← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

عقولها من الرقي. فاللغة هي أقوى صلة تجمع بين الناس. وأخوان شقيقان لا يتفاهمان بلغة واحدة تلقاهما غريبين أحدهما عن الآخر أكثر من شخصين غريبين التقا لأول وهلة فتبادلا التحية بلغة واحدة. وقد رأينا الإنكليز وأميركيي الشمال يتشجارون فيما بينهم لاختلاف المصالح ولكنهم سرعان ما يتحدون قلباً وقالباً أمام غير الإنكليز ويشعرون حينئذ بأنهم ابناء أبناء أم واحدة هي (بريطانيا العظمى) ولقد اشتعلت نار الحرب واشتد سعيرها بين الهولنديين والفلمنكيين عام (١٨٣١) وهم اليوم عَلَى وشك عقد اتحاد إخائي كبير. ولما حارب البوير الإنكليز أو لما دافع البوير عن أنفسهم من مطامع إنكلترا السياسية كان قلب الهولانديين يخفق لهم الماص وفرحاً بينما كانت العلائق بين هولاندة وحكومة الرأس (الكاب) قد انقطعت باتاً منذ قرن تقريباً. فلم يمنع استلاف الشرائع والعادات والأخلاق وذكر التاريخ من اشتراك بلجيكا وسويسرا الفرنساويتين (لغة) في الدفاع عن فرنسا في حرب السبعين. وعَلَى الرغم من كره النرويجيين الاحتلال الدنماركي الذي توصلوا إلى التخلص منه أخيراً وبقاء شيءٍ من ذلك الكره إلى أيامنا هذه فقد رأينا النرويجيين إبانوحرب (سلسويك - هولستاين) يتسابقون بحماسة إلى نصرة من لا تجمعهم بهم سوى رابطة صغيرة هي اللغة، وأعظم بها من رابطة. وقد اتى عَلَى اللغة حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً وذلك حين كان الشعب في درك الانحطاط لا وظيفة له غير السخرة وتأدية الضرائب بينما كان الأمر والنهي في ايدي فئة قليلة منالمتسلطين. وكان يومئذ رجل الشعب لا حاجة له باللغة. وماذا تفيده اللغة، الأنين وصب اللعنات أو كتابة مزحات غليظة داخل مغارته؟ إنه لم يكن يختلط بغير رفقائه في القرية وهؤلاء لم يكونوا يعرفوا في اللغة أكثر منه. أما السياحة والاغتراب ورؤية الغرباء فأمر غير معهود. وما كانت حكومة ذاك الوقت تستعمل غير السوط تكلمهم به دون أن تعمد إلى النحو أو معجمات اللغة. وكانت الديار إذ ذاك بلقعاً خالية من المدارس. وكان رجل الشعب المطالب بحق من حقوقه في المحاكم لا يستطيع الإفصاح عما يكنه صدره أمام القاضي فلا يرى ثمة وسيلة غير الاستعانة بمحام يدافع عنه وما كان مأمورو الإدارة ليسفوا إلى مبادلة الشعب الحديث أو مطارحته الشؤون

стр. 4867

وكان الشعب في الكنائس يطفح قلبه بالعواطف التعبدية فلا يقدر عَلَى الإفصاح عنها وذلك لأن الكثلكة كانت تمثل له الإله كسيد كبير أجنبي لا يعبد إلا بلغة أجنبية - اللاتينية - بواسطة قساوسة علماء في تلك اللغة فلم يكن في حاجة للفرد ولا في وسعه أن يخرج من مأزق الحالة الوراثية التي نشأ عليها إلى محيط أفسح مستعيناً بالكلام. وعندما ظهر شيء من الاستقلال في بعض المدن والدساكر أخذ السكان يجتمعون فيتحاورون ويتناقشون في أمورهم وهناك كان للغة دور مهم إذ تفرق الناس شعوباً وقبائل بحسب اختلاف لغاتهم متنازعين فيما بينهم عَلَى السيادة والإمارة. أما طبقة الأشراف فما كانت لتهتم باللغة لأسباب منها أن حقوقهم في السلطة كانت مضمونة لهم منذ ميلادهم. فكانوا سادة امراء دون أن يفتح الواحد منهم فمه أو يجر قلمه. اعتبر ما حصل في ايامنا في إنكلترا التي لا تخلو تقاليد حكومتها الحالية من بعض عادات القرون الوسطى، إذ أن هولاندياً من سلالة (أيقوسي) - اللوردراي - أصبح فجاة سيداً من أشراف إنكلترا أو عضواً في مجلس اللوردات وذلك لخلو عائلته من وارث إنكليزي ذكر يرث هذا اللقب العظيم. . . بمعتنى أنه أصبح ذا حق في الحكم التشريعي في المملكة البريطانية دون أن يكون مواطناً إنكليزياً أو أن يعرف كلمة واحدة من اللغة الإنكليزية!!! ولما كانت بعض الأحوال العامة تضطر الشريف إلى الظهور كان هذا السيد يتكلم باللاتينية أو ينيب عنه أمير سره باستعمالها. في مثل هاتيك الأحوال كانت الجنسيات محدودة لأن اللغة نفسها كانت محدودة أما في أيامنا هذه فقد سارت الأمم شوطاً بعيداً حتى في روسيا والعثمانية فالفرد اليوم حر وله حق - مهما كانت منزلته - إن يرقى ويعلو المنزلة التي شاءت الاقتدار أن يولد فيها. أصبح العدل شفهياً والإدارة مفتحة الأبواب لكل الناس تقبلهم في أحضانها وتساندهم بتعليماتها، وكذا المدرسة والجيش. وقد سهلت البرتستنتية عَلَى الشعب عبادة ربه بلغته واستماع التعاليم والمواعظ الدينية بها. فصارت مزاولة الكلام لازمة لكل حرفة ومهنة حتى اضطر أعاظم رجال الدولة بل الملوك أنفسهم إلى تعود سهولة النطق وارتجال الخطب. وهكذا اكتسبت اللغة مكانة عظمى حتى أن كل عقبة توضع في سبيل استعمالها أو كل ضغط يسهل استعمال غيرها من اللغات الأجنبية يشعر به الفرد كعار ألحق به وامتهان بشرفه.

стр. 4868

إن من يعيش بسكينة بين مواطنيه في دولة يرتبط جميع أعضائها بجنسية واحدة والذي لم يقع له أن خجل من لغته أو أنكرها لا يقدر قيمة تلك الجنسية مثله كمثل الذي لم يشعر بمرض هل تكفي قراءة الأوصاف والأعراض أو قص أنواع الآلام والعذاب عليه لكي يشعر بها ويقدر مكانتها؟. . . أما من عاش في بلد مضطهدة فيه جنسيته ولغته غير لغة الحكومة ويرى نفسه مضطراً لتعلم لغة أجنبية لا يستعملها إلا كأجنبي - هذا إذا لم يشأ أن ينبذ شخصيته أو رفض الوظائف المالية أو التمتع بحقوقه المدنية في تلك الدولة ليعيش كأحد عبيد القرون الوسطى أو كأحد المجرمين المحكوم عليهم بالخروج من حقوقهم المدنية والإنسانية. . . هذا الذي يضطر للخنوع وتعفير الرأس أمام جنسية أجنبية، يقدر مزايا الجنسية الخاصة ويشعر بها! ليس الحرمان من حقوق الشرف التي تحكم بها بعض القوانين بشيء مذكور في جانب الحرمان من استعمال اللغة! ليس تصفيد الأيدي والأرجل بالأغلال بأشد من عقد اللسان! هناك يحاول المرء أن يخرج من سجن نفسه فلا يستطيعّ وتأكد أن في إمكانه أن يكون بليغاً فيرى نفسه مضطراً إلى أن يرطن بلسان أعجمي. بل يرى نفسه محروماً من أقوى الوسائل الفعالة في التأثير في الغير فيشعر بأنه مفلوج مقطع الأوصال! إن المرؤ الذي يعرف نفسه لا يرضى لها مثل تلك الأحوال. ومن ذا الذي يقوى عَلَى إنكار ذاتيته طائعاً مختاراً؟ بل من ذا الذي يرضى بأن يعيش عيشة خالية من أفضل المزايا وأعظمها: وهي استطاعة إبداء مظهري رقية النفساني الشعور والفكر؟ نحن عَلَى يقين بأن الهندي الوثني المعتقد يطرح بنفسه تحت عجلات مركبة (جاغزنات) طمعاً في أن يحيا حياة أخرى أنعم وأسعد من الأولى، نعلم علم اليقين أن (الفقير) يأبى استخدام بعض أعضائه ويعيش سنين عديدة كنصف إنسان أو كإنسان متنبت وذلك لأنه يجد من نفسه دافعاً ومن النعيم الموعود به مشجعاً إن هم قدم حياته لله قرباناً ولكنا لا نقدر أن نتصور أولئك الذين يولون لجنسيتهم الأدبار ويرضون باستعمال لغة أجنبية يرطنون بها طوال حياتهم بين استهزاء الآخرين بهم وخجلهم الدائم من أنفسهم وأما الذين يأتون بضحية مثل هذه جنباً أو عجزاً أو عن حماقة فعندي غنهم يستحقون الشفقة إلا الذين ينبذون لغتهم أي - أنانيتهم - وذاتيتهم المفكرة ويتسربون إلى أهاب أجنبي طمعاً بنيل بعض المآرب فأولئك هم

стр. 4869

المذمومون الممقوتون بل هم أذل (السكويزي) الروسيين الذين يخصون أنفسهم لاعتقاد ديني أما الأولون فيخصون أنفسهم عقلياً طمعاً بمال أو بما يوازيه. . حقاً إننا لا نجد كلمة تقوم بوصف هذا الانحطاط الأخلاقي. ومن حسن حظ الإنسانية وشرفها أن أولئك الأنذال هم الأقلون. إذ الأكثرية تتمسك بلغتها وتذب عن جنسيتها كما تذب عن حياتها. إن للشعب المتسلط أن يشرع قانوناً يجعل به لغته لغة الدول ويسقط لغة المغلوبين عَلَى أمرهم حتى تصبح خليطاً عامياً للسوقة لا يدخل المدارس ولا الكنائس ولا المحاكم ولا المجالس. فإن كانت هذه اللغة راقية أو منتشرة في بلاد أخرى، ذات أدبيات وحظ واف في التعبير عن مظاهر الفكر سواء في السياسة أو في العلم فإنها لن تخضع لهذا العار. إذ تصبح الجنسية المضطهدة عدوة الشعب المضطهد تعض كغه الذي يحاول أن يكمها به وتصيح مستصرخة تريد التكلم الذي يأباه عليه غاصبها وبعد اليأس تحاول أن تهدم بنياناً سياسياً كان سجنها عوضاً عن أن يكون ملجأها. قال أحد الهزليين الفرنسيس: لا وسيلة في الدنيا تقنع رجلاً تام العقل باون يسلمك رأسه لتخز بالمصقلة (الغيلوتين) ونحن نقول بانه لا شريعة في الدنيا تقوى عَلَى إقناع أو إرغام شعب راق يشعر بوجوده أن يتنزل عن لغته وعبقريته. والدولة المؤلفة من جنسيات شتى لا بدأن تقع في منازعات وحروب داخلية لا تستأصل إلا بوسائل راديكالية أي إصلاحية مطلقة أهمها (اللامركزية) المطلقة بأوسع معانيها. لكنها ويا للأسف لم تخرج عن نظرية معقولة تخيلها بعض الساسة ولا يمكن تطبيقها عَلَى مجرى الأحوال. وليتصور القارئ إلى أي درجة يجب أن تصل اللامركزية، لكي ترضي جميع الجنسيات في دولة واحدة ويلزمنا أن نعرض لكل فرد الحق بتقلد الوظائف العامة في جميعه جهات الوطن وأن يشترك في الحقوق المسماة (بحقوق الإنسان وحقوق الوطني) دون أن يضطر إلى استعمال لغة غير لغة آبائه وأجداده فيجب والحالة هذه أن تستعمل في المصالح الإدارية - من مكتب البريد في القرية إلى النظارة - والعدلية - من قاضي الصلح إلى محكمة التمييز - جميع اللغات المتكلم بها في تلك الدولة وهكذا يجب استعمال جميع هذه اللغات في المجالس النيابية - سواء في ذلك القرى والأقضية والولايات - كما يجب أيضاً تأسيس مدارس ابتدائية وثانوية وعالية لكل شعب وبالاختصار ألا يضطر أحد لتعلم لغة غير لغته لنيل ما يناله

стр. 4870

مواطنوه الآخرون فهل يمكن القيام بكل هذه الواجبات؟ اللهم هذا الأمر مما يستلزم تقسيم الدول إلىأجزاء صغيرة ليس بينها أقل رابطة محسوسة، إن مساواة تامة كهذه بين شعوب مختلفة في ظل دولة واحدة ليست ممكنة إلا بين أمتين فقط، متساويتين قوة كما هو الحال في بلجيكا حيث يوجد عشر أو اثنتا عشر أمة كما هو الحال في دو لة النمسا والمجر - مختلفات في اللغة وفي العدد وفي المعارف لا صلة بينها، متداخلة بعضها في بعض إذ ترى في القرية الواحدة ثلاث أو أربع أجناس ولغات وفي الولاية أكثر من ذلك. ولا بد لدولة كهذه من لغة رسمية والشعب الذي تكون لغته هي الرسمية يصبح وحده حاكم البلاد. وهكذا تعدم المساواة التامة وتمتهن الشعوب الأخرى فتعيش عيشة منحطة. هناك ترى بين الأفراد الوطني التام ونصف الوطني ذاك تطلق الشريعة لسانه وهذا تقضي عليه نفس الشرعة بالبكم. ومن يذكر تلك الأسطورة الألمانية (خرافة الغرايب السبعة) التي جاء فيها أن ابنة منعت من التكلم مدة سبع سنوات وأن شعباً كاملاً حرم من أبسط حقوق الإنسانية وأعلاها يجد أن هذه الخرافة أصبحت إدارة سياسية في أحوال لا تطاق كالتي وصفناها. يعتقد بعض الخياليين من رجال السياسة أنه سيأتي عَلَى الإنسانية المتمدنة يوم لا ترى فيه من حاجة إلى الأوضاع الدولية الكبرى إذ لا حرب ولا أمور خارجية: هناك يؤلف الناس جماعات كبرى أشبه بعائلات كبيرة أو جمعيات محدودة يتمتع فيها الفرد بحريته لترقية نفسه ويتكفل جميع أعضائها بالمساعدة الأدبية والمادية الضرورية لحياة الإنسان ويكون كل جماعة مستقلين عن الآخرين إلا في المشاريع النافعة واللازمة لجماعات متعددة والتي لا يستطيع القيام بها منفردات فتتفق إذ ذاك تلك الجماعات اتفاقاً وقتياً خاصاً بالعرض والطلب. وحينئذ تلغى الجنسيات لأن الجماعات المستقلة تكون صغيرة جداً ومؤلفة خاصة من أفراد يتفاهمون بلغة واحدة. وقبل أن أقتنع بإمكان تطبيق هذه النظرية في المستقبل فأنا أفضل نظرية أخرى وهي أن البشر ماداموا سائرين في طريق النشوء العضوي لا بد أن يستغنوا ذات يوم عن اللغة وعن الحركات الرمزية للإفصاح عن مشاعرهم فتقوم مقامها حركة ذات الرؤوس التي ستخاطب الأرؤس الأخرى مباشرة بنوع من الإشعاع أو التنقل المستمر! إني لأضع هذا النشوء الروحاني و١اك التقهقر الدولي في مستو واحد من حيث

