Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
بمعنى فهمت والصحيح أذعنت له ومعناه الخضوع والذل (الأذناب) وقع في مختصرات الصرف (الزاجر عن الأذناب) زعموا أنها الأذناب على وزن أفعال جمع ذنب بمعنى الإثم وإنما الأذناب جمع ذنب بفتح النون.
فصل الراء
جاء فيه (المرثية) هي بالتخفيف مصدر قال في الصحاح رثيت الميت من باب رمى رثاءً ومرثية أيضاً إذا بكيته وعددت محاسنه فتشديد الناس ياءها (وهذا شائع بين المنتمين إلى الأدب) لحن محض وأما القصيدة فهي مرثية فيها (ويصح إطلاق المرثية عليها) (الرفاهية) هي بالتخفيف كالطواغية يقال فلان في رفاهية من العيش أي في سعة وخصب ولين والناس يلحنون (هذا اللحن شائع أيضاً) فيها بتشديد الياء.
فصل الزاي
بعض ما فيه (الزعيم) هو بمعنى الكفيل قال (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وفي الحديث (الزعيم غارم) فاستعمال الناس إياه على أنه الحسبان مبني على الزعم الفاسد.
فصل السين
مما جاء فيه (السبق) من باب ضرب والناس يزيدون فيه تاءً فيقولون (السبقة) فهو لحن منهم ويمكن أن يقال يجوز أن تكون الثاءُ للمرة كالضربة لكن من تتبع استعمالاتهم يعرف أنهم لا يقصدون بها المرة بل يستعملونها بمعنى المصدر فقط فيقولون (وهو من قبيل سبقة اللسان) (السحور) هو بالفتح اسم لما يتسحر به كالغبوق والصبوح لما يشرب في العشاء والصبوح فضم السين (وبالضم يستعملونه اليوم بمعنى السحر الذي هو قبيل الفجر) كما يفعله بعضهم خطأ (السلس) على زن كتف تقول شيء سلس أي سهل ورجل سلس أي لين منقاد وفلان سلس البول إذا كان لا يمسكه فالسليس بزيادة الياء عل ما هو المشهور غير سلس بل هو لحن محض (مسيلمة) تصغير مسلمة اسم للكذاب المشهور فمن يقوله بالفتح ويدعي الصحة أكذب منه.
فصل الشين
فيه (الشباهة) هي لفظة مستعملة بين الناس ولكن لا صحة لها والصحيح الشبه بفتحتين
стр. 4552
تقول بينهما شبه.
فصل الضاد
فيه (الصلاحية) اخترعها أصحابنا بتشديد الياء واستعملوها لكنها من الألفاظ المهملة والمصدر هو الصلاح والصلوح.
فصل الظاء
مما فيه (المظلمة) بكسر اللام على وزن محمدة مصدر ظلم قال في الصحاح ظلم يظلم ظلماً ومظلمة انتهى والناس يفتحون لامها فيقولون مثلاً ضرب اليتيم مظلمة أي ظلم وهو خطأ إذ هي بفتح اللام ما تطلبه من الظالم وهو اسم ما أخذ منك.
فصل العين
فيه (المعجب) شاع بين الناس بكسر الجيم وهو خطأ (المعدن) بكسر الدال منبت الجواهر من ذهب ونحوه من عدن بالمكان يعدن أي أقام ومنه (جنات عدن) أي جنات إقامة (الأعطاف) هو جمع عطف بكسر العين بمعنى جنب الشيء والجانبان العطفان والناس يحسبونه جمع العطف بفتح العين الإشفاق فيقولون (لا يبعد من ألطاف مولانا وإعطانه أن يفعل كذا) (عاميٌّ) بنخفيف الميم خطأ والصحيح بتشديد الميم منسوب العامة (العيش) هو بفتح العين وكسرها على ما أشاع خطأ لأن العين إذا كسرت تلتزم التاء كعيشة راضية.
فصل الغين
مما فيه (الغذاء) بالذال المعجمة على وزن كساء ما به نماء الجسم هكذا فسر في القاموس وقال في الصحاح (الغذاء) ما يتغذى به من طعام أو شراب وقد شاع بين الناس بالدال المهملة اسما لما يؤكل فقط ففيه غلطان (أي أهمل داله وتخصيصه بالطعام) وأظنهم يغلطون من (الغذاء) بالفتح والمد ضد العشاء بمعنى طعام الغد طما أن العشاء بالفتح والمد طعام (الغيبة) بالكسر من الاغتياب وفتح غينها لحن ازهي بالفتح مصدر بمعنى الغيبوبة.
فصل الفاء
فيه (الفراغة) هي لحن استعملوه من غير نكير لكن الصحيح الفراغ بلا تاء (الفلاكة) هي من الألفاظ التي اخترعوها يستعملونها في ضيق الحال كأنهم اشنقوها من لفظ (الفلك) فقالوا به فلاكة وهو مفلوك أي أصابه الفلك.
стр. 4553
فصل القاف
فيه القوابل يستعملونها جمع قابل وهو جمع قابلة لأن فاعلة في الصفة جمع فاعلة إلا فوارس جمع فارس على ما عرف في موضعه (القنديل) هو بكسر القاف معروف ووزنها فعليل لا فنعيل وفتح القاف لحن مشهور.
فصل الكاف
(الكراهية) هي بالتخفيف من مصادر كرهه فتشدد الياء على ما فعله البعض مما يكرهه السمع ويمجه الذوق.
فصل اللام
مما فيه (اللكنة) هي بضم اللام عجمة في اللسان يقال رجل الكن وقد لكن من باب ضرب كما ذكر في اللغة وما زلت اسمع من بعض العوام تحريف هذه الكلمة وارى بعض الناس حيارى في أمثال هذه الاغاليط تارة يصيبون ولا يدرون إصابتهم ويخطئون ولا يدرون ولك لا يرجعون إلى اللغة فيما أشكل عليهم حتى يخرجوا من ظلمة الشك إلى نور اليقين.
فصل النون
(المنبر) هو بكسر الميم لكن شاع بين العوام فتح ميمه (هو كذلك اليوم) وكذا ضم ميمه (النزل) بضمتين وبالتسكين ما يهيأ للنزيل أي الضيف والعوام يزيدونه واوا (لعلها من إشباع الضمة) وليس النزول إلا مصدرا بمعنى الهبوط والحلول (النزلة) وهي الزكام يقال به نزلة والجمع نزلات والجاهلون يعبرون عنها بالنازلة ويجمعونها على النوازل (تجمع كذلك الآن) وه وخطأ إذ النازلة هي الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس كما تفصح عنه كتب اللغة (النقرس) هو داء معروف وزيادة الياء على ما هو الشائع بين العوام خطا لأن النقر يس الدليل الحاذق (النكاة) بكسر النون جمع النكتة وإذا ضمت النون حذفت الألف (فيقال النكت) وكثير من الناس يضمون النون ويثبتون الألف هذا بعض ما جاء في الرسالة الأولى ولعلي في فرصة ثانية أتي بالرسالتين.
النجف // محمد رضا الشبيبي
стр. 4554
بين الفيحاء والشهباء
عمران حلب القديم والحديث
كان أجدادنا يقطعون المسافة بين دمشق وحلب في تسعة أيام على الدواب وها قد أصبحنا نقطعها في ست عشرة ساعة بالقطار وهو يمر مر السحاب ولو وجدت الشركة داعيا قويا لقطعت اليوم في ساعة فبفطر الراكب في الصباح في الفيحاء ويتعشى في حاضرة سورية البيضاء لأن المسافة تقل عن أربعمائة كيلو متر يتيسر قطع الخمسين كيلو مترا في ساعة واحدة من رياق إلى حلب والخط بينهما من النوع العريض وقطاراته منظمة أكثر من قطارات بيروت - دمشق - حوران أو يافا - القدس أو حيفا - دمشق - المدينة.
أتيت الشهباء أو عاصمة سورية البيضاء لأول مرة فرأيت فيها الصورة التي كانت تتخيلها المخيلة إلا قليلا وذلك لأن القدماء والمحدثين اشبعوا الكلام عليها أكثر من كل بلد سواها ولان الحكومات التي توالت عليهم أرفعت من شانها وأعلت من بين البلدان ذكرها. وناهيك ببلد كان ينزله ويمدحه ويحن إليه مثل البحتري والمتنبي والصنوبري وكشاجم والمعري والخفاجي وابن جبوس والوزير المغربي وأبي العباس الصفري وأبي فراس والحلوي وابن سعدان وابن حرب الحلبي وابن النحاس وابن أبي حصينة وابن الحداد وابن العجمي والملك الناصر وياقوت وغيرهم من رجال الأدب والعلم. وما قاله الشعراء في مدحها يكاد يقترب مما قالوه في أختها الفيحاء فقد قال كشاجم:
أرتك ندى الغيث آثارها ... وأخرجت الأرض أزهارها
وما أمتعت جارها بلدة ... كما أمتعت حلب جارها
هي الخلد تجمع ما يشتهى ... فزرها فطوبى لمن زارها
وقال البحتري:
أقام كل ملث الودق رجاس ... على ديار الشام ادرس
فيها لعلوة مصطاف ومرتبع ... من بانقوسا وبابلي وبطياس
منازل أنكرتنا بعد معرفة ... واوحشت من هوانا بعد إيناس
يا علو لو شئت أبدلت الصدود لنا ... وصلا ولان لصب قلبك القاسي
هل لي سبيل إلى الظهران من حلب ... ونشوة بين ذاك الورد والأس
стр. 4555
وقال المتنبي:
كلما رحبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل
فيك مرعى جيادنا والمطايا ... وإليها وجيفنا والنميل
أول من استوطن بقعة حلب بنو حام بن نوح وكانوا ينزلون من شط بغداد إلى مصر وقد كانت فرقة منهم فيها قيل أنها تسمى الكيتا فسكنت بقعة حمص وحماة وحلب. وسكن حلب إبراهيم الخليل ثم جاء بعده بنو أرام بن لوط من بني سام واستولوا على تلك البقعة واخرجوا منها أولاد حام فسميت مملكة الآراميين والسريانيين وقسموها إلى ثلاثة أقسام الأولى جزيرة الآرام وهي من الخابور إلى الفرات والثانية المملكة الشامية وهي دمشق وما قرب منها الثالثة مملكة آرام صوبا وهي الجبول من ضاحية حلب وما قرب منها.
ووصفت حلب بالشهباء لأن القادم إليها تتراءى له بيضاء من بعيد بخلاف غيرها من البلدان. ويقولون أنها منم بناء العمالقة بدليل الكتابة التي وجدت على الحجر الأسود في الحائط بظاهر جامع القيقان داخل باب انطاكية مكتوبة بالخط الهيروغليفي بلغة الكيتا أو الحماتيين وكانت هذه الكتابة مصطلحا عليها في أيامهم وكان اسم حلب بلغتهم هليون وهلبه واستمرت بأيديهم إلى إن أتى ملوك الفراعنة من مصر وحاربوهم وملكوها منهم وهم توتمس الأول وتوتمس الثاني وسيأتي ورعمسيس الأول وذلك قبل التاريخ المسيحي بألفين وخمسمائة سنة إلى ثلاثة آلاف سنة ثم استردها الكيتا منهم صلحا واتى بعدها ملوك بابل وحاربوا السريانيين وملكوها وذلك قبل التاريخ المسيحي بستمائة وستين سنة وقد عثروا في قرية من قرى جبل سمعان قرب حلب اسمها كفرنابو على الصنم الذي كان يعبده البابليون ومعنى نابو بلغتهم اله فيكون معنى كفرنابو قرية الإله وفي سنة ٨٦٠ ق. م حارب شلمناصر الرابع الحماتيين وملك حلب في جملة ما ملك من البلاد فظل ملوك الحماتيين تحت سلطة البابليين إلى إن أتى ملوك العجم واستولوا على البلاد فاخرجوا البابليين منها وبقيت بأيديهم إلى إن جاء لاسكندر وأخذها منهم فصارت مسكنا للروم اليونانيين يقولون لها ما خيله ولما حولها خلبن بالخاء المعجمة وكانوا يقولون لها بروبا لأنها فيم أقيل تشبه إحدى مدنهم ولعلها عربية من قولهم بريرى لأن الناظر إلى البر من قلعة حلب يراه ممتدا إمامه.
стр. 4556
وجدد سلوقس تيكاتور احد ملوك الرومان قبل المسيح بثلاثمائة واثنتي عشرة سنة بناء نحو النصف من مدينة حلب وبنى القلعة وأمر اليهود إن يختلفوا إليها التجارة ويقيموا بها فكثرت دورهم حتى بلغت نصف ساعة طولا ثم استولى الروم على حلب وجعلوها كرسي مملكتهم مع سورية وإنطاكية.
وأراد السلوقيون أن يزيدوا في بناء حلب ثم عدلوا موثرين لقنسرين لأنها كانت أعظم والتجار يختلفون إليها أكثر فكانت تأتيها القوافل من البحر إلى الفرات ومن الفرات إلى البحر عن طريق قنسرين ولم يكن في حلب ما في قنسرين من الصناعات وغيرها حتى إن تجار أوروبا كانت تأتي إليها من السويدية في طريق إنطاكية ويأتي إليها تجار العجم من الفرات بطريق بالي (مسكنة) ولم تكن الطريق في ذلك الوقت سالكة إلى حلب إلا من يقصد الذهاب منبج (هيرابلس).
