المسيو (ليوبولد جوليين) المهندس الزراعي وأحد واضعي تقرير لجنة القطن الأخير فقد قال: إن كل أمة يكثر فيها وجود المواد الأولية الضرورية للحياة يكثر فيها كذلك وجود المعامل لصنع تلك المواد فيها ومن أهمها القطن فإن كل الأمم التي تزرعه تنشئ بجواره معامل لغزله ونسجه والانتفاع به عدا مصر فإنها لا تزال فقيرة في معاملها خلواً على الأخص من هذا الصنف. سعى الساعون في تأسيس معملين في نسج المنسوجات القطنية في سنة ١٨٩٩ أحدهما في القاهرة والآخر في الإسكندرية. أما معمل القاهرة فقد أغلق. ولا يزال الآخر باقياً وفيه ثلاثون ألف مشط وأربعمائة نول.

стр. 3767

ولقد لقي مؤسسوه صعاباً جمة في تأسيسه أهمها وضع الحكومة المصرية على منسوجاته ضريبة قدرها ثمانية في المائة. ثم رأت أن تنزل هذه الضريبة إلى ثلاثة في المائة لمدة خمس سنوات. فعسى أن تجعل الحكومة هذا الإعفاء دائماً حتى يتيسر لمروجي هذه الصناعة أن ينشروها في كل مكان. على أن في البلاد المصرية نحو ستة آلاف وثلاثمائة نول للنسج وكلها للوطنيين وهي تستورد خيوط الغزل من الممالك الأوربية وقد استوردت في سنة ١٩٠٨ من هذه الخيوط ما قيمته ٢٢٩٠٠٠ج. على أن ما تستهلكه البلاد المصرية في عام من المنسوجات الأوربية بلغت فقيمته في عام ١٩٠٨ ٤٠٠٠٠٠٠ج ولو كانت مصر تنسج منسوجاتها في معامل لحسابها لبقيت هذه الملايين في خزانتها ولم تنقل إلى خزائن المعامل الأوربية. وقد فكر بعض ذوي النفوس العالية في الحال وفي مقدمتهم المرحوم مصطفى كامل باشا الذي اقترح على الأمة في سنة ١٩٠٢ إنشاء معهد صناعي كبير يكون بمثابة تذكار لمرور مائة عام على تولية محمد باشا الكبير مؤسس البيت الخديوي فلبت جمعية العروة الوثقى بمدينة الإسكندرية نداؤه وأخذت في الاكتتاب لتأسيس مدرسة محمد علي الصناعية فوجدت من نفوس الأمة ارتياحاً وأقبل على الاكتتاب كثيرون وفي مقدمتهم الخديوي وأعضاء الأسرة الخديوية وكرماء الأوربيين القاطنين في مصر. وما جاءت سنة ١٩٠٨ حتى كان بناؤها عالياً ووضعها محكماً وهي اليوم تقدم للثغر أحسن الأعمال وتكفي الكثير من أبناءه ثم نحى أهل الخير هذا النحو فتأسست مدرسة أسيوط بهمة محمود باشا سليمان أحد كبار الأعيان وتأسست مدرسة في بني سويف وثالثة في الفيوم. وقد عني الأمير حسين كامل باشا بالاكتتاب لمدرسة كبرى صناعية لمديرية البحيرة فلبى دعوته كثير من الأعيان الأغنياء وبلغ الاكتتاب نحو ٣٠٠٠٠ جنيه وظهرت هذه المدرسة في أجمل مظهر وهي تعمل الآن أعمالاً مفيدة. وكذلك عنيت بطريركية الأقباط وأسست مدرسة صناعية كبرى في بولاق اكتتب لها كثير من أبناء هذه الطائفة بمبالغ طائلة وكذلك مدرسة طوخ الصناعية فإنها شيدت في هذه الأيام الأخيرة على أحسن طراز وغير ذلك من الورش الصغيرة.

стр. 3768

وأخيراً فكر يوسف كمال بك في أن يخدم أمته من طريق العلم والصناعة فأسس مدرسة لتعليم الفنون الجميلة ووقف عليها عقاراً يقدر بخمسين ألف جنيه وأخذ في تشييد دار كبيرة لها واختار لها مديراً إفرنسياً هو المسيو ليلاني النحات النابغة الشهير ووكيلاً هو فؤاد أفندي حسيب واختار أساتذتها من الأوربيين والمصريين المشهود لهم بعلو الكعب والتفوق في هذه الفنون الجليلة. فأعاد الأمير بإنشاء هذه المدرسة إلى مصر روح النحت والنقش والظل وفن العمارة وغير ذلك من الفنون الجميلة الكبيرة التي تعود على مصر لا محالة بجليل الفوائد. لحوم البشر. إن عادة أكل اللحوم البشرية غير محصور في مكان ففي الكتب اليونانية القديمة أشارت إليها والإيرلنديون الأقدمون كانوا يأكلون موتاهم وفي مكسيكو وبيرو قبل فتوح إسبانيا كانت تشهر الحروب ليستحصلوا ذبائح من البشر لأعيادهم وولائمهم. لكن بولنزيا لم تزل محافظة على هذه العادة إلى عصرنا الحاضر ومبتدعو تلك العادة في تلك الجزائر هم سكان جزائر الفيجي وهي عندهم من الفروض الدينية وهم مولعون بطعم لحوم البشر إلى درجة أن أحدهم كان يعيش مع امرأة له عيشة راضية فلا يكون منه إلا أن يقتلها ويقتات بلحمها كما رواه وليام في كتابه عن سكان الفيجي وهم لا يفضلون لحم الطفل على لحم الرجل والمرأة المسنة بل يأكلون ما تيسر بعد شيه. من أفظع العقوبات عندهم أنهم يبترون أطراف المجرم وهو ينظر إليها تشوى وتؤكل. ومن أفظع ما يروى أن رجلاً من أهل هذه الجزيرة كان يفاخر بأنه أكل مدة حياته ٩٠٠ إنسان ومع ذلك يقري الضيف وليس عنده من الشراسة أكثر من باقي سكان الجزيرة ممن لم يأكلوا لحم بشر مدة حياتهم. ويروى أن شيكا زعيم إحدى جزائر الفيجي أسر في ساحة الحرب ما يربو على مائتي مقاتل من عسكر العدو وفي صباح ذلك اليوم أولم وليمة دعا أهل الجزيرة إلى حضورها مشاركته بالتمتع بلحم الأسرى. وفي غينا الجديدة عندما يشيخ الرجل ويصبح غير قادر على العمل يأخذه أهله ويربطونه إلى غصن شجرة ويجتمعون حوله ويرقصون ويغنون بقولهم الثمرة قد نضجت الثمرة قد