стр. 4871

جواز الوقوع ولئن سلمنا جدلاً بإمكان حصول أحد هذين الحلين فهل نسلم بان الزمن اللازم لذلك قريب كما يدعون؟ كلا إنه لأبعد مما يتوهمون ولا جرم بأن الأمم المضغوط عليها لن تقتنع بهذا كما أنها لن تسلم باستعمال لغة عامة. قد يمكن أن يستعمل بعض العلماء الراقين في الإنسانية جمعاء لغة واحدة عامة لتبادل الأفكار فيما بينهم. ولكن من الصعب التصديق لان أقواماً متفرقين يتحدون عَلَى تعليم هذه (اللغة المدرسية) لغة العلم ويخنعون لحكمها وسلطانها إذا أراد الراقون في أمته أن يلقنوا الشبيبة أسرار العلم أو يريدوهم عَلَى أمر خطير أو يبدوا لهم ما توحيه ضمائرهم من تحليل أو تحريم فلا يلجئون قط إلى إلباس أفكارهم ثوب تلك اللغة الأجنبية التي تحرف أوضاعها، وتغير شكلها، وتضيق عليهم نطاق حريتهم. بقي أمامنا دحض ما تقدم وسيلة واحدة من الوسائل الراديكالية الآنفة الذكر ألا وهي استعمال الشدة: إن أعمال التذبذب والتجارب الناقصة والضغط الضعيف قلما تفيد شيئاً في هذا الباب. لاسيما إذا كان المقصود اغتصاب ملك أسياسي قديم يحتوي عَلَى جزء جوهري من الذاتي كاللغة فالتنازع لأجل اللغة ليس إلا شكلاً آخر لتنازع البقاء فيجب أن يعتبر مثله: غما أن تقتل عدوك وإما تقتل أو أن تنهزم! وتنازع الجنسيات ليس إلا تكملة لحادث ظهر منذ قرون بل منذ ألوف السنين ثم سكنت ثائرته مدة فقام اليوم من رقدته ومشى مشية سريعة نحو الختام. ولسائل أن يسأل كيف اختلطت الجنسيات المختلفة وتدخلت بعضها في بعض؟ وهناك الجواب: دخل شعب غازياً بلاد شعب آخر فلم يطرده منه بتاتاً بل بقيت فئات من الشعب المغلوب بين الشعب الغالب، أو أن الشعب الغالب كان أقل عدداً من الشعب المغلوب فلم يبق منه إلا فئة قليلة. هنالك يشتد التنازع بعد أن كان ساكناً فيضطر الشعب الغالب لأن يستجمع آخر قواه ليدفع عنه الشعب المقهور أو أن يعدمه ادبياً بحرمانه من لغته بالقوة الوحشية اللهم إلا إذا نهض الشعب المغزو فجأة مدافعاً عن نفسه فيطرد الغازين خارج بلاده أو يضطرهم إلى نبذ جنسيتهم. ولقد تأتي الحوادث عَلَى صورة أخرى كان ينزح فريق من شعب عن ديارهم لأنها لا تكفي لعيشهم فيقطنون دياراً غيرها. فإن كانت هذه الديار خالية في الماضي ثم شاركهم في احتلالها مهاجرون من شعوب أخرى فللمحتلين الأولين أو يعتبروا الجهاد في سبيل لغتهم

стр. 4872

جزءاً من جهادهم في تمهيد العقبات الطبيعية إذ أرادوا إنشاء دولة تكون لهم ملجأً حصيناً ويجب عليهم حينئذ أن يدافعوا عن أنفسهم خصومهم كما يفعلوا بالمستنقعات والسيول والثلوج والمنحدرات والحمر والوحوش الضارية والجوع والبرد وأن يعتبروا المعيشة الطيبة التي لم يظفروا بها في بلادهم والتي صادفوها في غير وطنهم كثمرة لتغلبهم عَلَى جميع العقبات الطبيعية البشرية بعد أن عرضوا في سبيلها حياتهم. أما إذا كانت البلاد التي استوطنوها آهلة من قبل فيجب عليهم أن يعرفوا الشروط التي بها نالوا الضيافة. فإن كزان من تلك الشروط أن ينبذوا جنسيتهم وكانوا قد رضوا بذلك فضعفهم وجبنهم لا يستحقان الشفقة. ولمضيفيهم أن يرغموهم عَلَى التنازل عن لغتهم وذاتيتهم لقاء الخبز الذي يجودون به عليهم. وغ١ذا كانوا قد احتلوا جزءاً من بلاد أجنبية دون أن يؤدوا ثمناً شائناً لها الاحتلال فيقتضي أن يكون عندهم الآن من الإدارة والقوة ما يمكنهم مما كان يجب عليهم فعله في بدء احتلالهم لو قوبلوا بالعداء فأما أن يبرحوا الأرض حالاً وأما أن يغتصبوا بحد السيف قطعة من البلاد أو أن يقعوا في تيهور كانوا عاجزين عن الخروج منه. عَلَى هذه الصورة تتمثل أمامي مسالة الجنسيات فهي كالفصل الخامس الأخير لقصص تاريخية محزنة بجا بعضها من زمن هجرة الشعوب وأكثرها بعد ذلك بكثير وقد طالت فترة ما بين الفصول لكنها لن تدوم، فالستار ارتفع والكارثة عَلَى وشك الوقوع، إنها ستكون شديدة قاسية وكذا تكون مقادير كل كائن حي إذ الحياة جهاد لا رحمة فيه. وليست هذه مسالة حقوق بل مسالة قوة في أعَلَى وأعظم معانيها. وما من حق يضطر الكائن الحي للتنازل عن الأسباب الضرورية لحياته، ولا يمكن ذلك إلا بالقوة، والقوة تسبب الدفاع والممانعة. وهل يطلب من الأسد أن يبرز صكاً يخوله الحق في افتراس الحمل. السد يغتصب الحمل اضطراراً وهذا مبدأ حقه في افتراسه. لا جرم أن للحمل الحق بقتل الأسد إن قدر عليه. . . وحيثما تكون الحياة أو يماثلها معرضة للخطر يتساوى الحق بالقوة وهذا ظاهر حتى أن الشرائع البشرية جميعها تبيح للفرد الدفاع عن نفسه أي أنها تسمح له في بعض الأحوال أن يستعمل القوة في الدفاع عن حقه. أوليست الحرب حالة من حالات الدفاع عن النفس بين الشعوب لا بين الأفراد؟ إذ رأى الشعب ما هو ضروري له مد يده لامتلاكه وحقه في هذا الشيء هو عين الحق الذي للسد في افتراس الحمل. فإذا شاء شعب

стр. 4873

آخر منعه فيجب عليه إذن أن يعارضه بالقوة بنفس الحق الذي له أيضاً. ولا وجه للمغلوب بالتشكي مادام له الحق بإعادة الكرة مرة أخرى. فإن قهر نهائياً وأضاع الأمل بالقوة في المستقبل وجب عليه أن عن القضاء قائلاً: خلقت حملاً فيجب أن أعيش عيش الحمل، حبذا لو كنت أسداً! ولكن من الحمق مشاكسة الفطرة لأنها لم تخلقني أسداً. إن الشعب الذي يراد نزع لسانه لهو في حال الدفاع الشرعي ذو حق في المناضلة عن أثمن ملك لديه. لكن إذا لم يك قادراً عَلَى الدفاع فلا يحق له التذمر والشكوى. كما أن للشعب المتسلط أن لا يدع الضعف يتطرق إلى لغته بوجود لغة أخرى في البلاد وأن لا يسمح بما من شأنه أن يقلق راحته في المستقبل. فإن لم يقدر عَلَى خحفظ حقه بالقوة فعليه أن يعترف للشعب الآخر بتساوي الحقوق فيما بينهما وأن يهبط عن تلك المنزلة العليا منزلة الشعب المتحكم، وإن كان تحكمه شرطاً من شروط حياته فاحكم عليه بالهلاك. وغني لأطبق هذا الحكم بدون تحيز عَلَى جميع الجنسيات المتنازعة كالألمان في هنغاريا وبوهيميا وكالدنماركيين في مقاطعة شلسويك الشمالية وكالبولونيين في بوزن وكالرومانيين في ترانسلفانيا وكالإيطاليين في طارانت. للخمسة ملايين من المجر في هنغارايا الحق بصبغ الحد عشر مليوناً من الشعوب الأخرى بصبغة المجرية، فهم يتمون الفتح الذي بدئ به سنة ٨٨٤ من عهد (إرباد) ولكن للألمانيين والسلافيين والرومانيين في هنغارايا نفس الحق في الدفاع عن أنفسهم وإن قووا يوماً عَلَى المجر ونزعوا عنهم جنسيتهم فليس لهؤلاء إلا أن يقبلوا ما كخبأ لهم القدر الذي قادهم منذ ألف عام إلى النزول عَلَى بلاد أجنبية كادوا يخسرون فيها حياتهم. وللتشيك أيضاً الحق بتأليف دولة مستقلة لا يقبلون فيها أحداً من الألمان وهكذا يستعيدون عهد الوقاع الدامية التي حدثت في مارش وفي الجبال البيضاء وللألمان الحق بأن يقاوموا بقوى أشد من أقوى التشيك ويصلوهم حرباً ثالثة تبرهن لهم أنهم ليسوا أقوياء عَلَى فتح بلاد خلوها منذ اثني عشر قرناً دون مقاومة. لا بد لوربا أن ترى مرجل الجنسيات ينفجر انفجاراً عظيماً هائلاً عندما يأتي دور تصفية الحساب والفرق المتبعثرة من كل شعب إما أن ترجع إلى أصلها فلتف حوله وإما أن تستصرخه وتستنجده فتنتصر بمعونته عَلَى الشعوب التي تستبد بها. ومصير الشعوب الصغيرة التي اكتسحت بلاداً بالاشتراك مع غيرها إلى الزوال إن لم يكن لها من قومها

стр. 4874

عضد قوي يساعدها عَلَى الثبات أمام جيرانها الأقوياء. هناك لا تثبت إلا الأمم الكبرى، ومن الأمم الصغرى من تستطيع تاسيس دولة مستقلة بطرد أو محو سائر العناصر الأجنبية التي تعيش بينها. وقد لا يمضي القرن العشرون قبل أن يشاهد ختام هذا المشهد التاريخي. بل سترى أوروبا منذ الآن إلى ذلك اليوم العصيب شروراً كثيرة ودماءً مهدورة ومظالم عديدة وقساوة بربرية فستمحى شعوب وتمحى أقوام بدون رحمة ولا شفقة. وتبدوا أمام هذا التسفل البشري مظاهر شجاعة عالية: هنا شراذم أنذال يخضعون أدبياً بدون مقاومة وهناك أبطال يشربون كاس الردى ممزوجة بالعز والشرف. وبعد كل ذلك تتمتع الأمم الباقية بحقوقها الوطنية لا يرون فيها غير أنفسهم. إنها لنظرات مرعبة تتراءى لنا لكنها قلما تخيف من استعد لتحمل قساوة ناموس الحياة العام: الحياة جهاد وقوة الحياة تكسب الحق فيها. وهذا الناموس سار عَلَى الشموس في الأفلاك كما هو سار عَلَى المكروبات في مياه المستنقعات وهو جار أيضاً عَلَى الشعوب يدير مقاديرها إدارة لا تقوى عَلَى تغييرها شريعة غاشة ولا سياسة قادرة ولا مصلحة ملكية ولا خبث أنذال ولا تلاعب لؤماء. ولقد تدمع عين ذي العاطفة حينما يرى شعباً يجود بنفسه. أما ذو العقل فيعترف بأن هذا الشعب هلك لأنه لم يكن ذا قوة تكفيه للحياة ثم يضع هذا الشعب بين الأشكال البيولوجية (الحيوية) المغلوبة عَلَى أمرها والتي مر عليها نشوء الكون.

