← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

تتمكن من الاستيلاء عَلَى ما تحب من الأراضي كما يفعل الرومانيون في البلاد التي يفتحونها وينزعون من المالكين ويستعمرونها بأبنائهم غالباً والرومانيون أجداد الإيطاليون الأول وإلى اليوم لم تربح حكومة فرنسا من الجزائر بل هي تخسر عليها. فهل يعقل أن تتحقق أماني إيطاليا في طرابلس والخصب فيها في أماكن معينة وعي ملك لأهلها ولطالما دافعوا عنها دفاعهم اليوم من اعتداء الفاتحين وطردوهم من عقر دارهم. فإذا كانت إيطاليا تقصد الإثراء ونفع أبنائها فهذه الطريقة من أعقم ما لجأت إليه دولة مستعمرة من دول المدنية الحديثة فإن ثروة الناس لا تزيد باتساع ممالكهم فالصيني ليس أغنى من الفرنسوي مع أن سكان الصين عشرة أضعاف سكان فرنسا والألماني ليس أغنى من البلجيكي من أن سكان ألمانيا عشرة أضعاف سكان بلجكا وقد تضيق أرض بسكانها حتى يقل الرزق عليهم فيها فتضطر حكوماتهم أن تمتلك بلاداً أخرى كثيرة الخيرات قليلة السكان حتى تسهل عَلَى الفاضل من أهاليها المهاجرة إلى تلك البلاد والارتزاق فيها كما فعلت إنكلترا وهولاندا وجرت فرنسا وألمانيا مجراهما. ولكن إيطاليا لم تعمر كل بلادها حتى الآن فليس بها حاجة إلى فتح بلدان أخرى وتعميرها للارتزاق منها فإن عندها جزيرة سردينيا مساحتها أكثر من ٩٣٠٠ ميل مربع وليس فيها من السكان سوى ٨١٠٠٠٠ نفس مع أن صقليا تماثلها مساحة وسكانها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف وعندها مستعمرة ارتريا في أفريقية عَلَى حدود السودان ومساحتها ٤٥٨٠٠ ميل مربع أي نحو نصف مساحة إيطاليا كلها وهي من أغنى بلاد الدنيا بالمناجم والحراج وليس فيها من السكان نصف مليون نفس وعندها بلاد الصومال ومساحتها نحو ١٤٠٠٠٠ ميل مربع أي أكثر من مساحة إيطاليا بنحو ثلاثين في المئة وسكانها نحو ٤٠٠٠٠٠ نفس وهي بلاد زراعية كثيرة الخيرات فعَلَى م لا يهاجر الإيطاليون إلى هذين البلادين ويعمرونها إن كانت بلادهم قد ضاقت عليهم. وهب أن إيطاليا اهتمت بإصلاح طرابلس الغرب واستثمار خيراتها فهي إما أن تستأثر بذلك لتنحصر الفائدة فيها وفي سكان طرابلس فتكون قد جرت مجرى إسبانيا والبرتغال في استعمارهما فتفشل فشلهما لأنهما فشلتا فشلاً تاماً في كل البلدان التي امتلكتاها وحاولتا استعمارها ومنعتا غيرهما من مشاركتهما في النفع وأما أن تجري مجرى إنكلترا وهو فتح

стр. 4797

أبواب مستعمراتها لتجارات كل الأمم وحينئذ لا يكون السبق للإيطاليين بل للإنكليز والألمان لأن السبق في المناظرة التجارية للأغنى مالاً والأوفر علماً والأمهر صناعة. وهيهات أن تعيش إيطاليا في طرابلس الغرب بتعب غيرها وإعنات أهلها فإذا فعلت يحل بها الخراب كما حل برومية في أيامها الخالية. يحل بها الخراب لأن فكرة العظمة الرومانية يضيق عَلَى إيطاليا الحديثة خناقها ويحرج صدرها فهي تريد أن ترجع إلى أصولها البعيدة وتطمع في غير مطمع ولا تتنازل عن عجبها. تريد بالتهور في الاستعمار أن تغتني وتعيد إلى رومية الثالثة مجداً أضاعته الأيام وفساد الأخلاق والنظام بل تطمع بأن تجعل ممالك أوربا حافات من حول عرشها تسبح بحمدها وتفاخر بمجدها كما طمع نابليون الأول فكان في ذلك إضعاف أمته بأسرها فأهرق دماءها ودماء غيرها وأفقرها وأفقر جيرانها وكان مصيره أسوأ حال. تحاول إيطاليا اليوم الدعوة إلى إعادة مجد الرومان بجميع أساليب الدعوة من نشر الصحف وإلقاء الخطب وإنشاء المدارس حتى أن الكتب المدرسية التي تعلمها للأولاد تعد فيها نيس وكورس وترانتن من بلادها مع أنها للفرنسيس تسير في ذلك عَلَى سيرة إحياء الشعور الوطني كما كانت تفعل الحكومة عندنا في كتب الجغرافيا التركية فتذكر فيها من أملاكنا ما فقدناه من نحو مئة سنة ولم يبق لنا حق من الحقوق الدولية والشرعية فيه. تظن إيطاليا أنها تحمل المهاجرين من أبنائها بمئات الألوف إلى طرابلس وفاتها أن هذه البلاد حتى اليوم عَلَى قربها من أوربا ليس فيها سوى ٢٢٠٠ مالطي و١٠٠٠ إيطالي و٧٠٠ فرنسوي و٦٠٠ إنكليزي و١٥٠ إسبانيولياً وبعض الهولانديين والنمساويين واليونان والألمان والأميركان لا يبلغ مجموعهم كلهم خمسة آلاف نسمة وإن أكفأ الناس في التجارة والصناعة والزراعة واقدر الأمم بالملل والرجال هم يستثمرون الأرض فأين هم من الألمان فقد بلغ من حذقهم أن استولوا عَلَى كثير من أعمال التجارة في لندن ونيويورك بل في باريز نفسها وناهيك بكره الفرنسيس لأعدائهم الألمان ولقد قدروا مؤخراً عدد الألمان في باريز وضاحيتها بمئة وأربعين ألفا يتجرون في نفس عاصمة الفرنسيس بجميع أنواع التجارة وينافسون الفرنسويين في أرباحهم فتجد منهم الكتبيين والخياطين والجوهريين والفرائين وشركات الضمان والصيارف وغير ذلك من فروع العمل فلو تدبرت إيطاليا أو

стр. 4798

خاصتها المفكرة لعلمت أنها قادمة عَلَى معترك شديد في طرابلس وبرقة ولو سلم لها ما تنويه من الغوائل الأهلية ولو سلم من كل ذلك لكانت العاقبة في الاستعمار لأرقى الأمم في مذاهب المعاش وأعرفها بطرق الانتفاع والنفع ولكن هو فساد الإدارة وجنون الاستعمار تركب الأمم في سبيلهما العار وتهوي في مهاوي الدمار والبوار.

стр. 4799

مخطوطات ومطبوعات طبقات الأمم عرف الأب لويس شيخو اليسوعي مدير مجلة المشرق بما نشره من كتب العرب في اللغة والتاريخ والأدب دع عنك ما خدم به طائفته وجمعيته وآخر ما أظهر إلى الوجود كتاب طبقات المم لأبي القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ ظفر بنسخة منه عند أحد الوراقين بدمشق والتحريف غالب عليها لأن ناسخها الأصلي منذ نحو مائتي سنة عامي لا يحسن النقل فعارض الناشر أكثر فصولها وردها إلى أصولها عَلَى كتب عربية من مطبوعات علماء المشرقيات مثل الفهرست لابن نديم وتاريخ الحكماء لابن القفطي وطبقات الحكماء لابن أبي أُصبعة ووعد في آخر جزء من المشرق أن ينشر الكتاب عَلَى حدة مع الفهارس اللازمة له. وقد رأينا أن نلفت نظر الناشر الباحث إلى أغلاط وقعت له أو للناسخ الأصلي ولم يعمل الناشر في نظره فيها فجاءت مشوهة لطلعة هذا الكتاب النفيس عله يتداركها فيلحق بها جدولاً في آخر الكتاب فيستحق شكر المعارف والآداب. فقد ضبط (ص ٥٦٧ - ٨٦٢) المرية بكسر الميم وسكون الراء وفتح الياء والصواب بفتح الميم ثم الكسر وتشديد الياء بنقطتين من تحتها وهي مدينة كبيرة من كورة البيرة من أعمال الأندلس وكانت كما قال ياقوت هي وبجانة بأبي الشرق منها يركب التجار وفيها تحل مراكبهم قال القسطلي: متى تلحظوا قصر المرية تظفروا ... لبحر ندى ميناه در مرجان وتستبدلوا من موج بحر شجاكم ... ببحر لكم منه لجين وعقيان وقال ابن الحداد: أخفي اشتياقي وما أطويه من أسف ... عَلَى المرية والأنفاس تظهره والمرية بالكسر (والضم أيضاً) الشك والجدال. وفي (ص ٥٦٨) الشابران وقد وضع عليها علامة استفهام إشارة إلى أنه هكذا وجدها وهي من مدن أرمينية والران وأذربيجان ذكرها الاصطخري في المسالك والممالك (طبعة ليدن) ونيشابور والصواب نيسابور. (ص ٥٦٩) يتجستان والصواب سجستان كما قال في

стр. 4800

الحاشية وقعت ألفاظ من مثل هذه في هذا السفر أثبت الناشر الرواية الضعيفة في المتن وترك الرواية الصحيحة للحاشية وكان الأولى أن يعكس ليصب. (٥٧٠) خ بحر أقيابس ص أقيانس خ ولا رؤيت بها ص رؤيت لها. (٥٧١) خ يدور فيها مناجم الأمم ص مماجد أو محامد (٥٧٢) خ وخلقه إلى نهاية المعمورة ص وخلفه خ السمت (بضم السين) ص فتح السين وهو الطريق خ لأنهم أجمعين مشتركون لأنهم أجمعون. ولا معنى لجملة: هذا التأليف الأليف العقل. (٥٧٣) خ السباع التي تغاضي الإنسان أقدامها ص تقاضي خ وكذلك قالت العرب ص ولذلك (٥٨٤) خ ولأنها حازت عَلَى الملوك وسط ص ولأنها فازت عَلَى. خ وأشدهم أسرا ص وأشدهم أشراً والأَشر البطر والنشاط. (٥٧٥) ليستحبوا بذلك قواها ص ليستجلبوا أو ليسحبوا (٥٧٦) في الفرقتين الأولتين (كذا) ص الأوليين وكان عليه أن يثبت الصواب وقد تكرر رسم الأولتين في مكان آخر (٦٧٠) خفي المقالتين الأولتين ص الأوليين خ في المقالتين الآخرتين ص الآخريين. (٥٧٧) خ أوجز حساب واحضره ص وأخصره خ ي حسن التواليد ص حسن التوليد خ في تقدمة المعرفة ص تقدم المعرفة (٥٧٨) خ وتحملهم (بتشديد الميم) من الأمور ص وتحملهم بكسر الميم بدن تمديد خ وأحسن التئام ص حسن التئام خ أول ملوك بني إسرائيل ص أول ملوك بني سامان أو ساسان (٥٧٩) خ يزدجرو بن شهريار ص يزدجرد بن شهريار خ وجود التدبير ص وجودة التدبير (٥٨١) خ وكان عرضه ألف وخمسمائة ذراع ص وكان عرضه ألفاً خ وكان بعد الطوفان عدة منهم عدة ذوو معرفة ص وكان بعد الطوفان (٦٦٥) خ الثغور الخزروية ص الثغور الخزرية (٦٦٨) خ طيماوش الروحاني ص طيماوس ومثلها نيقوماخوش والصواب نيقوماخوس (٦٦٩) خ وجعها آلة ص وجعلها آلة. (٦٧١) خ مثبتة أساسها مزمومة قواعدها وثيق بنيانها ص مدعومة قواعدها خ اليد الحليلة ص اليد الجليلة. (٦٧٢) خ ومنها رسالته جاوبه بها ص ومنها رسالته التي جاوبه بها خ الذي كان فيه البدرة (وقال في الحاشية لعله أراد البودة) والبودة متعين خ أقصدهم بكتب الفلسفة ص

