← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وكما أنكم ترون الآن وزارات المم الراقية لا تستطيع أن تنهض بعملها إلا بعد أن تعرض خطتها السياسية عَلَى مجلس النواب كذلك كان الخلفاء الراشدون لا يستطيع أحدهم أن ينهض بأعباء الخلافة حتى يجمع المسلمين ويخطبهم خطبة يبين فيها نموذجاً لسياسته التي سيتبعها في أيام خلافته عَلَى أن حادثاً كبيراً قد حدث للعرب فاثر في أخلاقهم وآداب لغتهم ولاسيما الشعر والخطابة وهذا الحادث هو الفتنة التي ابتدأت بقتل عثمان ولم تنته آثارها إلى الآن. منشأ الفتن الإسلامية منشأ الفتن الإسلامية أيها السادة شيء واحد هو النزاع بين الملكية والجمهورية وقد بدئ هذا النزاع بعد موت النبي ﷺ فكان بنو هاشم يرون الملكية الشورية ويعدون أنهم أحق الناس بوراثة الملك عن النبي ﷺ ولسان هذا الحزب علي والعباس وكان أبو بكر وعمر وعامة الصحابة يرون الجمهورية عَلَى أن تنحصر في قريش لأن القرآن لم يجئ بوراثة الملك ولأن النبي قد قال الأئمة من قريش وقد انتصر هذا الحزب عَلَى جماعة الأنصار الذين كانوا يريدون أن يكون منهم أمير كما انتصر عَلَى بني هاشم أيضاً فبويع لأبي بكر وعمر ومن بعده لم يتخلف عن البيعة بنو هاشم لأنهم كانوا يرجون أن يؤول الأمر إليهم بعد موت هذين الرجلين ولما وضع عمر قاعدة الشورى بويع عثمان وجد بنو هاشم في أنفسهم وبايعوا مكرهين لأن بني أمية وهم رهط عثمان كانوا أكثر قريش عصبية وأشدها قوة وكان يخشى منهم أن ينهضوا فيثبتوا الملك لأنفسهم بالسيف ولذلك لم تمض عَلَى بيعة عثمان أعوام حتى ثارت أطراف الدولة عَلَى الولاة وكثر الطعن في الخليفة والنعي عليه ثم أقبلت وفود العراق ومصر إلى المدينة وقد اضمروا الشر واستشعروه فحصروا دار عثمان ولم يتركوها حتى قتلوه وبايعوا علياً وكان هذا أول عهد الإسلام بالفتنة ولما قتل عثمان وبويع علي خرج عليه طلحة والزبير وعائشة يطالبون بدم عثمان فكانت بينه وبينهم موقعة الجمل ولم تكد تخمد هذه الثورة حتى خرج عليه معاوية وأهل الشام يخلعونه ويطلبون قتلة عثمان ويردون الأمر شورى بين المسلمين فكانت بينه وبينهم مواقع صفين ولما التحم القتال بينهما ولجأوا إلى التحكيم خرج طائفة يقولون أن علياً ومعاوية ومن تبعهما قد كفروا بالله ومرقوا من الدين فحلت لنا أموالهم وأنفسهم

стр. 4832

ونساؤهم وهكذا انقسم المسلمون أقساماً وتحزبوا أحزاباً. تفرقوا شيعاً فكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر قتل علي وتم الأمر لمعاوية ولكنه لم يمت حتى عاد الانقسام إلى المسلمين أشد مما كان ونشات فتن تمزقت لها وحدة الأمة وتفانت من أجلها القوى ولست أريد أن أذكر الفتن وأخبارها ولا أن أشرح غوامضها وأسرارها بل يكفي أن أذكر لكم الأحزاب التي أوجدتها هذه الفتن فأولها حزب الشيعة وهم أنصار بني هاشم وهؤلاء انقسموا قسمين كبيرين فمنهم من دعا إلى بني علي ومنهم من دعا إلى بني العباس - الثاني حزب الأمويين وهؤلاء انقسموا قسمين أيضاً فمنهم من دعا إلى بني ومعاوية ومنهم من دعا إلى بني مروان - الثالث حزب الزبيرية وهم أنصار عبد الله بن الزبير وكل هؤلاء يطلبون الملك ويطمعون فيه. الرابع حزب الخوارج وهؤلاء قد انقسموا اقساماً كثيرة ولكنهم يطلبون الجمهورية - الخامس حزب المرجئة ومه جماعة لم يظهروا الميل إلى حزب من الأحزاب ولم يحكموا عَلَى أحد بكفر ولا بإيمان وغنما تركوا ذلك لله وقد أظهروا الطاعة لكل ملك عادل من أي حزب كان. . . وكل هؤلاء الأحزاب كانت تحتكم إلى السيف والقوة وتدافع عن آرائها بالشعر والخطابة وقد سلكوا بالشعر في تلكم الأيام مسلك الصحف السياسية الآن وأنا أترك لكم تقدير ما ينال الشعر والخطابة في اثر ذلكم الاختلاف من علو المنزلة وسمو المكانة ولكني أقول أن الخطب قد طالت وتنوعت مناحيها وسلك بها الخطباء طرقاً جمة في الجدال وقد رقت ألفاظها واستعارت من القرآن الكريم شيئاص من رشاقة الأسلوب ومتانته ولم تكن تحسب الخطبة إلا إذا رصعت بشيء من آي الذكر الحكيم عَلَى طريقة الاقتباس وقد اختصت الخطابة في هذا العصر بوجوب ابتدائها بحمد الله والصلاة عَلَى نبيه فإذا لم تبدأ بالحمد فهي بتراء وإذا خلت من الصلاة فهي شوهاء وهذه هي المعذرة التي حملتني عَلَى أن أخالف في هذه الخطبة عادة العصر الجديد. الآداب العربية في أيام بني أمية تمالملك لبني أمية آخرة الأمر وقد ورث العرب أرض الفرس والروم وتهيأت لهم أسباب الثروة والغنى فسكنوا القصور الشامخة واتخذوا نضائد الحرير وسطور الديباج وطعموا في آنية الذهب والفضة وصحت فيهم نبوة أبي بكر ﵁ حين قال لعبد الرحمن بن

стр. 4833

عوف والله لتتخذن نضائد الحرير وستور الديباج ولتألمن النوم عَلَى الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم عَلَى حسك السعدان فلم يكن لأنفسهم بد من أن تتأثر بهذه الحضارة ولم يكن لألسنتهم مندوحة عن أن تخضع لهذا التأثر فرقت الألفاظ والمعاني ورشقت الأساليب والتراكيب وقد أعرب القوم عن أهواء أنفسهم وعواطف قلوبهم بالغناء ونشأت فيهم طبقة من الشعراء لم تحسن إلا ذكر النساء والتشبيب بهن وطبقة أخرى لم تجد إلا وصف الخمر والإشادة بمحاسنها وآخرون نبغوا في المدح والهجاء والوصف والرثاء والفخر والوعظ وغيرها من فنون الشعر وقد ظهر ميل القوم إلى العلم فأخذوا يبحثون عنه ويسعون إليه وبدأوا يضعون علوم الدين واستعاروا كثيراً من الألفاظ الأجنبية لكثير من المعاني المحدثة ولكن خطراً كبيراً قددهم اللغة ولم يكن إلى اتقائه من سبيل فلندع العرب الآن في جزيرتهم ولنقف آثار اللغة في مواطنها الجديدة لتعرف هذا الخطر من مصدره ونتبين ما أعدوه له من الدواء. كيف انتشرت اللغة العربية خرجت اللغة العربية من جزيرة العرب مع جيش المسلمين فصادفت لغة الفرس والروم في الشام والعراق فطردتهما ثم انتقلت إلى مصر فصادفت لغة الروم والقبط فطردت الأولى ومحت الثانية ثم أخذت طريقها في شمال أفريقية فلقيت لغات البربر فحصرتهن في رؤوس جبال الأطلس ثم جاوزت إلى الأندلس فالتقت باللاتينية والغوطية فحصرتهما في الكنيسة وبيوت المسيحيين. كل ذلك في مدة لا تتجاوز خمسة وثمانين عاماً فمن أين لها هذه القوة وذلكم البأس الشديد. .؟ هنا يجب أن نسير في البحث عَلَى مهل وأناة لأننا بإزاء شبهة عصرية ترد عَلَى الدين واللغة معاً. قالوا أن دين العرب ولغتهم لم يسودا إلا بالقوة والسيف ولست أريد الآن أن أذود عن الدين فربما أديت هذا الواجب في محاضرة أخرى وغنما أريدأن أدافع عن اللغة التي هي موضوع بحثنا الآن. اعتذر بعض القديسين من ظلم الكنيسة في القرون الوسطى فقال يضطهد الأشرار من

стр. 4834

يكرهون ولكن الكنيسة تضطهد من تحب. أما أنا فأقول أيها السادة أن الإسلام لم يضطهد حبيباً ولا عدواً وإذا كانت حضارة الفرنج ومدنيتهم قد أباحتا لهم أن ينشروا لغتهم وهمجيتهم وعلومهم وآدابهم بالقوة والبأس فإن بداوة العرب وهمجيتهم لم تبيحا لهم شيئاً من ذلك في صدر الإسلام وكذب من يزعم أن في التاريخ العربي الجميل إشارة ما إلى أن اللغة العربية قد التجأت في سؤددها إلى القوة أو اعتمدت عَلَى السيف. وكيف لا يكذب ودواوين الحكومة الإسلامية في الشام والعراق ومصر بقيت أعجمية إلى عصر عبد الملك بن مروان أي إلى الزمن الذي استعربت فيه الناس وأصبح من خطل الرأي وسوءا السياسة معاملتهم بغير اللغة التي يفهمونها. إذاً فما هي الأسباب الحقيقية التي نشأ عنها انتشار اللغة وسؤددها. .؟ إن لبعض الأمم قوة طبيعية تمكنها من القهر والتغلب ومن الفوز والانتصار المادي والأدبي أَنى وجدت وإذا أردت لهذا النوع من المم فلن أجد له مثالاً الآن أصدق من الإنكليز في أمريكا. أولئك الذين يسحقون شخصية الأمم ويمحقون جنسيتها في أميركا ويغلبون عليهما جنسيتهم ولغتهم ودينهم من غير اعتماد عَلَى قوة ولا اعتداد بسلاح وقد كان العرب من هذا النوع فتمكنوا من التغلب الأدبي ولولا أن لغتهم صادفت من أهل الفرس عداءً وحقداً ومن لغتهم قوة وشدة لأتت عليها في وقت قريب. وهناك سبب آخر لانتشار اللغة العربية وهو الدين العربي الذي يأخذ كل مسلم بالصلاة ومعنى ذلكم أنه يأخذ كل مسلم بحفظ شيء من القرآن الكريم وليس عَلَى الدين من ذلك بأس فإن الله لم ينزله إلا ليجعل الناس أمة واحدة كما أنه لم يسد بالقوة ولم ينشر بالإكراه. ولقد نشأ عن اختلاط العرب بالعجم ومصاهرتهم شيء من فساد الألسنة واعوجاجها وظهر اللحن في اللغة من لمولدين والمستعربين وهذا هو الخطر الذي أشرنا إليه آنفاً ولما أحسه العرب في القرن الأول للهجرة نهضوا لإصلاح رسم المصحف ووضع النحو والصرف وجمع اللغة وتدوينها ولكن انقضت الدولة الأموية ولما يحصلوا من ذلك عَلَى شيءٍ كثير. الآداب العربية في أيام بني العباس

стр. 4835

نهضت دولة بني العباس والعرب قد سئموا الغزو وزهدوا فيه لطول ما قاتلوا في الفت والفتوح فمالوا إلى الخفض والدعة واطمأنوا إلى الترف والتعليم. وقد نضج العقل العربي فنزع إلى البحث والتفكير ورغب في النظر في أنواع الموجود فانقسمت الأمة إلى قسمين كبيرين قسم ينل الحضارة ويهذبها وقسم يترجم العلم ويزيد فيه والخلفاء يشاركونهم في كل ذلكم ويشجعونهم عليه فلم يأت عصر المأمون ﵀ حتى بلغت العرب من العلم والحضارة ما لم تبلغه الأمم ولم تصل إليه الشعوب. الخطابة ولعلكم لم تنسوا تلك الأحزاب السياسية التي أوجدتها الفتن الإسلامية واشرنا إليها آنفاً فقد أضعفت قوة العباسيين أمرها بالمشرق وفلت عزمها فاستحالت إلى احزاب دينية خالصة وقد تركت السيف والسنان ولجأت إلى القلم واللسان واعتمدت عَلَى الجدل والمناظرة معتدة بالعدل والحكمة معتزة بالفلسفة والمنطق فكان للخطابة من ذلكم جمال وروعة لم يكونا لها من قبل ولاسيما بعد أن عرفوا أصول الخطابة عند اليونان بما ترجموه من كتب أرسطوطاليس. . وقد أصبحت الخطابة في أيام بني العباس صناعة تعلم وقد انفرد لدرسها جماعة أشهرهم إبراهيم بن مخزنة السكوني وبشر بن المعشمر وقد وضعوا لها أدباً وشرائط خاصة دون بقية انواع القول واشتد حرصهم عَلَى مراعاة الآداب والشرائط ولكن ذلك كله قد تهيأت له الأسباب في أواخر أيام بني أمية كما هي القاعدة الفطرية فإن تغير الأحوال الأدبية وغيرها لا يحدث بقيام دولة وسقوط أخرى وإنما هو نتيجة تغير خفي في أفكار الأمة وعقائدها ومكوناتها. وهذا التغير الخفي هو المؤثر الحقيقي في جميع ما يحدث للأمة من الاستحالات الأدبية والسياسية الخلقية. وقد انحصرت الخطابة لذلك العهد في تلكم الأحزاب السياسية التي استحالت إلى دينية وسميت بالمتكلمين ولاسيما بعد أن استهان الخلفاء بصلاة الجماعة والخطابة وقد بدأت هذه الخصلة في أيام بني أمية وأول من أحدث ذلك فيما أعلم هو الوليد بن عبد الملك الذي أهمل أول أدب من آداب الخطابة فخطب جالساً عَلَى المنبر ولم يكن للناس بذلكم عهداً وكثيراً ما لها الخلفاء بجواريهم عن صلاة الجمعة وأنابوا عليها القواد ورجال الحاشية وقد