стр. 4875

نقد كتاب البنين لا تتجاوز عدد الكتب التي عربت في سورية منذ انتشار حرية المطبوعات عدد الأنامل وكتاب البنين تأليف بول دومر من رجال السياسة الفرنسوية هو من أنفع الكتب ولذلك أحسن عبد الغني أفندي العريسي أحد صاحبي جريدة المفيدة في نقله إلى هذا اللسان العربي وقد قدمه إلى رفيق بك العظم فقدم له صديقنا هذا مقدمة في علم الأخلاق عند العرب وذكر ما كتب فيه علماؤهم وعرب فيه حديثاً إلى لغتهم أجاد فيه كل الإجادة. والكتاب تأليف رجل جرب الأمور فقال عن تجربة أكثر مما يقول عن علم نظري قسمه إلى أبواب الباب الأول في الإدارة والملكة والواجب والإقدام والسعي والعمل وتهذيب الأخلاق والعدل والإخاء والحرية والتسامح وتهذيب العقل وتأثير الأخلاق في الجسم الباب الثاني في ذوي القربى والأرحام والمحبة والوداد والزواج والبنين والسعادة والثراء ونقص الأنفس الباب الثالث في الديمقراطية والدستور والواجبات الوطنية والمساواة في الحقوق وأنواع الحرية والتعليم والتعاون وتدارك البؤس الباب الرابع في حب الوطن والسفسطائيين وهذه الأمة وقوى الوطن والحرب والجنس البشري. لا نعلم الطريقة التي جرى عليها المعرب لأن الكتاب الأصلي غير موجود لدينا لنقابل بين الأصل والفرع ولم نره منذ أن عربنا عنه يوم صدور مقالة في السنة الأولى للمقتبس عَلَى سبيل النموذج ثم رأينا مجلة أنيس الجليس في الإسكندرية قد عربته أو أكثره ونشرته تباعاً والغالب أنها لم تنشره عَلَى حدة وقد لاحظنا المعرب قد التزم التعريب بالمعنى إلا في مواطن اضطر فيها إلى متابعة الأصل فجاء عَلَى تعريبه بعض الجمل شيء من الاضطراب. مثال ذلك تعريبه (ص١٣٥) لأبيات فيكتور هوغو يقوله: عهدنا إ لو ضمنا عمرنا ... ما حبا العمر لسن الأربعين عهدنا إذ يبسم الدهر لنا ... عن ثغور ملؤها عطف ولين عهد أيام كان بها الشتا ... ء علينا كربيع الياسمين وكذلك تعريبه أبيات هوغو أيضاً (ص١٤١) إلهي لا تصب جسمي بسوء ... ولا قومي بشر مستطير ومنّ عَلَى أحبائي بلطفٍ ... وآبائي وإخواني بخير

стр. 4876

ولا ترزأ بمكروه عدوي ... ولو أنحي بمكروه عسير ولا تجعل بلا زهر ربيعاً ... ولا قفص الطيور بلا طيور ولا تدع الفقير بغير نحل ... ولا بيت الفتاة بلا صغير وأسقم من هذا تعريب بيتين لنادو (ص١٢٢) ألا أيها الطفل الودود ألا ارحل ... فأنت من الأوهام حلم تلذ لي زعمت بحب للأميمة صادقاً ... وما حبكم للأمهات بأمثل ومثله في (ص٥٨) خدموا بني أوطانهم فقضوا ... شهداء فيها للوفاء وحبا فذروا الزهور عَلَى رموسهم ... فلقد حكوا بوفاهم العربا وأنت ترى الضعف بادياً في هذه الأبيات وكان عَلَى المعرب أن يعرب المعنى ويكتفي به أو يدفع المعرّب بالحرف إلى شاعر كبير يعربه له بنظم سلس لا غبار عليه فإن الشعر كالموسيقى والخطاب العام والتصوير لا يستحب فيه إلا المفرط في الإجادة كما قال لابروبير العالم الفرنسوي في مقدمة كتاب الأخلاق. ثم أن المعرب أقحم عبارات في متن الكتاب ليست منه كما فعل في صفحة ١٠١ فوقف موقف المؤلف وعدد الكتب التي يجدر بالفتى العربي أن يتلمسها ثم أقحم جملة فيمن وقع اختياره عليهم من رجال العصر الحاضر ومن الشعراء الغابرين والمعاصرين ومن المؤرخين القدماء والمحدثين فهذا الإقحام غير محمود خصوصاً والقارئ يجب أن يرى ما يقول المؤلف فقط أما المعرب فإذا كان له فكر خاص فما عليه إلا أن يؤلف رسالة خاصة في الموضوع تكون أوقع في النفس لأنها تعرب عما خصصت له إذ ربما تغير حكمه الذي أصدره اليوم غداً أو بعد غدٍ وهذا لا يجوز في كتاب الخلاق يتداوله الناس الجيل بعد الجيل. وقد رأينا الكلام مخطوماً (ص٢٦٢) عند كلام المؤلف عَلَى العرب ودنيتهم اكتفى المترجم بوضع بعض أصفار دلالة فيما نحسب عَلَى أن هناك جُملاً لم ينقلها وكان الأولى أن تعرب بالحرف ليطلع عليها القارئ وإذا رأى المعرب أن المؤلف خرج حقيقة عن الصدد يذيل عليه مما يعلم في أسفل الصحيفة فإنة الأمانة تقتضي بأن ننقل الكتاب برمته وإلا فيسمى

стр. 4877

تعريباًَ له مسخاً أو كما يسميه الإفرنج. وقد رأيانا المعرب يتوكأ عَلَى العويص في الأحايين فيستعمل الفصح الجديرة بالاستعمال لتتلقفها ألسنة الطلاب وأقلامهم فيدمجوها في تضاعيف منشآتهم ولذلك جعل في آخر الكتاب جدولاً للألفاظ اللغوية وتفسيرها بما يرادفها. ومع حرصنا عَلَى نشر الفصح كنا نفضل لو عري هذا المعرَّب من كل ما يشوش ذهن القارئ ويحصره في الاستفادة من الفكر الجديد. فبدلاً من أن يعمد الفتى أو الفتاة إلى المعجم ليرى فيه تفسير ما ورد (ص١٥٧) من معنى جلجلان القلب يكتفي المعرب بأن يقول حبة القلب أو سويداؤه وما نخال أحداً من البلغاء القدماء استعمل هذه اللفظة المتنافرة الحروف مثل مشمخر ومستشزرات وسجنجل التي نص عليها علماء البيان وحرضوا عَلَى إطراحها في الاستعمال لمنافاتها الفصاحة ولأن في اللغة ما يقوم مقامها. وقد وقعت للمعرب ألفاظ كررها في الاستعمال مثل تلابيب جمع تلبيب وهو جمع الثياب فاستعملها في استعارة غير لطيفة كقوله (ص٣٠) (التي كتب لمن أخذ بتلابيبها السعادة) وقوله (ص٢٠٤) قائم بين أسرته بتلابيب التهذيب والعلم) وص٢٣٧ (أخذت بتلابيب الترقي). وسقط المعرب عَلَى بعض الاستعمالات البعيدة أو المنافية لروح الفصاحة واللغة مثل قوله (ص٣٢): (لا تجدي لأعصابك) والأحسن تجدي أعصابك. وفي (ص٣٣) (فلا يدع في أعماله للصدفة محالاً) والأولى أن يقال للاتفاق لأن الصدفة لم يرد بهذا المعنى ولذلك خطأوا من قال: في صدف الدهر صدف الدر وفي ص٣٤ لكان بوسعها والأولى أن يقال لكان في وسعها وقد ورد هذا الاستعمال في عدة محال من الكتاب وفي الصفحة نفسها (يفضي إلى فتن مستطيرة ومحن معقودة) وما نظن الصفة الثانية مما سبق استعماله وفي ص٣٧ (تمسك منه مواس الخير) (عمل يخلص عنك لمنفعة الناس) (يدأبون فيها ويلوون عليها) (فيسعى في مصلحة ذرارية) ولفظ مصلحة وقعت للكاتب غير ما مرة وهي من استعمالات جرائد مصر. وفي ص٣٨ (أصبحوا بمكان الظنة والتهمة) ولعله يريد الظنة (لا يحرجون أن يحرجوا في أمرهم ويبرم بهم) (فعَلَى المرءِ متى جبه الواجب مصلحته أن ينأى عنها) ٤٨ (حبابه أن

стр. 4878

يستنيم له الوجدان) ٥٠ (فإن الواجبات تتضارب كثيراً مع بعضها) والأولى بعضها مع بعض ٥١ (فمن كان يستمسك بحذافيره يستمسك بالأثرة الحسنة) ٥٤ (أي رجل كب عَلَى عمله) الأولى أكبَّ ولعله من غلط الطبع الذي وقع كثيراً في الرسم والحركات مثل تشرأب إليها النفوس) والأولى تشرئب ومنها (أن يناوئ كل مكروه ومرزئية ومخوفة) ٥٦ (أخذه رابط الروع) ٥٨ (يجدر أن يكتب عَلَى صفائح ضرائحهم) ٦٥ (فقد أربي فيها رجال القول وأصبحوا بمكان ثقة من البلاغة حتى امتدحوا منذ قرون مدحاً عرفوا كنهه أيام الخور) ٦٦ (لا تدخله سآمة من دؤُب ولا إعياء من لغوب) والإعياء واللغوب يكاد يكون واحداً وإن كان اللغوب أشد الإعياء وفي الصحيح اللغوب التعب والإعياء ومثله في النهاية والغريبين وما ساق اليها إلا التقفية ومثله (بدرت منه بادرت نزاع إلى البطالة) ومثله ١٢٤ (فتق بعائدة من عطف وإحسان من رحمة) ٩٦ (حتى يساهمه بديئة بدءٍ) لعله بادئ بدءٍ أو بدأة ذي بدءٍ ٧٠ (لعملوا وأقدموا حزماً. فإن طيب الحياة ورغد العيش ليس لمن كان غنياً منكم. . . فاعملوا كداً كداً لأنفسيكم ولذويكم ولأمتكم فتروحوا النفس وتسروا الخاطر) جميل ركيكة ولاسيما أقدموا حزباً واعملوا كداً كداً. ٧١ (ومن ثم تطمئن نفسه فلا يستشير ميازين الجو) ٧٢ (وهكذا الحال في النهامة) ٧٨ (فإلى من نزغته نفسه إلى أن يتزيى بما هو ليس من أهله) ٨٠ (ومن الضرورة أن تلحق بهذه المعالي مداني نستنكف منها ونعرض عنها إلا وهي الخلاطة والخلاعة. . .) (فعَلَى الفتيان أن يجزموا فيحترسوا من الخلود إلى هذه الملذات) (لأن من اعتار أن يأكل مطاعم توابلت لا يستلذ بعدها بمطاعم غيرها) ٨٣ (لكنها رواحة للنفس) ٨٧ (واتخذ كل عضوٍ من بني الإنسان أخاً لك توده عَلَى السواء فلا تضمر لأحد منهم وحراً ولا لأية أمة وغراً ولا داعي له ولا سبباً). ٨٨ (نارت نائرتها فحاصت ولا بت حول الأمم) ٩٦ (فالعقيدة أمر خاص بالوجدان يجرح ولو بخفيف المسيس) ٩٩ (ويقدموا بيقظة انتبهاهم عَلَى مستقبلهم) ١٠٠ (ينبغي للمرء أن ينظر فيها نعماً حتى يتشرب عقله بها) ١٠٣ (إن العمل خير علاج لكرائه الحياة) ١٠٨ (فالرياضة واجبة لسداد الجسم نسعى إليها بهمة لا تفتر ولا تستنحر). ١١٠ (ةالممرضات اللاتي يلازمن المصاح فإنهم يتعرضون للأمراض المعدية والأوبئة

стр. 4879

المشؤومة ولا تلحق بهم أذية. . . فمن لم يفتأ عن أن يتداعى المرض ويتوجع نحو إلى المصائب وحواضر النوائب ويحاذر من طوارئ الخطار) ١١٥ (غاب عني هذا الرجل بضعة سنين) ١١٧ (فالأمم العظام والملل الشداد). ١١٩ (يطالب اليوم بعبادة الناس الذي نسل منهم. . . ولم يسلسل آباءه إلى أجداده) ١٢١ (واجب يتحتم علينا منذ نستمد الحياة منها) (وتكآدا (كابدا) الخطار لدواعي صحتك وصليا بالشاق في شؤون تربيتك) ١٢٢ (المودة تضمد جروحات المصائب) الأولى جراح أو جروح. ١٢٣ (سلاماً ورحمة أيها الأبوين! فقد قضيتما الحياة عَلَى القناعة في بيت حقير) (أما داخليني حماسك) حماستك. ١٢٥ (ولا ترأفن بنفسك عن محامد) لعله تربأن ١٢٦ (دينوا أبويكم أيها الناشئون كما داناكم بحب خالص) (سنة مطلق حكمها شديد وطأها (وطؤُها) وودوا فإن الوداد سحية رقيقة الجانب يوقع بها كل ناشئٍ ويواقع أمرها). ١٢٩ (فيحدوا عنه أكاذيب العواطف) (فإن الصبر ليأزر وإن الكراهة مع تداول الأيام لتزول) ١٣٠ (وليكن من الود والعقل إتحاد يسبلك أيها الفتى جنبات الصواب). ١٣١ (عَلَى الرجل أن يأوي يؤوي المرأة تحت جناحه) ١٣٢ (وليس بقصد من إبداع الحياة إيجاد بنين فقط بل تربيتهم وتمكينهم من القيام حقه في شؤون الحياة وجعلهم رجالاً رجالاً). ١٣٢ (إن المرء لا يصدر عن الزواج إلا رجاءَ أن يلقى عن أكتاده مهام الأسرة) ١٣٧ (لم يكن أمهات أو كن إلا أنهن اضطررنا إلى. . . انحطت انحطاطاً ليس بعده من انحطاط) ١٣٨ (وعَلَى المرأة الفرنسية) (إلا وأن الانتظام بين المصاريف (النفقات) والأرباح لأمر تطلبه رفاهية الحياة) ١٣٩ (فتصبح مثل سافل أمرها عرضة لكل المثالب والمعايب). ١٤٣ (أحاجتهم للسعي أشحذوا وأحضأوا نيران شجاعتهم) ١٤٧ (لو لم يثبت ذلك بالبرهان أو بدءٍ) (نوجع أعلاق قلوبهم إلى أمهاتهم ونجعل كعبة ثقتهن فيهن لأن للام تأثيراً عليهم أقوى من تأثيرنا لرقة عواطفها) ١٤٨ (وإن في البنين زروح عظمة تناصب النساء مناصبة تفيدهم وتروضهم عَلَى أعمال الإرادة تحت ظل الأم بدون أن يتفيل حزمهم) ١٤٩

