← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

أم الطفيل ما للديار ترآى وهي أطلال ... هل خف بالقوم عنها اليوم ترحال كانت بها السمرات الخضر زاهية ... واليوم لا سمر فيها ولا ضال ما بالها وهي أنقاض مبعثرة ... تغبر فيهن أبكار وآصال هل هدَّ بنيانها من فوق صاعقة ... أو هدَّ بنيانها من تحت زلزال بل قد عفتها فلم تترك بها أثراً ... ريح لها من لهيب النار أذيال شب الحريق بها ليلاً مشيدة ... فما أتى الصبح إلا وهي أطلال أثارت النار في أطرافها رهجاً ... من الدخان كأن النار أبطال حتى حكت معركاً خرت بساحته ... صرعى بيوت وأموال وآمال دار السعادة أمست من تحرقها ... دار الشقاء وقد ضاقت بها الحال ترنو إلى البحر ترجو نقع غلتها ... لحظ المهجر إذ يبدو له الآل تنهال كالرمل بالنيران أدرؤها ... حتى تكاد لها الأرواح تنهال يا ريح مهلاً فلا تذري الرماد بها ... إن الرماد الذي تذرين أموال قد رحت للحي مذعوراً أيممه ... ولي عن الزمر الباكين تسآل وفي العراص ديار القوم خاوية ... وفي الشوارع نسوان وأطفال جلسن والشمس فوق الرأس دانية ... وللغبار بعرض الحي تجوال ولا خمار فيرددن الغبار به ... ولا يقيهن حر الشمس سربال حتى وقفت وقلبي كله جزع ... وأدمعي لجج طوراً وأوشال ما أنس لا أنس أم الطفل قائلة ... وفوق وجنتها للدمع تهطال إني تجردت عن دنياي حاسرة ... ما لي سوى طفلي الباكي بها مال أي امرئٍ بعد هذا اليوم ذي جدة ... يعولني حيث لا زوج ولا آل أودى الحريق بدارٍ كنت أسكنها ... وكنت من بعضها للقوت أكتال واليوم أصبحت لا دار ولا وزر ... آوي إليه ولا عم ولا خال إن الحريق خبت نيرانه ومضت ... وما خبت في فؤادي منه وجال يا رب رحماك إني اليوم عاجزة ... عما دها وبظهري منه أثقال يا رب قد ضقت ذرعاً في الحياة فما ... أدري حنانيك ربي كيف أحتال

стр. 4517

وعندما قد شجاني من مقالتها ... لفظ يقطعه في البين أعوال دنوت منها قليلاً وهي باكية ... ومن بكاها بقلبي هاج بلبال حتى وقفت وإيناساً لوحشتها ... حني رأسي وحني الرأس إجلال وقلت يا أخت لا تستيئسي جزعاً ... فإنما الدهر إدبار وإقبال أتجزعين اكتآباً بين أظهرنا ... وكلنا عنك للبأساء حمال ما لي أراك بعين اليأس باكية ... كأن أمرك عند القوم إهمال ألست من أمة أيدي الرجال بها ... قد فك عنهن بالدستور أغلال حتى لقد أصبحوا أبناء واحدة ... في المرزئات وهم في الحكم أشكال مستعصمين بحبل من أخوتهم ... يسمو بهم للعلى فضل وأفضال أمسى التعاضد كالحصن الحصين لهم ... إذا تصادم بالأهوال أهوال فاستبشري اليوم فيما مس من ظمأٍ ... بأن وردك عند القوم سلسال وان حقل عول في مساكنهم ... وما همو بأداء الحق بخال تلك التي قد شجتني في مقالتها ... وكم لها في نساء الحي أمثال فهل يصدق قومي ما ظننت بهم ... حتى تقوم لهم في المجد أفعال فالمجد يدرك مرماه البعيد فتىً ... رحب الذراعين طلق الكف مفضال وأكثر البذل حمداً ما يعان به ... من عضهم من نيوب الدهر إقلال يا قوم هذي سبيل العرف واضحة ... فليمض فيها بكم وخد وأرقال ومن تك الحال فيها لا تساعده ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال الأستانة الرصافي

стр. 4518

أخبار وأفكار الكليات الأميركية يخاف الكثيرون من التهذيب المشترك بين الجنسين أن يخرج النساء عن طورهن برقتهن ويفيدهن قسوة وصلابة لامتزاجهن بالذكور ولكن التجارب دلت على خطأهم وفساد مزاعمهم وانتشرت طريقة التعليم المشترك في معظم الكليات الأميركية فعدد الطالبات في جامعة نيلاند ستانفورد في كاليفورنيا يناهز الخمسمائة وقد حاولوا في جامعة شيكاغو أن يفصلوا بين الذكور والإناث في سن الطلب الأول. ولم تحافظ على القواعد القديمة سوى كلية هارفارد فإنها أصرت على إيصاد أبوابها في وجوه الطالبات وفي أميركا ٣٢١ جامعة وكلية ومدرسة عالية تقبل الطلاب والطالبات على السواء بدون أقل تمييز بين الجنسين. والتعليم في الجامعات الأميركية يقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول فيه أساليب خاصة بكل من الجنسين: والثاني يشترك فيه الذكور والإناث بدون تفريق ولا استثناء. والثالث يشترك فيه الجنسان ويختص الإناث بفروع تساعد في حياتهن المستقبلة. والمدارس المختصة بالإناث هي دون الجامعات في رقيها العلمي وأساليب تهذيبها وفي الولايات المتحدة الأميركية أربعمائة جامعة لكل منها رأس مال يبلغ عدة ملايين من الريالات ولها دخل سنوي لا يقل عن مليون ريال. فلا يستطيعون أن ينشئوا جامعات أنثوية تضارع الجامعات الراقية. ونرى من جهة ثانية أنه إذا وضعت خطط التعليم في الجامعات بدون نظر إلى الفروق الجنسية لم تجد الطالبات فيها ما يسعفهن على إنجاز وظائفهن الخاصة في حياتهن العائلية وقد نظر علماء الأميركيين في هذه القضية فأدخلوا دروساً كثيرة في بعض الجامعات يلقنونها للفتيات خاصة. وإليك مثالاً في خطة التعليم في جامعة شيكاغو: (١) حفظ الصحة الجسدية وعلاقاته الاجتماعية والأدبية. (٢) الهيجين العمومي. (٣) علم الحياة والبكتيريولوجيا.

стр. 4519

(٤) تدبير صحة الأطفال وينطوي هذا الدرس على المواد الآتية: الوراثة والبيئة. - ارتقاء الطفل الطبيعي والعقلي والأدبي. - حفظ الصحة في سن البلوغ. - ويضاف إلى هذه المواد ملاحظات عن الطفل في المدرسة واللعب والدرس وتأثير الأموال الطبيعية في ارتقائه الأدبي والعقلي. (٥) الأسرة. - باعتبار الوجهة التاريخية والفيسيولوجية ويدرسون أيضاً أحوال الأسرة الاجتماعية والأدبية والاقتصادية. (٦) درس في الشرائع الأكثر تأثيراً في حياة الأفراد والحياة التجارية. (٧) العلم السياسي. وفيه درس تأليف الحكومات المتحدة وظائفها وإدارة المملكة ومبادئ الحقوق الأساسية. (٨) تاريخ الصناعة ولا سيما ما يتعلق منها بالنساء. فمسألة التهذيب المشترك قد حلت في الجامعات الأميركية بحضور طالبات الدروس العالية واختصاصهن ببعض الفروع. أساليب التعليم الجديدة تمتاز فرنسا بارتقاء مدارسها ولا سيما معاهد التعليم الحر ويصح أن يكون في ذلك قدوة سائر الأمم إلا أنها ينقصها بعض الأوضاع التهذيبية الحديثة التي اتخذتها المدارس في أميركا وانكلترا واسكندينافيا. اجتذبت أميركا انتباه العالم المتمدن بتعليمها المؤسس على قواعد البسيكولوجيا فجامعة كولومبيا في نيويورك وجامعة شيكاغو فيهما معاهد خاصة لدرس هذه الطريقة وإصلاح ما تظهره الأيام فيها من الخلل وارتقاء خواص الطفل الأدبية والعقلية يرجع الفضل فيه إلى ذلك الأسلوب العملي المحض الذي يرقى بالطفل سنة فسنة بل شهراً فشهراً والطلبة من الجنسين ينتابون تلك المعاهد ويشتركون في تلقي الدروس وتراقب أحوالهم الصحية وتطبع تجارب الأساتذة وأبحاثهم في مجلة خاصة تدعى أخبار أساتذة الكليةفيطبقها الطلاب والطالبات الذين سيكونون أساتذة في المدارس الابتدائية والوسطى ويرفون جل عنايتهم إلى هذه الأبحاث والاختبارات التي كان لها أثر شديد في تربية الأطفال وترقية مواهبهم. أما في مدارس السويد فهم لا يعلقون على الذاكرة كبير أمر ولا يعنون بتلقين الطلبة دروساً

стр. 4520

يستظهرونها بل يلقون إليهم مبادئ العلوم الطبيعية والجغرافية وغيرها في شكل حكايات يرتاح إليها صغار الطلبة ويحفظون فيها مبادئ العلوم ولا يشعرون. وهذا الأسلوب المتبع في التعليم يشابه طريقة الأميركان من وجود كثيرة وقد انتشر في ألمانيا أيضاً طريقة الاستظهار الفاشية في المدارس الشرقية وبعض أقسام أوربا وهي تؤدي إلى خلاف الغاية المطلوبة فلا توسع مدارك الطفل ولا تمرن شعوره بل تؤول إلى انحطاطها شيئاً فشيئاً ومتى دخل الطالب غمار الحياة العلمية لم يستطع الانتفاع بما تلقنه من تلك المعلومات ولا وسعه تطبيقها. والمدارس الإنكليزية تعني بتعليم الطلاب والطالبات الأشغال اليدوية وتحاول أن تكون الواصلة بين الحياة المدرسية والحياة العملية. وللطرق التي تجري عليها المدارس الأميركية في التربية والتعليم مزايا أخرى وهي أن الطالبات يشتركن مع الذكور في تلقي العلوم ويتقاسمون لذتها جميعاً فتتوثق بينهم صلات لا أثر للميل الجنسي فيها ومتى خرجن إلى معترك الحياة وقفن إزاء الرجال وقفة القادر المستقل الواثق بنفسه والمعتمد على حوله وهي خاصة تمتاز بها المرأة الأميركية عن شقيقتها الأوروبية لأنها اعتادت من صغرها أن تعد نفسها مساوية للرجل. ثم أن وجود الطالبات يلطف من عواطف الذكور ويدمث من أخلاقهم فلا يشذ أحدهم عن المنهج السوي خيفة من عيون رفيقاته اللواتي يراقبنه مراقبة لها في نفسه تأثير يفوق تأثير مراقبة الأساتذة. وانتشرت هذه الطريقة في شمالي أوروبا أي في بلاد نروج فأكسبت النساء قوة وجلداً على مشقات العيش ومباراة الذكور في الحياة العملية ومشاركتهم حتى في الأعمال السياسية فنلن حق التصويت في انتخاب بعض المجالس ونبغت منهن نساءٌ فقن الرجال في جميع الأعمال التي تعاطينها وأصبحن قدوة للنساء العاملات في الممالك الراقية. التعليم الأدبي في اليابان التعليم في اليابان علمي محض وليس للديانة أقل سلطة في المدرسة ففرنسا واليابان هما المملكتان الوحيدتان اللتان نشرتا أصول التهذيب اللاديني العلماني في العالم بأسره. وفي اليابان فصل التعليم عن الديانة حسب شريعة التهذيب الصادرة سنة ١٨٧٢ ولا

стр. 4521

ينحصر ذلك في المدارس العامة بل يشمل المدارس الابتدائية والثانوية حتى التي تنشئها الجمعيات الدينية إذ يحضر عليها أن تلن التعاليم الدينية وهذا الفصل بين التهذيب والديانة كان القاعدة التي جرت عليها الحكومة منذ سنة ١٨٦٨ أي منذ فتحت البلاد اليابانية للأجانب. وقبل ذلك العهد لم يكن للحكومة أيسر اهتمام بالتهذيب العام بل تركته للأفراد حاشا بعض المدارس الأريستقراطية المختصة بأبناء الموظفين ولم تكن الحكومة تدير المدارس فقد نحن اليابان في التعليم منحى المدارس الغربية منذ نشر قانون التعليم سنة ١٨٦٨ وألفت فيها نظارة المعارف عقيب صدوره بسنة فلم تحجم الحكومة عن المفاداة بأعز ما لديها في سبيل الارتقاء ونشر التهذيب بين ظهراني الأمة. وفكرة التهيب العلماني ليست من ابتداع الحكومة الجديدة بل يجدون ما يشبهها في تاريخ اليابان القديم. فقسوس البوذيين لم يعلموا الديانة في معاهدهم ولا في مدارسهم المجاورة للهياكل والمعابد ومعظم الطلاب اليابانيين لا يزور الكنيسة المسيحية ولا الهيكل البوذي وإنما تنشئتهم على الآداب وكارم الأخلاق فالتعليم في اليابان علماني محض ليس للديانة تأثير فيه والأهلون راضون بما يعقب ذلك التعليم من النتائج ولهم كل الثقة بالأساتذة الذين يحبهم الطلبة ويحترمونهم. ليس للحكومة اليابانية ديانة رسمية ولكنها لا تقاوم الأديان بل تترك لكل فرد حريته المذهبية. الأمر الملكي والتهذيب -. سنة ١٨٩٠ صدر الأمر الملكي وفيه مثال للتهذيب الأدبي وجب على مدارس اليابان جميعها أن تتحداه وفيه كثير من الآراء التي تتفق مع آراء الفرنساويين وبعضهم يعزو وطنية اليابان إلى ما تبثه المدارس في نفوسهم بمقتضى الأمر الملكي لكنهم واهمون في ذلك لأن حب الوطن إحدى طبائع الرجل الياباني. والأمر الملكي قسمان أحدهما في التهذيب العام والآخر في التهذيب الوطني وإليك الواجبات التي ذكرت في الأول: حب البنين لآبائهم. تواد الأخوان والأخوات. اتفاق الزوجين. حفظ عهود الأصدقاء.

