Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.
стр. 5216
أربعة وعشرون ميلاً ثم إلى طبرية مدينة الأردن ستة أميال ومن طبرية إلى اللجون عشرون ميلاً ثم إلى القلنسوة عشرون ميلاً ثم إلى الرملة مدينة فلسطين أربعة وعشرون ميلاً والطريق من الرملة إلى أزدود (؟) اثنا عشر ميلاً ثم إلى غزة عشرون ميلاً ثم إلى العريش أربعة وعشرون ميلاً ثم إلى جرير ثلاثون ميلاً ثم إلى القاصرة أربعة وعشرون ميلاً ثم إلى مسجد قطاعة ثمانية عشر ميلاً ثم إلى بلبيس أحد وعشرون ميلاً ثم إلى الفسطاط مدينة مصر أربعة وعشرون ميلاً فهذه ثلثمائة وخمسة وستون ميلاً تبلغ نحو سبعمائة كيلومتر.
وكان الدرب المسلوك من مصر إلى دمشق من بلبيس إلى الفرما في البلاد التي كانت تعرف ببلاد السباخ من الجوف ويسلك من الفرما إلى أم العرب وهي بلاد خراب عَلَى البحر فيما بين قطية والواردة فلما خرج الفرنج من بحر القسطنطينية في سنة تسعين وأربعمائة أغار بغدوين صاحب الشوبك عَلَى العريش وهو يومئذ عامر بطل حينئذ من مصر إلى الشام وصار يسلك عَلَى طريق البر مع العرب مخافة الفرنج إلى أن استنقذ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بيت المقدس من أيدي الفرنج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة فصار يسلك هذا الدرب عَلَى الرمل إلى أن ولي ملك مصر الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل فأنشأ مدينة الصالحية في سنة أربع وأربعين وستمائة فلما ملك الظاهر بيبرس البندقداري رتب البريد في الطرقات حتى صار الخبر يصل من قلعة الجبل إلى دمشق في أربعة أيام ويعود في مثلها فصارت أخبار الممالك ترد إليه في كل جمعة مرتين ويتحكم في ممالكه بالعزل والولاية وهو مقيم بالقلعة وأنفق في ذلك مالاً عظيماً حتى تم ترتيبه وكان ذلك في سنة تسع وخمسين وستمائة.
ومازال أمر البريد مستمراً فيما بين القاهرة ودمشق يوجد بكل مركز من مراكزه عدة من الخيول المعدة للركوب وتعرف بخيل البريد وعندها عدة سواس وللخيل رجال يعرفون بالسواقين وأحدهم سواق يركب مع من رسم بركوبه خيل البريد ليسوق له فرسه ويخدمه مدة مسيره ولا يركب أحد خيل البريد إلا بمرسوم سلطاني وتارة يمنع الناس من ركوبه إلا من انتدبه السلطان لمهماته وتارة يركبه من يريد السفر من الأعيان بمرسوم سلطاني قال صاحب الخطط وكانت طريق الشام عامرة يوجد بها عند كل بريد ما يحتاج إليه المسافر
стр. 5217
من زاد وعلف وغيره ولكثرة ما كان فيه من الأمن أدركنا المرأة تسافر من القاهرة إلى الشام بمفردها راكبة أو ماشية لا تحمل زاداً ولا ماء فلما أخذ تيمورلنك الشام وسبى أهلها وحرقها في سنة ثلاث وثمانمائة خربت مراكز البريد واشتغل أهل الدولة بما نزل بالبلاد من المحن عن إقامة البريد فانخل بانقطاعه طريق الشام خللاً فاحشاً.
قالوا والبريد خيل تشترى بمال السلطان ويقال لها السواس والعلوفات وهي مقررة عَلَى عربان ذوي إقطاعات عليها خيول موظفة تحضر في هولال كل شهر إلى كل مركز أصحاب النوبة بالخيل فإذا انسلخ الشهر جاء غيرهم وهم لهذا يسمون خيل الشهارة وعلى الشهارة والٍ من السلطان يستعرض في رأس كل شهر خيل أصحاب النوبة فيه ويدوغها بالداغ السلطاني وقد أنشأ أمراء مصر وملوكها مثل كريم الدين وكيل الخاص الناصري والملك الأشرف خليل ومفخر الدين كاتب المماليك وناصر الدين الداوادار التنكزي وطاجار الداوادار وكافل الشام الطنبغا والظاهر بيبرس البندقداري وغيرهم خانات ورباطات وفنادق ومساجد وآباراً ودساكر لأبناء السبيل وكان الطريق في بعض الأدوار يتحول قليلاً من أول الكورة إلى آخرها ولكنه لم يخرج قط في كونه من مصر من الغرب إلى الشرق ثم يعرج في بلاد الشام نحو الشمال قليلاً حتى دمشق.
وكان حمام الزاجل الذي هو بمثابة تلغراف أجدادنا يسير من القاهرة إلى ببليس ومنها إلى الصالحية ومن الصالحية إلى قطية ومن قطية إلى الواردة ومن الواردة إلى غزة ومن غزة إلى القدس ومن عزة إلى نابلس ومن غزة إلى لد ومن لد إلى قاقون ومن قاقون إلى جنين ومن جنين إلى صفد ومن جنين إلى بيسان ومن بيسان إلى إربد ومن إربد إلى طفس ومن طفس إلى الصنمين ومن الصنمين إلى دمشق.
وكان الثلج ينقل عَلَى الهجين من بلاد الشام إلى حضرة السلطان بقلعة الجبل بالقاهرة وقد جاء زمن وهو لا يحمل إلا في البحر خاصة - كما جاء في التعريف بالمصطلح الشريف - من الثغور الشامية بيروت وصيدا ويفرض عَلَى البقاع وبعلبك إرفادهما في ذلك وكان يسيراً فكثر وقرر منه عَلَى طرابلس ممن استقر عَلَى جبة بُسري والمنيطرة من عمل لبنان اليوم. والمراكب تأتي دمياط في البحر ثم يخرج الثلج إلى الشرابخانات الشريفة ويخزن في صهريج أعد له وأصبح في القرن الثامن يحمل في البر والبحر ومدة ترتيب حمله من
стр. 5218
حزيران (يونيو) إلى آخر تشرين الثاني (نوفمبر) وعدة نقلاته في البر ٧١ نقلة متقاربة مدة ما بينها وقد صار يزيد عَلَى ذلك ويجهز بكل نقلة بريدي يتداركه ويجهز معه ثلاج خبير بحمله ومداراته يحمل عَلَى فرسه بريد ثان والمرصد في كل نقلة خمسة أحمال والمستقر في كل مركز له ستة هجن خمسة للحمل وواحد للهجان قال العمري ولا يصل الثلج متوافراً إلا إذا أخذ الثلج المجلد وأجيد كبسه واحترز عليه من الهواء فإنه أسرع إذابة له من الماء. وكذلك قال المناور مواضع رفع النار في الليل والدخان في النهار للإعلام بحركات العدو وقد أرصد كل منور الديادب والنظارة لرؤية ما وراءهم وإيراء ما أمامهم وهي من أقصى ثغور الإسلام إلى حضرة السلطان بقلعة الجبل حتى أن المتجدد بكرة بالفرات كان يعلم بها عشاء. وهذه المناور بدخانها ونيرانها أشبه بالهليوستا والإبجكتيف لعهدنا.
هكذا كان طريق مصر إلى القرن التاسع للهجرة وهذا أقصى ما بلغته مدينة القوم في أسباب النقل والراحة وينزل اليوم في هذه النفوذ أي الرمال المتراكمة كما يسميها العرب أناس من عرب مصر يرجعون في أصولهم إلى يطون وأفخاذ معروفة عندهم تعرفهم بسيماهم ضئال الأجسام صفر الوجوه عَلَى نحو وصفهم واصفوهم في القرون الوسطى وهم شاوية يقومون عَلَى تربية الشاء ولهم جمال قليلة وزرعهم في الأكثر الشعير في الشتاء والبطيخ في الصيف ولهم نخيل قليل في بعض واحاتهم وبالقرب من سبخاتهم ولا حجر في ديارهم يبنون به بيوتهم ومساكنهم حقيرة يصنعونها من الخوص فلا هم بادية يؤون إلى الخيام ولا هم حضر كالعرب النازلين منذ القديم في ريف مصر كالفيوم والشرقية وغيرهما من مديريات القطر مثلاً ولهجاتهم أقرب إلى لهجات سكان جنوب سورية منها إلى اللهجة المصرية ومن فلسطين يكتالون وفي فلسطين يقضون شطراً من السنة في رعي أغنامهم وماعزهم ولم تعمل الحكومة المصرية شيئاً لارتقائهم سوى أنها نشرت أعلام الأمن عَلَى ربوعها. ولذلك ترى تجار الإبل يأتون بها من بلاد مجد والجزيرة والشام ولا يزالوا يحاذرون اعتداء السراق عليها حتى يبلغوا رفح وعندها يوقنون أنه لا يضيع لهم في تلك البادية عقال بعير ركان العرب هذه النفوذ من قبل مثلاً سائراً في الاعتداء عَلَى السابلة وهم اليوم معفون من الضرائب والخدمة العسكرية وغريب كيف لا ينالهم قسط من مدنية
стр. 5219
مصر فحرموا منها كما حرموا من الاستمتاع بماء النيل العذب وتربه واديه الممرعة.
هذه النفوذ هي الحد الطبيعي بين مصر والشام بل الحد الناعي الذي اصطلحت عليه مؤخراً الحكومتان المصرية والعثمانية في رفح والعقبة بل الحد الفاصل بين قارتي آسيا وأفريقية لم يحل كل الزمان دون اختلاط أهل هذين القطرين الشقيقين ومن قرأ تواريخ الجبربي وابن إياس والسخاوي وابن حجر والغزي وغيرهم يدرك أن هجرة السوري إلى مصر ترد إلى مئات من السنين ومن بحثوا في أنساب من تولوا أعمال الحكومة المصرية وشاركوا مصر في سعودها ونحوسها من العلماء والتجار والصناع يجد فيهم كثيراً من الشاميين وكذلك الحال في المصريين ببلاد الشام فلا عجب إذا كان حظ مصر والشام واحداً في السراء والضراء وعلائقهما الاقتصادية موفورة مستحكمة وليس أعلق بالقلوب من الصلات المالية. وإنا لنرى العوارض السماوية أو الأرضية كلما اجتاحت الشام فمصر والشام هما قطران بالاسم ولكن بالفعل قطر واحد جرى الاصطلاح عَلَى تسمية كل منهما باسم وكل منهما متمم لصاحبه حتى لقد سئل أحد عمال الدولة العلية في القرن الماضي عن رأيه في القطرين فقال مصر مزرعة حسنة والشام مصيف جميل.
وإذ قد عرفنا أن أجدادنا قد أحسنوا الانتفاع من مجاورة القطرين العزيزين ساع لنا أن نطالب في هذا العهد بزيادة أواخي الإخاء بينهما من طريق البر عَلَى نحو ما هي عليه من طريق البحر فيسعى العقلاء من الماليين إلى نيل امتياز يربط عاصمة الشام بعاصمة مصر بخط حديدي عريض حتى يأتي الراكب في أربعة عشرة ساعة بدلاً من أربعة عشر يوماً وإذا أحب القائمون بالأمر الاكتفاء بوصل السكة الحديدة مع أقرب الطريق إلى مصر فما عليهم إلا أن يكتفوا الآن بإيصاله إلى القدس وهذه ستتصل هذا العام بخط حيفا مبدأ السكة الحديدة من محطة العفولة والمسافة بينهما مئة عن لا تقل كيلومتر تمد عَلَى نفقة أداوة الخط الحجازي ومعلوم أن حيفا مرتبطة بدرعا ودمشق وعندها يسهل عَلَى ابن مصر الاصطياف في جبال الشام وتةبعث هذه يحبونها وثمارها وترسل مصر إلى دمشق بشيءٍ من مدنيتها وعلومها وانتظامها ويخلص كل من يريد أن يخلص إلى مصر من هذه الرمال الموحشة المرعشة والمفازة المدهشة المعطشة التي تعوذ منها كل من اجتازها وقاسى الأمرين من مائها البشع المر الهوع المتروح ولولا أنني تسليت عن المأكل والمشرب في الأيام الخمسة
стр. 5220
التي قضيتها في اجتياز هذه المفوز بما سمعته في أحاديث رفاقي العرب في الإبل حتى صرت كأني بعض رعاتها لطال علي أمرها ولكني حملت النفس عَلَى أن تتعلم الصبر من تزلك الجمال وطبقت فيها بالعمل ما قرأته بالنظر أيام الطلب من مصطلحات العرب في إبلهم وحدائهم فصار مذهبي ولا فخر جمالياً بعد أن كان جمالياً وعملي بالأباعر عملياً وكان من قبل نظرياً.
