← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

عمان مئة ريال في السنة تقاضى نحو ثلاثة آلاف ليرة ولا تلبث أن تزيد بزيادة عمران عمان واتساع تجارتها عَلَى أيدي الناشطين من النابلسيين والدمشقيين ومعظم تجارة البلقاء في أيديهم اليوم. نقول أنها كانت مدينة عظيمة والدليل عَلَى أن أنقاض دار تمثيلها كبيرة جداً تكفي لجلوس ثلاثة آلاف نسمة وفي مسرحها ٤٥ صفاً عَلَى شكل نصف دائرة وفيها آثار قلعة مهمة ومعظم بيوتها بنيت بأحجار المدينة القديمة وكذلك قرية رأس عمان الحديثة الواقعة عَلَى قيد غلوة من عمان وسكانها جراكسة أيضاً. لا جرم أن الجركس أدخلوا روحاً جديدة إلى هذا القضاء من التوفر عَلَى الزراعة والنشاط المستمر وأن الأهلين تعلموا منهم بعض الشيء إلا أن عمال الحكومة أساؤا الاستعمال فسلبوا ما كان للأهلين من الأراضي والمزارع العامرة ليعطوها للمهاجرين الجركس والششن والتركمان كما فعلوا بعين صويلح وعيون الحمر فقد كانتا مسجلتين باسم أصحابهما فأعطتها الحكومة للمهاجرين وذلك لأنه كتب للجراكسة أن يتولى مأمورية الطابو في هذا القضاء ثلاثة منهم عَلَى الولاء فكانوا يساعدون إخوانهم وأبناء جلدتهم عَلَى سلب الأراضي منهم وتسجيلها باسم المهاجرين وعلى هذه الصورة أخذ المهاجرون الناعور ووادي السير والزرقا والرصيفة وغيرها. صبر الناس عَلَى هذا الجور زمناً حتى صحت عزيمة بعض عشيرتي الخرشان والجبور عَلَى أن يزرعوا الموقر والعليا والنقيرة وهي عَلَى نحو ثلاث ساعات من شرقي معان يسير في أراضيها الراكب عشر ساعات كما أن بعض السلطيين يزرعون اليوم في سهل الكبد في الغور وهذا السهل جيد التربة جداً لا حجر فيه ولا مدر ولو أحبت الحكومة إحياء الموات حقيقةً لأوعزت للهلين أن يحيوا أراضي الموقر والعليا كلها فإن فيها زهاء ألف بئر معطلة تحيا بعناية قليلة. وأعظم عشائر هذا القضاء بنو صخر وهم يتنقلون بين الغور في الشتاء وأراضي البلقاء العالية في الربيع وفي الصيف يتوفرون عَلَى حصاد الأراضي التي لهم في جهات الزيزاء ومادبا وهما مديريتان تابعتان للسلط كما أن عمان مديرية تابعة لها أيضاً. ونفوس قضاء السلط المحررة اليوم ٤٢ ألفاً ولو أحصي بنو حسن وبنو صخر والبادية لبلغ سكانها مئة ألف أو يزيدون ولو ارتفع فيه علم الأمن كما يجب وأعطيت الأراضي الموات للأهلين

стр. 5252

وسجلت عليهم بحيث لا ينازعهم فيها منازع لأن أكثر المنازعات تثور عَلَى الأراضي لبلغ سكان هذا القضاء نصف مليون نسمة بعد عشر سنين. وأهم العاديات التاريخية في هذا القضاء قصبة مادبا فقد كانت كإحدى الخرب منذ نحو ثلاثين سنة فهاجر إليها جماعة من مسيحيي الكرك أعطتهم الحكومة إياها خربة فعمروها فما هو إلا وجدوا فيها آثاراً مهمة مثل سوق طوله ١٤٠ متراً له عمد عَلَى الجانبين وبينا كانوا يحفرون في أنقاض الكنيسة ليقيموا كنيسة جديدة عثروا سنة ٨٩٧ عَلَى قطعة من الفسيفساء في الصحن فرفعوا عنها المعاول وأزالوا ما كان علقاً عليها بتوالي الأيام من التراب والأحجار فإذا هو أثر عظيم من آثار القدماء هو مصور (خريطة) فلسطين وما فيها من المعاهد المقدسة والكنائس ولو سلمت كلها من معاول الذين حفروها لبلغ ثمنها المليونين والثلاثة من الليرات ولكن القطعة الصالحة الباقية منها تدل عَلَى تلك المدنية القديمة التي تمتعت بها مادبا قديماً منذ عهد الإسرائيليين إلى الموآبيين إلى العرب النبطيين إلى المكابيين وكانت في عهد هؤلاء قلعة مهمة واستولى عليها هيركان ملك اليهود قبل المسيح وأصبحت عَلَى عهد الرومانيين جزءاً من بترا أو العربية الصخرية. وآثار الفسيفساء كثيرة في هذه القرية رأينا بعضها في الدور الخاصة تلمع فتأخذ الأبصار أما أنقاض دورها ومعابدها وأحواض مياهها فحدث عنها ولا حرج وقد دخل أهلها في المدينة اليوم بفضل مدرستي الروس واللاتين اللتين أنشئتا فيها وليس بين سكانها من المسلمين إلا بعض باعة والحراثين. قال ابن خرداذبة أن ظاهر البلقاء كان كورة من كور دمشق كما أن جبل الغور وكورة مآب وكورة جبال وكورة الشراة وكورة عمان كانت كل منها إقليماً برأسه قال الشاعر: سلم عَلَى دمن أقوت بعمان ... واستنطق الربع هل يرجع بتبيان قال ياقوت أن مدينة جرش هي شرقي جبل السواد من أرض البلقاء وعرف السواد بأنها نواح قرب البلقاء سميت بذلك لسواد حجارتها وفي أرض البلقاء عدة بلاد ورد لها ذكر في التاريخ العربي مثل قرية جادية التي ينسب إليها الجادي وهو الزعفران وفرية مؤتة من المشارف التي كانت بها تطبع السيوف المشرفية والموقر الذي كان ينزله يزيد بن عبد الملك قال كثير:

стр. 5253

سقى الله حياً بالموقر دارهم ... إلى قسطل البلقاء ذات المحارب والقسطل نزله الوليد بن يزيد وهو قرب البلقاء وخلفه فيه عمه العباس وكان الوليد يستوطن الزيزاء. وفي البلقاء قصر الأزرق والفدين قريب من حصن الزرق وهذين قيل أنهما من عمل حوران ومعظم الراويات عَلَى أنه من عمل البلقاء. العمران والسكة الحجازية إن كان لدور الاستبداد حسنة فأعظم حسناته سكة حديد الحجاز التي مدت في عهد المخلوع وبتزيين قرينه أحمد عزت باشا العابد ولننهي منها حتى الآن القسم الأعظم من دمشق إلى المدينة المنورة وطوله ١٣٠٣ كيلومترات ومن حيفا إلى درعا ١٦١ كيلومتراً فانفق عليها فيما بلغنا ثلاثة ملايين ليرة ونصف صرف قسم مهم منها فقي مدينة دمشق فانتفع منه الملتزمون والتجار والزراع والعملة وبعض أرباب الصناعات والفنون وأنفق القسم الأعظم في ثمن أدوات وقطارات ومركبات حديد من معامل أوربا. وما كاد ينتهي الخط إلى المدينة حتى نهضت البلاد بعض الشيء ولاسيما دمشق والمدينة وحيفا نهضة اقتصادية لا يستهان بها وحسن حال التاجر والمزارع وسارت الأمور الاقتصادية عَلَى نسق مرتب معقول فلم يعد في التجارة ذاك الكساد الذي نعهده في دمشق ولا التقهقر الذي كان في حيفا ولا الغلاء الفاحش في أسعار المدينة وهكذا انتفع المحطات عَلَى طول الخط من دمشق إلى المدينة وعددها ٧٥ محطة ومحطات حيفا ودرعا وعددها ١٥ فأخذت كل محطة بقدر حظها من العمران وانتفع منها في الأكثر ما كان له أثر قديم في الارتقاء. ولو كانت الحكومة تلتفت بعض الالتفات لعمران البلدان لأخذت بأيدي كل من يودون إنشاء بيوت ودكاكين وخانات وفنادق في المحاطات وأعطتهم مئات الدونمات يجعلونها حدائق ويبنون عليها مساكن عَلَى شرط أن يعمروها في مدة تعينها لهم وإذا أمكن أن تمنح بعض محاويجهم إعانة مالية قليلة يستعينون بها عَلَى التعمير فكيف لا ندهش والحالة هذه إذ رأيناها ورأينا عمالها يوقفون من يبنون المساكن في مثل مدائن صالح وعددها لا يقل عن خمسين محلاً بدعوى أنه لا يسوغ إنشاء مدينة إلا بإرادة سنية فهلا استصدرت الإرادات السنيات في الحث عَلَى مثل هذه المشروعات التي لا يتصور أنفع منها في البلاد.

стр. 5254

هكذا فعلت الحكومة مع من يريدون إقامة الدور والحوانيت ولم تقصر في وضع العقبات في سبيل من يريد غرس أشجار البرتقال لأنه ثبت أنها تجود في تربة هذه البلدة الرملية. وليت الإدارة تحمل الحكومة عَلَى ترغيب الناس في إنشاء الدور والحدائق لما في ذلك من الفوائد لعمالها إذ يستغنون بأسراتهم عن صرف أوقات الفراغ في المقامرة ومعاقرة الخمر ويقل عدد من يتعاطونها منهم. نعم إن المحطات مالاً ينبت فيه كل شيء بحسب الظاهر ولا تمطره السماء إلا ساعات غير معلومة في السنة ولاسيما بعد ارض البلقاء وهواءها جاف حار محرق وعمرانها متوقف عَلَى عمل كثير طويل ومال غزير ليس بقليل فأمثال هذه المحطات تترك الآن وينشط كل من يود اعتمار الأراضي الموات قرب المحطات وإنشاء دور وحوانيت فيها ولو فعلت الحكومة لاستغنت مع الزمن من حراسة هذا الخط بكتائب من الجنود ترابط عَلَى طول السكة وإقامة اثنتي عشرة قلعة من الهدية إلى المدينة وهي اليوم تجعل في كل قطار يسافر بعد لواء حوران إلى المدينة جملة من الجند النظامي المسلح لحماية الركاب من عيث البادية إذا حدث حادث لا قدر الله. نقول عيث البادية ولو أعملت الحكومة الفكر منذ اليوم الذي نوت فيه تمديد هذا الخط الحربي الديني التجاري لأوسعت لهم من تلك السهول الخصيبة في لواء الكرك ما كانوا الآن استغنوا بزراعته عن شن الغارات وإيذاء السابلة طمعاً في اقتناص ما يتبلغون به ولتوفروا عَلَى تربية مواشيهم وزروعهم كما يتوفر اليوم بنو حسن في قضاء عجلون وينو صخر في قضاء السلط والحويطات في معان والمجالي في الضمور والطراونة في الكرك وغيرهم في غيرها وكل هؤلاء من العرب الرحل يتأنسون بقدر ما يدخل النور عَلَى أولادهم ويستثمرون أرباح الزراعة والماشية ولاشك أنهم يعدلون بتة عن الغرة كلما أسكنت الأصقاع التي في جوارهم وخف الاعتداءُ عليهم. ولسكة الحجاز الفضل الأكبر في تأنيس شارد البدو إذ عرفوا بأن قوة الدولة مهمة في كبح جماح كل معتد. وقد أخذت تصدر حاصلاتهم إلى الأسواق التجارية الكبرى فكانت الجنوب تكسد في بعض السنين الماضية في جهات لواءي الكرك وحوران فأصبحت اليوم تسافر إلى القاصية. وأبواب الشام والحجاز والبحر منفتحة أمامها. وهكذا يقال في السمون والجبن