стр. 4801

أقعدهم. (٦٧٣) خ وراد عليهم آراءهم بالحجاج (كذا) الصحيحة ص بالحجاج الصحيح أو بالحجج الصحيحة (٦٧٥) خ أوعشطش ص أوغسطس (٦٧٦) في غاية العلماء من بعده التي يحيرون. إليها وضع الناشر في الحاشية يجرون إليها مع أداة استفهام مع أن يجرون متحتم أو يقال يصيرون خ إلا ما لا خطب له ص خطر له خ اشتقت لها من سبعة أشياء ص من سبعة أسماء. (٦٧٨) خ ونحل مذاهب الحكماء ص ونخل بالأعجام خ بأن يجمع العالم في واحد ص أن يجمع (٦٨٠) خ في عدد اليونانيين ص في عداد. (٧٥٤) خ فإن كان ذلك حق عنهم في أبعدهم في هذا الرأي من نظام الحكمة ص فإن كان ذلك حقاً فما أبعدهم (٧٥٨) خ فلا يزالون في حل وترحال ص في حال وترحال. (٧٥٩) خ وآراء الفرق مع أن عبدة الأوثان ص من أن عبدة الأوثان خ ولا واربة صاحب العقل ص ور دان به صاحب العقل. خ ما تعبدهم (بضم الباء وتشديدها) إلا ليقربونا إلى الله زلفى ص ما نعبدهم (٧٦٠) خ والعرب أصحاب حفظة ورواية ص حفظ ورواية (٧٦٢) رؤبت إلى أقاصي الأرض فأريت مشارقها وسيبلغ ملك أمتي مارؤي لي منها ص زويت لي أقاصي الأرض. . . . مازوي. وفي النهاية لابن الأثير (طبعة مصر) زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها أي جمعت يقال زويته أزويه زوياً. خ حكم من الله ماضياً وقضاه منه نافذاً ص حكمً من الله تعالى ماضياً وقضاء منه نافذاً. (٧٦٣) خ من أحصائه لمنتحليها ص أخصائه (٧٦٧) وقلما يشفع بها في العلوم ص ينتفع بها (٧٦٨) خ ودنا أقواماً ص دانى أقواماً (٧٦٩) خ وكان أبو نصر الفارابي معاصراً لأبي بشر متى بن يونس في علم المنطق تعديل العلماء ص لأبي متى بشر بن يونس وعَلَى تأليفه في علم المنطق تعديل العلماء. (٨٤٦) خ عبد الله المرورزي ص لعله المروَزي أو المروُّذي كما في المشتبه في أسماء الرجال للذهبي (طبعة ليدن) (٨٤٧) خ وكان ذلك (صبياً؟) إلى التمرس بها ص سبباً إلى التمرس بها (٨٤٨) خ ذي نؤاس ص ذي نواس ومثلها التي بعدها بسطر (٨٤٩) خ المرآي المحرقة ص المرائي المحرقة. خ وكان (مذهب منه إلى مذاهب ص وكان يذهب

стр. 4802

فيه مذاهب. خ والجماعة سواهم ص وجماعة. (٨٥٢) خ واتخذ القوط مدينة طليطلة مدائنها العتيقة قاعدة لملكهم ص من مدائنها خ ولم تزل مركز الملك المسلمين ص ولم تزل مركزاً لملك. خ عظيم ملوك الأندلس. وأهل بلاد الأندلس عرض المدينة المعروفة الجزيرة الخضراء ص عظيم ملوك الأندلس وأهل بلاد الأندلس. عرض الخ أي بدون نقطة بين ملوك الأندلس وأهل بلاد الأندلس وعرض المدينة الخ راجع إلى ما قبل أربعة أسطر وعرضها (طليطلة) ٣٩ درجة الخ. (٨٥٣) خ وكان عالماً لحركات الكواكب ص بحركات خ وبمصر من الزني (كذا) والربيع بن سليمان ص المزني وهو من الأئمة المجتهدين في مصر توفي سنة ٢٦٤ واسمه أبو إبراهيم إسمعيل بن يحيى (راجع ترجمته في حسن المحاضرة للسيوطي طبعة مصر). (٨٥٤) خ أنا كفرت بما قالا وما فعلا ص أني كفرت الخ خ وذلك في أيام أبيه إلى الغاية بالعلوم وإلى الثبار أهليها ص لم نفهم معنى الثبار وفي الجملة تشويش ومثله في (٨٥٦) فداول عناية الحكم ذلك لم يظهر لنا فليحرر (٨٦١) خ كان بصيراً بالهندسة في النجوم متقدماً في اللغة ص كان بصيراً بالهندسة نافذاً في النجوم أو ما في معناها خ وولي القضاء الزتية آخر دولة زهيرة العامري ص وولي قضاء المرية آخر دولة زهير العامري. وذلك لأن زهير العامري تغلب عَلَى المرية وأعمالها وذاك الرسم المحرف أدنى إلى أن يكون المرية (راجع المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي طبعة ليدن مصر). (٨٦٢) خ بعلوم البرهان واللسان والمسائلة. ص ومسائله خ نال هناك دنيساً عريضه ص نال هناك دنيا عريضة (٨٦٣) خ له مع ذلك نقود في العربية ص نفوذ في العربية خ كانوا مشهورين بأسمائهم عندنا بالأندلس إلى هنا وفي وزماننا ص (إلى هنا) زائدة زادها منضد الحروف كما كرر سطراً بعد ذلك (٩٢٤) خ أفراد من الأحداث متندبون بعلم الفلسفة ص أفراد من الأحداث مبتدئون بعلم الفلسفة لا منتدبون ولا متندبون (٩٥٢) خ وصنف في مصنفات كثيرة ص وصنف فيها (العلوم الشرعية) (٩٢٦) خ ولأبي محمد بن حزم بعد تصنيف وافر في علم النحو ص نصيب وافر (٩٢٨) خ تمكنه في العلم وتحققه مذاهب للقدماء ص تحققه في مذاهب (٩٣٠) خ ودخل البصرة ومصر ودبر مارستانهما ص ودبر

стр. 4803

مارستانيهما. خ وكان في زمان ابن عبدون وبعده إلى آخر الدولة العامرة ص الدولة العامرية. وهي إحدى حكومات الطوائف بالأندلس جدها عامر الداخل إلى الأندلس مع طارق وجاور الخلفاء منهم بقرطبة جماعة أحدهم أبو عامر محمد بن الوليد الذي عرف آل عامر طراً به وساد بعده ولده عامر (راجع أخبارهم في البيان المغرب في أخبار المغرب لابن عذارى المراكشي طبعة ليدن). (٩٣١) خ حسن التوليد والتنتيج ص ولعله الاستنتاج. خ ولم يكن أحد بعد محمد ابن عبدون أبوزي أبا العرب ص يوازي أبا العرب (٩٣٤) خ تطريقه للفضول وتطريفه لما غلظ ص تطريته للفضول (٩٣٦) خ أعلم الناس بأخبار الأنبياء وبدء الخليفة ص بدء الخليقة. خ يسمون كل تسعة عشر سنة ص كل تسع عشرة سنة خ الحادية عشر والرابعة عشر والسابعة عشر والتاسعة عشر ص الحادية عشرة بإثبات تاء التأنيث فيها كلها لأن الضمير يعود إلى السنة. (٩٣٧) خ تفرقوا في البلاد ودخلوا الأمم ص وداخلوا الأمم خ لطيف الذهن حسن النظر أخفر ص لعله اضر لأن أخفر لا معنى لها هنا خ واتصلت به العناية فسيوفي علي صناعة الفلسفة ويستوجب فنون الحكمة ص فسيوفي لا معنى لها والأولى يستوعب بدل يستوجب لمطابقته للمعنى خ والتعريف بنبذ من تواليفهم ص والتعريف بنبذة بفتح النون وضمها ولا تجمع ويغلط فيها كثيرون. هذا ما أمكن الوقت رده إلى الصحة من غلطات هذا الكتاب ومناه ما تركنا الإشارة إليه عمداً ولعل ناشره أو غيره من المدققين ينظرون فيه نظره أبلغ فيبرزون الكتاب منقحاً في الجملة عَلَى ما يجب ويحبه الراغبون في إحياء آثار السلف. المعارف (الكتاب الأول في علم الفلك) تأليف عبد الوهاب أفندي سليم التنير ومحمد طاهر أفندي التنير طبع في المطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٩ ص ٨٢ لمؤَلفي هذا الكتاب يد طولى في العلوم واضطلاع بالنقل عن الإفرنج في الموضوعات التي تهم هذه الديار وتفيدها وفد أَلفا الآن مختصرات في علم الفلك والطبيعيات والكيمياء

стр. 4804

والظواهر الجوية والجغرافية الطبيعية والحيوان والنبات ونشرا القسم الأول والغرض منها إحياء قو التصور في الولد لمعرفة قدرة الله تعالى وتنبيه إلى ما قد سخر الله تعالى من الأشياء المفيدة فلا يشب حتى يشمر عن ساعد الجد فينقب عن الكثير منها مما لا يزال مجهولاً فيكتشف فينفع الخلق وتنبيه إلى النظر والملاحظة إذ بذلك يزداد إدراكه فيرى حقيقة قدرة الله تعالى بما خص الكون من العجائب. وقد اعتمد المؤلفان عَلَى تأليف هولدن في المعارف وهو يعلم في أكثر مدارس الولايات المتحدة وكندا وإنكلترا وحذوا حذوه في نسقه واعتمدا عَلَى بعض الكتب العربية العلمية القديمة لوضع الاصطلاحات العلمية. والكتاب عَلَى طريقة محاورة بين أخوات وأبناء عم كانوا في الجبل فرأوا أقمار السماء فحدثهم كبيرهم بمعلوماته مختصرة يتشربها الصغير بل كل من لا عهد لها بهذا العلم الجميل. وقد عدلا في التأليف الأصلي ما جعله كأنه أُلف بلساننا مباشرة يستشهدان بآيات الكتاب العزيز عند الاقتضاء ويقولان أن العرب ولاسيما في الأندلس كانوا كأهل الغرب اليوم يعلمون الأولاد مبادئ العلوم العالية كعلم الفلك والطبيعيات وطبقات الأرض وغير ذلك من العلوم بأسلوب سهل وأن أهم علماء الفلك من القدماء هم العرب وقد اكتشفوا أشياء كثيرة في علم الفلك ولذلك ترون أن أكثر أسماء النجوم والكواكب هي عربية وقد أوضحا الكتاب بما حلياه من الرسوم فجاء علمياً عمياً ككتب الغربيين العلمية جدير بأن يطالعه من لهم ولوع بعلم الهيئة القديمة ومن تتسرب الخرافات إلى نفوسهم فيحكون عن صور الأفلاك أموراً لم تكن ففي جلسة يطالع المطالع هذه الحلقة الأولى من تلك السلسلة النافعة وإذا أراد الإمعان لا الاستظهار - لأن المؤلفين لا يقولان به بل يريان الاكتفاء بالقراءة والفهم فقط - يحتاج إلى بعض جلسات عَلَى الأكثر فيكون أخذ ما ينبغي له من هذا العلم بل ينبغي لمن أراد الاخصاء فيه أن يرجع إلى المطولات والمتوسطات وما أكثرها في كل علم وكل لغة من لغات الغرب. فللمؤلفين الفاضلين جزيل الشكر من خدمة العلوم بالعربية لثم معرفتها أهلها وكنا نود لو انتبهنا قليلاً لبعض الأغلاط النحوية والصرفية والبيانية التي وقعت في الكتاب ونود تصحيحها في الطبعة الثانية كما نرجو أن تكون تتمة السلسلة خالية من مثل ذلك ليكون العمل تاماً من كل وجه عَلَى أن مثل ذلك لا يقدح في نفعه ولكن ما ينشر ينبغي

стр. 4805

أن يكون إلى الصحة ما أمكن حتى لا يعتاد أولادنا غير الفصيح فتكون كتب العلم من جملة المساعدات عَلَى إحكام ملكة البيان أيضاً. تقويم البشير تأليف الأب لويس معلوف اليسوعي طبع بمطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت سنة ١٩١١ ض٢٠٤ اعتادت هذه المطبعة في بيروت منذ خمس وثلاثين سنة أن تصدر تقويماً سنوياً يعنى بتأليفه أحد الآباء اليسوعيين فجاء تقويمها هذه السنة حافلاً بالفوائد ونحو ثلثه ينفع المسيحيين خاصة والكاثوليك عَلَى الأخص كتقويم السنين والأعياد والأصوام والإقطاعات وذكر الرؤساء الروحيين ومجامعهم ودواوينهم وجداول في السنة الشمسية والقمرية والمالية وتحويل النقود ثم مختصر في التقسيمات الإدارية في الدولة العثمانية وقد أطلق عَلَى الروم إيلي (تركية أوربة) وهو اصطلاح إفرنجي سقيم لا يجوز أن يطلق عَلَى بلاد الدولة العلية لأن المملكة ليست للأتراك وحدهم بل هي لاثني عشر عنصراً ومنهم العرب نصف هذه العناصر فالأولى أن يقال لها روم إيلي تركية آسيا الأناضول أو آسيا الصغرى كما قال المؤَلف وقد تابع تقويم غوتا في إحصاء سكان الولايات ومساحتها ونظن بعضه مبالغاً فيه وبعضه دون الواقع كقوله أن سكان مدينة دمشق ٢٠٠ ألف وسكان بيروت ٨٥ ألفاً وسكان حلب ٣٥ ألفاً فإذا اعتبرنا الإحصاء الرسمي في دمشق مثلاً نراها أكثر من ذلك وهي لا تقل في الحقيقة عن ربع مليون وبيروت لا تبلغ في الإحصاء الرسمي هذا القدر. وتوسع في الكلام عَلَى لبنان وبيروت وإدارتهما وحكومتها حتى ذكر بجانب اسم كل موظف لبناني دينه وأفرد جدولاً بأسماء جرائد سورية ومجلاتها الباقية والزائلة وأسماء قناصل الدول في المملكة العثمانية وأماكنهم وفوائد وأمثالاً وبعض قوانين جديدة مثل قانون المطبوعات والمطابع والجمعيات وغير ذلك من الفوائد فنثني عَلَى مؤلفه ونرجو أن يزيده فوائد تاريخية وأثرية عن سورية ليسد في السنين المقبلة بعض الحاجة ويغني عن التقاويم الرسمية (سالنامات) التي كانت تصدرها ولايات بيروت وحلب وسورية قبل حرية المطبوعات الأخيرة وتضمنها من المواد ما يستفاد من أكثره ولاسيما ما يتعلق بالحركة العمرانية في البلاد أما الأخذ عن تقويم غوتا فلا يبرر العمل في اقتباس مواد هي منا عَلَى

стр. 4806

طرف الثمام لا تحتاج إلا إلى قليل من البحث والعناية. كتب ورسائل مختلفة سلم الدروس العربية للمكاتب الابتدائية وهو الحلقة الأولى من كتاب الدروس العربي يشتمل عَلَى الأهم من أصول الصرف والنحو مع الأمثلة والتمرينات ويليه الحلقة الثانية وقد طبعت بعنوان القسم التمهيدي تأليف الشيخ مصطفى الغلايني طبع في المطبع الأهلية في بيروت عدد صفحاته ٦٤. بشرى العالم بترك المحاربات واتفاق الأمم - تتضمن البشارات الإلهية والبراهين العقلية بقرب حصول السلام بين الأنام تأليف فرج الله أفندي زكي الكردي طبع بمطبعة كردستان العلمية بمصر سنة ١٣٢٩ هـ ص ١١١. الإنجيل الشريف - بحث نظري تاريخي نقدي للأب أنطوان رباط اليسوعي طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٢. باكورة الكرم - خطابان وقصيدة تليت في احتفال غرف القراءة الوطنية في بحمدون (لبنان) طبعة بمطبعة الحسناء في بيروت. الجامعة المصرية - كراسة باللغة الإفرنسية ذكر فيها رئيس لجامعة المصرية الأمير أحمد فؤاد باشا خلاصة أعمال هذه الكلية العربية الجامعة مدة ثلاث سنين طبعت بالقاهرة. رسالة تسهيل المنطق - تأليف الشيخ أحمد الصابوني طبعت بمطبعة حماة سنة ١٣٢٩. خليل الخوري - سيرة هذا الشاعر جمعت باهتمام إدارة حديقة الأخبار في بيروت وطبعت في مطبعتها سنة ١٩١٠.