стр. 3769

نضجت ثم يهزون الغصن فيقع الشيخ على الأرض فيأكلونه. وفي جزائر الهبرويز الجديدة يفضلون أكل لحوم السود على لحوم البيض وهذه العادة منتشرة أيضاً بين سكان كلدونيا الجديدة. يقول المستر تيلور عن زيلندا الجديدة أن الطريقة المتبعة هي أنهم يرسلون سللاً مملوءة بلحوم البشر من طرف الزعيم إلى أعوانه فمن قبلها منهم يأتي إلى الموعد المضروب بجموعه للمساعدة وهم يعدون من لا يذهب إلى الحرب ويأكل من لحوم البشر غير مهذب وبعد انتهاء المعركة تجتمع جثث القتلى وتنزع لحومها عن العظا وترسل إلى بيوت الأنصار والحلفاء. والمزبة الوحيدة في تلك العادة أن الذين يتولون تقطيع الفريسة وتعريق لحمها يصبحون على شيء من المعرفة في تركيب أعضاء الإنسان لذلك تراهم مرنين في رد خلع المفاصل. هذا وقد أخذت تخف وطأة هذه العادة منذ أخذت المدنية الحديثة تدخل إلى تلك الجزائر اهـ. ملخصاً عن مجلة الأثري الأميركي. الصور السمائية تكلم أحمد بك زكي في محاضرته التي نشرتها مجلة المقتبس في الجزء السادس من المجلد الخامس تحت عنوان (الكتابة والكتب ودورها) على كتاب (الصور السيمائية) لعبد الرحمن ابن عمر بن محمد بن سهل الصوفي فقال عنه: وإذا بحثتم في أرض مصر من الشلالات إلى الأشاتيم ومن بادية العرب إلى صحراء لوبيا لا تجدون سوى الترجمة الفرنسوية وسوى الترجمة الفارسية في الدار الخديوية أما الأصل العربي فقد لبس طاقية الاختفاء وتطاير في الفضاء وهجر ديارنا ووصال غيرنا فيما وراء البحار ورحل عن أرض أهله هين بها إلى بلاد ظهرت قيمته بين أهلها بحيث أن العرب الذين صدر الكتاب بلغتهم إذا احتاجوا الآن لمراجعته واجب عليهم أن يتلقنو لإحدى هاتين اللغتين الفرنسية أو الفارسية أو أن يذهبوا إلى بطرسبرج وإن استبعدوها فإلى باريس وهنالك تجدون منه خمس نسخ استغفر الله بل ستاً لأن السادسة هي التي سأتكلم عليها الخ. وسينما تلوت هذه العبارة هذه العبارة تذكرت أني رأيت هذا الكتاب منذ حو خمس سنين

стр. 3770

في المكتبة الأحمدية التي نوهت مجلة المقتبس في ذك الجزء بذكرها وذكرت بعضاً من نفائس كتبها فدعاني ذلك أن أستفتح المكتبة وأعيد النظر إلى هذا الكتاب وأكتب شيئاً عنه تبشيراً لعشاق العلم في هذه البلاد بلغة الناطقين بالضاد لعلهم يسعون في طبعه وتقتبسون من غر فوائده. أوله بعد البسملة. قال عبد الرحمن بن عمر المعروف بأبي الحسن الصوفي بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله المصطفى وآله (أما بعد) فأني رأيت كثيراً من الناس يخوضون في طلب معرفة الكواكب الثابتة في مواضعها من الفلك وصورها ووجدتهم على فرقتين إحداهما تسلك طريقة المنجمين ومعولها على كرات مصورة من عمل من لم يعرف الكواكب بأعينها وإنما عولوا على ما وجدوا في الكتب من أطوالها وعروضها فرسموها في الكرة من غير معرفة خطئها وصوابها فإذا تأمل بعض من يعرف فيها وجد بعضها مخالف ف النظم والتأليف لما في السماء أو على ما وجد من الزيجات وادعى المؤلف أنهم قد رصدوها ورفوا مواضعها وإنما عمدوا إلى الكواكب المشهورة التي يعرفها كثير من الخاص والعام مثل عين الثور وقلب الأسد والسماك الأعزل والثلثة التي في جبهة العقرب وقلب العقرب وهذه الكواكب هي التي ذكرها بطليموس أنه رصدها بأطوالها وعروضها وأثبتها في كتابه المعروف بالمجسطي لقربها من منطقة فلك البروج فرصدوها وأثبتوا مواضعها في وقت أرصادهم ثم قال بعد كلام طويل: وأما الفرقة الأخرى فقد سلكت طريقة العرب في معرفة الأنواء ومنازل القمر ومعولهم على ما وجدت في الكتب المؤلفة في هذا المعنى ووجدناه في الأنواء كتباً كثيرة أتمها وأكملها في فنه كتاب أبي حنيفة الدينوري فإنه يدل على معرفة تامة بالأخبار الواردة عن العرب في ذلك وأشعارها وأسجاعها فوق معرفة غير ممن ألفوا الكتب في هذا ال فن ولا أدري كيف كانت معرفته بالكواكب على مذهب العرب عياناً فإنه يحكى عن ابن الإعرابي وابن كنانة وغيرهما أشياء كثيرة من أمر الكواكب يدل على قلة معرفتهم بها وأن أبا حنيفة لو عرف الكواكب لم يسند الخطأ إليهم ثم كل من عرف من الفرقتين إحدى الطريقتين لم يعرف الأخرى وألف في كتابه أشياء من غير الفن الي أخذ فيه نادى على نفسه بها بالخطأ وخفة