стр. 5255

والألبان والأصواف التي تحصل من نياقهم ومعزاهم وأغنامهم وأبقارهم. في لواء الكرك وحده أرض موات تكفي لإعالة كل أهل البادية من العرب خصوصاً وهم الموصوفون بذكاء فطرتهم ومضاء عزائمهم فإذا توفرت لهم الأسباب تحصل الفائدة الاقتصادية والعمرانية المطلوبة من السكة الحجازية فتعمل هذه في نقل الأنفس والأموال والمتاجر السنة كلها لا كما هي اليوم تشتغل أشهراً معدودة من السنة في موسم الحج ثم تبلى بالفتور إلا قليلاً. وأن من عرف أن هذا الخط قد عمر بالإعانات التي جمعت من أقطار العالم الإسلامي وهمة ضباط العثمانيين وكتائب جنودنا وإن مئات هلكوا في سبيل إنشاءه بحيث لم يكن يمد الكيلومتر الواحد إلا عَلَى أشلاء بضعة من رجالنا يوافق عَلَى تساهل إدارة السكة مع الضباط والجنود والخط خط عسكري. ولقد لاحظنا أن القطار الحجازي يقطع المسافة اليوم بين دمشق والمدينة في ثلاثة أيام بلياليها يقف منها في المحطات الكبرى مثل درعا ومعان وتبوك والمدائن نحو اثنتي عشرة ساعة دع عنك الوقت الذي يصرفه في المحطات الصغرى ون معدل سيره عَلَى عشرين كيلومتراً في الساعة فلو تدبرت الإدارة في اختصار هذه المدة في الوقوف وحملت قاطراتها عَلَى الإسراع قليلاً في سيرها وسراها لجاز القطار المسافة بيد دمشق والمدينة وبين حيفا والمدينة في يومين وليلتين فتوفر عَلَى الناس بعض عناء السفر وإذا رأت الإدارة أنه مما يلائم مصلحتها الاقتصادية تنزيل أسعار الركوب في الدرجة الأولى والثالثة وأرجة الركوب في الثالثة من دمشق إلى المدينة أربع ليرات وفي الدرجة الأولى ثماني ليرات فأسقطت منها عَلَى الأقل ثلاثين في المئة استفادت فيما نحسب أكثر وكثر الذاهبون والجاثون وعظمت الفوائد من ذلك فعندها تقصد المدينة أكثر من الآن للزيارة والتجارة ويقصد الحجازيون بلاد الشام ليصطافوا أو يتجروا. وليت الحكومة تتساهل في الاعتماد عَلَى أبناء البلاد وتختار الجند الذين يحرسون الخط من أبناء حوران مثلاً فهم أقدر عَلَى تحمل المشاق من ابن مدن آسيا الصغرى وسورية ومقدونية ونظنها في التجربة التي جربته في الطابور الذي ألفته من الشروق بالأجرة وسمته هجين سوار أي فرسان الهجين والشروق هم سكان شرقي المدينة أي نجد قد ثبت لها أن ابن هذه البلاد أنفع من خدمتها إذا شبع من ابن البلاد القاصية والفارس النجدي اليوم

стр. 5256

يتناول ٤٥٠ قرشاً صحيحاً في الشهر هو وهجينه وما الجندي يكلف الحكومة أقل من ذلك فضلاً عن تعرضه للهلاك من هواء بادية العرب وكذلك يقال لإدارة السكة أن تختار عمالها من العارفين لغة البلاد قبل أن يعرفوا التركية لأن في ذلك فوائد مهمة للخط نفسه وإذا كان لا بد من الاستكثار من أبناء آسيا الصغرى وغيرها في جملة عمالها فما عليها إلا أن تشترط عليهم تعلم العربية وبذلك تتضاعف خدمتها للإدارة وللبلاد معاً عَلَى أن ابن العراق والجزيرة والحجاز أقدر في كل حال عَلَى تولي أعمال هذه السكة خصوصاً في النصف الأخير منها من جهة المدينة. وقد لاحظنا عَلَى إدارة السكة إهمال عمالها للنظافة في المركبات ولاسيما في الدرجة الأولى بحيث أنها لا تزيد الراكب فيها راحة إلا بكون مقاعدها مفروشة بالمخمل (القطيفة) وهي أضيق من مقاعد الدرجة الثالثة ولا يخفى عَلَى أمر القائمين بأمر السكة الحجازية أن التدخين محظور في القطار في الدرجات الثلاث بأوربا دع تعاطي المسكرات وإنه ليسوءنا ما رأيناه من أن بعض موظفي الحكومة الذين كانوا آتين من المدينة المنورة يبسطون في مركبات الدرجة الأولى سفرة الشراب ويتعاطونه مع النقول اللازمة له والأغاني التي يطربون بها كأنهم في حانة أو بيت خاص من غير نكير يؤذون بذلك جلسائهم وهم يكونون بعملهم أعظم عارٍ عَلَى المسلمين والإسلام. فليت إدارة الشركة تحظر الشراب في القطارات والمحطات عَلَى ركابها وعمالها مباشرة وتغرم من يجرأ عَلَى خرق حرمة شريعة الإسلام وقانون المدنية الحديثة غرامة ثقيلة تربي كل مقترف لهذه الكبيرة فإن كان من عمال الحكومة الأمن عصم الله من يفسدون أخلاق الرعية بما يعودونهم إياه من احتساء كؤوس الراح في المديريات والأقضية والألوية والولايات فما أحرى الحكومة أن تكف مفاسدهم عَلَى الأقل عن قصاد البلد الطيب رحمة بالإنسانية والإسلام. بعض أعمال الكرك قال غرس الدين الظاهري وأمما المملكة الكركية فليست هي من الشأم وهي مملكة بمفردها وتسمى مآب وهي مدينة حصينة معقل من معاقل الإسلام بها قلعة ليس لها نظير في الإسلام ولا في الكفر تسمى حصن الغراب لم تكن فتحت عنوة قط وإنما فتحها المرحوم

стр. 5257

صلاح الدين يوسف بن أيوب بعد أن فتح القدس في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكانت بيد البرنس أرنلط وكان يتعرض إلى حجاج بيت الله الحرام. وقال أن الشوبك كانت مدة بيد الإفرنج وهي مضافة إلى الكرك وحصينة أيضاً ومسيرة معاملة الكرك من العلى إلى زيزة مقدار عشرين يوماً بسير الإبل وهي بلاد عدية بها قرى كثيرة والمعاملات والمسلك إليها صعب من مقطعات قليلة الماء حتى أنه إذا وقف أحد عَلَى درب من دروبها يمنع مائة فارس اهـ. بلدان في لواء الكرك طالما سمعنا بهما وهما قصبة الكرك وقصبة السلط فالأولى كنا نتوهمها أهم مما رأيناه والثانية رأيناها أهم مما سمعنا به من وصفها وهذا من جملة الأسباب التي تدور أهالي البلقاء أن يطلبوا إلى الحكومة جعل السلط في التقسيمات الإدارية مركز لواء بضم أراضي بني حسن من قضاء عجلون وعمل حوران إليه وجعل مادبا قضاء وعمان قضاء والزيزاء قضاء وبذلك توفر عَلَى أهل القاصية من لواء الكرك العناء الشديد الذي يلاقونه بشد الرحال إلى حاضرة اللواء كلما عرض لهم عمل فقد بلغني أن أكثر الناس يستنكفون من أداء الشهادة إذا طلبوا إليها من السلط إلى الكرك مثلاً وينكرونها ويتحملون الإثم في ذلك لأن الشاهد يستحيل عليه أن يضيع بضعة أيام في الذهاب والإياب ويتكلف مالاً طائلاً نفقه في السكة الحديدة وأجرة دواب. فإذا اختار ابن السلط مثلاً أن يذهب إلى الكرك يضطر إما إلى المسير ثلاثة أو أربعة أيام عَلَى الدواب ذهاباً ومثلها إياباً وإما أن يركب دابة ٢٥ كيلومتراً من السلط إلى عمان ومن هذه وهي في الكيلومتر ٢٢٢ يركب القطار الحجازي إلى القطرانة وهي في الكيلومتر ٣٢٦ ومنها يركب دابة إلى الكرك مسيرة ست ساعات. وهكذا يتكلف من له عمل طفيف في مركز اللواء إلى مال جزيل ووقت طويل. وأنكى من ذلك أن معان وهي في الكيلومتر ٤٨٩ بل أن تبوك وهي في الكيلومتر ٦٩٢ بل أن مدائن صالح وهي في الكيلومتر ٩٥٥٥ إذا اضطر أهلها إلى قصد الكرك يقطعون هذه المساوف في السكة الحديدية أو الدواب وكلاهما شاق يحتاج إلى وقت ومال فتقسيم لواء الكرك الإداري مشوش مضطرب وما أحراه أن يقسم لوائين أحدهما مركزه السلط كما تقدم والثاني يجعل مركزه في معان أو إذرح وهي مدينة متوسطة من اللواء ولكنها اليوم خربة

стр. 5258

لا ساكن فيها وكانت من المدن العامرة قبل الإسلام وبعده حتى أن أهلها صالحوا في غزوة تبوك عَلَى الجزية فبلغت مائة دينار في كل رجب وذكر المقدسي أنها مدينة متطرفة حجازية شامية وعندهم بردة رسول الله ﷺ وعهده وهو مكتوب في أديم وبذلك يستدل أنها كانت عامرة في القرن الخامس للهجرة بل إلى عهد قريب وكانت هي وموآب مدينتي الشراة. وارض الشراة من الشوبك إلى رأس النقب كما يحددها الأهلون اليوم أي مسيرة يوم طولاً وعرضها ساعتان وهي الأرض المفلوحة مؤلفة من تلعات وأودية وفيها عيون غزيرة لا تقل عن أربعين عيناً لا ينفع بأكثرها وقسم منها الآن في عمل قضاء الطفيلة والآخر في قضاء معان وعلى جنوب الشراة بلاد طيءٍ أو جبال طيءٍ وهي الحد الجنوبي لسورية كما عرفها العرب قال خاتم الطائي وقد أغارت طيّ عَلَى إبل للحارث بن عمرو الحفني وقتلوا ابناً له: إلا أنني قد هاجني الليلة الذكر ... وما ذاك من حب النساء ولا الأشر ولكنني مما أصاب عشيرتي ... وقومي بأقران حواليهم الصير ليالي نمسي بين جوز ومسطح ... نشاوى لنا من كل سائمة جزر فيا ليت خير الناس حياً وميتاً ... يقول لنا خيراً ويمضي الذي ائتمر فإن كل شر فالعزاء فإننا ... عَلَى وقعات الدهر من قبلها صبر سقى الله رب الناس سحا وديمة ... جنوب الشراة من مآب إلى زعر بلا امرئ لا يعرف الذم بيته ... له المشرب الصافي وليس له الكدر وفي أذرح عين ماء غزيرة فوق أرض واسعة يمكن تشجيرها كلها ولها قلعة لا تحتاج إلا إلى ترميم خفيف وهي عَلَى أربع ساعات إلى الغرب الشمالي من معان وعلى ثلاث ساعات من وادي موسى وأنقاض دورها وعقودها وعمدها موجودة لا تحتاج إلا إلى بنائين فتكون مدينة تامة الأدوات في بضعة أسابيع وفيها اليوم أنقاض ثلاثة طواحين. ربما يستهجن بعضهم أن نقترح جعل مركز لواء الكرك في أذرح وهي خراب وتترك الكرك وهي المشهورة بتاريخها خلقت بما لها من المركز الحصين الواقع عَلَى جبل عال خال من أطرافه لتكون عاصمة كبرى فضلاً عن مركز لواء ولكن مراكز الحكومات يجب