стр. 4522

الحشمة والاعتدال. الرغبة في خير الجميع. طلب العلوم والفنون. ترقية المواهب العقلية. الاشتراك في خدمة الأمة والوطن. احترام الشورى. طاعة القوانين. تضحية المنافع الشخصية في سبيل المملكة. والحكومة والإنسانية هي تنطوي على جميع الواجبات ومنها تنشأ فضائل الإخلاص والشهامة والصدق والأمانة والشجاعة والوطنية وهذه هي حقيقة التهذيب الصالحة لجميع الأعصر والأمكنة تشمل الشريعة الأدبية التي يجب أن يخضع لها العالم بأسره. والقسم الثاني يتفرع عن أحوال الشعب فقد أدبتهم بآداب خاصة وغرست في نفوسهم فضائل ينفردون بها. الأمة اليابانية عريقة في القدم وهي تعتقد أنها أسرة كبيرة من أصل واحد يقوم الملك عليها بمثابة الوالد واعتقادها هذا سبب احترامها الشديد للإمبراطورية فحب الإمبراطور والوطن واحد في عرفهم والميكادو ممثل الوطن. ويبالغ اليابانيون في إكرام أسلافهم وتبجيلهم ويستميتون في سبيل الوطن لأنه بلاد آبائهم وأجدادهم ومنذ ستة وعشرين قرناً أسس الإمبراطور الأول المملكة الأولى ولم تنج من الغزاة غير أن أهل البلاد اتحدوا على الذود عن حوضهم فلم يستعبدوا للفاتحين. ولا يتيسر لمطالع أن يفهم حقيقة احترام اليابانيين للأسرة الملكية وشدة تعلقهم برب السرير ما لم يعرف مبلغ احتفاظ القوم بذكرى أجدادهم وأنساب سلالاتهم فكل فرد منهم يعرف آباءَه إلى عهد بعيد والأسرة المالكة اليوم هي نسل الحكام الذين تعاقبوا على عرش المملكة اليابانية منذ نشأتها حتى عصرنا الحاضر وكلهم من أسرة واحدة. ويلقب الإمبراطور بابن السماء لأن الشعب يحسبه من سلالة الآلهة ولكن آلهة اليابانيين أسلافهم وأجدادهم فاحترامهم للإمبراطور فيه شيء من مواجب الدين. وأول تمدن شاهده اليابانيون كان عند مجاوريهم الصينيين غير أنه لم يؤثر في الروح الوطنية شيئاً وكانت قاعدتهم في التهذيب الروح اليابانية ثم الحكمة الصينيةودخلت البوذية إلى اليابان في القرن السادس فكان لها في آداب اليابانيين شأن خطير. ومنذ إصلاح سنة ١٨٦٨ طرأ على اليابان تغيرات جمة بانتشار المدنية الغربية ولكن النفس اليابانية لم تفقد شيئاً من خواصها ومزاياها.

стр. 4523

وفي كل مدرسة أوقات معينة للتعاليم الأدبية وهي لا تدرس في المعاهد الابتدائية والوسطى بل تتعداها إلى المدارس العليا والتجارية والفنية والطبية وغيرها والغاية من هذا التعليم صقل نفس الطفل وطبعه على المبادئ القويمة ويعلقون عليه شأناً جليلاً فيقولون أن ارتقاء مملكتهم وانحطاطها منوطان به إذ لهم ديانة يتأدبون بآدابها. وعند اليابانيين سنة يدعونها سنة القربان أو البوشيدو وقد ذكرت فيها آداب هؤلاء وما يجب أن يتحلوا به من الفضائل وفي مقدمتها الإخلاص للإمبراطور وطاعته وفداء النفس من أجل الحاكم والشجاعة والإقدام ويجب عليه أن لا يعرف في حياته الخوف وأن يكون أبداً على أهبة الموت في قتال خصم من أكفائه وأن يجمع بين الصلابة والحزم والجود والسخاء فيحمي الضعفاء ويجير المساكين ويستقيم في أموره وقد خسرت البوشيدو مظهرها القديم ولكنها اكتسبت شكلاً جديداً في نفوس الشعب. على أن التعليم الأدبي تعترضه عقبات كؤود أهمها إنفاق جل وقت الطالب في دراسته وتحصيله وتخير الأساتذة الكفاة ممن يصح اتخاذهم قدوة في الفضائل الخلقية وكثرة التبدلات في حياة اليابان الاجتماعية بانتشار المبادئ الغربية وتأصلها. وإذا كانت اليابان قد اقتبست أصول العلوم الحديثة والفنون عن بلاد الغرب فإن التعاليم الأدبية لم تتصل بها عن ذلك الوقت وإنما هي تركة الأسلاف والأجيال القديمة يحرص اليابانيون عليها اشد الحرص ويحفظونها خالصة من شوائب الفساد علماً منهم أن مستقبل مملكتهم معقود بها. التعليم الأهلي ألقى في نادي المدارس العليا بمصر أحمد أفندي فهمي القطان أستاذ التربية بمدرسة المعلمين الخديوية خطاباً قال فيه: مهما أطنبنا في شرح حسنات القرن التاسع عشر فإننا لا نشك لحظة واحدة في أن نظامات التعليم التي أوجدها ستكون إما سببا في سعادة عيش الجيل القادم ورغده أو أنها ستجلب عليه المصائب والحسرات. كان يلتفت في العصور المختلفة في البلاد المتمدنة بنوع خاص لتربية الأفراد الذين يحكمون البلاد ويديرون شؤونها في المستقبل وكان هؤلاء في العادة من نسل الحكام والأشراف وقد تكرم بعض الغيورين من وقت لآخر فسهلوا سبل التعليم

стр. 4524

لأفراد قليلين من أبناء الفقراء الذين أظهروا ذكاءً مفرطاً. استمر الحال على هذا المنوال حتى جاء القرن الماضي فتيقظ العالم المتمدن وإدراك كل وظيفة كبيرة كانت أو صغيرة وكل مهنة مهما كانت صغيرة لابد أن يستعد لها المحترف بها وذلك الاستعداد لا يكون إلا في المدرسة - وأقصد بذلك الاستعداد أن يربي جسمه وخلقه وعقله حتى يصبح قادراً على أمرين: الأول - أن يكافح الحياة ويصير قادراً على المعيشة وسط حبائل هذه الدنيا التي هي في تعقيد كل يوم عن سابقه. والثاني - أن يقوم بوظيفته أو مهنته القيام الذي يليق بالعصر الذي يعيش فيه وبالوسط الذي هو فرد منه. فما أدركت الأمم هذه الحقيقة بدأت تكون ما أسميه نظامات التعليم الأهلية - أي نظامات تضمن التعليم بجميع أدواره لجميع أفراد الأمة على اختلاف طبقاتها من غير تمييز بين وضيع ورفيع. ظهرت الاختراعات العلمية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر فأدخلت لتحسين الزراعة والصناعة وظهر في الوقت عينه أئمة للتربية رجال رأوا أن مستقبل بلادهم الحقيقي ليس بالزراعة والصناعة فقط بل هو بالتربية فقرروا نظريات شتى وبنوا عليها أعمالهم وأكدوا وجوب تهذيب الرجل الذي سيكون مزارعاً أو صانعاً في المستقبل - وجوب تهذيبه من الوجهة الجسمية والأدبية والعقلية. وقد قضت نفس تلك الاختراعات الصناعية على العمال بازدياد معلوماتهم حتى يصبحوا قادرين على إدارة الآلات الحديثة التي عهدت إليهم. ولا يخفى أن الرجل الذي يقضي كل حياته في تأدية عمل بسيط - نتيجة ثابتة مدى السنين كالفلاح مثلاً - لا تأتي عليه أحوال يحتاج فيها لإجهاد فكره أو تمرين قوته الاختراعية لمقاومة طارئ هو في الحقيقة لني قع - فالطبيعة تفقد عادة إجهاد النفس وفي المعتاد يصبح في درجة من الغباوة والجهل أقصى ما يمكن أن يصل إليها إنسان فكأنه اشترى مهارته في فلاحته بثمن غال ألا وهو فقد غرائزه الأدبية والاجتماعية والحربية ولكن واآسفاه هذه هي الحالة التي يصير إليها فقراء العمال أو بالأحرى أغلب السكان من كل أمة

стр. 4525

متمدنة - إن لم تبذل حكومتها كل جهد لمداواة تلك الحال. وبالاختصار فإن ظهور تلك الاختراعات في القرنين الماضين سبب نتيجتين: (١) وجوب تربية الأمة بأجمعها تربية عامة خوفاً عليها من السقوط. (٢) تربية الأفراد الذين سيناط بهم إدارة تلك الأعمال سواءٌ كانت زراعية أو صناعية أو تجارية - تربية خاصة تشمل دراسات العوامل الطبيعية التي اكتشفت وقتئذٍ. كانت إنكلترا في أول الممالك التي ظهرت فيها الاختراعات الصناعية الجديدة آخر الدول في تقرير التعليم العام فقد قررته بروسيا وسكونيا وورتمبرج في أواخر القرن الثامن عشر وفرنسا وكان لها نظام تعليم تم بكل حذافيره أيام نابليون أما إنكلترا فإنها لم تنشر المدارس الابتدائية لتعليم جميع أبناء الشعب إلا سنة ١٨٧٠ - ويلتمس المؤرخون لإنكلترا العذر في تأخيرها تعميم التعليم ويقولون أن الانقلابات الداخلية التي طرأت على دار ندوتها كانت سبباً في تأخرها. أما نحن فلم نفكر في التعليم أصلاً إلا منذ سنين قلائل مع أن مصر كما قال إسماعيل باشا الخديوي الأسبق هي جزء من أوربا فيجب علينا أن نجاري الزمن الذي نعيش فيه - يجب علينا أن نعمل لنشر التعليم بين طبقات الأمة حتى تستنير وتسير إلى الأمام بحزم وعزم ثابتين. يجب علينا ونحن جزء من أوربا أن نجاري أوربا تعليماً إن كنا نريد أن نجاريها زراعة وصناعة وتجارة. ولقد قال أحد أئمة التربية بأميركا في زمن شبيه بزماننا. نحن الآن نختبر أنفسنا في الحكم الذاتي - أي أن الأمة تحكم الأمة - ومن العادات المتبعة من قديم الزمان أن يكون للحكام أوفر نصيب من التعلم إذا اقتضى أن يتعلم كل فرد من أفراد شعب ديمقراطي حاكم نفسه بنفسه إذ أن الشعب هو الحاكم الحقيقي. قال المستر روبرت في مجلس النواب الإنكليزي عقب التصديق على لائحة الإصلاح الدستوري سنة ١٨٧٠: الآن وقد عيننا الشعب نواباً لتنفيذ أغراضه أو بعبارة أخرى وقد أصبح الشعب هو السيد الحقيقي فأول واجب مقدس علينا هو أن نربي جميع سادتنا. حارب نابليون البروسيين وكسرهم في واقعة بينا فجمع ملكهم شتات شملهم وخطبهم قائلاً: أيها الجنود ثقوا أن الفرنسيين لم ينتصروا علينا في ساحة القتال إن انتصارهم الحقيقي كان