стр. 3771

البضاعة فيه منهم أبو حنيفة فإنه ذكر في كتابه أن البروج الاثنا عشر لم تسم بهذه الأسماء إلا لأن نظم كواكبها مشاكلة للصورة المسماة باسمها وأن الكواكب تنتقل عن أماكنها وأسماء البروج غير زائلة وإن زال نظم الكواكب ولم يعلم أن نظمها لا يزول ولا يتغير (إلى أن قال) وقد كنت أظن بأبي حنيفة أن له رياضة بعلم الهيئة والرصد فقد كنت بالدينور في سنة خمس وثلثين وثلثمائة من سني الهجرة في صحبة الأستاذ أبي الفضل محمد بن الحسين نازلاً في حجرته وحكى لي جماعة من المشايخ أنه كان رصد الكواكب على سطح هذه الحجرة سنين كثيرة فلما ظهر تأليفه وتأملت ما أودعه كتابه علمت أن الذي كان يراعيه إنما كان طلب الظاهر المشهور من الكواكب وما كان يجده في كتب الأنواء من ذكر المنازل وما أشبهها والناس كلهم متفقون على أن لهذه الكواكب حركة في توالي الأبراج. ثم قال بعده كلام طويل: ولما رأيت هؤلاء القوم مع ذكرهم في الآفاق وتقدمهم في الصناعة واقتداء الناس بهم واستعمالهم مؤلفاتهم قد \ تبع كل واحد منهم في تقدمه من غير تأمل لخطئه وصوابه بالعيان وبالنظر حتى ظن كل من نظر فغي مؤلفاتهم أن ذلك عن معرفة الكواكب ومواقعها ووجدت في كتبهم من التخلف ولاسيما في كتب الأنواء من حكاياتهم عن العرب والرواية عنهم اشياء من أمر المنازل وسائر الكواكب الظاهرة الفساد لو ذكرتها طال الكتاب بلا فائدة عزمت مرات كثيرة على إظهار ذلك وكشفه وكان يعتريني فتور في حال واشغال تصدني عن المراد في أخرى إلى أن شرفني الله بخدمة الملك عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة رحمه الله تعالى وأنعم الله عليَّ بإدخالي في جملة خو له وحشمه ووجدته من فنون العلم متمكناً وفي المعرفة بها منبسطاً وعلى عامة العلماء مقبلاً والى جميعهم محسناً ورأيته كثير الذكر لأحوال الكواكب مائلاً إلى امتحانها والوقوف على مواقعها من الصور ومواضعها من البروج والدرج بالرصد والعيان ولم أجد بحضرته من المنجمين من يعرف شيئاً من الصور الثماني والأربعين التي ذكرها بطليموس في كتابه المعروف بالمجسطي على حقيقتها ولا شيء من الكواكب التي في الصور على مذهب المنجمين ولا على مذهب العرب إلا اليسير الظاهر المشهور الذي يعرفه الخاص والعام ولم أجد لم تقدمني من العلماء

стр. 3772

أيضاً كتاب في أحد الفنين يوثق بمعرفة مؤلفه إلا كما تقدم ذكره ولا يمكن الرصد إلا بمعرفة الصور وكواكب كل صورة بالنظر والعيان فرايت أن أتقرب إليه بتأليف كتاب جامع يشتمل على وصف الصور الثماني والأربعين وعلى كواكب كل صورة منها وعددها ومواقعها من الصور ومواضعها من فلك البروج بأطوالها وعروضها وعدد كواكب الفلك كلها المرصودة التي من الصور والتي حوالى الصور وليست منها. وبعد كلام طويل أخذ المؤلف يتكلم على الصور الثماني والأربعين صورة فصورة مع إثبات نفس الصورة ونقشها بحروف وأرقام عند موضع كل كوكب غير أن أربع عشرة صورة منها لبس على شيء من الحروف والأرقام وخالية من الإشارات إلى مواضع الكاوكب. وبعد أن ينتهي من الكلام على كل صورة يذيله بجدول فيه أسماء الكواكب تلك الصورة وأرقام تدل على مواضع تلك الكواكب فيها والكتاب في ١٢٧ صفحة بقطع قريب من الكامل قال ناسخه في آخره: وافق الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة المسامة بكواكب الصوفي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس بعد الألف وتحت ذلك ثلاثة أسطر أخر لم يقرأ منها سوى (المقري الموقت يومئذ بجامع حلب الشهباء الكبير عمره الله تعالى) حلب: محمد راغب طباخ. المعادن المذخورة نشر المؤتمر الجيولوجي الدولي الحادي عشر الذي التأم في استوكهلم خلاصة التقاير التي طلبها من علماء طبقات الأرض والمهندسين في مناجم العالم على اختلاف الأصقاع والديار بشأن مناجم الحديد في العالم بأسره وتقسمها فتبين منها ما يعرف الآن من المناجم في الدنيا يحوي على عشرة مليارات طن وربما لا يقل المذخور في بطون تلك المناجم عن خمسين ألف طن وما ينبغي للعام اليوم هو ستون ألف طن وكان يكتفى سنة ١٨٧١ بثلاثة عشر مليون طن وسنة ١٨٩١ بستة وعشرين مليون طن وسنة ١٩٠١ بأحد وأربعين مليون طن وإذا قدرنا ما يلزم العالم من الحديد اليوم وما يعرف من مناجمه المذخورة فلا يكفي الحديد

стр. 3773

سوى قرنين آخرين وإذا لم تتدارك الحال بالبحث عن مناجم جديدة يختل المعدل وإليك جدولاً بما هو مذخور من الحديد في القارات الخمس ومنه ما عرف ومنه ما يقدر تقديراً وهو بحساب مليون طن: مناجم يرجى أن تكون مذخورةمناجم معروفةمذخورة حديدحديد ممزوج بتراب حديدحديد ممزوج بتراب أوربا٤١٨٢٩٤٧٣٢١٢٠٣٢ أميركا٨١٨٢٩٥١٥٤٩٨٥٥ أستراليا ٦٩ ٧٤١٣٦ آسيا٠٤٥٧ ١٥٦٢٦٠ أفريقية؟ ٥٧١٢٥ وجاء في جدول ىخر ذكرت فيه المناجم المعروفة والتي يرجى كشفها في كل مملكة على حدتها من ممالك أوربا فكانت المملكة العثمانية كثيرة جداً بمناجمها إلا أنه لا يعرف مقدارها الآن وتبين أن فرنسا أكثر ممالك أوربا بمناجمها المعروفة.