стр. 4807

أخبار وأفكار بحر الصحراء اقترح بعض العلماء منذ ٢٩ سنة أن يسعى بتحويل صحراء أفريقية إلى بحر داخلي قائلاً أن هذه الصحراء الرملية ليست سوى سطح قديم من بحر جف وهو عَلَى طول ألفي كيلومتر فوق مستوى المحيط الأتلانتيكي وقد زيف بعضهم هذا الاقتراح وعده رابع المستحيلات إلا أن أحد العلماء عاد فجدد اليوم هذه النغمة مبيناً منافع هذا المشروع وأن الوصول إليه لا يقتضي له صعوبات ميكانيكية مهمة فتمتد بذلك المياه عَلَى محيط من الأرض يوازي نصف مساحة البحر المتوسط فتخصب بالبحر وهوائه تلك الأصقاع الأفريقية الواسعة لأن إجدابها ناشئٌ من قلة المياه ويسقط ألوف من البشر عَلَى ما يتبلغون به في أرض ليس فيها اليوم إلا الشقاء والجوع ويجود هواء البلاد الواقعة في شمالي أفريقية فتصبح مثل بلاد الناتال من هذه الوجهة. وقد ردوا هذا الفكر في العالم العلمي قائلين أن التغيير في مناخ أفريقية يؤثر في مناخ شمالي أوربا الذي يوشك أن يكون كمناخ القطب الشمالي وبذلك تتعذر الحياة فيه وتغرق إنكلترا وبلجيكا والدانيمرك في الثلوج أشهراً وربما حدثت من ذلك كوائن وأحداث جوية وأرضية ليست في البال. فحتام تحيل مدينة الغرب البحر براً والبر بحراً. المحسن كارنيجي ضاقت الولايات المتحدة عَلَى رحبها عن استيعاب حسنات المحسنين من أبنائها عَلَى العلم والإنسانية وأخر ما جادت به يد المستر كارنيجي المثري الشهير ١٢٥ مليون فرنك لنشر التعليم في الولايات المتحدة هذا عَلَى حين كان حتى اليوم الباسط يده بالعطاء عَلَى كل مشروع خيري وعلمي حتى بلغت عطاياه ١١٢٩ مليوناً في حين بلغت هبات روكفلر الغني الأميركي ٨١٣ مليون فرنك فقط ومازال كارنيجي يتوسل بكل ما يمكن من الذرائع ليرد للأمة ما كسبه من خيرها ويود لو قضى نحبه وهو لا يملك ريالاً واحداً قائلاً: من أعظم الجنايات أن يموت المرء غنياً. آثار في السامرة تتوفر في كلية هارفرد الأميركية عَلَى الحفر في فلسطين برئاسة الأستاذ ليون للبحث عن

стр. 4808

الآثار وآخر ما ظفر به أحد أساتذة هذه البعثة الأثرية نموذجات من الخط العبراني أقدم كثيراً مما عرف من نوعها حتى الآن وهي عبارة عن ٧٥ قطعة تشير كل منها إلى جودة الخمر والزيت المحفوظ في أوان منوعة الحجم ويرد تاريخها إلى ستة قرون قبل المسيح وقد وجدت في قصر الملك أشاب من بلاد السامرة (نابلس) والخط المرسوم بالحمرة وبالقلم هو فينيقي ويختلف كل الاختلاف عن الحروف المربعة المعروفة في النسخ الخطية من التوراة. ويرى رئيس هذه البعثة أن هذا النموذج مستند مهم في حل المسألة التي طالما جرى الجدال فيها في أصل اللف باء العبرية وأصلها الفينيقي. الأولاد المهملون عرفت أميركا منذ زمن طويل أن الشبيبة وقوة الشعب من أكبر العوامل في الغنى المادي إن لم تكن أكبرها وغنه ليس أصعب من فقد قوى الشباب بإهمال آداب الأولاد إهمالاً كثيراً ما يجئ به منهم مجرمون جانون ولذلك أنشأَت دوراً لإصلاح النفوس بحسب قواعد علم النفس الحديث. فقد دلت سجلات دار الإصلاح في ميشلفيل من ولاية أيوفا وما وضعته من إحصاء أعمالها أن عدداً عظيماً من البنات نكبن منذ حداثتهن باجتراح الرذيلة وكن لولا دخولهن تلك الدار من أليفات السجون فأصبحن بعد مغادرتهن هذا المعهد ينظمن حياتهن فيكون منها فائدة حسنة فقد ذكرت إحداهن أن أباها كان شريباً خميراً اعتاد أن ينزع عنها ثيابها ويجعلها عَلَى منضدة ليرقصها أمام رفاقه في السكر ويسقها ويسليها فتخلقت بالطبع بأخلاق محيطها وبدت فيها هذه الأخلاق عَلَى أتمها عندما تبنتها إحدى السر الشريفة فلم يروا أبداً من وضعها في الدار الإصلاح تقضي فيها سنتين اعتدلت في خلالها أخلاقها وميولها بحيث استطاعت بعد خروجها من هناك وعمرها خمس عشر سنة أن تجد لها عملاً شريفاً فتعلمت الاستملاءَ السريع وهاهي اليوم امرأة شريفة متزوجة. وقصة فتاة زنجية قصة فقالت أن نفسها كانت حدثتها أن تقتل من تبنوها ونزعت من قلبها كل خلق شريف وبعد بضع سنين من دخولها دار الإصلاح تغيرت بالمرة ولما غادرتها ذهبت تدرس في كلية العبيد وهاهي اليوم تخص حياتها وفكرها لنشر الدعوة إلى المدنية بين بنات جنسها.

стр. 4809

وقد وردت في هذه الدار جملة تلامذتها القدماء رئيسة أمينات المال في إحدى المصارف الكبرى ومحامية مشهورة بأنها من نساء السياسة المنظورين إليهن ولولا دخولها في هذا المعهد لما استطاعت تلك الأمينة ولا تلك المحامية أن تتوقيا محيط اجتراح الجرائم الذي قضتا فيه شبيهتهما ولكانت كلتاهما سقطتا في الطبقة السافلة من ساكنات المدن العظمى. وطريقة هذه الدار مبهمة معقدة للغاية لا تستند إلى تعليم خاص ساذج ولا إلى عمل خاص معين بل هي عبارة عن تغيير عادات الطفل وخلقه بالطرق المنظمة العلمية ويتوخى هذا المعهد في فرقة البنات أن يثير فيهن حاسة الزينة لينبه فيهن الشعور الشريف فيعلمهن أن يكن معجبات بألبستهن وأن يخترن النظافة فيها وأن يقمعن أنفسهن ويكن لائقات أديبات وترعي في ذلك الأذواق الخاصة فتمنى فيهن ويعنى بها. كل يوم يقرع جرس هذه الدار عند الساعة الخامسة صباحاً تستيقظ البنات في الساعة السادسة يقضى عليهن أن يجتمعن لابسات لباساً نظيفاً ليتناولن طعام الفطور ثم يعمدون إلى سررهن فيرتبنها بأيديهن وفي الساعة السابعة بعد إنشاد أنشودتين لطيفتين يبدأ الدرس العام فينقسمن إذ ذاك إلى قسمين منهن يدرس دروساً نظرية والآخر يتعلم دروساً عملية من مثل الطبخ والغسيل في الحديقة ومعمل النجارة وتتبدل حقل التعليم بعد الظهر وتناول طعام العشاء الساعة الخامسة إلا ربعاً وفي الصيف يتنزهن في الخلاء زفي الشتاء يخصصن ساعات من وقت الدرس والتلميذات تطلق لهن حريتهن من الساعة السابعة إلى الساعة الثامنة فيعملن ما أردن وفي الساعة الثامنة يذهبن للنوم وفي كل قبة من القباب التي تتألف منها أبنية المدرسة يكون خمسون ابنة تحت إدارة امرأة يدعونها بأُمهن وتكون بمساكنهن أشبه بمنازل الأسرات لا بمساكن مدارس وإن تلك المعاهد ما حوت من اللطف والسذاجة الساكنة لتبتعد جداً عن الشبه بالسجون ولا يفارق الأولاد هذه الدار قبل سن الحادية والعشرين إلا البنات بحيث يؤمن عليهن بما يتهيأ لهن من الدرس ولاسيما بما لقن من حسن السيرة والأخرق والنظام أن يجرين في المستقبل عَلَى حياة منظمة وكثيرات منهم بعد تخرجهن في هذه الدار يستخدمن خادمات في بيوت خاصة وكثيرات يستخدمن في محال تجارية ويكن مربيات ومشتغلات بالفنون النفيسة. وشعار هذه الدار أن تنبه في تلميذاتها العواطف الشريفة التي كانت أطفئت جذوتها بالإهمال الذي كان أَليفهن بين ذويهن.

стр. 4810

أولادهم أولادنا ولو كلن الغرب يكيل لأبنائه بمثل الكيل الذي يكيل به لأبنائنا في الشرق لقلت الفروق ومشى البشر خطوات مهمة نحو الإخاء العام والسلام الشامل هكذا شان مرسليهم في مدارسهم في الشرق وهكذا شان حكوماتهم في البلاد التي امتلكوها في آسيا وافريقية وجزر المحيطين. وإنا لنلوم الكلية الأميركية في بيروت كلما توفر العناية بأبناء البلاد فقد عزلتهم في مكان خاص ووضعت لهم أساتذة خصوصيين يعلمونهم غير التعالم التي يعلمونها أبناء البلاد كان العلم كالطعام في بيت شحيح يطعم من أنواعه ما طاب له ويمنع عن خدمته وإجراءه الأطايب ويقتصر فيه عَلَى الرخيص نفعهم أو لم ينفعهم وهكذا رأينا إنكلترا التي تحكم الهند منذ نحو قرنين وحياتها متوقفة عَلَى غنى تلك البلاد وتعليم أبنائها لا تفكر في تعليمهم وترقيتهم كما تفكر في ترقية اقل إنكليزي ولو كان خلاسياً أي دمه من هنود وبريطانيين فقد قدروا أن في بلاد الهند ٣٠٠ ألف من عرق إنكليزي أو أوربي ليس بينهم سوى عشرة في المئة خرجوا من درجة الأمية فهل من اللائق أن يتركوا بدون تعليم كما يترك الوطنيون أم كيف السبيل؟ وإبذ قد لاحظوا أن الكاثوليك وهؤلاء الأوربيين يعلمهم مرسلوهم ولكن البرتستانت محرومون ممن يسهر عَلَى تربية أبنائهم فرأت الكنائس البرتستانتية أن تجمع ربع مليون جنيه لإقامة مدارس خاصة بأبناء البرتستانت من الإنكليز الهنود وتعيين أساتذة أكفاء بحيث يكون أبناؤهم مثال التربية الإنكليزية ويصبحون مادة قوة مهمة لإنكلترا في بلاد هي خمس العالم بسكانها. العقوبة الجسمية من أغرب الأمم في عاداتها وأخلاقها الأمة الإنكليزية فهي عَلَى ما بلغته من درجات الحضارة لا تفتأُ أن تحافظ عَلَى عاداتها الضارة في القرون الوسطى وتسعى إلى تعديلها وإصلاحها مع الزمن من ذلك أن لعقوبات الجسدية في مدارس لندِرا لا تزال مستعملة حتى اليوم فحذفت هذه العادة المضرة من مدارس أوربا ولكن مدارس لندرا حسنتها حتى أن لبعض المدارس الراقية هناك أسواطاً ميكانيكية تضرب المذنب بشدة أو بغير شدة بحسب الذنب الذي اجترحه. ويضيفون إلى هذا السوط الضارب آلة فوتوغراف تردد بعض آيات من التوراة وبعض النصائح الأدبية بصوت عال وذلك ليعلموا المضروب ويخفوا صراخه