стр. 4526

في المدرسة. قال ملك البروسيين ذلك اعترافاً منه بأن رقي التعليم الفرنسي وقتئذٍ عنه في بروسيا كان سبباً في انتصار الفرنسيين على البروسيين لذلك أفراغ البروسيون جهدهم في إصلاح التعليم بمملكتهم وحذا حذوهم جميع المملك الجرمانية الأخرى وانضمت جميعها تحت لواء الإمبراطورية الألمانية وخطا التعليم فيها خطوات واسعة ونبغ كثير من أئمة التربية في ألمانيا حتى جاءت سنة ١٨٧٠ فحارب الألمانيون الفرنسيين وكسروهم وأخذوا منها الألزاس واللورين ولكنهم في الحقيقة لم يأخذوا هاتين المقاطعتين في ساحة القتال، بل اكتسبوهما في المدرسة. إني لا أرى أن حالتنا الحاضرة تسمح لنا بمجاراة ألمانيا والسويد مثلاً في برامج مدارسها الأولية إذ هذا يحتاج لمالٍ أكثر مما يمكننا تديمه الآن - وعدد من المدرسين الأكفاء لا يمكننا الحصول عليه إلا بعد بضع سنين. فأرى أن نتبع الخطة الطبيعية ونبدأ صغاراً ثم نرتقي مع الزمن وبعد التجارب أراني مقتنعاً بنشر التعليم بواسطة الكتاتيب في الوقت الحاضر فإن المال الذي تحتاجه مثل هذه المعاهد قليل ومدارس معلمي الكتاتيب التي أخذت تنتشر في القطر كفيلة بتخريج العدد الكافي من المدرسين ما بين فقهاء وعرفاء فيجب علينا إذن أن يكون لدينا من الكتاتيب ما يفي بحاجة هذه الأمة. ولتنفيذ ذلك يجب على كل فرد غني أن يساعد الحكومة في إيجاد مثل هذه المعاهد وزكاة المال التي هي ركن من أركان الإسلام والتي من أجلها حارب أبو بكر الصديق ﵁ المرتدين من العرب هذه الزكاة كفيلة ببناء الكتاتيب. لذلك أقول ثانياً يجب على كل فرد غني منكم ومن جميع أبناء هذا القطر من حلفا إلى البيت الأبيض أن يقدم زكاة ماله لمواطنيه في شكل يفيد الجميع ولا أرى أفيد من إنشاء معاهد التعليم في الوقت الحاضر. ترمي التربية الحقة إلى ثلاثة أمور تهذيب الجسم والأخلاق والعقل. فالتربية الجسمية مهمة جداً إذ يترتب عليها تخريج رجال ونساء أشداء أقوياء يقدرون على القيام بواجباتهم المختلفة ولأن العقل الحكيم في الجسم السليم.

стр. 4527

أريد أن أرى أبناء مصر في صحة تامة وعضل متين ودورة دموية منتظمة. أما التربية الأخلاقية فلا يشك أحد في ضرورتها وجوبها فبها وحدها يتعلم الشعب الصدق والأمانة والوفاء بالوعد والإخلاص وآداب الزيارة والأكل والطريق واحترام الغير وغير ذلك. وبها وحدها تقل الجرائم على اختلاف أنواعها كالسرقة وكثير من المحرمات والمنكرات. وبالتربية العقلية تتهذب قوى العقل المختلفة ما بين ملاحظة وحفظ وذكر وتخيل وتفكر وبرهنة وحكم وقياس. فللعمل بموجب هذا التقسيم أقترح أن يكون برنامج التعليم بالكتاتيب كالآتي: أولاً - قراءة وكتابة ومبادئ اللغة العربية إذ هذه هي الواسطة الوحيدة للوقوف على ما يجري من الحوادث في العالم على وجه عام وبالوطن على وجه خاص. وبالكتابة تدون الكتب والتواريخ وهي الواسطة في المرسلة. ثانياً - حتى يعرف الشخص دخله ومصروفه ويعرف معنى التوفير والاقتصاد في المصروف ويعرف التاجر لدفاتره معنى والمزارع يدرك قيمة محصوله من القطن بالقنطار والجنية. ثالثاً - دروس الأشياء وتنتخب الموضوعات من الأشياء التي تحيط بالكتاب فإن كان في القرى وجب أن تكون أكثر الموضوعات زراعية وإن كان بالمدن تحتم أن يكون أغلبها صناعية ودروس الأشياء عظيمة الفائدة جداً إذ أنها تفتق الذهن وتدعو الطالب إلى ملاحظة ما يحيط به فضلاً عن كونها تعطيه معلومات مفيدة عما يحيط به من مزروعات أو مصنوعات. رابعاً - الخط. كي يتعود الطالب تحسين خطه ولا أرى أبداً ضرورة لتعليم الخط الثلث بمثل هذه المعاهد. خامساً - الأخلاق. وأرى أن يكون أساسها القرآن. وذلك أنه متى كان الدرس عل احترام الوالد مثلاً وجب على المعلم أن يستشهد بالآيات الكريمة التي تأمر بذلك وهكذا في الأخلاق الأخرى. ولسنا في حاجة لأن ندرس القرآن الشريف بأجمعه لمثل هؤلاء التلاميذ بل يكفي منه ما

стр. 4528

يتعلق بقواعد الدين والمعاملات المختلفة وذلك هو الجزء الذي يستظهر ويلاحظ في انتخاب الآيات الشريفة احتياجات التلاميذ - فلا ضرورة لإعطائهم شيئاً عن الزواج والطلاق مثلاً في سنيهم الأولى بل هم في حاجة لمعرفة قيمة الصدق واحترام الوالدين وطاعة الله ورسوله. وأرى أن لا يكون العمل العقلي بالكتاتيب إلا في الصباح فقط وبعد الظهر يتعلم التلاميذ أشغالاً يدوية - ففي القرى يتمرنون على الفلاحة وفي المدن يتعلمون مبادئ إحدى الصنائع. أما البنات فيجب أن يتعلمن الطباخة والأشغال اليدوية ومبادئ الاقتصاد المنزلي عامة. يجب الاهتمام بتعليم الفتاة إذ أنها ستكون أمَّاً في المستقبل فيجب أن نعدها لأن تكون أمَّاً صالحة. يجب أن نعلمها ونربيها التربية الحسنة حتى تقدر هي على تربية أبنائها الصغار قبل دخولهم المدرسة. أرسلتني الحكومة المصرية لدراسة الأشغال اليدوية ببلاد السويد في صيف ١٩٠٣ فدرست ما يتعلق منها بالتجارة على وجه خاص ثم بدأت أطوف البلاد السويدية لأرى نظامات التعليم بها وأكتب تقريراً عنها فزرت ذات يوم مدرسة للبنات في استوكهلم وكانت من أرقى مدارس البنات التي رأيتها في سياحاتي بأوربا. كان لتلك المدرسة مطبخ بالقرب منها تتعلم فيه البنات الطبخ فيذهب عشرون منهن كل صباح على التناوب ويطبخن الطعام نحن مراقبة ثلاث معلمات متخصصات بهذا الفن وكانت كل فتاة مرتدية الثياب الخاصة بالطباخات فوطة بيضاء طويلة على صدرها وقبعة صغيرة من التيل الأبيض فوق شعرها. وبجوار ذلك المطبخ قاعة كبيرة للأكل وبالقرب منها مصنع للأعمال اليدوية للذكور الفقراء الذين لا تقل سنهم عن اثنتي عشرة ولا تزيد عن ست عشرة. وكان هؤلاء الأولاد غالباً من المتشردين في الشوارع يؤتى بهم إما برضاهم أو بواسطة البوليس كي يتعلموا صناعة. والصنائع التي كانت تدرس بذلك المصنع هي النجارة والحدادة وعمل الأحذية والفرش سواء كانت للشعر أو للملابس أو غير ذلك. تطبخ البنات الطعام وتحضره للغذاء في قاعة الأكل وترتب الموائد وتقف في خدمة من

стр. 4529

يحضر لتناول ذلك الغذاء - أما الآكلون فكانوا تلاميذ ذلك المصنع المجاور - يأكلون بلا ثمن ويخدمون بلا أجر وبعد ذلك يذهبون لصنعهم لمباشرة أعمالهم - وما يخرجونه من أثاث أو فرش أو غير ذلك بتهافت الناس على شرائه حباً في مساعدة ذلك المعهد والثمن يكفي للأمور الآتية: (١) شراء ما يلزم المطبخ من سمن وخضر ولحم ووقود ورواتب معلمات الطباخة. (٢) شراء ما يلزم للمصنع من خشب وحديد وشعر وجلد ومشاهرات معلمي الصنائع. (٣) يبقى احتياطي يعطى منه ١٠ جنيهات بصفة مكافأة لكل تلميذ أقام سنتين بالمصنع وأتقن صناعة ما وحسنت في حقه الشهادة - يعطى ذلك المبلغ مساعدة له في الشروع في فتح دكان للنجارة أو الحدادة أو غيرهما حتى لا يعود كما كان متشرداً بالشوارع وكنت عد زيارتي لذلك المعهد أتباحث مع مديره في فوائده. فبعد أن ذكرت له ما تراءى لي من تلك الفوائد قال لي: فاتتك فائدة كبيرة فإنك تعلم أن التعلم ببلاد السويد إجباري مجاني من زمن مديد فأبناؤنا متعلمون وخدمتنا متعلمون فالجو الأدبي في منزلي نقي طاهر والجو في المدرسة كذلك نقي طاهر - فإذا خفت على آداب ولدي مثلاً فلا أخاف إلا من الشارع حيث المتشردون - فهذا المصنع وأمثاله يجمع المتشردين من الطرقات وبذلك يصير جميع جو المدينة نقياً طاهراً لا تسمع فيه لفظاً واحداً يمش شعورك إذ تشمئز منه نفسك وقد جرت لي حادثة أثناء وجودي بقاعة الطعام - وذلك أنني رأيت فتاة تبلغ من السن نحو الرابعة عشرة ذهبية الشعر زرقاء العينين معتدلة القوام بيدها ممسحة بيضاء تنظف بها أواني الأكل وأدواته قبل تقديمه للأولاد - فذهبت لمحادثتها كي أعرف إن كانت تخدم هؤلاء المتشردين اضطراراً وخضوعاً لأمر مدرستها أم ماذا؟ وقلت لها أمثلك يخدم هنا المشرد القذر؟ فرفعت عينيها الزرقاوين وهزت رأسها في وجهي وقالت بعظمة وربما كان باحتقار لي: ومعناها بالعربية أما هو سويدي فشعرت بارتياح وأدركت أن هذه الفتاة الجميلة تخدم هذا الولد القذر طوعاً ر كرهاً - تخدمه لأنه سويدي وهي سويدية. وفي تلك اللحظة قرب مني مدير المصنع وأظهر اهتماماً زائداً بمحادثتي الفتاة ولما انتهيت أخذني على انفراد وقال لي أتعلم من اخترت لتوجيه سؤالك. قلت: لا قال هذه حفيدة الملك

стр. 4530

- حفيدة الملك أوسكارا - فدهشت دهشة شديدة ثم أفقت لنفسي مسرعاً وقلت له: إن هي إلا برهان حي تأثير حسن التربية فالتربية الحقة تلطف الشعور التربية الحقة لقرب القلوب بعضها من بعض تغرس في القلوب حب الوطن والمواطنين. قررت إنكلترا أن يكون التعليم الإجباري من سن الخامسة إلى الرابعة عشرة ولكن ألمانيا والسويد قررتاه من السادسة إلى الرابعة عشرة فكأن الممالك الثلاث اتحدت في تحديد نهاية التعليم الإجباري ولكنها اختلفت في سن الابتداء وعندي أن يعمل بموجب نظام ألمانيا والسويد إذ يجب أن يترك الطفل عدداً من السنين يرتع ويجري ويلعب ويقوى جسمه قب دخوله في مضمار التعليم حتى يكون له من الجسم والصحة المخ ما يضمن لنا قيانه بأعماله العقلية بدون تأثير في جسمه أو إضعاف لمخه كما يحصل كثيراً للمحترفين بمهن عقلية محضة - فمن رأيي إذن أن يكون التعليم الإجباري بهذا القطر من سن السادسة إلى الرابعة عشرة. يقضي التلميذ الثلاث سنوات الأولى بالكتاب وبعد ذلك يجب أن ينتقل إلى المدرسة الابتدائية فيمضي فيها خمس سنوات ويجب أن يكون برنامج المدارس الابتدائية على طراز يؤهل التلميذ للانخراط في سلك المدارس الثانوية إذا أراد أن يشمل برنامجها شيئاً من الصناعة والزراعة ولذا يجب أن لا يشتغل تلاميذ هذه المدارس بالمواد العقلية إلا في الصباح. فمتى اجتمع هذان الشرطان أمكن التلميذ دخول المدارس الثانوية ومنها إلى المدارس العالية أو الجامعية. أما إذا كان برنامجها لا يؤهل التلميذ لدخول المدارس الثانوية فنكون كأننا أغلقنا باب التعليم في وجهه عقب انتهائه من دور التعليم الابتدائي وبذا نكون قد أتينا جرماً لا يغتفر. هذا فيما يخص طالبي التعليم المجاني إما الأغنياء فعندي أنه يجب أن يكون نظام تعليمهم كالآتي مدارس بساتين الأطفال أو الكندرجارتن. كما سماها موجدها فردريك فرويل الألماني. وهي مدارس لصغار الأطفال من سن الرابعة إلى الثامنة تقريباً وفيها ينظر للطفل كما لو كان نباتاً صغيراً يقوم بحين العناية والمدرسة هي في هذه الحال بستان والبستان هي المدرسة إذ دلت التجارب على أن النساء وحدهن هن القادرات على إدارة