وقنسرين هي التي نسب إليها احد أجناد الشام الخمسة وهي جند فلسطين وجند الأردن وجند دمشق وجند حمص وجند قنسرين والجند هنا بمثابة الفيلق في أيامنا يتجمع فيه الجند ويقبضون أعطياتهم قال ابن جبيرة: إن قنسرين بلدة شهيرة في الزمان لكنها خربت وعادت كان لم تغن بالأمس فلم يبق إلا أثارها الدراسة ورسومها الطامسة ولكن قراها منتظمة لأنها على محرث عظيم من البصر عرضا وطولا وقد فسر ياقوت سبب خرابها ووصف موقعها فقال أنها كورة بالشام منها حلب فتحت على يد أبي عبيدة بن الجراح سنة ١٧هـ - وكانت مدينة بينها وبين حلب مرحلة من جبهة حمص بقرب العواصم وبعضهم يدخل قنسرين في العواصم ومازالت عامرة آهلة إلى إن كانت سنة ٣٥١ وغلبت الروم على مدينة حلب وقتلت جميع من كان بربضها فخاف أهل قنسرين وتفرقوا في البلاد فلم يكن بها في القرن السادس إلا خان ينزله القوافل وعشار السلطان وفريضة صغيرة وذكر ابن جبير الخانات من حلب إلى قنسرين إلى باقدين إن خانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة وأبوابها حديد وهي من الوثاقة في غابة
والعواصم حصون موانع وولاية تحيط بها بين حلب وإنطاكية وقصبتها إنطاكية كان قد بناها قوم واعتصموا بها من الأعداء وأكثرها في الجبال فسميت بذلك وربما دخل في هذا ثغور المصيصة وطرطوس وتلك النواحي ولم تزل قنسرين وكورها مضمومة إلى
стр. 4557
حمص حتى زمان يزيد بن معاوية فجعل قنسرين وانطاكية ومنبج وذواتها جنداً فلما استخلف الرشيد إفراد قنسرين بكورها فصيرها جندا وإفراد منبج ودلوك ورعبان وقورس وإنطاكية وتيزين وما بين ذلك من الحصون فسماها العواصم لأن المسلمين كانونا يعتصمون بها فتعصمهم وتمنعهم من العدو إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر وجعل مدينة للعواصم منبج واسكنها عبد الملك ابن صالح في سنة ٧٣ فبنى فيها أبنية مشهورة ذكرها المتنبي في مدح سيف الدولة فقال:
لقد أوحشت أرض الشام طراً ... سلبت ربوعها ثوب البهاء
تنفس والعواصم منك عشر ... فيوجد طيب ذلك في الهواء
جدد الملك كيرويس الشرواني ما انهدم من سور حلب وقت حرب العجم وعمر بالقرب من باب إنطاكية بيتا للنار لأنه كان ممن يعبدونها فاشتملت حلب إذ ذاك على أربعة أنواع من الديانات وهي اليهودية والنصرانية وعبدة الأوثان وعبده النار ثم دخل الإسلام وكانت حلب في المذاهب الإسلامية تختلف باختلاف الدول عليها شانها ذلك شان دمشق فتارة توالي عليا وأصحابه وأخرى توالي غيره.
ولما أراد بدر الدولة أبو ربيع سلمان ابن عبد الجبار بن الرق صاحب حلب بناء أول مدرسة للشافعية في هذه المدينة لم يمكنه الحلبيون إذ كان الغالب عليهم حينئذ التشيع وكان أهل حلب كلهم سنية حنفية حتى قدم شخص إلى حلب فصار فيهم شيعية وشافعية وهو الشريف أبو إبراهيم الممدوح.
وقد أتى صلاح الدين يوسف بن أيوب وخلفاؤه على التشيع في حلب وكان المؤذنون في جوامعها يؤذنون بحي علي خير العمل وحاول السلجوقيون الأتراك مرات القضاء على التشيع في هذه الديار فلم يوفق لذلك إلا الملك الناصر صلاح الدين كما ضرب على التشيع في مصر وكان على أشده فيها على يد الفاطميين بحيث لا يكاد عالم مصري يصرح بمذهبه إذ ذاك ولا يزال إلى اليوم أثر من آثار التشيع بادياً على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل الجوشن بظاهر الشهباء وفيه ذكر الأئمة ألاثني عشرية وكان حكم بني حمدان وهم شيعة من جملة الأسباب التي نشرت التشيع في حلب وجوارها وابتدأت حكومتهم سنة ٣٣٣ هـ وانقرضت سنة ٣٨١ وفي سنة ١٤١ ظهر في حلب قوم يقال لهم
стр. 4558
الرواندية خرجوا بحلب وحيران وكانوا يزعمون أنهم بمنزلة الملائكة وصعدوا تلا بحلب فيما قالوا ولبسوا ثيابا من حرير وطاروا منه فانكسروا وهلكوا.
ولقد كان لحلب كما كان لغيرها من أمهات المدن الإسلامية غرامة وشدة في التعصب على المخالفين ويعد في سيئات الجامدين تاليهم على الشاب السهروردي الحكيم الإلهي العالم فقد حاورهم فبزهم في حضرة صاحب حلب الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف فلم يروا واسطة لإهلاكه أحسن من الاستشفاع بوالد مليكهم فكتبوا إليه محضرا وبالغوا في عاقبة أمر السهر ودي حتى صدر الأمر إلى الملك الظاهر بقتل هذا الفيلسوف فاختار إن يلتقي الله بمنع الطعام والشراب وعنه وهلك في قلعة حلب فيما بلغني معروف إلى اليوم ناعيا على الدهر أولئك المتلاعبين بالدين والمتعصبين لأهواء نفوسهم زاريا على العصور الظلمات ولو كره السفسطائيون عادا ذلك سيئة لصلاح الدين وان كانت أعمال هذا كلها حسنات وأيامه غررا محجلات. قضى السهروردي ولم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره وكم مثله من حكيم قضت عليه أهواء معاصريه ولو عمر لملا الدين علماً وعقلاً.
وبعد فقد كان شان حلب في العهد الإسلامي شان سائر مدن الشام دخلت في حكم بني أميه ووليها عمالهم ثم انتقلت إلى أيدي بني العباس ووليها صالح بن علي سنة سبع وثلاثين ومائة فنزل حلب وابتنى بتا خارج المدينة من شرقها قصرا بقربه يقال لها بطياس بالقرب من النيرب وأثاره باقية ذكرها البحتري وغيره في أشعارهم وقد كان جماعة بني أمية اختاروا المقام بناحية حلب وآثروها على دمشق ومنهم هشام ابن عبد الملك انتقل إلى الرصافة وسكنها واتخذها منزلا لصحة تربتها ومنهم عمر بن عبد العزيز أقام بخناصرة واختارها منزلا ومنهم سلمة بن عبد الملك سكن بالناعورة وابتنى بها قصراً بالحجر الصلد الأسود.
ومازال عمال بني العباس يتولون من أمر حلب ما يتولون من سائر بلاد الخلافة حتى ولي المعتصم اشناس التركي الشام جميعه والجزيرة ومصر وجاء القرامطة حلب سنة ٢٩٠ فقاتلهم أهلها ودخل الاخشيد حلب وافسد أصحابه في جميعه النواحي وقطعوا الأشجار التي كانت ظاهر حلب كانت كثيرة جدا وقيل أنها كانت من أكثر المدن شجرا. وقال ابن
стр. 4559
الخطيب: وكانت حلب كثيرة الأشجار وكان موضع باتقوسا (احد أحيائها اليوم) أشجار كثيرة كما ذكر ابن الملا في تاريخه أيضا فقد كان الإخشيد إذا نزل حلب يقطع أشجارها ويحاصرها فإذا أخذها ورجع إلى مصر جاء سيف الدولة بن حمدان وفعل ذلك الفعل وتكرر ذلك منهما حتى فني ما بها من الشجر ولذلك لما أمر الملك المؤيد شيخ بتسقيف قصر القلعة أمر إن يقطع له من الأخشاب من بلاد دمشق فقطعت وجيء بها إلى حلب في غاية الطول ونهاية الغلظ وقيل إن بعض الأخشاب المذكورة كانت من بعلبك ولما جاء الصليبيون حلب سنة ٥١٨ اخذوا يقطعون الأشجار من جملة ما أتوه من تخريبها وحدائقها المشجرة اليوم قليلة ليس بينها وبين ضخامة المدينة نسبة.
وتشرب حلب من نهر قويق وهو نهر ينبعث على ستة أميال من دابق ثم يجري إلى حلب ثماني عشرة ميلا ثم إلى قنسرين عشرين ميلا ثم إلى المرج الأحمر عشر ميلا ثم يصب في بحيرة المطبخ وذلك في زمن الشتاء وقال يافون إن مخرجه من قرية تدعى سبتات وقيل إن مخرجه من شناذر قرية على ستة أميال من دابق ثم يمر في رستاتيق حلب ثمانية عشر ميلا إلى حلب ثم يمتد إلى قنسرين اثني عشر ميلا ثم إلى المرج الأحمر اثني عشر ميلا ثم يفيض في أجمة هناك فمن مخرجه إلى مفيضه اثنان وأربعون ميلا وماؤه أعذب ماء وأصحه فيما قال ياقوت إلا انه في الصيف ينشف فلا يبقى إلا نزور قليلة وإما في الشتاء فهو حسن المنظر طيب المخبر وقد وصفه شعراء حلب بما ألحقوه بنهر الكوثر ومن أمثال عوام بغداد يفرح بفلس مطلي من لم ير دينارا وقد أحسن القيسراني في وصفه قوله:
رأيت نهر قويق ... فساءني ما رأيت
فلو ظمئت وأسقي ... ت ماءه ما رويت
ولو بكيت عليه ... بقدره ما اشتفيت
واسم قويق القديم شالوس وسبب تسميته بقويق إن رجلا من رؤساء عشائر التركمان في القرن الرابع للهجرة اسمه قويق آغا انشأ لهذا النهر عدة دود ليجري جرية حسنة فأطلق اسمه على النهر من ذاك الحين وأرباب الرقاعة يسمونه أبا الحسن وهو ينبجس اليوم من قرية اسمها جاغد يغين من إعمال عينتاب ويجري إلى قرية تبعد عن حلب ثلاث ساعات اسمها حيلان ويصب نحو ثلثه إلى حلب تجري إليه فيه عدة ينابيع مجداول من قضاءي
стр. 4560
عينتاب وكليس وينضم إليه نبع عين التل وعين البيضا المنسجمتين من جوار حلب وفي الشتاء تجري بقاياه إلى خان طومان من اعلي جبل سمعان وتكون من مياهه بحيرة تجف بحرارة الصيف
قال أبو فراس:
الشام لا بلد الجزيرة لذتي ... وقويق لا ماء الفرات منائي
وأبيت مرتين الفؤاد بمنبج ... السوداء لا بالرقة البيضاء
ويرى بعضهم إن نهر الساجور الذي كان إجراء ارغون إلى حلب ليزيد به نهر قويق إذا أضيف إلى ماء قويق تخصب أكثر ضواحي حلب واصل نهر الساجور من عينتاب وتجتمع إليه عيون أخر من بلاد تل باشر ثم ينتهي إلى الفرات ويصب فيه ويرى آخرون إن خير ذريعة لتكثير ماء حلب اقتطاع ترعة من الفرات وهو من حلب على ١٨ ساعة ولا يمنع انخفاض مجراه عن الانتفاع به في حلب على علوها وكيف كان الحال فمتى زاد عمران الشهباء يفكر أبناؤها في تكثير مائها.
وبعد فقد كانت الحرب سجالا بين سيف الدولة ابن حمدان والروم منذ استقرت له ولاية حلب سنة ٣٣٦ إلى حين وفاته سنة ٣٥٦ فكان يغزوهم ويغزونه فتخرب حلب ثم تعمر واستولوا عليها سنة ٣٥١ وحرقها الدمستق وعاث فيها بالقتل والنهب والسبي وبعد تسعة أيام رحل عنها ولم تكن حكومة سيف الدولة مباركة على حلب بقدر ما صورها شعراؤه الذين كان يغدق عليهم هباته ليقطع ألسنتهم ويشغلهم عنه ومن جملة ما قراناه من مظالمه إن أبا الحصين علي بن عبد الملك الرقي ولي قضاء حلب وكان ظالما فإذا مات إنسان اخذ تركته لسيف الدولة وقال: كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك.