стр. 3774

مخطوطات ومطبوعات بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي المتوفى سنة ٥٨٧هـ طبع بمصر سنة ١٣٢٨. اعتاد محمد أمين أفندي الخانجي صاحب المكتبة المشهورة في القاهرة والأستانة أن يطبع للأمة كل نافع من آثار السلف الصالح فأحيا بإقدامه مدة أمهات ومنها ذا الكتاب في الفقه الحنفي تعرض فيه مؤلفه الملقب بمالك العلماء لأقسام المسائل وفصولها وتخريجها على قواعدها وأصولها ليكن أسرع فهماً وأسهل ضبطاً وأيسر حفظاً وقد جمع جملاً من الفقه مر تبة بالترتيب الصناعي والتأليف الحكمي مع إيراد الدلائل الجلية والنكت القوية وهو في سبعة أجزاء تم الأول والثاني والخامس والسادس والسابع منها ويتم الجزءان الآخران وقد وقع في نحو ٢٥٠٠ صفحة بالقطع الكامل على ورق جيد وحروف مصرية ولا شك أن المشتغلين بفقه الإمام الأعظم يحلون هذا الكتاب محله من الاعتبار كما أحل المالكية المدونة الكبرى المنسوبة للإمام مالك والشافعية كتاب الأم للشافعي فيعد عندهم مرجعاً واسعاً. الجولة الإسلامية أو ماضي الشرق وحاضره تأليف الشيخ أحمد الصابوني الحموي طبع الجزء الأول في مطبعة حماة سنة ١٣٢٨ ص٢٠. كان الفاضل صاحب هذا الكتاب نشره مقالات متسلسلة في جريدته لسان الشرق فاستحسنها قراءها فأعاد طبعها مع زيادات على هذه الصورة فجاءت شاهدة بفضله وبعد نظره وكتابة التاريخ على هذا الأسلوب أوقع في النفوس وأعلق في الأذهان لأنها عبارة عن التدبر في أعمال الرجال. فقد تكلم على طائفة من الخلفاء الراشدين والملوك الأمويين والعباسيين فكان كلامه فلسفة على تاريخهم وبيان الحكمة من أعمالهم. ومما رواه المؤلف نقلاً عن ابن ربه أن عثمان حينما كبر وتقدم في السن شد أسنانه بالذهب وقال غيره أنه وضع سناً من الذهب ومعلوم أن تركيب السن من الذهب لا يكون إلا بمهارة في الصناعة وعلم بها عظيم. وعبارة المؤلف منسجمة وعساه يوفق إلى نشر بقية الأجزاء ليعم نفعه.

стр. 3775

السكا وكلونديك تأليف جبرائيل أفندي عساف مرعي من دوما (لبنان) طبع بمطبعة الحضارة بطرابلس الشام سنة ١٩٠٩ ص٢٢٨. مؤلف هذا الكتاب ممن أقاموا زمناً طويلاً في بلاد الأسكا كلونديك بلاد الذهب فعنَّ له ون عماً فعل أن يكتب ما عرفه عن هذه البلاد وغناها ومدنها ومناجمها وركازها وزرعها وضرعها وصيدها وسكانها وحكوماتها وإدارتها وحالتها الطبيعية وما يتعلق بتلك البلاد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية التي تفيد الجالية العربية إلى تلك البلاد وأبناء العربية كافة في الاطلاع على عجائب صنع الله في أرضه وهذه البقعة الصغرى منها التي بلغت مساحتاه بحسب الإحصاء الأخير ٥٩٠٨٤٤ ميلاً مربعاً أي نحو خمس مساحة الولايات المتحدة ويناهز طول سواحلها البحرية ٢٦ ألف ميل وهي كما قال المؤلف سعة بالغة تزيد عن محيط الأرض عند خط الاستواء. وبالجملة فإن هذا السفر نافع في بابه ويا حبذا لو تصدى كل من ينزل منا قطراً شاسعاً من أقطار الأرض فيصفه بما ينبغي من خدمة العلم ورجال المال والأعمال لنذكر لهم على الدهر مقرونة بالثناء الطيب والذكر العطر. تقويم البشير ظهر هذا التقويم الذي تصدره مطبعة الآباء اليسوعيين كل سنة وهذه هي السنة الرابعة والثلاثون لظهوره وهو تأليف الأب لويس معلوف وفيه حساب السنن على اختلاف أنواعها من شمسية وهجرية وقبطية وإسرائيلية وأعياد المسيحيين وأصوامهم وأسماء الرؤساء الروحيين فيها ومراكزهم من الدولة العثمانية والتقسيمات الإدارية في الدولة العثمانية ولاسيما في سورية وأسماء الجرائد والمجلات والمطابع في بيروت ولبنان وفيها نحو ٥٧ جريدة ومجلة وبعض وصايا وفوائد علمية وبيتية ولطائف في ١٧٦ صفحة جيدة الطبع والحرف.