стр. 4531

مثل تلك المدارس - فيرى الطفل في هذه المعاهد من الوجوه الثلاثة الجسمية والأدبية والعقلية. وبعد أن يخرج الطفل من بستان الأطفال يجب أن ينتقل إلى مدرسة ابتدائية تؤهله للمدارس الثانوية ومنها ينتقل إلى المدارس العالية أو الجامعات. أما الاختصاص في دراسة الزراعة أو الصناعة فيجب أن لا يأتي إلا بعد التعليمين الأولي والابتدائي على الأقل حتى تضمن لذلك المزارع أو الصانع مقداراً وافياً من الذكاء يؤهله للقيام بأعماله بفكر وروية. أما في الوقت الحاضر الذي يكثر فيه عدد الأميين من البالغين الراشدين فيجب أن نعمل عملاً آخر بجانب عملنا الخاص بالأطفال. يجب أن نسرع في إعطاء هؤلاء المساكين شطراً من التعليم يساعدهم على ترقية أحوالهم ويمكنهم من أن يكونوا أعضاء عاملين في المجتمع الإنساني بالمعنى الحقيقي. السينماتوغراف الناطق اختراع جديد لأديسون لم ينجزه بعد وإنما أجرى بعض التجارب في نيويورك فاتت بنتائج موافقة ويرجو المخترع أن يتغلب على ما يعترضه من العقبات. لغة الاسبرانتو وضعها ذاك الطبيب الروسي لتكون كما هو معلوم اللغة التي يتفاهم بها بنو البشر وهي لتنتشر يوماً فيوماً فلجمعية الاسبرانتو الألمانية ١٩٣ فرعاً يبلغ أعضائها ٦٠٠٠ وللجمعية البريطانية ١٣٠ شعبة يختلف أعضاؤها بين الأربعة والخمسة آلاف. أما فرنسا فقد سبقت عامة البلاد إلى درس لغة الاسبرانتو ففيها ٣٤٠ جمعية أعضاؤها عشرة آلاف وعدد جمعيات هذه اللغة في العالم بأسه يناهز الألف وستمائة. المؤتمر النسائي السادس اجتمع في مدينة استوكهولم برئاسة العقيلة شبمان كات فافتتحت الحفلة بخطاب ذكرت فيه انضمام بلدين إلى الاتحاد النسائي وهما سربيا وايسلاندا فبلغ مجموع البلاد المنضمة ٢٤ وقالت إن النساء في خلال سبع سنوات الأخيرة قربن من مطالبهن في خمس عشرة أمة وفي هولاندة والسويس نلن حق الانتخاب لعضوية الكنائس وفي الدانيمارك حزن حق

стр. 4532

التصويت في المجالس العامة وفي أوستراليا ونروج وفنلاندا أو بعض أقسام أميركا الشمالية تعد النساء (منتخبات) وقد تألفت عند انعقاد هذا المؤتمر جمعية للرجال الساعين في إسعاف النساء بمطالبهن. انتباه الصين عين أحد أمراء الأسرة المالكة وزيراً فانتقد الناس تعيينه انتقاداً شديداً وقام الفوضيون يهددون حتى قال المارشال فوكي التتري أنه يوم الانتقام للأربعمائة مليون صيني الذين تظلمهم الأسرة المالكة. على أن الصحف الصينية تطري الأمير الوزير لأنه صرح أن الوطنيين في الحقوق سواءٌ وقد صدرت الأوامر إلى رجال السياسة والقنصليات أن يرتدوا بالملابس الأوروبية على بعض التغيير فيها وأصبح رجال الصين يؤمون بلاد أوروبا لتلقي العلوم الحديثة ولم يكونوا يجيئونها قبل ثورة البوكسر سنة ١٩٠٠ وصدر الأمر بتبديل الأزياء على أثر ما كان من سخرية الأوروبيين بعظماء الصين الذين يشخصون إلى ديار الغرب ولكن نهضة الصين ترافقها جميع معايب المدنية الحديثة فالمبارزة دخلت حديثاً للبلاد وشرع الفوضويون باستعمال الديناميت. حوض البحر الميت يشغل البحر الميت ٩٢٦ كيلومتراً مربعاً ومياه ملأى بالحمر وقد كانوا يستخرجون من جنوبه أيام عظمة بيزنطة المرمر الثمين والرخام السماقي والكبريت والنحاس والملح ومع هذه الثروة الطبيعية فقد أضرب القوم منذ عهد بعيد عن التعدين فيه حتى نال ملك الامتياز أحد موظفي الأتراك وقد أوشك أن يتنازل عن حقوقه إلى ماليين أميركيين لقاء مليون ونصف من الريالات. الموت جوعاً دل الإحصاء الرسمي على النتيجة المحزنة الآتية وهي أن ١١٩ شخصاً هلكوا في إنكلترا جوعاً خلال سنة ١٩٠٩ ومنهم ٥٤ قضوا نحبهم في لندن عاصمة الدولة البريطانية وأكبر مدن العالم فاعتقد الكثيرون أن هؤلاء البائسين لم تسعفهم الجمعيات الخيرية بشيء. العمال الليليون

стр. 4533

من أغرب ما يشاهد في نيويورك أن مائة وخمسين ألف عامل يقومون بواجباتهم ليلاً وبينهم قواد الترامواي والحوذيون والوقادون ومستخدمو البريد والتلفون وغلمان المطاعم والمسارح فدار في خلد بعضهم أن ينشئ ملهى يشتغل من الساعة الواحدة بعد الظهر إلى الرابعة والنصف لأن معظم هؤلاء يودون أن يروا شيئاً من الملاهي عند إفاقتهم الظهر قبل العودة إلى أعمالهم فأنشئ الملعب ونجح نجاحاً باهراً فاقتفى كثيرون أثر منشئيه وقاموا بأعمال أخرى من إلقاء الخطب والمحاضرات والاجتماعات الدينية. الفنون في الدور الحجري بينت الحفريات التي جرت سنة ١٨٧٥ في وادي الفيزيران أن الإنسان في الدور الحجري كان ماهراً في الفنون فقد استطاع أن يحفر على الحجر صور الحيوانات التي عاش بينها وفي الحفر دقة غريبة ومهارة معجبة وقد وجدوا أجمل تلك الرسوم في مغارة التاميرا فرأوا صور البقر والخيول الوحشية والخنازير البرية وقد رسمت بالتراب الأحمر والأسود في مظاهر مختلفة وبمهارة فنية مدهشة واكتشفوا رسوماً أخرى في كومبارس وكلها تروق النظر بدقة صنعها ومن أجمل ممثلات الفن في العصور الحجرية الرسوم التي عثروا عليها في مغارة نيو فقد وجدوا الرسوم مخطوطة بالمراود وبمزيج من الفحم وأوكسيد المنغنزيا ورأوا في غيرها من المغاور رسوماً ونقوشاً ترد إلى ما قبل العصر الحجري وقد نقشت على العظم والعاج ثم انحطت هذه الفنون في العصور التالية لأسباب لا تزال مجهولة. المناطيد في الحرب يتوقعون أن يستخدموا المناطيد في اكتشاف مواضع العدو فتحقن بذلك دماء جنود الاستكشاف ويفضلون في هذه الخدمة الطيارات على المناطيد المسيرة وميزة هذه أنها تستطيع الوقوف على علو شاسع إذا كان الهواء ساخناً لتفحص الأراضي بدقة ويحاولون اليوم نقل الأثقال في المناطيد وقد استطاع المهندس بريكث أن ينقل ١٢ شخصاً وزنهم ٦٣٣ كيلو. إن قطعاً معدنية صغيرة تزن إحداها خمسة وعشرين غراماً إذا ألقيت من طيارة تجري على علو ١٣٠٠ متر بسرعة ٩٠ كيلو متراً تنفذ في الأجسام نفوذ قذائف البنادق وعشرة آلاف من هذه القطع لا تزن أكثر من ٢٥٠ كيلو.

стр. 4534

انتقال الطيور عكف العلماء على دراسة هجرات الطيور وتمكنوا من معرفة أمور عنها على أنها لا تزال محاطة بالأسرار الغامضة فلم يستطيعوا أن يفسروا كيف يجتاز بعض أنواع الطيور ٣٨٥٠ كيلومتراً فيعبر الأوقيانوس إلى جزائرها واي وكيف ينتقل سنونو البحر كل سنة من أقاصي الشمال إلى البلاد التي حول البحر المتوسط فيقطع في ذهابه وإيابه نحو ٣٥٠٠ كيلومتر وقد أبدى أحد العلماء ملاحظات غريبة بهذا الصدد فقال: إن هجرات الطيور بمسافات قصيرة فارتادت الأرض وكانت المسافة تبعد كلما جربت تجربة عند ما عرفت الطيور مزايا الهجرة التي اعتادتها. أما المسالك الهوائية التي ينتخبها النازحون فلم يقروا عليها إلا بعد أن أثبت لهم الاختبار أنها أمثل الطرق إلى أماكنهم الصيفية أو الشتوية والمزية التي جعلتهم يؤثرون تلك السبل على سواها هي أنهم يجدون فيها الغذاء الكافي أثناء رحلاتهم غير مراعين في ذلك طول الطريق وقصرها قال فالقمري ذوه الرأس الأسود يمعن في جنوبي الولايات المتحدة عند نهاية نيسان حتى يبلغ المكسيك ويرافقه في رحلة السنونو الأميركي وفي أيار يعود إلى الشمال في طرق أخرى فيتدرج قسم القمري نحو ألاسكا تواً يتخطف السنونو إلى كريلاندا فتزيد مسافة ما يجتازه ٣٢٠٠ كيلومتر ويتقوت في رحلته بما يعرض له من الهوام الطيارة. بحيرة تشاد ليس هذه البحيرة الأفريقية التي يكثر الجغرافيون من وصفها مزايا غيرها من البحيرات فقد قررت بعثة بتلهو أنها أشبه بمستنقع قليل العمق يمتد على مسافة واسعة ويختلف مقدار مياهه باختلاف الفصل وكمية الأمطار ومياه تشاد نقية تقل فيها كلورات الصوديوم مما يدل على وجود مصرف خفي لها تحت الأرض وقد اكتشفوا بحيرة أخرى جفت مياهها وكانت قبلاً بمثابة مصب لبحيرة تشاد واقعة على بعد ٤٠٠ كيلومتر إلى الجنوب الغربي ويزعمون أن هذه البحيرة كانت إحدى موارد النيل. غدائر الصينيين كان الصينيون يفاخرون بذوائبهم المسدلة على ظهورهم حتى دخلت بلادهم المدينة الحديثة فشرعوا يجزونها ولهذا التبديل نتائج اقتصادية واجتماعية خطيرة الشأن فإن الصيني كان

стр. 4535

يصرف على هندمة شعره خمس عشرة دقيقة في اليوم على الأقل وإذا حسبنا إن الرجل يجب إن يدفع للمزين خمسة سانتيمات على الأقل عرفنا المبلغ الكبير الذي يقتصده الصينيون بالإقلاع عن تلك العادة ثم إن الذوائب تخلق الثوب الذي تسدل عليه فتقل مدة بقائه عشرة في المائة فإذا وفر الصيني على الوجه عشرين سانتيماً في السنة اقتصدت الأمة نحو مائة مليون فرنك سنوياً نضيف إليها ثمن أوقات الهندمة ونفقاتها فيبلغ المجموع بضع مئات ملايين من الفرنكات فجز الغدائر في الصين عمل اجتماعي اقتصادي تربح البلاد منه أرباحا طائلة. مستقبل الكونفوشيوسية ارتاح اليابانيون ارتياحاً شديداً إلى تعاليم الديانة الكونفوشيوسية وفي جميع البلاد اليابانية الكبرى يلتقون في فصلي الربيع والصيف محاضرات عن الفيلسوف الصيني العظيم فيأخذ الأساتذة البارعون يسردون فضائله ومزايا تعاليمه وتلتف حولهم الجماهير الغفيرة تتلقى عنهم العقائد كما تلقاها أول أتباعه لم يطرأ عليها خلل ولا تحريف. تاريخ الملاحة اسم رجل الأول الذي ركب البحر غائب في ظلمات العصور ولكننا نعرف إن الإنسان اقتحم البحر على جذع شجرة واستعان على التجذيف بغصن من غصونها ثم شرع بتجريف الجذع فبدأت الزوارق الحقيقية تطفو على وجه الغمر ثم استخدم الريح في تسيير السفن وأقدم ما نعرف من السفن الشراعية مراكب البابليين التي اخترعتها مصر وفي مؤخرتها غرفة للربان على سطح مرتفع يمكن الربان من مراقبة السفينة ويأتي الفينيقيون بعد المصريين وقد نشروا تجارتهم البحرية في جميع سواحل البحر المتوسط وركب اليونانيون اللجج في القرن الثالث عشر قبل المسيح وفي مراكبهم الحربية كانت تقف المقاتلة على جسر طاف ثم تجيء المراكب الرومانية وقد أصبحت أشبه بقلاع تطفو على وجه اليم مزدانة بقطع من الرخام وتماثيل محفورة وأصنام من البرونز وفيها المكاتب الواسعة على نحو ما كانت عليه سفن كاليغولا في سفراته على سواحل كامبانيا. ومركب الفكين صلب البناء قصدوا فيه إلى مقاومة الأمواج المتضاربة في بحور الشمال ولهذا بني الفريد الكبير أسطولا لإنكلترا.