стр. 4880

(وتأهل فأبا البنين يودهم وليس للثراء ولا للفقر يد عَلَى السعادة) (فإن قلت ذات يده عن حوز طيب الحياة فقد شقت عليه حياته وتعاظمته أوقاته. . . لأنه ما دام قاصراً عَلَى تنمية مورده مادام الفقر يدقعه ويذهب من جميل أنسه بأسرته). ١٥٠ (بيد أن الثراء وإن لم تكن به السعادة أداة ذات بال للسعي ببغيته، ولا بدع، سواد الناس، لأن من الحكمة أن يدأب المرء) (إن لا سعي له ولا عمل للحصول عَلَى المال مساق (مسوق) بالطبع مع الذين) ١٥١ (بل عليه أن يكون في كل الأحوال بسيطاً في حياته قائماً (؟) أسرته) (يقنع بما بين يديه ويوافق مورده ومعاشه عَلَى الدقة وتقدير المنزلة فإن من كان مورده مساناة (مسانهة) خمسة آلاف ليرة ومصرفه (نفقته) خمسة آلاف ومئتين وخمسين ليرة كان فقيراً يتدرج إلى السآمة والمشكلات). ١٥٢ (إن من يقطع عن الناس شوابك العلاق علائق الذات والأسرة) ١٥٣ (واعلم أن للعلائق والتعارف مع الناس سيئات أكثر من حسنات) (واقتلوا أوقات فراغكم في المنزل) من التعبيرات الإفرنجية الأولى إبدالها باصرفوا واقطعوا وما شكل ذلك ١٥٤ (ولا تهاملوا في زخرفة الأثاث فيقولن أحدكم إني معيل لا قدرة لي عليه ففي سعة (وسع) كل الناس فقيرهم أو غنيهم أن) (أو تكلف في زينتها أو تماجن في صنعتها). ١٥٥ (تزبد المشرة وتزن الجسم والأخلاق) لعلها تعدل الجسم. ١٥٨ (إذا ضربنا صفحاً عن بلاد الروس المختلفة أصولها المجهولة سكانها في ذلكم العهد) (مضى عَلَى ذلك التاريخ ثلاثون ربيعاً) الأولى سنة لأن الربيع بهذا المعنى لم يرد في شيء من كلام العرب (بيد أن الأنفس فيها مازالت تزداد بذلك الحين ولكن في التناقض عن بقية الأمم) (ثم دهي الأمة الفرنسوية سنة ١٨٧١ فقد ولايتين الإلزاس واللورين تبلغ مساحتهما ١٥ مليوناً ونصفاً من الكيلومتر المربع) الصواب ١٤ ألفاً وخمسمائة كيلومتر مربع ١٦٠ (الأنفس تزداد لدى جميع الأمم ودمنا عَلَى موقف الجمود) (والإنكليز الذين لم يكن لهم في ذلك العهد إلا ثلثي ما للأمة من الأنفس). ١٦١ (هذا إذا أخذنا بلاد الغال والإيقوس (إيكوسيا) وتركنا بلاد إيرلاندة عَلَى معزل) ١٦٣ (نقطع دابر الأمل من) استعارة غير حسنة (عرضة للاحتقار وموضع الصغار) (لا مرية إن ستلهم مادتنا الشعوب وتستلحم عنصرنا شعوب) ١٦٤ (ولقد كان في استطاعتهم ألا

стр. 4881

يجيبوا سنة الوجود) (وأظن إن كان في الأعصر الخالية قبل وضع التاريخ رجال سفسطة). ١٦٥ (إلا أن هذا لا يكون طباب (ما يطبب به) لقص الأنفس فإن طبابه في الحمية الوطنية) (زُلقت عَلَى أحادير الانحطاط وأشفاءِ الموت). ١٦٨ (مبادئ لا يجوز لأحد أن ينكر عليها) ١٧٠ (تنقل هذه الصلاحية إلى أحد) والصلاحية كلمة لم يسبق للبلغاء استعمالها وهي من مواضع الأتراك تسربت إلينا من المترجمات والصحف والأولى استعمال اختصاص أو سلطة (فالديمقراطية والأريستوقراطية عرقنا في قلوب العالم) (كبرياء المتنفذين) ليس في اللغة تنفذ ١٧١ (إن كل المظالم ثقيلة عَلَى النفس مكروهة لدى النفس) ١٧٣ (فاستدعى ذلك إلى توحيد القوى) والأولى دعا ذلك ومثله ص٢٦٢ (يستنفع منها أكثر من ذلك) والصواب ينتفع فإن السين الطلب غير مقبولة كل حين. ١٧٤ (كما وأنه لا يخلو) كما أنه (عَلَى ما يظن البعض بل سارت في بلاد أوربة أبعد من ذلك فازدادت المصلحة العامة إلى درجة ألزمت الحكومة لتكثير الدوائر. . . مما يعود بالنفع عَلَى عموم أبناء الوطن والأحسن) بعضهم بدل البعض واضطرت الحكومة إلى تكثير بدلاً من ألزمت ويعود بالنفع عَلَى عامة أبناء الوطن بدلاً من عموم. ١٧٦ (لا تكون فيه الحقوق مضمونة مصانة) مصونة. ١٧٧ (فحكومتنا أصبحت بالتالي حكومة ديموقراطية) فبالتالي استعمال إفرنجي (فهي لا تضرب خناقاً عَلَى الحياة ولا تقف دون ترقي الأمة) ١٨٠ (جرحات الديموغجية) والأولى تعريبها هكذا نضار مماشاة العامة عَلَى أهوائهم أو خدمة العامة أو ما شاكل ذلك ١٨١ (يتحمل تبعات أعمالها ودركات أمورها ويسئل عن مصيرها) (فيقرع صفاتهن أن تواقعوا إلى الوهدة ويشنع عَلَى زكمة السوء) فسر زكمة السوء بأبناء غير صالحين ويقرع صفاتهم ينتقصهم ويعيبهم وتواقعوا إلى وقعوا وراء بعضهم والجملة بدون شرح لا يفهمها إلا الحريري والمعري عَلَى تكلف في وصفها. ١٨٦ (رضاء مجلس الأعيان) والصواب بدون همز ١٨٧ (ومن ثم يصح لهم أن يحلوا غويص عويص الأمور السياسية بسكينة روع ويهتموا قبل كل أمر في مصلحة بلادهم

стр. 4882

حتى إذا حفظت هذه المصلحة التفت كل منهم إلى مصلحة حزبه وقد ينبغي حتى في مصلحة الحزب أن يكون. .) (فالواجب في الأمور السياسية مهما كان صلباً متلبساً متضارباً). ١٩٠ لأن الوائف والمناصب هيكل لجسم هذه الأمة المتمدنة الممدنة أو المتحضرة (فإذا عرض له قرح طرأَ الداء). ١٩١ (في مسألة تعيين أولياء الأمر وأن يقبلوا عَلَى وجدناهم يستشيرون بتلك القضية قبل العزيمة). ١٩٧ (لأن في ذلك مسيساً لحرية السعي) ١٩٨ (حجز النساء عن التعاطي في المعامل) ٢٠٤ (أخذت من قلوبهم شطراً كبيراً يعلق في حبها). ٢١٥ (أتى عَلَى حاضر تكدر صفوه وجابه مستقبلاً خفي كنهه) ٢٢٠ (رجعوا فيها ودايموا النظر ولا تخثروا) (ولو كانت ملؤ ألفاظة خشونة وأعمالها غلطة) ٢٢٢ (ناقع القلب من أقدامهم مبرود الغليل من شجاعتهم) ٢٢٤ (متى اعتقد الأغيار) جمع غير هي من استعمالات الأعاجم فيقولون بار أي المحب وأغيار أي العدو ومنهم سرت إلى بعض كتابنا (فاستفرغ العقل وهز القلب ورق دمك ولا تضن بقطرة منه صيانة لحياة الأمة وتعهداً لمصلحة الوطن) ٢٢٥ (وكلما كان الاستمساك شديداً متراصاً كانت الأمة عَلَى عظمة وسؤدد) ٢٢٦ (من جري ما بث به السفسطائيون) (فأدودا بهم تحت أيدي البرابرة أيداءَ هود اليم منحيهم الله أكتافهم فألبسوهم قناع القهر وطوقوهم طوق الذال وتوطوءهم بحر القتل) (نستدفع ما يقعر العنصر فإنا لا تزال أمة مستبصرة باقية النسيم غير نازعة إلى الموت). ٢٣٠ (مرارة سخريته من هؤلاء السفسطائيين) والمرارة هنا مثل عقاب مر لم تألفها لغة العرب العذبة (في الأجيال الآتية) أي القرون والجيل غير القرن (الأوان خير أمة أخرجت للناس أمة تشربت الوطنية حتى الكفاف) ٢٣١ (بغير تشدق ولا جدل ولا حلجة إذا نادهم منادي الوطن) ٢٢٣ (إقليم مرمعمعان تنازع يوآزر العزيمة ويستنب خفض العيش ورغد الحياة) ٢٣٤ (ثم لاحت بين ظلامة هذه الأعصر بارقة عقل وشارقة عدل) (ثم تماسكت الأمة فرتقت الفتق ورأفت الخرق) ٢٣٥ (لكن النائرة قد نارت والفائرة قد فارت).

стр. 4883

٢٣٨ (فأصبحت والألمان يفوقها بعشرين مليوناً عَلَى حين أن أرض الأمتين متساوية في المساحة والإنكليز بثلاثة ملايين عَلَى أن ربوعهم لا تكاد تعادل نصف ربوعنا). ٢٤٠ (يدفعانها إلى أن تنهض من أغمض الهوات إلى أعَلَى الدرجات) (وادأبوا أيها البنون في مصلحة الوطن ومجد الأمة). ٢٤١ (قلبوا الطرف أيها الفتيان عَلَى موقع أمتكم من الأرض تجدونها عَلَى أجمل بقعة وأخطر قطعة) (بحيث أصبح من الواجب أن تضطلع لعبئهم وتحفظ الموازنة بينهم). ٢٤٣ (تبذل النكيثة النفس والقوة حتى تصير قوة الجيش في البر إلى تناهيها) (عظيم الإجلاد عظيم التجاليد) فسرها بالضخم القوي (فإن من الضرورة أن يعتزم المرء عَلَى أمر الجندية فيرتاض عليها قبل أن يسلك في نظمها) (عن طيبة نفس وبسطة ذراع). ٢٤٤ (إنه لقسم لو تعلمون جميل فينبغي لكل عضو في الأمة أن يؤلي عَلَى نفسه ذلك الإيلاء حين ينخرط في سلك الجندية) والإيلاء والانخراط هنا من أبشع الألفاظ ٢٤٥ (الأنشودة التي تردد نأمتها في الفضاء) النأمة النغمة والصوت ويقولون أسكت الله تعالى نأمته أي أماته فالأولى عدم استعمالها في هذا المقام (تغرورق عيناه وتصطك شفتاه) وفسر شظاياه بعظام سافه ٢٤٦ (ولا تذهلن إن الوطن أُمك) والأحرى أن يقول أبوك لأن الوطن مؤنث بالإفرنسية مذكر بالعربية. ٢٤٧ (كونوا جنداً غلاظاً مستبسلين) والجمل شداداً بدل غلاظاً. ٢٤٩ (بثبات قلب ورسوخه وطمأنينة) ٢٥٠ (وبعد فقد وجبت عَلَى الأمة وراء أن تسعى أقصى مجهودها وراء أن تجعل الوطن عَلَى قوة وهمة). ٢٥١ (فكان ذلك مثلاً مراً استفادت منه حق الاستفادة) (حاجة الأمم الاقتحام عَلَى الحروب العادلة فبرهن بحجج عديدة وأمثلة كثيرة عَلَى وجوبها). ٢٥٣ (ذلك مثل يجب عَلَى كل امرئ أن يحذو حذوه ويتحكك تحككه أيام الفت والمشاغب). ٢٥٤ (والسعي وراء منفعتهم كما يفعل المرء وراء أن يجعل أمته) ولفظة الوراء هنا من استعمالات المولدة المبتذلة لا يريدها من يحب تقدم اللغة إلى الأمام. ٢٥٦ (تسكن وسط أفريقية وجبال آسيا من كان عليه من سكان الأميركان) (تمدن الشرق الأدنى الذي ناهض تمدن اليونان والرومان زمناً طويلاً عَلَى الجهد وامتد من جنوب آسيا

стр. 4884

وغربها إلى ردم سد حملايا المصمت ما لا فرجة فيه) ٢٥٧ (فاعتراها ما اعتراها لما تحك بها تمدن آخر أكثر كمالاً من تمدنها). ٢٥٨ (وكان حب الوطن والإقدام مزدرعين عَلَى حد السواء في قلوب الذين ينهضون بأمتهم) جملة لم تشم ريح العربية ٢٥٩ (لاسيما قد بينت العلماء ذلك التاريخ في هذه الأيام عَلَى أحسن بيان) أي أَحسن بيان. ٢٦١ (حتى ماتت تلك الأمة المجيدة القوية في الهون) ٢٦٤ (حتى كاد العنصر الأسود في أفريقية وعنصر الزنوج في أمريكا لا يبلان من عَلَى الانحطاط). هذا ما علقناه من هفوات الكتاب وهناك بعض أمور طفيفة لا يكاد ينجو منها كاتب في هذا العصر والعصمة لله وحده بيد أن هذه الهنات لا تقدح في فائدة هذا السفر البديع ولا تحط من مكانته فهو حري بالكبار والصغار أن يقتنوه ويتدارسوه ويتدبروا معانيه ومغازيه. ونثني عَلَى حمية صديقنا المعرب الذي أَخرج بتعريبه كتاب دومر زكاة فضله في وقت قل فيه جداً من يخرجون زكوات عقولهم كما ندر من يخرجون زكوات أموالهم.