وكأن رحزلتي في الشهر الماضي إلى الحجاز وجنوبي الشام ونزولي عَلَى أهل البادية من أهلب المدر والوبر كانت مقدمة لما امتحنت به هذا الشهر من مواكلة الأعراب في صفحة واحدة والتخلي عن الملعقة والشوكة والسكين والفوطة والكأس والأكل من أطعمتهم وهي الثمن أرز العراق والبرغل جيش الحنطة والتمر والخبز المعمول بالملة أو عَلَى الصاج يسجر ببعر الأباعر والإدام في هذه الأيام يخالطه رمل وهذا يدخل في كل مأكول ومشروب تسفوه الرياح طوعاً أو كرهاً ولقد صدق الواصفون منذ القديم لهذه الجفار بأن الخبز إذا أكل يوجد الرمل في مضغه فلا يكاد يبالغ فيه.
وإني أحمد الله إليكم عَلَى أني قضيت أيام هذه الرحلة ولياليها برمتها لم أطالع فيها جريدة ولا مجلة ولا كتاباً ولا وقعت عيني عَلَى ورقة ولا مسكت قلماً ولا كتبت مقالة ولا محاضرة ولا نكتة ولا قيدت شاردة ولم أسمع غير حداءِ الإبل وغناءِ الأعراب ولم يصل فكري إلى أبعد من عمل القهوة البدوية أو أكل التمر ولم يبلغ أذني غير أحاديث الإبل فأصبحت ولله المنة استعذب تردادها استعذابي لترديد أخبار المدنية. ومن نعم المولى علي أني رأيت صورة مصغرة من عيش أهل جزيرة العرب تمشي بين بلاد الشام ومصر ودرست نموذجاً صالحاً من أخلاق العرب بالاختلاط بتجار الجمال ورعاتها ممن كانوا يختلفون إلينا ونختلف إليهم كل مساء وصباح فلم اسمع كلمة هجر وبذاءِ وتجديف قط وما تبيت في أخلاقهم إلا الجد الذي ليس وراءه جد والعزيمة التي تخور أمامها العزائم والبحث عَلَى الدوام فيما هم بسبيله من التجارة والعناية برعية إبلهم والقيام عَلَى صحتها فكان وجود السبط والإرطة والقطف والحمط من العريش إلى قطية فالإسماعيلية وغير ذلك من الشواك والأعشاب كالشيح والرثم التي تستطيبها أنعامهم أهم إليهم من كل حديث واشهى لقلوبهم من كل نغمة وأفعل في نفوسهم من كل نعمة من نعم الجمال والكمال.
стр. 5221
قضيت ويا لسعادتي أسبوعين كاملين في عالم الأباعر والبعران والإبل والحوار والبطين والبطنان والكثيب والكثبان وشين وزين وترد وتصدر وندلج ونسري وننشد ونمرح ونضحي ونعشي وغير ذلك من فصح العربية الباقية عَلَى أسلات ألسن أولئك العرب الأميين ولو أردت أن أستوفي ما سمعته في هذا القبيل لاستغرق مجلداً برأسه وما أحلى ما سمعته من أحدهم يقول لصاحبه يا فلان خذ من فلان كذا وأنت الفالج أي الرابح من الفلج وهو الظفر وكيف لا أوخذ بما وعيت ورأيت وأنا طول هذه الفترة لم أسمع نميمة ولا غيبة ولا شهدت كذباً ولا منكراًَ وكان أولئك الأعراب بأجمهم مواظبين عَلَى صلواتهم بدون تكلف يتيممون يوم يقل ماؤهم ولا يسرفون فيه إذا وجد. أخلاق طاهرة متينة ما كنت أظنها باقية في البادية وأرجو أن لا تفقد بتاتاً من أهل الحضر ولو تهيأ لسكان اليمن ونجد خاصةً شيءٌ من المدنية الصحيحة لفاقوا ولا جرم الإنكليز والسكسونيين بأخلاقهم وأناتهم ورويتهم وإني لما أخبرت القوم أيقنت بفساد القضية التي وضعها أحد الباحثين من أصول الشعوب من أن الطيش والرعونة والفسق تغلب عَلَى سكان البلاد الحارة ومع أن بلاد هؤلاء الأعراب من الأقاليم الحارة جعلت منهم التربية الدينية المعتدلة أهل اعتدال وكمال وأهل مال وأعمال.
هذا وقد أطلت حواركم حتى خفت عليكم التبرم بحديثي وإني حامد شاكر لكل ما تم عليَّ لإيقاني بأن الحوادث أكبر معلم ولولا الحادثة الأخيرة في دمشق لما تيسر أن ابلغ مصر من شرقها وأن أستمتع بلقياكم الآن وأرجو أن يدوم لي هذا الاستمتاع ولكن عَلَى شرط أن يقيض الله للبلاد العثمانية من يغار عَلَى مصلحتها وينقذها من سقطتها وأسأل قاهرة الجبابرة والسلاطين أن يمن علينا بنعمة الراحة أجمعين.
стр. 5222
مطبوعات ومخطوطات
الحضارة القديمة
تأليف أحمد بك كمال (ص٣٨٣) طبع بمطبعة مجلة الجامعة
المصرية
أهدانا محمد كامل أفندي فيضي مدير مدرسة القاهرة وأحد أصحاب الجامعة المصرية نسخة من هذا الكتاب النفيس والمؤلف أعظم أثري في هذا القطر وكتابه هذا محاضرات كان يلقيها عَلَى تلاميذ الجامعة في حضارة القدماء المصريين يلخص بها خلاصة اختصاصه بهذا الموضوع الجليل وهو مكتوب بأسلوب ساذج ومحلى بالرسوم والصور بحيث يلمُّ قارئه إلماماً كافياً بالتاريخ القديم وآثار الفراعنة في مصر.
الحضارة الإسلامية
تأليف أحمد زكي باشا (ص٨٤) طبع في مجلة الجامعة
المصرية
مؤلف هذا الكتاب من خيرة الخطباء والكتاب في مصر نشر عدة رسائل وكتب تعريباً وتأليفاً وآخر كتبه هذا السفر اللطيف الذي جعله في صورة رواية والحقيقة أنه كتاب في الإصلاح السياسي والاجتماعي والأدبي ومن فصول الكتاب ما يأخذ بمجامع القلب ويفيد إثارة عواطف النفس ومنها ما يشير به المؤلف إلى أمور لا يوافقه عليها الكثيرون اليوم في هذا الشرق كتبها بأسلوب صريح دل عَلَى تفانيه في الحرية والتسامح.
حكم نابليون
ترجمة محمد لطفي أفندي جمعة طبع عَلَى نفقة مكتبية التأليف
بمصر سنة ١٩١٢ (ص١٦٩).
وهي حكم أثرت لنابليون أعظم الفاتحين في القرن الماضي صدرها بترجمة حياته وعربها عَلَى أسلوب سهل حرية بأن يتدارسها أبناء المستقبل فيستفيدون الكلم الملاح من المأثور
стр. 5223
عن ذاك السفاح.
كلمات نابليون
تعريب إبراهيم أفندي رمزي طبع بمطبعة الهداية بمصر سنة
١٩١٢ (ص١٣٥).
هذا الكتاب هو عين الكتاب الذي سبق الكلام عليه وعربه الكاتبان عن مصدر واحد ويا ليتهما اكتفيا بإحدى الترجمتين وصرفا الوقت في نقل كتاب آخر وهذه الترجمة كالتي قبلها حسنة والمترجم أيضاً من أدباء مصر العاملين.
إياك
تعريب إبراهيم أفندي رمزي طبع بمطبعة الهداية (ص٥٦).
رسالة فيما يجب للرجل المتحضر أن يتخطاه ولا يقع فيه من الأطوار والأقوال والعادات حرية أن يتدارسها ناشئتنا ليربوا عَلَى العادات الصحيحة والأطوار الرجيحة.
الوسيط في تراجم أدباء شنقيط
تأليف الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي
طبع بمطبعة الجمالية بالقاهرة ١٣٢٩ - ١٩١١ (ص٥٤٢).
أهدانا محمد أمين أفندي الخانجي الكتبي طابع هذا الكتاب وعشرات غيره من الكتب النفيسة نسخة من هذا السفر وفيه كلام بديع عَلَى أدباءِ ذاك القطر وشعرائه وعلمائه وتخطيط البلاد وعاداتها وأخلاقها واقتصادياتها والمؤلف من كبار اللغويين في هذا العصر أملى هذا الكتاب من محفوظة فسد بما نقله من شعر أبناء قطره وأخبارهم ثلمة مهمة في عالم الأدب وزاد الكتاب رونقاً جمال وضعه وطبعه وشكله.
الإعلام بمثلث الكلام
لمحمد بن مالك النحوي الأندلسي المتوفى سنة ٦٧٢ ويليه كتاب المقصور والمدود له أيضاً وعليهما شرح لناشرهما الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي.
стр. 5224
طبع بالمطبعة الجمالية سنة ١٣٢٩ (ص٢٨٨).
هذا الكتاب من المهمات التي لا يستغنى عن الانتفاع بها كل طالب لإحكام ملكة اللغة وكيفية النطق بالفصيح نظمها ابن مالك شعراً سلساً مشكولاً بالشكل الكامل وعلق عليها الشيخ الشنقيطي ما يقتضي لها من شرح لئلا يتعاصى عَلَى الطالب فهمها فجاءت من الكتب الجديرة بأن لا يغفل عنها عشاق اللغة وأن يتدارسوها كما يتدارس طلاب النحو ألفية ابن مالك فنشكر معلق حواشيها عَلَى همته ونشاطه.
ديوان الشماخ
طبع بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٧ ص١٢٠.
نشر هذا الديوان للشماخ بن ضرار الغطفاني الصحابي الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي أيضاً وهو من الدواوين التي تقوي ملكة الأدب ويستفاد من سلاستها وحكمها وقد جاء الشرح أوسع من الأصل.
مختارات البارودي
لمحمود سامي باشا البارودي المتوفى سنة ١٣٢٢
بالقطع الكامل طبع بمطبعة الجريدة بمصر سنة ١٣٢٧ - ١٣٢٩.
أربعة أجزاء في ١٨٠٣ ص.
البارودي أكبر شعراء العصر والشعراء قد يكون في اختيارهم أعظم منهم في شعرهم كما قيل عن أبي تمام الطائي في حماسته ولعل البارودي الذي صرف شطراً من أوقاته في أخريات أيامه قد وفق إلى ذلك فقد جمع من شعر ثلاثين من فحول الشعراء المولدين ما فر به عَلَى الطلاب عناءً كبيراً ورتب مختاراته عَلَى سبعة أبواب وهي الأدب والمديح والرثاء والصفات والنسيب والهجاء والزهد وأما الشعراء الذين اختارهم فهم بشار بن برد العباس بن الأحنف أبو نواس مسلم بن الوليد أبو العتاهية ابن الزيات أبو تمام البحتري ابن الرومي ابن المعتز المتنبي أبو فراس الحمداني ابن هاني الأندلسي السري الرفاء ابن نباتة السعدي الشريف الرضي أبو الحسن الهائي مهيار الدليمي أبو العلاء المعري صرد ابن سنان الخفاجي ابن حيوس الطغرائي الغزي ابن الخياط الأرجائي الأبيوردي عمارة اليمني
стр. 5225
سبط ابن التعاويذي ابن عينين. وقد علق عليه جامعه شرحاً وجيزاً لغوياً وعني بتصحيحه كاتب يده الشيخ ياقوت المرسي وفيه شكل عَلَى الأبيات المشكلة وطبعه جيد وحرفه مشرق يوفر عَلَى أبناء العصر ممن ضاقت أوقاتهم عن أن تتسع لكل شيء إذا اقتنوه وتدارسوه فعلى جامعه فقيد الأدب والشعر تنتهل ديم الغفران.