стр. 4536

على ذلك الطرز ولكن الملاحة الحديثة في تلك البلاد ترتقي إلى عهد تيدروس وأول باخرة اجتازت بحر الظلمات الاتلانتيك سنة ١٨١٩ بنيت في أميركا ودعيت سافانا ولكن الجمهور لم يرغب في ركوب السفن البخارية ولم تزل شكوكه ومخاوفه حتى كانت سنة ١٨٣٨ فاجتازت الاتلانتيك أربع سفن تجارية كبرى بدون مساعدة القلوع. أسنان من خشب اخترعها أحد أطباء اليابان لتقوم مقام العاجية وغيرها ولا يزال فيها بعض الخلل غيران المخترع يرجوا أن يتداركه. الهجين العام شرع الصينيون يفكرون في حفظ الصحة فاتخذت مراكز الإمبراطورية الوسائل الفعالة لمقاومة الطاعون وأنشئت في البلاد الإدارات الصحية. جامعة باريز يزداد عدد الطلاب في هذه الجامعة سنة فسنة وعدد الأجانب فيها يقارب عدد الفرنساويين ففي قسم الآداب يوجد١٨٠٠ أجنبي و١١٤٧ فرنسوياً وفي قسم الطب ٣٥٠ أجنبي و٣١٨ فرنساوياً ومجموع طلبتها ٢١٢١. موسيقى المستشفيات ألفت في باريز موسيقى خاصة بالمستشفيات تعزف لتسلية المرضى ولا سيما الناقهين منهم فأتت بنتائج حسنة حملت جميع البلاد على اقتفاء أثر فرنسا في هذا العدد فتألقت موسيقى من نوعها في بطرسبرج عاصمة البلاد الروسية. الاتوموبيل في ألمانيا نجحت صناعة الاتوموبيل في ألمانيا نجاحاً باهراً فزاد من عدد معاملها من ١٥ إلى ٥٨ في بضع سنوات وارتقى ثمن المصنوعات من ستة ملايين مارك إلى ثمانين مليوناً. قوة الولايات المتحدة بات حديث الحرب شائعاً في جميع أنحاء الولايات المتحدة وشرعوا يتساءلون عن مبلغ قوتها أبان الحرب فكتب كاتب أميركي يقول: عندنا جيش منظم ففي زمن الحرب نجهز

стр. 4537

الميليس والمتطوعين فيستدعي الأولين رئيس الجمهورية على إن الآخرين لا يجتمعون إلا بعد قرار المجلس والميليس أنفسهم يقسمون إلى قسمين الحرس الوطني وغير المنظم ولنا حسب تقرير سنة ١٩١٠ جيش فيه ٨٥٣٩٢ جندياً وضابطاً وليس لنا من فرق الخفر سوى فرقة المدفعية الساحلية والتابور يؤلف من ٨٠٠ إلى ألف رجل فيهم المشاة والمدفعية والفرسان وليس عندنا في زمن السلم سوى ٣٤٤٥٦ جندياً وضابطاً وينبغي لنا إن نجند ٧٠٠٠ آخرين ليكونوا قوة سيارة ومعظم ما يبلغه عدد الميليس المنظم ١١٩٠٠٠ بين جندي وضابط إما سائره فلا يعول عليه في غمرات الحرب وإذا ضمنا إليهم المتطوعة بلغ عدد جيشنا ٢٢٤٠٠٠ تملك ٥٣٢ مدفعاً. يقولون إن الحاجة تسن الشريعة فعلينا إن نحشد الجيوش وندعو الأمة لحمل السلاح وفي الولايات المتحدة ١٦ مليونا من الرجال تختلف أعمارهم بين ١٨و٤٥ فإذا دعي نصف هؤلاء للتدريب كان لنا جيش يبلغ الثمانية ملايين يذود عن بلادنا غارات الأعداء ولا ينكر إن موانينا محصنة ولكن تنقصها الذخائر والمؤن. جنازات المصريين كان قدماء المصريين في عهد الفراعنة يعتقدون أن الأموات يعبرون إلى ما وراء جبال ليبيا حيث تموت الشمس في المساء لتعبث في اليوم التالي فكانوا يشيدون أضرحتهم في الغرب ويحسبون إن الأموات ينزلون سهل عيرو وفي إحدى أوراق البردي المكتشفة رسم الشعائر الدينية التي قاموا بها في جنازة إحدى السيدات وكانوا يحاكمون الميت محاكمة عثروا على صورتها في ورقة أخرى ويضحون عن نفس الأموات. التلفون في الأبعاد الشاسعة تقدمت المراسلات التلفونية تقدما غير منتظر ونجح المكتشفون بنقل الأصوات في الأبعاد الشاسعة فمدوا أسلاكا تحت البحر بين أبونس كليف قرب دوفر في انكلترا ورأس كرينة في فرنسا وقد توفرت في الأسلاك جميع الشروط المطلوبة حتى إنها فاقت عامة الجهازات المستعملة للمخاطبة عن بعد سحيق ويمكن استعمالها بين محطات لا تتجاوز المسافة بينها ألفاً وخمسمائة كيلو متر ويعتقدون إنهم يستطيعون إن يصلوا بين لوندرا وأستراخان بالتلفون فيتجاوز مدن أوربا كافة ويؤكد المهندس الانكليزي إنه بعد عشر سنوات تقدر شيكاغو إن تخاطب بطرسبرج وشركات التلغراف والتلفون في أميركا ترى إنها بالغة يوما

стр. 4538

يتسنى لها فيه الوصل بين شرقي الولايات المتحدة وغربيها بأسلاك التليفون وتعلن إنه قبل انقضاء هذه السنة يتم معظم المشروع ويسود في نيويورك ولوندرا اعتقاد بأن الاكتشافات الكهربائية ستجعل المخاطبة التلفونية ممكنة بين أي نقطة وثبت اليوم إن الأصوات المنقولة ممكنة بالجهازات الخفيفة تسمع بوضوح وجلا وعرفوا من التجارب إن ليس ثمت من فائدة في تغليف الأسلاك بالمطاط إذا لم يكن منه إضرار وفي التليفون أسرار لا تكتشف إلا تدريجيا كما هي الحال في التلغراف والفونغراف والنور الكهربائي ومحركات البخار وتوفر العمال على الإتقان يذلل كل يوم عقبات جمة حتى لنستطيع القول مع نابليون إن العالم ليس لديه مستحيل. باريز ميناء بحرية يفكرون اليوم بحفر قناة بين باريز والأقيانوس ويقدرون نفقاتها بنحو أربعمائة مليون فرنك ويبلغون في منزلة هذه القناة الاقتصادية والحربية غير إن باخرة واحدة تغرق فيها أيام الحرب تسدها وتجعل المرور فيها مستحيلا والقائلون بالمشروع يهيجون رغبة الناس إليه ويضربون الأمثلة إن انكلترا حفرت قناة مانشستر وألمانيا قناة كيال وإن بلجيكا تدأب لتحول عاصمتها بروكسل إلى فرضة بحرية. ولكن هذه الأفنية الأجنبية لم تكن للدول مورد غنم وفائدة لأن أرباحها ضئيلة جدا مقابل نفقاتها الفاحشة. المرض في روسيا نشر أحد الأساتذة في الأكاديمية الطبية إحصاء للأمراض التي تنتاب الروسيين جاء فيه إنه يمرض كل سنة منهم ١٧مليونا أي واحد في السنة ويحدث مليون وخمسمائة ألف وفاة. إما الإصابات فمنها ستة ملايين بالأمراض السارية يتوفى منها ١٢٠٠٠٠٠٠ وأشد تلك الأمراض فتكا الجرب والملاريا والسل الرئوي وحمى التيفوس. التعليم في نروج سنة ١٨٨٥ أنشئ في نروج جامعة للفعلة مدت فروعها في البلاد منذ ذلك الحين فأصبح لها سبعون شعبة ونظارة المعارف تساعد هذه الجامعة والفعلة المتخرجون فيها يشهدونها بالهبات والاعطات ويبلغ عدد الحضور في جامعة كريستيانيا ٤٢٠٠٠ وهو عدد مفرط الكثرة بالنسبة لعدد الشعب وفي هذه الجامعات مكاتب للمطالعة ومعامل من الطراز الأول.

стр. 4539

الجامعات في الدانيمارك الدانيمارك بلاد زراعية رأى النابغون من أبنائها أن يتلطفوا بنشر المعارف في أمتهم فأنشأوا الجامعات الوطنية تلقي دروسها في الشتاء فقط إذ لا يكون للزارع وقتئذ ما يجب عليه عمله فيجتمع إليها ألوف من فتيان الدانيمارك ومزارعيهم ممن يعملون صيفا في الحقول والمزارع فيقبلون علي الطلب ويتلقون الدروس في معاهد تقوم بها جمعيات مختلفة تمدها الحومة بالمال ويقصدون من هذه الدروس إلى تعريف العامل بوسائل تحسين الزراعة فيدرسونه الكيمياء والزراعة على الأصول الحديثة ويزودونه بالمعارف التي تفيده في حياته ولا يهملون فيها التهذيب العام. المدرسة الإفرنسية في بطرسبرج تسعى فرنسا لنشر تهذيبها في العالم بأسره فهي لم تكتف بمن يفد عليها من الطلبة الأجانب بل عمدت إلى نشر مدارسها في البلاد فأنشأت مدرسة فلورنسة وأخرى في مدريد وسيؤسس لها مثيل في بطرسبرج عاصمة الروس وقد قال أحد كبار الفرنساويين إن وجود مثل هذه المدرسة في عاصمة شعب يبلغ عدده ١٦٠ مليوناً شديد الارتباط بالشعب الفرنساوي يكون له نتائج جلى فأصغت أمته إلى قوله ولا يلبث المشروع إن يتحقق. دور المطالعة في أميركا سبقت أميركا سائر البلاد في إنشاء هذه الدور وتألفت الجمعيات للإكثار منها. وعقد مؤتمر لها في فيلادلفيا سنة ١٨٧٦ قرر أن تنشر دور المطالعة في عرض البلاد وطولها لتهذيب الشبان والعمال وكانوا لا يسمحون بدخولها إلا لمن ناهز الثامنة عشرة من عمره ثم خفضوا ذلك إلى الثانية عشرة فالعاشرة فالثماني وقيموا تلك الدور مكلفون بإرشاد الأطفال إلى مطالعة الكتب الأغزر فائدة لهم وقد يجيئهم الطفل طالبا كتاب قصص عن ذوي الجلود الحمراء فلا يزالون به حتى يطلب كتابا أوفر نفعا وأجزل عائدة ولم تكتف الجمعيات بذلك بل أنشأت مستودعات للكتب في الحارات المختلفة قائلة يجب علينا أن نسير إلى الفتيان والفتيات ولا ننتظر مجيئهم إلينا. وأرادت المدرسين على تسهيل المطالعة للطلاب بإعارتهم الكتب التي يرغبون فيها أو بإنشاء مكاتب صغيرة للمطالعة في مدارسهم. وما أزدهرت هذه المكاتب إلا بفضل المتبرعين لها من أنصار العلم والإنسانية والباذلين في سبيلها مبالغ

стр. 4540

جسيمة وحسبك بهبات كارنجي وغيره من كبار الأغنياء دليلاً على ما تقول وبنوا لمن بلغوا أشدهم مكاتب فيها جميع المجلات والصحف الصادرة في ذلك اليوم فيجيئها الشبان في أول أمرهم لمطالعة هاتيك الوريقات ثم يألفون المطالعة رويدا رويدا فيتشوقون إلى قراءة المصفحات النافعة الممتعة. وفي مدارس الشعب مكاتب عامة خدمت التهذيب العام أجل خدمة وعملت على ترقية روح الشعب. قلنا إن أغنياء الأميركيين تعهدوا تلك الدور بالهبات الطائلة ولقد أنشأ المستر أندروكارنجي الغني المشهور ألفا وثمانمائة مكتبة انفق عليها ٥١ مليون دولار ونيفا وكلها في البلاد التي يتكلمون فيها باللغة الإنكليزية فهي منتشرة في الولايات المتحدة وكندا وإنكلترا وبلاد الغال وأيرلندا وايكوسيا وزيلاندا الجديدة والهند الغربية الإنكليزية وأوستراليا وتسمانيا وأفريقية الجنوبية وغيرها.