стр. 4836

تحدث صاحب الأغاني أن الوليد بن يزيد اصطبح يوم الجمعة فلما نودي للصلاة كره أن يفارق الكأس فبعث إلى الناس في المسجد الجامع بجارية تؤمهم في الصلاة. ومما أبدع الوليد في الخطابة أنه شرب في يوم الجمعة فلما أردا الصلاة قال لندمائه والله لأخطبن الناس شعراً ثم صعد إلى المنبر فقال الحمد لله ولي الحمد ... نحمده في يسرنا والجهد ثم استمر في أرجوزته حتى أتمها. لذلكم فقدت الخطابة منزلتاه السياسية وعظم شأنها الديني عند المتكلمين فتنبغ فيها واصل بن عطاء وغيره وقد أدخل المتكلمون في الخطابة كلمات خصها العلماء بهم وحظروها عَلَى غيرهم فقالوا أليس وليس يريدون الإثبات والنفي وقالوا لاشى المادة يريدون جعلها لا شيء وقالوا ماهية الحيوان يريدون حقيقته وقالوا كيفية الجسم يريدون شكله وصورته إلى غير ذلكم مما يخطئ في كتابنا حفظهم الله يستعملونه بغير حق وما هم في استعماله إلا ظالمون وقد تحدث الجاحظ ﵀ أن بعض المتكلمين سمع في مجلس بعض الخلفاء رجلاً يتكلم ويقول أليس وليس فكاد يطير فرحاً ويتقد غيظاً فأما الفرح فلأنه سمع كلمته الاصطلاحية وأما الغيظ لأنه سمعها من غير متكلم أي من غاصب لها معتد عليها ولم يأت عصر المعتصم بن الرشيد حتى اعتمد العلماء عَلَى الكتابة وأخذ ظل الخطابة في الزوال وربما كان آخر الخلفاء الذين خطبوا الناس من بني العباس هو المتوكل بن المعتصم. نستفيد ذلك من قول البحتري في تهنئته بالعيد. . ووقفت في برد النبي مذكراً ... بالله تنذر مرة وتبشر الشعر أما الشعر فقد رقي في أيام بني العباس حتى كاد يفنى حسناً ولطفاً وقد تصرف في أنواع من القول وتعددت مذاهبه ومناحيه باتساع الحضارة واستفحال العمران وكبر العقول والمدارك وأظنكم تفهمون مقدار الفرق الكبير بين الشعر العباسي وغره من أنواع الشعر العربي إذا سمعتم قول بشار في الشورى إذا بلغ الرأي المشهورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم

стр. 4837

أو قوله في المدح إذا أيقظتك خطوب الزما ... ن فنبه لها عمراً ثم تم أو قول أبي نواس في الغزل دمعة كاللؤلؤ الرط ... ب عَلَى الخد الثيل ذرفت في ساعة الب ... ين من الطرف الكحيل إنما يفتضح العشا ... ق في وقت الرحيل أو قول البحتري في الاستعطاف سيدي أَنت ما تعمدت ذنباً ... فأجازى به ولا خنت عهداً أتراني مستبدلاً بك ما عث ... ت بديلاً أو واجداً منك ندا حاش لله أنت لتن ألفا ... ظاً وأحلى شكلاً وأصلح قدا أو قوله في وصف عواطف الحب والبغض إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها شواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحام ملوم قطوعها عَلَى أن القرن الثالث للهجرة لم يكد ينصرم حتى ذهب معه جمال الشعر العربي وأخذ الشعر يبدو في منظر سمج ومعرض رث. الكتابة بقيت صناعة من صناعات الآداب العربي لم نتكلم عنها في الجاهلية ولا في جميع الأعصر العربية إلى الآن وهي الكتابة وأظنكم تعلمون أن الجاهليين لم يكونوا عَلَى شيء منها لمكانهم من الأمية فأما في صدر الإسلام وأيام بني أمية فقد كانت الكتابة موجزة مجزاة إلى أن جاء عبد الحميد كاتب مروان بن محمد آخر الخلفاء من بني أمية فأطال فيها وترسل قفى أثره كتاب العباسيين ولكنهم بالغوا في الأطناب وأغرقوا في الترسل وظهرت في رسائلهم صبغة الفلسفة التي اصطبغت بها عقولهم وقد أخذوا عن اللغات الأخرى كثيراً من الأساليب الجديدة ونبغ فيهم أمثال ابن المقفع والجاحظ وابن وهب ولم يأت القرن الرابع للهجرة حتى أخذت الكتابة العربية في الانحطاط وأخذ التكلف والمحاولة مكان الترسل والسهولة الفطرية.

стр. 4838

العلوم في أيام بني العباس اشرنا في أيم بني أمية إلى ما أصاب اللغة من اللحن والتحريف وقلنا أن العرب أشفقوا عَلَى اللغة أن تفسد وعَلَى الكتاب أن تعبث به الألسنة فنهضوا لوضع النحو والصرف وجميع اللغة وتدوينها ولكن ذلك لم يتم الا في أيام بني العباس إذ نهض ائمة البصرة والكوفة فأخذوا اللغة عن قبائل العرب الخلص الذين وثقوا منهم بعد مخالطة الهند والفرس والروم والحبش والقبط ثم دونوها في الكتب فاستنبطوا منها قواعد الألفاظ من نحو وصرف واشتقاق ووضع الخليل بن أحمد علم العروض والقافية وأصلح الخط ووضع شكله المعروف إلى الآن مقتطفاً الفتحة من اللف والكسرة من الياء والضمة من الواو كما يظهر ذلكم في مقابلة هذه الحركات إلى تلكم الحروف وقد توسع سيبويه في النحو والصرف فألف كتابه المعروف الشائع إلى الآن وألف الخليل بن أحمد أول معجم لغوي وهو كتاب العين وأخذ العلماء يصنفون الكتب الأدبية يجمعون فيها أطرافاً من جيد الشعر وبارع النثر ليستظهرها الطلاب فيستعينوا بها عَلَى تقوية الملكة العربية وتقويم الألسنة وتفرغ قوم لرواية الحديث وآخرون لرواية المغازي والتاريخ وأيام العرب وغيرهم من الأمم وانفردت طائفة لاستنباط الحكام وتشريع القوانين وتدوينها وآخرون لرواية القرآن وعام القراآت واختصت جماعة بنقل الكتب الفلسفية في العلوم المتنوعة عن المم المختلفة وشرحها والزيادة عليها وعَلَى الجملة لم تجد اللغة العربية عصراً كهذا العصر أصبحت فيه لغة العقل واللسان والوجدان والدين ولكن ما ينفعها ذلكم وقد أصابتها الخطر الداهم الذي لا دافع له ولا مندوحة عنه فقد أصبح فساد الألسنة عاماً وأصبحت اللغة الفصحى في الحواضر مقصورة عَلَى العلماء والخاصة وأما عامة الناس فأخذوا يتكلمون بلغة سيئة اللهجة فاسدة التركيب سوقية الأسلوب وظهر إن ذلكم الدواء الذي التجأ إليه العرب لم ينفع إلا في حفظ اللغة والكتاب من الفساد فأما تقويم اللسنة وتهذيب المنطق فلم يكن قادراً عليهما قد أخذ العامة يخترعون لهم فنوناً خاصة من الشعر لا يزال كثير منها باقياً إلى الآن وهو الذي يدور عَلَى السنة العامة والمغنين ولم يأت القرن الرابع حتى بدأ عصر الانحطاط. سقوط اللغة العربية ففي ذلكم القرن بدت بوادر العلة عَلَى اللغة فذهبت نضرتها وتصوت زهرتها ومال الكتاب

стр. 4839

إلى السجع البارد والازدواج الفاتر والتكلف الممقوت وأخذ العلماء يستنبطون علوم الأساليب كالبيان والمعاني فلهوا بالقديم من جيد الكلام عن أحداث الجديد من أمثاله وقد اخذ الشعراء يتعلقون بأهداب البديع ويتشبشون بمحسنات اللفظ ويغلون في المجاز والاستعارة حتى صار لشعرهم معرض رث ومنظر سمج ولعل لآخر من أجاد من الشعراء في هذا القرن عَلَى الطريقة الفنية الصحيحة المبرأة من العيب والنقد هو الشريف الرضي ﵀ فأما المتنبي وأبو العلاء فقد عنيا بالمعاني أكثر مما عنيا بالألفاظ عَلَى أنهما كانا يحاولان الإجادة اللفظية فيقعان في التكلف الممقوت ليظهرا أنهما قادران عَلَى اللغة ومحيطان بها وحسبكم من ذلكم لزوميات أبي العلاء وما فيها من اصطناع الحواشي واتخاذ الطرق الوعرة. فأما المتنبي فلا أَستطيع أن أحصي سرقاته واستعاراته الباردة وتكلفه الممقوت وشغفه بالمحسنات اللفظية ولقد أحفظ من شعره ما لو أنشدتكم إياه الآن لظننتموه لغة فارسية أو هندية عَلَى أن كل ذلكم لا يغض من قدر الرجلين في الحكمة والفلسفة أما الخطابة فلم يبق لها أثر في ذلكم العصر وأما الكتابة فقد كثر فيها السجع والتكلف وكما قلنا وقد الفت كتب كلها عَلَى طريقة السجع وقد استعجمت الألفاظ ونشا في هذا العصر نوع من الكتابة ليس له نتيجة إلا الدلالة عَلَى المقدرة اللغوية كمقامات الحريري التي لا أريد أن أُصفها إلا بان كلام الجاهلين اقرب منها فهماً وأسوغ منها مذاقاً وأحسن في الإسماع وأدنى في الانطباع ولم يأت القرن السادس حتى لزمت اللغة العربية كلها وأخذت في الاحتضار وهنا يصعب علي أيها السادة أن أرافق اللغة وهي تحتضر فلأدعها الآن ولبحث عن أسباب نموها وسقوطها. أسباب نمو اللغة العربية في اللغة العربية مزايا ثلاث هن أسباب نموها وارتقائها وهن الاشتقاق والمجاز والتعريب. فأما الاشتقاق فهو تغيير مادة الكلمة تغييراً قريباً أو بعيداً أو أبعد إلى صور مختلفة للدلالة عَلَى معان متنوعة فكلمة الرفع مثلاً تدل عَلَى العلو فإذا غيرت إلى الفرع دلت عَلَى الغصن وإذا غيرت إلى العرف دلت عَلَى الطيب وإذا غيرت إلى العفر دلت عَلَى التراب ثم لنا أن نأخذ منها رفع بالتحريك للدلالة عَلَى الماضي وكذلكم يرفع ورافع ومرفوع الخ.