стр. 5226
أخبار وأفكار
المستعمرة اليهودية في أسوان
جزيرة أسوان أو مدينة الفيل المعروفة عند اليونان باسم الفنتين وتسمى أيضاً قبح وبالعربية جزيرة البربا وجزيرة الذهب وبالمصرية القديمة مدينة أبو هي من البلاد التي توفر علماء الآثار عَلَى البحث فيها والتنقيب في أرجاء عادياتها وصرفوا عَلَى ذلك الأموال الطائلة فظفروا ببعض المستندات التاريخية وقد كتب أحد علماء الفرنسيس في مجلة الكورسبوندان مقالة في نزول اليهود هذه الجزيرة قال إننا نجهل فيها الحوادث الخاصة التي دعت جماعة من الإسرائيليين أن يأتوا من مملكة اليهودية فنزلوا جزيرة أسوان ولا نعلم إلا أن هناك حملة عسكرية أقامها المصريون عَلَى ما يظهر تقوية للحامية في مدخل القطر المصري الجنوبي. وقد كان من افتتاح بختنصر لمدينة أورشليم أكبر حامل لكثير من اليهود عَلَى أن يهاجروا إلى مصر عرفنا ذلك مما كتبه النبي أرميا وقد قادهم نيكاو إلى تلك الأصقاع ونزلوا فيها بصورة قطعية وأصبح معظمهم جنوداً وزراعاً وكانوا يسقون حقول القثاء ويزرعون الحبوب ويجنون التمر ومع هذا لم ينسوا بلادهم الأصلية بل توطنوا عَلَى شاطئ النيل ولم يبرحوا يتذاكرون في العجائب التي حدثت زمن موسى الكليم ومازال بهم الدهر حتى ألفوا هذه الجزيرة التي نزلوها وتعلموا لغتها وعاداتها ولقد كانت أوراق البردي كلها سنة ٤٠٠ قبل المسيح أيام استقلت مصر تحت سلطة ملك بينها مكتوبة باللغة الآرامية وهي اللهجة التي أصبحت عَلَى عهد الفرس لغة دولية تعلمها الإسرائيليون في وقت قليل. ولم يكن من فرق يمتاز به يهود مصر إلا من حيث الدين فهم يعبدون رب آبائهم ويدعونه أياهو رب السماء والمصريون يعبدون كيروم ورأسه رأس حمل وهم يركعون أمامه في حين يذبح اليهود الحمل قرباناً كل يوم. وقد كتبت الغلبة للمصريين عَلَى الإسرائيليين فدكوا لهم معبدهم وجعلوا عاليه سافله حتى قال الإسرائيليون في أسوان لقد أتى علينا ثلاث سنين ونحن نلبس الخيش ونصوم وأصبح نساؤنا كالأيامى ولم نتطيب ولم نشرب خمراً ولم نقدم قرباناً ولا بخوراً ولا ذبيحة في هذا المعبد الذي تداعت أركانه. وإذ قد حرموا من معبدهم في أسوان انحصروا في دائرة ضيقة مقفلة عَلَى صورة تذكرهم بما ألفوه من العادات في بلادهم وما برحت هذه الحالة بالديانة الموسوية حتى أتت عليها عبادة الأوثان الشائعة في
стр. 5227
ذات الزمن وعندها قام النبي أرميا يهتف قائلاً أن جميع رجال بلاد اليهودية النازلين في أرض مصر سيفنيهم السيف ويأخذهم الجوع وتمت هذه الكلمات بالفعل إذ هلك اليهود في أسوان في ثورة عامة عَلَى ما يظهر. وإنا إذا لم تصلنا أخبار ما أبداه الإسرائيليون من المقاومات في الغارات فقد انتهت إلينا أحوالهم الخاصة فنعلم مثلاً أن شريعة موسى تضيق جداً عَلَى النساء أما النساء الفنتين مدينة الفيل فالظاهر أنهن كن أقل رقاً من غيرهن ونعرف عادات الأسرة اليهودية وأن البائنات (الدوطات أو الجهاز) هي عبارة عن مرايا وكؤوس من الصفر وألبسة من الصوف وفرش من ورق البردي ونعرف أولئك المهاجرين عَلَى ما كان لهم من الشواغل الحربية والمدنية وإنهم كانوا يصرفون آونة فراغهم في النظر في الآداب ومكن الأسف أن العلماء لم يظفروا بشيءٍ من رسائلهم المقدسة ولو وفقوا لذلك لأقاموا بها عماد التاريخ الأدبي بل أثمن عمدة في بيانه.
الكبريت والخصب
أثبت العلماء أن زهر الكبريت إذا أضيفت منه كمية قليلة إلى التربة المنوعة التي تجعل في الأواني لتربية الزهور ونحوها يؤثر تأثيراً مهماً جداً في الإنبات ويزيد غلة المزروع زيادة كبرى خصوصاً في التربة المستعملة عَلَى الدوام.
سماد البوتاس
للأملاح المحلولة من البوتاس شأن عظيم بين مخصبات التربة وما من نبات ينمو بدون أن يتناول ولو كمية قليلة منه في التراب وكم استعمل في هذا السبيل فكان منه أن ضاعف غلة الأرض وأهم مناجم البوتاس في بلاد ألمانيا ولذا احتكر تجار هذه البلاد تجارة هذا السماد في العالم بما ألفوه من النقابات وتحكموا في أسعاره عَلَى ما شاؤا. وإذ كانت تربة الولايات المتحدة عَلَى خصبها لا تستغني عن هذا السماد فقد بلغ ما جلبته من السماد الألماني سنة ١٩٠٠ ٢١ مليون فرنك وفي سنة ١٩١٠ ٦١ مليوناً وفي ١٩١١ ٧٦ مليوناً وإذا دامت هذه الزيادة مطردة مما لا مناص منه كان عَلَى الولايات المتحدة بعد عشرين سنة أن تنفق في السنة عَلَى هذا الغرض ملياري ومائتي مليون فرنك وقد بذل مجلس نواب أميركا ثلاثة ملايين للبحث عن السماد الذي يمكن استخراجه من بعض جبال البلاد حتى لا تضطر إلى إخراج مبلغ كبير لشراء السماد الألماني ولكن أعمال اللجنة في ذلك لم تأت
стр. 5228
بثمرة وكذلك فعل غيرها وإذ يئس الباحثون من العثور عَلَى السماد المطلوب من اليابسة أخذوا يفكرون في استخراجه من البحر إذ أن في ماء البحر كمية من أملاح البوتاس ولذا كان المحيط الكبير حوضاً لا ينفذ منه البوتاس وحسبوا أنه إذا استخرجت من البحار جميع أملاح البوتاس الموجودة فيه يتأتى الحصول عَلَى طبقة من السماد تغطي أراضي الولايات المتحدة عَلَى علو ٣٠ متراً عَلَى أنه من الصعب استخراج ما ينبغي الآن للفلاحين من الكميات وإن ثبت للطبيعيين أن النباتات الكبرى في المحيط الهادئ تحتوي عَلَى كميات وافرة من الأملاح وهذه النباتات اسمها باللسان النباتي بيروستيس ويمكن استنباتها بكميات وافرة في البحار الأميركية من تخوم المكسيك إلى المحيط الشمالي ويبلغ طول الواحدة عشرين متراً تتألف منها غابات غبياءُ وكل طن يجفف من هذه النباتات يحتوي عَلَى ٢٤٠ كيلو من ملح البوتاس تساوي مئة فرنك ويقدرون أن كل هكتار من سطح البحر يحتوي عَلَى مائتي طن من هذا النبات والحكومة الأميركية تفكر كل التفكر بهذا المشروع الحيوي.
تلفون الصم البكم
تأسف أحد العرفين من الصم البكم في الغرب واسمه ويليام شواف لأنه محروم هو وإخوانه من التخاطب بالتلفون فاخترع طريقة جديدة تفي بهذا الغرض واستعمل النور بدلاً من الصوت عَلَى طريقة أسهل من الردايوفون لا يحتاج معها المخاطب إلى الكلام مع مخاطبه إلا أن يمعن النظر في آلة أمامه فيها الحروف والأرقام التي تتألف منها الكلمات والأعداد والمصابيح الكهربائية لا تضيء إلا إذا اشتغلت الآلة الكاتبة وتنطفئ بانطفائها. هذا اختراع الصم البكم بأنفسهم لأنفسهم فمتى يخترع يا ترى في الشرق من سلمت حواسهم من الآفات.
أعماق البحار
ثبت لأحد الأخصائيين في درس الأبعاد أن المحيط الأتلانتيكي يمتد من أسلاندة فيبلغ ١٥٠ ألف كيلومتر طولاً وعلى جانبيه حوضان يبلغ عمق البحر فيهما من ٤٠٠٠ إلى ٦٠٠٠ متر وفي بعض الأماكن لا يكون أكثر من مئة متر وإن هذه المحال كثيرة الأسماء وأعمق محل في البحر الأتلانتيكي يقدر بـ ٨٣٤٠.
الفلسفة الحسية
واضع هذه الفلسفة المسماة بالبوزيفيتيزم هو أوغست كونت وعن فلسفته أخذ الفيلسوف
стр. 5229
سبنسر الإنكليزي ولهذه الفلسفة في ديار الغرب أنصار كثيرون ولم يعدم الشرق أناساً يقلدون أيضاً في قبول مبادئه فمنهم فئة في القاهرة وأخرى في الآستانة ولا ندري إن كانوا قبلوا الفلسفة الحسية بعد دراستها أو تناولوها تقليداً.
ولهذا الفيلسوف ميل شديد للإسلام وحسن الظن به وكثيراً ما يوصي بتلاوة القرآن والتوراة والنظر فيهما وكان لكونت اعتقاد جازم بمستقبل الإسلام ويعجب بما قام به من الخدم للمدنية ذكر ذلك غير مرة في كتبه ولاسيما في كتابه إلى الصدر الأعظم رشيد باشا سنة ١٨٥٣ وذكرت مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية أن المسيو كريستيان شرفليس قد جمع مؤخراً أقوال الفيلسوف كونت في المادة مقدماً لها مقدمة طلب فيها التضامن بين الإسلام والفلسفة الحسية قال وعلى فرض أن الإسلام صار إلى خطر فلا يكون له ملجأ أضمن من دين الإنسانية أي فلسفة كونت.
عيون النبات
أثبت أحد كبار أساتذة النمسا في النبات أن لكثير من النباتات حاسة النظر ويمكن تشبيهها بالحيوانات الصغرى وخلاياها تشبه خلايا الهوام التي بها تبصر ومعلوم أن للذباب العادي أربعة آلاف خلية وسبعة عشر ألفاً للفراش وقد أيد هذا الرأي بعض أساتذة من إنكلترا وقالوا أن للنباتات عيوناً حقيقية كعيون النحل تميز بها ما يعرض أمامها بعيداً كان أو قريباً.
غلاة الكتب
يعلق غلاة الكتب مكانة زائدة عَلَى الجلود ولذا بعثت إليهم جمعية الفنون في لندرا بإنذار جميل تدعوهم فيه إلى السهر عَلَى المضار التي تحدث من الحشرات التي تغشى الجلود وهي معرضة لها في الأكثر لا مناص لها منها. وجلد السختيان والخنزير والرق الحقيقي أقل تعرضاً لعبث هاته الهوام وليس جلد الثيران وجلود روسيا ممن يجدر الاعتماد عليه في وقاية الكتب أما القماش والمقوى البسيط فيجب البتة إبعادهما من كل مكتبة يحترم ما فيها ويغالى بحفظه وبقائه.
النفقات الكمالية
لو ارتقى في الشرق فن الإحصاء ولاسيما في مصر لثبت أن التغالي في الكماليات والتفاني
стр. 5230
في سبيل الطرب والموبقات يزداد شهراً فشهراً بل يوماً فيوماً وما غلاء أسباب المعاش بالذي يحول عَلَى الإقبال عَلَى دور التمثيل والصور المتحركة والموسيقى والتزحلق والألعاب المختلفة ولكن ليس هذا شأن البلاد الراقية فقد أحصت باريز ما أنفق الناس في دور تمثيلها فبلغت مداخيلها في السنة الماضية نحو ٥٩ مليوناً من الفرنكات أو نحو مليونين وأربعمائة ألف جنيه هذا عَلَى حين لم يتجاوز مجموع ما جمع لإغاثة البائسين في تلك العاصمة الكبرى ٢٥٤ ألف جنيه فتأمل كيف يقبل الناس عَلَى المسليات ويرغبون عن الباقيات الصالحات.