стр. 5259

أن تكون في بقعة متوسطة والكرك منحرفة عن طريق السكة الحديدي ومنحرفة عن نقطة دائرة اللواء وعمرانها القديم لا يشفع لها أن تكنون الحاكمة عَلَى مدائن صالح وهذه من الكرك زهاء ٦٦٠ كيلومتراً! بل الأجدر أن تكون العقبة وتبوك ومدائن صالح كلها لواءاً خاصاً برأسه إذا أرادت الحكومة تحضير البادية وحكم أهلها عَلَى ما يجب. ولعل بعضهم يعترض بقوله أن العمران مستحيل في هذه الأصقاع ما دامت خالية من السكان ولا ماء فيها ولا كلاء ولكن الحكومة الصالحة تجذب إليها الأنفس كما تحمل الأموال وناهيك بأن عشيرة الفقرا وهي لا تقل عن ٨٠٠ بيت تنتقل بين تبوك ومدائن صالح تسكن في مدة قليلة وذلك لأن الراضي الموجودة بكثرة والمياه إذا حفر بالأرض ثلاثة أو أربعة أمتار تنبط حالاً والبقاع التي ينزلونها مستعدة كل الاستعداد لزراعة البرتقال والنخل فإذا أخذت الحكومة بأيديهم فذاقوا لذة الكسب يعدلون عن عيش الغزو الذي يسوقهم إليه فقرهم ولا يلبثوا أن يصبحوا كسائر العرب الساكنة يدفعون الضرائب ويخدمون في الجندية مثل عامة العثمانيين. لا نعتقد أن الكرك يتراجع عمرانها إذا نقل منها مركز اللواء لأنه بما دهمها من الفتنة الأخيرة فتخربت بحيث لم تعد صالحة لسكنى أهليها ولا موظفيها إلا بعد بضع سنين عَلَى أن الحكومة جعلتها عَلَى نحو عشرين سنة مركز لواء ولم ترمم قلعتها ولا أتمت مكتبها الكبير ولا مسجدها الجامع فأنت الآن إذ دخلتها تنقبض نفسك من بلد ترى الخراب يتحيفه من كل جانب فتشاهد وعينك تدمع خراباً في العقول وخراباً في النبات وخراباً في الجماد ومثل هذا البلد يعمر بالعلم والعرفان أكثر من عمرانه بالسيف والسنان. تنقبض النفس في الكرك عَلَى جمال في طبيعتها وهي تطل من جهاتها الأربع عَلَى مناظر لطيفة ومنها البحر الميت ووادي الأردن إلى أعالي جبال أريحا وذلك لأنها كانت في معظم أدوارها التاريخية ظالمة مظلومة واشتهر أهلها بحب الغارة عَلَى عهد الإسرائيليين والموآبيين وحاربها شاول وداود وقامت قائمتها جوارم وملك اليهودية فرجعا عنها مدحورين واضمحل الموآبيون في القرن الثاني قبل المسيح وأصبحت الكرك مفتاح تلك البلاد عَلَى عهد الصليبيين واستولى عليها رنودي شاتليون الذي يسميه المؤرخون العرب البرنس أرنلط وذلك لأنها حاكمة عَلَى طريق قوافل مصر وبلاد العرب القادمة إلى سورية

стр. 5260

وذلك حاربها صلاح الدين يوسف بن أيوب حباً عواناً وأقام الأيوبيون فيها وحصنوها ومازال ملوك مصر والشام يحاصرونها ويقتتلون أهلها وآخر أعمال الكركيين ذبهم عسكر إبراهيم باشا المصري ثم فتنتهم الأخيرة المشؤومة ويبلغ المسيحيون في الكرك نحو أربعة آلاف أكثرهم روم وفيهم لاتين وقليل من البرتستانت وفيها مدارس حقيرة لذكروهم وإناثهم ولئن كان المسيحيون اليوم عَلَى مستوى من جيرانهم المسلمين وكانوا نحو ١٥ ألفاً قبل الحوادث الأخيرة أو أرقي بقليل في المدنية فسيكون مستقبل هذه البلاد لهم وناهيك بأن تلامذة المكتب الرشدي اليوم وهي زهاء ثلاثين تلميذاً كلهم من أولاد المسيحيين وإذا كان فيهم التلميذ الواحد أو الاثنان من أبناء المسلمين فيكون كلانا غير مواظب هذا في مدارس الحكومة فما بالك في المدارس الطائفية المسيحية وتجارة البلد في أيدي أناس من أهل دمشق والخليل فقدوا أموالهم في الفتنة ولم يعوضوا عنها حتى الآن سوى سبعة في المئة مما قدر لهم. ولم تبق الفتن من العاديات القديمة ما يذكر في هذه المدينة اللهم إلا أنقاض دائرة وجميع هذه الديار كانت عامرة وهي اليوم مأوى الغراب والبوم ناهيك بأن اللجون الواقعة عَلَى ساعتين من الكرك كانت بحسب ما رأينا من أنقاض ارتجتها الضخمة من المدن المهمة فأصبحت اليوم والحكومة تسكن فيها طائفة من المهاجرين وتعمر لهم دوراً فلا يلبثون أن يرحلوا عنها إذا أردوا تناقص النفوس فيها بسبب الماء والهواء وتركوا منازلهم خاوية فأنزلتهم الحكومة في بعض أنحاء البلقاء وما ندري كيف انقلبت طبيعة تلك البلاد المأهولة قديماً حتى لم تعد المدينة منها تصلح لأن تكون مزرعة حقيرة لفساد هوائها ومائها فسبحان القابض الباسط المعمر المدمر. العربية الصخرية طريق الكرك من القطرانة وطريق وادي موسى من معان يبتدئان بتراب كلسي ممزوج بصلصال لا استعداد فيه للزراعة اليوم ولذلك تظنك إذا توسطت تلك السهول وعرضها نحو ثلاث ساعات من الخط الحديدي تظنك في قفر بلقع حتى إذا انتصف الطريق تتراءى لك بعض عيون وزروع والمسافة بين معان ووادي موسى سبع ساعات للراكب كما هي بين القطرانة والكرك. ووادي موسى هو قرية اللجي وعلى نحو ساعة منه بترا أو العربية

стр. 5261

الصخرية كما يسميها الإفرنج وسماها العرب سلعاً والسلع الشقوق في الجبال والغالب أن السلع قسم من العربية الصخرية وهي عبارة عن جبال (إذا رآها الرائي من بعد ظنها متصلة فإذا توسطها رأى كل قطعة منها منفردة بنفسها) وحدثنا من زار خرائب الحجر أو مدائن صالح أنها دون خرائب بترا بمكانتها. وكان لبترا هذه أيام عز طويلة عَلَى عهد الدوميين والنبطيين العرب وقدماء الرومان والمكابيين وامتد حكمها إلى دمشق وكانت بيدها زمام التجارة مدة قرون في هذا الشرق الأقرب ولم تنحط إلا بارتقاء مملكة فارس وانبساط ظل سلطان تدمر ولما جاء الإسلام كانت خرائب كما هي اليوم والغالب أن بقايا مجدها أتت عليها الزلازل فدكتها كما دكت غيرها من المصانع والآثار. إذا اشرف الراكب عَلَى قرية وادي موسى يرى روح النعيم فيها خصوصاً ويكون قد قطع ساعات في صقع أجرد أمر ليس فيه من الأشجار إلا الزعرور ولا من الغلات إلا قليل من الحنطة والشعير ولكن في وادي موسى حدائق بديعة تسقى من العيون الدافقة عليها من الهضاب المجاورة حتى تخال لنفسك لما تراه من بهجة الخضراء أنك في صقع عامر زاهر فإذا قصدت إلى العاصمة بترا أو تجبلت في السيك أي دخلت بين الجبلين المتناوحين العاليين وكل قطعة منهما تبلغ ألوفاً من الأمتار المربعة علوها من ٣٠ إلى ٥٠ متراً وأنت تسير في طريق لا يقل عن خمسة أذرع ولا يزيد عن عشرة ليس فيه إلا الأحجار والحصا أو مسايل ماءٍ لا ينبت فيها إلا الرتم والطرفاء تشاهد في الأعالي النواويس والقصور والمسلات محفورة في الصخر وينفرج الطريق مسيرة نحو ثلث ساعة وينقسم إلى قسمين قسم ذات اليمين وفيه تتمة المدينة والقسم الآخر جبال طبيعية تمتد إلى بعيد وتتصل بجبل هارون من أجمل المناظر المشرفة عَلَى تلك الأودية والجبال. وهنا يتمثل أمامك قصر فخم يسميه الناس خزنة فرعون والغالب أنه كان معبداً لإيزيس أنشئ عَلَى عهد الإمبراطور أدريانوس الذي زار هذه المدينة سنة ١٣١ وفي واجهة هذا القصر رواق يتقدمه بضعة أعمدة كبرى وفوقها ثلاثة أعمدة أصغر منها ونقوش وتيجان وربما كان يصعد إلى العلية بلولب من الصخر بدليل ما يشاهد في الحائط من أثر الأدراج وإذا دخلت هذا الرواق ترى عَلَى اليمين قاعة كبرى تلمع أحجارها وتتموج وكأنها خرجت