стр. 4811

من آلامه. حصاد البشر بينا نسمع علماء الاجتماع ينادون بمضار الحروب وينددون بها نشاهد رجال السياسة يصمون آذانهم عن سماع أقوالهم ويرسلون إلى ساحات القتال بأقوى الرجال وأنشطهم يهلكون بعضهم بأيدي الآخر. وآخر ما ذكرته مجلة الاجتماع الدولية قولها من مقالة أن فكر الحرية وحده تجعل الشعوب ولية أمرها فقط ولما فنيت رومية في فكر الاستيلاء والغلبة أضاعت عظمتها فامتد ظل الحروب المشئومة عَلَى الإنسانية وأصبح القحط في الرجال وذلك لأن حصاد البشر كان رديئاً. وضعف رومية بالحروب كان الحجة الأولى لغارات البربر. ومن العادات أن أحسن الرجال إذا أرسلوا إلى الموت يخلفهم المتوسطون الفاسدون. ومهما كانت الأسباب الداعية إلى الحرب فإن نتائجها تبذير في البشر فإن ماجنتا وورث وسيدان واينا وليبتسيك وواترلو التي جرت فيها تلك المعارك التي تشيب لها نواصي الأطفال ليست إلا مجموع عظام إنساني. وليت شعري من يعيد علينا أولئك الشبان والرجال الذين استوفوا نصيباً وافراً من الجمال فقضوا في ساحات النزال. وأنت خبير بما يقتضي قتل المرء أخاه من العدد والنفقة حتى قال فرانكين أن نفقات الحرب لا تؤدى خلال الحرب بل بعد أن تغمد السيوف في أغمادها. وإنا لنرى الأقوياء وأرباب النشاط من الناس في جهاد الحياة السلمي يتدبرون ويعملون وليسوا لتحصيل القوت في حاجة إلى الحرب يؤرثون نيرانها. وإنا لنرى إنكلترا التي بذلت في خارج بلادها قواها لا تستطيع أن تشاهد نصف أبنائها إذ قد سقطوا كلهم في الهند وزولولاند وكمبودج والترنسفال وغيرها وقد أفنت المستعمرات جميع أبناء الطيبين من الفلاحين وأهل الطبقة الوسطى أي العنصر القوي في الأمة. أما أميركا فلم تقو إلا في ظل السلم. وبعد فإن الحرب مهما كان من أسبابها المشروعة فنتائجها سيئة دع عنك إنها تثير في العالم الهواء الشريرة ولا يجب أن يعمد إلى الحرب إلا في أحوال خاصة لا مناص منها. الفحم الحجري يقول أحد رجال الإنكليز أن إسراف إنكلترا في الفحم الحجري من بلادها يدعو إلى نفاذه بعد ١٧٥ سنة. وقالت إحدى المجلات الألمانية أن أميركا التي تصدر ما يربو عَلَى نصف

стр. 4812

مليون طن من الفحم الحجري قد بدأت تشعر بنقص ولا بد أن يكون حظها كحظ إنكلترا بعد قرنين وكذلك الحال في شمالي إنكلترا فإن آبار الفحم الحجري ستغلق هناك في سنة ٢١٠٠م كما أنه ينفذ في أواسط فرنسا وبوهيميا نحو نصف القرن الحادي والعشرين وسيدوم استخراج الفحم الحجري من شمال فرنسا وحوض سارابروك في ألمانيا ما بعد ٤٠٠ أو ٥٠٠ سنة وسيكون حظ البلجيك ووستفاليا وسيلزيا العليا أحسن من ذلك فسيطول تعدين فحمها أكثر وسيطول عمر معدن سيلزيا البروسي ألف سنة أخرى فلا خوف عَلَى المدنية من ثم اليوم بنضوب الفحم الحجري ولعل العلم يوصل إلى اختراع مادة تقوم مقامه في إجماء المداخن في المعامل والسفن والبيوت وغير ذلك. زراعة اللؤلؤ يزرع اليابانيون وبعبارة أخرى اليابانيات اللؤلؤ في جون آغو من بلادهم فتنمو أصدافه في خلال بضع سنين ويعنى بها المربيات عناية خاصة فيدخلن في الصدفة لؤلؤات صغيرة من البحر أو عرق اللؤلؤ تكون بمثابة بزرة للؤلؤة التي يراد استنباتها وما يزرع من اللؤلؤ عَلَى هذه الصورية يشبه من حيث اللون والصفا اللؤلؤ الطبيعي الذي يأتي من ذوات الأصداف. قطران الطرق بدأَت أميركا تدهن بعض طرقها بالقطران فشاعت هذه الطريقة في أوربا ومنها انتقلت إلى مصر وقد ثبت مؤخراً أن هذا القطران يضع الأشجار المغروسة بجانبه بما ينبعث منه من الغبار فجربوا فعل الغبار بشجر الدردار والجوز فاحترقت أوراقها وورق الجميز (جرمشق) انتفخ وتشقق وضعف ورق الاس والرند والورد. الخطر السود تحاذر أوربا وأميركا من الخطر الأصفر أي نهضة الصين واليابان وزحفهما عَلَى بلاد الغرب لفتحها كما فعل المغول ودمروا المدنية في هذا الشرق الأقرب وفي الشرق الأوسط. وتحاذر ألمانيا اليوم من الخطر الأسود وهو أن فرنسا التي تقل نفوسها وألمانيا التي يتناسل أبنائها كثيراً لا بد أن تنتبه ذات يوم وتجند من أبناء مستعمراتها في شمالي أفريقية أناساً خلقوا للطعان أكثر مما خلقوا للعيش من زراعتهم وكدحهم فتستطيع فرنسا أن تجند من

стр. 4813

السنغاليين وغيرهم مليون جندي وتسوقهم بما تنشئه من الخطوط الحديدية العسكرية ثم تقلهم في بواخرها إلى مرسيليا أو بوردو في مدة لا تتجاوز الأسبوع فإذا فعلت فرنسا ذلك أوجست ألمانيا خفية من جارتها أكثر مما توجس هذه من تلك وقد جربت فرنسا عَلَى عهد نابوليون وغيره استخدام طوابير من الجند الأسود في حروبها. الصحافة الألمانية اشتهرت الصحافة الإنكليزية بوفرة أخبارها واتساع مادتها وتحريها الصدق في الجملة في مرواياتها وقد نشر أحدهم في المجلة الكبرى الأفرنسية مقالة في وصف الصحافة الألمانية قال فيها أنها عَلَى وجه العام محتشمة كثيرة موارد الأخبار نافعة للصناعة والمالية بما تنشره من الأخبار الاقتصادية الدقيقة ويبلغ عدد الصحف التي تصدرها ألمانيا اليوم ٤٠٠٠ صحيفة كان فيها سنة ١٩٠٥ - ٢١٥٩ محلاً للطبع منها ١٣٠٧ لها صحيفة خاصة والصحافة الألمانية تامة الأدوات من حيث الأمور النافعة في الصناعة وافرة الأخبار بحيث فيها ٢٠٠ شركة تقدم للصحف ما يلزمها من المقالات الافتتاحية والأخبار والانتقادات والحوادث والنكات. وللإعلانات في الصحافة الألمانية مكان رفيع كما لها في فرنسا. والصحافي الألماني أقل اعتباراً في قومه من الصحافي الإنكليزي أو الإفرنسي وكم نشأ في إنكلترا وفرنسا كبار رجال السياسة من مقاعد التحرير أما ألمانيا فلا تجوَّز أن يكون النائب مثلاً صحافياً وإذا كانت مقالات الصحف تنشر مغفلة من التواقيع مثل الصحافة الإنكليزية وخلافاً للصحافة الإفرنسية امتنع كثير من أرباب الأقدار في السياسة أن يستخدموا الصحافة في مآربهم ومع هذا لا يمنع أن يكون للصحافة الألمانية مكانة مهمة في حياة الأمة أما الحكومة فلا تنظر إلى الصحافة إلا بأنها ضرر لا بد منه وتحاول أن تنال معاضدتها ولاسيما في المسائل السياسية الخارجية وإذا لم تكن الصحافة الألمانية معادية للحكومة فهي تحرص عَلَى رضاها لتعطيها هذه الأخبار بسرعة ولئن كانت جريدة نوردتش ألمان زيتونغ هي لسان حال ألمانيا فإن كثيراً من الصحف الألمان تنطق أيضاً بلسان حكومتها من هذا القبيل. المستشفيات في ظل المعابد قامت عَلَى أوائل الأُسرات الأولى من فراعنة مصر بعض الملاجئ ليأوي

стр. 4814

إليها المرضى يطبهم الكهنة بالعزائم والرقى وهذه كانت المستشفيات الأولى التي عرفت فأصبحت هذه الأماكن المقدسة مدارس حقيقية للتداوي ثم أضيفت إليها حجر لتكون مستوصفات وقد كان معبد سيرابيس في منفيس مشهوراً من هذه الوجهة وزاره اسكندر الكبير لاستشارة أطبائه. وكان في أرض يونان لكل بيت غني غرفة أو غرفتان تحوي ما يلزم لمعالجة الأحباب من العقاقير وكان في يونان أيضاً مستشفيات تطب الغرباء ويهرع إليها الناس من القاصية يستشفون وكذلك كان في رومية مستشفيات وكان الأطباء يطبون الأغنياء بالاشتراك السنوي كما كان في رومية مستشفيات للجند فدثرت عندما غار برابرة الشمال عَلَى بلادهم ولم تعد إلى الانتفاع منها إلا بعد انتشار النصرانية فأُنشئت رهبنات تعنى بشفاء المرضى وتمريضهم ومن أقدم المستشفيات مستشفى سالرن في إيطاليا ومستشفى مونبليه في فرنسا الذي أنشئ سنة ١١٩٥ - قالته إحدى المجلات الإيطالية. رمال تتغنى للرمل في جزيرة كاياواي من أرخبيل هاواي وفي صحراء كولورادو خاصية غريبة إذا أثاره الريح فإنك تسمع له صوتاً يتغنى أو يطن وإذا قبضت عَلَى حفنة من الرمل وعركته بين يديك تسمع له صوتاً كصوت البومة وإذا وضعت منه في كيس وهززته بقوة تسمع له عواء كعواء الكلب وإذا فحصت الرمل بالنظارة المكبرة تجده مدوراً وهو يجري واحدة عَلَى الأخرى بأقل مس وبهذه الخاصية يمكننا أن نفسر السهولة التي تقذف بها إلى بعيد وتطوف المسافات. وينسبون الأصوات التي تنشأ عن هذه الرمال إلى قشرة رقيقة من النار تغطي وجه الرملة فإذا نقل هذا الرمل من هذه الصحراء يبطل صداه وغناؤُه. وقاية الخشب اخترع مهندس من بودابست طريقة لمنع العفن من أن يلحق عمد التلغراف وخشب السكك الحديدية وخشب الحوائط وبالجملة كل خشب يمس الأرض دائماً وسماها وهذا الاختراع عبارة عن تحضير التربة عَلَى طريقة كيماوية بحيث تسلم كل السلامة من المواد الضارة بالخشب فيصب في الثقب أو المنفذ سائل معقم يهلك الحشرات والحلمات الطفيلية وبهذه الطريقة يستغنى في الخشب عن طليه بالقطران.