ملك الصحافيين
يعرف قراء الصحف اليومية أن من جملة من غرقوا في الباخرة تيتانيك التي غرقت في شهر إبريل الماضي في مياه أميركا وغرق فيها نحو ١٥٠٠ رجل وامرأة من أنحاء العالم المستر ويليام ستيد صاحب مجلة المجلات وملك الصحافيين في إنكلترا مغيث الملهوفين وخادم الإنسانية الأمين ولسنا نطال هنا إلى كتابة ترجمة الرجل فترجمته تشبه تراجم أكثر العصاميين في العالم تعلم في مدرسة ابتدائية فقط ثم عمل في التجارة سبع سنين ثم اتصل في الصحافة مدفوعاً إليها بعامل الولوع بها وأنشأ منذ سنة ١٨٨٩ مجلة المجلات الإنكليزية وهو في الأربعين من عمره فامتازت وهي شهرية بمقالاتها السياسية المؤثرة ولكننا نريد لأن نذكر له مزية من أكبر المزايا فيه وهو أنه يلتهب إذا سمع ظلماً نال شعباً مظلوماً ولطالما شدد الوطأة عَلَى حكومته في تهورها بحرب البوير ودافع عن البوير حتى اضطرت حكومته بعد إنفاق النفقات الطائلة وبذل عشرات الألوف من الأنفس أن ترجع إلى رأيه العادل العاقل وكل الأمم كما قال أحد واصفيه مهما بلغ من عظمتها تراها كالأطفال تكشر عن نابها قبل تناول الدواء الذ يصفه الطبيب. وله اليد الطولى في إنشاء محكمة السلام في لاهاي وهو الذي قابل معظم ملوك الأرض وأعاظمها وعلمائها واشتهر بمحادثاته السياسية التي سن سنتها ولطالما كان يدل عَلَى الملوك والأمراء وأرباب المال من ذلك إدلاله عَلَى قيصر روسيا وقوله له تنصرف الآن عظمتكم لترى القيصرة والأولاد فصرف هو القيصر بدلاً من أن يصرفه القيصر ومن ذلك أنه اجتمع مع سلطان العثمانيين في صدد اعتداء الطليان عَلَى طرابس الغرب وأراد السلطان أن يهديه هدية فخاف ستيد
стр. 5231
من ذلك أن يكون وساماً أو غير ذلك من أدوات التشريف في الحكومات فلحظ السلطان ذلك وقال له مثلك لا يمنح وساماً فرتبتك أعظم الرتب وأراد السلطان أن يهديه علبة لفائف من الذهب فقبلها ولكن بعد أن أهدى هو للسلطان مسكة قلم من ذهب أيضاً ولم يرض ستيد أن يأخذ قط نفقة ينفها في سبيل من السبل لأجل غرض يتعلق بملك أو أمة بل كان يصرف من جيبه مع أنه ليس من أرباب اليسار الزائد وقد رأينا من يزيدون عليه مئة ضعف بثروتهم حتى في إنكلترا يسعون إلى المطامع الدنيئة ولذلك عظم موقع ستيد من النفوس حتى أنه نسي حقوق الصداقةمع سسل رودس الغني الإنكليزي الكبير يوم الحملة البويرية وحمل عليه حملة منكرة لأن هذا كان من النافخين في ضرام حرب الترنسفال في حين كان رود يريد أن يدفع مليون جنيه لستيد لينشئ بها جريدة يومية لا مثيل لها بين صحف العالم الممدن تباع عَلَى مكانتها مجاناً لتبث الأفكار الصحيحة خالية من مؤثرات رجال السياسة والماليين والتجار والمحتالين والمشتركين والمبتاعين وغيرهم لتكون صحيفة بيضاء نقية لا تقول إلا الحق ولا تدعو لغير العدل. كان ستيد الحركة الدائمة في العالم يطوف لإقناع الأمم والحكومات بإقامة العدل يفكر أثناء السفر ويكتب في البحار وعنايته بمجلته جعلتها في مقدمة مجلات العالم وكذلك كان في كل عمل تولاه قبلها ولاسيما رئاسة تحرير البال ما غازت وكان عَلَى جانب من التدين كبير يقول بأمور في الأرواح لا يقول بها المشتغلون بالأبحاث الطبيعية وبقي عَلَى تدينه إلى آخر حياته فهو خدم الإنسانية طوال حياته وخدم أمته أجل خدمة وسجن مرة لفرط حريته وخرج بعد ثلاثة أشهر أقوى همة مما كان قبل السجن وبالجملة فهو تمثال الصحافي الحقيقي بعلمه وتجاربه ومضائه وشرف نفسه وبعده عن المطامع لا كأثر الصحافيين في الشرق والغرب لصوص في صورة صلحاء وأبالسة يقولون في الملائكة ويفعلون فعل الخنازير وما الفضل حقيقة في نبوغ هذا الصحافي العظيم إلا لسلامة محيطه ومن كانت أمته كالأمة الإنكليزية في حبها الحق والعدل كان حرياً أن يعمل مثل ستيد الأعمال الكبرى التي لا يحلم بها كل إنسان.
فقيد دمشق
فقدت دمشق عالماً أديباً من الطراز الأول أستاذنا السيد محمد المبارك الجزائري عن ٦٧ سنة كان فيها مثال الأدب الرائع والأخلاق الفاصلة كرم النفس. درس كما يدرس أهل
стр. 5232
عصره فحفظ القرآن وأتقن العلوم العربية والدينية واختص باللغة والأدب ثم التصوف ومما استظهره مقامات الحريري فكان يتلوها كلها لا يخرم منها جملة وعلى أسلوبها نسج في شعره ونثره فكثرت ألفاظهما وجناساتهما أكثر من معانيها ومقاصدها وله قدم راسخة في النقد الأدبي واللغوي قل أن يدانيه أحد في سورية. وللأستاذ محاورات وقصائد ورسائل ورحلات أهدى معظمها في صباه للأمير عبد القادر الحسيني الجزائري واشتغل في آخر عهده بالطريق بما زجه حسن العشرة والظرف وكان مجلسه عَلَى وقار فيه أشبه بمجالس الأدباء منه بمجالس المتصوفة والفقهاء هذا مع سماحة اليد وطلاقة الوجه بحيث لم يدخل منزله أحد عَلَى كثرة من كان يغشاه من مريديه إلا ويكرمه جهد طاقته ويصدر عنه بفائدة أدبية أو أخلاقية تستميل قلبه وكانت له طريقة في معالجة صرع المصابين بالنوبات العصبية وغيرها لا تعرف لها تعليلاً عليماً. وقد قرأ لتلاميذه ومريديه كتباً كثيرةً في التصوف والأدب الحديث والتفسير وصحح ما وقع في أكثرها من الأغلاط والأوهام فبرهن لم عرفه أنه أديب في حقيقته صوفي في مظهره طويل النفس حتى في الجزيئات طاب ثراه.
стр. 5233
قصة
نتائج الإهمال
دخلت عيشا ذات يوم مكاناً عاماً تعرض فيه الصور المتحركة لأقضي ليلة من ليالي همومي فأنصرف بالفرج عن السياسة فبينما أسرح الطرف لأختار مكاناً للجلوس لفتت نظري فتاة مسلمة لا تتجاوز الرابعة عشرة سنة تمشي رقصاً وتتيه عجباً بملاءة من الحرير الأسود مزركشة بأنواع التخاريم ضيقة الأطراف والأذيال تكاد تظهر أعضاؤها فيرى الناظر إليها خصرها النحيل الذي زاد نحولاً بضغط المشد وهو محاط بزنار من الحرير الأسود ويرى نهديها نافرين وكفلها بارز وكأن هذا المظهر غير كاف حتى أخرجت شعرها المتجعد من فوق جبينها الوضاح كأنه إكليل من الأزهار وزان الخالق جبينها بقوسي حاجبيها وأما عيناها النجلاوان وأجفانها المتكسرة وأهدابها البارزة فقد زينتها بكحل أسود يخص بغانيات مصر كحل يزدن به كحلهن جمالاً يسحرن بغمزهن قلوب الناظرين ولها أنف مستو يعلو نصفه برقع شفاف من الحرير الأبيض عَلَى أنها قريبة من البياض ولما دخلت لفتت رأسها إلى الجانب الأيمن فتراءى من تحت البرقع جيد أشبه بجيد الغزال مطوق بطوق من الذهب وهي مكشوفة الزندين كأنها ذاهبة إلى مرقص عَلَى النمط الإفرنكي فقلت في نفسي ما هذا التبرج؟ وهل بعد ذلك أقول أنها في حجاب! عَلَى أنه أعجبني تستر بعض السيدات المصريات بما يطلقن عليه الحجاب الشرعي إذ لا يتيسر للمرء لا يراهن متبرجات تبرجاً جاهلياً وكيف يجوز للشريفة العفيفة أن تتبرج لغير زوجها؟ وما التبرج الجاهلي إلا دليل السذاجة وسلامة الطوية أو دليل خبث النية وعادة سيئة.
أسفت عندما رأيتها دخلت إلى مثل تلك الأمكنة العامة وحيدة وليس منها مكلف من محارمها يدفع عن أذى المتهكمين ومن الأسف دخول السيدات إلى الأمكنة العامة حيث يختلطن بالرجال ويسمعن من الألفاظ ما يؤذيهن ونما هذا العمل الأخرق لآداب الشرق وشرف الحجاب.
دخلت تلك الفتاة محلاً خاصاً فدعاني حب الاطلاع عَلَى الأمور مغروس في فطرة الإنسان أن أراقب أعمالها فدنوت من المحل الذي جلست فيه وما أشد دهشتي وقد شاهدتها تتعاطى
стр. 5234
كؤوس حتى دخل فتى مصري وبصق في وجه الفتاة وعنفها بكلام مخجل فلما رأته ارتعدت له فرائصها ووقعت هي وحبيبها في اضطراب ووجل ثم رجع الفتى وأتى برجل من الشرطة وأخذ يراقب مكانهما فسمعتها تقول يا دهوتي بعرضك يا سيدي وأنا أعمل إيه دي الوقت فقال لها تربصي وخرج وأتى بعربة فركب فيها مع الفتاة وذهب فتبعه الفتى والشرطي بعربة أخرى فتبعتهما بعربة ثالثة إلى أن وصل الحبيبان إلى أحد المخافر ونزلا معاً ونظرا إلى الفتى نظرة تهديد وهما بالدخول إلى المخفر لكن الفتى المصري ظل سائراً مع البوليس فتبعتهما مسافة قليلة ثم نزلت ووقفت أراقب أعمال الحبيبين فرأيت أنهما لم يدخلا بل ركبت الفتاة المركبة بعد أن كلمت الشاب بضع كلمات وذهبت وبقي هو أمام المخفر ثم رجع ذلك الفتى وكلم حبيبها هنيهة غير قليلة وأنا أنظر إليهما وأستخرج المعاني من حركاتهما وإشاراتهما فتبين لي أن الحبيب كان يؤنب الفتى عَلَى عمله وكان الفتى يأتي بحركات تدل عَلَى الاعتذار. ثم تصافحا وتفارقا.
هم الحبيب بالرحيل فدنوت منه وخاطبته بلطف: أيسمح لي سيدي بأن أكلمه وأسأله عن بعض الأمور وأنا راج عفوه عَلَى جرأتي لمشافهته من غير سابق معرفة فأجاب بكل لطف لك ذلك وكرامة.
سيدي أعلم أني رجل غريب عن هذه الديار قام في ذهني أن أدرس أحوالها لأقف عَلَى الحياة الاجتماعية لهذا القطر وقد راقبت أعمالك وما جرى معك مع الفتاة المسلمة من أوله إلى آخره ولاحظت أن في المسألة غرابة وأمراً ذا بال وأن وراء الستار أموراً لم أكشفها عن بعد فهل تسمح لي بأن تقص عليّ جلي الأمر لأعلم إن كنت مخطئاً في ظني أم أنا مصيب ولا يدخلك ريب مني لأني فهمت أكثر كا تخلل القصة ولا يحتاج إلا إلى كشف الحقيقة فأطلعني عليها لثلا أخلط في ظنوني.
ـ ما اسمك ومن أين أنت قبل كل شيء. - أنا فلان.
ـ أو أنت فلان كم سمعت باسمك. - نعم أنا فلان.
ـ لي الشرف بمعرفتك أما أنا فاسمي. . . .
ـ تشرفت بحضرتك هات إذاً قص عليّ أمرك كله ولك الفضل.
ـ ما دمت في علم من أمرنا فهاءنذا أقص عليك ما وقع لي بجملته ولكن تعال وتفضل
стр. 5235
لنجلس في مكان فجلسنا في قهوة قريبة ثم شرع في الحديث يقول:
اعلم يا سيدي أن لي صديقاً عرفني إلى هذه الفتاة وهي من عائلة كريمة ولا تزال تلميذة في إحدى المدارس الداخلية وكان بينها وبين الصديق روابط واجتماعات دامت نحو عام وصادف أني وجدتها عند صديقي فقدمني إليها فمال قلبي إليها واقتنصت الفرص فطلبت الاجتماع بها فوعدتني هذه الليلة إلى ذاك المكان لأن ليلة السبت ليلة دخولها المدرسة فالمدرسة لا تهتم لتأخرها عَلَى ما يظهر وأهلها يعلمون أنها ذهبت إلى المدرسة فتحتال عَلَى عمدة المدرسة وأهلها في آن واحد وهكذا كانت تفعل مع صديقي الذي أغواها إغواء الشيطان ولعب بعقلها في كتبه الغرامية وهي لا تزال في سن طفوليتها لا تعرف كيف تفكر في مستقبلها وشرفها مع شرف أسرتها فسحر لبها واستحوذ عَلَى عواطفها فانقادت له طيعة حتى صارت لا تبالي بشيءٍ يمس عفافها ولا يخفى عليك أن أكثر الجاهلات يعتقدن أن الفتاة إذا كانت بالغة فهي حرة تتصرف بشخصها كما تشاء.
ـ فقلت تباً لك أيتها الحرية كم أساء إليك الجاهلون والجاهلات وكم ارتكبت باسمك الفظائع البشرية دخلت الشرق من الغرب بعد فقد حريته الطاهرة فلم يأخذ منك إلا حرية الرقص والمداعبة وحرية تناول الكؤوس عَلَى رؤوس الأشهاد والتفاخر بالمقامرة واعتبار القمار دليلاً عَلَى المدنية وحرية التبرج وفي الجملة حرية كل شيء يمس الفضائل ومحاسن الأخلاق وما يجرح العواطف الشريفة ولم يأخذ منك حرية الكلام والاجتماع والجمعيات ولا حرية الكتابة والطبع والمطبوعات ولا حرية التعليم التي فيها الحياة ولذلك فشا الفاسد في الشرق وأصبحت الرذائل مكان الفضائل عَلَى أننا في حاجة إلى حرية فاضلة وأما حرية تلك الرذائل فإنها لا تثمر إلا فساد الأخلاق وموت الفضيلة وتحذير الشعور والإحساس وقتل الشعب وإماتة الجامعة وذلك الأمة.