стр. 3776

العدد ٥٨ - بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٠

стр. 3777

الضوءُ اللامع من كتب التراجم الممتعة التي تجمع بين الفائدة واللذة هذا التاريخ لمؤلفه محمد بن عبد الرحمن الملقب بشمس الدين السخاوي الأصل القاهري تكلم فيه على رجال عصره بما اعتقده فيهم وأطلق لقلمه العنان أيما إطلاق حتى لتظنه لا يعرف غير الهجاء مذهباً وكشف عورات أهل جيله وقبيله مشرباً. قال في كشف الظنون: الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع لشمس الدين محمد ابن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ اثنتين وتسعين رتبه على الحروف وقد صنفه السيوطي في رده مقالة سماها الكاوي في تاريخ السخاوي وشنع عليه فيها وانتخبه الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي المتوفى سنة ٩٣٦ ست وثلاثين وتسعمائة وسماه القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي والشهاب أحمد بن العز محمد الشهير بابن عبد السلام المتوفى سنة ٩٣١ إحدى وثلاثين وتسعمائة وسماه البدر الطالع من الضوء اللامع لأهل القرن التاسع واختصره الشيخ أحمد القسطلاني وسماه النور الساطع في مختصر الضوء اللامع. وفي المكتبة الظاهرية بدمشق نسخة صحيحة من هذا الكتاب ربما كانت أصح نسخة في سورية ومصر وهي في نحو ثلاثة آلاف صفحة كبيرة بخط وسط وقعت في خمس مجلدات ضخام. والمؤلف عالم من علماء الحديث وغيره وله مصنفات أخر وترجم نفسه في كتبه وقد جرت عادة كثير من الأعلام أن يترجموا أنفسهم من غير نكير فمما قاله أنه أخذ عمن درب ودرج وذلك لأنه ارتحل من القاهرة على عادة العلماء لأن الرحلة ولاسيما للمحدثين والمؤرخين من لوازمهم وحج فمر على الينبوع وعقبة أيلة رابغ خليص ثم ارتحل إلى حلب ماراً ببلبيس وقطيا وغزة والمجدل والرملة وبيت المقدس والخليل ونابلس ودمشق وصالحيتها والزبداني وبعلبك وحمص وحماة وسرمين وحلب ومرّ أيضاً بطرابلس وبرزة كفر بطنا والمزة وداريا وصالحية مصر. وله تصانيف كثيرة في الحديث ومنها تراجم من أخذ عنهم في ثلاثة مجلدات سماه بغية الراوي بمن أخذ عنه السخاوي وفهرست مروياته في أزيد من ثلاث مجلدات والتبر المسبوكفي الذيل على تاريخ المقريزي في نحو أربعة أسفار والضوء اللامع الذي نحن بصدد الكلام عليه ويكون ست مجلدات بحسب تقديره. والذيل على قضاة مصر نسخة في

стр. 3778

مجلدة والذيل على طبقات القراء لابن الجزري في مجلد على دول الإسلام للذهبي والوفيات في القرن التاسع وترجمة نفسه والتاريخ المحيط وهو في نحو ثلثمائة رزمة على حروف المعجم قال أنه لا يعلم من سبقه إليه. طبقات المالكية أربعة أسفار إلى غير ذلك من ال شروح والتلاخيص ولد سنة ٨٣١ وقد استغرقت ترجمته نفسه في كتابه هذا ١١ ورقة ونصف ورقة ولم نر فيه أكبر منها. وفي هذا الكتاب من المشاهير الناشري وإبراهيم بن ظهيرة والبقاعي والبرهان الطرابلسي وأحمد الكوراني وابن الهمام وابن الشحنة والمقريزي والحافظ ابن حجر وابن عربشاه وتيمورلنك والقاضي زكريا والحافظ العراقي وابن خلدون والجلال البلقيني والجلال السيوطي. وفيه من غير هذه الطبقة أيضاً طرف صالح جداً منهم من نسب إلى بلده ومسقط رأسه ومنهم من اشتهر بألقاب أخرى فتقع فيه على تراجم البعلبكي والعجلوني والطنبوني (نسبة لبلدة من إقليم المنوفية بمصر) والأدفوي والزنكلوني والمنوفي والأسنوي والقوصي والدمياطي والبوصيري والسمنودي والأسيوطي والسنباطي والشموني والملوي والمنفاوطي والفارسكوري والبنهاوي والبيجوري والمنشاوي والرشيدي والسكندري والأذرعي والعكاري والبقاعي والسقطي (من سقط الحنا في شرقية مصر أو سقط قليشا في البحيرة) والديروطي والفاقوسي والمحلي والدمنهوري والإخميني والأبشيهي والقليوبي والعاهري والمناوي والمحلاوي والكركي والشوبكي. والصعيدي والبلينائي والبلبيسي والبصروي والصيداوي والنووي والزفتاوي والبلقيني (نسبة لبلقينية في الغربية) والأسواني والجعبري (نسبة لقلعة جعبر من بلاد حلب) والحمصي والحموي وغير ذلك من الأعلام الذين نشأوا من قرى مصر والشام ومدنها في ذاك القرن. بل وتجد فيه ما هو أغرب وأعجب من تراجم أمراء الجراكسة والمقدمين في الحكومة تلك الأيام أمثال قتيباي أحد ملوك مصر ترجمة في ست ورقات وقشتمر وقطباي وقطليك وقطلعوبغا وقطج وقمرقاس وقراجا وقراسنقر وقرا بلوك وقرا يوسف وقراقجا وقاتباي وقان ويرد وقانصوه وقانيك وقانم وكانور وكمشبغاواق سنقر ولاجين ومنكلي وبغا والطنبغا وأمثالهم ممن لا تعثر لهم على ذكر في غير هذا السفر الحاوي. وترجم كثيراً من العامة وأرباب الأحوال والنساء وأورد بعض أشعارهن ومنها الجيد مثل