стр. 5262

الآن من يد نقاشها وفي الجهة اليسرى قاعة مثلها وفي الصدر القاعة الكبرى أو الردهة المدهشة وكل هذه العمدان والسواري والتيجان والقاعات والرواق محفور في الصخر أو في هذا الجبل قطعة واحدة فكأن الحجر كان بيد صانعي هذا الهيكل وغيره من الهياكل والنواويس والقصور كالطين يجعلون منه ما يشاؤن والذي يزيد في الدهشة أن الحجر أحمر في هذه الجبال أو نوع من الحجر الرملي ولكنه بمتانته كالصخر الأصم ثم ترى عليك ذاك اللمعان فمن موجة حمراء إلى أخرى زرقاء إلى مثلها بيضاء إلى جانبها دكناء فسبحان من أنشأ هذا الصخر هنا منقطع النظير ورزق بانيه يد صناعاً تتفنن في تقطيعه ونقره بما فاق به البناة في سائر عاديات سورية. فإن كانت قلعة بعلبك تنم عن ذوق سليم وعلم واسع في النقش وجر الأثقال فإن هذه العاديات الخالدة الأزلية تنادي بلسان حالها هذه عظمة الديان إلى جانب عظمة الإنسان. وترى إلى جانب الآثار قساطل من الفخار في جانب السيك الذي يشبه بعض جهاته الفج الواقع في شمالي قرية معلولا في جبل سنير (قلمون) وذلك عَلَى علو القامة استحجرت عَلَى الصخر حتى كأنها بعضه وهناك عَلَى بضع دقائق من خزنة فرعون كان في الغالب يخزن ماء هذه العاصمة برمتها وعلى مقربة من مخزن الماء وهو منقور في الجبل أيضاً ملعب التمثيل نقر في الصخر وله ٣٣ ممشى لجلوس المتفرجين ويسع ٣٠٠٠ نسمة وفي هذا الجوار أقدم النواويس وأهمها وبعد ذلك يجيء قصر البنات وهو بناء من الحجر رصفت حجارته كما ترصف الأبنية الضخمة من قلاع وأبراج وأسوار ونحوها والغالب كان للمتأخرين شبه دار للحكومة وهو مما عمر قبل عهد الإسلام وهناك ولاسيما في خربة النصارى آثار بعض أديار يدل اسمها قبرسمها عَلَى أنها من عمل المسيحيين عندما كانت لهم حكومة هنا عَلَى عهد الرومان واليونان وعلى مقربة من تلك الجبال الشوامخ والمنفرجات والأودية بعض نواويس وآثار ولكنها دون آثار بترا في المكانة وفي جبل الصبرا ملعب أو صورة تمثل قتالاً بين سفن حربية. ويقول بعض علماء الآثار من الألمان أن معظم القبور التي حفرت عَلَى مثال قبور الحجر يرد عهدها إلى الملك أرتياس الرابع أحد ملوك بترا أي ٩ و٣٠ سنة قبل المسيح وبعده وليس في وادي موسى أعمدة من قبل الحكم الروماني عليها. وإن ما يشاهد من صور أبي

стр. 5263

الهول وإيزيس ورؤوس الحملان يدل عَلَى أن هذه البلاد تأثرت بالمدنية المصرية والمسلتان الموجدتان في النجر تمثلان ربي النبطيين اللات ودوزارس وإنها كانت مركز عبادة النبط قبل العهد اليوناني بستة قرون عَلَى الأقل وإن المدنية اليونانية دخلت وادي موسى عَلَى عهد البطالسة فاختلط العنصران المصري والسوري وظل القول الفصل فيها للمدينة اليونانية إلى عهد أرتياس الرابع وفي بترا ٨٥١ مصنعاً من القبور والمعابد والمذابح. وبالجملة فإن من أراد أن يتوسع في درس هذه المدينة الأزلية وجب عليه أن يصرف أياماً في خرائبها كما يفعل بعض سياح الإفرنج وعلماء الآثار منهم فيقصدونها يضربون فيها خيامهم ويصرفون في إمتاع النظر الأسبوع والأسبوعين وعلى من يحب التوسع في البحث أن يستعين بما كتبه علماء الآثار من المصنفات في وصف هذه المصانع بالإنكليزية والألمانية والإفرنسية وغيرها من لغات المدنية الحديثة. في جوار هذه العاديات المدهشة المنبئة بمدينة راقية + + ينزل نحو ألف نسمة من العرب يأتون أياماً قلائل إلى الحي أو وادي موسى لتعهد زورعهم السقي ثم ينتقلون في الصيف والشتاء في جبال الشراة عَلَى ساعتين أو ثلاث أو أربع من بلدهم في خيام الشعر وهم فرقتان تؤلف الأولى من عرب الشرور ومن بني عطا والثانية من الهلالات والعبيدية والعلايا ويغلب عليهم الفقر ومنهم من يزرع أراضي الحويطات والنعيمات عَلَى مقربة من بلدهم بالخمس وليس فسهم من يقرأ ولا من يكتب وفي وادي موسى مدير عين حديثاً يتبع قضاء عمان كما أن في الشوبك مديراً ويلبس أهل وادي موسى الكوفية والعقال ويسمونه المرير أي المفتول والعباءة وقفاطاناً مسدولاً بدون سراويل وفي أرجلهم نعل يعملونه من جلد البعير وينوطون به حبلة يدخل منها باهم الرجل لتعلق وفي ألفاظهم بعض فصح مثل قولهم لسير الليل وقولهم الهدوم للثياب العتيقة وقولهم الريف للأراضي الخصبة والقابلة للداية وغير ذلك. ويعنون كثيراً بتربية البقر والغنم والماعز والإبل عندهم مثل بني صخر. وما يشكوه أهل معان يشكو منه أهل وادي موسى يشكون ممن أن الأراضي للمهاجرين غير مسجلة بأسمائهم وأن عشيرتي النعيمات والحويطات تدعي ملكيتها عَلَى حين هذه لم تسجل نفوسها في سجلات الحكومة ولا تدفع إلا ما يصيبها من الأموال الأميرية وهي في

стр. 5264

رحالة تضرب في الفجاج إلى نجد وأبعد من نجد ولا تتوفر عَلَى زراعة الأرض كلها وإذا قتل البدوي أحد أهل البلدين يفر فلا يلوي عَلَى شيء وإذا قتل الفلاح من أهل معان ووادي موسى رجلاً من أولئك البدو تتقاضاه الحكومة الدية وتحبسه وترهقه فكأن الحكومة لا تقوى إلا عَلَى كل ضعيف خفيف الحال. سألنا أحد كبار شيوخ وادي موسى هل زرت يا عماه مدينة دمشق في حياتك فأجاب إنني لم أزرها أنا ولا أحد من أهل بلدي وأني لي وبزيارتها والطريق عشرة أيام لراكب المطايا وفي السكة الحديدية احتاج إلى أجرة لم أملكها في حياتي فتأمل. وبعد فإن أجمل المناظر إذا خرجت من السيك أو من الصدفين أي من جانبي الجبلين وفارقت تلك القنن والقلل تقصد إلى عين موسى صعدا في هضاب عنقاء شماء واطلت عَلَى تلك المدينة التي يستحيل أي جيش من جيش العالم أن يفتحها ويستبيح حمى من فيها إذا أرادت الدفاع تشرف من ورائها عَلَى أرض واسعة جداً تظنها بحراً من أشعة الشمس وهي وادي عربة طوله ثلاثة أيام إلى الغرب وعرضه إلى الشمال أربعة من العقبة إلى الغور وفي تربته حصا وأحجار ورمال وأملاح وينابيع قليلة منها بعض الخضرة كما تجد هنا وهناك بعض الشجار البرية ويقصد البدو هذا الوادي في الشتاء لأنه غور يرعون فيه مواشيهم كما يقصد أهالي الطفيلة والكرك والسلط وما جاورهم من الأغوار إلى الغرب من ديارهم ويقصدون جهات الشرق في الربيع ويتوسطون في الشتاء والصيف. هذا نموذج من عيش أهل المجر والمدر من البوادي ممن تشهد خيامهم السوداء كما قال ابن معتوق في وصفها: قطع من الليل البهيم عَلَى الثرى ... سقطت وفيها أنجم الجوزاء والتي قالت فيها الشاعرة الأعرابية يوم زوجت في دمشق وأسكنت القصور والدور من اللبن والحجر: لبيت تخفق الأرياح فيه ... أحب إليّ من قصر منيف أو كما قال الشاعر: الحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر ولقد أحببنا أن نجربه للمرة الأولى فنزلنا ليلة في أرض إيل عَلَى شيخ من عرب الشرور

стр. 5265

واسمه محمد إبراهيم وأخرى في بير البيطار عَلَى محمد أبي فرج شيخ بني عطا وهذان المنزلان عَلَى مقربة من وادي موسى وكنا بتنا ليلة في الزيزاء عند فواز بن سطام شيخ مشايخ بني صخر فرأينا العيش البدوي عَلَى اختلاف طبقاته ديمقراطية وارستقراطية ونمنا في العراء تخفق علينا الرياح وخرجنا عن مألوف العادات فشربنا من كاس شرب بها عشرات من قبلنا فلم تغسل كفناجين القهوة وأكلنا الجريش ممزوجاً باللبن الرائب والمرق عليه رقاق تعلوها قطع اللحم والدهن بدون ملعقة ولا شوكة ولا سكين ولا صفحة خاصة ولا منديل فواكلناهم وسامرناهم وحدثناهم وحدثونا واستنصحنا بعضهم لنصرح له أي العيشين أفضل لهم البداوة أم الحضارة فقلنا لهم أنتم بالنظر لما نشأتم عليه أبقوا عَلَى بداوتكم واقتربوا من المدنية ما سمحت لكم أنفسكم ولكن إياكم أن تغفلوا عن تعليم أولادكم لينشأوا نشأة مدنية أكثر من نشأتكم وعندها إذا أحبوا أن ينقطعوا عن عيش الخلاء بتة يتيسر لهم ذلك. إني أخاف عليكم أيها العرب إذا عاشرتم الحضر فأكثرتم من عشرتهم أن تنسوا المكارم العربية ويختلط عليكم أمركم وتضيعون فطرتكم السليمة إلى ما تئن منه حضارتنا من النفاق والكذب والمزور والخديعة ولولا الغارات لآثرت أن أعيش في هذه الديارات بين البوادي ولو أشهراً معدودة من السنة. يتبع

стр. 5266

مصر والمملكة الإسلامية لعالم جغرافي عربي من أمهات كتب الجغرافيا العربية القديمة التي أحياها بالطبع دي كوي أحد أئمة المشرقيات في الغرب وطبعتها مطبعة بريل في ليدن من بلاد هولاندة طبعة ثانية سنة ١٩٠٦ كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء الشامي المقدسي المعروف بالبشاري ذكر فيه الأقاليم الإسلامية وما فيها من المفاوز والبحار والبحيرات والأنهار ووصف أمصارها المشهورة ومدنها المذكورة ومنازلها المسلوكة وطرقها المستعملة وعناصر العقاقير والآلات ومعادن الحمل والتجارات واختلاف أهل البلدان في كلامهم وأصواتهم وألسنتهم وألوانهم ومذاهبهم ومكاييلهم وأوزانهم ونقودهم وصروفهم وصفة طعامهم وشرابهم وثمارهم ومياههم ومعرفة مفاخرهم وعيوبهم وما يحمل من عندهم وإليهم وذكر مواضع الأخطار في المفازات وعدد المنازل في المسافات وذكر السباخ والصلاب والرمال والتلال والسهول والجبال والحواوير والسماق (؟) والسمين منها والرقيق ومعادن السعة والخصب ومواضع الضيق والجدب وذكر المشاهد والمراصد والخصائص والرسوم والممالك والحدود والمصادر والجروم والمخاليف والزموم والطساسيج والتخوم والصنائع والعلوم والباخس والمشاجر والمناسك والمشاعر. قال: وعلمت أنه باب لا بد منه للمسافرين والتجار ولا غنى عنه للصالحين والأخيار هو علم ترغب فيه الملوك والكبراء وتطلبه القضاة والفقهاء وتحبه العامة والرؤساء وينتفع به كل مسافر ويخطى به كل تاجر وما تم لي جمعه إلا بعد جولاني في البلدان ودخولي أقاليم الإسلام ولقائي العلماء وخدمتي الملوك ومجالستي القضاة ودرسي عَلَى الفقهاء واختلافي إلى الأدباء والقراء وكتبة الحديث ومخالطة الرهاد والمتصوفين وحضور مجالس القصاص والمذكرين مع لزوم التجارة في كل بلد والمعاشرة مع كل أحد والتفطن في هذه الأسباب بفهم قوي حتى عرفتها ومساحة الأقاليم بالفراسخ حتى أتقنتها ودوراني عَلَى التخوم حتى حررتها وتنقلي إلى الأجناد حتى عرفتها وتفتيشي عن المذاهب حتى علمتها وتفطني في الألسن والألوان حتى رتبتها وتدبري في الكور حتى فصلتها وبحثي عن الأخرجة حتى أحصيتها مع ذوق الهواء ووزن الماء وشدة العناء وبذل المال وطلب الحلال وترك