وحبذا غيرة الحكومة المصرية في منعها الحشيش حبا بإحياء النفوس التي أماتها والعواطف التي خدرها وليت الحكومة تبذل مثل هذه العناية في منع التنهتك ولعب القمار الذي فيه الدمار.
مهلاً يا سيدي لقد حركت عواطفي وجرحت فؤادي وأخجلتني عَلَى أنها هي التي شجعتني فلولا أني رأيت منها ميلاً وأنست منها حنواً لما أقدمت عَلَى طلب الاجتماع بها.
стр. 5236
ـ تباً لكم معشر الرجال ما أقسى قلوبكم تصرفون اقتداركم ومعارفكم في التسلط عَلَى قلوب النساء الضعيفة وهل تنتظر مقاومة تتمثل فيها العفة والعقل عفة تمنع قلب هذه الفتاة الضعيفة التي لا تزال في مهد الطفولية بين صفوف الطالبات من تضليل الرجال وحبائلهم الشيطانية ولا ريب بأن صديقك هو الذي أغواها وأفسد أخلاقها أنا لا أشك بأم الوسط الذي تنشأ فيه الفتاة من أكبر العوامل المؤثرة في نفسها ولكنني لا أجهل أيضاً أن حسن التعليم وإتقان التربية في المدارس وشدة الاعتناء تصلح ما فسد في البيت وربما قرأت عن جيش المجاهدين في بلاد أسوج كيف يحاربون البغاء ويخلصون الباغيات من العهر والفجور فتصبح العاهرة بفضل هذا الجيش المنظم مثال الطهر والعفة فالفتاة التي نشأت عَلَى تربية حسنة ثم زينتها المدرسة بالآداب والفضائل وثقفت عقلها وأحسنت تعليمها ولا يستهويها فاسد مثل صديقك ولكن نقص التربية البيتية وعدم الاعتناء في المدرسة وهذه الحرية الفاسدة ومهارة أمثال صديقك تفسد الملائكة فما بالك بالنساء وما قلوبهن الأهواء فلنرجع إلى حديثنا.
ـ كان موعدنا هذه الليلة فخرجت الفتاة من بيت أبيها تحمل ما يلزمها في المدرسة وأتت إليّ لأقضي معها ساعة أنس وطرب فلما جاءت أدخلتها المحل الذي أعددته لها فلما دخلت طلبت لها الجعة فما بدأنا بالشرب حتى فاجأنا الفتى المصر وبصق في وجهها وشتمها وخرج يستقدم الشرطي كما رأيت فأخذها الخوف الشديد وداخلني الريب فسكنت أكثر منها خوفاً فسألتها عنه فقالت هو ابن عمي فطار عقلي وأخذت أفكر بماذا أفعل فخطر ببالي التظاهر بالشجاعة لأني خفت من أن يكون الأمر مدبراً ليتهموني بها عَلَى أن الجاني كان صديقي فخرجت من المكان وأخذتها معي فركبنا العربة وذهبنا إلى المخفر لأشكو أمر الرجل والشرطي لأنهما اعتديا عَلَى حريتنا.
ـ بئست تلك الحرية.
ـ ولما رأى الفتى دخولنا إلى المخفر ذهب مع الشرطي فسارعت بإركاب الفتاة وإرسالها إلى مدرستها وإذ رجع الفتى عرضت له قصتي فقال أنه من جمعية سرية تناهض البغاء والفجور وأنكر أنه ابن عمها ولكنه يعرفها وأخبراني عن أسرتها ثم تفارقنا عَلَى ذلك وأشهد والله عَلَى أني تبت توبة نصوحاً ولن أفعل مثل هذه الأفعال لأن الخوف الذي استولى عليَّ
стр. 5237
لم أصادفه في حياتي وبعد أن مكثنا هنيهة من الزمان تفارقنا عَلَى أمل دوام المحبة.
فهذه قصة واقعية حذفت منها ما حذفت لئلا يفهم الناس أبطالها ونشرتها لتبرهن للذين لا يفهمون معنى الحرية وأن الحرية الفاضلة إنما وجدت لرقي الشعوب وراحتهم ولكن أمثال هذه الحرية الفاسدة لا تقوم بشعب بل تكون علة وانحطاطه بعلمه وأدبه وأخلاقه ونفوسه وماله.
стр. 5238
صدور المقتبس
يعود المقتبس اليوم إلى الصدور في القاهرة بعد أن فارقها نحو أربع سنين إلى دمشق متخلصاً من مشاغب السياسة ومتاعبها. وكأننا شعرنا بما نلقاه في خلال هذه السنة السابعة لإصدار المجلة فاشرنا في المقدمة إلى أننا سنتخلى عن السياسة الآن لننصرف جملة واحدة إلى خدمة العلم فها قد تحقق ظننا مكرهين وعدنا إلى هذا القطر السعيد مغبوطين وسيكون لنا من محيطه الواسع ومدنيته الغضة ما يدعونا بحمد الله إلى تجويد عملنا هذا أكثر مما جودناه فنخدم قراء العربية فيما نؤلفه ونترجمه ونبحث فيه ننتقده ويكتبه لنا مؤازرونا الكرام في البلاد العربية وغيرها حتى نبلغ بالمقتبس الدرجة التي نتوخاها هاله بالنسبة لرقي البلاد والأمة والله المسؤول أن يمدنا إلى الصواب ويجلو لنا غامض العلوم والآداب بمنه وحسن تيسيره.
стр. 5239
العدد ٧٨ - بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩١٢
стр. 5240
تاريخ الحضارة
مترجم عن الإفرنسية
نتائج الحروب الصليبية - كانت نتيجة الحروب الصليبية قصيرة العمر فلم تستطع مملكة القدس أن تقاوم المسلمين بل انحلت سنة ١٢٩١ ودك البيزنطيون أساس الإمبراطورية اللاتينية التي أسست سنة ١٢٠٤ ولكن القبر المقدس أخذ يجذب إليه كل سنة ألوفاً من الحجاج فخصصت لهم سفن تقلع من البندقية وجنوة ومرسيليا وهكذا ابتدأت الصلات المنظمة بين إيطاليا والشرق.
ولم تكن توجد أدوات الزينة وحاصلات البلاد الحارة وأباريز الهند (كالفلفل وجوز الطيب والزنجبيل والقرفة) والعاج وحرير الصين والأقمشة والبسط والسكر والقطن والأوراق إلا في أسواق الآستانة وبغداد والإسكندرية وكانت هذه السلع التي يرغب فيها الغربيون من وراء الغاية ويبذلون في سبيلها كل مرتخص وغالٍ تربح أرباحاً فاحشة فقد بدأ أهل البندقية رعايا الإمبراطورية البيزنطية يتجرون مع بيزنطة: وأخذ الناس في أوربا في القرن الثاني عشر يؤثرون أن يذهبوا لاستبضاع متاجر الشرق من مصادرها فتبعث المدن التجارية الكبرى في ذاك العهد كالبندقية وجنوة وبيزا سفنها إلى موانئ فلسطين حيث كانت تصل قوافل دمشق وبغداد وكان للبنادقة في القرن الثالث عشر حي خاص في القسطنطينية بعد أخذها ومكاتب تجارية حتى البحر الأسود حيث يتجرون وطربزون وسمح أمراء المسلمين في مصر وطرابلس الغرب بالتجارة مع رعاياهم وعقدت البندقية وجنوة معاهدات تشبه هذه فأخذت مراكب البندقية وجنوة ترد بصورة منظمة إلى الإسكندرية تقل الأباريز والأقمشة وعلى هذا فالصلات بين الغرب والشرق قد بدأت بحرب بين المؤمنين وانتهت بمسائل بين المتجرين وآثر التجار الألمان وكانوا إلى القرن الحادي عشر يجلبون بضائع الآستانة بركوب المراكب في نهر الدانوب أن يجتازوا جبال الألب ويبتاعوها من تجار إيطاليا فتغير طريق التجارة الأعظم وترك طريق الدانوب وأصبح طريقها من الإسكندرية ماراً بالبندقية فثنية برنير فأكسبورغ فنورمبرغ.
الصلات بين الشرق والغرب - تحضر الغربيون باحتكاكهم مع الشرقيون وأنه ليعتذر القول في تحديد الطريق التي دخل منها إلى أوربا اختراع من اختراعات الشرق فهل
стр. 5241
انتهت إلينا من طريق أهل الصليب في فلسطين أو من طريق التجار الإيطاليين أو الحرب في صقلية أو من المغاربة في أسبانيا ولكن يمكن تقدير الحساب بما نحن مدينون به للعرب وهذا الحساب يطول شرحه.
فقد أتانا من العرب (أولاً) الحنطة السوداء والهليون والقنب والكتان والتوت والزعفران والأرز والنخيل والليمون والبرتقال والبن والقطن وقصب السكر التي أصبحت من أهم زراعات أميركا (ثانياً) معظم صناعاتنا في التزين مثل الأقمشة الدمشقية القطنية والسختيان وأقمشة الحرير المزركشة بالذهب أو الفضة والشاش الموصلي والشفوف (البرنجك) والصندل والحبر والمخمل الذي زيد إتقانه في إيطاليا بعد حين والزجاج والمرايا التي قلدوا في البندقية والورق والسكر وعمل الحلويات والمشروبات (ثالثاً) مبادئ كثير من علومنا كالجبر وحساب المثلثات والكيمياء والأرقام العربية التي اقتبسها العرب من الهنود فسهل بها الحساب مهما كان صعباً. دع عنك السحر وعمل التعاويذ التي اعتقد فيها الإيطاليون إلى يوم الناس هذا وحجر الفلاسفة الذي كان بعض أمراء الألمان يبذلون من مالهم للبحث عنه حتى القرن السابع عشر وذلك بواسطة صناع الذهب أو الكيماويين.
ولقد جمعت العرب وقربت جميع الاختراعات والمعارف المأثورة عن العالم القديم في الشرق (كيونان وفارس والهند بل والصين) وهم الذين نقلوها إلينا ودخلت كثير من الألفاظ العربية في لغاتنا وهي تشهد بما نقلناه عنهم. وبواسطة العرب دل العالم الغربي الذي أصبح بربرياً في غمار المدنية فإذا كان لأفكارنا وصناعتنا ارتباط بالقديم فإن جماع الاختراعات التي تجعل الحياة سهلة لطيفة قد جائنا من العرب.
تأثير الحروب الصليبية في المعتقدات - أثر الاحتكاك بالشرق في الأفكار الدينية بين المسيحيين أيضاً فقد تحمسوا أولاً للنزال والطعان ولما شاهدوا المسلمين عن أمم رأوا بينهم رجالاً أشداء منورين كرماء أمثال صلاح الدين الذي أخلى سبيل أسرى المسيحيين بدون فدية وبعث بطبيبه إلى أحد زعماء الصليبيين وقد مرض ليداويه فبدأ المسيحيون يحترمون المسلمين وإذ أراد الصليبيون أن يثبتوا فضائل الديانة المسيحية للمسلمين واليهود تناقشوا بينهم فاضطرتهم المناقشة أن يقابلوا بين الأديان الثلاثة ومن هذه المقابلة استنتج بعضهم أن الأديان الثلاثة باطلة إذ أن كل واحد منها يدعي أنها حقيقية وما عداها باطل فقالوا أنه لو
стр. 5242
جاء ثلاثة دجالين عظام (كذا) موسى ويسوع المسيح ومحمد (صلوات الله عليهم) فخدعوا اليهود والنصارى والمسلمين وهذه الجملة نسبت خطأ إلى الإمبراطور فريدريك الثاني وسرت في إيطاليا في القرن الثالث عشر. واستنتج آخرون العكس فقالوا أن الأديان الثلاثة حسنة كلها وقصوا هذا المثل: كان لرجل خاتم له ارتباط بإرثه وكان يحب أولاده الثلاثة بدرجة واحدة فصنع خاتمين اثنين يشبهان خاتمه ودفع إلى كل واحد منهم خاتماً ثم مات الأب فأنشأ كل من الأولاد الثلاثة يطالب بالإرث الذي له علاقة بالخاتم فقضى القاضي أن يرث الإرث ثلاثتهم فالنصارى والمسلمين واليهود كلهم ثلاثة أبناء لأب واحد سماوي أراد أن يكون لكل منهم حظ من إرثه. وقد جعل المسيحيون في آخر هذه القصة اختلافاً فقالوا أنهم أتوا بمريض وأمسكوه الخواتم الثلاثة فشفى عندما يمس الخاتم الحقيقي والمعجزة محك الدين الحق. والمعجزات قالت أن النصرانية أفضل.