стр. 4541

مخطوطات ومطبوعات توجيه النظر إلى علم الأثر تأليف الشيخ طاهر الجزائري طبع بالمطبعة الجمالية بمصر على نفقة أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين الخانجي وأخيه ص٤٢٠ اعتاد استأذنا مؤلف هذا الكتاب إن يضع تأليفه في أكثر العلوم المختلفة التي هو أمامها المحقق بحسب المناسبات فبينا نراه يؤلف كتابا في البيان إذا هو ينظم بديعية ويشرحها وبينا هو يؤلف كتابا في الطبيعيات إذا هو يكتب كتابا في قصص الأنبياء وفيه رد على من طعن بالإسلام فتارة يؤلف في العقائد وأخرى في النحور وطورا في الخطوط وأحيانا في الحساب والمساحة ثم تراه يشرح رسائل ابن نباتة ويودعها من دقيق الأبحاث ما ينفع ويلذ ثم كتابا في الألغاز والأحاجي وآخر في الأدب ثم في اللغة ثم في التاريخ ثم في التفسير وآخر كتبه هذا المصنف الجليل ألفه على غير مثال احتذاه وإن كان المؤلف الأمام لا يسير خطوة بدون الإحالة إلى كتب الأئمة واستخراج درر بحورهم والانتفاع بعلومهم ولا نعلم اليوم عالما من علماء الإسلام جمع فأوعى في الفنون المختلفة مثل هذا المؤلف وأجاد كل الإجادة فيما ألف وأختار المناسبات لإظهار ما رزق من علم وفضل تجارب. وقد وصف كتابه الأخير في سطر فقال إما بعد فهذه فصول جليلة المقدار ينتفع بها المطالع في كتب الحديث وكتب السير والأخبار وأكثرها منقول من كتب أصول الفقه وأصول الحديث ولكن ما نقله الأستاذ لا يسهل على كل عالم أن يظفر به دع عنك من درجة العلماء وقد ضمن أنفع ما وقع عليه في أبحاثه وما اطلع عليه من كتب السلف ومن أهم ما قرأناه فيه مقالة في الخط العربي والحركات العربية ما نظن عالماً شرقياً أو غربياً يكتب ما بدانيها في التحقيق والجمع بأطراف هذه المسألة مما دل على بعد غور العلامة المؤلف وإصلاحه الشديد في خدمة العلم أمتع الله الأندية العلمية بثمرات فضله. المجازات النبوية للشريف الموسوي السيد الرضي طبع بمطبعة الآداب في بغداد على نفقة سيد حسن صدر الدين ص٢٨٧ كتاب جليل يشتمل على مجازات الآثار النبوية وفيها كثير من الاستعارات البديعة ولمع

стр. 4542

البيان الغربية وأسرار اللغة اللطيفة وهو من أفيد ما أحي من آثار السلف قدم الطابع أمام الكتاب ترجمة مؤلفة وناهيك به من حبر كبير من أحبار الإسلام وبحر من بحور العلم والعرفان. وكنا نود لو عني الطابع بتصحيح الكتاب على أحد علماء العرب في العراق ليكمل تأليفا ووضعا وطبعا وشكلا وعلى كل فله من الآداب الثناء. تاريخ التمدن الإسلامي تأليف جرجي أفندي زيدان نقله إلى التركية زكي مغامر طبع بمطبعة قناعت في الأستانة سنة ١٣٢٩ نشر المترجم وهو من الكتاب المجيدين بالعربية والتركية ترجمة تاريخ التمدن الإسلامي وسماه مدنيت إسلامية تاريخي عني بنقله طبق الأصل بحيث لا يشعر قارئه باللسان العثماني إنه مترجم ويوقن من قرأه بالعربية أولا ثم قرأه بالتركية إن المترجم استعمل غاية الأمانة في نقله فأستحق ثناء الآداب العربية ونفع بما نشر مكاتب اللغة العثمانية. وقد نشر منه حتى الآن ثلاثة أجزاء وبقي عليه الجزآن الآخران. كتب مختلفة رحلة قصيرة أفندي صياغ وقرينته العقلية نجلا (مطران) صباغ بين الولايات المتحدة الأميركية وسورية ولبنان طبعت بالمطبعة الأدبية في بيروت. العبر - نظمها ميخائيل أفندي الصقال بعد حوادث سنة ١٩٠٩في إنطاكية وغيرها من بلاد قيليقية طبعت بحلب في المطبعة المارونية. صحيفة الوجدان - هي شذرات من منظومات محمود رمزي أفندي نظيم من ناشئة شعراء مصر في موضوع التربية والاجتماع وتربية النساء. سمير الليالي - الجزء الثاني مصدر الغرائب الزمانية في أشهر الحوادث التاريخية تأليف محمد أمين أفندي الصوفي في السكري طبع بمطبعة البلاغة بطرابلس الشام على نفقة المكتبة الرفاعية. أرجوزة في علم القيافة - للشيخ محمد أمين العمري المتوفي سنة ١٢٠٤ طبعت بمطبعة دار السلام ببغداد. تحذير المسلمين عن أتباع غير سبيل المؤمنين للشيخ عبد العزيز البداح الكويتي طبعت

стр. 4543

بمطبعة دار السلام في بغداد. منظومات جميل أفندي الشطي الدمشقي نظمها في أغراض مختلفة ومنها الاجتماعي طبعت بمطبعة الإنصاف بدمشق. ثلاث مجلات كان الشهر الماضي من أبرك الشهور على الآداب العربية في مصر والشام والعراق نشأت للغة العربية في هذه الأقطار ثلاث مجلات رائقة نشرها أربابها عن كفاءة بعد التخرج في الموضوعات التي عانوها سنين فجاءت مجلاتهم ناضجة في الجملة من أول صدورها فالمجلة الأولى صدرت بالقاهرة اسمها. البيان وهي تبحث في الآداب والتاريخ والفلسفة والأخلاق والتربية والاجتماع والنقد والروايات والصحة وتدبير المنزل وتعني بنشر آثار الغرب وآثار العرب لمنشئيها الشيخ عبد الرحمن البرقوقي ومحمد أفندي السباعي وهي شهرية في ٨٠ صفحة واشتراكها السنوي ٥٠ قرشاً مصرياً. والمجلة الثانية مجلة الآثار وهي عامة المباحث شهرية تصدر عن زحلة في لبنان لمنشئها عيسى أفندي اسكندر المعلوف واشتراكها في البلاد العثمانية ريال مجيدي ونصف وفي غيرها عشرة فرنكات وهي شهرية في ٣٢ صفحة. والمجلة الثالثة لغة العرب وهي شهرية أدبية علمية تاريخية لمنشئها في بغداد الأب انستاس ماري الكرملي واشتراكها في الديار العربية تسعة فرنكات وفي الديار الأجنبية أثنا عشر فرنكا وعدد صفحاتها ٤٠ تصفحنا الأعداد الأول من هذه المجلات المثقنة فرأينا فيها أبحاثا ممتعة وشذرات مفيدة تدل على بعد غور أصحابها العاملين الباحثين وأدبهم وغيرتهم على نشر الفضائل والمعارف ولكل منها ميزة تختلف عن الأخرى وكلها متناسبة في التنسيق والجمع بين ما يروق الخاصة ولا يتبرم به العامة فعسى إن تجد هذه الصحف من الناطقين بالضاد ما تستحق من الإقبال ليزيد ذلك في نموها ويضمن لها البقاء حتى تضاهي أكبر المجلات الأوربية بعون الله.

стр. 4544

العدد ٦٩ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١١

стр. 4545

كتب اللغة الانتقادية أختلط العرب بالأجانب بعد الفتح فأثر التياثهم بهؤلاء فيهم آثار اسبقها التأثير في لغتهم لأن اللغة وهي آلة الترجمة والتفاهم أقرب إلى إلى الانتقال من الأخلاق والعادات بل هي المدخل إلى انفعال الآداب ولنا من اهتمام الأمم الحية بنشر لغاتها دليل بات على ذلك ولا أريد هنا شياع الألفاظ الدخيلة وتسربها إلى العربية فإن ذلك إنما ظهر بعد تبسط الأمة في العمران ولكن أريد بذلك اللحن الذي حدث بعد الفتح أو في أخرياته والعرب عرب في أزيائهم وأوضاعهم وشظفهم في المعيشة فقد بدأوا يلحنون في التراكيب ثم في المفردات وانتهى ذلك بوضع علمين علم يحفظ التراكيب عن الخطأ وهو النحو وآخر يحفظ المفردات الصحيحة وهو علم اللغة وابتدأ العلماء قبل عهد التدوين ينتقدون اللحن في محاوراتهم ثم دونت اللغة ودون في أثنائها فن يصح إن يسمى (اللغة الانتقادية) وهو فرع بمعنى خاص من علم اللغة تنتقد فيه المفردات المستعملة غلطا في كلام الخاصة والعامة فيذكر فيه المصحف والمحرف والمقلوب والمستعمل في غير موضعه والمتغير وضع حركاته وسكناته وقد ألف في هذا الفن جماعة من أقدمهم أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي البصري المتوفى سنة ٢١١ وقيل قبل ذلك ألف كتاب (ما تلحن فيه العامة) ولعله أول من كتب في هذا الشأن فإني لم أجد غيره ممن طرق هذا الباب إلا أتلى منه وللإمام أبي بكر المازني المتوفى سنة ٢٤٨ كتاب بهذا الاسم ولأبي حاتم سهل بن محمد السجتاني العالم الشهير المتوفى سنة ٢٥٥ وقيل قبل ذلك بقليل كتاب (لحن الأمة) وبهذا الأمم كتاب لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري المتوفى سنة ٢٩٠ وألف المفضل بن سلمة الفاضل الكوفي صاحب الاستدراك على العين وكان معاصر للفراء ومنقطعا للفتح بن خاقان كتاب (الفاخر) في لحن العامة وبهذا الاسم أيضا كتاب في لحن العامة لابن البلخي وكان مستوفيا في بلخ على عهد السلطان محمد السلجوقي وألف محمد بن الحسن الزبيدي الاشبلي المتوفى سنة ٣٧٩ كتاب (ما يلحن فيه عوام الأندلس) ولأبي هلال العسكري صاحب كتاب (الصناعتين) المتوفى سنة ٣٩٥ كتاب (لحن الخاصة) وألف ابن باني محمد بن علي السبتي المتوفى سنة ٧٣٣ كتابا في لحن العامة وفيه كتاب لابن هشام لابن هشام محمد بن أحمد اللخمي المتوفي قبل الستمائة. وقد أنتقد جماعة من اللغويين كتب آخرين منهم فمن الكتب المنتقدة وهي في موضوع