стр. 4885

مخطوطات ومطبوعات الأبطال تأليف توماس كارليل وتعريب محمد أفندي السباعي وفي ذيله تاريخ الثورة الإنكليزية. طبع بمطبعة البيان بمصر سنة ١٣٢٩ ص٢٤٥ مؤلف هذا الكتاب أحد فلاسفة إنكلترا في القرن الماضي (المتقتبس م اص٥٧) هو من الرجال الذين اثروا أثاراً مهماً في نهضة أمته لسعة عقله وعمله وخلوص نيته وإنسانيتهوكتابه هذا اشتهر في المشارق والمغارب ولذلك أحسن للعربية مترجمه بنقله إليها بلغة قل أن نقل كتاب إلى لساننا بما يدانيها فصاحة وبياناً. وموضوع الكتاب الكلام عن عظماء الرجال فذكر البطل في صورة إله ومثل ذلك بوثنية أهل الشمال واعتقادهم بإلوهية أودين في الأزمان القديمة ثم البطل في صورة رسول وأورد لذلك سيرة محمد ﵊ عَلَى لصورة لم يكتب لغربي فيما نحسب أن كتب بقوته فجسم سيرته الشريفة في ٤٢ صفحة بعبارات تشف عن إنصاف ليس بعده غاية. قال: لقد أصبح من أكبر العار عَلَى أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وأن محمد خداع مزور وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا خلقهم الله الذي خلقنا أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً ولو أن الكذب والغش يروحان عند خلق الله هذا الرواج ويصادفان مثل ذلك التصديق والقبول فما الناس إلا بله مجانين وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة كان الأولى بها ألا تخلق. فوا أسفاه ما أسوأ هذا الزعم وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والمرحمة وبعد فعلي ما أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات أن لا يصدق شيئاً البتة من أقوال أولئك السفهاء، فإنها نتائج جيل كفر وجحود وإلحاد وهي دليل عَلَى خبث القلوب وفساد الضمائر وموت الأرواح في حياة الأبدان ولعل العالم لم ير قط رأياً أكفر من هذا وألأم وهل رأيتم قط معشر الإخوان أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً وينشره عجباً والله أن الرجل الكاذب

стр. 4886

لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب! فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير والجص والتراب وما شكل ذلك فما ذلك أن يبنيه ببيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد نعم وليس جديراص أن يبقى عَلَى دعائمه اثني عشر قرناً يسكنه مائة مليون من الأنفس ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن وإني لأعلم أنه عَلَى المرء أن يسير في جميع أمره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته وتعطيه بغيته. كذب الله ما يذيعه أولئك الكفار أن زخرفوه حتى خيلوه حقاً وزر باطل وإن زينوه حتى أوهموه صدقاً ومحنة الله ومصاب أن ينخدع الناس شعوباً وأمماً بهذه الأضاليل وتسود الكذبة وتقود بهاتيك الأباطيل وإنما هو كما ذكرت لكم من قبيل الأوراق المالية المزورة يحتال لها الكذاب حتى يخرجوها من كفة الأثيمة ويحيق مصابها بالغير لا به. وهكذا أخذ المؤلف يسرد حالة العرب في الجاهلية وفي الإسلام وكيف قام الرسول وما عمله بعبارات تشف عن روح عالية ولا غزو فهي الفلسفة ومحال أن تنطلي عَلَى فيلسوف عارف مثل هذه الحقائق. ثم ذكر البطل في صورة شاعر واستشهد بدانتي شاعر الطليان وشاكسبير شاعر الإنكليز ثم ذكر البطل في صورة قسيس فذكر لوثير البرنستانتية ونوكس البيوريتانية ثم أورد البطل في صورة كاتب ومثل ذلك بجونسون وروسو وبارنز ذم ذكر البطل في صورة ملك ومثل لها بكرومويل ونابليون والثورة الإنكليزية. كل ذلك نقله المعرب كأنك تقرأوه بلغته مع الاحتفاظ بالسلاسة واستشهد أحياناً بأبيات من الشواهد العربية أدمجها بالمناسبات وتكاد الألفاظ غير الفصيحة التي وقع فيها المترجم تعد عَلَى الأصابع وهي مما عمت البلوى ونحب أن تكون مثل كتابة السباعي عارية منه وإن كانت كالوشم في الوجه أو الخال في الخد وذلك مثل قوله ص٦٢ نوايا والصحيح نيات وفي الحديث إنما الأعمال بالنيات ٦٦ تضحية النفس الأولى المفاداة ٦٨ لأربعين من قرابته من ذوي قرابته ٧٣ النقطة الهامة المهمة وص٢ أوعرت فيه تلك السبيل وأوعشت وقامت فيها القحم والعقبات والموارط والهلكات. . . وأزمت الكروب وتشنعت المحن ٣٩ بعقوبة صارمة والأولى شديدة ٨٤ وأساليب وعوائد الأولى عادات. وقد صدر الكتاب برسم مؤَلفه كارليل وطبع أجود طبع فنثني الثناء الأوفر عَلَى معربه وناشره ونستمطر شآبيب الرحمة عَلَى مؤلفه.

стр. 4887

فتح العالم الإسلامي اعتادت رصيفتنا مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية أن تصدر الحين بعد الآخر جزءاً كبيراً من أجزائها الشهرية تخوصه بموضوع خاص من الموضوعات التي تخوض عبابها وقد نشرت في تشرين الثاني مبحثاً في ٣٢٧ صفحة تحت عنوان فتح البلاد الإسلامية توسعت فيه عمل البعثات الإنجيلية والسكسونية والجرمانية في بلاد الشرق فقدم له صديقنا المسيو لشاتليه مدير تلك المجلة وأستاذ عَلَى الاجتماع الإسلامي في كوليج دي فرانس بباريز مقدمة أبان فيها أن الإسلام ينهزم أمام تعاليم تلك المدارس التي يرى بعض القائمين بها أن كثيراً من المسلمين دانوا بالنصرانية لكثرة ما تلقنهم إياه تلك المدارس الإنجيلية ويرى المسيو لشاتليه أن المسلمين لا يدينون بدين آخر بل تتزعزع عقائدهم بما يلقنونه من الأفكار التي تصحب اللغات الأوربية وذلك بواسطة اللغة الإنكليزية والألمانية والهولاندية والإفرنسية فتجعل تلك البعثات احتكاكاًَ بين الإسلام والصحافة الأوربية وتسهل النجاح المادي في العالم الإسلامي وهكذا تصل تلك البعثات إلى العبث بالفكر الديني الذي كان قوته بعزلته. ثم قال أن تقسيم الإسلام (أي بلاد الإسلام) السياسي سيظهر في أتم مظاهره ويسهل أعمال التمدين الأوربي عَلَى أن الإسلام يزول سياسياً ولن تكون حاله إلا حال مدنية باقية في وسط التغلب الغربي ولا سبيل إلى نشل الدولة العلية بعد أن ضل أحرار العثمانيين سبيل إنهاضها إلا بتأليف ولايات متحدة إسلامية وإلا فإن تقسيم البلاد لا مناص منه. وبعد أن أفاض في أوضاع جمعيات التبشير وأعمالها العلمية والخيرية والدينية في بلاد لمسلمين وما تعده من الأسباب للقضاء عَلَى الإسلام قال الناشر في النتيجة: كان يرجى غداة الانقلاب العثماني أن يكون للإسلام دور نهضة اجتماعية ولكن زعماء حزب الإتحاد والترقي نسوا برنامجهم عندما استلموا زمام الأمر فدعت الغلاط التي ارتكبت في الآستانة وسلافيك وطهران وطوريس إلى أن تعرف أوربا أن دور السياسة انتهى وجاء دور العمل. إن هذه الكتلة البشرية الموزعة في آسيا وأفريقية من بحار الصين إلى المحيط الأتلانتيكي ستفقد موازنتها التقليدية بزوال الخلافة (والعياذ بالله) عما قريب وانقصام عرى الممالك المستقلة فماذا يكون والحال هذه مصير المدنية الإسلامية إذا نظرنا إليها بأنها جزء من المجتمعات البشرية وإلى أي وجهة يتجه نشوء الإسلام؟ إننا بما نراه من كثرة انتشار

стр. 4888

الصحافة الإسلامية ووفرة طرق المواصلات وتأييد الروابط الإسلامية كل ذلك سيزيد في احتكاك الشعوب الإسلامية بعضهم ببعض ولذلك يرجى أن يعظم مركز المسلمين الاقتصادي في ظل الحكومات الأوربية بفضل السهولة التي تنشأ بينهم من وحدة الأوضاع الاجتماعية في الجملة ومن استعمال لغة أدبية دينية واحدة ولذلك كان عَلَى أمم أوربا أن تعمد إلى سياسة التعليم والتربية مع الشرق وستكون صلات مائتي مليون في البلاد الإسلامية بحسب تأثير التربية العقلية التي يربونها. هذا ما قاله صديقنا عربناه عَلَى ما بعض جمجمة فيه وخلاصته أن الحكومات الإسلامية تنقرض والعياذ بالله ولن يبقى للمسلمين إلا العمل بالمسائل الاقتصادية أي يبقون كالإسرائيليين بدون حكومة تحكمهم. كلام مر ولكن عَلَى رجال الإسلام أن يتدبروه ملياً وفي هذا البحث أسرار مهمة فيما تدخره السياسة الغربية لاكتساح الشرق ونزع دينه وسياسته وعاداته كما بدرت بوادر ذلك الآن باستيلاء فرنسا عَلَى بلاد المغرب الأقصى وإيطاليا عَلَى طرابلس وبرقة وروسيا عَلَى وإنكلترا عَلَى نزع استقلال إيران بحيث صح أن نقول أن بلاد الإسلام في صدد حرب صليبية ولكنها غير دينية كحروب القرون الوسطى بل مدنية للفتح وسلمية ببث الأفكار والتعاليم الغربية. الريحاني تأليف أمير أفندي ريحاني الجزء الثاني طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١٠ ص٢٣٢ اعتاد صاحب الريحانيات وهو من نوابغ المفكرين في سورية اخذ بحظ وافر من المدنية الغربية وحظ وافر من المدنية الشرقية أن يتحف عالم الأدب الحين بعد الآخر بنفثاته النافعة وأكثر ما في هذا الجزء هو مما كتبه في سورية وأكثر ما في الجزء الأول مما كتبه في الولايات المتحدة الأميركية والجزء الذي امامنا الآن هو مجموعة مقالات وخطب وشعر منثور والشعر المنثور هو كما قال عنه: يدعى هذا النوع من الشعر الجديد بالإفرنسية وبالإنكليزية أي الشعر الحر أو بالحري المطلق وهو آخر ما اتصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخص عند الأميركيين والإنكليز فملتن وشكسبير أطلقا الشعر الإنكليزي من قيود القافية وولت وتمن الأميركي أطلقه من قيود العروض كالأوزان الاصطلاحية

стр. 4889

والأبحر العرفية. عَلَى أن لهذا الشعر المطلق وزناً جديداً مخصوصاً وقد تجيء القصيدة منه من أبحر عديدة متنوعة. وولت وتمن هو مخترع هذه الطريقة وحامل لوائها وقد انضم تحت اللواء بعد موته كثير من شعراء أوربا العصريين وفي الولايات المتحدة اليوم جمعيات وتمنية ينضم إليها فريق كبير من الأدباء المغالين بمحاسن شعره الجليلة المتخلقين بأخلاق الديمقراطية المتشبعين بفلسفته الأميركية. إذ أن شعره لا ينحصر مزاياه بقالبه الغريب الجديد فقط بل فيه من الفلسفة والتصور ما هو أغرب وأجد. ولا نقول في هذا الجزء إلا كما قلنا في الجزء الأول (م٥٠ ص٢٢٠) تتدفق حرية الفكر من أطراف ورقة الإحساس منت سطوره وبعد النظر من مراميه ومعانيه وكله معان فلسفية في قوالب عصرية وروح شفافة في شعور جديد فقد قل في أرباب الأفكار مثل هذا النفس في إصلاح الأفكار والتلطف في بلاغ العقول الجامدة محاسن الحضارة المدهشة والتجديد المفيد. وقلما شاهدنا أثر المحيط في كتابة كاتب كما شاهدناها في صديقنا الريحاني فكتابته يوم كان في أميركا تذكر سيئات المدنية الغربية التي لا تعرف إلهاً غير الماديات حتى إذا عاد إلى الفريكة مسقط رأسه في لبنان عاد يحبب العزلة وينفر من تلك المدنية المادية ولكنه يدعو إلى فك العقول من قيودها والأخذ بما ينفع من مدنية لا تكون شرقية ولا غربية كتلك الشجرة المباركة ولكنه كان في كل موضوع يخوضه يجعل للحرية المطلقة نسيباً وافراً من أقواله ولذلك نقم عليه أعداء العقل وعبيد القيود من المتنطعين من رجال الدين وحاربوه حرباً لم يكد يحاربه سوري ولكن إخلاصه شفع فيه فلم ينل بأذى وهو اليوم شعلة الذكاء الشرقي في بلاد الغرب وعنوان الهمة العالية أمام المشارقة. يعلم المؤلف جد العلم أن من يصرح بما يصرح به يحارب ويطعن فيه الطعن المبرح في بلاد لم يزل لأوهام المتنطعين شدة وعرامة وهم لا يرون إلى النيل منه أكثر من رميه بالإلحاد وإنكار الصانع ولكن من يقول (ص١٠) إنا للطبيعة وإنا إليها راجعون وشكرت الله شكراً جزيلاً لا يدل عَلَى أنه ملحد بالمعنى الذي يصورونه بل هو ملحد في التقاليد الضارة حر في إفصاحه عن رأيه عَلَى أساليب لم يألفها غير المنورين من سكان هذا الشرق الأقرب.