стр. 4815

العدد ٧٣ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٢

стр. 4816

اليمن وسكانها - ٢ - نسب اليمانيين وتفرقهم لا خلاف في أن عرب اليمن من بني قحطان ويعدون من العرب العاربة وأكثر قبائل العرب من اليمن كما قال البلخي فمنهم السكون وخولان والأزد ومازن بن الأزد وميدعان بن الأزد ومارد بن سلامان ومنهم آل العنقاء والفراهيد وقساحل وبلادس وثهلان وحرحنة وبطون كثيرة قد دونت في كتب الأنساب حتى ما تسقط قبيلة ولا فخذ ولا رهط ولا بطن وأصل ملوك غسان بالشام من عرب اليمن. قالوا ربما أغار اليمانيون عَلَى البلدان فيرجعون إلى بلادهم. واليمن قبائل كثيرة إذا دخلت فيهم قضاعة وجذام ولخم وبجيلة وخثعم كان أول من ذكر اسمه وعرف قدره سبأُ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان فمن ولده كهلان بن سبأُ وحمير بن سبأُ وقضاعة من قبائل حمير تفرقت بعض هذه القبائل في البلاد فنزلت أزد شنوءة أرض الشراة وما حولها في الشام وسارت غسان إلى الشام حتى نزلت بأرض البلقاء وتنصروا وأقاموا مملكين بالشام من قبل صاحب الروم وسار من ولد حوالة بن الهنو بن الأزد إلى الموصل وقدم مالك بن فهم بن غنم بن دوس حتى نزل أرض العراق فانشأ ملكاً بالحيرة. قال بعض آل أسعد بن ملكيكرب (كليكرب؟) تبع ذاكراً منازل من خرج من اليمن في سائر جزيرة العرب وغيرها وقد فراقت منا ملوك بلادها ... فصاروا بأرض ذات مبدى ومحضر وقد نزلت منا خزاعة منزلاً ... كريماً لدى البيت العتيق المستر وفي يثرب منا قبائل إن دعوا ... أتوا سرباً من دارعين وحسر هم طردوا عنها اليهود فأصبحوا ... عَلَى معزل منها بساحة خيبر وغسان حيٌ فعزهم في سيوفهم ... كرام المساعي قد حووا أرض قيصر وقد نزلت منا قضاعة منزلاً ... بعيداً فأمست في بلاد الصنوبر وكلب لها ما بين رملة عالج ... إلى الحرة الرجلاء من أرض تدمر ولخم فكانت بالعراق ملوكها ... وقد طحرت عدنان في كل مطحر

стр. 4817

وحلت جذام حيث حلت وشاركت ... هنالك لخماً في العلا والتجبر وأَزد لها البحران والسيف كله ... وأرض عمان بعد أرض المشقر ومنا بأرض الغرب جند تعلقوا ... إلى بربر حتى أتوا أرض بربر هكذا ذكروا تفرق أهل اليمانيين وأصولهم أما مدنيتهم التي حملوها فقد أكد أحد علماء الآثار أن اليمن سبقت بتمدنها بابل ومصر ومنها هاجر أجداد الفراعنة ومنها كان أجداد البابليين والآشوريين وإلى مصر وبابل وآشور حمل اليمانيون الصناعات والعلوم والتجارة وتوغل بعضهم حتى استنبط بعض اليمانيين أو الحميريين هم الذين مدنوا شواطئ آسيا وأفريقية وأوربا وقالوا أنهم كانوا أميل إلى التجارة لا إلى الغزو والغارة ولذلك كان معظم الأذواء يتجرون فإذا كانت لرجل منهم مطامع في السيادة تغلب عَلَى البلاد. والأذواء كثيرون منهم ذو الجناح وذو المنار وذو رعين وذو نواس وذو مجن وذو الكلاع سيف بن ذي يزن وقد استولى الحبشة بعد ذي نواس عَلَى اليمن فلم يدعوا رجلاً إلا قتلوه ولا بناء إلا هدموه ورئيسهم أبرهة الأشرم فخربوا المدن والخراب من عهدهم بدأ في الغالب وملك الفرس اليمن إلى عهد الإسلام وكان أراد كسرى أنوشروان عَلَى فتحها ابن ذي يزن يستنجده ويستعينه عَلَى السودان وامتدحه بالحميرية فأعجب كسرى بقصيدته لما ترجمت. ومن الأذواء علس ذو جدن كان كما في الأغاني ملكاً من ملوك حمير ولقب ذا جدن لحسن صوته والجدن الصوت بلغتهم ويقال أنه أول من تغنى باليمن. رووا أنهم حفروا حفراً في زمن مروان فوقفوا عَلَى أزج له باب فإذا هم برجل عَلَى سرير كأعظم ما يكون من الرجال عليه خاتم من ذهب وعصابة من ذهب وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه أنا علس ذو جدن القبل لخليلي مني النيل ولعدوي مني الويل طلبت فأدركت وأنا ابن مئة سنة من عمري وكانت الوحش تأذن لصوتي وهذا سيفي ذو الكف عندي ودرعي ذات الفروج ورمحي الهزيري وقومي الفجواء وقرني ذات الشر فيها ثلاث مائة حشر من صنعة ذي نمر أعددت ذلك لدفع الموت عني فخانني قال الراوي فنظرنا فإذا جميع ذلك عنده. ولما سار حسان بن تبان أسعد أبو كرب بأهل اليمن يريد أن يطالبهم أرض العرب وأرض العجم كما كانت التبابعة قبله تفعل حتى إذا كان ببعض أرض العراق عَلَى رواية الطبري

стр. 4818

كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخاه أن يقتله ليخلفوه عليهم فقتله ومرج أمر حمير عند ذلك تفرقوا فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم يقال لخيعة ينوف ذو شناتر فملكهم وقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة فقال قائل من حمير يذكر ما ضيعت حمير في أمرها وفرقت جماعتها ونفت من خيارها تقتل ابناها وتنفي سراتها ... وتبني بأيديهم لها الذل حمير تدمر دنياها بطيش حلومها ... وما ضيعت من دينها فهو أكثر كذاك القرون قبل ذاك بظلمها ... وإسرافها تأتي الشرور فتخسر ثم تهودت حمير وكان بنجران بقايا من أهل دين عيسى عَلَى الإنجيل أهل فضل واستقامة لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن تامر وكان موقع أصل ذلك الين بنجران وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم أن رجلاً من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون فحملهم عليه فدانوا به قال هشام زرعة ذو نواس فلما تهود سمي يوسف وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى وكانوا قريباً من عشرين ألفاً افلت منهم رجل وقدم عَلَى ملك الحبشة فأعلمه ما ركبوا به وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النار بعضه فانجده برجال كما بعث إلى قيصر أن ينجده بالسفن والأخدود هو المذكور في القرآن قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود فجاء جيش النجاشي ورأسه أرياط فقتل ثلث اليمن وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها وقد أخرب مع ما أخرب من ارض اليمن سلحين وبينون وغمدان حصوناً لم يكم في الناس مثلها فقال: هونك ليس يرد الدمع ما فاتا ... لا تهلكي أسفاً في ذكر ماتا أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتاً وقد ساق أبو الفرج الأصفهاني كيفية مقتل حسان بن تبع عَلَى يد عمرو أخيه وكيف تشتت أمر حمير حين قتل أشرافها والتفت عليه حتى وثب عَلَى عمرو خيعة تنوف ولم يكن من أهل بيت المملكة فقتله واستولى عَلَى ملكه وكان يقال له ذو شناتر الحميري وكيف نشأ زرعة ذو نواس وكانت له ذؤابة وبه سمي ذا نواس وهو الذي تهود وتسمى يوسف كما مر

стр. 4819

وهو صاحب الأخدود بنجران وكانوا نصارى فخوفهم وحرق الإنجيل وهدم الكنائس ومن أجله غزت الحبشة اليمن لأنهم نصارى كما ساق كيفية خروج سيف بن ذي يزن إلى كسرى يستنجده عَلَى الحبشة بسبب غزو ذي نواس أهل نجران وكانوا نصارى فحصرهم ثم ظفر بهم فحدد لهم الأخاديد وعرضهم عَلَى اليهودية فامتنعوا من ذلك فحرقهم بالنار وحرق الإنجيل وهدم بيعتهم. ملوك اليمن وعمرانهم قال ابن حوقل: كانت اليمن عظيمة خطيرة الملوك فمنهم من ملك أكثر الأرض في سالف الزمن كتبع الذي مدن مدينة صنعاء وسمرقند وكان يقيم بهذه حولاً وبهذه آخر ولم يكن فيما سلف من الزمان ومرر الدهور والأيام ممن علت كلمته واتسعت مملكته واستفحلت جبايته كفرعون وذي القرنين وتبع ممن ثبت الملك فيه وفي عقبه فأما أموالها في وقتنا (القرن الرابع) الواصلة إلى سلاطينها وملوكها وأربابها وأصحاب أطرافها فمن جلتها أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم بن زيادة بعد أهل البحرين كانوا بموالينا والذي تحت يده فمن الشرجة إلى عدن طولاً عَلَى ساحل البحر وارض تهامة اليمن ويكون مقدار ذلك اثنتي عشرة مرحلة وعرضه من الجبال إلى ساح اليمن من عمل غلافقه ويكون مقداره مسيرة أربع مراحل وأكثر أمواله المقبوضة من العثور وهي ما ينيف عَلَى خمس مائة دينار عثرية ومن قبالات زبيد هن جميع ما يدخلها ويخرج عنها وتشتمل عليه من وجوه الأموال مائتا ألف دينار عثرية وأكثر ملوك الجبال يخطبون له عَلَى منابرهم في وقتنا هذا ويصل إليه من جباية عدن عَلَى المراكب العثرية مما لا يقع بموافقة ولا ضمان ويعمل بالأمانات لربما زادت المراكب ونقصت وقد يرتفع له في السنة عن هذا المكان مائتا ألف دينار عثرية زائداً أو ناقصاً ويؤخذ العنبر بسواحل عدن وما يليها وله عَلَى ذلك ضريبة تصل إليه عَلَى صاحب جزائر هلك موافقة من هدايا ترد عليه فيها عبيد وعنبر وغير ذلك وملكة الحبشة تهاديه ولا تقطع مبرته ومواصلته ويتلوه في المكنة والمقدرة ابن طرف صاحب عثر وملكه يشتمل عَلَى وجوه من الأموال وضروب من الجبايات ويكون الواصل إليها كنصف الواصل إلى أبي الجيش من المال ويتلوه الخزامي صاحب حلي وهو دون ابن طرف في المكنة والسلطان والجباية. وهؤلاء الثلاثة ملوك تهامة اليمن وابن طرف والخزامي جميعاً

стр. 4820

في طاعة ابن زياد في وقتنا هذا ويخطبون عَلَى اسمه. وملوك تهامة اليمن المعروفون بملوك الجبال كثيرة واجلهم ولد أسعد بن أبي يعفر وهو عَلَى الحجبة هو ملك صنعاء يخطب لأبي الجيش ويضرب دراهمه عَلَى اسمه وليس ينفذ إليه ميرة ولا هدية وجميع وجوه أمواله أربعمائة ألف دينار فتصرف في مروته وإلى أضيافه وقاصديه وهو من سلالة التبابعة ومن بالجبال من ملوكها فجبايته دون هذه العدة من المال ومرافقه بقدر كفايته. وأما الحسنيُّ صاحب صعدة فله جباية كثيرة ومستغلات من المدابغ وضرائب من القوافل كثيرة تضاهي ارتفاع ابن طرف وربما زادت ونقصت وصاحب السرين فما يصل إليه قوم به وبأهله ولسيت بحال تذكر وله عَلَى المراكب الصاعدة والنازلة من اليمن رسم يأخذه من الرقيق والمتاع الوارد مع التجار. إليك ملوك اليمن في القرن الرابع وما كانوا يتقاضونه من وجوه الارتفاعات مما تستدل منه عَلَى ثروة اليمن الغريب واتساع أقاليمها ومخاليفا وكثرة قراها ومزارعها وقد وصف ابن حوقل أيضاً المسافات بين بلادها فقال: وأما تهامة فإنها قطعة من اليمن جبال مشتبكة أولها مشرف عَلَى بحر القلزم (الأحمر) مما يلي غربيها وشرقيها بناحية صعدة وجرش ونجران وشماليها حدود مكة وجنوبها من صنعاء عَلَى نحو عشر مراحل وبلاد خولان تشتمل عَلَى قرى ومزارع ومياه معمورة بأهلها وهي مفترشة وبها أصناف من قبائل اليمن ونجران وجرش مدينتان متقاربان في الكبر بهما نخيل ويشتملان عَلَى أحياء من اليمن كثيرة وصعدة أكبر وأعمر منهما ويتخذ بها ما كان يتخذ بها ما كان يتخذ بصنعاء من الأدم ويتخذ بنجران وجرش والطائف أدم كثير وأكثره من صعدة وبها كان يجتمع التجار وليس باليمن جميعاً بلداً أكبر ولا أكثر مرافق وأهلاً من صنعاء وهو بلد في خط الاستواء وهو من اعتدال الهواء بحيث لا يتحول الإنسان عن مكان واحد شتاءً ولا صيفاً وتتقارب ساعات الصيف والشتاء والجذام به ظاهر لقلة سطوة الشمس به وفيه كانت تسكن ملوك اليمن فيما تقدم وبها بناءٌ عظيم قد خرب فهو تل كبير يُعرف بغمدان وكان قصراً لملوك اليمن وليس باليمن بناءٌ أرفع منه. والمذيخرة جبلٌ أعلاه نحو عشرين فرسخاً فيها مزارع ومياه وفيه ينبت الورث وهو نبات

стр. 4821

أحمر في معنى الزعفران يصبغ فيه ولا يسلك إلا من طريق واحدة. وشبام جبل منيع جداً فيه قرى ومزارع وسكان كثيرة وفيه جامع ويرتفع منه الجسمت والعقيق والجزع حجارة تعمل فإذا عملت ظهر جوهرها لأن وجوه هذه الحجارة مغشاة وبلغني أنها تكون في صحاري فيها حصى ملون تلقط من بينها. وعدن مدينة صغيرة وشهرتها لأنها فرضة عَلَى البحر ينزلها السائرون في البحر وباليمن مدن أكبر منها ليست كشهرتها. وبلاد الإباضية بقرب حمدان وخولان وخيوان وهي أعمر بلاد بتلك النواحي مخاليف ومزارع وأغزرها مياهاً. قال وبأرض سبأ من اليمن طوائف من حمير وبحضر موت أيضاً وأما ديار همدان وأشعر وكندة وخولان فإنها مفترشة في أعراض اليمن وفي أصفافها مخاليف وزروع وبها بوادٍ وقراى تشتمل عَلَى تهامة وبعض نجد ونجد اليمن غير نجد الحجاز غير أن جنوبي نجد الحجاز يتصل بشمالي نجد اليمن وبين النجدين وعمان برية ممتنعة قال وباليمن قرود كثيرة بلغني أنها تكثر حتى أنها لا تطاق إلا بجمع كثير وإذا اجتمعوا كان لهم كبير يعظمونه ويتبعونه كاليعسوب للنمل وبها دابة تسمى العدار بلغني أنها تطلب الإنسان فتقع عليه فإذا أصابت منه تلك الدابة جرحاً تدود جوف الإنسان فانشق ويحكى عن بعض الغيلان بها ما لا أستجيز حكايته لأن المنكر لمن لا يعلم أعذر من المقر بما يجهل. وذكر ياقوت أن المذيخرة قلعة حصينة في رأس جبل صبر وفيها عين في رأس الجبل يصير منها نهر يسقي عدة قرى باليمن وهي قريبة من عدن يسكنها آل ذي مناخ وبها كان منزل أبي جعفر المناخي من حمير. قال عمارة اليمني: المذيخرة من أعمال صنعاء أن أعلاه نحو عشرين فرسخاً فيه المزارع والمياه ونبت الورث وفي شفيره الزعفران ولا يسلك إلا من طريق واحد وهو في مخلاف السحول ولما ملك الزيادي اليمن واختط زبيد وحج من اليمن جعفر مولى زياد بمال وهدايا بسنة ٢٠٥ وسار إلى العراق وصادف المأمون بها وعاد جعفر هذا بسنة ٢٠٦ إلى زيد ومعه ألف فارس فيها مسودة خراسان سبعمائة فعظم أمر ابن زياد وتقلد إقليم اليمن بأسره الجبال والتهائم وتقلد جعفر هذا الجبل واختط به مدينة يقال لها المذيخرة ذات انهار ورياض واسعة والبلاد التي كانت لجعفر تسمى اليوم (القرن السادس) مخلاف جعفر والمخلاف عند أهل اليمن عبارة عن قطر