стр. 3779

شعر فاطمة ابنة القاضي كمال الدين محمد ابن شيرين الحنفي وقد كتبت إلى المؤلف بعد مجيء الخبر بموت أخويه من نظمها: قفا واسمعا مني حديث أحبتي ... فأوصاف معناهم عن الحسن جلت أناس أطاعوا الله نارت قلوبهم ... وأبصرت الأشياء من غير نبأة وقد كوشفوا عن كل ما أضمر الفتى ... ونارت قلوبهم منهم وبصيرة وهاك ما قاله السخاوي في مقدمة كتابه وفيها الغرض الذي يرمي إليه: الحمد لله جامع الشتات ورافع من شاء في الحياة وبعد الممات ومقيل المقبل على الإكثار من الطاعات من ذوي إلهيات من بعد ما عمله صدر عنه من الزلات وقابل التوبة من أخلص ورجع عما اقترف من البليات سيما الصادرات في الصبا الغالب معه ترك النظر في العاقبات فضلاً عمن نشأ في الطاعات إلى أن قال: وبعد فهذا كتاب من أهم ما به يعتنى جمعت فيه من علمته من هذا القرن الذي أوله سنة إحدى وثماني مائة ختم بالحسنى وسائر العلماء والقضاة والصلحاء والرواة والأدباء والشعراء والخلفاء والملوك والأمراء والمباشرين والوزراء مصرياً كان أو شامياً حجازياً أو يمانياً رومياً أو هندياً مشرقياص أو مغربياً بل ذكرت فيه بعض المذكورين بفضل ونحوه من أهل الذمة اقتفاء في أكثرهم (؟) لمن اضفتهم إليه في غزوه لأنه اجتمع لبي منهم الجم الغفير وارتفع عني اللبس في جمهورهم إلا اليسير مستوفياً من كان منهم في معجم شيخنا وأنباءه وتارخي العيني والمقريزي سيما في عوده الذي رتبها النجم ابن فهد مع أصله للفاسي والطبقات والوفيات المدونة والتراجم كشيوخ ابن فهد التقي وولده تخريجه وغيرها من المعاجم وما علقته من مجامع مفيدنا الزين رضوان أو رأيته في استدعاءات شيخنا ونحوه من الأعيان وسائر من ضبطته ممن أخذ عن شيخنا أو عني أو أخذت عنه ولو لم يكن خبيراً كبيراً عينا وربما أثبت لمن لا يذكر لبعض الأغراض التي لا يحسن معها الاعتراض وألحقت فغي إثباته كثيراً الموجودين رجاء انتفاع من لعله يسال عنهم من المستفيدين مع غلبة الظن الغني عن التوجيه ببقاء إن شاء الله منهم إلى القرن الذي يليه مرتباً له تسهيل الكشف على حروف المعجم الترتيب المعهود في الأسماء والآباء والأنساب والجدود مبتدءاص من الرجال بالأسماء ثم بالكنى ثم بالأنساب والألقاب وكذا المبهمات بعد الأبناء مراعياً في الترتيب

стр. 3780

لذلك كله حروف الكلمة المقصودة بحيث ابتدأ في الألف مثلاً بالهمزة الممدودة ثم بالهمزة التي بعدها موحدة وألف ثم بالتي بعدها على ما ألف مردوفاً ذلك بالنساء كذلك وكل ما أطلقت فيه شيخنا فمرادي به ابن حجر أستاذنا وكنت أردت إيراد شيءٍ مما لعله يكون عندي من حديث من نشاء الله من المترجمين فخشي التطويل سما أن حصل إيضاحه بالتبيين ولذا اقتصرت على الرضي والزكي والسراج والعضد والمحيوي ممن بلغت رضي الدين أو زكي الدين أو سراج الدين أو عضد الدين أو محي الدين ممن المصنف عليه محتوي أعرضت لذلك عن الإفصاح بالمعطوف عليه للعلم به فاقتصر على قولي مات سنة ثلاث مثلاً دون ثماني مائة وتوفي. . . . . . . ثم ليعلم أن الأغراض في الناس مختلفة والأعراض بدون التباس في المحظور مؤتلفة ولكنني لم آل في التحري جهداً ولا عدلت عن الاعتدال فيما أرجو قصداص ولذا لم يزل الأكابر يتلقون ما أبديه بالتسليم ويتوقون الاعتراض فضلاً عن الإعراض عما ألقيه والتأثيم حتى كان العز الحنبلي والبرهان بن ظهيرة المعتلي يقولان أنك منظور إليك في بما تقول مسطور كلامك المنعش للعقول وقال غير واحد ممن يعتقد بكلامه وتمتد إليه الأعناق في سفره ومقامه من زكيته فهو المعدل ومن مرضته فالضعيف المعلل إلى غيرها من الألفاظ الصادرة من الأئمة الإيقاظ بل كان بعض الفضلاء المعتبرين يصرح بتمني الموت في حياتي لأترجمه بما لعله يخفى عن الكثيرين نعم قد يشك من يعلم أنني لا أقيم له وزناً فمرق بل يختلف (كذا) ما يضمحل في وقته حساً ومعنى ويستفيد به التنبيه على نفسه فيتحقق منه ما كان حدساً أو ظناً والله أسأل أن يجنبنا الاعتساف المجانب للإنصاف وأن يرزقنا كلمة الحق في السخط والرضى ويصرفنا عما لا يرتضى ويقينا شر القضا وسميته الضوء اللامع لأهل القرن التاسع اهـ. هذا هو أقل ما يقال في الضوء اللامع والأمل معقود بأن يمثل للطبع عما قريب على يد إحدى جمعيات المستشرقين في أوربا ولذا اكتفينا بإيراد ترجمتين منه لفاضلين أحدهما دمشقي والآخر مصري وإن كان شامي الأصل وذلك إنموذجاً لأسلوب المؤلف وإنشائه قال في ترجمة العالم المؤرخ الكاتب المشهور ابن عربشاه: أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ابن أبي نصر محمد ابن عربشاه ابن أبي بكر الأستاذ الشهاب أبو محمد ابن الشمس الدمشقي الأصل الرومي الحنفي والد التاج عبد