стр. 4546

انتقادي كتاب (درة الغواص في أوهام الخواص) وهو الكتاب المعروف لأبي القاسم محمد بن عثمان الحريري البصري صاحب المقامات المتوفى سنة عشر وخمسمائة وقيل سنة ٥٤٦ وقد أعتني به الأدباء فحشاه وشرحه واختصره وزاد عليه ورده ونظمه جماعة منهم وممن شرحه شرحا انتقاديا شهاب الدين شهاب الدين الخفاجي المصري صاحب الديوان المعروف وأبو الثناء الألوسي البغدادي صاحب (روح المعاني) وسمى شرحه (الطرة) وزاد عليه ابن منصور موهوب بن احمد الجواليقي المتوفي سنة ٥٣٩ ملحقاً سماه التكملة ولكن في لحن العامة وممن رد عليه ابن الخشاب المتوفي سنة ٥٦٧ ورد على الحريري في الدرة أيضاً أبو جعفر محمد بن عبد الله المكي اللغوي المتوفي سنة ٥٦٥. ومن العلماء النقادين أبو نعيم علي بن حمزة اللغوي البصري المتوفي سنة ٣٧٥ ردّ على ثعلب في الفصيح كما انتصر له ابن خالويه ولأبي نعيم هذا رد على جماعة من اللغويين وصنف أبو حاتم الهروي كتاب (الرد على أبي عبيدة) في غريب القرآن ولبعد السلام بن عبد الرحمن اللهخي الإشبيلي المتوفي سنة ٦٢٧ كتاب يرد على ابن سيده صاحب المخصص المتوفي سنة ٤٥٨. ومن كتب اللغة المشهورة التي انتقدها العلماء كتاب (العين) الذي يقولون أنه أول كتاب وضع في اللغة ولكنه لم يكمل واشتهر أنه للخليل بن أحمد الفراهيدي الإمام الشهير المتوفي سنة ١٧٥ ولكن أنكر العارفون أنه له كما جمعوا على تشويشه وسوء ترتيبه وتطرق الخطأ إليه واشتغل جماعة بترتيبه وتهذيبه واختصاره وانتقاد الأغاليط التي جاءت فيه وممن انتقده محمد بن عبد الله الإسكافي أحد أصحاب الصاحب بن عباد في كتاب جمع فيه كثيراً من أغلاط الأدباء واختصره أبو بكر المازني واستدرك عليه المفضل بن سلمة وألفت كتب كثيرة بشأنه وتوجد من كتاب (العين) نسخة على نقصها في بعض بيوت النجف خطها وورقها عاديان. ومن رجال الانتقاد في اللغة مجد الدين الفيروزأبادي صاحب القاموس فقد خطأ جماعة من اللغويين منهم أحمد بن فارس القزويني اللغوي صاحب (المجمل) المتوفي سنة ٣٩٨ فإن الفيروزأبادي جمع عليه ألف وهم في كتابه المعروف بالمجمل وذلك في كتاب مستقل وكتاب المجمل هذا يقع في جزئين كبيرين ويوجد جزؤه الأول عند أحد الأدباء في النجف

стр. 4547

مخطوطاً في القرن السادس على ما أظن ولا أحفظ السنة ويوجد منه جزءٌ في مكان آخر ولا أعلم أهو الأول أم الثاني وممن خطأه صاحب القاموس الإمام أبو نصر إسمعيل بن حماد الجوهري صاحب (الصحاح) المتوفي سنة ٣٩٣ فإن من يتصفح القاموس يجد نسبة الوهم إلى الجوهري في مواضع كثيرة منه والقاموس إنما بني على انتقاد الصحاح والزيادة على ما فيه ثم أن الفيروزأبادي يتحامى ابن فارس أكثر مما يتحاشا من الجوهري على أن صاحبي المجمل والصحاح متعاصران ولا يعلم أن الجوهري أجاد فيما كتب أكثر من ابن فارس ولكنه إنما تناول الأول وحط منه لتوفر الناس على مطالعة كتابه واشتهاره أكثر من المجمل فنال غرضه وهو أن نبذ القراء الصحاح وأقبلوا على القاموس وهو وإن كان أوفر مادة إلا أنه أعجمي اللهجة ثقيل العبارة عكس الصحاح. وانتقد الصحاح جماعة غير الفيروزأبادي منهم الإمام عبد الله بن بري المتوفي سنة ٥٧٦ سمى كتابه (التنبيه والإيضاح عما وقع من الوهم في كتاب الصحاح) وللقاضي الأكرم علي بن يوسف القفطي مؤلف تاريخ النحاة من علماء القرن السادس كتاب (إصلاح الخلل الواقع في الصحاح). وللصفدي صاحب شرح لامية العجم المتوفي سنة ٧٥٧ كتاب (نفوذ السهم فيما وقع للجوهري من الوهم) وقد انتصر للصحاح على القاموس جماعة منهم القاضي أويس بن محمد المتوفي سنة ١٠٣٧ في كتاب سماه (مرج البحرين) ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن عبد العزيز نزيل مكة في كتاب سماه (الوشاح في رد توهيم المجد للصحاح) وقد اعتمد المؤلف في رده على مجمل ابن فارس ومختصر العين للزبيدي وعلى نسخة من نهاية ابن الأثير بخط المصنف وعلى نسخة وقعت له من الصحاح خالية من التصحيف والتحريف العارضين اللذين أوهما بعض المنتقدين فرد على الجوهري في بعض المواضع وقد أحسن نصير الصحاح هذا في دفاعه ما شاء ولا يكاد يوجد هذا الكتاب الانتقادي على أنه مطبوع وهو يقع في ١٣٤ صفحة متوسطة طبع سنة ١٢٨١ ببولاق بالمطبعة الكبرى الممتازة. وقد ألف النقادون كتباً في الرد على القاموس نفسه منها كتاب (الدر اللقيط أغلاط القاموس المحيط) لمحمد بن مصطفى الشهير بداود زادة المتوفي سنة ١٠١٧ ولدي كتاب (القول المأنوس في شرح مغلق القاموس) وهو تعليقة جمعها مؤلفها من حاشيتين إحداهما لعبد

стр. 4548

الباسط سراج الدين البلقيني والأخرى لجمال الدين الشهير بسعدي الرومي والكتاب مبني على إيضاح بعض الجمل والمفردات وقد تذكر فيه مواضع الخلاف بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح وغيره ويزاد عليه من المعاني في الصحاح ما قد أغفله الفيروزأبادي وردت فيه بعض المواد التي ادعى إغفال الصحاح إياها إلى نسخة من الصحاح مصححة وجدت تلك الألفاظ في هامشها وخط التعليقة حسن متأخر وورقها جيد مذهب وصفحاتها ١٤٦ ولا أعرف لها ثانية. وممن انتقد القاموس ورد عليه السيد علي خان صاحب (سلافة العصر) و (أنوار الربيع) وهو أحد أعلام الأدب في القرن الحادي عشر فانه ألف كتاباً ممتعاً في اللغة سماه (الطراز) ولكنه لم يتم ويوجد جزآن منه في بعض المكتبات الخاصة في النجف وسمعت صاحبه يقول أنه تتبع سقطات صاحب القاموس كما تتبع سقطات صاحب الصحاح فهو يقول ووهم (الفيروزأبادي) كما يقول الفيروزأبادي ووهم (الجوهري) وآخر من تجرد للرد على القاموس فيما أعلم المرحوم أحمد فارس صاحب الجوائب وكتابه (الجاسوس) معروف عند المتأدبين وهو من أحسن الكتب الانتقادية. ولما نهضت العربية في نشأتها الأخرى أي بعد انتشار الصحف اخذ بعض الكاتبين ينتقد الألفاظ والأساليب العامية والركيكة المقتبسة من الأجانب ومن أشدهم جهاداً في ذلك المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي فانه كتب في مجلة (الضياء) وفي غيرها فصولاً في الإصلاح اللغوي صحح فيها أغلاط الكتاب وانتقد لهجتهم ولكنه أخطأ في أشياء بنى على خطأ القوم فيها ولا يزال يجيءُ في الجرائد والمجلات شيءٌ من الانتقاد اللغوي سواءٌ كان ذلك على الكتب المؤلفة أو في مقالات خصت بانتقاد أغاليط الكتابة المصرية والمقتبس هي المجلة التي تسير على هذا المبدأ الصحيح الذي يبشرنا بحياة جديدة لهذه اللغة التي امتهنها أهلوها وحمل الناس على إهانتها اقتعاد أبنائها غوارب الفرقة والجهالة. ومن الرسائل التي قرأتها في اللغة الانتقادية رسالتان وقفت عليهما في مجموعة ذات رسائل في موضوعات شتى واسم إحداهما (سقطات العامة) وهي كراسة صغيرة مرتبة على حروف الهجاء وقد شذ منها بعض حرف الهمزة والرسالة غير منسوبة لأحد ولم أجدها في كشف الظنون إلا أن لجهة كاتبها تدل على أنه من المتأخرين والرسالة الثانية

стр. 4549

تقع في كراستين ونصف وهي كسابقتها مرتبة على الحروف لكنها خير منها وأجمع وأنصع لفظاً وأرصن تعبيراً ولم تنسب لمؤلف أيضاً وفي كثير من فصولها يذكر ما نصه (الزائد من كلام ابن الحوزي) ولعل هذا هو أبو الفرج عبد الرحمن صاحب كتاب (المدهش) الذي نشر المقتبس وصفه وخط الرسالتين سقيم حتى لا يكاد يقرأ هذا وإلى قراء المقتبس شيئاً مما جاء في سقطات العامة: فصل الهمزة مما جاء في (الإيوان) بكسر أوله الصفة العظيمة والناس يفتحون همزته وهو لحن إذ هو لفظ عربي كالدبوان ولكن يجوز الفتح في الدبوان حكاه في القاموس. فصل الباء مما فيه (البرية) بتشديد الراء الصحراء والجمع أبرار وتخفيف الناس راءها (عامة العراق تشددها اليوم) غلط إذ هي بالتخفيف من برأ الله الخلق أي خلقهم (البشارة) هي بالفتح بمعنى الجمال والاسم من البشرى بكسر الباء وضمها لا غير والناس (عامة العراق تسكن الباء) في الاسم من البشرى وهماً منهم (الباكرة) هي من مخترعات وليست من كلام العرب والصحيح البكر (بنيامين) هو كإسرافيل أخو يوسف ﵇ ولا تقل (ابن يامين) وقد شاع بين الناس أن ابن يامين ظناً منهم أنه لفظ عربي وليس كذلك بل هو أعجمي وهو غير الذي في معلقة طرفة (البلور) على وزن تنور وسنور معروف فكسر الباء مع ضم اللام على ما هو المشهور لحن. فصل التاء مما جاء فيه (التوأمان) هذه اللفظة تثنية توأم يقال أتأمت المرأة فهي متئم إذا وضعت اثنين وغلط الناس أنهم يستعملونه بمعنى (التوأم) أي المفرد (الترجمة) بفتح الجيم مصدر على وزن فعللة من ترجمة وترجم عنه أي فسر وما شاع بين الناس من ضم الجيم خطأ (الترجمان) يقولونه بفتح التاء وضم الجيم ولم يقل به أحد من أصحاب اللغة. فصل الثاء مما فيه (الثقل) كعنب ضد الخفة ويستعمله البعض في المعنى بسكون القاف وهو خطأ قال في القاموس الثقل واحد الأثقال كجمل وأجمال (الثيب) يزيدون في هذه اللفظة تاءً ويقولون

стр. 4550

(ثيبة) وهو خطأ لأنها وردت مجردة عن التاء بلا خلاف. فصل الجيم مما جاء فيه (جمادى الأولى والأخرى) فعالى كحبالى والعوام تستعمله (لم نسمع هذا الاستعمال) بالمعجمة المكسورة ويصفونها (هذا معروف) بالأول فيكون فيه ثلاث تحريفات قلب المهملة معجمة والفتحة كسرة والتأنيث تذكيراً وكذا جمادى الأخرى يقولون فيها جمادى الآخر بلا ياء والصحيح الآخرة أو الأخرى وهما معرفتان من أسماء الشهور وكذا ربيع الأول وربيع الآخر في الشهور وأما ربيع الأزمنة (يريد الفصول) فالربيع الأول باللام. فصل الحاء مما جاء فيه (الحباب) يستعمله الأكثر في النفاخات التي تعلو على وجه الماء بضم الحاء وهو خطأ إذ هو بضم الحاء المحبة فالصحيح فتح الحاء (كعب الأحبار هو بالحاء) المهملة واشتهر بين العوام بالمعجمة لكثرة ما يرويه من الأخبار قال يف الصحاح كعب الحبر منسوب إلى الحبر الذي يكتب به لأنه كان صاحب كتب وقال صاحب القاموس ولا يسمع الأخبار (أي بالمعجمة) إلا في الروايات (الحيدر) هو بالحاء المهملة من أسماء الأسد واللحانون يستعملونه (هذا الاستعمال لا يعرف في العراق) بالمعجمة وههنا حمل المؤلف على الناس متأففاً من الجهل والتقليد فكأنه يدعو هلم اعملوا مستقلين لا يضلكم القديم ولا العادات الموروثة فقال يستعملونه بالمعجمة لعدم زوال الكزازة منهم بتحصيل طرف من العلم بل ربما يسمعون الحق فلا ينتبهون لان ترك المألوف صعب! (الحيوان) هو بالتحريك جنس الحي وأصله حييان ذكره في القاموس فإسكان الياء كما فعله العامة لحن. فصل الدال مما فيه (الدعاوي) هي كصحاري جمع الدعوى وبكسر الراء خطأ (الديانة) هي معروفة فلحن بعض العوام بتقديم النون على الياء (هو غير معروف) وقولهم دناية عن الجهل كناية وعلى اللفظ جناية. فصل الذال من بعض ما فيه (الإذعان) الغلط فيه من حيث يستعملونه بمعنى الإدراك فيقولون أذعنت