стр. 4890

قال (ص١٣) إن الفرق بين الأولياء والأطباء قليل لا يستحث الذكر فكم من طبيب فاضل يستحق أن يطوب قديساً أو يدعى ولياً بعد موته فقد تعرفت بفضل آلامي العصبية بعدد وافر من هؤلاء الأفاضل وبان لي بالاختبار ما كنت أجهله. تحققت أن الفرق بين الطبيب والكاهن كالفرق بين الكاهن والمحامي كلهم نفعنا الله بعلمهم وبرهم يتعاطون الجربزة. كلهم يتاجرون بشيء من الحقيقة وكثير من الخزعبلات والأوهام عَلَى أن الطبيب أرفع درجة من الكاهن والكاهن أرفع درجة من المحامي. وصرح في (ص٢٧ و٢٩) بعيوب الإكليروس وتهاونه لا لمجرد الطعن بل للإصلاح لأنه لا يريد أن تظل آدابنا (٤٨) تحت سيطرة المتدينين والمتنطعين (ولو قال المتنطعين من المتدينين لخلص من اللوم) وأنفسنا من ربقة رجال الدين وإن لم نتجرد من هذا الاستبداد الديني أو بالحري السفسطي كما تجردنا من الاستبداد السياسي تظل آدابنا مبتذلة جامدة خاسئة. هو يقول (٥١): عَلَى تقريرات رجال الدين وخزعبلات العبادات قام عبد الوهاب في نجد ولوثيروس في وتنبورغ وجون نكسن في إنكلترا وغيرهم في البلاد كثيرون فما ضرنا ولا استغنينا عن المتكهنين المدلسين وتفلتنا من ربقتهم واعتصمنا بدين الله وبأنبياء الله ثم قال: إني أحترم العاطفة الدينية التي تكاد تكون فطرية في الإنسان ولكني لا أجد في خزعبلات هؤلاء الناس وفي تنطعهم - وقد قيل هلك المتنطعون - ما يساوي ذرة من نفس امرئٍ راقية. ومن يقول فكرة بهذه الصراحة لا يرمى بالإلحاد والمروق ولكن المؤلف ينحي كثيراً عَلَى رجال الدين في قومه يريد بالقوارص التي يوجهها إصلاحهم ودعوتهم الوطنية لئلا تفرقهم المذاهب (١٣١) فإن عدوا عليه مثل هذه الهنات وربما أتى بعضها من كونها لم يرزق كل حين حظاً من جمال التعبير أو أنه بين ولم يجمجم والجمجمة كالتقية لا بأس بها بين القوم المخالفين إذا خشيت الفتنة فقد أتى بحسنات لا ينكرها عليه أشد الناس حطاً من خصومهم قال (ص٤٥): نحن اليوم واقفون بين هاتين المدنيتين بين مدنية غازية منتصرة وأخرى مدبرة فعلينا أن لا نخضع عَلَى الإطلاق لهذا الفاتح القوي وأن نمسك بما في مدنيتنا من الخير الروحي ولا

стр. 4891

ينجينا من استبداد هذه المدنية الفاتحة القاهرة ويحفظ لنا حسنات تلك المدبرة سوى الآداب. ولا أريد بالآداب الكتب فقط بل أريد منها آداب النفس أولاً والأخلاق. إن الدين هو أبو مدنية الشرق يرفض بتاتاً مدنية الغرب والعلم المادي هو مدنية الغرب يرفض بتاتاً مدنية الشرق فالدين والعلم في هذا الموقف متغرضان كل لقومه ولا ينفعنا الواحد منهما دون الآخر. وإني لأجد في كل قوى الفكر والنفس وثمارهما أصلح وأنجع من الآداب تجمع بين الاثنين فينشأ عن ذلك مدنية جديدة قوامها الصنائع والفنون وشعارها الإخاء العام. واعلموا أن الفنون السامية الجميلة هي التي تتغذى من العلم والدين معاً والأمة التي تجعل مثل هذه الفنون أساس حياتها الاجتماعية تكون ولا غرو مجد المستقبل وأم الأمم. عَلَى شطوط البحرين وفي أودية الرافدين أحب أن أشاهد مثل هذه المدنية الجامعة بين محاسن المدنيتين. أحب أن أرى في قلب العالم جمال روح العالم وكمالها. أحب أن أرى في بلاد الشام وبلاد العرب ثمار الأنبياء وثمار العلماء عَلَى شجرة واحدة. أحب أن تزرع بساتين هذه الأرض المقدسة من تلك الشجرة المباركة شجرة لا غربية ولا شرقية. وقال في التساهل الديني وإنه موجود بين الدول في معاملاتهن إحداهن للأخرى ولكنه غير موجود بين الأوربيين ومن يدعونهم بالمتوحشين فالدول (١٢٣) لا تتساهل مع هؤلاء المساكين الضعفاء بل تتساهل بعضها مع بعض لأنها تضطر إلى ذلك وليس حباً بالمبدأ الشريف وكثيراً ما نراها تشهر الحروب عَلَى القبائل الضعيفة وتدعوها حروب الإنجيل وذلك لكي يدين البرابرة بالدين المسيحي كرهاً وجبراً. وهذا هو التعصب الدولي الديني هذي هي الاضطهادات التي تمارسها ضد البرابرة كما تزعم والبرابرة قوم يشعرون وهم يريدون مثلنا. هذه هي حروب شارلمان وحروب الملكة حنة الإنكليزية والملك كارلوس الإفرنسي هذه مذبحة ليلة القديس برتلماوس فعوضاً عن حدوثها في باريز وفي القرن السابع عشر تحدث الآن في صحاري أفريقية وفيافي آسيا وتلول السودان وفي أواخر القرن التاسع عشر. يا للعار ويا للشنار! عبثاً يكتب العلماء ويندد المصلحون ويبحث الفلاسفة عبثاً أتى المسيح إلى الأرض لمثل هؤلاء القوم. وبالجملة فالريحانية كلها آية في الحرية داعية إلى التساهل الديني محببة بالمدنية المعقولة المحبوبة مقربة بين القلوب جارياً عَلَى حد قوله الكتب المقدسة تصلح الحياة ولكنها لا تعمر

стр. 4892

البلاد والعلوم المادية تعمر البلاد ولكنها لا تصلح الحياة إذن كتبكم المقدسة احفظوها وكتب العلم عززوها. كتب ورسائل مختلفة تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب للشيخ جمال الدين القاسمي طبعت في مطبعة مدرسة والدة عباس الأول بمصر سنة ١٣٢٦ - ١٩٠٨. رسائل الانتقاد - هي الرسائل التي أحياها بالنشر السيد حسن حسني عبد الوهاب تفي مجلة السنة الماضية من المقتبس تأليف عبد الله محمد أبي سعيد بن شرف القيرواني المتوفي سنة ٤٦٠ هـ. طبعت في مطبعة المقتبس في ٢٤ صفحة. ملقى السبيل - رسالة في الوعظ والحكم نشرت في الجزء الماضي من المقتبس بعناية السيد حسن حسني عبد الوهاب التونسي وهي لأبي العلاء المعري وقد علق عليها الناشر حواشي نافعة كما هي عادته وهي في ١٧ صفحة طبعت بمطبعة المقتبس. تمرينلى وإعرابلى لساتن عربي صرف قمى - هو كتاب في صرف اللغة العربية بالتركية لمحمد شاكر أفندي الحنبلي جعله مع التمارين والإعراب في ٢١٠ صفحة طبع بمطبعة رشادية في الآستانة ١٣٢٩ هـ - ١٣٢٧ ش. العقود اللؤلؤية في طريق السعادة المولوية - للشيخ عبد الغني النابلسي طبع عَلَى نفقة الشيخ محمد سعيد أفندي شيخ تكية المولوية بدمشق في مطبعة المقتبس سنة ١٣٢٩ عدد صفحاته ٣٢. مطول في إنشاء المكاتيب - تأليف أمين أفندي الخوري طبعة عاشرة في مطبعة الاقتصاد ببيروت سنة ١٩١١ ص٣٢٠. قصائد أحمدية من الميرزا غلام أحمد (المسيح الموعود والمهدي المعهود) طبعت عَلَى نفقة الجمعية الكبرى الأحمدية بمطبعة الميزكين بقاديان الهند ص١٥٨. نسمات الصبا في منظومات الصبا لجرجي أفندي شاهين عطية طبعت بالمطبعة العثمانية في لبنان سنة ١٩٠٤. جدول في المنطق للشماس توما ديبو المعلوف طبع بالمطبعة البطريركية الأرثوذكسية بدمشق سنة ١٩١١.

стр. 4893

اثر حسن - مجموع مراثي الدكتور سليمان الخوري الحمصي جمعه رزقه الله أفندي نعمة الله عبود طبع بالمطبعة الأدبية في بيروت سنة ١٩٠٤ ص٢٨٨. البيان - مجلة دينية عمرانية تاريخية أدبية لمنشئيها مصطفى وهيب أفندي البارودي وجميل أفندي عبد القادر عدرة في طرابلس الغرب تصدر مرة في الشهر في ٣٢ صفحة وقيمة اشتراكها في البلاد العثمانية مجيدي وربع وفي الأقطار الأجنبية سبعة فرنكات.

стр. 4894

أخبار وأفكار تاريخ بيروت ألقى الدكتور بورتو مدرس التاريخ في كلية الأميركان في بيروت محاضرة في تاريخ هذه المدينة فقال: بيروت إحدى المدن الفينيقية القديمة أنشئت بعد دمشق وأقدم مدن فينيقية صيدا وبيروت وجبيل. ونحن لا نعرف بالتحقيق زمن إنشائها ولكن يوسيفوس المؤرخ العبراني ذكر اسم رجل فينيقي وقال أن موطنه بيروت وذلك دليل عَلَى قدمها. وفي أساطير الأولين أن ابنة إله جبيل تزوجت من ملك وكان اسمها بيروت فسميت زوجها بيروت باسمها. ونعرف طرفاً من تاريخ بيروت في القرن الخامس عشر قبل المسيح من الآثار المصرية وذلك أن توتميس الثالث جرد جيشاً عَلَى سورية وامتلكها ولما اشتد ساعد الحثيين والأموريين في الشمال أخذوا يطردون المصريين شيئاً فشيئاً وكان عمال المصريين في سورية يكتبون ويستنجدون فرعون لإغاثتهم. وقد اكتشف منذ عشرين سنة بعض هذه المكاتيب المحفورة عَلَى قوالب الآجر ومن جملتها مكتوب من حاكم بيروت إلى فرعون مصر يخبره فيه بحالته مع الحثيين والأموريين وتاريخ المكتوب في القرن الرابع عشر قبل المسيح. ومما يترجح أن بيروت مأخوذة من كلمة (بئر) وأظنها مأخوذة من اللغة الفينيقية لأن لفظ بيروت يقابل جمع كلمة بئر في اللغة الفينيقية. ومما يؤيد ذلك عندي أنني لما أتيت إلى هذه البلدة منذ أربعين سنة وكان في ذلك الحين لم يجلب ماء نهر الكلب كنت أينما اتجهت أرى آباراً والآن كثير منها ردم فيصح أن يقال أنها سميت بيروت أو مدينة الآبار لكثرة آبارها. وبيروت كانت منذ القديم عظيمة بتجارتها ويظن أن مركزها اليوم غير مركزها في العصور الخالية والمرجح أنه كان جنوبي مركزها الآن وذلك عند نهر الغدير وقد اكتشفت آثار بناء هناك وكما هو معروف أن الشاطئ هناك مرمل لا يصلح لميناء ولكننا لو نظرنا إلى حالة الفينيقيين البحرية نجد أن سفنهم كانت شراعية صغيرة لا تستطيع السفر وقت الشتاء وكانوا يخرجونها إلى البر وينقطعون عن الأسفار فلذلك يجب أن يكون الشاطئ رملياً إذ يسهل إخراج المركب إليه. ولما لم تأت نجدة من مصر سقطت بيروت في أيدي الحثيين ثم جرد رعمسيس الثاني عَلَى سورية حملة حارب الحثيين فيها فكسرهم وأخذ

стр. 4895

بيروت ثم اقتسموا البلاد بينهم ولرعمسيس اثر عَلَى صخر عند مدخل وادي نهر الكلب. وهكذا ظلت البلاد تحت حكم المصريين والحثيين إلى أن قامت دولة آشور وقد وضع بختنصر (نبوخذ نصر) تاريخ هذه الحملة أيضاً عند نهر الكلب ويرجع تاريخها إلى القرن التاسع قبل المسيح ولما قامت دولة الفرس أخذت بيروت كما أخذ أخوتها من مدن سورية ولكنها لم تذكر في التاريخ كما ذكرت صيدا وغيرها. وامتلك بيروت الاسكندر الكبير كما امتلك سائر مدن سورية بدون مقاومة إلا مدينة عكا. وقد حكم سورية بعد الاسكندر البطالسة وفي سنة ١٩٢ احتل السلوقيون سورية وفي سنة ١٤٠ قبل المسيح خربت بيروت بسبب حرب أهلية وفي سنة ٦٤ احتل الرومانيون سورية وكان القائد عَلَى حملتهم بومبي. وأضحت بيروت في أيام أغسطس مستعمرة رومانية. والمستعمرات الرومانية كانت تؤسس في إيطاليا لإسكان العساكر الرومانيين الذين خدموا الرومان خدمة تذكر ولما اتسع ملك الرومان لم يبق أرض لإسكان هؤلاء العساكر فأخذوا يسكنونهم في أملاكهم خارج إيطاليا. ثم أصبحت بيروت مركز الفيلق الخامس والثامن من الجيش الروماني وعمرت بيروت عَلَى عهد الرومانيين وآثارهم فيها موجودة بكثرة. ولما أتيت بيروت رأيت كثيراً من العمدة القديمة عند إدارة الرسومات وقد ردمت هذه الأعمدة عندما بنيت الميناء الجديدة ولما قطعوا الطريق الجديدة في بيروت وجد كثير من الآثار الرومانية وقد أسس الرومان في بيروت مدرسة لدراسة الحقوق وسائر العلوم المعروفة في ذلك العصر وبجانب هذه المدرسة أهم مدارس الرومانيين في الشرق وعندما انتشرت المسيحية تنصر كثير من تلامذة هذه المدرسة وكانوا عرضة للاضطهاد وعند ظهور الإسلام احتل المسلمون سورية وخضعت بيروت لهم في خلافة يزيد. وبعد قطرن من خضوعها ظهر في بيروت الإمام الأوزاعي ويقول أبو الفدا أن مولده كان في بعلبك ومات قرب بيروت وأظن أن المقام المعروف بالأوزاعي الآن هو قبره ولما تراجعت قوة الأمويين وانتشرت سلطة الفاطميين خضعت بيروت لهم وذلك في خلافة الحاكم بأمر الله مؤسس الديانة الدرزية وكانت بيروت في عهد الصليبيين تختلف بين حكم المسلمين والإفرنج. وخربت بيروت الزلزال سنة ٥٥٠ م وسنة ١٥١١ أخذها السلطان سليم العثماني مع باقي مدن سورية ومنذ ذلك الحين لا تزال مدينة عثمانية اهـ.