стр. 5267

المعصية ولزوم النصح للمسلمين بالحسبة الصبر عَلَى الذل والغربة والمراقبة لله والخشية بعدما رغبت نفسي في الأجر وطمعتها في حسن الذكر وخوفتها من الإثم وتجنب الكذب الطغيان وتحرزت بالحجج من الطعان ولم أودعه بالمجاز والمحال ولا سمعت إلا قول الثقات من الرجال. وقال في موضع أخر في ذكر الأسباب التي عاينها في تأليف كتابه ويفهم منها مبلغ تعبه في وضعه ترجمته لنفسه عَلَى أسلوب هو الأدب بعينه والإبداع الغريب قال: اعلم أن جماعة من أهل العلم ومن الوزراء قد صنفوا في هذا البابوإن كانت مختلة غير أن أكثرها بل كلها سماع لهم ونحن فلم يبق إقليم إلا وقد دخلناه وأقل سبب إلا وقد عرفناه وما تركنا مع ذلك البحث والسؤال والنظر في الغيب فانتظم كتابنا هذا ثلاثة أقسام إحداها ما عايناه والثاني ما سمعناه من الثقات والثالث ما وجدناه في الكتب المصنفة في هذا الباب وفي غيره وما بقيت خزانة ملك إلا وقد لزمتها ولا تصانيف فرقة إلا وقد تصفحتها ولا مذاهب قوم إلا وقد عرفتها ولا أهل زهد إلا وخالطتهم ولا مذكروا بلد إلا وقد شهرتهم حتى استقام لي ما ابتغيته في هذا الباب. ولقد سميت بستة وثلاثين اسماً دعيت وخوطبت بها مثل مقدسي وفلسطيني ومصري ومغربي وخراساني وسلمى ومقرئ وصوفي وولي وعابد وزاهد وسياح ورواق ومجلد وتاجر ومذكر وإمام ومؤذن وخطيب وغريب وعراقي وبغدادي وشامي وحنيفي ومتأدب وكري ومتفقه ومتعلم وفرائضي وأستاذ ودانشومند وشيخ ونشاسته وراكب ورسول وذلك لاختلاف البلدان التي حللتها وكثرت المواضع التي دخلتها ثم أنه لم يبق شيء مما يلحق بالمسافرين إلا وقد أخذت منه نصيباً غير الكدية وركوب الكبيرة فقد تفقهت وتأدبت وتزهدت وتعبدت وفقهت وأدبت وخطبت عَلَى المنابر وأذنت عَلَى المنابر وأممت في المساجد وذكرت في الجوامع واختلفت إلى المدارس ودعوت في الحافل وتكلمت في المجالس وأكلت مع الصوفية الهرائس ومع الخانقائية الثرائد ومع النواتي العصائد وطردت في الليالي من المساجد وسحت في البراري وتهت في الصحاري وصدقت في الورع زماناً وأكلت الحرام عياناً وصحبت عباد جبل لبنان وخالطت حيناً السلطان وملكت العبيد وحملت عَلَى رأسي بالزنبيل وأشرفت مراراً عَلَى الغرق وقطع عَلَى قوافلنا الطرق

стр. 5268

وخدمت القضاة والكبراء وخاطبت السلاطين والوزراء وصاحبت في الطرق الفساق وبعت البضائع في الأسواق وسجنت في الحبوس وأخذت عَلَى أبي جاسوس وعاينت حرب الروم في الشواني وضربت النواقيس في الليالي وجلدت المصاحف بالكرى واشتريت الماء بالغلا وركبت الكنائس (؟) والخيول ومشيت من السمائم والثلوج ونزلت في عرضة الملوك وبين الأجلة وسكنت بين الجهال ومحلة الحاكة وكم نلت العجزة والرفعة ودبر في قتلى غير مرة وحججت وجاورت وغزوت ورابطت وشربت بمكة من السقاية والسويق واكلت الخبز والجلبان بالسيق ومن ضيافة إبراهيم الخليل وجميز عسقلان السبيل وكسيت خلع الملك وأمروا لي بالصلات وعريت وافتقرت مرات وكاتبني السادات ووبخني الأشراف وعرضت عَلَى الأوقاف وخضعت للأجلاف ورميت بالبدع واتهمت بالطمع وأقامني الأمراء والقضاة أميناً ودخلت في الوصايا وجعلت وكيلاً وامتحنت الطرارين ورأيت دول العيارين واتبعني الأرذلون وعاندني الحاسدون وسعي بي إلي السلاطين ودخلت حمامات طبرية والقلاع الفارسية ورأيت يوم الفوارة وعيد بربارة وبئر بضاعة وقصر يعقوب وضياعه ومثل هذا كثير ذكرنا هذا القدر ليعلم الناظر في كتابنا إنا لم نصنفه جزافاً ولا رتبناه مجازاً ويميزه من غيره فكم بين من قاسى هذه الأسباب وبين من مصنف كتابه في الرفاهية ووضعه عَلَى السماع. ولقد ذهب لي في هذه الأسفار فوق عشرة آلاف درهم سوى ما دخل عليّ من التقصير في أمور الشريعة ولم يبق رخصة مذهب إلا وقد استعملتها قد صليت عَلَى القدمين وصليت بمدها متان ونفرت قبل الزوال وصليت الفرائض عَلَى الدواب ومع نجاسة فاحشة عَلَى الثياب وترك التسبيح في الركوع والسجود وسجود السهو قبل التسليم وجمعت بين الصلوات وقصرت لأفي سفر الطاعات غير أني لم أخرج عن قول الفقهاء الأئمة ولم أؤخر صلاة عن وقتها بتة وما سرت في جادة بيني وبين مدينة عشرة فراسخ فما دونها إلا فارقت القافلة وانتقلت إليها لأنظر هاقا يمد وربما اكتريت رجالاً يصحبوني وجعلت مسيري في الليلة لأرجع إلى رفقائي مع إضاعة المال والهم. وبعد فقد أجاد المقدسي في تأليفه ما شاء وشاءت الإجادة ومن يتعب في جمع مواد مصنفه مثل ما تعب يجيء منه آية يستفاد منها عَلَى الدهر فلم يترك شاردة في الجغرافية الطبيعية

стр. 5269

مما يتعلق بطبائع الأرض ومياهها وجبالها وبحيراتها وسهولها إلا وذكره عَلَى حسن صورة عرفها العالم وكذلك لم يدع فائدة في علم خصائص الشعوب والجغرافيا السياسية والاقتصادية إلا ألم به إلماماً لا يستطاع أكثر منه في عصره وهو القرن الرابع. وعلى كثرة ما أتى من المواد في كتابه الذي لا يتجاوز الخمسمائة صفحة من هذه الطبعة فإنك تجد كل فائدة قد ذكرت في موضعها بتنسيق غريب أدهش من نظر فيه من علماء المشرقيات في الغرب فأيقنوا بما رأوه أن فضل الله غير محصور بأمة معينة ولا بزمن خاص. ولقد كنا نقول ونحن نطالع ما ورد في كتاب أحسن التقاسيم في وصف بلاد الشام وفلسطين أن هذا الفصل أجمل فصول هذا السفر لأن المؤلف قدسي يحسن معرفة بلاده ووصف ما حوت من الميزات والخيرات ولكن من طالع الكتاب برمته تتجلى له إجادته في وصف جميع بلاد الإسلام وما يجب عَلَى المطالع معرفته منها وإليك الآن ما قاله في إقليم مصر. هذا هو الإقليم الذي افتخر به فرعون عَلَى الورى وقام عَلَى يد يوسف بأهل الدنيا فيه آثار الأنبياء والتيه وطور سيناء ومشاهد يوسف وعجائب موسى وإليه هاجرت مريم بعيسى وقد كرر الله في القرآن ذكره وأظهر للخلق فضله أحد جناحي الدنيا، ومفاخره فلا تحصى، مصره قبة الإسلام ونهره أجل الأنهار وبخيراته تعمر الحجاز وبأهله يبهج موسم الحاج وبره يعم الشرق والغرب قد وضعه الله بين البحرين وأعلى ذكره في الخافقين حسبك أن الشام عَلَى جلالتها رستاقه والحجاز مع أهلها عياله وقيل أن هو الربوة ونهره يجري عسلاً في الجنة وقد عاد فيه حضرة أمير المؤمنين ونسخ بغداد إلى يوم الدين وصار مصره أكبر مفاخر المسلمين غير أن جدبة سبع سنين متوالية، والأعناب والإتيان به غالية، ورسوم القبط به عالية، وفي كل حين تحل بهم الداهية، عمره مصر بن حام بن نوح ﵇ وهذا شكله ومثاله. وقد جعلنا إقليم مصر عَلَى سبع كورست منها عامرة ولها أيضاً أعمال واسعة ذات ضياع جليلة ولم تكثر مدائن مصر لأن أكثر أهل السود قبط ولا مدينة في قياس علمنا هذا إلا بمنبر فأولها من نجد الشام ثم الجفار ثم الحوف ثم الريف ثم الإسكندرية ثم مقدونية ثم الصعيد والسابعة الواحات. فأما الجفار فقصبتها الفرما ومدنها البقارة الواردة العريش. وأما

стр. 5270

الحوف فقصبتها بلبيس ومدنها مشتول جرجير فاقوس غيفا دبقو تونة بريم القلزم. وأما الريف فقصبتها العباسية ومن مدنها شبرو دمنهور سنهور بنها العسل شطنوف مليج محلة سدر محلة كرمين المحلة الكبيرة سندفا دميرة بورة دقهلة محلة زيد محلة حفص محلة زياد سنهور الصغرى بريس. وأما إسكندرية فهي القصبة أيضاً ومنة مدنها الرشيد مريوط ذات الحمام براس وأما المقدونية فقصبتها الفسطاط وهو المصر ومن مدنها العزيزية الجيزة عين شمس وأما الصعيد فقصبتها أسوان ومن مدنها حلوان قوص أحميم بلينا علاقى أجمع بوصير الفيوم أشمونين سمسطا تندة طحا بهنسة قيس وبازاء الحوف جزيرتان في بحيرتين فهما تنيس ودمياط. الفرما عَلَى ساحل بحر الروم وهي قصبة الجفار عَلَى فرسخ من البحر عامرة آهلة عليها حصن ولها أسواق حسنة وهي في سبخة وماؤها مالح وحولها مصايد السلوى معدن الأسماك الجيدة وبها أضداد عدة وخيرات كثيرة وهي مجمع الطرق مذ كورة سرية غير أن ماءها مالح وطيرها مزمن وهذه الكورة كلها رمال ذهبية والمدن التي ذكرناها وسطها وفيها طرق ونخيل وآبار وعلى بريد حانوت إلا أن الريح ربما لعبت بالرمال فغطت الطريق والسير فيها صعب. بلبيس قصبة الحوف كبيرة كثيرة القرى والمزارع عامرة بنيانها من طين والمشتول كثيرة الطواحين ومنها يحمل أكثر ميرة الحجاز من الدقيق والكعك وأحصيت في وقت من السنة فإذا هو يبلغ ثلاثة آلاف حمل جمل في كل أسبوع كلها حبوب ودقيق. والقلزم بلد قديم عَلَى طرف بحر الصين يابس عابس لا ماء ولا كلأ ولا زرع ولا ضرع ولا حطب ولا شجر ولا عنب ولا ثمر يحمل إليهم الماء في المراكب ومن موضع عَلَى بريد يسمى سويس عَلَى الجمال ماء آجن ردي ومن مثلهم ميرة أهل القلزم من بلبيس وشربهم من سويس يأكلون لحم التيس ويقدون سقف البيت هي أحد كنف الدنيا مياه حماماتهم زعاق وحشمة ملولة والمسافة إليها صعبة غير أن مساجدها حسنة وبها قصور جليلة ومتاجر مفيدة هي خزانة مصر وفرضة الحجاز ومعونة الحاج واشترينا يوماً بدرهم حطباً فاحتجنا له بدرهم حطباً وهذه الدورة غير طيبة ولا أرى في ذكر بقية مدائنها فائدة.