استولى الروم على معظم البلاد المجاورة كمرعش وأدنه وطرسوس إلا إن حلب لم يستولوا عليها وكذلك استولى الصليبيون على كثير من عمالاتها مثل إنطاكية والسويدية ولم يقدر بودوين اجدلا ملوكهم إن يستولي عليها سنة ١١٢٤ م ومازالت حالتها حال بلاد الشام على عهد الدولة الأيوبية حتى وافاها التتر وحاصروها سنة ٦٥٨ حصارا شديدا وقتلوا من أهلها كثيرا وقتل هولاكو أهل حارم عن آخرهم وسبي النساء وخرب أسوار قلعتها عن آخرها وجاء قازان التتري سنة ٦٩٩ فحاصر حلب وخربها وقتل واسر كثيرا من أهلها وجاء
стр. 4561
تيمورلنك سنة ٨٠٣ وأجرى في حلب ما أجراه في دمشق من الفظائع والنهب والقتل والسبي وفي سنة ٨٦٣ وقع الطاعون بحلب فاحصي من مات بها وبضواحيها فأربى على مائتي ألف إنسان وكادت تخرب بالفتن الأهلية سنة ٨٩٦ عن آخرها كتب ابن بطلان إلى هلال بن المحسن الصحابي في نحو سنة ٤٤٠ هـ في دولة بني مرداس حلب فقال أنها بلد سور بحجر ابيض وفيه ستة أبواب وفي جانب السور قلة في أعلاها مسجد وكنيستان وفي البلد جامع وست بيع وبيمارستان صغير والفقهاء يفتون على مذهب الأمامية وشرب أهل البلد من صهاريج مملوءة بماء المطر وعلى بابه نهر يعرف بقويق يمد في الشتاء وينضب في الصيف وفي الوسط دار علوه صاحبه البحتري وهو بلد قليل الفواكه والبقول والنبيذ ومن عجائب حلب إن في قيسارية البز عشرين دكانا للوكلاء يبيعون فيها كل يوم متاعا قدره عشرون ألف دينار مستمر ذلك منذ عشرين سنة والى الآن وما في حلب موضع خراب أصلا.
قلنا وقد اشتهرت حلب في عامة أدوارها بإتباع تجارتها لوقوعها في طريق القوافل وتوسطها من بلاد الروم والجزيرة والعراق والشام ولذلك لم تنحط صناعة البز الو الأقمشة حتى في أيامنا هذه كما انحطت في معظم بلدان الشام لأن لها من بلاد الروم مصارف تنفق فيها سلعا ويعتقد أهل الروم الخير في تجار الشهباء فلا يعاملون غيرهم للألف والعادة وذكر المقدسي إن من التجارات التي كانت تجمل من حلب القطن والثياب والاشنان والمغرة.
قال ياقوت ولأهل حلب عناية بإصلاح أنفسهم وتثمير الأموال فقلما ترى من ناشئتها من لم يتقبل أخلاق إبائه في مثل ذلك فلذلك كان فيها بيوتات قديمة معروفة بالثروة ويتوارثونها ويحافظون علي قديمهم بخلاف سائر البلدان هذا ما وصف به الحلبيون منذ نحو سبعة قرون وهي أخلاق لم تبرح متسلسلة في أعقابهم إلى يوم الناس هذا ولذلك صح إن يقال أن الحلبيين أغنى من الدمشقيين والبيروتيين والحمويين والحمصيين والطرابلسيين والنابلسيين والمقدسيين والعكاريين واليافاويين والحيفاويين.
وصف ابن حوقل مدينة حلب في القرن الرابع فقال إنها مدينة جند قنسرين وكانت عامرة جدا غاصة بأهلها كثيرة الخيرات كان لها سور من حجارة لم يغن عنهم من العدو شيئا فخرب الروم جامعها وسبي ذراري أهلها واحرقها وكان بها قلعة غير طائلة ولا حسنة
стр. 4562
العمارة فلجا إليها قوم من أهلها فنجوا وهلك بها من المتاع والجهات للغرباء وأهل البلد وسبي بها وقتل من أهل سوادها ما في أعادته ارماض من سمعه ووهن على الإسلام وأهله وكان لها أسواق حسنة وحمامات وفنادق ومحال وعراص فسيحة وهي الآن كالمتماسكة ولم تنزل أسعارهم في الأغذية وجميع المأكل قديما واسعة رخيصة وعليهم ألان للروم في كل سنة قانون يؤدونه وضريبة تستخرج من كل دار وضيعة معلومة وكأنهم معهم في هدنة وليست وان كانت أحوالها متماسكة وأمورها رضية بحال جزء من عشرين جزءا مما كانت عليه من قديم أوقاتها وسالف أيامها.
ووصف ابن جبير حلب في القرن السادس فقال: إن هذا البلد موضوعة ضخم جدات حفيل التركيب بديع الحسن واسع الأسواق كبيرها متصلة الانتظام مستطيلة تخرج من سماط صنعة إلى سماط صنعة أخرى إلى إن تفرغ من جميع الصناعات المدنية وكلها بالخشب فسكانها في ظلال وارفة فكل سوق منها تقيد الأبصار حسنا وتستوقف المستوفز تعجباً وأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالا مطيفة بجامع المكرم لا يتشوق الجالس فيها مرأى سواها ولو كان من المراي الرياضية قد اتصل السماط خزانة واحدة وتخللها شرف خشبية بديعة النقش وتفتحت كلها حوانيت فجاء منظرها أجمل منظر وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع المكرم.
وقصارى القول فان عمران حلب القديم يشبه عمرانها الحديث إلا قليلا ومن أعظم ما يجعل الشبه كثيرا بين أدوارها المختلفة ذاك الحجر الأبيض المتين بني الحلبيون به بيوتهم وحوانيتهم وخاناتهم وتكاد تظن الشوارع والحارات والمساكن قطعة واحدة لأنها كلها مبلطة معمولة من صنف واحد من الحجارة تنبسط له النفس بخلاف الحجر الأسود الكثيب المستعمل في النداء بدمشق وحمص وغيرها.
وقد أصاب حلب من مقوضات دعائم العمران في القرون الأخيرة ما أصاب غيرها من بلدان سورية ومنها الزلازل والأوبئة التي انتشرت فيها عقيب استيلاء السلطان سليم العثماني عليها سنة ٩٢٢ بعد وقعة دامت ست ساعات بين جنده المؤلف إذ ذاك من ثمانين ألفا وثمانمائة مدفع وجند الغوري الجركسي سلطان مصر والشام الذي كان ضعيف التدبير قليل النظام وذلك في مكان يعرف بمرج دابق على بضع ساعات من حلب ونهض
стр. 4563
الحلبيون ففتحوا أبواب مدينتهم للفاتح بزعامة خيري بك والي حلب من الجراكسة كما تلقاه أهل دمشق كذلك لأن الناس كانوا سئموا في مصر والشام من الجراكسة وعلقوا الآمال الطويلة بدولة ابن عثمان الفنية القوية وقد استولى السلطان سليم على مليوني ذهب ومهمات كثيرة كان أذخرها الغوري في خزانة حلب ليقوى بها على محاربة العثمانيين والاستيلاء على القسطنطينية منهم فجعل الله بهلاك الغوري وانفض الناس حوله وأبقى السلطان العثماني البلاد على حالتها الأولى من حيث الإدارة في حلب وخطب فيها له لأول مرة تلقبا بخادم الحرمين الشريفين.
والظاهر مما في أيدينا من تواريخ حلب أنها لم ترتق ارتقاء محمودا على العهد العثمانيين بعد إن كانت في عهد العباسيين تضاهي بعظمتها بغداد والموصل على قول شيخ الربوة وكان جيش الانكشارية (بكي جرى) وغيره من اكبر أدوات التخريب ينسفون العمران ولا نسف المصائب السماوية ولم ينتظم لها أمر بحكومة الاقطاعات والنهب إلا عندما جرى تأليف الولايات على النسق المتعارف اليوم في السلطنة سنة ١٢٨٣ هـ -.
فدخلت الحكومة في طور قليل من النظام وأصبحت الحال تحسن بإحسان الولاة الذين يتولونها فإذا كانوا أعفة قادرين على الإدارة يزيد عمران حلب وإلا فيقف أو يتقهقر وممن ساعد على عمرانها الحديث وتنظيمها وفتح الشوارع الجديدة فيها على الأصول المدنية جميل باشا ورائف باشا.
ويكتفي في تقدير غنى حلب في القرون الوسطى والقرون الحديثة إيراد دخلها من الجباية والعشور وغيرها والمقابلة بينها. هذا مع غلاء النقود إذ ذاك ورخصها في الأيام الأخيرة فقد كان ارتفاع حلب سنة تسع وستمائة في الأيام الظاهرية دون البلاد الخارجة عنها والضياع والأعمال ستة ألاف ألف وتسعمائة ألف وأربعا وثمانين ألفا وخمسمائة درهم وذكر ابن شداد تفصيل هذه الارتفاعات من الزكوات والعشمر وضرائب البقول والفواكه والخيل والجمال والبقر والغنم والرقيق والصناعات والغلات والحطب والفحم والخشب والحديد والقنب وغير ذلك من الحكورة والمواريث وغيرها فكانت في بعض النسخ ٧. ٣٠٥. ٠٠٠ درهم.
وقال يايقوت ومسافة ما بيد مالكها في أيام الملك العزيز من المشرق إلى المغرب مسيرة
стр. 4564
خمسة أيام ومن الجنوب إلى الشمال مثل ذلك وفيها ثمانمائة ونيف وعشرون قرية ملك لأهلها ليس للسلطان فيه إلا مقاطعات يسيرة ونحو مائتين ونيف قرية مشتركة بين الرعية والسلطان وهي بعد ذلك تقوم برزق خمسة آلاف فارس مزاحي العلة موسع عليهم. قال الوزير الأكرم ابن النفطي وزير صاحبها لياقوت الحموي: لو لم يقع إسراف في خواص الأمراء وجماعة من أعيان المفاريد لقامت بارزاق سبعة آلاف فارس لأن فيها من الطواشية المفاريد ما يزيد على ألف قارس يحصل للواحد منهم في العام من عشرة آلاف درهم إلى خمسة عشر ألف درهم ويمكن إن يستخدم من فضلات خواص الأمراء ألف فارس وفي أعمالها إحدى وعشرون قلعة يقام بذخائرها وأرزاق مستحفظيها خارجا عن جميع ماذكرناه وهم جملة أخرى بسبحة ثم يرتفع بعد ذلك كله من فضلات الاقطاعات الخاصة بالسلطان من سائر الجبايات إلى قلعتها عنبا وحبوبا ما يقارب في كل يوم عشرة آلاف درهم وقد ارتفع إليها العام الماضي وهو سنة ٦٢٥ من جهة واحدة وهي دار الزكاة التي يجبى فيها العشور من الإفرنج والزكاة من المسلمين وحق البيع سبعمائة ألف درهم وهذا مع العدل الكامل والرفق الشامل بحيث لا يرى فيها متظلم ولا متهضم وهذا بن بركة العدل وحسن النية وقد بلغ دخل حلب سنة ١٣٢٢ شرقية من ضريبة الأملاك والبدل العسكري والأغنام والجمال والأعشار وغيرها ٤٥٦٤٥٨٦ غرشاً صحيحا ودخل لواء حلب كله ٢٩، ١٦٧، ٤١٦ غرشاً وبلغ دخل ولاية حلب كلها في تلك السنة ويدخل في ذلك لواء أمر مرعش وأورفة ٤١، ٣٢٢، ١٠٧ قروش صيحة أنفقت الحكومة على جندها وموظفيها وغير ذلك ٦، ٧١٥، ٣٤٤ غرشاً هذا مع إن الجباية لعهدنا فاحشة والضرائب متعددة أكثر من الأدوار السالفة. ويقدرون قيمة الدراهم اليوم بثلاثة قروش صحيحة.
غنى حلب ولغتها ومعاهدها وتدليها
لما كانت حلب في طريق قوافل الهند أصبحت ممتازة بموقعها منذ القديم بين البلدان ومعدودة قاعدة شماليي سورية وقد كان الإفرنج ولا يزالون فيها أكثر عددا مما هم في دمشق لأنها اقرب منفذ لاتصال الشرق بالغرب فكان تجارهم يأتونها من ثغر السويدية يتجرون مع أهلها ويقايضون محصولاتهم ومحصولات الشرق ولا سيما الهند وفارس والعراق.
стр. 4565
وكانت فرنسا والبندقية أول البلاد الأوربية التي اتجرت مع حلب وأقامت معها الصلات المهمة والمكاتب التجارية ثم جاء الانكليز في القرن السادس عشر وتلاهم الهولانديون ولا يزال الإفرنج فيها إلى اليوم يقربون من عدد إخوانهم نزلاء بيروت وبعضهم تناسلوا في حلب وارتاشوا وتأثلوا وعدوا كأنهم من أهلها. وقد كان البنادقة يتجرون بالبهار يأخذونه من حلب بكميات وافرة كما كانوا يجلبون منها الشب والقطن.
واهم ما أصاب حلب من الزلازل زلزلة سنة ١١٧٠م على عهد نور الدين محمود بن زنكي فقام يرممها وقلعتها وقد أصيبت بزلزال مدمرة في قرون مختلفة وآخرها زلزال سنة ١٨٢٢ الذي خرب به ثلثها وزلزال سنة ١٨٣٠ ونهضت حلب على عهد حكم إبراهيم باشا المصري من سنة ١٨٣١ إلى ١٨٤٠م إذ جعلها معسكراً له.
لا يتجاوز سكان حلب في التعداد الرسمي ال - ٣٠ ألفاً وربما كانوا في الحقيقة نحو ١٨٠ ثلثاهم أو أكثرهم من المسلمين والباقون روم ويهود وأرمن وموارنة وكاثوليك وبرتستانت ولكل طائفة من الطوائف الغير إسلامية عدة مدارس ابتدائية والمسيحيين متشبعون باللغة العربية أكثر من إخوانهم المسلمين النهم أكثر عراقة في التعلم بفضل مدارسهم والإفرنجية. أما المسلمون فان المتعلمين منهم يتعلمون على الطريقة التركية ليعيشوا عالة على التوظف اللهم إلا بضع مئات من الأتراك الأناضوليين الذين ينزلونها للتجارة أو الموظفين الذين يأتونها لخدمة الحكومة.