стр. 4896

الزراعة في روسيا تبين من الإحصاء الأخير الذي وقع في خمسين ولاية من ولايات روسيا في أوربا وعشر ولايات من مملكة بولونيا التابعة لها أن توزيع الأراضي عَلَى هذا النحو وذلك بمقياس ألف آكر تسمى مستعمرة الآكر يساوي ٤٠ آراً ٤٦٧١. فظهر أن مملكة روسيا والأسرة المالكة فيها والشركات الزراعية تملك ٤١٧٦١٨ مستعمرة زراعية أو ٣٦ من المئة والمالكين ملكاً خاصاً ٢٧٤٦٥٦ أي ٢٣ في المئة وفي البلاد ٩٢٤٥٦ مستعمرة أو ٨ في المئة غير قابلة للزراعة أو تملك الحكومة والإمبراطور والمدن من مملكة بولونيا ٢١٨٤ مستعمرة أي ٧٤ في المئة وللفلاحين ١٢٢٣٣ أو ٤١. ٦ في المئة غير صالح للزراعة. ويكون في روسيا أوربا ٣٤. ٦ في المئة من الأراضي والحقول و١٦. ٥ من الحدائق أو المروج و٤٠. ٩ غابات و٨ في المئة بور وتبلغ الأرض القابلة للزراع في بولونيا ٥٥. ٦ في المئة والحدائق والمروج تكون ١٩ في المئة والغابات ٢١ في المئة من مجموع الراضي والأراضي البائرة ٤. ٤ في المئة فقط. وأهم مزروعات روسيا الحنطة والجاودار والزوان والشعير والبطاطا والعلف والكتان والقنب والتبغ. ويهتمون بتربية الخيل والبقر والغنم والعنز والخنازير وكان في البلاد الروسية سنة ١٩٠٩ - ٣٢١١٤٠٠٠ حصان و٤٨٤٩١٠٠٠ رأس من الماشية و٨٠٠٠٠٠٠٠ غنم وماعز القهوة ومحالها كتبت مجموعة أبو الضيا التركية مقالة في القهوة ومحالها قالت فيها ادعى الدكتور لاند الألماني أن أول محل للقهوة أنشئ في الآستانة سنة ١٥٥١ كما أنشئ أول محل لها في إيطاليا سنة ١٦٤٥ وفي إنكلترا سنة ١٦٥٢ وفي فرنسا سنة ١٦٥٩ وفي فرنكفورت وآم ماين سنة ١٦٧٥ وفي وارسوفيا سنة ١٦٨١ وفي فينا سنة ١٦٨٥ والغالب أن الكاتب ارتكب هذا الغلط لما علم من تاريخ انتشار القهوة وذلك أنه جيء بها من اليمن عَلَى يد السلطان سليمان القانوني سنة ٩٥٨ فأخرجت فتوى بإغراق السفن التي تحملها مع حمولتها فأغرقت أمام دار المدفعية (طوبخانة) بالقسطنطينية وقد سرد كاتب جلبي أسباب ذلك في كتابه ميزان الحق في اختيار الحق ولقد دهخل الدخان إلى الممالك العثمانية عَلَى عهد السلطان أحمد الأول سنة ١٠١٢ وجرى استعماله في الآستانة سنة ١٠٢٢ واسست محال

стр. 4897

القهوة سنة ١٠٢٤ في زاوية من زوايا خاليجير وفي سنة ١٠٤٣ أحرقت في الحريق المشهور جميع محال القهوة وذلك عَلَى عهد السلطان مراد الرابع وعندها صدر الأمر بمنع التدخين وكل من رؤي بأنه شربه أو خبر عنه بانه شربه يقتل في الحال وهذه الشدة في المنع اتخذت إذ ذاك حجة سياسية وذلك لن السلطان مراد الرابع أراد أن ينتقم للسلطان العثماني الذي قتله أرباب الفتوة من اليكجرية (الإنكشارية). فكان عَلَى هذه الصورة ينكل ببغاتهم فتوضع عَلَى من يراد إعدامه منهم لأنه شرب الدخان علامة فارقة وهي عبارة عن مشعل ينيطونه به يبقى عليه إلى المساء موقداً وقد رأى ذات يوم السلطان مراد في إحدى الساحات رجلاً من الإنكشارية يتقدم إلى آخر من إخوانه مصلوب لأنه شرب الدخان فأخرج غليونه من جيبه وشعله من المشعل فعجب الناس من هذه الجرأة ولم يسع ذاك السلطان المستبد إلا أن أصدر أمره عَلَى لسان الدلالين يبيح استعمال الدخان كما كان سابقاً والغالب بان السلطان ظن بأن جرأة هذا الإنكشاري ناتجة عن تحرش بفتنة يدبرها إخوانه. أما استعمال السعوط في الآستانة فكان سنة ١٠٥٠ ومن حسن الطالع أنه لم يشع استعماله قبل سنة ١٠٤٩ وغلا لكان السلطان مراد قضى يجدع انف من يستعمله جزاء وفاقا. التعليم في روسيا يرجع أمر معظم المدارس الروسية إلى نظارة المعرف العمومية وقد قسمت بلاد هذه الإمبراطورية إلى خمس عشرة منطقة من حيث المعارف وهناك عدة مدارس خاصة تشرف عليها بعض النظارت الأخرى كنظارة الزراعة والأشغال وغيرهما. وكان عدد الكليات في روسيا سنة ١٩٠٩ تسعاً وهي كليات بطرسبرج، موسكو، خاركوف، كيف، قازان، أودسا، دوربال، تومزسك، وأرسوفيا وقد أغلقت الكلية الأخيرة مؤقتاً ويبلغ عدد تلامذة هذه الكليات المستمعين فيها ٣٩٤٩٤. وافتتحت كلبية جديدة سنة ١٩٠٩ في مدينة ساراتوف. ومنذ ١٩٠٨ أنشئت في موسكو كلية للشعب أسسها القائد شاتفسكي وانفق عليها من ماله وسماها باسمه في كثير من المدن والحواضر مدارس للتعليم العالي وفي كيف وموسكو وبطرسبرج وقازان مجامع علمية لاهوتية وفي إشميازين من بلاد القوقاز (القافقاس) مدرسة لاهوت للأرمن وفي بطرسبرج مدرسة الكاثوليك. ولكل من بطرسبرج

стр. 4898

وموسكو وخاركوف مدارس طبية ملكية وعسكرية. ثم أن المجامع العلمية ومدارس الهندسة والمعادن واللغة والغابات والصناعات النفسية وغيرها كثيرة جداً في المدن الكبرى في المملكة الروسية ولدوقية فنلاندة الكبرى كلية خاصة في هلنسكفور تضم حجرها سنة ١٩٠٩ - ٢٠٠٠ طالب. وعدد الطلبة الذين يتعلمون في روسيا مجاناً أو عَلَى نفقة المحسنين نحو أربعة آلاف. وعدد المدارس الابتدائية ٩٢٥٠١ منتشرة في طول البلاد وعرضها ونصفها لنظارة المعارف أو للمجمع المقدس (سينود) وفيها ١٧٠٨٩٤ أستاذاً ومعلماً و٥٧٣٨٢٨٩ تلميذاً وفي روسيا ١٠٨٢٥ مدرسة من كل صنف من أصناف التعليم فيها ٦١٦٤٩١٣ طالباً وتلميذاً ولا يدخل في هذا العدد ٤٠٤١٧١ تلميذاً يتعلمون في مدارس خاصة ومع كل ما تبذله الحكومة الروسية في سبيل نشر المعارف فإن عدد الأُميين من بينها مما يرتعش له فإن ٧٧ في المئة أُميون في روسيا أوربا و٨٧ في سيبيريا و٩٤ في آسيا الوسطى. وفي الولايات المتقدمة جداً في روسيا مثل ولاية أُستونيا لا ينزل عدد الأُميين عن ٢٠ في المئة وفي بطرسبرج عن ٤٥ في المئة وفي غير ذلك من الولايات التي تعد راقية لا ينحط عن ٥٠ في المئة. وقد بلغ ما أنفقته نظارة المعارف الروسية سنة ١٩١٠ والنظارات والمجمع المقدس عَلَى المدارس والتعلم ١١٣. ٥٩٥. ٠٠٢ من الروبلات والروبل فرنكان و٦٦ سنتيماً. الورق المعدني يؤكدون أنه لا يمضي أربعون سنة حتى تاتي المطابع عَلَى ما في الولايات المتحدة وكندا من الغابات بما تستنفذه كل يوم من أشجارها لصنع الورق اللازم للصحف والكتب ولكن اديسون مخترع التلفون هوّن الأمر عَلَى سائل سأله في هذا الشأن رأيه قائلاً أن الورق يعمل إذ ذاك من الفولاذ أو النحاس أو النيكل فيمتص الحبر كالورق المعمول من الخشب والخرق البالية اليوم وتكون سماكته واحداً وعشرين ألفاً من القيراط وهي أصلب وألين وأرخص من الورق المعروف.

стр. 4899

العدد ٧٤ - بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٢

стр. 4900

أوروبا في سورية حياة المرء سلسلة تختلف حلقاتها بين سوداء وبيضاء يحكم قبل أن يستامن لبيض الليالي يتوقى سودها فيذخر قوة ومنعة ولا يقف إذ ذاك حائراً أمام الشداد قانطاً متذمراً بل متسلحاً أبداً ومتأهباً للمكافحة والنضال. وناموس الأفراد يشمل الأمم والمالك كبيرها وصغيرها فما من دولة إلا وكان لها من دهرها يومان يوم لها ويوم عليها. هذه صيرت فاعتبرت وفازت وتلك لم ترعو فتلاشت فخلفها من هو أقوى منها سنة الله في خلقه. اعتبر ذلك بدولتنا العلية التي اجتاحت الممالك ودوخت الأمصار فاستنامت واستأمنت ولم تتأهب لمقاومة غدرات الزمان فقامت في وجهها الأمم التي كانت خاضعة لها وكانت صدمة بل صدمات بين الشرق والغرب آلت إلى تقهقرنا وما كنا قبل لنعرف للتقهقر معنى وفقدنا القريم وملدفيا والفلاخ وبسرابيا في عهد السلطان سليم الثالث واضطر محمود الثاني للتسليم بمصر لمحمد علي. وكانت أيام عبد العزيز فتضعضعت الدولة بتداخل الأوربيين وشق البلغار عصا الطاعة وفازوا باستقلالهم. وكان ما كان في أيام عبد الحميد من احتلال الدول لهذه الجزيرة وتلك الولاية واستقلال هذه الإمارة وانسلاخ تلك حتى لم يبق من مملكة سليمان كبير سوى شبح حاول الأحرار أن يجسموه فاقتلعوا الدستور من أعين طاغية آخر القرن التاسع عشر وعمدوا إلى الاحتفاظ به متخذين من الاتحاد الثلاثي سنداً وعوناً ففاجأتهم إحدى الصديقات بسلخ البوسنة والهرسك فصاحوا وزمجروا ولكن لم يتعبروا فداهمتهم الصديقة الثانية باحتلال طرابلس الغرب لاعتقادها أن الدولة العلية لم تتجاوز مع النمسا حد الجعجعة وهي قريبة منها فما عساها تفعل الآن مع إيطاليا وهي بعيدة عنها. كل ذلك وساسة البلاد لا يعتبرون بل لم يزالوا ينتظرون حدوث عجيبة لاعتقادهم أن من أقسم عَلَى ضريح صلاح الدين لا يلبث أن يمتشق حسامه ويضرب به أعداء الإسلام الضربة القاضية. وكأني بهم أمام المحنة الأخيرة واقفين مستأمنين لا يحسبون للآتي حساباً متوهمين أن أزمة طرابلس الغرب هي آخر حلقة من سلسلة حياة الدولة فيحلون هذه العقدة ثم يستأمنون للدهر متعامين عن فلتات سياسة أوروبا القائمة بناموس بقاء الأفضل تاركين البلاد عرضة للمحن باختلال أحوالها وجهل أهلها وفقد الأمن منها.