فرنسا في القرن الثالث
الملكية الفرنسوية في القرون الوسطى
ارتقاء الملكية عَلَى عهد الكابتيين - لم يكن ملك فرنسا سيداً إلا في محلته جاء القرن الثاني عشر وأملاكه لا يعتد بها فكانت سياسة البيت الملكي في فرنسا سياسة أسرة من الفلاحين تبحث في توسيع أملاكها فيقتنى أفراده بالبيع والزواج والفتوح أملاكاً يضمونها إلى أملاكهم رويداً رويدا فيبسطون يديهم مرة عَلَى ولاية وأخرى عَلَى كونتية صغيرة (سانس وملون) وأحياناً عَلَى محلة صغرى (مثل مونتلرة وبوجنسي) وقد زادت أملاك البيت المالك عَلَى عهد فيليب أغسطس ثلاثة أضعاف ما كانت عليه بأخذ أملاك دوج نورمانديا. فكثر عديد الفرنسان في جيش الملك كما كثر المال في خزائنه والرعايا في أملاكه أكثر من كل أمير في فرنسا وأصبح أقدر سيد في مملكته وأناب عنه في أملاكه المنتشرة في أقطار فرنسا حكاماً أخذوا يضيقون خناق وكلاء كبار السادات ليجعلوا اسم سيدهم محترماً في كل صقع وناد.
باريز عَلَى عهد فيليب أغسطس - كانت باريز في القرن التاسع عشر عَلَى عهد حصار النورمانديين لا تتجاوز رقعة الجزيرة وفي أواخر القرن الثاني عشر امتدت عَلَى ضفتي السين ولكن يجعل فيليب أغسطس الحياء الجديدة بمأمن من هجمات العدو أنشأ حول
стр. 5243
المدينة التي وسعها عَلَى هذه الصورة سوراً غليظاً ذا أبراج لا تزال ترى إلى اليوم بعض بقاياه وظلت المدينة أبداً في الوسط وهناك كانت الكنيسة الكاتدرائية (التي أصبحت بعد كنيسة نوتردام) ومقر الأسقف وقصر الملك (حيث جمع سان لوي فيما بعد مجلس نوابه وأصبحت دار العدل أو ديوان المظالم) وعلى الشاطئ الأيسر من ناحية جبل سانت جنيفيف طلبة المدارس ورجال الكهنوت الذين يختلفون إلى المدارس ومن هذه الجهة انتهى السور أمام طرف جزيرة تورنل ماراً بجبل سانت جنيفيف وامتد إلى نهر السين قبالة متحف اللوفر. وعلى الجانب الأيمن يبدأ السور قبالة المدينة وينتهي باللوفر. وكان السكان في هذه البقعة الضيقة يزدحمون حتى لا يضيعوا فراغاً عظيماً فكانت الأزقة ضيقة معوجة ومظلمة لا بلاط فيها ولا نور. وليس فيها بوليس تقرع كل مساء علامة الانصراف إلى البيوت فيعود الأهالي الوديعون إلى منازلهم ويغلقون أبوابهم وكانت الأزقة عرضة للصوص والمتشردين من كل جنس ومن خطر الجلل أن يلقي المرء نفسه في التهلكة باجتيازها.
وما كان لمدينة بايز إدارة عامة بل كانت مبنية عَلَى أرض شطر منها فقط ملك الملك وكانت عدة أحياء ولاسيما ما بني منها خارج السور من الأرباض مبنية في أملاك الأديار التي كانت بادئ ذي بدء بنيت في القرى مثل سان جرمان دي برى (بالقرب من برى أو كلرك الذي كان يمتد إلى شاطئ السين) سان مرتان دي شان وسان جنيفيف وليس الملك هو السيد في هذه الأحياء بل رئيس الدير وله الحق لا أن يتقاضى كراء البيوت التي بنيت في أملاكه بل أن ينظر في محكمته في قضايا السكان والجرائم المرتكبة في حيه أجمع.
وبعد فما كانت باريز جسماً واحداً حتى أن شطرها الذي هو ملك خاص للملك يكن منظماً تنظيم المديريات كما كانت كثير من المدن الصغرى (مثل أمين وسواسون وبوفى وغيرها) وليس لباريز سجل مديرية ولا شيخ بلد ولا مراقب بل كان العملة الذين يعملون عملاً واحداً والتجار الذين يتجرون بنصف واحد في باريز وفي غيرها من المدن يجتمعون اجتماعات لكل منها نظامه وصندوقه وزعماؤه. وكانت أقوى النقابات في باريز نقابة تجار الماء أي النواخذة مجزي المراكب الذين كانوا يتجرون عَلَى السفن في نهر السين ولهم زعيمهم وسموه أمين التجار (شاهبندر) ومجلس إدارة مشايخ البلد وما لبث أمين التجار
стр. 5244
ومشايخ البلدان عدوا بمرور الأيام ممثلي الطبقة الممدنة في باريز وسمي البيت الذي كانوا يجتمعون فيه منزل المدينة أو المجلس البلدي وسمى اجتماعهم جماعة المدينة ولا يزال لمدينة باريز إلى اليوم شعار من قارب بقلوع رمزاً إلى جماعة تجار الماء وأول من سعى في تحسين عاصمته فيليب أغسطس رأس ملوك فرنسا فلم يسورها بسور فقط بل رصف بعض أزقة المدينة وطم البواليع القذرة التي كانت حول قصره وما بدأت إقامة المصانع الجميلة إلا في القرن الثالث عشر ولم يبق في باريزنا الحديثة من باريز فيليب أغسطس سوى قبة جرس سان جرمان دي برى وكنيسة سان جوليان لوبوفر الصغرى.
سان لوى - كان بسان لوى ملكاً تام الأدوات عَلَى نحو ما يطلب في القرون الوسطى مسيحياً خاضعاً وفارساً شجاعاً وقاضياً شديداً حاز جميع الفضائل التي تبلغها مدارك أهل عصره من مثل التقوى والشجاعة والعدل يحضر قداسين في اليوم ويصلي الغداة ويلبس المسح ويغسل أرجل الفقراء ويعترف ويتناول تكفيراً عن سيئاته ويأمر بطرد اليهود وإحراق الزنادقة وثقب ألسن المجدفين بحديدة محماة فتراه في الحرب يتقدم صفوف رجاله وما قط شوهد فارس مثله كما قال جوانفيل فهو حكيم القرن يتأدب مع الله ويشعر بما يجب عليه بأن يحكم بين الناس بالعدل وكثيراً ما يذهب إلى غابة فنسين ليجلس تحت سنديانة أو في حديقة المدينة وكل من لهم شأن يأتونه فيكلمونه بدون أن يزعجوهم مزعج من الحجاب فيحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون وأقصى أمانيه أن يحكم في الجميع حكماً عادلاً لا هوى للنفس فيه. صلب أحد كبار سادات المملكة أنكر أن دي كوسى ثلاثة من الطلبة لأنهم اصطادوا في قصره فقبض الملك عليه وجاء به إلى قصره فطلب بقية السادات بحسب العادة أن يدفع هذا السيد عن نفسه البراز فأبى سان لوى ذلك قائلاً أن مسائل الفقراء والكنائس والأشخاص الذين تنبغي لهم الشفقة لا يجب المرء أن يسترسل فيها عَلَى هذه الصورة فيجعل الحكم للغالب. فاغتاظ السادات وخرجوا من قصره فترك الملك هذا الموضوع ووضع المسألة عَلَى بساط الحكم فهتف أحد الأشراف مستهزئاً لو كنت ملكاً لصلبت بارونياتي فسمعه الملك وقال له: ما تقول يا جان هل تقول أن الواجب أن أصلب باروتياني لا ليس الأمر كذلك بل إني معاقبهم إذا أساؤا. ولقد كان الشعور بالعدل عظيماً في سان لوى بحيث رفعه عَلَى مستوى أعلى السادة وحظر البراز في كل بلاده وأصبحت
стр. 5245
جميع المسائل التي يتحاكم فيها إلى البراز يحكم فيها بحجج وشهود لأن القتال كما قال ليس طريقاً إلى الحق وبهذا فقد قدس سان لولى المملكة الفرنسوية وعود القوم أن يروا ملك فرنسا مصدر العدل كله.
معاهدة سان لوى - نفع سان لوى بالقدوة والاحترام الذي حازه أكثر مما نفع بالقوانين والأنظمة ولقد ظن زمناً طويلاً أنه سن جملة من القوانين كانوا يسمونها نظامات سان لوى ثم أدركوا أن هذه النظامات الموهومة لم تكن سوى تأليف مجموعتين من الحقوق أخذتا من العادات وكتبتا في أواخر القرن الثالث عشر عَلَى يد أناس من أرباب التجارب غير معروفين ولا علاقة لهم بالملك. وظن أيضاً أن سان لوى ألف براءة أو لوائح حقوق الكنيسة في فرنسا ثم ثبت أن هذه اللوائح المزعومة قد وضعت في القرن الخامس عشر وربما كانت بعد لوائح شارل السابع والأوامر الصادقة حقيقة عن سان لوى هي أوامر البراز ولوائح لتنظيم حسابات المستخدمين في أملاكه.
الحياة العقلية والصناعية
كلية باريز - كان لباريز كما كان لعامة الأبرشيات مدرسة ملحقة بالكاتدرائية وكان لكثير من الديار مدارس خاصة بها (مثل سان جرمان دي برى وسان جرمان لو كسروا وسانت جنيفيف) وقد كثر عدد الطلبة حتى ضاقت بهم الجزيرة فأخذوا ينزلون الضفة اليسرى من السين وهناك بين سنتي ١١٠٣ و١١٢٥ كان احد العامة من الشبان الذين جمعوا إلى الجمال طلاقة وبياناً واسمه أبلارد وهو أكثر أهل عصره استنارة (ويعرف قليلاً من اليونانية والعبرانية) يلقي دروسه في الفلسفة عَلَى ثلاثة آلاف مستمع وما كانت تسع هذا الجمهور قاعة ولا ردهة فجعل أبلارد يلقيها بين الكروم في جبل سان جنيفيف.
وكان من العادة الجارية أن يعقد أهل الحرفة الواحدة اجتماعات فكما يجتمع الخياطون والحذائون وصانعوا الأجواج وأهل كل حرفة عَلَى حدتها هكذا ألف الرجال الذين يعنون بالمدارس اجتماعاً خاصاً وقد وقع استحسان البابا عَلَى هذا الاجتماع في القرن الثالث عشر فسمى مدرسة باريز كلية (أي مجموع) المعلمين والطلبة في باريز وكان لها رئيس منتخب وخدمتها ومحكمتها التي لها الحق وحدها في أن تقضي بين الأساتذة والتلامذة وكثيراً ما تختلف كلية باريز مع أمير التجار فيعطيهم الملك الحق دونه. وقد صلب أمين تجار باريز
стр. 5246
سنة ١٤٠٣ طالبين قبض عليها في منازعة كالتي كانت تحدث كل يوم في تلك الطرق الضيقة الغاصة بالمتشردين فأغلقت الكلية صفوفها فكانت هذه الوسيلة ذريعة لنيل تعويض فاضطر أمين التجار أن يذهب لإنزال المصلوبين باحتفال وأن يدفنهما ويقدم اعتذاره للكلية لأنه خرق امتيازاتها.
وانقسمت الكلية إلى حلقات انقسامها إلى ضروب من التعليم فبعد أن أدخل إليها تعليم الحقوق والطب (ولم يكن هذان العلمان يدرسان في باريز قبل القرن الثالث عشر) صار لها أربع مدارس اللاهوت والحقوق والطب والفنون. وكانت مدرسة الفنون تحتوي عَلَى جميع علوم الترفيوم (النحو والبيان والمنطق) والكوادرفيوم (الحساب والموسيقى والهندسة والفلك والفلسفة) ويقبض الأساتذة رواتب كما يتناولون أجوراً من المستمعين ودرسهم مكتوب عَلَى دفتر فيأتون فيتلونه عَلَى المسامع ويسكن الطلبة وهم من أعمار مختلفة في المدينة ولكن منذ قام بعض المحسنين في القرن الثالث عشر وأنشأوا أدواراً لقبول الطلبة الفقراء أخذ الكثيرون يعيشون داخليين في هذه المدارس عَلَى طريقة جروا فيها عَلَى نظام الأديار وكان لكل مدرسة ثلاث درجات في التعليم ينتقل الطالب من إحداهما بعد أن يثبت علمه بفحص وقضية يثبتها أو جدل يناضل فيه ثم يصبح بكلوراً أو معلماً أو دكتور وكان القوم يرغبون في نيل هذه الدرجات الثلاث لأن صاحبها يجد له عملاً في الكنائس والمحاكم أو المدارس عَلَى أيسر وجه.
وكانت كلية باريز في القرن الثالث عشر أعظم مدرسة في أوربا تؤوي زهاء عشرين ألفاً من الطلبة عَلَى اختلاف بلادهم. وهي التي رسمت لوربا صورة التعليم العالي وحذت كلية أكسفورد وكمبردج الإنكليزيتان حذوها ولما أراد أمراء الألمان تأسيس مدارس في بلادهم أنشأوا كلهم كليات جروا فيها عَلَى مثال كليات باريز ومنها انتهت غلينا طريقة الرتب وتقسيم المدارس الذي لا يزال عَلَى حاله القديم في ألمانيا.