وليس للمسلمين مدارس أهلية راقية والمدارس التي تصبغ المأمورين هي المدرسة السلطانية وكانت إعدادية من قبل فقبلوا اسمها كما قبلوا أيم كثير من أسماء المكاتب الإعدادية في أمهات المدن العثمانية والمكتب الرشدي العسكري ومكتب الصنائع وفيها ٩٢ كتابا ومدرسة ابتدائية أميرية و٣٩ مدرسة لغير المسلمين و٣٢ مدرسة دينية وبعضها عامر و٣ مكاتب للإناث و٧ خزائن كتب عامة كما إن فيه ١٦٠٠٠ منزل ونحو ٨٠٠٠ دكان مخزن و١١٧ خانا و١٠٦ أحياء و١٦٩ جامعا و ١٨٢ مسجدا و١٩ تكية وزاوية و٤٠ حماما و٢١ كنيسة وديرا و٤ بيع و٢٩ طاحون ماء و١٢٨ طاحونا على الدواب و٣٠٠٠ نول و١١٢ فرنا و ٨ مدابغ و٢٧ معمل مناديل وزهاء ١٠٠ قهوة و١٢ معمل صابون و٥٠ خمارة و١٨٨٥ حديقة.
стр. 4566
وحلب برزخ بين البلاد العربية والتركية وعلى نحو أربعين كيلومترا من شمالي حلب يقل المتكلمون بالعربية وتصبح البلاد تركية محضة وان كان من أقضية حلب القريبة من لا يعرفون غير التركية من الفلاحين أسكنتهم الحكومة هناك مهاجرين من بلاد بعيدة. فمعظم أقضية لواء حلب يتكلم أهلها بالتركية كما إن أهلي لواءي اورفة ومرعش يتكلمون بالتركية وبعض العشائر في لواء مرعش يتكلمون بالكردية وفي بعض الأقضية من التركمان والعرب.
ويمكن إن نلخص من ذلك إن جهات الغرب من حلب كلها عرب وهي عبارة عن أقضية الدب وحارم وجسر الشغور ماعدا بعض قرى من إعمال حارم سكانها جركس وسكان العمق أكراد ومن الشمال من حلب إلى قبيل كليس عرب وتتكلم بعض قراهم بالتركية والعربية ومن كليس إلى اورفة فصاعدا كل السكان أتراك ومن الجهة الشرقية جميع السكان عرب وكل قضاء الباب في الشرق الشمالي من حلب عرب وفيهم قليل جدا من التركمان والأتراك والأكراد والجراكسة وكل قضاء منبج جركس نزلوه حديثا وفيهم عرب وقضاء الرقة عرب وقضاء المعرة في الجنوب عرب كله ويقال إن أهلي قضاء عينتاب يتكلمون بالتركية وقضاء كليس وان تكلم أهل المركز بالتركية فان النواحي يتكلم أهلها بالعربية والتركية والكردية.
وأهل قضاء اسكندرونة يتكلمون على الأكثر بالتركية والأرمنية وأهل إنطاكية منهم من يتكلم بالتركية ومنهم من يتكلم بالعربية فيصح أن يقال فيهم أن تركيهم تعرب وعربيهم تترك وأهالي ادلب كلهم عرب وكذلك أهالي حارم وفي بعض قرى هذا القضاء مهاجرون من الأتراك والجركس والتاتار وأهالي قضاء بيلام يتكلمون بالتركية وأهل أقضية المرة والباب وجبل سمعان وأهالي مركز قضاء جسر الشغر وناحية المضيق عرب وناحية أردوا أتراك وأكثر أهالي قضاء منبج من مهاجري الجراكسة وأهل قضاء الرقة عرب وأهالي قضاء جران منهم من يتكلم بالعربية ومنهم الكردية.
هذه هي اللغة الغالبة على حلب وأعمالها وليس اليوم في هذه المدينة ما يستحق الذكر من أعمال العمران سوى بناياتها الجديدة التي أقيمت إلا قليلا على مثال أبنية الأمم الراقية منفردة بعضها عن بعض ليتخللها الهواء والشمس بعيدة عن الطرق العامة لأن السكان من
стр. 4567
عاداتهم اليوم أن يؤخروا بناء بيوتهم وحوانيتهم ما أمكن ويعطوا فضل أراضيهم للشارع حتى يكبر بحسب الخريطة التي تريدها البلدية ولذلك تجد الإحياء الجديدة مثل العزيزية والجميلية فسيحة عريضة كأنها بنيت في يوم واحد أو هي لرجل واحد وكان من ذلك أن صرفت واردات البلدية القليلة وهي لا تتجاوز الستة آلاف ليرة مسانهة على تنظيف المدينة وتطهيرها وتنويرها.
ولقد كنا نود أن نرى في الشهباء نهضة علمية راقية لما عرف في أهلها من الذكاء والمضاء والحساب للمستقبل ولكن رأينا الخاصة الذين يرجى منهم إن يسيروا في المقدمة متشاغلين بخويصة أنفسهم ومن كان على خطتهم من المتأدبين دأبهم النيل من الكبراء وأرباب النفوذ والثراء ممن يتوفرون على اعنات الفقراء واجتجان الصفراء والبيضاء وربما صح أكثر هذه الشكوى ولكن لا حيلة فيمن اعجزوا الحكومة وعرفوا كيف يصرفونها على ما يشاؤون. وعندنا أن يترك الطعن جانبا ولتعارف الطبقة المستنيرة إلى الطبقة القابضة على زمام البلاد من الأعيان الموسرين ليتسنى بذلك النهوض بالشعب المسكين وتثقيف عقول الناشئة ومادام الاختلاف مستحكما بين المنورين والموسرين فالغرباء يجدون سبيلا إلى التلاعب وينطبق ذلك مع رغائبهم.
نحن نعتقد انه ربما كان من أرباب اليسار من جمعوا ثرواتهم الطائلة من طرق غير مشروعة في حكومة عبد الحميد ولكننا نعتقد أن منهم من جمعوها بالاتفاق كان تتوالى سني الجدب - والخصب قلما يدوم سنتين كثيرة في حلب وعملها - فيأتي الفلاح باكيا شاكيا إلى ذاك الوجيه يتخلى له عن كل ما يملك من عقار وارض ليعوله وعياله ويدفع عنه الضرائب والعشور التي يتعذر عليه جدا في غير سني الخيران يقوم بها حق القيام.
وسواء جمع أرباب اليسار ما يملكون الطرق القانونية المشروعة أو من السحت البحت وإرهاق الفلاح والعبث بمصلحة الفقير فان من ملك ملك ومن هلك هلك وليس من وسيلة الآن لنزع ما ملكوا من أيديهم فالا حجي أن تحسن سياستهم في الجملة للانتفاع من أموالهم تصرف على أعمال الخير وإنشاء الكتاتيب والمدارس وما نظن أكثرهم إلا قانعين من الطبقة المستنيرة بالسكوت عما مضى. وما تم في الغابر هو لا جرم نتيجة ضعف الحكومة وفسادها ولو عرفت منذ القديم كيف تحسن سياسة الرعية وتدفع الناس بعضهم عن بعض
стр. 4568
لما اختل النظام ولرضي الخاص والعام.
نحن نعلم أن أموال الأغنياء هنا بل وفي كل مكان تصرف على الأكثر فيما لا يرضى عنه الأدب والأخلاق وان أبناء الطبقة الوسطى أمضى عزائم وأجمل أخلاقا ولكن ليست المهارة في النقد من بعيد بل المهارة بدخول المجتمع وإصلاح ما أمكن من مفاسده ومهلكاته. أن في التباعد جفاء وفي الاجتماع حسن تفهم وكم من عدو لك بتحكك به ينقلب على الزمن صديقا وكم من صديق يكون بابتعادك عنه عقوقاً.
أن ما رأيناه من حلب وهي ماهية من عظمتها وغناها وما نقل لنا وشهدناه من تنوع ضروب الفجور والملاهي فيها أبكانا على قاعدة من أهم قواعد الشام وكهف عظيم من كهوف الإسلام ودعانا إلى إن ننسب القصور للعالمين والجاهلين على السواء فلا يخلص من تبعه هذا الانحلال عاقل اللوم يلحق العالم أن ينال الجاهل.
تالله لو صرفت حلب ربع ما تنفقه في سبيل اللهو والموبقات على المعارف والآداب الرافعة لأصبحت في بضع سنين ذات مدنية راقية. وبعد أليس من العار أن تكون نابلس في فلسطين وهي مشهورة بانغماسها في حماة الجهالة بعدد نفوسها اقرب إلى التعلم من حلب دخل من أبناء أعيانها بضعة وعشرون ليدرسوا في المدارس الأستانة العالية وبضعة قصدوا ديار الغرب ولا نرى إلا عددا قليلا من الحلبيين يقصدون الأستانة ليتخرجوا في مدارسها ليجيء منهم اتكاليون من عباد الوظائف وعبيد الحكومة ولا نرى في الغرب من أبنائهم سوى اثنين أو ثلاثة فقط وبهذا نرجو النهوض ونتوسل بأسباب الارتقاء.
أليس من العار أن يكون بلد يبلغ بمساحته ضعفي مساحة دمشق وفي غناه التجاري من أهم المدن التجارية في البلاد العثمانية وفي طيب مناخه من أجود البقاع وفي مضاء سكانه مثلا مشهورا ثم لا تشهد فيه صحيفة عربية واحدة تصدر باسم رجل مسلم من أهلها بعرف طرق الإصلاح ويحسن المطالبة به. ولا مدرسة ابتدائية أهلية تعلم ابن الفلاح والتاجر والصانع ما يلزمه في دينه ودنياه ولا ناديا ولا جمعية ولا شركة تنفع في التعارف والتعاطف والتكافل.
أن معظم البلاد استفادت من نعمة الدستور فهبت تتعلم وتفكر في الإصلاح ولكن حلب على ما ظهر لنا في مؤخرة البلدان التي لم تدرك حتى الآن ما يراد بالحرية.
стр. 4569
أن تلك الطائفة التي تعتز اليوم بأموالها وبينها سيجيء عليها زمن تدثر هي وما جمعت ومن جمعت لهم أن لم تعالج ذاك الضعف المميت بقوة العلم والأخلاق ويستخلف ربنا غيرها في أرضهم ممن يصلحها شانه في خليقته منذ دحي الأرض ورفع السماء.
قلعة حلب
أصاب الآثار القديمة في هذه المدينة ما أصاب اثأر غيرها من البلدان فلم يبق منها إلا أنقاض تنبي بمغالاة السلف في تجويد البناء وإحكامه ومن أهم هذه العاديات قلعة حلب فهي أفخم ما في الديار الحلبية من القلاع بنيت وسط المدينة على أكمة ربما كانت صناعية ويحيط بها خندق عظيم كان القدماء يملئونه ماء ليتعذر الوصول إليها إلا من مدخلها وهذا من أحصن ما يتصور العقل ويقال أن مدينة أي حلب القديمة كانت كلها مبنية في هذه القلعة وقد تعاورتها الأيدي بالبناء في قرون مختلفة وظلت مسكونة إلى سنة ١٨٢٢م أيام خربت بالزلازل.
يسير الداخل إلى القلعة على جسر بديع أقيم فوق الخندق فيبلغ برجا خارجا جعل في واجهته أنواع من نوافذ الحديد البديع قيل انه من عهد الملك الظاهر لما وجد في مدخله من كتابة تاريخها سنة ٦٠٥ مع بعض الآيات الكريمة وقد بذل بعض علماء الآثار قدرا وافرا من المال لقلع تلك النوافذ واخذ حديدها وأحجارها إلى متاحف أوربا فلم تقبل الحكومة ولا تزال تحظر الدخول إلى القلعة إلا برخصة لأنها جعلت فيها مستودعا لبعض المهمات العسكرية وفي دهليز القلعة المتعرج عدة كتابات ونقوش بارزة على الحجر ومنها صورة نمرين على الباب ويساره من أجمل ما زبرت أيدي الناقشين على الصخور فإذا دخل المرء من الباب وجد ساحة وأثار عدة شوارع وركاما من الأنقاض بعضها أنقاض جامع ومأذنة وأخرى أنقاض أروقة وأخرى محال لرصد العدو وفي الوسط صهريج كبير يستقى منه إلى اليوم ماء عذب والغالب انه من ماء المطر. والناظر إلى حلب من قلعتها يدرك عظمتها ويتجلى له برها الفسيح البديع ولا سيما زمن الربيع وقد اكتست السهول والجبال بجللها السندسية.