стр. 4840

وأما المجاز فهو إطلاق الكلمة عَلَى غير معناها لعلاقة بين الجديد والقديم مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأول فنستطيع أن نطلق الغيث عَلَى النبات لأنه سببه وأن نطلق النبات عَلَى الغيث لأنه مسبب عنه وأن نطلق العين عَلَى الرجل لأنها جزء منه وأن نطلق الأسد والبدر عَلَى الشجاع والجميل لن بينهما مشابهة ومشاكلة وأما التعريب فهو نقل كلمة أجنبية إلى اللغة العربية واصطلاحها حتى تصير عَلَى الوزان المقبسة المعروفة وهذا النوع كثير في كلام الجاهليين وفي القرآن الكريم وكثرته في عصر الأمويين والعباسيين مدهشة. . . فهذه المزايا الثلاث التي توجد في اللغة العربية أكثر مما توجد في اللغات الأخرى وقد جعلت اللغة مستعدة للنماء والارتقاء قابلة لكل جديد مرحبة بكل طريف لا تضيق بها مهما كان أمره ولذلك استطاعت أن تسع حضارة الفرس والروم وأن تحيط بأنواع العلوم عَلَى اختلافها من غير أن تشكو فقراً وتظهر احتياجاً. وفي اللغة العربية عيبان عارضان وهما كثرة الترادف والإغراق في الاشتراك أما الترادف فهو دلالة الألفاظ الكثيرة عَلَى معنى واحد وأما الاشتراك فهو دلالة اللفظ الواحد عَلَى معان كثيرة. الترادف والاشتراك طبيعيان في كل لغة ومصدرهما اختلاف الأذواق وتباين المشارب في الواصفين وهما من أقوى الأدلة عَلَى أن اللغة من وضع الإنسان فهما ليسا من عيوب اللغة وإنما كثرتهما هي العيب وقد وجدت هذه الكثرة في اللغة العربية وبلغت حداً فاحشاً حتى أن بعض المعاني ليدل عليه المئات الكثيرة كما أن بعض الألفاظ بما دل عَلَى عشرات المعاني. ومع السرور أيها السادة أقول أن هذا العيب ليس طبيعياً في اللغة العربية وإنما هو عارض محدث وأول عهد الناس به بني أمية وبني العباس فقد علمنا أن العرب كانوا ذي لهجات متباينة ولغات متباعدة في الجاهلية ثم غلبت لغة قريش عَلَى اللغات بواسطة السواق وظهور الإسلام فلما نهض الأئمة لجمع اللغة وتدوينها اخذوا لغات القبائل الصريحة عَلَى علاتها وخلطوها من غير تفريق ولا تمييز فنشأ من ذلك كثيرة المعاني للفظ الواحد وكثرة الألفاظ للمعنى الواحد وهذان هما الترادف والاشتراك. هذه هي أسباب نمو اللغة العربية وثروتها وأنتم ترون بأنها كافية بان تجعل اللغة العربية

стр. 4841

من أقوى اللغات وأقدرها عَلَى الحياة كما أنها قد جعلت في اللغة كثيراً مما لا حاجة إليه. أسباب سقوط اللغة أما سقوط اللغة فلم يكن عن ضعف فيها أو فتور في طبيعتها وغنما هو نتيجة سبب لا أعرف غيره وهو تغلب العجم عَلَى العرب وتعمدها إشهار الحرب عَلَى اللغة والدين والجنسية العربية حتى أتوا عليها جميعاً فأنتم تعلمون أن طبيعة الإنسان وتوجب عَلَى الأمة الغالبة أن تبذل قوتها في أن تجمع السيادة للغتها ودينها وآدابها ومن حسن حظ الإسلام أن الأمم التي تغلبت عَلَى العرب لمتلبث أن دانت به واتخذته ديناً ولولا ذلك لحاربته وناوأته كما حصل ذلكم في بلاد الأندلس أيام تغلب الفرنج عَلَى المسلمين فقد استحالت المساجد فيها إلى كنائس ولم يبق للإسلام بها أثر قليل ولا كثير ومن حسن حظ اللغة العربية أن الإسلام لا يستطيع أن يستغني عنها لأن القرآن عربي والسنة عربية والفقه القديم عربي ولولا ذلكم للحقت اللغة العربية بأخواتها القديمة الدارسة أو لأصبحت لغة صناعية كاللاتينية واليونانية القديمتين. نهضة اللغة العربية في العصر الجديد اقبل هذا العصر الجديد وقد أتت لغة الترك عَلَى اللغة العربية في الشام والعراق وبلاد العرب وطردتها فارس من بلاد الفرس فظلت لغة الدين في بلاد الدولة العلية وبها حديث العامة مع تحريف قبيح بلهجات سيئة يمقتها المصري وإن كانت لغته وقد أصابها من التحريف شيء كثير أنا الفرس فينطقون بها القرآن الكريم عَلَى غير ما نطق به النبي ﷺ يفخمون حروفاً ويرققون أخرى وربما لم يتيسر لهم الإعراب في التلاوة وقد ناهضت لغات الإفرنج والبربر عربية المغرب في شمال أفريقية فشوهت محاسنها وجعلتها بحيث لا تكاد تفهم. نعم إنها لا تزال لغة المساجد والدين ولسان العامة ولكن الفرنج قد أتوها من ناحية لا تأمن معها الفناء فأخذوا يعلمون لغتهم للأحداث ويهملون تعليمهم اللغة العربية حتى ينشأ أحدهم وهو لا يعرف من لغته إلا الرطانة السوقية التي يصطنعها العامة في أحاديثهم وهي خليط من العربية والبربرية والفرنسية والإسبانيولية فقد ظهرت نتيجة هذه الحرب الضروس فكره شبان الجزائر لغتهم وزهدوا فيها حتى أن كتب الدين الإسلامي ربما ألفت لهم

стр. 4842

بالفرنسية. أما في مصر فلم يكن نصيب اللغة من الفساد قليلاً بل كان كثيراً غالباً في الكثرة وحسبكم أن من العسير جداً أن تجدوا كاتباً مصرياً يجيد الإعراب في هذه العصور الأخيرة التي تنتهي قبل الآن بأقل من نصف قرن غير أن الأحوال قد تغيرت في مصر والسام تغيراً غير قليل في هذه الأيام فنهض من القطرين رجال حاولوا إتقان اللغة والنبوغ في فنونها فأدركوا من ذلكم نصيباً موفوراً ثم عكفوا عَلَى إحياء اللغة بنفس الطريقة التي اصطنعت أيام بني العباس وهي طريقة النقل والترجمة وليس من السهل ولا من المفيد أن نبحث عن أي القطرين كان أسبق إلى ذلكم وأحرص عليه ولكن يكفي أن نشير إلى أسباب النهضة ومقدماتها وذلكم غير عسير. للنهضة اللغوية في نمصر زعيمان لكن منهما ركن يأوي إليه ويعتز به أما أولهما فالمرحوم رفاعة باشا نهض لإحياء اللغة بفضل الأمير الجليل رأس الأسرة المالكة في مصر فقد أتقن العلم باللغة ونبغ في كثير من الفنون واخذ يترجم ويأمر أقرانه وتلاميذه بالترجمة ويصلح كثيراً من راجمه حتى وجد في اللغة العربية كثير من الكتب المختلفة في أنواع العلوم وكل ذلك يرجع الفضل فيه إلى الوفود العلمية التي كان يبعثها ذلكم الأمير الجليل إلى بلاد الفرنج لتدريس العلم وتعود إلى مصر فتنقله إليها بلسان عربي مبين. نعم عن ذلكم لن يتيسر كل التيسر فإن كثيراً من تلكم الكتب يشينها سوء السبارة وغموضها وسوقية اللفظ وسقوطه ولكن صدق المثل القائل ماش خير من لاش عَلَى أن هذه النهضة لم تكن إلا مقدمة فمن الخطأ أن نتمنى لو كانت راقية كل الرقي أو بالغة الكمال. أما الثاني فهو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ﵁ ومعينه هو الوزير الخطير المرحوم مصطفى رياض باشا فقد نشا الأستاذ ﵀ محباً للعلم عاكفاً عليه وكان كما تعلمون ذكي القلب ثاقب البصيرة ماضي العزم شديد الصريمة فلم يلبث أن نبغ في كثير من الفنون وبلغ ما لم يبلغه مصري قبله ولا بعده وعلي لا أغلي إذا قلت في جميع أيام التاريخ حتى الآن. وقد أتقن ﵀ اللغة الفرنسية وعرف ما تشتمل عليه من العلوم فاخذ يحث مريديه عَلَى ترجمة الكتب النافعة ويشجعهم ويعمل هو لذلك بقد رما يستطيع وأخذ يجد أيضاً في

стр. 4843

إحياء كثير من الكتب العربية القديمة وحسبكم أن كتاب المخصص في اللغة الذي ألفه ابن سيدة الأندلسي إلا أثراً من آثاره مساعديه من رجال الإصلاح المخلصين وقد مات ﵀ وله عَلَى اللغة فضل كثير وقد أصلح من لسان الحكومة غير قليل فحل منه عقدة كان معها أعجم لا يبين. أما الآن فقد أصبحت نهضة اللغة في مصر فوضى ليس لها من زعيم ولذلكم كثر التخليط في الألفاظ والأساليب فالشعراء والكتاب يسترسلون في التعبير عن ضمائرهم غير جارين عَلَى قاعدة ولا معتمدين عَلَى قياس في كثير من الأحيان. الأزهر أجمع المؤلفون في تاريخ الآداب العربية من أبناء هذا العصر عَلَى أن الأزهر الشريف كان هو المعقل المنيع والحصن الحصين الذي احتمت فيه اللغة العربية من إغارة اللغات الأخرى عليها. واسمحوا لي أيها السادة بان هذا خطأ ليس له من الحق نصيب ولست أريد أن أستدل عَلَى ذلكم بل يكفي أن ترجعوا إلى كتاب المحاماة الذي ألفه الأستاذ الجليل فتحي زغلول باشا فإنكم ستجدون فيه من كلام العلماء وفيهم الأدباء المنشئون ما يضحك الثكلى ويسلي هم الحزين فإن أعياكم هذا الكتاب فارجعوا إلى كتب الأزهر بين انسهم فإنها تستطيع وحدها أن تبرهن عَلَى ما أدعيه فإن أعياكم فهم هذه الكتب فكتاب صغير يباع بثمن قليل اسمه إنشاء العطار أرجوا أن ترجعوا إليه فإنكم ستجدون فيه أحسن فكاهة لكم في أوقات الفراغ ولا تزال لغة الأزهر الشريف إلى الآن مع الأسف متأخرة عن لغة غيره من المدارس ومعاهد العلم وحسبكم دليلاً عَلَى ظلم الأزهر للغة العربية أن كتاباً واحداً من كتب الدب واللغة لم يكن يدرس فيه فلم جاء الأستاذ الإمام أنر أن يقرأ فيه كتاب الكامل للمبرود ولكنه لم يكد يخرج من الأزهر حتى ألغيت قراءة الكتاب إلى أن جاء شيخ الأزهر الحالي فارجع الأمر كما كان. والنظام الجديد هو الذي أدخل في الأزهر آداب اللغة كما أدخل غيره من العلوم الحديثة. المدارس نخطئُ كل الخطأ إذا اعتمدنا عَلَى المدارس في تقويم الألسنة وإصلاح المنطق فإن هذه

стр. 4844

لمدارس لا تزيد عَلَى تلقن الطلاب شيئاً من قواعد النحو والصرف والبلاغة وليس ذلك بمغن عنا شيئاً وإنما السبيل والواضحة إلى ما نريد هي تمرين الطلبة عَلَى الإصابة في القول والإعراب في النطق مع درسهم مادة اللغة وأساليبها واستظهارهم الكثير الجيد من آداب القدماء وقد سلكت مدرسة القضاء شيئاً من هذا في أول أمرها فحظرت عَلَى الطلاب أن يتكلموا فيها إلا باللغة الفصحى وقال الأستاذ الجليل عاطف بك بركات فيما كتبه عن المدرسة في سنتها الأولى أنها إذا استمرت عَلَى السير في هذه الطريقة لم تلبث أن تصير قطعة من الحجاز في صدر الإسلام ولكن يظهر أنها قد أخطأت الطريق وجرت مع غيرها من المدارس في مضمار واحد. نهضة اللغة في العصر الجديد الصحف ولقد نخطئ خطأ كبيراً إذا جحدنا فضل الصحف عَلَى اللغة فقد جاهدت في ترقية اللغة وإصلاحها بما تخيرت من شريف الألفاظ والأساليب عَلَى انها لم تلبث أن التجأت كارهة إلى إدخال كثير من الأعجمي فيها وكثيراً ما تتعلق بالسجع وتتمسك بأهداب البديع حتى صار كثير مما ينشر فيها نوعاً من الأوابد والألغاز عَلَى أن المجيدين من كتابها قليلون. الصحف الرسمية يسوءني أيها السادة أن اقرأ في صدر الجريدة الرسمية الأمر العالي يختم باسم مليك مصر وارى في المجموعة الرسمية حكم القاضي مصدراً بهذا الاسم الكريم ثم أنظر في ألفاظهما فلا أرى من الفرق بينها وبين ألفاظ العامة إلا قليلاً ويسوءني أيضاً أن اقرأ في الصحف الرسمية رسائل الحكومة وقراراتها ثم أقران بينها وبين ما كان يصدر عن الحكومية العباسية والأموية من رسائل الصابئ وعبد الحميد فأرى الفرق بينهما كالبعد بين الأرض والسماء ولئن حق الاعتذار عن الحكومة في الأيام الماضية فإني لا أجد ما اعتذر به عنها الآن فقد أصلح الأستاذ الإمام ﵀ جريدتها الرسمية وحلاها بمثير من الفصول النافعة ولكنه لم يكد يتركها حتى اقتطع نصفها وعادت إلى ما كانت عليه فيه من سوء اللهجة وفساد العبارة.