стр. 4901

قلب صفحات التاريخ لا تجد بلاداً اجتاحتها صروف الدهر ونابتها خطوب الزمان وكانت ميدان احتكاك المصالح فيها مثل بلاد الشرق. ولنضرب صفحاً عن العقد الكثيرة التي لم تحل فيها به كألبانيا ومكدونية والعربية ولننعم النظر فيما هو أقرب إلينا أي سورية وفلسطين ففيهما من مصالح الدول ما لا يوجد في غيرها من الولايات وبياناً لذلك نقول: كان نفوذ الدول الأوربية في سورية قليل جداً قبل أواسط القرن الغابر. وأبرمت معاهدة لندن سنة ١٨٤٠ فانفتح باب واسع لذلك النفوذ وكانت الجمعيات الدينية في ذلك العهد تنقل إلى الشرق مدنية الغربيين فتحينت فرصة ملائمة وغمرت سورية وفلسطين بعمالها المتسترين برداء التبشير الديني. وكانت فرنسا السابقة في هذا المضمار فغمرت بلادنا بالمعاهد الخيرية والتهذيبية بمهمة جمعية أخوية المدارس المسيحية وجمعية راهبات المحبة ولا عجب فقد وثقت علائقها مع الشرق منذ القرن السادس عشر بحمايتها فيه كاثوليك أوربا جمعاء وزكان مبشروها ينزلون ربوع سورية بالرغم مما قام في سبيلهم من المصاعب والمشقات. ولم تغفل عن تأييد مصالحها في الشرق بكل الوسائل الفعالة عَلَى اختلاف الأحوال حتى في أيام حكومة الكونفاسيون والدريكتوار والاضطرابات الداخلية قائمة عَلَى قدم وساق ولم يحد نابليون عن سياسة فرنسا التقليدية في الشرق فأسرع بعد إبرام الصلح مع الدولة العلية سنة ١٨٠٢ إلى تجديد الامتيازات والمحالفات القديمة وأمر سفيره في الآستانة أن يبسط حمايته عَلَى كل كاثوليك سورية وفلسطين ولاسيما قوافل الزوار القاصدين إلى الأماكن المقدسة. ولما كان يقتضي لهذا الأمر مبالغ وافرة من المال أخذت الحكومة الإفرنسية تمد عمالها بالمال المطلوب. ولا نعلم ما كان ينفق في سبيل ذلك قبل الإمبراطورية الثانية عَلَى أن الحكومة أدخلت في ميزانية وزارة خارجيتها كمية تنفق سنوياً عَلَى الأعمال الخيرية والتهذيبية تبلغ قيمتها ٣٠٠٠٠٠ فرنك فأصبحت سنة ١٨٨٣ خمسمائة ألف وسنة ١٨٩٢ سبعمائة ألف وسنة ١٩٠٠ ثمانمائة ألف. عَلَى أن الحكومة لا تشتغل وحدها في إنشاء المدارس وتنظيمها فهناك جمعيات أخرى قامت للغاية نفسها. ففي سنة ١٨٥٦ أسست جمعية أعمال مدارس الشرق ' ' وأخذت تجمع مبالغ وافرة وتوزعها عَلَى المعاهد الخيرية ومدارس الرهبنات في الشرق تبلغ قيمتها

стр. 4902

٣٠٠٠٠٠ فرنك. ثم أخذ الميل ينمو في فرنسا لتوسيع نطاق أعمالها وتعزيز مكانتها فأسس إثر ذلك الاتحاد الإسرائيلي ' الذي يوزع عَلَى المدارس السورية عَلَى اختلاف أصبغتها أربعين ألف فرنك. ولم يكن لفصل الكنيسة عن الحكومة في فرنسا أدنى تأثير في حال المدارس السورية لأن الأحرار والمحافظين لم يختلفوا في أمر الاحتفاظ بمعاهد فرنسا الخيرية والعلمية في الشرق بل رأينا الأحرار كثيراً ما يوجهون إلى الحكومة الإفرنسية قوارص الكلام في مجلس الأمة لتخلفها عن خصومها في الشرق أي ألمانيا وإيطاليا. وفي سنة ١٩٠٠ تحسنت ميزانية هذه المدارس إذ جعلها مجلس النواب بأكثرية الأصوات ٨٥٠٠٠٠ فرنك ما عدا نفقات مدارس الرهبات الإفرنسية التي لا تزال في نظره تافهة لمصالح الدولة وقرر بذل المجهود لنشر التعليم المدني وتقويته في أملاك الدولة العلية. عَلَى أن نجاح ألمانيا وإيطاليا الباهر في الشرق وسرعة انتشار نفوذهما حملا الحكومة الإفرنسية عَلَى انتهاج خطة أكثر حزماً وثباتاً مع توسيع ميزانية المدارس الشرقية بصورة قانونية بحيث لا تبقى عرضة للأخطار والتضعضع فحولت تلك الميزانية العرضية إلى بند خصوصي أدخلته في ميزانية نظارة خارجيتها لسنة ١٩١١ تحت نمرة ٢٢ بموجب هذا البند ينفق مليون فرنك عَلَى المعاهدة الإفرنسية في سورية وفلسطين ليوزع عَلَى الطريقة الآتية: ٤٥٠٠٠٠ فرنك لمدارس الرهبنات منها ٣٠٠٠٠ للمدارس العليا و٦٠٠٠٠ للمدارس الوسطى و٣٦٠٠٠٠ للمدارس الابتدائية. و٣٨٣٠٠٠ فرنك للمدارس المدنية منها ١٥٧٠٠٠ للمدارس العليا و١٣١٠٠٠ للمدارس المتوسطة و٩٥٠٠٠ للمدارس الابتدائية. و٤٥٠٠٠ فرنك تنفق عَلَى مدارس مختلفة و١٢٢٠٠٠ عَلَى المعاهد الطبية وتأخذ المعاهد المدنية علاوة عَلَى ذلك ١٧٠٠٠٠ فرنك مساعدة من جمعية البعثة اللادينية (العلمانية) التي أسست سنة ١٩٠٢. فما ذكر يبدو للعيان أن فرنسا تسعى سعياً حثيثاً في تحسين مركزها في سورية ولا تبخل بالمال في سبيل ذلك. ونعتقد أنها قد لا تكتفي بمليون فرنك لازدياد نفوذ ألمانيا وإيطاليا

стр. 4903

اللتين تمدان يديهما إلى اقتلاع حماية الكاثوليك في الشرق الأدنى من يدها. ولا شك أنها لا تتوقف عن كل ما من شأنه المحافظة عَلَى اسم الجمهورية وشرفها. أما إنكلترا فإنها قد رافقت فرنسا في عمل نقل المدنية الغربية إلى سورية وفلسطين. وكان المبشرون من الإنكليز ينشرون في المدن الكبرى وفي ربوع لبنان حتى أقصاها وينشئون المدارس والكنائس والمستشفيات للمرضى فعمت اللغة الإنكليزية وراجت تجارة إنكلترا وعظمت المنافسة بين النفوذ الإنكليزي والفرنساوي. عَلَى أنا لا ندري ما تنفقه الحكومة الإنكليزية عَلَى مدارسها ومعاهدها الخيرية في سورية أما فلسطين فقد عرفنا من أوثق المصادر أنه ينفق عليها أربعمائة ألف فرنك ولإنكلترا في سورية أضعاف ما لها في فلسطين من المعاهد الخيرية وغيرها. ودخلت النمسا سورية بعد إنكلترا وفرنسا لاشتغالها عنها بالبلقان حيث كانت تسعى جهدها بتعزيز مركزها والبلقان مركز نفوذها دينياً وسياسياً. غير أنه لما رأت ما أحرزته إنكلترا وفرنسا من النجاح الباهر في سورية نوت من مناوأتهما لتفتح لتجارتها سوقاً جديدة وفازت بذلك بهمة جمعية الفرنسيسكان الغنية التي تنشر النفوذ النمساوي بهمة لا تبارى فتنشئ المدارس والمستشفيات للمرضى وبيوت العجزة وتجري الحفريات الأثرية وتبتاع الأماكن الثمينة بالنظر إلى تاريخها المقدس. ولم نتمكن من الوقوف عَلَى كمية المبالغ التي تنفقها الحكومة النمساوية في سورية وفلسطين عَلَى مدارسها ومعاهدها الخيرية لإبقائها ذلك في طي الكتمان إنما نترك للقارئ تقدير ذلك متى علم أن النمسا تنفق عَلَى دار الغرباء وحدها في القدس ١٢٠٠٠ كرون وذلك بموجب ميزانية وزارة خارجيتها وأضف إلى ذلك الإعانات العديدة التي يمد بها الأهالي جمعية الفرنسيسكان وما يدفعه الإمبراطور فرنسيس يوسف من ماله الخاص. وهذا ما لا يمكن معرفة حقيقته. أما إيطاليا فإنها بعد اتحادها سنة ١٨٦١ فقد وجهت أنظارها إلى الشرق أسوة بغيرها من الدول الأوربية. وكانت الحكومة إذ ذاك فقيرة فخصصت في ميزانيتها اعتماداً زهيداً لا يتجاوز أربعين ألف فرنك إعانة لكل المدارس الإيطالية في الشرق. وفي سنة ١٨٧٠ تضعضعت فرنسا في حربها مع بروسيا فطلبت إيطاليا أن تأخذ عَلَى

стр. 4904

عاتقها حماية الكاثوليك فلم تقبل فرنسا أن تتنازل عن حقوقها. وبلغت المنافسة من هذا الوجه معظمها سنة ١٨٨٣ فكانت إيطاليا تلج بطلب حماية المبشرين الإيطاليين وفرنسا تعارضها لاعتقاد الاثنتين أن في هذه الحماية ما يجعل لهما شأناً عظيماً في هذه البلاد. ولما كانت إيطاليا تبغي إيصال نفوذها إلى أقصى درجاته فتحت اعتماداً في ميزانيتها للدارس الشرقية لسنة ١٨٨٣ - ١٨٨٤ قدره ثمانون ألف ليرة. وما كان هذا المبلغ ليحسب عظيماً لو لم تكن ماليتها إذ ذاك في حالة يرثى لها. لكنها لم يتسنى لها مع ذلك حماية المبشرين الإيطاليين فقررت إنشاء عدد كبير من المدارس المدنية وخصصت لهذه الغاية سنة ١٨٨٧ إعانة سنوية قدرها مليون ونصف من الفرنكات. غير أنها لم تفلح في هذا المسعى لما يقتضيه التعليم المدني من النفقات الباهظة ولعدم تمكنها من إيجاد معلمين لهم خبرة كافية للقيام بمثل هذا العمل. فعادت تحاول سلب حقوق فرنسا بحماية الكاثوليك وأَسست لهذه الغاية في فلورنسا جمعية جنسية لحماية المبشرين الطليان فاضطرت فرنسا أن تتنازل عن بعض حقوقها واتفقت مع إيطاليا في سنة ١٩٠٥ عَلَى أن المعاهد وكان لهذا الفوز السياسي الباهر تأثير سيء في فرنسا اضطرب له الرأي العام أيما اضطراب. ولم تكن إيطاليا بعد فوزها عَلَى فرنسا لتكتفي بالمليون والنصف من الفرنكات لأجل مدارسها فجعلت كل سنة تخصص مبالغ أخرى لمدارس الحكومة ومدارس الرهبنات التي أنشأها الإكليريكيون المطرودون من إيطاليا بأمر الحكومة. وفي الخامس من تموز سنة ١٩٠٥ صادق مجلس النواب عَلَى زيادة ميزانية المدارس السورية أربعمائة ألف فرنك فأصبحت نحو مليونين ادخل منها في ميزانية نظارة الخارجية ١٣٥٠٠٠٠ فرنك وفي ميزانية لجنة الاستعمار ٥٥٠٠٠٠ وتقرر توزيع المبلغ من قبل نظارة الخارجية بمعرفة نظارة المعارف. ولما التفتت ألمانيا إلى الشرق كانت الدول قد رسخت أقدامها في سورية وفلسطين. عَلَى أن ذلك لم يمنعها من بسط نفوذها ونشر لغتها بسرعة لا توصف شأنها في كل حالاتها مع الدولة العلية. وجعلت تخطو إلى الأمام بقدم ثابتة زاعمة أنها مدعوة للقيام بعمل حيوي لأن الحياة والتاريخ يدعوانها لتكون صلة التواصل بين الشرق والغرب ومرشدة روحية للشرقيين. وما من ينكر عليها أنها تقوم بهذا العمل أحسن قيام فما برحت تنقل إلى الشرق

стр. 4905

ما اكتسبته من الغرب ومن المدنية بواسطة عمال ملكيين وعسكريين وعلماء وأساتذة ومعلمين ومهذبين الخ. ولم يفتها أن حماية الكاثوليك في الشرق كانت أعظم الأسباب الآيلة إلى تعزيز مركز فرنسا فأخذت تسعى للحصول عَلَى حقوق حماية الكاثوليك الألمانيين وأول عمل قامت به لنيل مآربها تأسيس جمعية فلسطين وعهدت إليها بإدارة المعاهد الألمانية الشرقية. وكانت بعد ذلك سياحة الإمبراطور في بلاد الشرق فقال وزير خارجية ألمانيا في مجلي الأمة نحن بعيدون عن فكرة حماية كل المسيحيين في الشرق لكن حماية الكاثوليك الألمان من حقوق الإمبراطور دون منازع. ولم تعارض فرنسا بل تنازلت عن حقوقها لألمانيا. . . وفي هذه السنين الخيرة نمت أعمال ألمانيا نمواً غريباً إذ أَسست كيراً من المدارس الابتدائية وعدة مدارس عالية ومدرسة إكليريكية في القدس وغيرها من صناعية ومستشفيات وهياكل معتمدة في كل ذلك عَلَى الجمعيات الكاثوليكية والإنجيلية الألمانية وعَلَى اللجان الجنسية التي تستمد قوتها من الاتحاد النمساوي العام. وحذت الحكومة حذو إمبراطورها الحكيم فقدمت الإعانات للجمعية عَلَى اختلاف المذهب لتبعد عنها روح المنافسة المضرة بالمصالح الوطنية. وما عدا ذلك فقد فتحت اعتماداً في ميزانيتها قدره ٨٥٠٠٠٠ مارك ينفق عَلَى معاهدها في سورية وفلسطين بمعرفة وزارة خارجيتها. ولم تغفل روسيا عن مساعي الدول الأوربية في سورية وفلسطين ونجاح الجمعيات التبشيرية. ومكان الشرق الأرثوذكسي قد اعتاد من القديم أن يعتبر روسيا حامية له في أيام المحن. واعترفت لها الدول بذلك بواسطة معاهدات دولية كانت نتيجة حروب كثيرة سالت فيها الدماء أنهاراً. فلم يسعها إلا الإقدام عَلَى مباراة الدول الأوربية بتأييدها مركزها في الشرق. فأسست لهذه الغاية سفارة روحية في القدس ما لبثت أن باشرت سنة ١٨٤٧ بفتح المدارس وإنشاء المعاهد الخيرية وفي سنة ١٨٥٨ بعد انتباه حرب القريم أقامت في المدينة نفسها أقامت في المدينة نفسها قنصلاً لها. عَلَى أن السفارتين لم يكن في وسعهما مباراة الجمعيات الأجنبية بالنظر لحرج المركز الذي لا يسمح لممثلي الحكومة أن يتوسعوا في العمل وأدت الحاجة إلى تأسيس جمعية خصوصية غير مقيدة بمركز رسمي نظير الإرساليات الأوربية تطلق يدها في العمل بدون
следующие страницы →