قال ابن الشحنة أول من بنى قلعة حلب سلوقس الذي بنى مدينة حلب وهي على تل مشرف على المدينة وعليها سور محكم البناء وفي وسطها بئر ينزل إليها بمائة وخمس
стр. 4570
وعشرين درجة قد هندست تحت الأرض ويقال لها الآن ساطوره وكان بها دير للنصارى ويقال أن في أساسها ثمانية آلاف عمود ولما ملك كسرى حلب بنى بها مواضع ولما فتحها أبو عبيدة في أيام عمر بن الخطاب (رض) رمم أسوارها لأنها خربت بسبب زلزلة كانت أصابتها قبل الفتح فاخر بت أسوار البلدة والقلعة. ولما استولى نقفور ملك الروم على حلب سنة ٣٥١ امتنعت عليه القلعة ولم يكن لها يومئذ سور محكم ومن ذلك الوقت اهتم الملوك بعمارة القلعة وتحصينها فبنى سيف الدولة وابنه سعيد الدولة وبنو مرداس وعماد الدين اق سنقر وابنه عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود وابنه الملك الصالح ولما ملك الملك الظاهر غياث الدين غازي حصنها وحصنها وبنى بها مصنعا للماء ومخازن للغلات وبنى سفح تلها بالحجر الهرقلي واعلي بها إلى مكانه ألان وبنى على الباب برجين لم يبن مثلهما قط وجعل لها ثلاثة أبواب حديد ولما تسلم التاتار القلعة أخربها وأخرب أسوارها واخذ ما كان بها من الذخائر والزردخانات والمجانيق ولم يبقوا بها مكانا للسكنى واستمرت خرابا إلى أن جددت عمارتها في أيام الملك الاشرف خليل بن قلاوون ولما أتى التمرلنك أخرب أسوار البلد والقلعة واحرقها واستمرت خرابا إلى أن جاء الأمير سيف الدين حكم نائبا من قبل الملك الناصر فرج برقوق فأمر ببناء القلعة وألزم الناس بالعمل في الخندق وأزال التراب منه حتى انه عمل بنفسه واستعمل وجوه الناس بحيث كان الأمراء يحملون الأحجار على ظهورهم.
هذا أجمل تاريخ لهذه القلعة البديعة اكبر قلاع سورية واهما إلى القرن العاشر وما نظن العثمانيين جددوا فيها شيئا بعد إلى يومنا هذا وقد وصفها ابن جبير في رحلته فقال: ومن كمال خلالها المشترطة في حصانة القلاع أن الماء بها نابع وقد صنع عليه جبان فهما ينبعان ماء فلا تخاف الظمأ ابد الدهر والطعام يصير فيها الدهر كله وليس في شروط الحصانة أهم ولا أكد من هاتين الخلتين ويطيف بهذين الجبين سوران حصينان من الجانب الذي ينظر للبلد ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه وشان هذه القلعة في الحصانة أعظم من أن ننتهي لي أوصفة وسورها الأعلى كله أبراج منتظمة فيها العلا لي المنيفة والقصاب المشرفة قد تفتحت كلها طيقانا وكل برج منها مسكون وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة الملوكية.
стр. 4571
وهذا أخصر وصف للقلعة زمن عزها وعمرانها أيام كان بها يضرب المثل في الحسن والحصانة لأن مدينة حلب في وطاء من الأرض وفي وسط ذلك الوطاء جبل عال مدور صحيح التدوير مهندم بتراب صح به تدويره والقلعة مبنية في رأسه ولها خندق عظيم وصل بحفره إلى الماء وفي وسط هذه القلعة تصل إلى الماء المعين وفيها جامع وميدان وبساتين ودور كثيرة
وما أحرى هذا الحصن بقول البحتري من قصيدة يصف بها إيوان كسرى:
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتما بعد عرس
وهو بنبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
ليس يدري اصنع انس لجن ... سكنوه أم صنع جن لأنس
عمرت للسرور دهرا فصارت ... للتعزي رباعهم والتأسي
فلها أن أعينها بدموع ... موقفات على الصبابة حبس
ذاك عندي وليس الدار داري ... باقتراب منها ولا الجنس جنس
زراعة حلب
ليس في ظاهر حلب من الحدائق الأنيقة ما يبلغ نحو عشر ما في ظاهر دمشق على كثرة الماء وجودة التربة هنا. أما في أعمالها فتنبت أكثر الحبوب وتجود معظم الثمار ولولا قلة الري التي تحدث بعض السنين بقلة الغابات وتدرجها نحو الفناء وما يعشش في أرباضها من الجراد في معظم السنين لكانت زراعتها كزراعة بلاد دمشق وأكثر ومع هذا فان أقضية دمشق لا تعادل أفضية حلب في زيتونها قال المهلبي: وتجلب من كور حلب وضيعها ما يجمع جميع الغلات النفيسة فان بلدة معرة مصرين وجبل السماق بلد التين والزيتون والزبيب والفستق والسماق والحبة الخضراء وقال ابن شداد وفي بعض ضياع حلب ما يجمع عشرين صنفا من الغلات. وقال ابن الشحنة ومما اختصت به حلب ماء الورد النصيبي الذي يستخرج بالباب من إعمالها فانه لا يوجد في الدنيا مثله بحيث لا يقاربه شيء مما يجلب إلى الديار المصرية من الشام مع أن المجلوب من دمشق عند المصريين في غاية العظمة بحيث يصفه أطباؤهم للمرضى فيقولون ماء ورد شامي. وقال ياقوت ويزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدخن والكروم والذرة والمشمش
стр. 4572
والتين والتفاح عذبا لا يسقى إلا بماء المطر ويجيء مع ذلك رخصاً غضاً روياً يفوق ما يسقى بالمياه والسيح. وقال ابن حوقل أن ما حول معرة نسرين من القرى أعذاءٌ ليس بجميع نواحيها ماءٌ جار ولا عين وكذلك أكثر ما بجميع جند قنسرين أعذاءٌ ومياههم من السماء وقال ابن جبير في بلاد المعرة وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين وهي من أخصب بلاد الله وأطهرها أرزاقاً.
ويصدر من حبوبها اليوم الحنطة والشعير والأرز والقطن والحمص والعدس والبقلاء وبذر الكتان والاينسون والسمسم والخردل والكزبرة اليابسة والماش والقصب والدخان وغير ذلك ومن الثمار الفستق الجيد في أفضية حلب وقلعة الروم وعينتاب ويجود الزيتون كل الجودة في أفضية حلب وإدلب وكليس وحارم وعينتاب وإنطاكية وجسر الشغر ونزيب ويجود الليمون والبرتقال بين إنطاكية واسكندرونة وفي حلب والباب يجود الرمان وفي أريح الكرز والوشنة كما يجود في حلب وإعمالها أنواع الثمار والبقول على اختلاف ضروبها.
ويجود التوت في أفضية إنطاكية إسكندرونة وبيلان وحارم بكثرة فيكون منه حرير جيد وفي أفضية الولاية ولواء مرعش مثل أفضية جسر الشغر وإنطاكية وبيلان وكليس وإسكندرونة وقلعة الروم من أعمال اورفة تخرج غابات كثيرة كالبلوط والدر دار والصنوبر والعفص والدفلة وغيرها وف جبال البستان تخرج على أطراف الأنهار والجداول أشجار برية من الحور والصفصاف وفي السهول عرق السوس ففي داخل الولاية يكثر التين والعنب والأجاص والدراق وفي السواحل الليمون والبرتقال والكراد والطورنج ويكي دنيا وفي هذه الولاية يكثر البصل والثوم ويجود البطيخ الأحمر (الجبس) من وراء العقل وتزرع البطاطا في بعض الأنحاء كما أن الكماءة تستخرج من باديتها وسهولها.
هواء حلب وصحتها
يبلغ ارتفاع حلب خمسمائة متر عن سطح البحر وبالنظر لتعرضها لحرارة الشمس من جهاتها الأربع وعبث الرياح التي لا يحول دونها حائل من الأشجار أو غيرها كان بردها شديداً وحرها على تلك النسبة فهوائها اقل اعتدالا من هواء دمشق يزيد في ذلك قلة مياهها
стр. 4573
في الدور كما هي في دور الفيحاء المشهورة بقاعاتها وأحواضها فهواء حلب جاف معتدل للغاية ولولا بناء منازلها بالحجر لضاقت أنفاس سكانها أيام القيظ وقد تبلغ درجة الحرارة الأربعين أو أكثر بالميزان المئوي وقد نزلت الحرارة في الشتاء الماضي إلى تحت الصفر بخمس وعشرين درجة.
ومع ذلك نجد لأهل حلب رجالا ونساء من صحة الأجسام ونضرة الوجوه مالا تكاد تجد مثله في معظم البلاد الداخلية من سورية. قال المهلبي وأما أهل حلب فهم أحسن الناس وجوها وأجساما والأغلب على ألوانهم الدرية والحمرة والسمرة وعيونهم سود وشهل. قلنا إما البياض الناصع فهو كثير للغاية ويزيده رونقا في بعض النساء تلك الحبة التي تخرج على الأغلب في الوجوه وتترك أثرا في الخدود بحجم الريال يزيدها رونقاً وحسناً.
وهذه الحبة يقال لها في هذه البلاد حبة حلب وهناك يقال لها حبة السنة وليست في الحقيقة خاصة بأهل حلب بل يشترك فيها سكان الشرق حتى بلاد فارس واختلف العلماء في تعليلها فقال قوم إنها تخرج بخاصية في ماء حلب ولو صحت هذه النظرية لكان أهل عينتاب وروم قلعة (قلعة الروم) وبيرة جك (البيرة) واروفة (الرها) وخربوت ودباربكم والموصل ودير الزور وبغداد ناجين منها والحال أنها تصيبهم كما تصيب الحلبيين حذو القذة بالقذة. وقال قوم أنها منبعثة من الماء ولو كان الأمر كذلك لاقتضى من ذلك أن تطلع في سكان القرى البعيدة ساعتين عن حلب على انك لا ترى لها فيهم أثراً.
وأغلب الأطباء على أنها من الإمراض السارية ودليلهم على ذلك أن إبراهيم باشا المصري لما قدم حلب كان في حملته رجل من قرية بشلمون في لبنان فأصيب بالقرحة المذكورة وقيل أن بئرا منها عاد إلى بلاده فعدى بها أهل قريته ويقال أنها لا تزال إلى اليوم موجودة ويقال لها الحبة الشامونية.
والحقيقة أن أمر هذه القرحة لم يبرح سرا غامضا على الأطباء ومرضا جلديا يصاب به الأطفال في الطفولة وبعض الغرباء الذين ينزلون حلب في الكبر ويقيمون فيها سنة وقد ينجون منها وإعراضها عبارة عن بثور تظهر في طرف من أطراف الجسم ويكون في الوجه أو اليد أو الرجل غالبا حتى إذا شفيت بدون أن ينشا عنها وجع تترك اثأرا ونوبا بيضاء ويصاب بها الغرباء والوطنيون على السواء كما يصاب بها الكلاب والقطط وكثيرا
стр. 4574
ما تخرج بعد أن يغادر المرء البلاد بزمن.
متنزهات حلب
تتغير أسماء المتنزهات كما تتغير أسماء البلدان بتغير الأزمان فمن متنزها تحلب القديمة اشمونيث قال أنها عين في ظاهر حلب في قبلتها تستقي بستانا يقال له الجوهري وان فضل منها شيء صب في قويق ذكره منصور بن مسلم بن أبي الخرجين يتشوق حلب
أيا سائق الإظعان من ارض جوشن ... سلمت ونلت الخصب حيث تزود
إلى أين عنها تشف مآب من الجوى ... فلم يشف مآبي عالج وزرود
هل العوجان الغمر صاف لوارد ... وهل خضبته بالخلوق مدود
وهل عين اشمونيث تجري كمقلتي ... عليها وهل ظل الجنان مديد
إذا مرضت ودت بان ترابها ... لها دون اكحال الأساة برود
ومن جرب الدنيا على سوء فعلها ... يعيب ذميم العيش وهو حميد
إذا لم تجد ما تبتغيه فخض بها ... غمار السر أم الطلاب ولود
بابلا قرية كبيرة بظاهر حلب بينهما نحو ميل وكانت عامرة آهلة في أيام ياقوت قال الوزير أبو القاسم بن المغربي.