стр. 4845

وإنه ليحسن بالحكومة التي تعمل عَلَى إصلاح اللغة في البلاد أن تصلح لغتها قبل كل شيء حتى يثق الناس أنها إنما تعمل ذلك في بنية صادقة وعزم صحيح. الشعر لم يكن للشعر العربي أن يرقى بعد فساد السليقة اعوجاج الألسنة لذلكم انحط في الأيام الماضية حتى يكاد ينسى ولكنه الآن قد ارتقى بعض الشيء عَلَى أنه لا يزال منحطاً بالقياس إلى الشعر العربي القديم وإلى رقي الإنسان في هذا العصر وإن كان بالقياس إلى شعر القرن الماضي في أرقى الدرجات عَلَى أن العامة قد سلكوا في التعبير عن شعورهم مسلك الإسجال والأوزان البلدية وانقطعت العلاقة بينهم وبين الشعراء الذين اصطنعوا اللغة الفصحى كما قلت في أول المحاضرة. الخطابة أما الخطابة فهي الآن قسمان أحدهما خطابة المسجد وهي عبارة عن ألفاظ فارغة قد ملئت بها كتب كثيرة يحفظها أئمة المساجد ويتلونها عَلَى الناس من غير أن يكون لها أثر محمود وأنا أترك لكم تقدير نكبة المنابر الإسلامية بهؤلاء الخطباء بعد أولئكم المصاقع المناطيق. ومن المضحكات أن القاعدة في صدر الإسلام هي اعتماد الخطباء عَلَى السيوف في البلاد التي فتحت عنوة وعَلَى العصي في البلاد التي افتتحت صلحاً فلما خلف هذا الحلف أصبح أئمتنا يعتمدن الآن عَلَى سيوف من خشب عَلَى نحو من التقليد الممقوت. الثاني خطابة الأندية والجماعات عَلَى حد سواء كانت سياسية أو علمية أو أدبية وهذا النوع كثيراً ما يشتمل عَلَى المباحث المفيدة ولكن آداب الخطابة العربية قد تنوسيت فيه واستبدلت منها آداب جديدة بين العامية والإفرنجية وقد استباح الخطباء لأنفسهم في الخطابة أشياء لم تكن مستباحة من قبل بل كانت محظورة عَلَى الخطباء كالسعال وشرب الماء وغيرها أما لغة الخطابة فليست بتلكم اللغة الراقية وإنما هي عامية في كثير من الأحيان وبما يخلط الخطيب بين اللحن والإعراب ومصدر ذلكم أنه لم يحسن درس اللغة حين بدأ في تعلمها. طريقة الإصلاح لا اعرف في إصلاح اللغة إلا طرقاً ثلاث قديمة غير جديدة أي أني لست مبتدعاً لها بل قد

стр. 4846

سبقني لها المصلحون الأولى نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقراها الناس فيحصلوا عَلَى نتيجتين لازمتين إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف عَلَى مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول - الثانية شعور القراء بفخامة ذلكم المجد الضائع والشرف المفقود شعوراً يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألفه الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس وقد جرى الأستاذ الإمام ﵁ في هذه الطريق شأواً بعيداً فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب فلم يمت ﵀ حتى نقض عقدها ولم يبق لها أَثر في الوجود وقد قرأت للحكومة في السنة الماضية قراراً في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا وكن مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة أو أني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر - الثانية تأليف جماعة من أُولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليبها تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات عَلَى إحدى الطرق التي أرت إليها آنفاً وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب وتعمل عَلَى استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى وتشرف عَلَى أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائها والتلمس لدوائها وقد وجدت منذ سنين لسيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال. الثالثة تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول عَلَى الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العربية قلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي ولست أرى لأكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانها الصغير الذي خطبكم فيه منذ أيام فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشئ الخلاق والعقول فقد

стр. 4847

حق له عليّ الثناء الجميل وقد حق علينا جميعاً أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلاً نستطيع أن نضمن للغة استرداد مجدها القديم. طه حسين

стр. 4848

الاشتيام أو الاستيام والمتلمظة أو المتملطة معنى الاشتيام (بالشين وبالسين) عَلَى ما أثبته اللغويون وصحة ورود اللفظة بلغتين وجمعها. ما معنى الاشتيام بالشين المثلثة النقط والاستيام بالسين المهملة؟ هذه اللفظة لم ترد في محيط المحيط لا في مادة ش ت م ولا في مادة س ت م بل ولا في اش ت م أو اس ت م وقد وردت في ذيل اقرب المورد نقلاً عن اللسان قال في مادة ش ت م: الاشتيام بالكسر: رئيس الركاب (اللسان) ولم يزد عَلَى هذا القدر. وأما أصحاب الصحاح والمصباح والأساس والقاموس والإقيانوس والبابوس ومطلع النيرين وابن الأثير والسيوطي وغيرهم فلم يتعرضوا لها. وقد ذكرها السيد المرتضى في مستدرك مادة ش ت م إذ قال: الاشتيام: رئيس الركاب. عن ابن برّي. ولم يفدنا عن أصلها ولم يذكر شرحها أكثر من هذا القدر. وأما الإفرنج من علماء اللغة العربية فلم يذكروها وقد نسبها غوليوس وفريتاغ وقزميركسي ودوزي. وقد ذكرها لين في معجمه مد القاموس قال: الاشتيام بالكسر (والظاهر من قوله (أي من قول صاحب تاج العروس) بالكسر أي أن يقال الاشتيام) وهو رئيس الركاب عَلَى ما فسره ابن برّي. (والظاهر من قوله: رئيس الركاب أي ركبان الخيل (كذا) لكن من أين أتت هذه اللفظة. ذلك ما لا أعلمه. اللهم إلا أن تكون معربة عن الفارسية استايام إن وجد عند الفرس مثل هذه اللفظ. ومعناها رئيس خيل البريد). أهـ قلت: هذا كله كلام لين اللغوي الإنكليزي العارف بأصول العربية إلا قولي: (أي من قول صاحب تاج العروس) وقولي: (كذا) فهي مني زدتها لفتاً للنظر. وهو في كلامه هذا بعيد بعد الثريا عن الثرى. ولعل البعض يرميني بسوء النقل أو الترجمة فماءنذا أورد هنا كلامه بنصه وحرفه الإنكليزي. قال: الاشتيام الاشتيام رئيس الركاب رئيس الركاب أستايام وليس هذا الغلط هو أول غلط وقع فيه هاويته هذا اللغوي الإنكليزي ولا هو الأخير ففي

стр. 4849

معجمه من الأغلاط لو تجسمت لقامت بين يديك كالجبال الشامخة. وليس هنا موطن ذكرها. هذا فضلاً عن أنه فاته ألفاظ ومواد كثيرة جاءت في القاموس أو تاج العروس بل في أصغر معاجم اللغة ودواوينها وهي لا توجد فيه ولا ذكر لها أو لمادتها أو أصلها في ديوانه. قلت: والمراد من كلام ابن برّي: رئيس الركاب هم ركاب السفينة لا غير كما يتضح تبيانه في ما يلي من الكلام وإيراد النصوص وكما يظهر معناه لأول وهلة. وأما الاستيام بالسين فقد وردت في تاج العروس. قال في لسان العرب مصحح طبعه في هامش مادة م ل ط: قوله والمتملطة الخ كذا بالأصل هنا (أي الاشتيام بالشين) وشرح القاموس قال: وسيأتي في ل م ظ وقد ذكر الاستيام هناك بالستين المهملة وعزاه للتكملة. وحرر كتبه مصححه. أهـ قلت أنا: والاستيام وردت كثيراً من نسخ كتب التاريخ كمؤلفات الطبري والمقدسي لا بل وقد قال الجواليقي ١٥٤) أن اللفظ الفصيح الصحيح هو الاستيام بالسين وشرحها هناك بمعنى: صاحب المتاع مع أن الكاتب نفسه ذكرها في كتابه المعرَّب باشين وإن وردت في بعض نسخ كتابه القديمة بالسين إذ يقول: السبيحي والجمع السيابحة: قوم من السند يكونون مع اشتيام السفينة البحرية وهو رأس الملاحين أهـ. ولم يذكرها الخفاجي في كتابه شفاء العليل. والظاهر أن لغتها بالسين أي الاستيام أفصح من الاشتيام بالشين المعجمة. لأن بعض أهل الجزائر يقولون إلى عهدنا هذا: ستم السفينة أوقفها في المرسى أو أرساها هنيهة من الزمان. وقد تلقى دوزي هذه الكلمة من الكتب ورىها هناك مكتوبة بالميم الممتدة لا بالميم الطويلة والملم الممتدة تشبه الراء أي أنه رىها مخطوطة: ستم فقرأوها ستمر واثبتها في معجهمطه ستمر قال: معناها أي ستمر (وهو لم يضبطها بل وضع بجانبها الرقم الروماني للدلالة عَلَى أنها من وزن الأول من الرباعي أي ستمر وعزاها في الآخر إلى أي نقلاً عنه. فانظر إلى هذا النقل وإلى هذا الإسناد. وقد وقع مثل هذا الغلط المتولد من سوء قراءة الميم لطابع كتاب البلدان لابن الفقيه الهمذاني وهو العلامة ذي خوي في الصفحة ٩ قال: فيه (أي في البحر) سمكة يقال لها الأطمر (هكذا وردت مضبوطة بالوجهين أي عَلَى وزن دغفل وزيرج) وما هي إلا كلمة أطم كتبت ميمها الأخيرة ممدودة

стр. 4850

بشكل راء أي هكذا أطمفظنها القارئ أو الناسخ أو الطابع أو من تشاء ميماً وراء. فصارت أطمر ونفس الكلمة أطم مصفحة عن أطوم. فانظر إلى هذه اللفظة التي تطورت أطواراً بيد الكتاب وقالوا فيها أيضاً لطوم. وظلوم ولطم. ولظوم ولطيم وغير هذه التصحيفات إلى ما شاءت أهواء النساخ والقراء. وممكن ذكر الاستيام بالسين المهملة غير الصاغاني في التكملة التاج في م ل ط ومصحح اللسان في م ل ط أيضاً والجواليقي وهو أبو القاسم في كلامه عن لغة الملاحين. وأما جمع اللفظة فلم يرد في كتب اللغة إلا أنه ورد مكسراً أو صحيحاً في كتب المؤرخين وأصحاب وصف البلدان. فقد جاءت اللفظة مكسرة في كتاب المقدسي المسمى بأحسن التقاسيم ص ١٠ قال وصاحبت مشايخ فيه ولدوا (أي في المحيط الهندي) ونشأوا من ربانيين وأشايمة أو في رواية وأسلمه (هكذا مكتوبة بدون نقط) وقد جاءت مجموعة جمعاً سالماً في تاريخ الطبري في عدة مواطن منها في قوله: حتى إذا استمرت الحرب أمر الجذافين والاشتيامين أن يحثوا السير. . . ومنها في قوله الآخر: فصكت الشذوات بعضها بعضاً حتى لم يكن للاستيامين والجذافين فيها حيلة ولا عمل فاحفظ الجمعين تصب إن شاء الله تعالى. ٢ - معنى اللفظة عَلَى التحقيق يتحصل هذا المعنى من كتاب تاريخ الطبري. قال في حوادث سنة ٢٥١هـ ... ٨٦٥م ما قد مر بك أن لغويي العرب قالوا في معنى الاشتيام والاستيام: رئيس الركاب والملاحين ولم يخرجوا عن حيز هذا المعنى. إلا أن المعنى الأصلي كان لرئيس الملاحين أو لرئيس السفن البحرية الذي بيده الأمر والنهي وكل ما يتعلق بسير السفينة أو إيقافها إلى غير ذلك. نصه: ولخمس بقين من صفر دخل من البصرة (إلى بغداد) عشر سفائن حربية تسمى البوارج. في كل سفينة اشتيام وثلثه نفاطين ونجار وخباز وثلثون رجلاً من الجذافين والمقاتلة ومن هذا النص يؤخذ أن الاشتيام (وفي نسخة الاستيام) هو كبير البارجة البحرية ويقابله بالفرنسية ' وقال في حوادث سنة ٢٦٥هـ ... ٨٧٨م: واستخلف (الجبائي) عَلَى الشذوات الاشتيام الذي يقال له الزنجي بن مهربان فهنا المراد بالاشتيام أمير الشذوات كلها (وهي ضرب من

стр. 4851

السفن البحرية والنهرية التي تتخذ في الحروب) فيكون معناها بالفرنساوية وذكر في حوادث ٢٦٧هـ ... ٨٨٠م. محمد بن شعيب الاشتيام والمراد به رئيس المراكب البحرية الحربية لأنه يقول بعد ذلك: خرج الجبائي وسليمان في الشذوات والسميريات وقد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه فأمر نصيراً المعروف بابن حمزة أن يبرز للقوم في شذواته ونزل أبو العباس عن فرس كان ركبه ودعا بشذاة من شذواته قد كان سماها الغزال وأمر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذافين لهذه الشذاة وركبها إلى آخر الرواية مما يدل عَلَى أن محمداً هذا كان تحت إمرته عدة شذوات وسميريات. ومما يزيدنا ثباتاً في هذا الرأي كلام ابن صاحب الصلاة إذ يقول: تقلد الحكم عليها (السفينة) اشتيام ذو تيقظ واستبصار. وعليه فكلمة الاشتيام تدل عَلَى ما يقابله بالفرنسية هذا هو المعنى الأصلي عَلَى التحقيق في عهدالعباسيين. لكن لما انقطع العهد بالمحاربة عَلَى الشذوات والسميريات وبقي القوم يركبون السفن المذكورة لغاية التجارة والسفر أصبح الاشتيام بمعنى رئيس الركاب والملاحين معاً وله محل خاص كما في السابق لا يجلس فيه غيره وسموا هذا المقعد المتلمظة أو الملمطة كما سيجئ ذكرها. ولا يمكن أن يتصور الواحد أن يكون مقعد خصوصي لغير كبير السفينة. مثلاً أن يكون لخازن أمتعتها أو لخازن أطعمتها أو كما تخيله بعضهم فالمقعد الخاص هو للرجل الممتاز بين الجماعة والمتقدم فيهم لا غير. ٣ - الاشتيام والاستيام من أصل يوناني لا من أصل فارسي أو إرمي قد مر بك أن لين العلامة الإنكليزي قال أن اللفظة من الفارسية وهي فيها أستايام أي رئيس خيل البريد والجال هذه اللفظة غير موجودة في لغة الفرس لا بالمعنى الذي ذكره لين ولا بمعنى آخر. وأما العرب فقد رايت أنهم يشيروا إلى عجمة اللفظة وكل مرة ذكروها اعتبروها كأنها عربية محضة مع أنها لا مناسبة بينها وبين مادة ش ت م أو س ت م وعليه فمن المحال أن تكون عربية المنبت. بقي علينا أن نقول إما أنها من أصل إرمي وإما من أصل يوناني. وزقد ذهب المستشرقون