стр. 3781

الوهاب ويعرف بالعجمي وبابن عربشاه وهو الأكثر وليس بقريب لداود وصالح ابني محمد عربشاه الهمدانيين كالأصل الدمشقيين الحنفيين أيضاً. ولد في ليلة الجمعة منتصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ونشأ بها فقرأ القرآن على الزين عمر بن اللبان المقري ثم تحول في سنة ثلاث وثمانمائة في زمن الفتنة مع أخوانه وأمهم وابن اخته عبد الرحمن بن إبراهيم بن خولان إلى سمرقند ثم بمفرده إلى بلاد الخطا وأقام ببلاد ما وراء النهر مديماً بالاشتغال والأخذ عمن هناك من الأستاذين فكان منهم السيد محمد الجرجاني وابن الجزري وهما نزيلا سمرقند الأول بمدرسة أيدكوتمور والثاني بباغ خدا وعبد الأول وكعصام الدين ابن العلامة عبد الملك وهام من ذرية صاحب الهداية وأحمد الترمذي الواعظ وأحمد القصير وحسام الدين الواعظ أمام مسجد السيد الإمام محمد بخارى الزاهر ولقى في سمرقند في سنة تسعة وثمانمائة الشيخ عربان الأدهمي الذي استفيض هناك أنه ابن ثلثمائة سنة فالله أعلم وبرع في فنون واستفاد اللسان الفارسي والخط الموغولي وأتقنهما وجمع في بلاد الموغول بالبرهان الأيدكاني والتاخي جلال الدين السيرامي وأخذ عنه وقرأ النحو على حاجي تلميذ السيد ثم توجه إلى خوارزم فأخذ عن نور الله وأحمد بن شمس الأئمة السيرافي الواعظ وكان يقال له ملك الكلام الفارسي والتركي والعربي ثم إلى بلاد الدشت وسراي وحاجي خان وبها (البحر) الزاخر مولانا حافظ الدين محمد بن ناصر الدين محمد البزازي الكردي فأقام عنده نحو أربع سنين وأخذ عنه الفقه وأصوله ومما قرأ عليه المنظومة إلى القرم واجتمع بأحمد بيرق وشرف الدين شارح المنار ومحمود البلغاري ومحمد اللب أبي (؟) وعبد المجيد الشاعر الأديب. ثم قطع بحر الروم إلى مملكة ابن عثمان فأقام بها نحو عشر سنين فترجم فيها للملك غياث الدين أبي الفتح محمد بن أبي يزيد ابن مراد بن عثمان كتاب جامع الحكايات ولامع الروايات من الفارسي إلى التركي في نحو (. .) مجلدات وتفسير أبي الليث السمرقندي القادري بالتركي نظماً وباشر عنده ديوان الإنشاء وكتب عنه إلى ملوك الأطراف عربياً وشامياً وتركياً فبالعجمي لقرا يوسف ونحوه بالتركي لآمر الدشت وسلطانها وبالموغولي لشاروخ وغيره وبالعربي للمؤيد الشيخ كل ذلك مع حرصه على الاستفادة بحيث قرأ المفتاح على البرهان حيدر الخوافي وأخذ عنه العربية أيضاً

стр. 3782

فلما مات ابن عثمان رجع إلى وطنه القديم فدخل حلب فأقام بها نحو ثلث سنة ثم الشام وكان دخوله لها في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين فجلس بحانوت مسجد القصب مع شهوده يسيراً ليكون معظم أوقاته الانعزال عن الناس وقرأ بها على القاضي شهاب الدين بن الحبال الحنبلي صحيح مسلم في سنة ثلاثين فلما قدم العلاء البخاري سنة اثنين وثلاثين مع الركب الشامي من الحجاز انقطع غليه ولازمه في الفقه والأصلين والمعاني والبيان والتصوف وغيرها وكان مما قرأ عليه الكافي في الفقه والبزدوي في أصوله وتقدم في غالب العلوم وأنشأ النظم الفائق والنثر الرائق وصنف نظماً ونثراً مرآة الأدب في علم المعاني والبيان والبديع وسلك فيه أسلوباً بديعاً في التلخيص وعمل قصائد غزلية في كل باب منه قصيدة مفردة على قافية أشار إليه شيخنا بقوله وأوقفني على منظومة في المعاني والبيان وأجاد نظمها وجعل كل باب قصيدة مستقلة غزلاً يؤخذ منه مقصد ذلك الباب انتهى. ومقدمته في النحو. ومقود لنصيحة. والرسالة المسماة بعقد الفريد في التوحيد. ونثراً تاريخ تيمورلنك سماه عجائب المقدور في نوائب تيمور. وفاكهة الخلفا ومفاكهة الظرفا. وخطاب الأهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب. والترجمان المترجم الأرب في لغة الترك والعجم والعرب. وأشير إليه بالتفنن حتى كان ممن يجله ويعترف له بالفضيلة شيخنا واثنى على نظمه التلخيص كما قدمته بل كتب عنه نظمه لدخله في البلدانيات فقال أنشدني بمنزلة برزة بالقرب من قرية القابون التحتاني في سابع رمضان سنة ست وثلاثين لنفسه: السيل يقلع ما يلقاه من شجر ... بين الجبال ومنه الأرض تنفطر حتى يوافي عباب البحر ينظره ... قد اضمحل فلا يبقى له أثرا مع حرص صاحب الترجمة حين كونه بالقاهرة على ملازمته والاستفادة منه بل امتدحه بقصيدة بديعة أتى فيها بالغار وتعامي وأهاجي وجناسات تلعب فيها بضروب الأدب أودعتها الجواهر والدرر سمعتها منه ومن لطيف أبياتها بيت جمع فيه حروف الهجاء وهو: خض بحر فظ حديثه تغش العلا ... وأجزم بصدقك ناطقاً إذ تسند وبيت عاطل هو

стр. 3783

العالم العالم الإمام لدى العلا ... العامل الحكم الهمام الأوحد وبيت شطره الأول مما يستحيل الانعكاس وشكره الثاني عاطل مع كونه مما لا يستحيل أيضاً فالأول مركب من آمن والثاني من أحمد وهو: نم آمناً من نمّ إنما آمن ... دم حامداً ما أمّ آدم أحمد وكثر اجتماعهما وطرح شيخنا عليه من الأسئلة التي فيها الفكاهة والمداعبة مما لا تعرف منه الملاءة والقدرة على التخلص منه ما أودعته منه أشياء في الجواهر عند الكلام على قدرة شيخنا في التفسير وغيره رحمهما الله. وكان أحد الأفراد في إجادة النظم باللغات الثلاث العربية والعجمية والتركية مجيد الخط جيد الإتقان والضبط عذب الكلام بديع المحاضرة مع كثرة التودد ومزيد التواضع وعظة النفس ووفور العقل والرزانة وحسن الثكالة والأبهة وسيماء الخير ولوائح الدين عليه ظاهرة وقد لقيته في القاهرة في الخانقاه الصلاحية سنة خمسين فكتبت عنه من نظمه أشياء وسمعت متن لفظه العقد الفريد وعقود النصيحة وكتبهما لي بخطه وبالغ في الأدب والتواضع ومات بالخانقاه المذكورة في يوم الاثنين منتصف رجب سنة أربع وخمسين ودفن بتربتها والناس مشغولون بالاستسقاء عند توقف النيل غريباً عن أهله ووطنه بعد أن امتحن على يد الظاهر جقمق وطلبه لشكوى حميد الدين عليه وأدخله سجن المجرمين فدام فيه خمسة أيام ثم أخرج واستمر مريضاً من القهر حتى مات بعد اثني عشر يوماً عوضه الله خيراً وترجمته محتملة للبسط فقد كان من محاسن الزمان وممن ترجمه المقريزي في عقوده ومما كتبه عنه لنفسه: قميص من القطن من حله ... وشربة ماءٍ قراح وقوت ينال به المرء ما يبتغي ... وهذا كثير على من يموت ومنه معمياً: وهك الزاهي كبدر فوق غصن طلعا ... واسمك الزاكي كمشكاة سناها لمعا في بيوت أذن لها الله أن ترفعا ... عكسها صحفه تلقى فيه الحسن (؟) أجمعا ومنه: فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وصوت