حن قلبي آلة معالم باب ... لا حنين الموله المشغوف
مطلب اللهو والهوى وكناس ال ... خرد العنين والظباء الهيف
حيث شطا قويق مسرح طرفي ... والاسامي مؤانسي وأليفي
بطياس قال ياقوت أهل حلب كالمجمعين على أن بطياس قرية من باب حلب بين النيرب وبابلا كان بها قصر لعلي بن عبد الملك بن صالح أمير حلب وقد خربت القرية والقصر قال البحتري:
يا برق أسفر عن قويق فطرتي ... حلب فأعلى القصر من بطياس
عن منبت الورد المعصفر صبغة ... في كل ضاحية ومجني الأس
ارض إذا استوحشت ثم أتيتها ... حشدت على فأكثرت إيناسي
وقال أيضاً:
نظرت وضمت جانبي التفاتة ... وما التفت المشتاق إلا لينظرا
стр. 4575
إلى ارجواني من البرق كلما ... تنمر علوي السحاب تعصفرا
يضيء غماما فوق بطياس واضحا ... يبض وروضا تحت بطياس اخضرا
وقد كان محبوبا إلى لو انه ... أضاء غزالا عند بطياس احورا
تل ماسح قرية من نواحي حلب ذكرها امرؤ القيس في شعره:
بذكرها أوطانها تل ماسح ... منزلها من بربعيص وميسرا
جوشن جبل مطل على حلب في غربيها في سفحه مقابر ومشاهد للشيعة وقد أكثر شعراء حلب من ذكره جدا فقال منصور ابن مسلم بن أبي الخرجين النحوي الحلبي من قصيدة:
عسى مورد من سفح جوشن نافع ... فاني إلى تلك الموارد ظمآن
وما كل ظن ظنه المرء كائن ... يحوم عليه للحقيقة برهان
وقال ابن سنان الخفاجي:
ابرق طالع من ثانية جوشن ... حلبا وحي كريمة من أهلها
واسأله هل حمل النسيم تحية ... منها فان هبوبه من رسلها
ولقد رأيت فهل رأيت كوقفة ... للبين يشفع هجرها في وصلها
قال الخفاجي ومن هذا الجبل كان يحمل النحاس الأحمر وهو معدنه حربنوش قرية من قرى الجزر من نواحي حلب قال حمدان بن عبد الرحيم الجزري:
الأهل إلى حث المطايا إليكم ... وشم خزامى حربنوش سبيل
دابق قرية قرب حلب من أعمال عزاز بينها وبين حلب أربعة فراسخ عندها مرج معشب نزه كان ينزله بنو مروان إذا غزوا الصائفة إلى ثغر المصيصة وبقربها قرية أخرى يقال لها دويبق قال عيسى بن سعدان الحلبي
ناجوك من أقصى الحجاز وليتهم ... ناجوك ما بين الحص ودابق
أمفارقي حلب وطيب نسيمها ... يهنيكم أن الرقاد مفارقي
والله ما خفق النسيم بأرضكم ... ألا طربت من النسيم الخافق
وإذا الجنوب تخطرت أنفاسها ... من سفح جوشن كان أول ناشق
الدارين هو ربض الدارين بحلب ذكره عيسى بن سعدان الحلبي في مواضع من شعره فقال:
стр. 4576
يا سرحة الدارين آية سرحة ... مالت ذوائبها علي تجننا
أرسى بواديك الغمام ولا عنا ... نفس الخزامى الحارثي وجوشنا
أمنفرين الوحش من أبياتكم ... حبا بظبيكم أسا أو حسنا
اشتاقه والاعوجية دونه ... ويصدني عنه الصوارم والقنا
وقال الأعشي:
وكاس كعين الديك باكرت خدها ... بفتيان صدق والنواقيس تضرب
سلاف كان الزعفران وعندما ... يصفق في ناجودها ثم يقطب
لها أريج في البيت عال كأنه ... الم به من بحر دارين اركب
دير حشيان بنواحي حلب من العواصم ذكره حمدان بن عبد الرحيم فقال:
يا لهف نفسي مما أكابده ... إن لاح برق من دير حشيان
وان بدت نفحة من الجانب ال ... غربي فاضت غروب أجفاني
وما سمعت الحمام في فنن ... إلا وخلت الحمام فاجأني
وما اعتضت مذ غبت عنكم بدلا ... حاشا وكلا ما الغدر من شأني
كيف سلوي أرضا نعمت بها ... أم كيف انسي أهلي وجيراني
لا خلق رقن لي معالمها ... ولا اجتني انهار بطنان
لكن زماني بالجزر اذكرني ... طيب زماني به فأبكاني
ديرمارنين يعرف أيضا بدير السابان وهو بين حلب وانطاكية مطل على بقعة تعرف بسرمد وهو دير حسن كبير وكان خرابا في القرن السادس وآثاره باقية وفيه يقول الشاعر:
ألف المقام بدير رومانينا ... للروض ألفا والمدام حزينا
والكاس والإبريق يعمل دهرا ... وتراه يجني الأس والنسرينا
ديرعمان بنواحي حلب وتفسيره بالسريانية دير الجماعة قال فيه حمدان بن عبد الرحيم الحلبي:
دير عمان ودير سابان ... هجن غرامي وزدن أشجاني
إذا تذكرت منهما زمنا ... قضيته في عرام ربعاني
ومر أبو فراس بن أبي الفرج فقال مرتجلا:
стр. 4577
قد مررنا بالدير دير عمانا ... ووجدناه دائرا فنجانا
ورأينا منازلا وطلولا ... دارسات ولم نر السكانا
وارتنا الآثار من كان فيها ... قبل تفنيهم الخطوب عيانا
فبكينا فيه وكان علينا ... لاعليه لما بكينا بكانا
لست أنسى يا دير وقفتنا في ... ك وان أورثتني نسيانا
من أناس حلوك دهرا فخلو ... ك وأمسوا قد عطلوك ألامنا
فرقتهم يد الخطوب فأصبح ... ت خرابا من بعدهم اسيانما
وكذا شيمة الليالي تميت ال ... حي منا وتهم البنيانا
حربا مالذي لقينا من الده ... ر وماذا من خطبها قد دهانا
نحن في غفلة بها وغرور ... وورانا من الردى ماورانا
دير مرقس من نواحي الجزر قال حمدان بن عبد الرحيم يذكره:
الأهل إلى حث المطايا إليكم ... وشم خزامى حر بنوش سبيل
وهل غفلات الدهر في دير مرقس ... تعود وظل له فيه ظليل
إذا ذكرت لذاتها النفس عنكم ... تلاقي عليها وجدة وعويل
بلاد بها أمسى الهوى غير أنني ... أميل مع الأقدار حيث تميل
وذكر ابن الشحنة في تاريخ حلب طرفا صالحا من متنزهات حلب فقال أنها كثيرة فمنها ما يقصد في أيام الأعياد والمواسم ويستوي فيه الخاص والعام كباب المقام داخلا وخارجا يجعل فيه فيالات وتعمل فيه أنواع الفنون وتعقد به الحلق لأرباب الصنائع ويباع فيه أنواع المآكل وكذلك خارج باب النيرب وخارج باب الفرج إلى ارض الماتين والمجدية وخارج باب النصر وظاهر بانقوسا وظاهر باب قنسرين مادا إلى جسر الأنصاري. وإما ما يقصد في سائر الأيام والأوقات التي تخطر للمتنزهين فأولها من جهة القبلة الأبيض ثم مرج الخالدي وعين مباركة وعين اشمونيث وهي المعروفة بعين أشمول وارض بطياس والسعدي وهو قضاء فياح تجري فيه انهر متشعبة من نهر واحد بحافتيها مروج خضر وبها من الزهر المختلف مالا يبلغه الوصف ثم الجوهري وهو بستان قديم وصفه الشعراء والبلغاء ومنها الأنصاري وجسراه المعروف احدهما بحقل ابن رافع والفيض وجندبات
стр. 4578
وزاوية عباس ومنها ارض الخوابي وطواحين السلطان ومشهد الزرازير وبستان شمس لولوا وجبل جوشن والقلوت وجسر الطواشي وبستان البقعة وبستان العجمي والكهف وبستان الجزيرة والحبشي وقيصر ومرجة الفرايين وجسر باب انطاكية وجسر باب الجنان وجنينة المهمندار المعروفة آخر وقت بابن نجيح وبستان الوزير وجهرة الانكليس ومنها بابلى وهي قرية قريبة متصلة أرضها بأرض بانقوسا بها عدة جواسق وبحرات وجنينات وغير ذلك. ومنها قرنبية وجبل البختي والهزازة والميدان الأخضر ومشهد سيدي فارس وقسطل الحاجب وبعادين ومرجة أغلبك وارض بالصفراء وعين التل والأرض المسماة بالجوز سميت به لأشجار جوز عظام كثيرة الظل على شاطئ النهر ممتدة إلى حيلان وحوش البدوية وهو مكان فياح على نشر من الأرض ينبت فيه الشيح والقيصوم والقرنفل والصعتر ومنها الخناقية وكتف الأزرق والأرض المجدبة وجورة الأسقف التي بها بستان النصيبي وتجاه مرج السلحولية ثم جنينة عبيد والناعورة وارض الحلبة ورأس الطابق والنهريات وهي مسافة يومين من اول المسلمية إلى تل السلطان.
وللصنوبري الشاعر قصيدة طويلة في وصف بعض متنزهات حلب وقراها القريبة جاء فيها:
حبذا الباات باءا ... ت قويق وراها
بانقوساها بها ... باهى المياه حين باها
وببا صفرا وباب ... لا وبا (؟) مثلي وتاها
لاقلي صحراء نافر (؟) ... قل شوقي لأقلاها
لاسلا أجيال باسل ... ين قلبي لا سلاها
وبباسلين فليب ... غ ركابي من بغاها
والى باشقليشا ... ذو التناهي يتناها
وبعاذين فواها ... لبعاذين وواها
بين نهر وقناة ... قد تلته وتلاها
ومجاري برك يجل ... وهمومي مجتلاها
ورياض تلتقي آ ... مالنا فيما التقاها
стр. 4579
زاد اعلاها علوا ... جوشننا لما أعلاها
وأزدهن برج أبي الحا ... رث حسنا وازدهارها
واظبت مشرف الحص ... ن اشتياقا واطناها
وأرى المنية فازت ... كل نفس بمناها
ازدهواي العوجان السالب ... النفس هواها
ومقيلي بركة الت ... ل وسيبات رحاها
بركة تربتها الكا ... فور والدر حصاها
كم غراني طربي حي ... تانها لما غراها
إذ تلا مطبخ الحي ... تان منها مشتواها
بمروج اللهو ألقت ... غير لذاتي عصاها
وبمغنى الكاملي أس ... تكملت نفسي مناها
وغرت ذا الجوهر ال ... مزن غيثا وغراها
كلا الراموسة الحس ... ناء ربي وكلاها
وجزى الجنات بالس ... عدى بنعمى وجزاها
وفدى البستان من فا ... رس صب وفداها
وغرت ذا الجوهر ال ... مزن محلولا غراها
واذكر دار السليما ... نية اليوم إذ كراها
حيث عجنا نحوها العب ... س تباري في براها
وصفا العافية المو ... سومة الوصف صفاها
فهي في معنى اسمها حذ ... وبحذو وكفاها
وصلا سطحي وأحوا ... ضي خليلي صلاها
وردا ساحة صهري ... جي على سوق رداها
وامزجا الراح بماء ... منه أو لا تمزجاها
حلب بدر دجى أن ... جمها الزهر قراها
للرحلة صلة
стр. 4580
قانون الجماعات
وشرح المغمض منه
أبنت في جزء سبق أن القوانين التي تبحث عن أفعال الناس الناشئة من اجتماعاتهم تقسم إلى قسمين: قسم له مساس بالأمن العام رأسا وآخر بالواسطة وقلت أن أفعال الناس المجتمعة التي قد تخل بالأمن العام تظهر في مظهرين الأول: دائمي والآخر مؤقت والقانون الذي يبحث عن الاجتماعات الدائمة قانون الجمعيات وقد مرت ترجمته وشرح شرحا إجماليا. وأما القانون الذي يبحث عن الاجتماعات المؤقتة فهو قانون (الجماعات) وهو موضوع بحثنا اليوم.
هذا القانون كناية عن (١١) مادة فقط. وهو مأخوذ عن القانون الصادر في فرنسا عام ١٨٨١ وكثير الشبه به. وقد نشر في ٢٠ جمادى الأولى عام ١٣٢٧ موافق ٢٧ أيار سنة ١٣٢٥. عقيب حوادث ٣١ آذار المعلومة.
المادة الأولى - العثمانيون أحرار في عقد الاجتماعات العامة بلا سلاح. وبشرط الرعاية للمواد الآتية فلا حاجة لأخذ الرخصة.
إيضاح - أعلن واضع القانون حرية الاجتماع بهذه المادة بكل صراحة لأن هذا حق من حقوق الأمة الطبيعية متولد من حرية الكلام وحرية تعاطي الأفكار وحرية اتحاد الآمال.
الاجتماعات قسمان (١) سياسي (٢) غير سياسي وكلاهما جائز والدليل قول واضع القانون (الاجتماعات العامة) كما مر في المتن بدون قيد.
وهنا تجد بيننا وبين فرنسا فرقا مهما يجلب نظر. وهو أن قانون الاجتماع الفرنساوي يمنع الاجتماعات لأجل الانتخابات وأما قانوننا فيجوزها كما هو مستفاد من إطلاق هذه المادة. أي أن قانون الاجتماع الفرنساوي لا يسوغ الاجتماع إلا للمرشحين والمنتخبين فقط، وإما قانوننا فهو مطلق الحرية للمرشحين والمنتخبين ولكل ناظر.
ثم مر في متن المادة كلمة (العثمانيون أحرار) فيفهم من هذا بان الأجانب ممنوعون من الاستفادة من هذا الحق. لأن لكل كلمة مفهومين: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة.
فان ذكر احدهما يستدل على أن الآخر غير مقصود وغير مطلوب فقول واضع القانون هنا (العثمانيون) يدل بأنه قصد إخراج غير العثمانيين من مداول هذه الكلمة. ومن هنا يستدل
стр. 4581
بأنه لا يسوغ لغير العثمانيين من حق الاجتماع.
يقول بعض العلماء أصول الإدارة الملكية ولا سيما الأستاذ ضيا بك بحوار عقد الاجتماع من قبل الأجانب نزلاء بلادنا بشرط أن لا يتدخلوا بالسياسة المحلية. وإما هذا العاجز فيرى إن هذا القول من قبيل التوسع الفكري وليس من التفسير القانوني. لأن القانون حصر هذا الحق بالعثمانيين حصرا بينا بقوله (العثمانيون الأحرار) بدون تقييد بشيء آخر.