стр. 4852

إلى أنها من أصل إرمي فقد قال فرنكل وذي هوي وباين سمث ولاوي وبكسترف وكل من تلا تلوهم أنها من إشتياما أي الاشتيام مبنىً ومعنىً وفسروها بالخاتم أي الذي يضع الختم عَلَى الشيء بعد أن يسده أو يغلقه. وقالوا أن معناها كما ذكره بابن سمث صاحب المتاع المحمول في السفينة أي يقابلها بالفرنسية وهي مشتقة من ش ت م: الإرمية أي سد وختم وسدم وسطم. قلت: إني لا أنكر أن كون اللفظة جاءت أيضاً بمعنى صاحب الأمتعة المحمولة في السفينة. إلا أن هذا المعنى فرعي وأقدم معنى وصل إلينا هو المعنى الأول: أي رئيس الملاحين الموجودين في سفينة واحدة وفي عدة سفينة بحرية كانت أو نهرية. حربية أو تجارية ثم إن فعل شتم أو ستم الإرمي لم يرد إلا قليلاً وزلم يأت في كتب الإرميين بالمعنى المذكور فالذي جاء في معجم ابن بهلول في معنى اشتياما: هو صاحب المتاع المحمول في السفينة كما نقله عنه باين سميث. ولم يذكر الفعل شتم أو ستم الإرمي. وجاء في كتاب دليل الراغبين في لغة الآراميين ص٤٤ اشتياما: صاحب وسق السفينة أيضاً: خليفة تاجر الصحراء ووكيله ويحمل له الأثمار إلى الأهرآء لوقت الغلاة بأجرة معلومة اهـ. ولم يذكر كلمة الاشتيام العربية كما لم يذكر في كتابه الفعل شتم أو ستم. مع أتن هذا الفعل قريب إلى العربية وهو فيها سدم الباب وسطمه بمعنى سده. وفسر الأب برون اليسوعي اشتيامابما معناه: الساد أو السادم ومنه: واضع الأمتعة في مكان مغلق ولاسيما أمتعة السفينة وعندي أن الاشتيام إذا كانت مأخوذة من الإرمية فالإرمية غير مشتقة من فعل شتم أو ستم بل من اليونانية وهو اسم فاعل من فعل أي أوقف وأرسى وهذه تقال عن السفينة كما تقال تلك الرجل بل عن كل شيء. ومنه الفعل العربي المعروف عند هل الجزائر أي ستم بمعنى اوقف السفينة وأرساها. ولهذا السبب أيضاً قال الجواليقي أن الاستيام أفصح من الاشتيام. كما أن الاستيام وردت في التكملة ولم ترد فيها الاشتيام. فالسين فيها تبعاً للأصل اليوناني والشين لغة فيها. زكثيراً ما يقلب العرب السين المهملة شيناً ولاسيما إذا جاورت التاء كما يفعل الألمانيون في لغتهم. فقد جاء في العربية: جاحشته في جاحسته: إذا زاحمته. (عن ابن السكيت) وشمرت السفينة سمرتها: إذا أرسلتها (وهنا السين لم تجاور التاء) وقالوا: أنشفت لونه وانتشفت بمعنى واحد (عن أمالي تغلب) إلى غير ذلك. واللفظة اليونانية توافق

стр. 4853

كل الموافقة لمعنى الاشتيام لأن برئيس المركب أو المراكب يناط إيقافها وإجراؤها وتدبير أمرها كما يتضح لأدنى تأمل. ٤ - المتلمظة أو المتلمطة والسلوقية لو كان معنى الاشتيام في الأصل صاحب الأمتعة المحمولة في السفينة لما أفردوا لبها محلاً خاصاً به كما بينا ذلك قبيل هذا. لأن مثل هذا الرجل يجلس عَلَى أمتعته أو بجانبها لا في موطن ينفرد فيه والحال إننا نعلم أن للاشتيام موطناً خاصاً به ومقعداً يقصد فيه هو ولا يقعد فيه غيره يسمون المتلمظة قال في تاج العروس في ل م ظ: الملمظة (وهو لم يضبطها لا بالقلم ولا بالنص) مقعد الاستيام (هكذا بالسين المهملة) وهو رئيس الركاب والملاحين كما في التكملة. وسبق مثل ذلك في م ل ط (أي المتلمطة بتقديم الميم عَلَى اللام) ولا أدري أيها أصح. اهـ كلام التاج. وما بين هلالين هو من كلامنا. قلت: الأصل هو المتلمظة بتقديم اللام عَلَى الميم وهي مشتوقة من تلميظ الحية يقال: تلمظت الحية: إذا أخرجت لسانها. لأن الاشتيام يكون في مكان عال مشرف منه عَلَى البحر لينظر إلى يمينه ويساره وإلى أمامه وورائه متلفتاً تلفت لسان الحية ليتمكن من تسيير سفينته وحفظها من الخطر وإجرائها في محل أمين. كما هو معلوم عن محل الأشاتمة في يومنا هذا. ويفردون له محلاً خاصاً لكي لا يلهو بأحاديث الناس أو بما يحدث حواليه فينصرف ذهنه إلى ما لا يهمه ويقابله بالفرنساوية ' واللسان لم يذكرها في (ل م ظ) إلا أنه ذكرها في مادة ر ب ع قال في الصفحة ٤٥٦ في السطر ١٧: والمتلمظة (وقد ضبطها بضم الميم وفتح التاء واللام وكسر الميم المشدودة والظاء المنقوطة المفتوحة وبهاء في الآخر) مقعد الاشتيام وهو رئيس الركاب. أما صاحب التاج فقد ذكرها في كلتا المادتين (م ل ط) و (ل م ظ) وقد ذكرها اللسان في م ل ط المتلمطة (ولم يضبط حركة اللام المشدودة): مقعد الاشتيام. والاشتيام: رئيس الركاب اهـ. قلت: والمتلمطة تصحيف المتلمظة ولم يذكر هاتين اللفظتين لا القاموس ولا محيط المحيط ولا أقرب الموارد ولا مد القاموس تأليف لين ولا دوزي ولا الجوهري ولا الفيومي ولا صاحب الباروس ولا صاحب الأوقانيوس ولا سائر المعاجم الإفرنجية كغوليوس وفريتاغ

стр. 4854

وقزميرسكي. فيا له من إغفال وقع فيه أغلب اللغويين. هذا وأنت ترى مما تقدم أن العربية تحتاج إلى معاجم تجمع جميع الألفاظ العربية المذكورة في دواوين اللغة الواردة في محلها أو في غير مظنتها. وأن يثبت فيها المعاني عَلَى اختلاف ما وردت في الأعصار ليكون ذلك المعجم مورداً ينتابه اللغوي كلما احتاج إليه ويجد فيه كل ما يحتاج إليه. إذ قد رأيت مما مر بك من الألفاظ ومباني لم تكن تظن أنها وجدت عند العرب لأنهم لم يكونوا من المشهورين بالملاحة والبحارة. ومع ذلك فقد تحققت وجود ألفاظ لا تجد لها حرفاً واحداً مقابلاً لها في لغة الأعاجم الحاليين مع تبحرهم في المدنية والعمران ومع تبسطهم في وضع الألفاظ لأدنى اختلاف في المعنى المرادف أو لأدنى تفاوت في معناه. فيا لها من لغة جمعت فأوعت ومدت سماطاً فأشبعت. وإن نسب إليها القصور بعض المتهوسين للغات الأجنبية وبهذا القدر كفاية ستبصر. ومثل المتلمظة: السلوقية: قال ابن عباد في كتابه المحيط ونقل نصه الصاغاني في العباب وأورده أيضاً الفيروز أبادي في القاموس: السلوقية: مقعد الربان من السفينة اهـ ولم يزيدوا عَلَى هذا القدر ولم يذكروا أصل اللفظة وعندي أنها آرامية الأصل من فعل سلق الذي اسم مصدره سلاقاً ومعناه الارتفاع والعلو. لأن الربان يكون في أعَلَى موضع من سفينته ليرقب ما حواليه من متسع البحر ويقابله بالفرنساوية وهي مشتقة من بل هي مصغرها ومعناها الكثيب تصغير كثيب وهو تل الرمل كأن السلوقية تكون بعلو الكثيب ليشرف منها الربان عَلَى البحر. (الخلاصة) يتحصل مما تقدم ذكره وشرحه أن الاشتيام والاستيام من باب الإطلاق والتغليب هو ' ' وإذا أريد به رئيس الملاحين فهو ' وإن جاء بمعنى رئيس الركاب فهو وإن عنيت به صاحب الأمتعة فهو ناظر المتعة أي وأما المتلمظة والمتلمطةفهو مقعد الاشتيام أي المقعد الذي يقوم بإجراء السفينة في نوبته لأن الأشاتمة يتناوبون في تدبير أمر السفينة ويقابله بالفرنسوية وأما السلوقية فهو أرفع مكان يكون في السفينة ويكون مقعداً للربان وهو بالفرنسوية. فقد جاء عندهم في شرحهم هذه اللفظة ما معناه: هي ما يبني بناية خفيفة فوق الجسر الأعَلَى من مؤخر السفينة وهو عبارة عن ربع طول المركب ويعلوا نحواً من مترين

стр. 4855

ويشرف عَلَى عشر المؤخر كما تشرف المنظرة عَلَى ساحة المدينة. ويكون عليه الاشتيام عند قيامه بوظيفته لأنه يتمكن من ذلك الموضع من أن يرقب ما حواليه في البحر. اهـ. بغداد: ساتسنا

стр. 4856

استرداد المجرمين في البلاد الأجنبية لا مراء في أن الردع لكثير من المخلوقات عن ارتكاب المنكرات الشخصية والاجتماعية والسياسية هو الخوف من العقوبة لا الخوف من الضمير. ولذلك نرى من الأخلاق لهم يرتكبون أفضح المنكرات إذا وجدوا للفرار والخلاص من وجه القانون سبيلاً. لا ترجع النفس عن غيها ... ما لم يكن منها لها زاجر والخلاص من أحكام القانون يكون بوجوه كثيرة منها (١) الرشوة (٢) شهود الزور (٣) إغضاء المأمورين لأجل تطبيق قاعدة إدارة المصلحة (٤) بلاهة بعض الحكام (الحاكم مأمور العدلية فقط). والدواء الوحيد لهذا الداء القتال تعميم العلم وتهذيب الأخلاق وتعريف الإنسان معنى الإنسانية. أي أنه خلق ليخدم أبناء قومه لا ليأكل ويشرب وينافق وينام كبهيمة الأنعام إذ لا ضرر من الأنعام إن لم يتحرش المرء بها، وأما هؤلاء فإنهم يمقتون من كان ذا مزية سواء وافقت أهواءهم أو لم توافق. لأن جل مراسمهم محق الحق والعدل والفضيلة ليس إلا. وأقوى سلاح يتخذونه هو الكذب والافتراء وغاب عنهم أن حبل الافتراء قصير. (٥) فرار المجرم من بلاد دولة إلى بلاد أخرى. وهذا موضوع بحثنا هذا. لا يحق لدولة من الدول أن تكره مأموري دولة أخرى عَلَى تطبيق أحكام قوانينها مطلقاً. لأن حق القضاء محدود داخل المملكة ولا مساغ لتعديه حدود غيرها. فعدَّ من لا خلاق لهم من أرباب القلوب الصلبة والضمائر الميتة هذه القاعدة نعمة كبرى وأخذوا يفرون إلى الممالك الأجنبية ليتخلصوا من الجزاء وهكذا كان. بيد أن هنا مضرات عديدة اجتماعية لفتت نظر رجال الدول فطفقوا يفكرون بتدبير مؤتم يمنع هذا الفرار لأجل استعادة المجرمين. لماذا؟ لا شك أن المجرم إذا ترك بلا جزاء يكون سبباً داعياً لكثرة الجرائم واختلال الأمن العام مما ثبت تاريخياً فإنه من أعدى الأمراض وإنه سريع الانتقال من مملكة إلى أخرى. وهذا هو السر الذي يدعو الدولة أن تطلب المجرم الفار من بلادها. عَلَى أن المجرب إذا حل مريض بين أصحاب مرضهم أو فاسد بين أدباء أفسدهم فخوفاً من