стр. 3784

فحبل العيش موصول بقطع ... وخيط العمر معقود بموت ومنه: وما الدهر إلا سلم بقدر ما ... يكون صعود المرء فيها هبوطه وهيهات ما في نزول وإنما ... شروط الذي يرقى إليه سقوطه فمن صار أعلى كان أوفى تهشماً ... وفاءً بما قامت عليه شروطه وترجمه بعضهم فقال: العلامة أحد أفراد الدهر في الفضل والسجع وعلم المعاني والبيان والبديع والنحو والصرف والنظم والنثر كان ممن أسرع مع اللنك (أي العرج تيبمورلنك) ونقل إلى سمرقند ثم خرج منها سنة إحدى عشرة وجال في بلاد الشرق ورجع إلى دمشق سنة خمس وعشرين وصنف عجائب المقدور في نوائب تيمور من ابتدائه إلى انتهائه أبان فيه عن فضل كبير وملكة للسجع وغزارة إطلاع بحيث لخصه المقريزي وترجم مؤلفه فقال: نثره سجعاً فعلا ورشحه بالأشعار فحلا. إلى أن قال: بأنه بحر بلاغة وفصاحة أنشدنا كثيراً من شعره وله معرفة بالفقه واللغة ولكن الغالب عليه الأدب وله نظم كثير منه مرآة الأدب يشتمل على المعاني والبيان والبديع وهو نظم بطريقة الغزل يكون نحو ألفي بيت وكتاب في علم النحو نظمه بطريقة الغزل أيضاً محو مائتي بيت وقصيدة غزلية في الصرف بديعة ماح بها بعض أعيان الدولة وقصيدة قي نحو مائتي بيت وشرحها في مجلد في مجلد وخضاب الأهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب بينه وبين البرهان الباعوني وحميد الدين القاضي أبان فيه عن حفظ كثير للغة وكثرة إطلاع وغزارة وفضل وسبب منعه أن الباعوني كتب له بستة أيام التزم فيها بانطا (؟) المسألة أولها: أأحمد لم تكن والله فظاً ... ولكن لا أرى لي منك حظاً واستوفى كثيراً من اللغة وكان قد وقع بينه وبين حميد الدين فحصل للشهاب سنة أخرى مثل نظره في كتاب اللغة وعملها في ستة أبيات التزم فيها الراء قبل الألف والراء بعدها: من مجيري من ظلوم ... منه أُبعدت مزارا واستوفى ما في الباب قال الشهاب فلم أجد له قافية فكتب على لسان حميد الدين قصيدة بغدادية أولها: أي خدانود عجعبو ... عن موالاة التناغي

стр. 3785

فلم يقدر على الجواب بمثلها وكتب إليه يقول: يا شهاب الدين يا أح ... مد يا ابن عربشاه واستوفى القافية فظفرت بأشياء ترككها فقلت: قد أتى الفضل عليه ... حلل اللطف موشاه فتعجب من سعة دائرته وكثرة اطلاعه ثم قال له أنا والله ما عرفتك إلا الآن قال فقلت له والى الآن ما عرفتني وطال الجواب بينهما على هذا المنوال حتى ألف ذلك مجلداً فمن ذلك ما كتب به البرهان: ابن عربشاه كف عني ... أو لا فخذ ما يجيك مني واعلم بأني خصم ألد ... الشر دابي والمكر فني خلفي رجال لهم مجال ... في الحرب لا يخلفون ظني إلى آخرها ومن جملة المراسلات أن البرهان أرسل عليه بعشرة أبيات التزم فيها الباء والياء واستوفى ما في الصحاح أولها: إن الذميم وأنت يا ... هذا ابن عين الخبير كذا واستوفى القوافي وظن أني لم أجد قافية فأجبته وآخر الأمر توجه عبد الحميد إلى مص ر وشكاهما إلى السلطان وقال لبه البرهان هجاني فلم يرد عليه إلا بقوله يكتب له من اليوم بكفه عن هجائه فلما خرج قال السلطان للشمس الكاتب أن الباعوني رجل جيد لولا أنه عرف منه شيءٌ ما قاله وألغز إليه أبو اللطف الحصكفي فأجابه بعد أن أجاب شعر القاهرة (؟) بغير المراد ثم ألغز هو إليه وأجابه بما لم أطل بإيراده هنا وشعره كثير جداً وتصنيفه الماضي فاكهة الخلفا ومفاكهة الظرفا في مجلد ضخم فيه عجائب وغرائب على لسان الحيوانات من أواخر ما ألف. ولما دخل مصر بعد الخمسين في الطاعون وجد غالب من ببيت الكمال ابن البزازي مات كزوجته وأخته فرثاهم بقصيدة طنانة على عدة قوافي وأظهر في مخالصها من كل قافية إلى الأخرى قوة كعجيبة وملكة للنظم لا ينهض غيره بشق غبارها من قافية اللام إلى قافية الألف إلى الهاء إلى غيرها تزيد عل سبعين بيتاً أولها: إلى مَ يردى بالكمال ... ويودي بالردى أهل الكمال اه.
следующие страницы →