стр. 4822

واسع وكان جعفر هذا من الدهاة الكفاة وبه تمت دولة بني زياد ولذلك يقولون ابن زياد وجعفر. وذكر ياقوت في شبام أنه جبل عظيم فيه شجر وعيون وشرب صنعاء منه وبينه يوم وليلة وهو جبل صعب المرتقى ليس إليه إلا طريق واحد وفيه غيران وكهوف عظيمة جداً ويسكنه ولد يعفر وله فيه حصون عجيبة هائلة وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة وكروم ونخيل والطريق إلى تلك الضياع عَلَى دار الملك وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك فمن أراد النزول إلى السهل في حاجه دخل عَلَى الملك فاعلمه ذلك فيأمر بفتح الباب وحول الضياع والكروم جبال شاهقة لا مسلك فيها ولا يعلم أحد ما ورائها ومياه هذا الجبل تصب إلى سد هناك فإذا امتلأ السد ما أن فتح فيجري إلى صنعاء ومخاليفها وبينه وبين صنعاء ثمانية فراسخ. قال عمارة اليمني في تاريخيه وكان حسين ابن أبي سلامة وهو عبد نوبي وزرلابي الحبشي بن زياد صاحب اليمن أنشأ الجوامع الكبار والمنائر الطوال من حضر موت إلى مكة وطول المسافة التي بني فيها ستون يوماً وحفر الآبار الروية والقلب العادية فأولها شبام وتريم مدينة حضر موت واتصلت عمارة الجوامع منها إلى عدن والمسافة عشرون مرحلة في كل مرحلة منها جامع ومئذنة وبئر ويقي مستولياً عَلَى اليمن ثلاثين سنة ومات سنة ٤٣٢ وذكر له فضائل وجوامع في كل بلدة من اليمن. وذكر أبو الفدا من بلاد اليمن حصن تعز فقال هي في زماننا مقر ملوك اليمن وهي حصن في الجبال مطل عَلَى التهائم وأراضي زبيد وفوق تعز منتزه يقال له صهلة قد ساق صاحب اليمن المياه من الجبال التي فوقها وبني فيها أبنية عظيمة في غاية الحسن في وسط بستان هناك. وذكر حصن الدملوة وقال أنها خزانة صاحب اليمن قال ابن سعيد وهي عَلَى الجبل الممتد من الجنوب إلى الشمال ويضرب بامتناعها وحصانتها المثل في شمالييها تقع الجوة وهي بليدة مشهورة في جادة طريق الجبال وذكر الشرجة وجبلة وهذه بين عدن وصنعاء والجند شمالي تعز وذمار وحلى وظفار ونجران وعدن أَبين وصنعاء وصعدة وبلاد خيوان وجرش (غير جرش سورية) ومأرب يقال لها سبأ وشبام وقبة حضر موت ومرباط. وفي أحسن التقاسيم أن ولايات هذا الإقليم متقطعة فاليمن لآل زياد وأصلهم من همدوان

стр. 4823

وابن طرف لع عثر وعَلَى صنعاء أمير غير أن ابن زياد يحمل إليه الأموال ليخطب إليه وربما أخرجت عدن عن أبديهم وآل قحطان في الجبال وهم أقدم ملوك اليمن والعلوية عَلَى صعدة يخطبون لآل زياد وهم أعدل الناس وعمان للديلم وهجر للقرامطة وعَلَى الأحقاف أمير منهم قال وصاحب صعدة لا يأخذ ضريبة من أحد وإنما يأخذ ربع العشر من التجار. في القرن السادس كان صاحب اليمن الملك المجاهد سيف الدين علي ابن الملك المؤيد هزير الدين داوود من بيت رسول وكان جدهم هذا رسول أميراً آخر للملك الكامل ناصر الدين محمد عادل أبي بكر بن أيوب فلما بعث الملك الكامل ولده المسعود أطسن وهو الذي تسميه العامة أقسيس بعث معه أميراًَ آخر في جملة من بعوثه معه ثم تنقلت الأحوال حتى استقل رسول بملك اليمن وصار الملك من عقبه. عجائب اليمن ذكر الهمداني منها باب عدن وهو شصر مقطوع في جبل كان محيطاً بموضع عدن من الساحل فلم يكن لها طريق إلى البر إلا للرجل لمن ركب ظهر الجبل فقطع في الجبل باب مبلغ عرض الجبل حتى سلكه الدواب والحمائل والمحامل والجفان. وقطع بينون جبل قطعه بعض ملوك حمير حتى خرج فيه سيلان وراءه إلى أرض بينون. وقلعة الجوة لأبي المغلس في أرض المعاقر هي تطلع بسلم فإذا قلع لم تطلع. ومنها جبل تخلى وهو جبل واسع الرأس ذو عرقة مطيفة به تنزل الوبر والقرد وتحت العرقة عرقة وفي مواضع منه عرق مترادفة وليس تعم جميعه إلا العرقة العليا والتي تحتها ورأسه واسع جداً فيه ثلاث قلاع حصون فأولها بيت فائس وهو من أرفع ما فيه وفيها مسجد قائم كان الناس يزورونه والمذمار مثلها في الرفعة وبيت ريب حصن ذو عرق منقطعة عليها قصور آل المنصور وحرمهم وأموالهم لا مسلك لها غير باب واحد والأراس حصن بينها وبين بيت فائس وهو حصن واسع وبعد أن ذكر أبوابها قال وتغلق هذه الأبواب عَلَى هذه الحصون وهذه الحصون وهذه القرى عَلَى ضياع تؤدي خمسة آلاف ذهب براً وشعيراً ليكون سبعة آلاف وخمسمائة قفيز وتغلق عَلَى ميدانه وأنوباته ومجزرته ومساجده ومراعيه وأغنامه وبقره وخيله ما خلا الإبل فإنها لا تطلعه وفي معظم حصونها زروع أعقار فيها ماؤها ومرعاها وجميع مرافقها ومدينة خولان العظمى صعدة وهي بلد الدباغ في الجاهلية الجهلاء وهي في

стр. 4824

موسط بلد القرظ ربما وقع فيها القرظ من ألف رطل إلى خمسمائة بدينار مطوق عَلَى وزن الدجرهم القفلة وأما ظاهر خولان فهو أسل وفيه قرى زروع واعناب دافقين وجبل أبذر وأبذر مثل جبل ذخار من الجبال التي في رؤوسها الماء والمرعى والزرع والقرى. ويشتد في صنعاء البرد لايتحول الإنسان الشتاء والصيف من مكانه فإذا اشتد بها الصيف وحر فدخل الرجل يقيل عَلَى فراشه لم يكن له بد من أن يتدثر لأن بيوتها في الصيف باردة لأجل قصة الجير المسيع بها بواطن البيوت فيدخل في المخدع عَلَى فراشه ويطبق عليه الباب ويسبل السترين والسجف فلا يتغير ضياء البيت لأجل الرخام الذي يكون في الجدران والسقف بل إذا كان في السقف رخامة صافية نظر عوم الطائر بظله عليها إذا حاذاها وتؤدي الرخامة لمعان الشمس إلى القصة فتقبلها بجوهرها وبريقها. وأعشاب اليمن وحبوبها غريبة في بابها ومنها الورث واللبان اللذان لا يكونان في غير اليمن ويصيران في جميع الأرض. ومن الابار العجيبة البئر المطلة بريدة ومنها بئر سراقة لمراد في أسفل الجوف وطولها خمسون باعاً وماؤها عذب فرات لا يكدرها الدلاء وبئر سام بن نوح بصنعاء وكهالة بئر ذي يزن بين زبيد وعدن وبئر هوت بسفل حضر موت وبئر ميمون المذكورة في القرآن. أما معادن الفضة بالرضراض فما لا نظير له وبها معادن الحديد غير معمولة مثل نقم وغمدان وبها فصوص البقران ويبلغ الثلث بها مالاً وهو أن يكون وجهه أحمر فوق عرق أبيض فوق عرق أسود والبقران ألوان ومعدنه بجبل أنس وهو ينسب بن ألهان بن مالك والسعواني من سعوان وادٍ إلى جنب صنعاء وهو فص أسود فيه عرق أبيض ومعدنه بشهارة وعيشان من بلد حاشد إلى جنب هنوم وظليمة والجمش من شرف همدان والعشاري وهو الحجر السماوي من عشار بالقرب من صنعاء والبلور يوجد في مواضع منها والمسني الذي يعمل منه نصب السكاكين يوجحد في مواضع منها والعقيق الأحمر والعقيق الصفر العتيقان من الهان وبها الجزع الموشى والمسير وفي مواضع منها منه النقعي وهو فحل العرف والسعواني والضهري منه أجنس والخولاني والجردي من غديقة والشزب يعمل منه الواح وصفائح وقوائم سيوف ونصب سكاكين ومداهن وقحفة وغير ذلك وليس سواه إلا في بلد الهند والهندي عرق واحد.

стр. 4825

ومحافد اليمن وقصورها القديمة التي ذكرتها العرب في الشعر والمثل كثيرة فأولها وأقدمها غمدان ثم تلغم وناعط وصروح وسحين بمأرب وظفار وهكر وضهر وشباء وغيمان وبيون وريام وبراقش ومعين وروثان وأرياب وهند وهنيدة وعمران والنجير بحضرموت. وغمدان قصر عجيب قد بني ثلاثة أوجه ووجه بالجروب الأبيض ووجه بالجروب الأصفر ووجه بالجروب الأحمر ووجه بالجروب الأخضر ولجروب الحجارة وابتني في داخله عَلَى ما التقن من أساسه قصراً عَلَى سبعة سقوف بين كل سقفين أربعون ذراعاً وسقفه من رخامة واحدة وجعل عَلَى ركن تمثال أسد من شبه كعظم ما يون من الأسد فكانت الريح إذا هبت من ناحية تمثال من تلك التماثيل دخلت جوفه من دبره ثم خرجت من فيه فيسمع له زئير كزئير الأسد وكان يأمر بالمصابيح فتسر في بيوت الرخام إلى الصبح فكأن القصر يلمع من ظاهره كلمع البرق فإذا أشرف الإنسان ليلاً قال أرى بصنعاء برقاً شديداً أو مراً كثيراً ولا يعلم أن ذلك من ضوء السرج فكان كذلك حتى أحرق. قال ياقوت أن غمدان كان حصن كان ينزله الملك الذي يكون عَلَى اليمن وكان أعجمياً فلما ملكت الحبشة اليمن أخربته إلا بقايا هدمها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في الإسلام وقال ينبغي لمآثر الجاهلية أن تمحى وأن في الحصن مصنعة عليها قبة منطلق. وفيها يقول خلف الأحمر ومصنعة الطلق أودى بها ... عوادي الأحاديش بالصيدن وفيها يقول قدامة حكيم المشرق وكان صاحب كيمياء فارقد فيها نارة ولو أنها ... أقامت كعمر الدهر لم تنضرم لأن الطلق لو أوقد عليه ألف عام لم يسخن وبه يتطلى النفاطون إذا أرادوا الدخول في النار. وبنى أبرهة بن الصباح بصنعاء القيلسة وهي كنيسة بناها لصاحب الحبشة لم ير الناس أحسن منها ونقشها بالذهب والفضة والزجاج والفسيفساء وألوان الأصباغ وصنوف الجواهر وجعل خشباً له رؤُوس كرؤُوس الناس ولكنها بأنواع الأصباغ وجعل لخارج القبة برنساً فإذا أن يوم عيدها كشف البرنس عنها فيتلألأ رخامها مع ألوان أصباغها حتى تكاد تلم البصر وسماها القليس (بضم القاف وتشديد اللام).