стр. 4857

هذا شعرت الدول التي يلتجئُ إليها أحد الفارين بلزوم طرد هذا المجرم الفار من وجه العدل أو تسليمه عَلَى الأقل لكي تطهر بلادها منه. ولهذه الأسباب نرى الدول في عهدنا تتهافت وأي تهافت لعقد المعاهدات التي تؤدي إلى استرداد المجرمين الفارين. وإليك القواعد العلمية: لا يجوز طلب استرداد المجرم إلا إذا كان للدولة الطالبة أي التي وقع الجرم في بلادها حق القضاء عَلَى المجرم الفار. ولما كان حق القضاء محصوراً داخل الحدود الملكية أراني مضطراً لبيان هذه الحدود ومحل تطبيق هذه السلطة ولهذا يجب قبل كل شيء تعريف أقسام ممالك الدول ١ - البلاد الواقعة ضمن الحدود الجغرافية. ٢ - البحور الداخلية أي التي تحاط بممالك خاضعة لدولة واحدة والأنهر والمضايق البحرية والترع. ٣ - المياه الساحلية أي ما يبعد عن الساحل ثلاثة أميا من البحر (الميل ١٨٥٢ متراً) أو إلى وصول مرمى أحسن مدفع. وهذا يعد من بلاد الدولة المجاورة وما عداه فهو عام. ٤ - البلاد المحتلة عسكرياً سواء كان بحال الصلح أو بحال الحرب. ٥ - السفن التجارية وسفن النزه. فحق القضاء يشمل كل جرم وقع في هذه الأقسام المصرح بها أعلاه. ويحق لكل دولة طلب المجرم لمجازاته إذا ارتكب جرماً بها وفر إلى البلاد الأجنبية. وهذه مسألة من مسائل حقوق الدول تحل بواسطة السفراء ونظارات الخارجية وفقاً للمعاهدات أو العرف والعادة. ستلزم الجنايات العامة وبض الجنح المهمة الرد وأما ارتكبوا القبائح فلا يطلبون ولا يرددون. القاعدة العلمية في إعادة المجرمين -. أن يكون الجرم محظوراً بقانون كلتا الدولتين أي الفار منها والملتجأ إليها. مثلاً: تعدد الزوجات ممنوع عند الدولة الفرنساوية ومباح عند الدولة العثمانية. وعليه يعد جرماً بفرنسا ومندوباً بالمملكة العثمانية. فإذا فر فرنساوي والتجأ إلى الدولة العثمانية لارتكابه هذا الجرم هل يجوز تسليمه؟ لا يجوز قطعاً لأن الشرط يكون ممنوعاً عند الدولتين. أما لو كان جرمه جرم سرقة وجبت إعادته عَلَى شرط

стр. 4858

أن يكون بين الدولتين معاهدة أو تعامل. أما لو التجأ أحد قرصان البحر إلى بلاد سويسرا وكان هذا فرنسوياً (من قبيل الافتراض) فهل يحق لسويسرا أن تمتنع عن تسليمه بحجة أن لا صراحة في قوانينها لهذه المسألة؟ كلا: لأن عدم الصراحة في قانون سويسرا لم ينجم عن افتراضها القرصانية أمراً مشروعاً بل من عدم وجود سبب لدرج أمثال هذا القيد بقوانينها وذلك لفقدان السواحل عندها هذه هي القاعدة العملية بخصوص إعادة المجرم فلنبحث الآن عن مستثنياتها. إن لهذه القاعدة استثنائين أحدهما يتعلق بالجرم والآخر بالمجرم فالذي يتعلق بالشخص هو كون الملتجئ من تبعة الدولة الملتجئ إليها. فلو أن ألمانياً مثلاً ارتكب جرماً في فرنسا ففر منها وأتى ألمانيا فلها الحق بأن تنتع عن تسليمه. وهذه قاعدة كلية سارية بين جميع الدول. إذ كيف يقبل قوم بخضوع فرد منهم لقانون قوم آخر؟ وأما الاستثناء الذي يتعلق بالجرم فهو أن يكون الجرم عسكرياً أو سياسياً فأرباب هذه الجرائم أيضاً لا تعاد بتة. وسبب ذلك أن الدولة لا تقبل الجندي الفار ولو أعيد لها لأنها لا تؤمل منه خيراً بل تعده كالغصن الفاسد فتقطعه من شجرتها وتلقي به عَلَى الأرض خوفاً من أن يفسد مجاوريه. إلا إذا كان ضابطاً في سفينة ونزل إلى البر وامتنع من الرجوع إليها. فيعاد خوفاً من تعطيل السفينة. وأما سبب عدم إعادة أرباب الجرائم السياسية فهو سر غامض وأمر مهم. لأن التاريخ يدل عَلَى أن أكثر الفارين من هذا القبيل كانوا عَلَى حق وإن سبب اضطهادهم وفرارهم لم يكن إلا من علو أفكارهم التي تعجز حوصلة العامة أو رجال الأمر والنهي عن إدراكها فيعدونه مخطئاً فيضطهدونه ويحكمون عليه حكماً جائراً ويخنقون فكرته. فلا جل الاستفادة من أفكاره في الحال والمستقبل لا تجوز إعادته بل إنهم يجلونه ويكرمونه. وهناك شرط آخر للاستعادة وهو عدم سقوط الجرم بمرور الزمان القانوني عَلَى حسب قوانين الدولتين. قد يمكن أن يطلب المجرم من قبل دول متعددة في آن واحد فالواجب حينئذ تسليمه إلى

стр. 4859

الدولة التي وقع الجرم في بلادها. فإذا ارتكب ألماني مثلاً جرماً في فرنسا وهرب إلى بلجيكا وطلب من الدولتين في آن واحد، يجب تسليمه لفرنسا لا لدولة ألمانيا. أما لو ارتكب جرماً في ألمانيا دولته وفي فرنسا يسلم لدولته ألمانيا. وإن كانت جرائمه عديدة وفي بلاد مختلفة وطلبتهن كلهن بآن واحد ينظر: أي الجرائم أشد فيسلم التي وقع فيها ذلك الجرم الشديد. وإن كانت درجة الجرائم متساوية يسلم للتي تطلبه أولاً. أما إذا وجد بين دولة معاهدة فيسلم لربة المعاهدة دون أن يلتفت لأحد غيرها. والخلاصة فإن معاهدات إعادة المجرمين تبحث دائماً في مسائل أربع: ١ - لا تعيد دولة من الدول ملتجئاً إليها إذا كان من تبعتها. ٢ - أرباب الجرائم السياسية لا يعادون. ٣ - أن يكون الجرم ممنوعاً بقانون الدولتين. ٤ - أن لا يحاكم إلا من أجل الجرم الذي كان سبباً لفراره بغض النظر عما عداه. ولا يذهلن عن نظرك أيها القارئ الكريم أن إعادة المجرمين ليست أمراً محتماً. فإن كانت الدولتان متعاهدتين فالإعادة ضرورية وإلا فلا. ومن الأسف أن الدولة العثمانية لم تتعاهد بهذا الباب مع إحدى الدول بتاتاً وقد مضى ردح من الزمن والدولة العثمانية تعيد لروسيا من يفر من بلادها لولايتي طرابزون وارض روم كما أن روسيا كانت تعيد من يفر من العثمانيين إلى قفقاسيا. إلا أن هذا الوفاق لم يدم كثيراً. وكان قد تقرر مع دولة الصرب إعادة مجرمي الطرفين مؤقتاً ريثما تعقد معاهدة بين الدولتين. وبعد أن أعيد كثير من الجهتين فسخ هذا التعهد الشفاهي لامتناع حكومة الصرب عن الإعادة. وأما المعاهدة التي عقدت في أيام عارفي باشا مع حكومة أميركا فلم توضع موضع الإجراء قط. وأما الآن فمن المقرر عقد معاهدة مع دولة اليونان حسبما يقتضيه الجوار ولاحتياج الطرفين لها. وأغرب ما يتصور أن الإدارة السابقة كانت تعيد كل مجرم التجأ إليها دون مقابل ولا

стр. 4860

معاهدة حتى أن المجرم العثماني المحكوم بخمس عشرة سنة كان يفر إلى بلاد النمسا وبعد فوات الزمن يعود فرحاً فخوراً. أما المجرم النمساوي فكزان يعاد بمجرد وصوله إلى بلاد الدولة العثمانية. وما سبب هذه المسامحة والغفلة السياسية إلا الخوف من تعكير جو الرفاهية عَلَى زعمهم كأنه من الممكن اجتماع الشرف والتغافل السياسي! نابلس حسن عبد الهادي

стр. 4861

الجنسية تأليف ماكس نوردو العالم الإسرائيلي الشهير نقلها إلى العربية. م ع ج كلمة للمعرب كل مطلع عَلَى مجرى الأفكار العصرية في الغرب يرى مسألة الجنسيات أو القوميات الشغل الشاغل لكبار الساسة وأعاظم الكتبة وفحول العلماء ويكفي المرء أن يتصفح بعض الجرائد والمجلات الأوربية ليرى فيها ذكراً لهذه المعضلة الكبرى ووسائل كثيرة لحلها. وقد لقب الكتاب والمؤلفون عصرنا هذا بعصر الجنسيات لكثرة ما حدث ويحدث في أيامنا هذه من الجدال والمناقشة بشأنها حتى تعدت إلى المشاكل والمشاحنات وكادت تجر إلى الحروب. فهي إذن مشكلة اليوم وكارثة الغد. لذلك رأيت من اللازم إطلاع بني قومي عَلَى مجمل ما وصلت إليه الآراء بخصوصها فلم أجد بحثاً أدق وأتم من رسالة وضعها بالألمانية العالم الاجتماعي الشهير ماكس نوردو وصف بها هذه المسألة في جميع أدوارها وأبدى من آرائه فيها ما هو جدير بالاهتمام فبادرت إلى نقلها للعربية علها تفيدنا ولو بعض الإفادة في أحوالنا الحاضرة. وماكس نوردو هو أحد نعلماء العصر المشار إليهم بالبنان، إسرائيلي الأصل ألماني المنشأ اشتهر بمؤلفاته العديدة ورسائله الجمة التي امتاز فيها بالجد والدقة في البحث وبعد النظر والصراحة. منه كتابه معنى التاريخ الذي أحدث ضجة كبرى عند ظهوره وقد أنجى فيه عَلَى الحقائق التاريخية والمؤرخين؟ و (السقوط البشري) وهو مجموع أبحاث فلسفية اجتماعية عصرية مثل: (الفلسفة الروحية) و (مذهب النانيين) و (آخر القرن) و (القرن العشرين) ومنها كتابه المسمى (أكاذيب مدينتنا المغنى عليها) و (مناقضات الاجتماع) و (مناقضات علم النفس) ومن أمهات كتبه العلمية (روح وفيسيولوجيا العبقرية والنبوغ) وعليه المعول في تدريس هذه المسائل. اهـ وإليك الآن رسالته في الجنسية قال: الجنسية إذا كنا لا تندري كيف تستحوذ المعتقدات الباطلة عَلَى أفكارنا، وكيف تحول صورة مغلوطة تخيلناها لحادث ما بيننا وبين إدارك حقيقة ذلك الحادث، حتى لا تقوى عَلَى تمييز الاختلاف الحاصل بين بين الصورة وبين الحادث نفسه، وبالاختصار إذا كنا لا نعرف

стр. 4862

الخطأ الشائع أشد رسوخاً من الحكم العقلي وإن الخرافة أقوى أثراً من الحقيقة، فلا يمكننا أن نسلم بوجود نفر يعتقدون بان مسألة الجنسيات خطأ وقتي أو حاجة من حاجات البدئ (المودة) يصفونها بأنها قضية روحية استهوت كثيراً من العقول الكبيرة لكنها لا تلبث أن تتلاشى. وفي الواقع أن هناك فئة من الناس يدعون سياسيين يدعون أنهم يريدون مستقبل الأمم وهم يزعمون أن مسألة الجنسيات إنما اخترعها نابليون الثالث لإيجاد الصعوبات في داخلية الحكومات الأخرى فيكون له منها نصراء يظاهرونه في سياسته، سياسة التطوح. وما أحق أولئك الأدعياء من الساسة بنعوت الحماقة والبله لولا اعتبار أنهم مرتبط بشعب تنبه الشعور الجنسي فيما يعد خطراً عَلَى وحدتها، فتصدهم أطماعهم، وخوفهم عَلَى مستقبلهم، وبغضهم رقي الأمم، والحنق الذي يستولي عليهم بدنو فقد امتيازاتهم المغتصبة عن ملاحظة الحوادث ودرسها. مثل هؤلاء الساة نجده في فرنسا الذي أضاع سلطانها في أوربا تكون الوحدتين الألمانية والإيطالية، وفي النمسا حيث الأمم المغلوبة عَلَى أمرها تطالب الأمم الغالبة بحقوقها، وفي بلجيكا حيث ينتاش الفلمنكيون حريتهم من أيدي الوالونيين. وأما الذين لا تعمي بصيرتهم الأغراض الشخصية فيعترفون بأنه تنبه الشعور الجنسي حادثة طبيعية تظهر ضرورة عند حد محدود من النشوء البشري لا يمكن إعاقتها أو منعها إلا إذا أمكن إعاقة مد البحر وجزره أو منع حرارة الشمس من أن تصل إلينا إبان الصيف. فالذين يقولون بان الأمم ستنبذ جنسيتها فلا تعد تذكرها ليسوا أكبر عقلاً من ذلك الغلام الذي قال لأمه وهي تضمه: (متى أصبحت طفلاً صغيراً مثلي فانا أيضاً أحملك!). وما هو أساس الجنسية، وما هي علامتها الفارقة؟ لقد كثر البحث في هذه المسألة واختلفت فيها الآراء. فقال بعضهم بالجنس يعني الأصل الفطري. والخطأ في هذا القول محسوس بحيث يوجب الأنفة من الرد عليه. أنا لا أعتقد بوجود الجنس البشري وإنما الشعوب المختلفة أنواع ثانوية لجنسنا، والاختلافات الشكلية واللونية لم تنشا عن تغير الجنس الواحد بسبب تأثير الإقليم بل منشئوها الحقيقي تعدد الجنس، يظهر لي أن السبب بين الأبيض والحبشي أو بين البابو والهندي ليس أعظم من النسب بين الفيل الأفريقي والفيل الهندي أو بين الثور وبين الجاموس الأميركي. ولكننا قلما نجد في جنس واحد كالأبيض مثلاً من الاختلافات المهمة ما يسمح لنا بوضع ميزة فارقة وحدود بين أشكال الجنسيات المتنوعة.