стр. 5271

العباسية هي قصبة الريف عامرة طيبة قديمة شربهم من النيل موضع الريف والخصب بنيانهم أفرج من بنيان مصر بها أضداد تحمل عليها وجامع حسن من الآجر رفقة سرية والمحلة الكبيرة ذات جانبين اسم الجانب الآخر سندفا بكل جانب جامع وجامع المحلة وسطها وجامع تلك عَلَى الشط لطيف وهذه أعمر وبها سوق زيت حسن والناس يذهبون ويجيئون بالزوارق شبهتها بواسط ودمية أيضاً عَلَى الشط طويلة عامرة بها بطيخ نادر. الإسكندرية قصبة نفيسة عَلَى بحر الروم عليها حصن منيع وبها بلد شريف كثير الصالحين والمتعبدين شربهم من النيل يدخل عليهم أيام زيارته في قناة فيملأ صهاريجهم وهي شامية الهواء والرسوم كثيرة الأمطار جامعة الأضداد جليلة الرستاق جيدة الفواكه والأعناب طيبة نظيفة بناؤهم من الحجارة البحرية معدن الخراب وبها جامعان عَلَى جبابهم أبواب تغلق بالليل كيلا يصعد منها اللصوص وسائر المدن عامرات طيبات وفي نواحيها خرنوب وزيتون ولز ومزارع عَلَى البعل ومن ثم يصب في بحر الروم وهي مدينة ذي القرنين ولها قصة عجيبة. الفسطاط هو مصر في كل قول لأنه قد جمع الدواوين وحوى أمير المؤمنين وفصل بين المغرب وديار العرب واتسع بقعته. وكثر ناسه. وتنضر إقليمه واشتهر اسمه. وجل قدره. فهو مصر مصر. وناسخ بغداد. وفخر الإسلام ومتجر الأنام وأجل من مدينة السلام. خزانة المغرب. مطرح المشرق. وعامر الموسم ليس في الأمصار آهل منه. كثير الأجلة والمشايخ. عجيب المتاجر والخصائص. حسن الأسواق والمعايش إلى حماماته المنتهى. ولقيا سيره لباقة وبها. ليس في الإسلام أكبر مجالس من جامعه ولا أحسن تجملاً من أهله ولا أكثر مراكب من ساحله. آهل من نيسابور. وأجل من البصرة. وأكبر من دمشق. به أطعمة لطيفة. وأدامات نظيفة. وحلاوات رخيصة كثير الموز الرطب. غزير البقول والحطب. خفيف الماء صحيح الهواء. معدن العلماء. طيب الشتاء أهله أهل سلامة وعافية. ومعروف كثير وصدقة. نغمتهم بالقرآن حسنة ورغبتهم بالخير بينة. وحسن عبادتهم في الأفاق معروفة قد استراحوا من أذي الأمطار. وأمنوا من غاغة الشرار. ينتقدون الخطيب والإمام. ولا يقدمون إلا طيباً وإن بذلوا الموال قاضيهم أبداً خطير والمحتسب كالأمير ولا ينفكون أبداً من نظر السلطان والوزير ولولا عيوب له كثير ما كان له في العالم من نظير

стр. 5272

وهو نحو ثلثي فرسخ طبقاتها بعض فوق بعض. وكانت جانبي الفسطاط والجيزة ثم شق بعض الخلفاء من ولد عباس خليجاً عَلَى قطعة منها فسميت تلك القطعة الجزيرة لأنها بين العمود والخليج وسمي خليج أمير المؤمنين منه شربهم ودورهم أربع طبقات وخمس كالمناير يدخل إليهم الضياء من الوسط وسمعت أنه يسكن الدار الواحدة نحو مائتي نفس وإنه لما صار إليها الحسن بن أحمد القرمطي خرج الناس إليها فرآهم مثل الجراد فهاله ذلك وقال ما هذا قيل هؤلاء نظارة مصر ومن لم يخرج أكثر. وكنت يوماً أمشي عَلَى الساحل وأتعجب من كثرة المراكب الراسية والسائرة فقال لي رجل منهم: من أين أنت قلت: قلت من بيت المقدس قال: بلد كبير أعلمك يا سيدي أعزك الله أن عَلَى هذا الساحل وما قد أقلع منه إلى البلدان والقرى من المراكب ما لو ذهبت إلى بلدك لحملت أهلها وآلاتها وحجارتها وخشبها حتى يقال كان ههنا مدينة. وسمعتهم يذكرون أنه يصلي قدام الإمام يوم الجمعة عشرة آلاف رجل فلم أصدق حتى خرجت مع المتسرعة إلى سوق الطير فرأيت الأمر قريباً مما قالوا. وأبطأت يوماً عن السعي إلى الجمعة فألفيت الصفوف في الأسواق عَلَى أكثر من ألف ذراع من الجامع ورأيت القياسير والمساجد والدكاكين حوله مملوءة من كل جانب من المصلين وهذا الجامع يسمى السفلاني من عمل عمرو بن العاص وفيه منبره حسن البناء في حيطانه شيء من الفسيفس عَلَى أعمدة رخام أكبر من جامع دمشق والازدحام فيه أكثر من الجوامع الستة قد التفت عليه الأسواق إلا أن بينها وبينه من نحو القبلة دار الشط وخزائن وميضاة وهو أعمر موضع بمصر وزقاق القناديل عن يساره وما يدريك ما زقاق القناديل والجامع الفوقاني من بناء بني طيلون أكبر وأبهى من السفلاني عَلَى أساطين واسعة مصهرجة وسقوفه عالية في وسطه قبة عَلَى عمل قبة زمزم فيها سقاية مشرف عَلَى فم الخليج وغيره وله زيادات وخلفه دار حسنة ومنارته من حجر صغيرة درجها من خارج والحد بين أسفل وفوق مسجد عبد الله قد بنى من مساحة الكعبة. ويطول الوصف بنعت أسواقه وجلالته غير أنه أجل أمصار المسلمين وأكبر مفاخرهم وآهل بلدانهم ومع هذه الكثرة اشتريت الخبز الحواري ولا يخبزون غيره ثلاثين رطلاً بدرهم والبيض ثمانية بدانق والموز والرطب رخيص يجيء أبداً إليه ثمرات الشام

стр. 5273

والمغرب وتسير الرفاق إليه من العراق والمشرق ويقطع إليه مراكب الجزيرة والروم تجارته عجيبة ومعايشه مفيدة وأمواله كثيرة لا ترى أحلى من مائه ولا أوطأ من أهله ولا أحسن من بزه ولا أبرك من نهره إلا أنه ضيق المنازل كثير البراغيث عفن كرب البيوت قليل الفواكه مياه كدرة وآبار وضرة ودور قذرة وبق منتن وجرب مزمن. ولحوم عزيزة. وكلاب كثيرة. ويمين فظيعة. ورسوم وحشة أبداً عَلَى خوف من القحط وانقطاع النهر وإشراف عَلَى الجلاء وتربص بالبلاء. لا يتورع مشايخهم عن شرب الخمور ولا نساؤهم عن الفجور للمرأة زوجان وترى الشيخ سكران وفي المذهب حزبان في سمرة وقبح لسان. والجزيرة خفيفة الأهل الجامع والمقياس عَلَى طرفها عند الجسر مما يلي المصر وبها بساتين ونخيل ومنتزه أمير المؤمنين عند الخليج بموضع يسمى المختارة والجيزة مدينة خلف العمود كانت الطريق إليها من الجزيرة عَلَى جسر إلى أن قطعه الفاطمي بها جامع وهي أعمر وأكبر من الجزيرة والجادة منها إلى المغرب ويلقي الخليج العمود تحت الجزيرة. والقاهرة مدينة بناها جوهر الفاطمي لما فتح مصر وقهر من فيها كبيرة حسنة بها جامع بهي وقصر السلطان وسطها محصنة بأبواب ممدودة عَلَى جادة الشام ولا يمكن أحد دخول الفسطاط إلا منها لأنها بين الجبل والنهر ومصلى العيد من ورائها والمقابر بين المصر والجبل. والعزيزية قد اختلت وخربت عامتها وكانت المصر في القديم وبها كان ينزل فرعون وثم قصره ومسجد يعقوب ويوسف. وعين شمس مدينة عَلَى جادة الشام كثيرة المزارع بها مسند النيل أيام زيادته جامعهم في السوق. والمحلة مدينة عَلَى نهر الإسكندرية بها جامع لطيف وليس بها كثير أسواق غير أنها عامرة نزيهة الشط حسنة النهر يقابلها صندفاً به جامع عامر شبهتها بواسط إلا أنه ليس بينهما جسر يعبرون في المراكب. وحلوان مدينة من نحو الصعيد ذات مغاير ومقاطع وعجائب بها حمام من فوق حمام آخر وسائر المدن عَلَى عمود النيل وخليجه. وأسوان قصبة الصعيد عَلَى النيل عامرة كبيرة بها منارة طويلة ولها نخيل وكروم كثيرة وخيرات وتجارات وهي من الأمهات وأحميم مدينة كثيرة النخيل عَلَى بعض شعب النيل ذات كروم ومزارع منها كان ذو النون الزاهد وهذه الكورة أعلى أرض مصر وفيها يخرج