стр. 4551

بمعنى فهمت والصحيح أذعنت له ومعناه الخضوع والذل (الأذناب) وقع في مختصرات الصرف (الزاجر عن الأذناب) زعموا أنها الأذناب على وزن أفعال جمع ذنب بمعنى الإثم وإنما الأذناب جمع ذنب بفتح النون. فصل الراء جاء فيه (المرثية) هي بالتخفيف مصدر قال في الصحاح رثيت الميت من باب رمى رثاءً ومرثية أيضاً إذا بكيته وعددت محاسنه فتشديد الناس ياءها (وهذا شائع بين المنتمين إلى الأدب) لحن محض وأما القصيدة فهي مرثية فيها (ويصح إطلاق المرثية عليها) (الرفاهية) هي بالتخفيف كالطواغية يقال فلان في رفاهية من العيش أي في سعة وخصب ولين والناس يلحنون (هذا اللحن شائع أيضاً) فيها بتشديد الياء. فصل الزاي بعض ما فيه (الزعيم) هو بمعنى الكفيل قال (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وفي الحديث (الزعيم غارم) فاستعمال الناس إياه على أنه الحسبان مبني على الزعم الفاسد. فصل السين مما جاء فيه (السبق) من باب ضرب والناس يزيدون فيه تاءً فيقولون (السبقة) فهو لحن منهم ويمكن أن يقال يجوز أن تكون الثاءُ للمرة كالضربة لكن من تتبع استعمالاتهم يعرف أنهم لا يقصدون بها المرة بل يستعملونها بمعنى المصدر فقط فيقولون (وهو من قبيل سبقة اللسان) (السحور) هو بالفتح اسم لما يتسحر به كالغبوق والصبوح لما يشرب في العشاء والصبوح فضم السين (وبالضم يستعملونه اليوم بمعنى السحر الذي هو قبيل الفجر) كما يفعله بعضهم خطأ (السلس) على زن كتف تقول شيء سلس أي سهل ورجل سلس أي لين منقاد وفلان سلس البول إذا كان لا يمسكه فالسليس بزيادة الياء عل ما هو المشهور غير سلس بل هو لحن محض (مسيلمة) تصغير مسلمة اسم للكذاب المشهور فمن يقوله بالفتح ويدعي الصحة أكذب منه. فصل الشين فيه (الشباهة) هي لفظة مستعملة بين الناس ولكن لا صحة لها والصحيح الشبه بفتحتين

стр. 4552

تقول بينهما شبه. فصل الضاد فيه (الصلاحية) اخترعها أصحابنا بتشديد الياء واستعملوها لكنها من الألفاظ المهملة والمصدر هو الصلاح والصلوح. فصل الظاء مما فيه (المظلمة) بكسر اللام على وزن محمدة مصدر ظلم قال في الصحاح ظلم يظلم ظلماً ومظلمة انتهى والناس يفتحون لامها فيقولون مثلاً ضرب اليتيم مظلمة أي ظلم وهو خطأ إذ هي بفتح اللام ما تطلبه من الظالم وهو اسم ما أخذ منك. فصل العين فيه (المعجب) شاع بين الناس بكسر الجيم وهو خطأ (المعدن) بكسر الدال منبت الجواهر من ذهب ونحوه من عدن بالمكان يعدن أي أقام ومنه (جنات عدن) أي جنات إقامة (الأعطاف) هو جمع عطف بكسر العين بمعنى جنب الشيء والجانبان العطفان والناس يحسبونه جمع العطف بفتح العين الإشفاق فيقولون (لا يبعد من ألطاف مولانا وإعطانه أن يفعل كذا) (عاميٌّ) بنخفيف الميم خطأ والصحيح بتشديد الميم منسوب العامة (العيش) هو بفتح العين وكسرها على ما أشاع خطأ لأن العين إذا كسرت تلتزم التاء كعيشة راضية. فصل الغين مما فيه (الغذاء) بالذال المعجمة على وزن كساء ما به نماء الجسم هكذا فسر في القاموس وقال في الصحاح (الغذاء) ما يتغذى به من طعام أو شراب وقد شاع بين الناس بالدال المهملة اسما لما يؤكل فقط ففيه غلطان (أي أهمل داله وتخصيصه بالطعام) وأظنهم يغلطون من (الغذاء) بالفتح والمد ضد العشاء بمعنى طعام الغد طما أن العشاء بالفتح والمد طعام (الغيبة) بالكسر من الاغتياب وفتح غينها لحن ازهي بالفتح مصدر بمعنى الغيبوبة. فصل الفاء فيه (الفراغة) هي لحن استعملوه من غير نكير لكن الصحيح الفراغ بلا تاء (الفلاكة) هي من الألفاظ التي اخترعوها يستعملونها في ضيق الحال كأنهم اشنقوها من لفظ (الفلك) فقالوا به فلاكة وهو مفلوك أي أصابه الفلك.

стр. 4553

فصل القاف فيه القوابل يستعملونها جمع قابل وهو جمع قابلة لأن فاعلة في الصفة جمع فاعلة إلا فوارس جمع فارس على ما عرف في موضعه (القنديل) هو بكسر القاف معروف ووزنها فعليل لا فنعيل وفتح القاف لحن مشهور. فصل الكاف (الكراهية) هي بالتخفيف من مصادر كرهه فتشدد الياء على ما فعله البعض مما يكرهه السمع ويمجه الذوق. فصل اللام مما فيه (اللكنة) هي بضم اللام عجمة في اللسان يقال رجل الكن وقد لكن من باب ضرب كما ذكر في اللغة وما زلت اسمع من بعض العوام تحريف هذه الكلمة وارى بعض الناس حيارى في أمثال هذه الاغاليط تارة يصيبون ولا يدرون إصابتهم ويخطئون ولا يدرون ولك لا يرجعون إلى اللغة فيما أشكل عليهم حتى يخرجوا من ظلمة الشك إلى نور اليقين. فصل النون (المنبر) هو بكسر الميم لكن شاع بين العوام فتح ميمه (هو كذلك اليوم) وكذا ضم ميمه (النزل) بضمتين وبالتسكين ما يهيأ للنزيل أي الضيف والعوام يزيدونه واوا (لعلها من إشباع الضمة) وليس النزول إلا مصدرا بمعنى الهبوط والحلول (النزلة) وهي الزكام يقال به نزلة والجمع نزلات والجاهلون يعبرون عنها بالنازلة ويجمعونها على النوازل (تجمع كذلك الآن) وه وخطأ إذ النازلة هي الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس كما تفصح عنه كتب اللغة (النقرس) هو داء معروف وزيادة الياء على ما هو الشائع بين العوام خطا لأن النقر يس الدليل الحاذق (النكاة) بكسر النون جمع النكتة وإذا ضمت النون حذفت الألف (فيقال النكت) وكثير من الناس يضمون النون ويثبتون الألف هذا بعض ما جاء في الرسالة الأولى ولعلي في فرصة ثانية أتي بالرسالتين. النجف // محمد رضا الشبيبي

стр. 4554

بين الفيحاء والشهباء عمران حلب القديم والحديث كان أجدادنا يقطعون المسافة بين دمشق وحلب في تسعة أيام على الدواب وها قد أصبحنا نقطعها في ست عشرة ساعة بالقطار وهو يمر مر السحاب ولو وجدت الشركة داعيا قويا لقطعت اليوم في ساعة فبفطر الراكب في الصباح في الفيحاء ويتعشى في حاضرة سورية البيضاء لأن المسافة تقل عن أربعمائة كيلو متر يتيسر قطع الخمسين كيلو مترا في ساعة واحدة من رياق إلى حلب والخط بينهما من النوع العريض وقطاراته منظمة أكثر من قطارات بيروت - دمشق - حوران أو يافا - القدس أو حيفا - دمشق - المدينة. أتيت الشهباء أو عاصمة سورية البيضاء لأول مرة فرأيت فيها الصورة التي كانت تتخيلها المخيلة إلا قليلا وذلك لأن القدماء والمحدثين اشبعوا الكلام عليها أكثر من كل بلد سواها ولان الحكومات التي توالت عليهم أرفعت من شانها وأعلت من بين البلدان ذكرها. وناهيك ببلد كان ينزله ويمدحه ويحن إليه مثل البحتري والمتنبي والصنوبري وكشاجم والمعري والخفاجي وابن جبوس والوزير المغربي وأبي العباس الصفري وأبي فراس والحلوي وابن سعدان وابن حرب الحلبي وابن النحاس وابن أبي حصينة وابن الحداد وابن العجمي والملك الناصر وياقوت وغيرهم من رجال الأدب والعلم. وما قاله الشعراء في مدحها يكاد يقترب مما قالوه في أختها الفيحاء فقد قال كشاجم: أرتك ندى الغيث آثارها ... وأخرجت الأرض أزهارها وما أمتعت جارها بلدة ... كما أمتعت حلب جارها هي الخلد تجمع ما يشتهى ... فزرها فطوبى لمن زارها وقال البحتري: أقام كل ملث الودق رجاس ... على ديار الشام ادرس فيها لعلوة مصطاف ومرتبع ... من بانقوسا وبابلي وبطياس منازل أنكرتنا بعد معرفة ... واوحشت من هوانا بعد إيناس يا علو لو شئت أبدلت الصدود لنا ... وصلا ولان لصب قلبك القاسي هل لي سبيل إلى الظهران من حلب ... ونشوة بين ذاك الورد والأس

стр. 4555

وقال المتنبي: كلما رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل فيك مرعى جيادنا والمطايا ... وإليها وجيفنا والنميل أول من استوطن بقعة حلب بنو حام بن نوح وكانوا ينزلون من شط بغداد إلى مصر وقد كانت فرقة منهم فيها قيل أنها تسمى الكيتا فسكنت بقعة حمص وحماة وحلب. وسكن حلب إبراهيم الخليل ثم جاء بعده بنو أرام بن لوط من بني سام واستولوا على تلك البقعة واخرجوا منها أولاد حام فسميت مملكة الآراميين والسريانيين وقسموها إلى ثلاثة أقسام الأولى جزيرة الآرام وهي من الخابور إلى الفرات والثانية المملكة الشامية وهي دمشق وما قرب منها الثالثة مملكة آرام صوبا وهي الجبول من ضاحية حلب وما قرب منها. ووصفت حلب بالشهباء لأن القادم إليها تتراءى له بيضاء من بعيد بخلاف غيرها من البلدان. ويقولون أنها منم بناء العمالقة بدليل الكتابة التي وجدت على الحجر الأسود في الحائط بظاهر جامع القيقان داخل باب انطاكية مكتوبة بالخط الهيروغليفي بلغة الكيتا أو الحماتيين وكانت هذه الكتابة مصطلحا عليها في أيامهم وكان اسم حلب بلغتهم هليون وهلبه واستمرت بأيديهم إلى إن أتى ملوك الفراعنة من مصر وحاربوهم وملكوها منهم وهم توتمس الأول وتوتمس الثاني وسيأتي ورعمسيس الأول وذلك قبل التاريخ المسيحي بألفين وخمسمائة سنة إلى ثلاثة آلاف سنة ثم استردها الكيتا منهم صلحا واتى بعدها ملوك بابل وحاربوا السريانيين وملكوها وذلك قبل التاريخ المسيحي بستمائة وستين سنة وقد عثروا في قرية من قرى جبل سمعان قرب حلب اسمها كفرنابو على الصنم الذي كان يعبده البابليون ومعنى نابو بلغتهم اله فيكون معنى كفرنابو قرية الإله وفي سنة ٨٦٠ ق. م حارب شلمناصر الرابع الحماتيين وملك حلب في جملة ما ملك من البلاد فظل ملوك الحماتيين تحت سلطة البابليين إلى إن أتى ملوك العجم واستولوا على البلاد فاخرجوا البابليين منها وبقيت بأيديهم إلى إن جاء لاسكندر وأخذها منهم فصارت مسكنا للروم اليونانيين يقولون لها ما خيله ولما حولها خلبن بالخاء المعجمة وكانوا يقولون لها بروبا لأنها فيم أقيل تشبه إحدى مدنهم ولعلها عربية من قولهم بريرى لأن الناظر إلى البر من قلعة حلب يراه ممتدا إمامه.
следующие страницы →