стр. 4863

ويوجد في كل شعب أبيض أفراد ذوو قامات كبيرة أو صغيرة وشعور زاهية أو قائمة وعيون زرقاء أو سوداء وهامات مستطيلة أو عريضة وأمزجة باردة أو حادة وبينا نرى بعض هذه الصفات متغلباً في شعب وغير متغلب في شعب آخر لا نجده في الصفات الطبيعية أو العقلية أقل معنى فيتمييز الفرد ونسبته نسب محدود مثلما نجد في البشرة السوداء وشكل الوجه وتجعيد الشعر من تمييز الحبشي ونسبته لجنس محدود. إن جميع التجارب التي جرت لإيجاد (شكل متوسط) خاص لكل شعب لم تجد اقل فائدة علمية. ولقد نكون قراءَة أوصاف هنا الشكل المتوسط لذيذة تهيج فينا عاطفة حب الذات لكنها في الواقع لم تخرج عن حد التخيل. عَلَى أن خطوط ذلك الشكل لو كانت غير خيالية ليست سوى رسوم ظاهرية في المرء - لا صلة بينها وبين حياته الداخلية - طبعت عَلَى بشرته ويمكن أن تمحى عنها متى تقدم في العمر، إنها لا ترسم عليه إذا نقل وهو طفل إلى بيئة غير التي ولد فيها وعرض لتأثيرات جنسية غريبة. إن (شاميسو) مؤلف كتاب بطرس شليمهل أو الإنسان الذي أضاعه ظله كان غلاماً متأدباً أيام لم يكن يعرف من الألمانية حرفاً فأصبح بعد ذلك شاعراً ألمانيا يضاهي أكبر الشعراء الألمان الذين يزعمون أن دم الجرمان القدماء (ضيوف تاسيت) يجري في عروقهم والمؤرخ (ميشليه) ولا أعني ذاك الإفرنسي المتحمس بل الفيلسوف (الألماني) بما ظهر عليه من الصفات العقلية التي عدها علماء الإنسان من ميزات الجرمان: كالحصافة، والجد الأدبي، حتى التعقيد في الإنشاء! والمفكر جول دوبوك العريق في إفرنسيه - كان أبواه يفتخران أن بدمهما الإفرنسي الخالص - وهو الذي اشتهر بكتاباته بالطريقة الأيديالسنيه الألمانية خاصة، ودوبواريموند الإفرنسي الذي أصبح المثل الأعَلَى للعالم الألماني، أما تيودور كونتان فإنه لم يكن ألمانياً فقط بل ألمانياً شمالياً بتأملاته الطبيعية وتحليله للنفوس. . . الخ الخ وهكذا قل عن أي شعب أوربي شئت فإنك تجد فيه مثل هذه الحوادث شيئاً. من ذا الذي قرأ مؤلفات لوثر أولباخ وجين موللر - مؤلفة رواية - وشوللر وديتز ولا يعتقد أنهم إفرنسيون أقحاح؟ بل من ذا الذي لا يرى في مؤلفات هرتزنبوخ وبيكر صفات الشعراء الأسبان؟ أو من يرى في دانتي شيئاً غير إنكليزي حاشا اسمه قد يكفي أن يعيش المرء في أمة ليقتبس عاداتها وأخلاقها الحميدة والذميمة دون أن يكون بينه وبينها صلة

стр. 4864

رحم وإن ظهر لنا ما يناقض هذه الحقيقة في شخص بعض الكتاب وأرباب الفنون فيجب علينا إذن أن نبحث عما إذا كانوا أو كنا نحن متأثرين بأحد مصدرين للخطأ يصعب اجتنابهما. من البديهي أن نميل إلى البحث في شاميسو مثلاً عن صفات نلصقها بالإفرنسيين ظلماً فنجدها فيه والسبب في ذلك سرعة تغير صور الحوادث في أذهاننا فتتطور طبقاً لما علق في أفكارنا من الصور المغلطة، ومن جهة أخرى نرى أن من المألوف عند الشاعر أو صاحب الفن العائش في إنكلترا أن يبقي في رأسه فكرة وطن أجداده فيخيل إليه أنه من الواجب عليه أن يكون ذا أطوار تذكره بذلك الوطن وبسبب الاستهواء الناتج عن تلك الفكرة نراه لا يفتأ يغير في طباعه - من غير أن يشعر - ويألف أطواراً أخرى صناعية حتى يكون مماثلاً لمواطنيه الأصليين، والمضحك في هذا الأمر أن لا يظهر في صفات بني وطنه الحقيقية بل يلتبس الصفات التي ينسبها الإنكليز عادة لمواطنيه خطأً. فالجنس إذن لا يمنح حقاً في جنسية محدودة وها إن ابناء الهوهكنوت الذين هاجروا إلى مقاطعة (برادنبرخ) أصبحوا اليوم من أحسن الألمان وأبناء مستعمري أمستردام الجديدة من الهولانديين هم الآن أميركيون شماليون لا يختلفون عن الأميركان الأصليين في شيء. فالحروب وكثرة المهاجرة مع حركة الأفراد وتنقلهم جمعت بين العناصر المختلفة في بادئ الأمر ومزجتها مزجاً غير قابل للانحلال، وجميع شرائع الأمم الممدنة ظهر عدم الاهتمام بصلة الدم بما تبدي من ضرورة التساهل في قبول الأجانب في تابعيتها وتجنيسهم بجنسيتها بحيث يكون لهم من الحقوق والواجبات ما لرعاياها الأصليين. ولما كان أساس الجنسية المبني عَلَى الأنتروبولوجيا (علم الإنسان) غير كاف، حاولوا أن يخترعوا لها أساساً تاريخاً قانونياً فقالوا: إن ما يكون الأمة هو ماض عام ومستقبل عام هو الحياة العامة في ظل حكومة واحدة وشرائع واحدة، وهو ذكرى أفراح وأتراح تقاسمها أفراد الأمة سواءً. هذه القضية عَلَى ما بها من الزخرف الخطابي إن هي إلا سفسطة يرفضها العقل مؤيداً بالحوادث. سل من شئت من الروثانيين - أهل غاليسيا - عما إذا كان يشعر بأنه بولوني بالرغم من مشاطرة الروثانيين والبولونيين، منذ نيف وألف عام في حياتهم وشرائعهم وحكومتهم السياسية. واسأل أي (فيني) أو (سيومي) - كذا يلقبون أنفسهم - هل

стр. 4865

يتعبر نفسه أسوجياً فنلندياً مع أنه يساكنه ويعيش معه تحت ظل حكومة واحدة منذ أكثر من ألف عام أيضاً. نعم عن اتحادهما في الشرائع وفي الحكومة ولاسيما في العادات وفي الأخلاق مما يستلزم تآلفهما وينبه فيهما عاطفة التضامن والتكافل. وعَلَى عكس ما يجري مع اليهود فإنهم قلما تعتبرهم المم يعيشون في حضنها جزءاً منها. وذلك بأنهم لا يزالون متعلقين تعلقاً أعمى لعادات أجدادهم - كاستعمالهم الميقات، وتعظيمهم أيام الأعياد والبطالة، واحترامهم الشريعة الخاصة بالمآكل واتخاذهم السكنى. . . الخ - التي تخالف كل مخالفة قواعد مواطنيهم المسحيين والتي من شأنها أن تنبه في هؤلاء عاطفة الاستقلال والافتراق عنهم. فمثل هذا الاتحاد قد لا يكفي لأن يؤلف من شعوب شتى شعباً واحداً ذا جنسية واحدة. كلا إن هذا إلا تمويه لا تلبث الحقيقة أن تبدده، وما أندر أن يظهر منشأ الإنسان الطبيعي مرسوماً عَلَى محياه إذ القاعدة العامة تنكره ولن تقوى عَلَى إثباته. إنه لا يشعر به في نفسه، وكل ما قيل في حق (صوت الدم) ليس إلا سفاسف يبني عليها القصصيون خيالاتهم، وليس للشرائع والإدارات السياسية وحدها من القوة ما يكفي لتحديد الجنسية عَلَى مالها في من التأثير في تهذيب أخلاق المرء. وما يحدد الجنسية في الحقيقة إلا اللغة. فيها وحدها يصبح الإنسان عضواً في جسم الأمة وهي وحدها تخوله الجنسية. فلنتمثل حق التمثيل مكانة اللغة للفرد وحظها في تكوين وجوده وفكره وشعوره ومظهره الإنساني. باللغة يتكيف نظر الإنسان حسب نظر الشعب الذي هذبه ورقاه وأودع فيه وفي تركيبه أدق حركاته الفكرية وارق خصائص عالم تصوراته، باللغة يصبح الإنسان ابن الشعب ووارث مفكريه وشعراءه ومؤدبيه وقادته، باللغة يخفض المرء جناحه لأدبيات الشعب وتاريخيه بفضل ما يؤثران في جميع أفراد ذلك الشعب فيجعلانهم سواء في الشعور والعمل. حقاً إن اللغة لهي الإنسان نفسه. بها يدرك صفات الحوادث الكوني العامة، وبها يؤثر في العالم الخارجي، إلا وأن فرداً واحداً من ملايين الخلق يفكر بذاته ويلبس تأثيرات الحواس عليه صوراً شخصية وسائر الملايين من الخلق تتبع ذلك الفرد عن بعد أو عن كثب، في أفكاره بما وصل إليهم منها بواسطة اللغة. كما أن فرداً واحداً يعمل، ويبث مدركاته في الناس والوجود بأعماله الآمرة، بينا ملايين الخلق تنحصر أقوالها في إظهار ما وصلت إليه

стр. 4866

عقولها من الرقي. فاللغة هي أقوى صلة تجمع بين الناس. وأخوان شقيقان لا يتفاهمان بلغة واحدة تلقاهما غريبين أحدهما عن الآخر أكثر من شخصين غريبين التقا لأول وهلة فتبادلا التحية بلغة واحدة. وقد رأينا الإنكليز وأميركيي الشمال يتشجارون فيما بينهم لاختلاف المصالح ولكنهم سرعان ما يتحدون قلباً وقالباً أمام غير الإنكليز ويشعرون حينئذ بأنهم ابناء أبناء أم واحدة هي (بريطانيا العظمى) ولقد اشتعلت نار الحرب واشتد سعيرها بين الهولنديين والفلمنكيين عام (١٨٣١) وهم اليوم عَلَى وشك عقد اتحاد إخائي كبير. ولما حارب البوير الإنكليز أو لما دافع البوير عن أنفسهم من مطامع إنكلترا السياسية كان قلب الهولانديين يخفق لهم الماص وفرحاً بينما كانت العلائق بين هولاندة وحكومة الرأس (الكاب) قد انقطعت باتاً منذ قرن تقريباً. فلم يمنع استلاف الشرائع والعادات والأخلاق وذكر التاريخ من اشتراك بلجيكا وسويسرا الفرنساويتين (لغة) في الدفاع عن فرنسا في حرب السبعين. وعَلَى الرغم من كره النرويجيين الاحتلال الدنماركي الذي توصلوا إلى التخلص منه أخيراً وبقاء شيءٍ من ذلك الكره إلى أيامنا هذه فقد رأينا النرويجيين إبانوحرب (سلسويك - هولستاين) يتسابقون بحماسة إلى نصرة من لا تجمعهم بهم سوى رابطة صغيرة هي اللغة، وأعظم بها من رابطة. وقد اتى عَلَى اللغة حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً وذلك حين كان الشعب في درك الانحطاط لا وظيفة له غير السخرة وتأدية الضرائب بينما كان الأمر والنهي في ايدي فئة قليلة منالمتسلطين. وكان يومئذ رجل الشعب لا حاجة له باللغة. وماذا تفيده اللغة، الأنين وصب اللعنات أو كتابة مزحات غليظة داخل مغارته؟ إنه لم يكن يختلط بغير رفقائه في القرية وهؤلاء لم يكونوا يعرفوا في اللغة أكثر منه. أما السياحة والاغتراب ورؤية الغرباء فأمر غير معهود. وما كانت حكومة ذاك الوقت تستعمل غير السوط تكلمهم به دون أن تعمد إلى النحو أو معجمات اللغة. وكانت الديار إذ ذاك بلقعاً خالية من المدارس. وكان رجل الشعب المطالب بحق من حقوقه في المحاكم لا يستطيع الإفصاح عما يكنه صدره أمام القاضي فلا يرى ثمة وسيلة غير الاستعانة بمحام يدافع عنه وما كان مأمورو الإدارة ليسفوا إلى مبادلة الشعب الحديث أو مطارحته الشؤون