стр. 4826

ون قصور اليمن قصر شوحطان وقصر كوكبان وأكثرها من عجيب البناء وقيل أن هذا القصر الأخير كان مبنياً بالفضة والحجارة وداخله بالياقوت والجواهر. ومن أعظم عجائب اليمن السد الذي كان باليمن عَلَى مثال سد أسوان في مصر اليوم ومأرب كما قال السهيلي أمم قصر كان لهم وقيل هو اسم لكل ملك كان يلي سبأ كما أن تبعاً اسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت وهذا السد عَلَى ما قال المسعودي من بناء سبأ بن يشجب بن يعرب وكان سافله سبي وادياً ومات قبل أن يستتمه فأتمته ملوك حمير بعده وقال المسعودي أيضاً بأن بانيه لقمان بن عاد وجعله فرسخاً في فرسخ وجعل له ثلاثين شعباً. ومأرب بين حضرموت وصنعاء وبينها وبين صنعاء أربعة أيام وهي قرية ليس بها عامر في القرن السابع إلا ثلاث قرى يقال لا الدروب إلى قبيلة من اليمن فالأول من ناحية صنعاء درب آل الغشيب ثم درب كهلان ثم درب الحرمة وكل واحد من هذه الدروب كاسمه درب طويل لا عرض مله طوله حو الميل كل دار إلى جانب الأخرى طولاً وبين كل درب نحو فرسخين أو ثلاثة وهم يزرعون عَلَى ماء جار يجيء من ناحية السد فيسقون أرضهم سقية واحدة فيزرعون عليه ثلاث مرات وفي كل عام ويكون بين بزر الشعير وحصاده في ذلك الموضع نحو شهرين. وسد مأرب بين ثلاثة جبال يصب ماء السيل إلى موضع واحد وليس لذلك الماء مخرج إلا من جهة واحدة فكأن الأوائل قد سدوا ذلك الموضع بالحجارة الصلبة والرصاص فيجتمع فيه ماء عيون هناك مع ما يجتمع من ماء السيول فيصير خلف السد كالبحر فكانوا إذا أرادوا سقي زروعهم فتحوا ذلك السد بقدر حاجتهم بأبواب محكمة وحركات مهندسة فيسقون حسب حاجتهم ثم يسدونه إذا أرادوا. قال ابن حوقل ومجتمع الماء الذي بأرض اليمن في ديار سبأ إنما كان موضع مسيل ماء فبني عَلَى وجهه سد فكان يجتمع فيه مياه كثيرة يستعملونها في القرى والمزارع حتى كفروا النعمة بعد أن كان الله تعالى قد جعل لهم عمارات قرى متصلة إلى الشام فسلط عَلَى ذلك المكان آفة فكان لا يمسك ماء وهو قوله تعالى وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها إلى قوله ومزقناهم كل ممزق فبطل ذلك الماء إلى يومنا هذا. أما سيل العرم الوارد ذكره في الكتاب العزيز بقوله فأرسلنا عيهم سيل العرم فإنه كان عَلَى رواية في أيام ملك حبشان فأخرب الأمكنة المعمورة في أرض اليمن وكان أكثر ما أخرب

стр. 4827

بلاد كهلان وعامة بلاد حمير وولد حمير وكهلان هم سادة اليمن في ذلك الوقت خربها حتى لم يبقى من جميع الأرضين والكروم إلا ما كان في رؤوس الجبال والأمكنة البعيدة مثل ذمار وحضرموت وعدن ودهيت الضياع والحدائق والجنان والقصور والدور وجاء السيل بالرمل وطمها عَلَى ذلك إلى القرن السابع. ومعنى العرم (بفتح أوله وكسر ثانيه) لسكر والمسناة التي تسد فيها المياه وتقطع وهي تلك المسناة التي كانت قد أحكمت لتكون حاجزاً ين ضياعهم وحدائقهم وبين السيل. وقيل العرم الماء الأحمر واسم واد بعينه أو اسم للجرذ لذي نقب السكر عليهم هو الذي يقال له الخلد وقيل العرم المطر الشديد قال المثلم بن قرط البلوي ألم تر أن الحي كانوا بغبطة ... بمأرب إذ كانوا يحلونها معا وقال الأعشى ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفا عليها العرم رخام بنته لهم حمير ... إذا ما نأى ماؤهم لم يرم فأرى الحروث بأغنامها ... عَلَى ساعة ماؤهم إن قسم وطار الفيول وفيالهم ... بيهماء فيها سراب لم يلم فكانوا بذلكم حقبة ... فمال بهم جارف منهدم وقال جهم بن خلف: ولم تدفع الإحسان عن رب مأرب ... منيته وما حواليه من قصر ترق إليهم تارة بعد هجعة ... بأمراس كتان أمرات عَلَى شزر وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: يا دبار الحبائب ... بين صنعا ومأرب=جاءك السعد غدوة=والثريا بصائب من حريم كأنما ... يرتمي بالقواضب=في اصطفاق ورنة=واعتدال المواكب

стр. 4828

هل تسترد اللغة العربية أمجادها (تتمة ما في الجزء الأول) نهضة العرب في الإسلام لندع جزيرة العرب الآن إلى ثلث القرن السابع الميلادي لميلاد المسيح ثم لنعد إليها بعد ذلكم ولنحدث عما نرى أمة متفقة الكلمة مجتمعة الرأي متحدة اللغة والدين قد قوي اجتماعها واشتد أسره حتى صار كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً وقد كفوا سيوفهم عن أنفسهم وشهروها في وجوه عدوهم من الفرس والروم فطردوا كسرى من المدائن وأجلوا قيصر عن الشام. سلوني أين ذهب ما كانت توصف به الأمة من تفرق الكلمة وتشعب الرأي ومن تعدد الدين وتنوع اللهجات. .؟ أين شريعة موسى وتعليم عيسى. .؟ أين الوثنية وعقائد الصابئة والمجوس. .؟ أين حمية الجاهلية وعصبيتها. .؟ أين تلكم الضغائن التي كانت تثير الحفائظ وتأكل القلوب. .؟ كل ذلكم قد ذهب به الإسلام أيها السادة فلم يبق له في الجزيرة العربية أثراً ولست أريد أن ابحث عن مصدر ذلكم لأني إنما أحاضر في تاريخ اللغة لا في تاريخ الشعب. القرآن كان القرآن للعرب شمساً نسخت عنهم ظل الجاهلية وأضاءت منهم ظلمة النفوس ونقلت اجتماعهم من حال إلى حال فقد جاءهم بضروب من القول لم يعهدوها وفنون من الكلام لم يعرفوها مشتملة عَلَى أمتن قواعد الاجتماع وأصح أصول التشريع ممتلئة بنافع الحكم ونابغ الكلم وجيد الوصف والتشبيه وصادق القصص والتاريخ وقد أنكروه إذ سمعوا بادئة الأمر ولكنهم لم يلبثوا أن خضعوا له وأذعنوا لسلطانه طوعاً أو كرهاً بعد أن بهرهم جماله وسحرتهم روعته واصبحت قلوبهم حكمته وهذبت نفوسهم آدابه وظهر لهم الحق من ثناياه جميل الصورة وطلق المحيا يفتن رواؤه القلوب ويخلب الألباب ولست أريد أن أطيل في وصف القرآن لأن ذلك يحتاج إلى محاضرة خاصة وغنما أقول أنه قد غير العرب تغييراً

стр. 4829

تاماً فلم يات عليه خمس وعشرون سنة إلا وقد أَلان من القوم قلوباً قاسية وصفى طباعاً جافية وأَرق كباداً غليظة وهذا ألفاظاً فجة ونقل الأمة من البداوة إلى الحضارة ومكن لا في الأرض وهيأها للفتح والتغلب عَلَى الجملة أنشأ من العرب خلقاً جديداً. هنالك خضعت اللغة لمؤثرين كبيرين أحدهما الإسلام والثاني الفتح. فأما الإسلام فقد صنع بالقوم ما عرفتم فحسنت لغتهم ورقت ألفاظهم وظهرت عليها بشاشة الدين وطهارة النفوس. وأما الفتح فقد استأثر عواطف القوم بعد كمونها وأطلق ألسنتهم بالخطب الرائعة والشعر الجميل نصراً للحق وزوداً عنه. مذهبٌ باطل وهنا يجب علي أيها السادة أن أبطل مذهباً اجمع عليه كافة المؤلفين في آداب اللغة من المحدثين يتبعون فيه رأي المؤرخ ابن خلدون ﵀. زعموا أن الآداب العربية ولاسيما الشعر قد وقفت أيام النبي والخلفاء الراشدين لأن العرب قد شغلوا عنها بالدين والفتح وتأسيس الملك فلما استقر الأمر لبني أمية نهضت الآداب من كبوتها واستيقظت من غفوتها إلى آخر ما يقولون. خطأ جداً هذا المذهب أيها السادة لأنه لا يستند عَلَى حجة ولا يعتمد عَلَى دليل. نعم إنهم لم يجدوا عَلَى ذلكم برهاناً إلا شيئين اثنين الأول أن لبيد بن ربيعو وهو من فحول الشعراء المخضرمين قد ترك الشعر في الإسلام اعتداداً بالقرآن واحتفالاً به وقد بعث عمر بن الخطاب إلى عامله عَلَى الكوفة استنشد من قبلك من الشعراء وابعث إلي بشعرهم فدعا العامل لبيداً وأبا النجم وأبلغهما أمر عمر فأما أبو النجم فقال أرجزاً تريد أم قصيدة ... طلبت شيئاً عندنا موجودا وأما لبيد فقد رجع إلى بيته ثم غدا عَلَى الأمير بلوح قد كتب فيه سورة البقرة وقال هذا شعري. الثاني أن محمد بن سلام وهو من علماء القرن الثالث للهجرة قال في كتابه طبقات الشعراء أن العرب في صدر الإسلام قد شغلوا بتأسيس الملك عن قول الشعر وروايته. والحقيقة أيها السادة أن ترك لبيد للشعر لا ينهض حجة عَلَى العرب كافة قد تركوه أو

стр. 4830

قصروا فيه وإن ابن سلام ﵀ قد أخطأَ في الأولى وأصاب في الثانية فإن العرب قد شغلوا عن رواية شعر الجاهلية في أيام الفتح والفتن ولكنهم لم يشغلوا عن قوله يوماً ما ولذلكم ضاع كثير من شعر الجاهليين بل من شعر المخضرمين لكثرة من استشهد من الرواة في أيام الردة والفتح وأيام الفتن السياسية الكبرى. وإذا كان أبو بكر ﵁ قد أشفق عَلَى القرآن الكريم أن يضيع بعد أن قتل من المسلمين خلق كثير في حروب الردة فكيف يكون حال الشعر. .؟ وكيف يشغل العرب عن قول الشعر والنبي ﷺ كان يسمعه ويدعو إليه ويأمر شعراءه أن يدفعوا عنه بقصائدهم وأشعارهم والخلفاء الراشدون كانوا يكثرون استشهاده والبحث عنهم والقول فيه بل كيف يشغلون عن قول الشعر ومصادره الحقيقية قد كانت كثيرة موفورة فإن صدر الإسلام لم يخل من حروب ينشد فيها الشعراء قصائد المدح للقواد المنتصرين والرثاء للشجعان المستشهدين وتحريض الأولياء وهجاء العداء والفخر بحسن البلاء ولو أن هؤلاء المؤلفين قرأوا التاريخ في كتبه المطولة المبسوطة واستظهروا ما تشتمل عليه سيرة النبي وتاريخ الخلفاء من متان القصائد وجياد الأراجيز في فنون الشعر المختلفة ما استطاعوا أن يسجلوا عَلَى أنفسهم هذا القول ولا أن يصموا القرآن الكريم بأنه قد كان سبباً لانحطاط الآداب العربية يوماً ما. الخطابة كان شأن الخطابة في صدر الإسلام أرقى بكثير من شأنها في الجاهلية لأنها كانت صناعة الخلفاء والأمراء وحرفة الجيش والذادة عن الثغور فقد سن النبي ﷺ للمسلمين صلاة الجماعة وجعلها من حق الخليفة يقيمها في حاضرة الدولة ويستخلف عليها الأمراء في الولايات فكان يجب عَلَى الخليفة والأمراء أن يخطبوا المسلمين يوم الجمعة من كل أسبوع ولم تكن هذه الخطبة مقصورة عَلَى الوعظ والدين كما هي الآن بل كانت تتناولهما وتتناول الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فكان اجتماع المسلمين في مساجدهم يوم الجمعة أشبه شيء باجتماع المجالس النيابية الآن إلا أن مجامعهم كان يرأسها الخليفة المسئول أمام الصغير والكبير ولم يكن يكره الخليفة أن يقوم له الرجل من أطراف المسجد فيرد رأيه أو ينافس خطبته بل كان ذلك لهم مصدر سرور وإعجاب.