الحقوق الرومانية - ما فتئ الإيطاليون يضعون الحقوق الرومانية موضع العمل وقد أخذوا في القرن الحادي عشر يدرسونها في إيطاليا درساً أصولياً في كتب يوستنيانوس فكان الأساتذة والطلبة يجتمعون في بولون وبلغ عددهم عشرة آلاف طالب واشتغلوا قرنين في تفسير كتب القوانين الرومانية والتعليق عليها سطراً سطرا وتألف من شروحهم ذيل علق
стр. 5247
عليه علماء القانون في القرن الثالث عشر شروحات جديدة وكانت الولايات الجنوبية في فرنسا فقط (حتى ولاية أوفرن) تعمل بالقانون الروماني أما ولايات الشمال فتجري عَلَى العادة ويحكم مجلس النواب في باريز بموجب العادة.
بيد أنه كان للقوانين الروماني الترجيح عَلَى العادة وذلك لأنها هي التي دونت وهي وحدها تدرس في المدارس فكانت تسمى العدل أو الحق خلاف العادة بلا زيادة ولا نقص ويقضي القضاة والمحامون الذين يحملون شهادات الحقوق بضع سنين في دراستها بعضهم في بولون والآخر في أورليان أو مونبليه. وكان القانون الروماني في عدة مواد يحكم بخلاف العادة فتسبع العلماء بهذا الحق وادخلوه بالتدريج حتى عَلَى غير معرفة منهم في العادة وبدأ إدماج القانون الروماني في القرن الثالث عشر إلى آخر القرن السادس عشر فتعدلت به العادات القديمة كل التعديل ولاسيما قد أضعف سلطة السادة والمديريات التي سكت عنها القانون الروماني وقوى سلطة الملك وحكامه لأن المشرعين قد طبقوا عَلَى الملك كل ما كان يعطيه القانون للإمبراطور الروماني من الحقوق كما طبقوا عَلَى عماله كل ما يطبقه القانون الروماني لولاة الرومان وحكامهم وفي القانون الروماني (إن ما يقضي به الأمير يكون قانوناً نافذاً) فأصبحت هذه الحكومة قاعدة الحكومة في فرنسا ثم في ألمانيا وكانت أساس السلطة المطلقة.
стр. 5248
رحلة إلى المدينة المنورة
البلقاء
عَلَى نحو مائتين وأربعين كيلومتراً من جنوبي دمشق بين نهر الأردن غرباً وزملة العليا في طريق الحج شرقاً ونهر الزرقا شمالاً ووادي الموجب جنوباً إقليم واسع خصيب سهلي جبلي اسمه البلقاء كوله من الشمال إلى الجنوب ١٨ ساعة للفارس المجد وعرضه من الغرب إلى الشرق ١٦ ساعة أو نحو مئة كيلومتر في مئة كيلومتر وهذا الإقليم الذي يبلغ بمساحته ربع جمهورية سويسرا هو اليوم جملة قضاء عمل السلط ما عدا مسيرة ساعتين من الجنوب داخلة في عمل الكرك وقد حد القدماء إقليم البلقاء بأنه بين الشام ووادي القرى وقالوا أن فيه مدناً عظيمة كثيرة وأن قاعدته عمان وقيل أن السلط هي راموت جلعاد إحدى مدن اللجاء ومد اللاويين المذكورة في الكتاب المقدس وربما اشتق لسمها الحاضر الصلت أو السلط من لفظة لاتينية سالتوس ومعناها الجبال المشجرة وكانت فيا مضى مدينة أسقفية في العهد المسيحي وقد دك المغول قلعتها ثم عاد بناءها الظاهر بيبرس البندقداري.
وموقع السلط عَلَى منحدر جبلين متناوحين أشبه بمدينة زحلة في لبنان وكانت منذ ثلاثين سنة خالية من الحدائق والبساتين فتوفرت همة أهلها عَلَى استثمار الشجار والبقول فجاد أكثرها بما عندهم من العيون التي تروي زروع الوادي أما ما كان وراء المدينة من التلعات والآكام فقد كان حراجاً إلى عهد قريب وآثار بعض سنديانه وملوله ما برحت مائلة للعيان ولكن القوم قطعوها واستعاضوا عنها بزراعة الكروم التي يعد عنبها وزبيبها أجما ما تحمله هذه الشجرة المباركة في سورية وقد يكون العنقود الواحد رطلاً شامياً وأكثره بلا بزر يصدر من زبيبه ما تقدر قيمته كل سنة بنحو خمسة عشر ألف ليرة وفي جوار السلط قليل من شجر الزيتون سألنا أحد شيوخهم عن السبب الذي دعا إلى عدم استكثار القوم من غرسه فقال لا تذكرنا بغباوتنا فقد حملنا سعيد باشا شمدين أحد متصرفي نابلس أيام كان قضاؤنا تابعاً لنابلس عَلَى أن نغرس في هذه الولاية التي تراها مئة ألف زيتونة فوقع في نفسنا أن في الأمر دسيسة من الحكومة تريد بها وضع الضرائب الفاحشة عَلَى أملاكنا وتسجيل أراضينا عَلَى صورة لا نعود معها ملاكها الحقيقيين فصدعنا في الأمر في الظاهر وغرسنا أولفاً من شجر الزيتون ولكن أتدري كيف تخلصنا منه بعد؟ كان أحدنا يجيء ليلاً
стр. 5249
إلى غرسة الزيتون فيحركها حتى لا يطلع جذعها وهكذا لم يبق من كل ما غرسه السلطيون إلا ما تشاهده اليوم في جوار القصبة وقليل ما هو.
قلنا عجيب تبدل تصورات الناس فرجال الحكومة بالأمس كانوا يحملون الناس عَلَى زرع الأشجار ويزينون لهم اقتناء الأراضي للزراعة واليوم يطالب الأهلون في هذا القضاء وفي غيره الراضي الموات ليحيوها ولا يعطون طلبتهم وكذلك الحال في كل مكان نزلناه في طريق يثرب فإن الأهلين أحسوا بفوائد الأرض هكذا رأينا أهل الشراة من عمال الطفيلة ومعان وهكذا سمعنا شكوى أهل الكرك وتبوك ومدائن صالح أجمع عَلَى ذلك الطلب الحاضر والبادي ولكن لا حياة لمن تنادي في حين ورد في قانون الأراضي أن كل من يحيي أرضاً مواتاً تبعد عن القرى والدساكر مقدار ما يسمع الصوت فهي له فأين هذا القانون المسطور من عمل الحكومة اليوم.
قرانا وجوه الهمة والنشاط في وجوه السلطيين مسلميهم مسيحييهم وإن كانت القاعدة في سورية كلها أن يكون المسيحيون أكثر نشاطاً وتعلماً من إخوانهم في الوطنية. وبلدهم هذا ساعدته الطبيعة فساعدها أهله أيضاً ودخل في طور العمران ويوشك أن يعد في جملة العظيمات من المدائن والبلدات.
وسكان مدين السلط اليوم نحو ١٦ ألف نسمة يبلغ المسيحيون منهم عَلَى اختلاف الطوائف نحو أربعة آلاف ومعظمهم إلى اليوم يلبسون زياً كزي أهل حوران وهو كوفية وعقال وعباءة وجزمة حمراء وعادات القوم هنا أشبه بعادات البادية مع أنهم حضر. وفي السلط قليل من الصناعة وتجارتها واسعة مع القبائل النازلة في البلقاء والرحالة في تلك الأرجاء وبين عمان عَلَى الخط الحجازي والسلط نحو خمسة وعشرين كيلومتراً جعل بعضه من جهة السلط طريقاً معبداً ومتى أكمل تسافر العربات والسيارات بين السلط والخط الحديدي في ساعتين وهي الآن أربع ساعات عَلَى الدواب وإذا تم اتصال السلط بالقدس بطريق معبدة تسير عليها المركبات أيضاً تعمر السلط عمراناً مهماً وهي عَلَى بعد ٤٠ ميلاً إلى الشمال الشرقي من بيت المقدس و٤٠ ميلاً إلى الجنوب الشرقي من نابلس ونحو ١٨ ميلاً شرقي الأردن.
ومن سوء حظ هذا القضاء أن معدن الفوسفات الذي نال امتيازاً بتعدينه من جبل السرو في
стр. 5250
منتصف الطريق بين عمان والسلط المهندس نظيف أفندي الخالدي المقدسي عَلَى أن ينشئ فرعاً بالخط الحديدي من السلط إلى عمان يتصل بالسكة الحجازية ومرفأ في حيفا - من سوء الحظ أن قد حسبوا فوجدوها لا تفي بها وارداته ولعل الحكومة تتساهل بعض الشيء في شروطها لتقوي عزيمة تلك الشركة عَلَى استثمار هذا المعدن من قضاء السلط فيتسنى لها أو لشركة أخرى تعدين سائر المعادن التي حبتها بالفطرة.
عَلَى نحو ساعة من قصبة السلط منظر من أجمل مناظر سورية ونعني به جبل يوشع الواقع عَلَى علو نحو ١٠٩٦ متراً عن سطح البحر وهو مشرف عَلَى جزء عظيم من فلسطين فيمتد أمامك وادي الأردن كأنه بساط ذو ألوان كثيرة ومن خلال ذلك نهر الأردن تراه كالحية بتلويه حتى يصل إلى البحر الميت أو بحيرة لوط. ومن النبي يوشع تشاهد جبل الزيتون في الشمال الغربي ويقابلك جبل عيبال وجزريم ثم جبل الطور وما يناوحه من الجبال المحيطة ببحيرة طبرية ومن بعيد جبل الشيخ وبه تنتهي هذه المنظرة من الشمال.
ويقول العارفون من الإفرنج أن الاعتقاد بالنبي يوشع الذي يذبح له البدو ويتقربون إليه هو من التقاليد الإسرائيلية القديمة وإن بناؤ قبره يرد إلى زهاء ثلثمائة سنة. وليوشع مقام أيضاً في قضاء نابلس قرب قرية حارث وجبل يوشع في البلقاء أشبه بيوشع تبه شي أي ذروة يوشع في قرية بكوز المطلة عَلَى بحر مرمرة وخليج القسطنطينية هذا منظره بحري وذاك منظره بري ومن غريب التقاليد أن البدوي يحلف بالله ولكنه لا يحلف بشعيب ومقام شعيب عَلَى ساعتين من السلط أيضاً.
كانت عمان قصبة البلقاء فانحطت في أواخر القرن الماضي بما تواتر عليها من الزلازل وغارات البادية حتى جلا عنها بقايا سكانها الأصليين فأنزلت فيها الحكومة منذ ٣٤ سنة ستمائة أسرة من الجركس من عشائر مختلفة هاجروا إلى البلاد العثمانية من ولاية كوبان الروسية وأخذوا يردون غارات البادية واعتمدوا في عمرانها عَلَى مضائهم وشجاعتهم وبنو عَلَى أنقاض مدينة ضخمة قرية لهم وساعدتهم مياه نهر الزرقا فغرسوا الأشجار وأنشأوا الحدائق واتوا بطريقتهم المألوفة لهم في الزراعة ببلادهم وقد هلك منهم أناس كثير من الفتن والأمراض حتى توطدت أقدامهم واغتنوا وأصبحت الحكومة بعد أن كانت تأخذ من
стр. 5251
عمان مئة ريال في السنة تقاضى نحو ثلاثة آلاف ليرة ولا تلبث أن تزيد بزيادة عمران عمان واتساع تجارتها عَلَى أيدي الناشطين من النابلسيين والدمشقيين ومعظم تجارة البلقاء في أيديهم اليوم.
نقول أنها كانت مدينة عظيمة والدليل عَلَى أن أنقاض دار تمثيلها كبيرة جداً تكفي لجلوس ثلاثة آلاف نسمة وفي مسرحها ٤٥ صفاً عَلَى شكل نصف دائرة وفيها آثار قلعة مهمة ومعظم بيوتها بنيت بأحجار المدينة القديمة وكذلك قرية رأس عمان الحديثة الواقعة عَلَى قيد غلوة من عمان وسكانها جراكسة أيضاً.
لا جرم أن الجركس أدخلوا روحاً جديدة إلى هذا القضاء من التوفر عَلَى الزراعة والنشاط المستمر وأن الأهلين تعلموا منهم بعض الشيء إلا أن عمال الحكومة أساؤا الاستعمال فسلبوا ما كان للأهلين من الأراضي والمزارع العامرة ليعطوها للمهاجرين الجركس والششن والتركمان كما فعلوا بعين صويلح وعيون الحمر فقد كانتا مسجلتين باسم أصحابهما فأعطتها الحكومة للمهاجرين وذلك لأنه كتب للجراكسة أن يتولى مأمورية الطابو في هذا القضاء ثلاثة منهم عَلَى الولاء فكانوا يساعدون إخوانهم وأبناء جلدتهم عَلَى سلب الأراضي منهم وتسجيلها باسم المهاجرين وعلى هذه الصورة أخذ المهاجرون الناعور ووادي السير والزرقا والرصيفة وغيرها. صبر الناس عَلَى هذا الجور زمناً حتى صحت عزيمة بعض عشيرتي الخرشان والجبور عَلَى أن يزرعوا الموقر والعليا والنقيرة وهي عَلَى نحو ثلاث ساعات من شرقي معان يسير في أراضيها الراكب عشر ساعات كما أن بعض السلطيين يزرعون اليوم في سهل الكبد في الغور وهذا السهل جيد التربة جداً لا حجر فيه ولا مدر ولو أحبت الحكومة إحياء الموات حقيقةً لأوعزت للهلين أن يحيوا أراضي الموقر والعليا كلها فإن فيها زهاء ألف بئر معطلة تحيا بعناية قليلة.