стр. 4867

وكان الشعب في الكنائس يطفح قلبه بالعواطف التعبدية فلا يقدر عَلَى الإفصاح عنها وذلك لأن الكثلكة كانت تمثل له الإله كسيد كبير أجنبي لا يعبد إلا بلغة أجنبية - اللاتينية - بواسطة قساوسة علماء في تلك اللغة فلم يكن في حاجة للفرد ولا في وسعه أن يخرج من مأزق الحالة الوراثية التي نشأ عليها إلى محيط أفسح مستعيناً بالكلام. وعندما ظهر شيء من الاستقلال في بعض المدن والدساكر أخذ السكان يجتمعون فيتحاورون ويتناقشون في أمورهم وهناك كان للغة دور مهم إذ تفرق الناس شعوباً وقبائل بحسب اختلاف لغاتهم متنازعين فيما بينهم عَلَى السيادة والإمارة. أما طبقة الأشراف فما كانت لتهتم باللغة لأسباب منها أن حقوقهم في السلطة كانت مضمونة لهم منذ ميلادهم. فكانوا سادة امراء دون أن يفتح الواحد منهم فمه أو يجر قلمه. اعتبر ما حصل في ايامنا في إنكلترا التي لا تخلو تقاليد حكومتها الحالية من بعض عادات القرون الوسطى، إذ أن هولاندياً من سلالة (أيقوسي) - اللوردراي - أصبح فجاة سيداً من أشراف إنكلترا أو عضواً في مجلس اللوردات وذلك لخلو عائلته من وارث إنكليزي ذكر يرث هذا اللقب العظيم. . . بمعتنى أنه أصبح ذا حق في الحكم التشريعي في المملكة البريطانية دون أن يكون مواطناً إنكليزياً أو أن يعرف كلمة واحدة من اللغة الإنكليزية!!! ولما كانت بعض الأحوال العامة تضطر الشريف إلى الظهور كان هذا السيد يتكلم باللاتينية أو ينيب عنه أمير سره باستعمالها. في مثل هاتيك الأحوال كانت الجنسيات محدودة لأن اللغة نفسها كانت محدودة أما في أيامنا هذه فقد سارت الأمم شوطاً بعيداً حتى في روسيا والعثمانية فالفرد اليوم حر وله حق - مهما كانت منزلته - إن يرقى ويعلو المنزلة التي شاءت الاقتدار أن يولد فيها. أصبح العدل شفهياً والإدارة مفتحة الأبواب لكل الناس تقبلهم في أحضانها وتساندهم بتعليماتها، وكذا المدرسة والجيش. وقد سهلت البرتستنتية عَلَى الشعب عبادة ربه بلغته واستماع التعاليم والمواعظ الدينية بها. فصارت مزاولة الكلام لازمة لكل حرفة ومهنة حتى اضطر أعاظم رجال الدولة بل الملوك أنفسهم إلى تعود سهولة النطق وارتجال الخطب. وهكذا اكتسبت اللغة مكانة عظمى حتى أن كل عقبة توضع في سبيل استعمالها أو كل ضغط يسهل استعمال غيرها من اللغات الأجنبية يشعر به الفرد كعار ألحق به وامتهان بشرفه.

стр. 4868

إن من يعيش بسكينة بين مواطنيه في دولة يرتبط جميع أعضائها بجنسية واحدة والذي لم يقع له أن خجل من لغته أو أنكرها لا يقدر قيمة تلك الجنسية مثله كمثل الذي لم يشعر بمرض هل تكفي قراءة الأوصاف والأعراض أو قص أنواع الآلام والعذاب عليه لكي يشعر بها ويقدر مكانتها؟. . . أما من عاش في بلد مضطهدة فيه جنسيته ولغته غير لغة الحكومة ويرى نفسه مضطراً لتعلم لغة أجنبية لا يستعملها إلا كأجنبي - هذا إذا لم يشأ أن ينبذ شخصيته أو رفض الوظائف المالية أو التمتع بحقوقه المدنية في تلك الدولة ليعيش كأحد عبيد القرون الوسطى أو كأحد المجرمين المحكوم عليهم بالخروج من حقوقهم المدنية والإنسانية. . . هذا الذي يضطر للخنوع وتعفير الرأس أمام جنسية أجنبية، يقدر مزايا الجنسية الخاصة ويشعر بها! ليس الحرمان من حقوق الشرف التي تحكم بها بعض القوانين بشيء مذكور في جانب الحرمان من استعمال اللغة! ليس تصفيد الأيدي والأرجل بالأغلال بأشد من عقد اللسان! هناك يحاول المرء أن يخرج من سجن نفسه فلا يستطيعّ وتأكد أن في إمكانه أن يكون بليغاً فيرى نفسه مضطراً إلى أن يرطن بلسان أعجمي. بل يرى نفسه محروماً من أقوى الوسائل الفعالة في التأثير في الغير فيشعر بأنه مفلوج مقطع الأوصال! إن المرؤ الذي يعرف نفسه لا يرضى لها مثل تلك الأحوال. ومن ذا الذي يقوى عَلَى إنكار ذاتيته طائعاً مختاراً؟ بل من ذا الذي يرضى بأن يعيش عيشة خالية من أفضل المزايا وأعظمها: وهي استطاعة إبداء مظهري رقية النفساني الشعور والفكر؟ نحن عَلَى يقين بأن الهندي الوثني المعتقد يطرح بنفسه تحت عجلات مركبة (جاغزنات) طمعاً في أن يحيا حياة أخرى أنعم وأسعد من الأولى، نعلم علم اليقين أن (الفقير) يأبى استخدام بعض أعضائه ويعيش سنين عديدة كنصف إنسان أو كإنسان متنبت وذلك لأنه يجد من نفسه دافعاً ومن النعيم الموعود به مشجعاً إن هم قدم حياته لله قرباناً ولكنا لا نقدر أن نتصور أولئك الذين يولون لجنسيتهم الأدبار ويرضون باستعمال لغة أجنبية يرطنون بها طوال حياتهم بين استهزاء الآخرين بهم وخجلهم الدائم من أنفسهم وأما الذين يأتون بضحية مثل هذه جنباً أو عجزاً أو عن حماقة فعندي غنهم يستحقون الشفقة إلا الذين ينبذون لغتهم أي - أنانيتهم - وذاتيتهم المفكرة ويتسربون إلى أهاب أجنبي طمعاً بنيل بعض المآرب فأولئك هم

стр. 4869

المذمومون الممقوتون بل هم أذل (السكويزي) الروسيين الذين يخصون أنفسهم لاعتقاد ديني أما الأولون فيخصون أنفسهم عقلياً طمعاً بمال أو بما يوازيه. . حقاً إننا لا نجد كلمة تقوم بوصف هذا الانحطاط الأخلاقي. ومن حسن حظ الإنسانية وشرفها أن أولئك الأنذال هم الأقلون. إذ الأكثرية تتمسك بلغتها وتذب عن جنسيتها كما تذب عن حياتها. إن للشعب المتسلط أن يشرع قانوناً يجعل به لغته لغة الدول ويسقط لغة المغلوبين عَلَى أمرهم حتى تصبح خليطاً عامياً للسوقة لا يدخل المدارس ولا الكنائس ولا المحاكم ولا المجالس. فإن كانت هذه اللغة راقية أو منتشرة في بلاد أخرى، ذات أدبيات وحظ واف في التعبير عن مظاهر الفكر سواء في السياسة أو في العلم فإنها لن تخضع لهذا العار. إذ تصبح الجنسية المضطهدة عدوة الشعب المضطهد تعض كغه الذي يحاول أن يكمها به وتصيح مستصرخة تريد التكلم الذي يأباه عليه غاصبها وبعد اليأس تحاول أن تهدم بنياناً سياسياً كان سجنها عوضاً عن أن يكون ملجأها. قال أحد الهزليين الفرنسيس: لا وسيلة في الدنيا تقنع رجلاً تام العقل باون يسلمك رأسه لتخز بالمصقلة (الغيلوتين) ونحن نقول بانه لا شريعة في الدنيا تقوى عَلَى إقناع أو إرغام شعب راق يشعر بوجوده أن يتنزل عن لغته وعبقريته. والدولة المؤلفة من جنسيات شتى لا بدأن تقع في منازعات وحروب داخلية لا تستأصل إلا بوسائل راديكالية أي إصلاحية مطلقة أهمها (اللامركزية) المطلقة بأوسع معانيها. لكنها ويا للأسف لم تخرج عن نظرية معقولة تخيلها بعض الساسة ولا يمكن تطبيقها عَلَى مجرى الأحوال. وليتصور القارئ إلى أي درجة يجب أن تصل اللامركزية، لكي ترضي جميع الجنسيات في دولة واحدة ويلزمنا أن نعرض لكل فرد الحق بتقلد الوظائف العامة في جميعه جهات الوطن وأن يشترك في الحقوق المسماة (بحقوق الإنسان وحقوق الوطني) دون أن يضطر إلى استعمال لغة غير لغة آبائه وأجداده فيجب والحالة هذه أن تستعمل في المصالح الإدارية - من مكتب البريد في القرية إلى النظارة - والعدلية - من قاضي الصلح إلى محكمة التمييز - جميع اللغات المتكلم بها في تلك الدولة وهكذا يجب استعمال جميع هذه اللغات في المجالس النيابية - سواء في ذلك القرى والأقضية والولايات - كما يجب أيضاً تأسيس مدارس ابتدائية وثانوية وعالية لكل شعب وبالاختصار ألا يضطر أحد لتعلم لغة غير لغته لنيل ما يناله

стр. 4870

مواطنوه الآخرون فهل يمكن القيام بكل هذه الواجبات؟ اللهم هذا الأمر مما يستلزم تقسيم الدول إلىأجزاء صغيرة ليس بينها أقل رابطة محسوسة، إن مساواة تامة كهذه بين شعوب مختلفة في ظل دولة واحدة ليست ممكنة إلا بين أمتين فقط، متساويتين قوة كما هو الحال في بلجيكا حيث يوجد عشر أو اثنتا عشر أمة كما هو الحال في دو لة النمسا والمجر - مختلفات في اللغة وفي العدد وفي المعارف لا صلة بينها، متداخلة بعضها في بعض إذ ترى في القرية الواحدة ثلاث أو أربع أجناس ولغات وفي الولاية أكثر من ذلك. ولا بد لدولة كهذه من لغة رسمية والشعب الذي تكون لغته هي الرسمية يصبح وحده حاكم البلاد. وهكذا تعدم المساواة التامة وتمتهن الشعوب الأخرى فتعيش عيشة منحطة. هناك ترى بين الأفراد الوطني التام ونصف الوطني ذاك تطلق الشريعة لسانه وهذا تقضي عليه نفس الشرعة بالبكم. ومن يذكر تلك الأسطورة الألمانية (خرافة الغرايب السبعة) التي جاء فيها أن ابنة منعت من التكلم مدة سبع سنوات وأن شعباً كاملاً حرم من أبسط حقوق الإنسانية وأعلاها يجد أن هذه الخرافة أصبحت إدارة سياسية في أحوال لا تطاق كالتي وصفناها. يعتقد بعض الخياليين من رجال السياسة أنه سيأتي عَلَى الإنسانية المتمدنة يوم لا ترى فيه من حاجة إلى الأوضاع الدولية الكبرى إذ لا حرب ولا أمور خارجية: هناك يؤلف الناس جماعات كبرى أشبه بعائلات كبيرة أو جمعيات محدودة يتمتع فيها الفرد بحريته لترقية نفسه ويتكفل جميع أعضائها بالمساعدة الأدبية والمادية الضرورية لحياة الإنسان ويكون كل جماعة مستقلين عن الآخرين إلا في المشاريع النافعة واللازمة لجماعات متعددة والتي لا يستطيع القيام بها منفردات فتتفق إذ ذاك تلك الجماعات اتفاقاً وقتياً خاصاً بالعرض والطلب. وحينئذ تلغى الجنسيات لأن الجماعات المستقلة تكون صغيرة جداً ومؤلفة خاصة من أفراد يتفاهمون بلغة واحدة. وقبل أن أقتنع بإمكان تطبيق هذه النظرية في المستقبل فأنا أفضل نظرية أخرى وهي أن البشر ماداموا سائرين في طريق النشوء العضوي لا بد أن يستغنوا ذات يوم عن اللغة وعن الحركات الرمزية للإفصاح عن مشاعرهم فتقوم مقامها حركة ذات الرؤوس التي ستخاطب الأرؤس الأخرى مباشرة بنوع من الإشعاع أو التنقل المستمر! إني لأضع هذا النشوء الروحاني و١اك التقهقر الدولي في مستو واحد من حيث
следующие страницы →