стр. 4831

وكما أنكم ترون الآن وزارات المم الراقية لا تستطيع أن تنهض بعملها إلا بعد أن تعرض خطتها السياسية عَلَى مجلس النواب كذلك كان الخلفاء الراشدون لا يستطيع أحدهم أن ينهض بأعباء الخلافة حتى يجمع المسلمين ويخطبهم خطبة يبين فيها نموذجاً لسياسته التي سيتبعها في أيام خلافته عَلَى أن حادثاً كبيراً قد حدث للعرب فاثر في أخلاقهم وآداب لغتهم ولاسيما الشعر والخطابة وهذا الحادث هو الفتنة التي ابتدأت بقتل عثمان ولم تنته آثارها إلى الآن. منشأ الفتن الإسلامية منشأ الفتن الإسلامية أيها السادة شيء واحد هو النزاع بين الملكية والجمهورية وقد بدئ هذا النزاع بعد موت النبي ﷺ فكان بنو هاشم يرون الملكية الشورية ويعدون أنهم أحق الناس بوراثة الملك عن النبي ﷺ ولسان هذا الحزب علي والعباس وكان أبو بكر وعمر وعامة الصحابة يرون الجمهورية عَلَى أن تنحصر في قريش لأن القرآن لم يجئ بوراثة الملك ولأن النبي قد قال الأئمة من قريش وقد انتصر هذا الحزب عَلَى جماعة الأنصار الذين كانوا يريدون أن يكون منهم أمير كما انتصر عَلَى بني هاشم أيضاً فبويع لأبي بكر وعمر ومن بعده لم يتخلف عن البيعة بنو هاشم لأنهم كانوا يرجون أن يؤول الأمر إليهم بعد موت هذين الرجلين ولما وضع عمر قاعدة الشورى بويع عثمان وجد بنو هاشم في أنفسهم وبايعوا مكرهين لأن بني أمية وهم رهط عثمان كانوا أكثر قريش عصبية وأشدها قوة وكان يخشى منهم أن ينهضوا فيثبتوا الملك لأنفسهم بالسيف ولذلك لم تمض عَلَى بيعة عثمان أعوام حتى ثارت أطراف الدولة عَلَى الولاة وكثر الطعن في الخليفة والنعي عليه ثم أقبلت وفود العراق ومصر إلى المدينة وقد اضمروا الشر واستشعروه فحصروا دار عثمان ولم يتركوها حتى قتلوه وبايعوا علياً وكان هذا أول عهد الإسلام بالفتنة ولما قتل عثمان وبويع علي خرج عليه طلحة والزبير وعائشة يطالبون بدم عثمان فكانت بينه وبينهم موقعة الجمل ولم تكد تخمد هذه الثورة حتى خرج عليه معاوية وأهل الشام يخلعونه ويطلبون قتلة عثمان ويردون الأمر شورى بين المسلمين فكانت بينه وبينهم مواقع صفين ولما التحم القتال بينهما ولجأوا إلى التحكيم خرج طائفة يقولون أن علياً ومعاوية ومن تبعهما قد كفروا بالله ومرقوا من الدين فحلت لنا أموالهم وأنفسهم

стр. 4832

ونساؤهم وهكذا انقسم المسلمون أقساماً وتحزبوا أحزاباً. تفرقوا شيعاً فكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر قتل علي وتم الأمر لمعاوية ولكنه لم يمت حتى عاد الانقسام إلى المسلمين أشد مما كان ونشات فتن تمزقت لها وحدة الأمة وتفانت من أجلها القوى ولست أريد أن أذكر الفتن وأخبارها ولا أن أشرح غوامضها وأسرارها بل يكفي أن أذكر لكم الأحزاب التي أوجدتها هذه الفتن فأولها حزب الشيعة وهم أنصار بني هاشم وهؤلاء انقسموا قسمين كبيرين فمنهم من دعا إلى بني علي ومنهم من دعا إلى بني العباس - الثاني حزب الأمويين وهؤلاء انقسموا قسمين أيضاً فمنهم من دعا إلى بني ومعاوية ومنهم من دعا إلى بني مروان - الثالث حزب الزبيرية وهم أنصار عبد الله بن الزبير وكل هؤلاء يطلبون الملك ويطمعون فيه. الرابع حزب الخوارج وهؤلاء قد انقسموا اقساماً كثيرة ولكنهم يطلبون الجمهورية - الخامس حزب المرجئة ومه جماعة لم يظهروا الميل إلى حزب من الأحزاب ولم يحكموا عَلَى أحد بكفر ولا بإيمان وغنما تركوا ذلك لله وقد أظهروا الطاعة لكل ملك عادل من أي حزب كان. . . وكل هؤلاء الأحزاب كانت تحتكم إلى السيف والقوة وتدافع عن آرائها بالشعر والخطابة وقد سلكوا بالشعر في تلكم الأيام مسلك الصحف السياسية الآن وأنا أترك لكم تقدير ما ينال الشعر والخطابة في اثر ذلكم الاختلاف من علو المنزلة وسمو المكانة ولكني أقول أن الخطب قد طالت وتنوعت مناحيها وسلك بها الخطباء طرقاً جمة في الجدال وقد رقت ألفاظها واستعارت من القرآن الكريم شيئاص من رشاقة الأسلوب ومتانته ولم تكن تحسب الخطبة إلا إذا رصعت بشيء من آي الذكر الحكيم عَلَى طريقة الاقتباس وقد اختصت الخطابة في هذا العصر بوجوب ابتدائها بحمد الله والصلاة عَلَى نبيه فإذا لم تبدأ بالحمد فهي بتراء وإذا خلت من الصلاة فهي شوهاء وهذه هي المعذرة التي حملتني عَلَى أن أخالف في هذه الخطبة عادة العصر الجديد. الآداب العربية في أيام بني أمية تمالملك لبني أمية آخرة الأمر وقد ورث العرب أرض الفرس والروم وتهيأت لهم أسباب الثروة والغنى فسكنوا القصور الشامخة واتخذوا نضائد الحرير وسطور الديباج وطعموا في آنية الذهب والفضة وصحت فيهم نبوة أبي بكر ﵁ حين قال لعبد الرحمن بن

стр. 4833

عوف والله لتتخذن نضائد الحرير وستور الديباج ولتألمن النوم عَلَى الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم عَلَى حسك السعدان فلم يكن لأنفسهم بد من أن تتأثر بهذه الحضارة ولم يكن لألسنتهم مندوحة عن أن تخضع لهذا التأثر فرقت الألفاظ والمعاني ورشقت الأساليب والتراكيب وقد أعرب القوم عن أهواء أنفسهم وعواطف قلوبهم بالغناء ونشأت فيهم طبقة من الشعراء لم تحسن إلا ذكر النساء والتشبيب بهن وطبقة أخرى لم تجد إلا وصف الخمر والإشادة بمحاسنها وآخرون نبغوا في المدح والهجاء والوصف والرثاء والفخر والوعظ وغيرها من فنون الشعر وقد ظهر ميل القوم إلى العلم فأخذوا يبحثون عنه ويسعون إليه وبدأوا يضعون علوم الدين واستعاروا كثيراً من الألفاظ الأجنبية لكثير من المعاني المحدثة ولكن خطراً كبيراً قددهم اللغة ولم يكن إلى اتقائه من سبيل فلندع العرب الآن في جزيرتهم ولنقف آثار اللغة في مواطنها الجديدة لتعرف هذا الخطر من مصدره ونتبين ما أعدوه له من الدواء. كيف انتشرت اللغة العربية خرجت اللغة العربية من جزيرة العرب مع جيش المسلمين فصادفت لغة الفرس والروم في الشام والعراق فطردتهما ثم انتقلت إلى مصر فصادفت لغة الروم والقبط فطردت الأولى ومحت الثانية ثم أخذت طريقها في شمال أفريقية فلقيت لغات البربر فحصرتهن في رؤوس جبال الأطلس ثم جاوزت إلى الأندلس فالتقت باللاتينية والغوطية فحصرتهما في الكنيسة وبيوت المسيحيين. كل ذلك في مدة لا تتجاوز خمسة وثمانين عاماً فمن أين لها هذه القوة وذلكم البأس الشديد. .؟ هنا يجب أن نسير في البحث عَلَى مهل وأناة لأننا بإزاء شبهة عصرية ترد عَلَى الدين واللغة معاً. قالوا أن دين العرب ولغتهم لم يسودا إلا بالقوة والسيف ولست أريد الآن أن أذود عن الدين فربما أديت هذا الواجب في محاضرة أخرى وغنما أريدأن أدافع عن اللغة التي هي موضوع بحثنا الآن. اعتذر بعض القديسين من ظلم الكنيسة في القرون الوسطى فقال يضطهد الأشرار من

стр. 4834

يكرهون ولكن الكنيسة تضطهد من تحب. أما أنا فأقول أيها السادة أن الإسلام لم يضطهد حبيباً ولا عدواً وإذا كانت حضارة الفرنج ومدنيتهم قد أباحتا لهم أن ينشروا لغتهم وهمجيتهم وعلومهم وآدابهم بالقوة والبأس فإن بداوة العرب وهمجيتهم لم تبيحا لهم شيئاً من ذلك في صدر الإسلام وكذب من يزعم أن في التاريخ العربي الجميل إشارة ما إلى أن اللغة العربية قد التجأت في سؤددها إلى القوة أو اعتمدت عَلَى السيف. وكيف لا يكذب ودواوين الحكومة الإسلامية في الشام والعراق ومصر بقيت أعجمية إلى عصر عبد الملك بن مروان أي إلى الزمن الذي استعربت فيه الناس وأصبح من خطل الرأي وسوءا السياسة معاملتهم بغير اللغة التي يفهمونها. إذاً فما هي الأسباب الحقيقية التي نشأ عنها انتشار اللغة وسؤددها. .؟ إن لبعض الأمم قوة طبيعية تمكنها من القهر والتغلب ومن الفوز والانتصار المادي والأدبي أَنى وجدت وإذا أردت لهذا النوع من المم فلن أجد له مثالاً الآن أصدق من الإنكليز في أمريكا. أولئك الذين يسحقون شخصية الأمم ويمحقون جنسيتها في أميركا ويغلبون عليهما جنسيتهم ولغتهم ودينهم من غير اعتماد عَلَى قوة ولا اعتداد بسلاح وقد كان العرب من هذا النوع فتمكنوا من التغلب الأدبي ولولا أن لغتهم صادفت من أهل الفرس عداءً وحقداً ومن لغتهم قوة وشدة لأتت عليها في وقت قريب. وهناك سبب آخر لانتشار اللغة العربية وهو الدين العربي الذي يأخذ كل مسلم بالصلاة ومعنى ذلكم أنه يأخذ كل مسلم بحفظ شيء من القرآن الكريم وليس عَلَى الدين من ذلك بأس فإن الله لم ينزله إلا ليجعل الناس أمة واحدة كما أنه لم يسد بالقوة ولم ينشر بالإكراه. ولقد نشأ عن اختلاط العرب بالعجم ومصاهرتهم شيء من فساد الألسنة واعوجاجها وظهر اللحن في اللغة من لمولدين والمستعربين وهذا هو الخطر الذي أشرنا إليه آنفاً ولما أحسه العرب في القرن الأول للهجرة نهضوا لإصلاح رسم المصحف ووضع النحو والصرف وجمع اللغة وتدوينها ولكن انقضت الدولة الأموية ولما يحصلوا من ذلك عَلَى شيءٍ كثير. الآداب العربية في أيام بني العباس

стр. 4835

نهضت دولة بني العباس والعرب قد سئموا الغزو وزهدوا فيه لطول ما قاتلوا في الفت والفتوح فمالوا إلى الخفض والدعة واطمأنوا إلى الترف والتعليم. وقد نضج العقل العربي فنزع إلى البحث والتفكير ورغب في النظر في أنواع الموجود فانقسمت الأمة إلى قسمين كبيرين قسم ينل الحضارة ويهذبها وقسم يترجم العلم ويزيد فيه والخلفاء يشاركونهم في كل ذلكم ويشجعونهم عليه فلم يأت عصر المأمون ﵀ حتى بلغت العرب من العلم والحضارة ما لم تبلغه الأمم ولم تصل إليه الشعوب. الخطابة ولعلكم لم تنسوا تلك الأحزاب السياسية التي أوجدتها الفتن الإسلامية واشرنا إليها آنفاً فقد أضعفت قوة العباسيين أمرها بالمشرق وفلت عزمها فاستحالت إلى احزاب دينية خالصة وقد تركت السيف والسنان ولجأت إلى القلم واللسان واعتمدت عَلَى الجدل والمناظرة معتدة بالعدل والحكمة معتزة بالفلسفة والمنطق فكان للخطابة من ذلكم جمال وروعة لم يكونا لها من قبل ولاسيما بعد أن عرفوا أصول الخطابة عند اليونان بما ترجموه من كتب أرسطوطاليس. . وقد أصبحت الخطابة في أيام بني العباس صناعة تعلم وقد انفرد لدرسها جماعة أشهرهم إبراهيم بن مخزنة السكوني وبشر بن المعشمر وقد وضعوا لها أدباً وشرائط خاصة دون بقية انواع القول واشتد حرصهم عَلَى مراعاة الآداب والشرائط ولكن ذلك كله قد تهيأت له الأسباب في أواخر أيام بني أمية كما هي القاعدة الفطرية فإن تغير الأحوال الأدبية وغيرها لا يحدث بقيام دولة وسقوط أخرى وإنما هو نتيجة تغير خفي في أفكار الأمة وعقائدها ومكوناتها. وهذا التغير الخفي هو المؤثر الحقيقي في جميع ما يحدث للأمة من الاستحالات الأدبية والسياسية الخلقية. وقد انحصرت الخطابة لذلك العهد في تلكم الأحزاب السياسية التي استحالت إلى دينية وسميت بالمتكلمين ولاسيما بعد أن استهان الخلفاء بصلاة الجماعة والخطابة وقد بدأت هذه الخصلة في أيام بني أمية وأول من أحدث ذلك فيما أعلم هو الوليد بن عبد الملك الذي أهمل أول أدب من آداب الخطابة فخطب جالساً عَلَى المنبر ولم يكن للناس بذلكم عهداً وكثيراً ما لها الخلفاء بجواريهم عن صلاة الجمعة وأنابوا عليها القواد ورجال الحاشية وقد
следующие страницы →