وأعظم عشائر هذا القضاء بنو صخر وهم يتنقلون بين الغور في الشتاء وأراضي البلقاء العالية في الربيع وفي الصيف يتوفرون عَلَى حصاد الأراضي التي لهم في جهات الزيزاء ومادبا وهما مديريتان تابعتان للسلط كما أن عمان مديرية تابعة لها أيضاً. ونفوس قضاء السلط المحررة اليوم ٤٢ ألفاً ولو أحصي بنو حسن وبنو صخر والبادية لبلغ سكانها مئة ألف أو يزيدون ولو ارتفع فيه علم الأمن كما يجب وأعطيت الأراضي الموات للأهلين
стр. 5252
وسجلت عليهم بحيث لا ينازعهم فيها منازع لأن أكثر المنازعات تثور عَلَى الأراضي لبلغ سكان هذا القضاء نصف مليون نسمة بعد عشر سنين.
وأهم العاديات التاريخية في هذا القضاء قصبة مادبا فقد كانت كإحدى الخرب منذ نحو ثلاثين سنة فهاجر إليها جماعة من مسيحيي الكرك أعطتهم الحكومة إياها خربة فعمروها فما هو إلا وجدوا فيها آثاراً مهمة مثل سوق طوله ١٤٠ متراً له عمد عَلَى الجانبين وبينا كانوا يحفرون في أنقاض الكنيسة ليقيموا كنيسة جديدة عثروا سنة ٨٩٧ عَلَى قطعة من الفسيفساء في الصحن فرفعوا عنها المعاول وأزالوا ما كان علقاً عليها بتوالي الأيام من التراب والأحجار فإذا هو أثر عظيم من آثار القدماء هو مصور (خريطة) فلسطين وما فيها من المعاهد المقدسة والكنائس ولو سلمت كلها من معاول الذين حفروها لبلغ ثمنها المليونين والثلاثة من الليرات ولكن القطعة الصالحة الباقية منها تدل عَلَى تلك المدنية القديمة التي تمتعت بها مادبا قديماً منذ عهد الإسرائيليين إلى الموآبيين إلى العرب النبطيين إلى المكابيين وكانت في عهد هؤلاء قلعة مهمة واستولى عليها هيركان ملك اليهود قبل المسيح وأصبحت عَلَى عهد الرومانيين جزءاً من بترا أو العربية الصخرية. وآثار الفسيفساء كثيرة في هذه القرية رأينا بعضها في الدور الخاصة تلمع فتأخذ الأبصار أما أنقاض دورها ومعابدها وأحواض مياهها فحدث عنها ولا حرج وقد دخل أهلها في المدينة اليوم بفضل مدرستي الروس واللاتين اللتين أنشئتا فيها وليس بين سكانها من المسلمين إلا بعض باعة والحراثين.
قال ابن خرداذبة أن ظاهر البلقاء كان كورة من كور دمشق كما أن جبل الغور وكورة مآب وكورة جبال وكورة الشراة وكورة عمان كانت كل منها إقليماً برأسه قال الشاعر:
سلم عَلَى دمن أقوت بعمان ... واستنطق الربع هل يرجع بتبيان
قال ياقوت أن مدينة جرش هي شرقي جبل السواد من أرض البلقاء وعرف السواد بأنها نواح قرب البلقاء سميت بذلك لسواد حجارتها وفي أرض البلقاء عدة بلاد ورد لها ذكر في التاريخ العربي مثل قرية جادية التي ينسب إليها الجادي وهو الزعفران وفرية مؤتة من المشارف التي كانت بها تطبع السيوف المشرفية والموقر الذي كان ينزله يزيد بن عبد الملك قال كثير:
стр. 5253
سقى الله حياً بالموقر دارهم ... إلى قسطل البلقاء ذات المحارب
والقسطل نزله الوليد بن يزيد وهو قرب البلقاء وخلفه فيه عمه العباس وكان الوليد يستوطن الزيزاء. وفي البلقاء قصر الأزرق والفدين قريب من حصن الزرق وهذين قيل أنهما من عمل حوران ومعظم الراويات عَلَى أنه من عمل البلقاء.
العمران والسكة الحجازية
إن كان لدور الاستبداد حسنة فأعظم حسناته سكة حديد الحجاز التي مدت في عهد المخلوع وبتزيين قرينه أحمد عزت باشا العابد ولننهي منها حتى الآن القسم الأعظم من دمشق إلى المدينة المنورة وطوله ١٣٠٣ كيلومترات ومن حيفا إلى درعا ١٦١ كيلومتراً فانفق عليها فيما بلغنا ثلاثة ملايين ليرة ونصف صرف قسم مهم منها فقي مدينة دمشق فانتفع منه الملتزمون والتجار والزراع والعملة وبعض أرباب الصناعات والفنون وأنفق القسم الأعظم في ثمن أدوات وقطارات ومركبات حديد من معامل أوربا.
وما كاد ينتهي الخط إلى المدينة حتى نهضت البلاد بعض الشيء ولاسيما دمشق والمدينة وحيفا نهضة اقتصادية لا يستهان بها وحسن حال التاجر والمزارع وسارت الأمور الاقتصادية عَلَى نسق مرتب معقول فلم يعد في التجارة ذاك الكساد الذي نعهده في دمشق ولا التقهقر الذي كان في حيفا ولا الغلاء الفاحش في أسعار المدينة وهكذا انتفع المحطات عَلَى طول الخط من دمشق إلى المدينة وعددها ٧٥ محطة ومحطات حيفا ودرعا وعددها ١٥ فأخذت كل محطة بقدر حظها من العمران وانتفع منها في الأكثر ما كان له أثر قديم في الارتقاء.
ولو كانت الحكومة تلتفت بعض الالتفات لعمران البلدان لأخذت بأيدي كل من يودون إنشاء بيوت ودكاكين وخانات وفنادق في المحاطات وأعطتهم مئات الدونمات يجعلونها حدائق ويبنون عليها مساكن عَلَى شرط أن يعمروها في مدة تعينها لهم وإذا أمكن أن تمنح بعض محاويجهم إعانة مالية قليلة يستعينون بها عَلَى التعمير فكيف لا ندهش والحالة هذه إذ رأيناها ورأينا عمالها يوقفون من يبنون المساكن في مثل مدائن صالح وعددها لا يقل عن خمسين محلاً بدعوى أنه لا يسوغ إنشاء مدينة إلا بإرادة سنية فهلا استصدرت الإرادات السنيات في الحث عَلَى مثل هذه المشروعات التي لا يتصور أنفع منها في البلاد.
стр. 5254
هكذا فعلت الحكومة مع من يريدون إقامة الدور والحوانيت ولم تقصر في وضع العقبات في سبيل من يريد غرس أشجار البرتقال لأنه ثبت أنها تجود في تربة هذه البلدة الرملية. وليت الإدارة تحمل الحكومة عَلَى ترغيب الناس في إنشاء الدور والحدائق لما في ذلك من الفوائد لعمالها إذ يستغنون بأسراتهم عن صرف أوقات الفراغ في المقامرة ومعاقرة الخمر ويقل عدد من يتعاطونها منهم.
نعم إن المحطات مالاً ينبت فيه كل شيء بحسب الظاهر ولا تمطره السماء إلا ساعات غير معلومة في السنة ولاسيما بعد ارض البلقاء وهواءها جاف حار محرق وعمرانها متوقف عَلَى عمل كثير طويل ومال غزير ليس بقليل فأمثال هذه المحطات تترك الآن وينشط كل من يود اعتمار الأراضي الموات قرب المحطات وإنشاء دور وحوانيت فيها ولو فعلت الحكومة لاستغنت مع الزمن من حراسة هذا الخط بكتائب من الجنود ترابط عَلَى طول السكة وإقامة اثنتي عشرة قلعة من الهدية إلى المدينة وهي اليوم تجعل في كل قطار يسافر بعد لواء حوران إلى المدينة جملة من الجند النظامي المسلح لحماية الركاب من عيث البادية إذا حدث حادث لا قدر الله.
نقول عيث البادية ولو أعملت الحكومة الفكر منذ اليوم الذي نوت فيه تمديد هذا الخط الحربي الديني التجاري لأوسعت لهم من تلك السهول الخصيبة في لواء الكرك ما كانوا الآن استغنوا بزراعته عن شن الغارات وإيذاء السابلة طمعاً في اقتناص ما يتبلغون به ولتوفروا عَلَى تربية مواشيهم وزروعهم كما يتوفر اليوم بنو حسن في قضاء عجلون وينو صخر في قضاء السلط والحويطات في معان والمجالي في الضمور والطراونة في الكرك وغيرهم في غيرها وكل هؤلاء من العرب الرحل يتأنسون بقدر ما يدخل النور عَلَى أولادهم ويستثمرون أرباح الزراعة والماشية ولاشك أنهم يعدلون بتة عن الغرة كلما أسكنت الأصقاع التي في جوارهم وخف الاعتداءُ عليهم.
ولسكة الحجاز الفضل الأكبر في تأنيس شارد البدو إذ عرفوا بأن قوة الدولة مهمة في كبح جماح كل معتد. وقد أخذت تصدر حاصلاتهم إلى الأسواق التجارية الكبرى فكانت الجنوب تكسد في بعض السنين الماضية في جهات لواءي الكرك وحوران فأصبحت اليوم تسافر إلى القاصية. وأبواب الشام والحجاز والبحر منفتحة أمامها. وهكذا يقال في السمون والجبن
стр. 5255
والألبان والأصواف التي تحصل من نياقهم ومعزاهم وأغنامهم وأبقارهم.
في لواء الكرك وحده أرض موات تكفي لإعالة كل أهل البادية من العرب خصوصاً وهم الموصوفون بذكاء فطرتهم ومضاء عزائمهم فإذا توفرت لهم الأسباب تحصل الفائدة الاقتصادية والعمرانية المطلوبة من السكة الحجازية فتعمل هذه في نقل الأنفس والأموال والمتاجر السنة كلها لا كما هي اليوم تشتغل أشهراً معدودة من السنة في موسم الحج ثم تبلى بالفتور إلا قليلاً. وأن من عرف أن هذا الخط قد عمر بالإعانات التي جمعت من أقطار العالم الإسلامي وهمة ضباط العثمانيين وكتائب جنودنا وإن مئات هلكوا في سبيل إنشاءه بحيث لم يكن يمد الكيلومتر الواحد إلا عَلَى أشلاء بضعة من رجالنا يوافق عَلَى تساهل إدارة السكة مع الضباط والجنود والخط خط عسكري.
ولقد لاحظنا أن القطار الحجازي يقطع المسافة اليوم بين دمشق والمدينة في ثلاثة أيام بلياليها يقف منها في المحطات الكبرى مثل درعا ومعان وتبوك والمدائن نحو اثنتي عشرة ساعة دع عنك الوقت الذي يصرفه في المحطات الصغرى ون معدل سيره عَلَى عشرين كيلومتراً في الساعة فلو تدبرت الإدارة في اختصار هذه المدة في الوقوف وحملت قاطراتها عَلَى الإسراع قليلاً في سيرها وسراها لجاز القطار المسافة بيد دمشق والمدينة وبين حيفا والمدينة في يومين وليلتين فتوفر عَلَى الناس بعض عناء السفر وإذا رأت الإدارة أنه مما يلائم مصلحتها الاقتصادية تنزيل أسعار الركوب في الدرجة الأولى والثالثة وأرجة الركوب في الثالثة من دمشق إلى المدينة أربع ليرات وفي الدرجة الأولى ثماني ليرات فأسقطت منها عَلَى الأقل ثلاثين في المئة استفادت فيما نحسب أكثر وكثر الذاهبون والجاثون وعظمت الفوائد من ذلك فعندها تقصد المدينة أكثر من الآن للزيارة والتجارة ويقصد الحجازيون بلاد الشام ليصطافوا أو يتجروا.
وليت الحكومة تتساهل في الاعتماد عَلَى أبناء البلاد وتختار الجند الذين يحرسون الخط من أبناء حوران مثلاً فهم أقدر عَلَى تحمل المشاق من ابن مدن آسيا الصغرى وسورية ومقدونية ونظنها في التجربة التي جربته في الطابور الذي ألفته من الشروق بالأجرة وسمته هجين سوار أي فرسان الهجين والشروق هم سكان شرقي المدينة أي نجد قد ثبت لها أن ابن هذه البلاد أنفع من خدمتها إذا شبع من ابن البلاد القاصية والفارس النجدي اليوم
следующие страницы →