أما إذا قيل بان هذا حق لكل الإفراد طبيعي لا يجوز نزعه من الأجانب فأقول بان القوانين توضع في الأصل لأجل تحديد كل حق يحتمل ظهور أقل ضرر منه. وناهيك بما يقول له الأجانب حق وهم منفردون وحينئذ احكم كما تشاء على ما يمكن حدوثه منهم وهم مجتمعون. فلهذا السبب أرى الاكتفاء بصراحة القانون أوفق للاحتياط والتبصر بعواقب الأمور وأما أن قيل: أما يسوغ لهم الاشتراك مع العثمانيين في اجتماعاتهم؟ فأقول أيضا لا يجوز لأن القانون وحساب العواقب هكذا يقضيان لأن اقل أمر يحدث في أثناء الاجتماع ربما يحدث أعظم المشاكل مع الدولة التي ينتسب إليها هذا الأجنبي ولذلك كان إتباع ظاهر القانون أوفق واسلم وانفع. ولاسيما إذا كان الاجتماع سياسيا فعدم قبول الأجنبي فيه من اضر الضروريات لا علاقة له به مطلقا.
مر في المتن أيضا كلمة (بلا سلاح) فإذا كان المجتمعون مسلحين علنا أو سرا فهذا الاجتماع ممنوع. إما إن كان شخصان أو ثلاثة من بين هذا الجمع الغفير مسلحين فيجب على هيئة الإدارة تجريدهم من سلاحهم وإذا امتنعوا فيعد الاجتماع مسلحاً ويمنع.
مر في المتن أيضا بان الاجتماع غير متوقف على اخذ إذن من الحكومة. نعم لا يجب الاستئذان لذلك إلا انه لما كان من الممكن وقوع مالا تحمد عقباه أثناء الاجتماع اشترط واضع القانون بعض الشروط على مسببي الاجتماع حفظا للأمن العام. وهذه الشروط مدرجة في المادة ٨، ٧، ٦، ٥، ٤، ٣، ٢ كما سيأتي بيانها.
المادة الثانية - قبل الاجتماع يجب تنظيم بيان يتضمن يوم الاجتماع وساعته ومحل وقوعه وان يمضي من شخصين احدهما متوطن في محل عقد الاجتماع وان يكونا نائلين حقوقهما المدنية والسياسية على شرط أن يصرحا باسميهما وشهرتيهما وصفتيهما وبمحلي أقامتيهما.
إيضاح - الاجتماع غير منوط بإذن الحكومة. إلا انه يجب إخبارها بوقوعه لأجل اتخاذ
стр. 4582
التدابير اللازمة خوفا من وقوع ما يكدر المخاطر ولأجل منع الاجتماعات الغير الجائزة قانونا بمقتضى المادة ٩، ٨، ٧، ٦، ٣ من هذا القانون.
قيل في المتن أيضا ضرورة بيان (يوم الاجتماع وساعته ومحل وقوعه) وهذا أيضا ضروري. لتتخذ الحكومة التدابير اللازمة بالوقت المعين خوفا من إجراء الاجتماع قبل أن تتخذ الحكومة التدابير الاحتياطية.
وهكذا قيل في المتن (يجب أن يمضى من شخصين احدهما متوطن في محل عقد الاجتماع فإذا أمضى البيان شخصان احدهما متوطن في البلد الذي سيقع فيه الاجتماع والثاني من بلد آخر فهو جائز بنظر القانون. وقصد واضع القانون من كلمة (محل) البلاد والقصبات والقرى.
مر في المتن (نائلين حقوقهما المدنية والسياسية) واليك البيان:
الحقوق المدنية - هي أن يكون غير ساقط من هذه الحقوق وهي مذكورة إجمالا في المادة ٣١ من قانون الجزاء ودرجة في الصفحة (٤٦٥) من مقتبس هذه السنة في شكل خلاصة الخلاصة.
الحقوق السياسية - هي الحقوق التي تؤهل المرء لاشتراك في إدارة المملكة مثل حق انتخاب المبعوثين وحقوق التوظف في دوائر الحكومة والعسكرية الخ.
ثم يجب أن يصرح هذان الرجلان اللذان سيمضيان البيان باسميهما وبشهرتهما وبجميع علائمهما المميزة ليسهل على الحكومة البحث عنهما عند الاقتضاء.
المادة الثالثة - يعطى البيان في استانبول لناظر الضابطة وفي الملحقات للولاة والمتصرفين والقائم مقامين والمديرين. وبمجرد إعطاء البيان يؤخذ بقابلة علم وخبر.
وان يعطي علم وخبر فلمقدمي البيان تنظيم ورقة ضبط وإمضاؤها من شخصين من الحاضرين يكونان من الحائزين على الشروط المدرجة في المادة الثانية.
وحينئذ يسوغ عقد الاجتماع. ويجب التصريح باليوم والساعة التي سيقع الاجتماع فيها في العلم وخبر وورقة الضبط. أما الاجتماعات التي تقع بلا علم وخبر وورقة ضبط فهي ممنوعة. ويجازى مرتبوا الاجتماع بالحبس من أسبوع إلى شهر أو بالتغريم بجزاء نقدي يختلف بين الثلاث ليرات وخمس عشرة ليرة.
стр. 4583
إيضاح -. ورد بان البيان يعطى باستانبول لناظر الضابطة). إما وقد أصبحت استانبول ولاية كسائر الولايات فيجد والحالة هذه إعطاؤها للوالي بها. ثم إذا امتنع مأمور الإدارة عن إعطاء علم وخبر في مقابل البيان فعلى مقدمي البيان تنظيم ورقة ضبط تبين امتناع. ويجب أن يمضى هذا الضبط من رجلين آخرين غير مقدمي البيان. وبهذه الصورة تكون ورقة الضبط محتوية على أربعة إمضاءات. اثنان مدعيان واثنان شاهدان لأجل محاكمة المأمور. وجزاء من يمتنع عن إعطاء هذا العلم والخبر قطع راتب شهر لأول مرة وإذا تكرر فيطرد من مأموريته وفق للمادة (١٠٢) من قانون الجزاء.
العلم وخبر لا يتضمن الترخيص بل يتضمن الاستخبار من قبل من هو مكلف بحفظ الأمن العام. أي أن معنى البيان الأخبار ومعنى العلم والخبر وثيقة لأجل عدم الإنكار في المستقبل. حتى إذا ما وقع محظور من الاجتماع وسئل عنه مأمور الإدارة الملكية وأراد الإنكار وادعى لأنه لم يعلم بوقوع الاجتماع ليتخذ التدابير اللازمة يقال له أن المجتمعين قد أخبروك وهذا العلم والخبر دليل على ذلك إذا أنت متهاون ولهذا أنت جدير بالجزاء هذا هو سر لزوم إعطاء البيان والعلم والخبر لا غير. لأن الاجتماع غني عن الاستئذان لكونه حقا من الحقوق الطبيعية. أما الاجتماع الذي يقع بدون أخبار الحكومة بتاتا فهو ممنوع. أي أن للبوليس الحق في فضه أولا بالكلام ثم بالتهديد ثم بالإكراه ثم أن الضرب والجرح والقتل الذي يقع من مأموري الضابطة أثناء إيفاء وظائفهم يؤدي إلى المعذرة بموجب المادة ١٨٩ من قانون الجزاء العام وقانون البوليس والجند رمة الخصوصيين وعلى هذا ففي كلمة (ممنوع) فسخ الاجتماع بكل التدابير حتى تصل إلى قتل من يخالف أمر البوليس. وهذا الأخير غير مسؤول عن هذا القتل بالنظر لما هو مصرح به في المادة المذكورة من قانون الجزاء.
وبعد تفريق المجتمعين يجازى المرتبون بالجزاء المدرج في متن المادة المذكورة آنفاً.
المادة الرابعة -. يجب أن تمر ثماني وأربعون ساعة بين إعطاء البيان وعقد الاجتماع. مر سبب هذا أعلاه في شرح المادة الثانية.
المادة الخامسة -. يجب إيضاح سبب الاجتماع والمقصد منه في البيان.
إيضاح -. حتى يتسنى للحكومة منع الاجتماع الغير القانوني ولأجل التبصر في مقدار
стр. 4584
العسكر الذين يجب إرسالهم للمحافظة ولأجل إرسال مأمور خاص لمحل الاجتماع للنظارة عليه وحتى إذا ما خرج عن الموضوع يفسخ الاجتماع الخ.
المادة السادسة -. الاجتماعات ممنوعة في المحال المكشوفة والقريبة مقدار ثلاثة كيلو مترات من سراي السلطان المعظم ومن دائرتي المبعوثان والأعيان إثناء انعقاد المجلس العمومي.
إيضاح -. مر في المتن كلمة (مكشوفة) ومعناها إن الاجتماع يقع أما في محال مكشوفة أو في محال مغلقة أي ذات سقف وباب. ومثال الأول الساحات والعاص ومثال الثاني القهاوي ودور التمثيل والأندية. لماذا؟ لأن من الاجتماعات ما يجب إجراؤه في محل مغلق كالمحاضرات العلمية. لأن هذه لا تلقى على قارعة الطريق. ومنها أيضا ما هو واجب إجراؤه في المحال المكشوفة كالاحتجاج على عمل ما يخالف القانون صدر من الحكومة أو من شركة ما ولما كان هذا شاملا لجميع الآهلين غالبا فبالضرورة يجتمعون في الساحات والعراص على الأكثر. فلهذا السبب أساغ واضع القانون كلا النوعين من الاجتماعات.
واستثنى منها ما يقع في المحال المكشوفة القريبة من سراي السلطان المعظم ومن مجلس المبعوثان والأعيان إثناء انعقاد المجلس العمومي مسافة ثلاثة كيلو مترات أي ثلاثة آلاف متر.
كذلك قيل في المتن (سراي السلطان) والقصد من هذه الجملة سرايه في استانبول لا القصور العامة في الملحقات. لأن كلمة (همايون الملصقة بسراي في الأصل التركي أي سراي همايون) تفيد التخصيص بسرايه الخاص.
أعرف والياً ممن ظلمهم الحظ وأجلسهم على عرش الولاية أراد منع احتجاج على عمله وذهب لتفسير (سراي همايون) بدار الحكومة. وبعد اللتيا والتي أقنعناه بحقيقة المسالة قيل في المتن أيضا (إثناء انعقاد المجلس العمومي) ومعنى هذا أيضا إذا لم يكن المجلس العمومي أي مجلس المبعوثين والأعيان منعقدين فالاجتماع جائز القرب منهما ولو بمسافة اقل من ثلاثة كيلو مترات.
وهكذا يستفاد من كلمة (المحال المكشوفة) بان الاجتماعات التي تقع في المحال المغلقة في القرب من السراي السلطاني ومن المجلس ولو كانا منعقدين فهي غير ممنوعة أيضا ثم قيل
стр. 4585
في أول المتن (ممنوعة) وقد مر معنى المنع القانوني في شرح المادة السابقة فالاجتماع الممنوع إذا (١) هو الذي يقع في المحال المكشوفة القريبة من سراي السلطان مسافة ثلاثة آلاف متر (٢) التي تقع في المحلات القريبة من مجلس الأعيان والمبعوثين على مسافة ثلاثة آلاف كيلو مترات أثناء انعقاد المجلس العمومي. أما الاجتماعات التي تكون في محال مستورة فهي جائزة ولو كانت على مقربة من سراي السلطان والمجلسين.
المادة السابعة - شرع الاجتماع ونظر إليه من قبل علماء فن تدبير المملكة بنظر حق طبيعي لأنه مؤد إلى نفع عام وخاص. أما إذا وقع في الطريق العامة فمن المحقق انه يعطل المارين والعابرين ويعوق سير التجارة ويخل بحرية أرباب الصنائع وسائر المسالك الأخرى. ولما كان درء المفسدة أولى من جلب المنفعة وفقا للمادة الثلاثين من قانوننا العام أي مجلة الأحكام منع هذا الاجتماع الذي يقع في الطرق العامة. لكي لا نكون جلبنا ضررا محسوسا لجلب نفع موهوم.
هذا هو سبب الفقرة الأولى الإدارية من هذه المادة.
وإما الفقرة الثانية فهي تبين وقت الاجتماع. فكما أن الاجتماع يقع في المحال المكشوفة من طلوع الشمس حتى مغربها. وأما في المستورة فيجوز دوامه ليلا أيضا كما انه يسوغ عقدة في منتصف الليل أو في آخره لأن المحافظة هناك سهلة جدا لا سيما والمحال المغلقة هي إما قاعة خاصة دار تمثيل أو قهوة كبرى. وهذه الإيضاحات مستنبطة من مفهوم المخالفة لقيود هذه المادة والتي قبلها.
المادة الثامنة - يدار الاجتماع من هيئة مركبة على الأقل من ثلاثة أشخاص وعلى هذه الهيئة الاعتناء بمحافظة الانتظام ومنع ما يخالف القانون والاهتمام بعدم الخروج عن موضوع البيان وعدم إيراد الخطب المخلة بالأمن العام والآداب العامة ودم التفوه بأقوال تكون من قبيل التشويق لإيقاع الجرائم. وان لم تعين هذه الهيئة من قبل ممضي البيان انتخابها من المجتمعين. وإذا وقع فعل يخالف المادة السابعة وهذه المادة فالتبعة توجه على هيئة الإدارة وقبل تأليفها فالتبعة على ممضي البيان.