стр. 5274

النيل والفيوم جليل به مزارع الأرز الفائق والكتان الدون ولها قرية سرية تسمى الجوهريات والعلاقى مدينة في آخر الكورة عَلَى طريق عيذاب وأما الواحات فإنها كانت كورة جليلة ذات أشجار ومزارع وإلى اليوم يوجد فيها صنوف الثمار وأغنام ونعم وقد توحشت متصلة بأرض السودان تمس إقليم المغرب وبعض يجعلونها منه. تنيس بين بحر الروم والنيل بحيرة فيها جزيرة صغيرة قد بنيت كلها مدينة وأي مدينة هي بغداد الصغرى وجبل الذهب ومتجر الشرق والغرب أسواق ظريفة وأسماك رخيصة وبلدة مقصودة ونعم ظاهرة وساحل نزيه وجامع نفيس وقصور شاهقة ومدينة مفيدة رفقة إلا أنها في جزيرة ضيقة والبحر عليها كحلقة ملولة قذرة والماء في صهاريج مغلقة أكثر أهلها قبط والبلاذات تطرح إلى الطرق وبها يعمل الثياب والأردية الملونة وثم موضوع قد نضد فيه موتى الكفار بعض عَلَى بعض ومقابر المسلين وسط البلد. دمياط تسير في هذه البحيرة يوماً وليلة ربما لقيك ماء حلو وأزقة ضيقة إلى مدينة أخرى وهي أطيب وأرحب وأوسع وأفسح. وأحزب وأكثر فواكه. وأحسن بناء وأوسع ماء. وأحذق صناعاً. وأرفع بناء وأنظف عمالاً. وأجود حمامات. وأوثق جدارات. وأقل أذيات. من تنيس عليها حصن من الحجارة. كثيرة الأبواب وفيها باطات كثيرة خربت ولهم موسم من كل سنة يقصدها المرابطون من كل جانب وبحر الروم منها عَلَى صيحة دور القبط عَلَى ساحله وثم يفيض النيل في البحر. وشطا قرية بين المدينتين عَلَى البحيرة يسكنها القبط وإليها ينسب هذا البز وطحا قرية بالصعيد يعمل بها ثياب الصوف الرفيعة ومنها كان الفقيه الإمام أبو جعفر الأزدى ويصنع ببهنسة الستور والأنماط والكتان الرفيع مزارعه ببوصير. جمل شؤن هذا الإقليم هذا إقليم إذا أقبل فلا تسأل عن خصبه ورخصه وإذا أجدب فتعوذ بالله من فحطه يمد سبع سنين حتى يأكلون الكلاب ويقع فيهم الوباء المبرح اشد حراً من سواحل الشام ويبرد في طوبه برداً شديداً به نخيل كثيرة وعامة ذمته النصارى يقال لهم القبط ويهود قليل. كثير المجذمين وبيت الجرب لأنه عفن وأكثر أدمهم السمك. وعلى مذاهب أهل الشام غير أن أكثر فقهائهم مالكيون ألا ترى أنهم يصلون قدام الإمام ويربون الكلاب.

стр. 5275

وأعلى القصبة وأهل صندفا شيعة سائر المذاهب بالفسطاط موجودة ظاهرة وثم محلة الكرامية وجلبة للمعتزلة والحنبلية والفتيا اليوم عَلَى مذاهب الفاطمي التي تذكرها في إقليم المغرب. والقراآت السبع فيه مستعملة غير أن قراء ابن عامر أقلها ولما قرأت بها عَلَى أبي الطيب بن غلبون قال دع هذه القراءة فإنها عتيقة قلت: قيل لنا عليكم بالعتيق قال: فعليك بها. قرأت عليه لأبي عمرو فكان يأمرني بتفخيم الراء من مريم والتورية والغالب عليهم والمختار عندهم قراءة نافع وسمعت شيخاً في الجامع السفلاني يقول: ما قدم في هذا المحراب أمام قط وهو يتفقه لمالك ويقرأ لنافع غير هذا يعني ابن الخياط قلت: ولم ذلك قال لم نجد أطيب منه وكان شفعوياً أبو عمر يا ولم أر في الإسلام أحسن نغمة منه لغتهم عربية غير أنها ركيكة رخوة وذمتهم يتحدثون بالقبطية وهو بلد التجارات يرتفع منه أديم جيد صبور عَلَى الماء ثخين لين والبطائن الحمر والهملختات؟ والمثلث هذا من المصر ومن الصعيد الأرز والصوف والتمور والخل والزبيب ومن تنيس لا دمياط الثياب الملونة ومن دمياط القصب ومن الفيوم الأرز وكتان دون ومن بوصير قريدس الكتان الرفيع ومن الفرما الحيتان ومن مدنها القفاف والحبال من الليف في غابة الجودة ولهم القباطي والأرز والخيش والقباداني والحصر والحبوب والجلبان ودهن الفجل والزنبق وغير ذلك. الخصائص. ولا نظير لأقلامهم وزواجهم ورخامهم وخلهم وصوفهم وخيشهم وبزهم وكتانهم وجلودهم وحذوهم وهملختاتهم وليفهم ووزنهم وموزهم وشمعهم وقندهم ودقهم وصبغهم وريشهم وغزلهم وأشنانهم وهريستهم ونيدتهم وحمصهم وترمسهم وقطرهم وقلفاسهم وحصرهم وحمرهم وبقرهم وحزمهم ومزارعهم ونهرهم وتعبدهم وحسن نغمتهم وعمارة جامعهم وحالومهم وحيسهم وحيتانهم ومعايشهم وتجارتهم وصدقاتهم كل ذلك في غاية الجودة. وقد اجتمع بها من خصائص فلسطين القلقاس وهو شيء عَلَى قدر الفجل المدور عليه قشر وفيه حدة يقلى بالزيت ويطوح في الشكباج والموز وهو عَلَى مقدار الخيار عليه مزود رقيق يقشر عنه ثم يؤكل له حلاوة وعفوصة والجميز وهو أصغر من التين له ذنب طويل والترمس وهو عَلَى قدر الظفر يابس مر يحلى ويملح والنبق وهو عَلَى قدر الزعرور فيه نواة كبيرة حلوة وهو ثمرة شجر السدر ويزيدون عليهم بالنيدة وهي السمنوا غير أن

стр. 5276

عجيب الصنعة يبسط عَلَى القصب حتى يجف وينعلك دهن البلسان من نبت ثم. والنقود القديمة المثقال والدرهم ولهم المزبقة خمسون بدينار ويكثرون التعامل بالرضي وقد غير الفاطمي النقود إلا هاذين وأبطل القطع والمثاقيل. والمكاييل الويبة وهي خمسة عشر منا والأردب ست ويبات والثليس ثمانٍ وهي بطالة والرسوم بجوامع هذا الإقليم إذا سلم الإمام كل يوم صلاة الغداة وضع بين يديه مصحفاً يقرأ فيه جزءاً ويجتمع الناس عليه كما يجتمع عَلَى المذكرين ولهم آذان ينفردون به عَلَى طريق النياحة ثلث الليل الأخير وله قصة يأثرونها بين العشائين جامعهم مغتص بحلف الفقهاء دائمة القراء وأهل الأدب والحكمة ودخلتها مع جماعة من المقادسة فربما جلسنا نتحدث فنسمع النداء من الوجهين دروراً وجوهكم إلى المجلس فننظر فإذا نحن بين مجلسين عَلَى هذا جميع المساجد وعددته فيه مائة وعشرة مجلس فإذا صلوا العشاء أقام البعض إلى ثلث وأكثر سوقهم إذا رجعوا من الجامع ولا ترى أجل من مجالس القراء به وبه مجلس للمتلعبين ولهم إجراء ويضربون عَلَى جوامعهم شراعات وقت الخطبة مثل البصرة ويخلو أسواقهم أيام الجمع. قال ما يلبسون ثوباً غسيلاً أو نعلاً قد امتعطت ولا يكثرون أكل اللحم ويكثرون الإشارة في الصلاة والنخع والمخاط في المساجد ويجعلونه تحت الحصر ويخبزون في الرساتيق وقت البيادر ما يكفيهم إلى عام قابل ثم ييبسونه ويخبئونه ولهم باذهنجات مثل أهل الشام تحمل وترو وتملق يمينهم الكبرى ورأس الله والصغرى وحق عَلَى يحبون رؤوس الأسماك ويقال أنهم إذا رأوا شامياً قد اشترى سمكاً اتبعوه فإذا رمى رؤوسها أخذوها يكثرون أكل الدلينس أقذر شيء حيوان بين زلفتين صغيرتين يفلقان ويحسى مثال المخاط. ومن عيوبهم ضعف قلوبهم وقلة ثمارهم وأهل الشام أبداً يعيبونهم ويسخرون منهم ويقولون مطر أهل مصر الندى وطيرهم الحدا وكلامهم سيدي رخو مثل النسا أعزل الله مالك كذا أكلهم الدلنيس ونقلهم الحمص وجبنهم الحالوم وحلواهم النيد وقطائعهم الخازير ويمينهم كفر. وأما النيل فلم أذق ولا سمعت أن في جميع الدنيا ماء أحلى منه الأنهر المنصورة وزيادته من شهر بؤنة إلى شهر توت وقت عيد الصليب ولهما سدان أحدهما بعين شمس ترعة تسد بالحلفاء والتراب قبل زيادته فإن أقبل الماء رده السد وعلا الماء عَلَى الجرف أعلى القصبة

стр. 5277

فيسقي تلك الضياع مثل بهتيث والمنيتين وشبرو ودمنهور وهو سد خليج أمير المؤمنين فإذا كان يوم عيد الصليب وقت انتهاء حلاوة العنب خرج السلطان إلى عين شمس فأمر بفتح هذه الترعة وقد سد أهل الجرف أفواً أنهارهم حتى لا يخرج الماء منها وجعلوا عليها الحراس فينحدر الماء إلى ضياع الريف كلها والترعة الأخرى أسفل من هذه وأعظم غير أن السلطان لا يحضرها ويبين بفتحها النقصان في النيل وهي بسردوس والمقياس بركة وسطها عمود كويل فيه علامات الأذرع والأصابع وعليه وكيل وأبواب محكمة يرفع إلى السلطان في كل يوم مقدار ما زاد ثم ينادي المنادي زاد الله اليوم في النيل المبارك كذا وكذا وكانت زيادته عام الأول في هذا اليوم كذا وكذا وعلى الله التمام ولا ينادى عليه إلا بعد أن يبلغ اثني عشر ذراعاً إلا ما يرفع إلى السلطان حسب والاثنا عشر ما يعم ضياع الريف فإذا بلغ أربعة عشر ذراعاً سقى أسفل الإقليم فإذا بلغ ستة عشرة استبشر الناس وكانت سنة مقبلة فإن جازوها كان الخصب وسعة فإذا نضب الماء أخذوا في الحرث والبذر وفي أيام زيادته تتبحر مصر حتى لا يمكن الذهاب من هذه الضيعة إلى الأخرى إلا في الزواريق في بعض المواضع. الفسطاط جبل فيه معدن الذهب ولهم معادن زاج الحبر لا ترى مثله وطين يسمى الطفل وفي المقطم مقاطع حجارة بيض حسنة تنشر كما ينشر الخشب. ثم ذكر مشاكل مصر مع الاحتراز من الخرافات الشائعة بشأنها في الجملة قال وعلى صيحة من الفسطاط موضع يسمى قرافة فيه مسجد وسقايات حسنة وخلق من العباد وموضع خلوة وسوق لطلاب الآخرة وجامع حسن ومقابرهم في غاية الحسن والعمارة ترى البلد غبراء والمقابر بيضا ممتدة عَلَى طول المصر فيها قبر الشافعي وذكر بعض عجائب مصر مثل هرمي الجيزة وقال إنها مقابر ألا ترى إلى ملكوك الديلم بالري كيف اتخذوا عَلَى قبورهم قباباً عالية وأحكموا جهدزهم وعلوها طاقتهم كيلا تندرس وذكر منارتي عين شمس أو مسلتيها ومغائر حلوان وبرابي الصعيد ومنارة الإسكندرية وعدد الشهور القبطية وقال أن طول مصر من بحر الروم إلى النوبة أقل من شهر وعرضه من الجنوبي ثمان مراحل ومن الشمالي اثنتا عشرة وللدخلة فيه عند بحر القلزم أربع مراحل أما الولايات فللفاطمي وهم في عدل وأمن لأنه سلطان قوي غني والرعية في راحة ومن ثم سياسة ونفاذ أمر وكل سامع مطيع من