إيضاح - يجب أن يكون الثلاثة الأشخاص الذين يؤلفون الهيئة الإدارة حائزين على الشروط الثلاثة المدرجة في المادة الثانية من هذا القانون. لأنه لا فرق بين هيئة الإدارة
стр. 4586
وممضي البيان أبداً. لا سيما وهو مجاز للحكومة توجيه تبعة الاجتماعات على ممضي البيان كما هو مذكور في متن هذه المادة.
هيئة الإدارة مكلفة بواجبات ستة واليك بيانها بمثال:
أولاً - المحافظة على الانتظام: لأن التشتت يضيع الفائدة المنتظرة من الاجتماع وهي مثل تعارض الخطباء والصراخ وكل ما يخل السكون المطلوب. الاجتماع المنتظم هو الذي يخطب به الخطيب والناس تسمع له والذي لا يتكلم به احد سوى الخطيب فإذا عارض الخطباء بعضهم وظهر لكل واحد منهم حزب يؤيده فهناك بعد الانتظام مختلا يحتاج لمداخلة هيئة الإدارة.
ثانياً - منع ما يخالف القانون: إذا ترك احد أرضه الأميرية ثلاث سنين متتالية معطلة تعد محلولة ويؤخذ من صاحبها الأصلي (بدل المثل) عنها وان لم يدفع هذا فتؤخذ منع وتباع بالمزاد من غيره. وهذا مؤيد في المادة (٦٨) من قانون الأراضي.
فلو أراد خطيب يخطب بعكس هذا لما جاز له ويجب هنا أيضا مداخلة هيئة الاجتماع الإدارية ويجب عليها منعه، وهكذا جميع القوانين بلا استثناء. أما من رأى اعوجاجا في القوانين فعليه أن ينبه مرجعها بلائحة خاصة أو بواسطة الجرائد وهذا مشروط بان يكون تصديق القانون التصديق الرسمي.
ثالثاً - عدم الخروج عن موضوع البيان: مثلا لو قيل في البيان بان الاجتماع هو لأجل الاحتجاج على حكومة اليونان فقط فلا يجب الخروج عن ذلك ويجب المنع أن حصل احتجاج على حكومة الجبل الأسود لأن البيان كان عبارة عن الاحتجاج على اليونان لا غيره. وقس عليه البواقي.
رابعاً - الأمن العام: غني عن الإيضاح
خامساً - الآداب العامة: لو أراد الخطيب استعمال البيرا أو إحدى المشروبات الأخرى إثناء خطابه فيمنع من ذلك. لأن آدابنا الإسلامية تحظر علينا التهتك بالمنكرات. وهنا أيضا يجب على الهيئة الإدارية أن تتدخل بالأمر.
وهذا الأمر يشمل الغير مسلمين أيضا. نعم يسوغ لهم استعمال المشروبات المسكرة ولكن في أماكن خاصة لا علنا لأن الآداب العامة الوطنية (وهي إسلامية بالنظر للأكثرية) لا
стр. 4587
تجيز ذلك بتة والقصد من الآداب العامة مراعاة العواطف لا غير. وهل يجوز لغير المسلمين عقلا ومنطقا جرح عواطف إخوانهم المسلمين أكثرية المملكة باستعمال المشروبات علنا؟ كلا. إذن يجب منع الخطيب الغير مسلم أيضا أن أراد استعمال البيرا أو الكونيك على منبر الخطابة العلني وهم يعملون هذا التقليد للأوربيين أما آدابنا فلا نستطيع أن تهضم هذا بوجه من الوجوه. ولذلك منع واضع هذا القانون وأمثاله وبهذه الصورة حفظ الآداب العامة من طروء الخلل عليها:
وهذا لا يحجز حرية أحد لأن الإنسان حر في بيته إن يفعل ما يشاء ويشرب ما يشاء.
سادساً - عدم التفوه بأقوال تشق إلى ارتكاب الجرائم وهذا أيضا غني عن الإيضاح هذه الأمور الستة واجبات الإدارة يجب الانتباه لها وإذا حصل تهاون فالجزاء محقق بموجب المادة العاشرة من هذا القانون.
قد يمكن أن لا يبين الشخصان اللذان يمضيان البيان أسماء هيئة الإدارة لأسباب عديدة. فإذا ما وقع مثل هذا الحال. وجب على المجتمعين انتخاب ثلاثة أشخاص من بينهم قبل كل شيء وتعريف الحكومة عنهم وإذا لم ينتخب أحد لهيئة الإدارة فتوجه التبعة على ممضي البيان والجزاء بكون بموجب المادة العاشرة.
المادة التاسعة - يرسل من قبل الحكومة إلى محل الاجتماع مأمور أن يوجد في المحل الذي يعده مناسبا وله أن يفسخ الاجتماع إذا طلبت هيئة الإدارة ذلك أو وقعت منازعة ومجادلة تخل بالضبط والربط.
إيضاح - إذا قيل حكومة يجب أن يخطر على البال رؤساء الإدارة الملكية أي المختار والمدير والقائم مقام والمتصرف والوالي وناظر الداخلية والصدر الأعظم.
وإذا طلبت هيئة الإدارة فله أن يأمر البوليس والجند رمة فسخ الاجتماع.
قيل في المتن (منازعة ومجادلة) وهذان قسمان قولي وفعلي. فان كانت قولية فلا يسوغ له المداخلة بدون طلب من هيئة الإدارة وإذا حصل ما يخالف القانون فتوجه التبعة على هيئة الادراة والفاعلين. إما إذا كانت المنازعات والمجادلات فعليه أن يتدخل من نفسه ويفسخ الاجتماع. وهذا منبسط من قول القانون (منازعة ومجادلة مخلة بالضبط والربط) والإخلال بالضبط والربط لا يكون بالقول مطلقاً.
стр. 4588
إما إذا أتي احد المجتمعين بشيء يغاير الآداب أو تكلم بكلام يخل بالأمر فعلى الهيئة الإدارية أن تراجع المأمور الخاص وهو يمنع الرجل من عمله وكلامه وينظم ضبطا ويودعه للعدلية لأجل محاذاته بموجب المادة العاشرة. وان لم تراجع الهيئة الإدارية هو أيضا بقطع راتب شهر جزاء تهاونه. وفقا لقانون الجزاء لا لهذا القانون.
المادة العاشرة - يجازى من يخالف إحكام هذا القانون بالحبس من ٢٤ ساعة إلى أسبوع أو بالتغريم بجزاء نقدي من ٢٥ غرشاً إلى ليرة. بشرط أن لا تخل أحكام القوانين الأخرى بحق من يأتون بالجرائم الأخرى.
إيضاح - لو ضرب احد آخر إثناء الاجتماع فيجازى جزاء الضرب العادي المدرج في قانون الجزاء ولا يكتفي بهذا الجزاء الجزئي المحرر في هذه المادة. وهذا الجزاء خاص بمن يخالف هذا القانون المؤلف من إحدى عشرة مادة فقط فلو صرح مثلا احد المجتمعين إثناء الاجتماع يجازى بهذا الجزاء لأنه اخل بنظام الاجتماع. والحاصل أن هذا القانون لا يعارض قانون الجزاء العام بتاتاً.
المادة الحادية عشرة - ناظر الداخلية والعدلية مأموران بإجراء هذا القانون.
في جمادى الأولى ٣٢٧ و٢٧ أيار ٣٢٥.
إيضاح - الداخلية والعدلية أبدا كحفظ الصحة والطب. فكما انه قبل المرض تراعى قواعد حفظ الصحة ولا يراجع الطبيب إلا بعد وقوع المرض فمأمور الداخلية والبوليس والجند رمة يتخذ كل أنواع الاحتياط ويتخذ جميع التدابير لأجل منع كل عمل يخالف هذا القانون. وإما إن حصل خلاف فهناك تبتدئُ وظيفة مأموري العدلية أي وظيفة العدلية تبدأ حيث تنتهي وظيفة رجال الداخلية.
هذا هو قانون الاجتماع متنا وشرحا وقد استندت في شرحي له على أربع مسائل أقوال علماء أصول الإدارة الملكية وعلى دلالة القوانين الأخرى وعلى الأوامر الصادرة من المراجع العليا أقوال علماء الفقه والمنطق. وأشرت إلى ذلك فيما رأيت لذلك داعياً؟
وبعد ترجمة المتن وشرحه كما مر أرى الحاجة ماسة لبيان أقوال علماء فن تدبير المملكة يحق الاجتماعات على طريق الإيجاز الرائد ليكون القارئ على بصيرة تامة واليك البيان:
يقول العلماء لهذه الاجتماعات العامة ويقسمونها إلى أقسام عديدة: اجتماع شامل واجتماع
стр. 4589
خاص دنيوي ديني مشروع وغير مشروع مهيأ غير مهيأ أو مشوش ونبحث ألان في تعريف كل قسم من هذه الأقسام على وجه الإيجاز.
الاجتماع الشامل - الذي يسوغ لكل الناس الاشتراك به سواء كان باجرة أو مجانا مثل الاشتراك لأجل سماع المحاضرات العلمية والسياسية والصناعية.
الاجتماع الخاص - الذي لا يسوغ لكل الناس الاشتراك به لغير المدعوين مثل الضيافات بأنواعها. وهذه حرة عندنا بدون قيد أو شرط.
الاجتماع الدنيوي - هذا الاجتماع بالجوامع والكنائس. لإقامة الشعائر واستماع النصائح. وهذه الاجتماعات أيضا غير تابعة بصور وشروط قانونية.
الاجتماع المشروع - ما كان موافقا للقوانين. وأما الغير المشروع الغير موافق للقوانين الأخرى.
الاجتماع المهيأ - الذي يكون مبنيا على نية معلومة وقصد محدود معين.
الاجتماع المشوش - هو الذي يكون من قبيل التصادف أو التشويق الوقتي.
فقانون الاجتماع الذي ترجمته وشرحته بهذا العدد من مقتبسنا يبحث عن الاجتماعات الشاملة والدينية والمشروعة والغير مشروعة والمرتبة. ولم يتدخل قد في الاجتماعات الخاصة والدينية والمشوشة قطعيا. ولابد أن تنتبه الحكومة لهذه الأقسام الثلاثة الأخيرة وتضع لها قوانين تبحث عنها أسوة بجميع الدول المتمدنة ووقاية لحال الأمة من تشويقات المشوقين الضالين المضلين ومن سوء تفسير رجال الإدارة صيغة الحظ والاتفاق. فان تسعة أعشار تذبذبنا الإداري ناشئ لعمر الحق من هؤلاء الضالين أرباب النفوذ ومن جهالة من يقال لهم آمرون.
بيروت // حسني عبد الهادي
стр. 4590
أخبار وأفكار
الإسفنج
لا يعرف العلماء حتى الآن إذا كان الإسفنج يعد من الحيوان مع انه أيضا مشترك مع النبات كما لا يعرفون كيف يغتذي فهو يتناول غذاؤه من منافذه ولكن ما هي ماهية هذا الغذاء الموزع على نصاب العدل وهذا من المجهولات أيضاً.
وإن الإسفنجة المعتدلة لتبلغ ١٨ سنتميتراً في أربع سنين واهم مصايد الإسفنج في سورية وبحر الادرياتيك وعلى شواطئ تونس. وقد أخذت أميركا ولا سيما شواطئ فلوريدا تخرج الإسفنج منذ مدة أيضا ويجيء هذا الصنف من كوبا وجزائر براهاما. واستخرج الإسفنج على صور مختلفة وأكثرها استعمالا ما يغوصون عليه في أعماق تختلف من ١٠ إلى ١٥ مترا فينزعون هذا الحيوان من الصخر الذي علق فيه ومنهم من يستعملون أجراس الغواصة فيتراكض كلاب البحر فلا يتقيها الغائص الإبان يتماوت فتكف عنه لأن كلب البحر لا يقترب من الجثث الهامدة. وقد عني الدكتور مور بزراعة الإسفنج بدون ساق وهو ابقي من غيره من الأنواع وطريقته أن يقطع الحيوان قطعا قدر كل واحدة خمس سنتيمترات مربعة ويركزها إلى أوتاد مغموسة بماء البحر فتكبر هذه القطع ويصبح وزنها خمسة وعشرين ضعفا عما كانت عليه وذلك خلال ثمانية عشرة شهراً.
العصر الحجري
لم تدثر أجناس البشر التي باتت معروفة في العصر الحجري الغريق في القدم فان قبائل أواسط واستراليا تمثل آخر بقاياه. فقد باد قدماه التاسمانيين الذين كانوا فرعا من تلك القبائل ولم يتحقق أصل قرصان أندمان (أرخبيل في خليج بنغالا) واحتفظ أهل واستراليا بسحناتهم وصفاتهم وهم قوم رحل مختلفة لهجاتهم بعيدون عن كل مدينة أحط خلق الله في المعارف وصحة الأجسام ينزلون رمالا لا ينبت فيها غير العوسج يعيش رجالهم بالصيد بالحراب والنساء يقلعن جذوعا ويبحثن عن الديدان يغتدين بها. وكلهم من آكلة البشر لا يعرفون الثياب يسترون عوراتهم بزنار بسيط وإذا أكلوا إنسانا من البيض الضالين في أصقاعهم يأخذون قبعته يجعلونها على رؤوسهم وأحذيته وجواربه في أرجلهم علامة على الكبرياء والعظمة. ومساكنهم عبارة عن أكواخ من الأغصان لا يعرفون المعادن إلا منذ زارهم
следующие страницы →