стр. 5278

الأركان سراً وعلانية لا يخطب إلا لأمير المؤمنين حسب. ثم ذكر خراج مصر نقلاً عن قدامة ابن جعفر وابن الفقيه إلى أن قال: وسألت بعض المصريين ببخارى عن الخراج فقال ليس عَلَى مصر خراج ولكن يعمد الفلاح إلى الأرض فيأخذها من السلطان ويزرعها فإذا حصد الناس ودرس وجمع وشمت بالعرام وتركت ثم يخرج الخازن وأمين السلطان فيقطع كرى الأرض ويعطى ما بقي للفلاح قال وفيهم من يأخذ من السلطان تقوية فيزاد عليه في كرى الأرض بمقدار ما اقتطعه قلت فلا يكون لأحد ثم ملك وضيعة قال لا اللهم إلا أن يكون رجل اشترى ممن أقطعه السلطان في القديم ووهبها فاحتاج هو أو ذريته إلى ثمنها فباعها لعامة الناس. وقال: وأما الضرائب فثقيلة وخاصة تنيس ودمياط وعلى ساحل النيل وأما الثياب الشطوبة فلا يمكن القبطي أن يتسبح (لعله يتشح) شيئاً منها إلا بعدما يختم عليها بختم السلطان ولا أن تباع إلا عَلَى يد سماسرة قد عقدت عليهم وصاحب السلطان يثبت ما يباع في جريدته ثم تحمل من بطونها ثم إلى من يشدها بالقش ثم إلى منإذايشدها في السفط وإلى من يحزمها وكل واحد منهم له رسم يأخذه ثم عَلَى باب الفرضة يؤخذ أيضاً شيء وكل واحد يكتب عَلَى السفط علامته ثم نفتش المراكب عند إقلاعها ويؤخذ بتنيس عَلَى زق الزيت دينا ومثل هذا وأشباهه ثم عَلَى شط النيل بالفسطاط ضرائب فقال رأيت بساحل تنيس ضرائبياً جالساً قيل قبالة هذا الموضع في كل يوم ألف دينار ومثله عدة عَلَى ساحل البحر وبالصعيد وساحل الإسكندرية وبالإسكندرية أيضاً عَلَى مراكب الغرب وبالفرما عَلَى مراكب الشام ويؤخذ بالقلزم عَلَى كل حمل درهم. وهنا ذكر المسافات بين الأقاليم بحساب المراحل وكل ذلك مشبع بالفوائد العمرانية التي لا تكاد تراها في الكتب الأخرى الملة بذكر البلاد الإسلامية ولا بأس بأن نختم هذا الفصل بنموذج آخر من كتاب المقدسي في ذكر مملكة الإسلام قال: اعلم أن مملكة الإسلام حرسها الله تعالى ليست بمستوية فيمكن أن توصف بتربيع أو طول وعرض وإنما هي متشعبة يعرف ذلك من تأمل مطالع الشمس ومغاربها ودوخ البلدان وعرف الممالك ومسح الأقاليم بالفراسخ وسنجتهد في تقريب الوصف وتصويره لذوي العقول والإفهام إن شاء الله تعالى الشمس تغرب في حافة بلد المغرب ويرونها تنزل في

стр. 5279

البحر المحيط وكذلك أهل الشام يرونها تنزل إلى بحر الروم وإقليم مصر يأخذ من البحر الرومي طولاً إلى بلد النوبة ويقع بين بحر القلزم وتخوم المغرب ويمتد المغرب من تخوم مصر إلى البحر المحيط مثل الشريطة يضغطه من قبل الشمال بحر الروم ومن قبل الجنوب بلدان السودان ويمد إقليم الشام من تخوم مصر نحو الشمال إلى بلد الروم فيقع بين بحر الروم وبادية العرب وتتصل البادية وبعض الشام بجزيرة العرب ويدور عَلَى الجزيرة بحر الصين إلى عبادان من أرض مصر ويتصل أرض العراق بالبادية وبعض الجزيرة ويتصل بتخوم العراق الشمالية إقليم أقور فيمتد إلى بلد الروم وقد تقوس عليه الفرات من نحو الغرب ووقع خلف الفرات بقية البادية وطرف من الشام فهذه أقاليم العرب ووقعت خوزستان والحبال عَلَى تخوم العراق الشرقية وطائفة من الجبال وإقليم الرحاب عَلَى تخوم أقور الشرقية ووقعت فارس وكرمان والسند خلف خوزستان عَلَى صف واحد البحر جنوبيها والمفازة وخراسان شماليها وتاخمت السند وخراسان من جهة الشرق بلدان الكفر وتاخمت الرحاب بلد الروم من قبل الغرب والشمال ووقع إقليم الديلم بين الرحاب والجبال والمفازة وخراسان فهذه مملكة الإسلام فتدبرها وفيها تقتل وتعرج لمن شقها من شرقها إلى غربها ألا ترى أنك إذا أخذت من البحر المحيط إلى مصر كنت عَلَى الاستواء ثم تميل يسيراً إلى العراق ثم تنفتل في أقاليم الأعاجم وخراسان مائلة إلى جهة الشمال أولا ترى أن الشمس تطلع عن يمين بخارا من نحو إسبيجاب. وأما مساحتها عَلَى الوصف الذي شرحناه فإنك تأخذ من البحر المحيط إلى القيروان مائة وعشرين مرحلة ثم إلى النيل ستين مرحلة ثم إلى دجلة ستين مرحلة ثم إلى جيحون ستين مرحلة ثم إلى ثونكت خمسة عشر يوماً ثم إلى طراز خمسة عشر يوماً وإن عطفت إلى فرغانة فمن جبحون إلى أوزكنت ثلاثون مرحلة وإن عطفت إلى كاشخر فأربعين مرحلة. ووجه آخر تأخذ من سواحل اليمن إلى البصرة خمسين يوماً ثم إلى أصفهان مائة فرسخ ثمانية وثلاثين ثم إلى نيسابور ثلاثين مرحلة ثم إلى جيحون عشرين مرحلة ثم إلى طراز ثلاثين مرحلة وهذا عَلَى الاستواء ويسقط إقليم مصر والغرب والشام. وأما العرض فمختلف جداً لأن إقليم المغرب قليل العرض وكذلك مصر ثم إذا حاذيت الشام اتسعت المملكة ثم لا تزال تتسع حتى تصير وراء جيحون إلى بلد السند نحو ثلاثة أشهر وأما أبو

стр. 5280

زيد فجعل العرض من ملطية ماراً عَلَى الجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة ولم يذكر المراحل إلا أنها تكون نحو أربعة أشهر غير عشرة أيام والذي ذكرنا أبين وأتقن فمن أقصى المشرق بكاشخر إلى السوس الأقصى نحو عشرة أشهر. قدر للخليفة سنة ٢٣٢ ما يرتفع من الخراج والصدقات سوى الحماميات والجبايات من جميع المملكة فبلغ ألفي ألف وثلاثمائة ألف وعشرين ألفاً ومائتين وأربعة وستين ديناراً ونصفاً قال وحسب خراج الروم للمعتصم فبلغ خمسمائة قنطار وكذا قنطار فإذا به أقل من ثلاثة آلاف ألف دينا فكتب إلى ملك الروم أن أخس ناحية عليها أخس عبيدي خراجها أكثر من خراج أرضك. وطول المملكة عَلَى ما قدمناه ألف وستمائة فرسخ كل مائة فرسخ ألف ألف ومائتا ألف ذراع فالفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعاً والإصبع ست حبات شعير مصفوفة طولا بعضعها إلى بعض الميل وثلث الفرسخ وفي البريد خلاف بالبادية والعراق اثنا عشر ميلاً وبالشام وخراسان ستة ألا ترى كيف بنى بخراسان عَلَى كل فرسخين رباط ورتب فيه أصحاب البريد فبهذا نأخذ اهـ. ولا يسع المنصف بعهد تلاوة هذه النموذجات من المصنف العلامة إلا أن يحبذ العلماء العرب فيما دنوه بحسب ما انتهى إليه ارتقاء العلم في عصورهم وإذا وقع لهم ما يؤخذ اليوم عليهم وهو قليل جداً بحسب ما أدانا إليه البحث والتنقيب فإن هذا لا يقدح في أسفارهم ولا يحول بيننا وبين إحيائها وتدارسها عَلَى علاتها خلافاً لما يتبجح به المنطعتون من المتفرنجين منا ممن لم يسعدهم الحظ أن يدرسوا كتاباً عربياً وغاية علمهم أنهم قرأوا مبادئ العلوم باللغات الإفرنجية وجمدوا عليها جمود بعض الفقهاء عَلَى ما قاله المتأخرون منهم وترك الرجوع إلى الأصل الصحيح من كتب السنة بدعوى أن المتأخرين جرروا كل شيء فلم يبق بنا حاجة إلى الأخذ عمن قبلهم.

стр. 5281

اللغة الانتقادية رأينا في اللغة مجلد شاذ الطرفين قديم الخط والورق صغير الحجم والقطع غير أن أسلوبه وصحة عبارته ورصفها تقتضي قدم تأليفه كما أن ترسل المؤلف ووفور مادته وسعة اطلاعه حتى إنا لم نعثر فيما قرأنا منه عَلَى نقل أو تعويل إلا نادراً توجب أن يكون أحد أئمة اللسان ولعل أديباً من صرعى الكتب والآثار يطلع عَلَى ما ننشره منه فيطلعنا عَلَى مصنف الكتاب وعلى حقيقة الكتاب. هذا وفي الموجود من أول المجلد كلام عَلَى المترادفات ثم أبواب في مباحث لغوية مفيدة مرتبة عَلَى زنات الأسماء والأفعال وفيه فصول مختلفة ممتعة والذي يهمنا مباحثه الانتقادية فقد جاء فيها ما نصه. باب ما هو مكسور الأول مما فتحته العامة أو ضمته مما فتحته الصنارة والجنازة والرطل للمكيال والجص والرخو والأثمد وضربت علاوته أي رأسه وأيضاً ما علق عَلَى البعير والجمع العلاوى وعلاوة الربح وسفالتها بالضم واستعمل فلان عَلَى الشام وما أخذ أخذه وأخذت بأخذنا أي بخلائفنا والجراب والإهليلجة واللثة وفلان ينزل العلو والسفل والطنفسة والدهليز وشاعرت المرأة نمت معها في شعار وشعار القوم في الحرب والترياق والدرياق والسواك والوشاح والديوان والديباج وجمام القدح وأما الجمام (بالضم) ففي الدقيق ونحوه وفصح النصارى إذا أفطروا وأكلوا اللحم والمرفق مرفق اليد وما يرتفق به وأنفخة الجدي وقيل منفخة وأنت عَلَى رياس أمرك ورياس السيف مقمضة والعامة تقول رأس أمرك. ومما تقوله العامة بالضم صوان الثوب لما يصان به ودابة بها قماص وتمر شهرين وكسرى ومما الفتح فيه لغة الرطل للمكيال والمسترخي من الرجال والبزر ويوم الأربعاء وأما جرو الكلب والإصبع فبالكسر والضم والفتح. باب ما يتكلم فيه بالصاد مما تتكلم العامة فيه بالسين وبالعكس نبيذ أو لبن قارص يقرص اللسان ويوم قارس والبرد قارس وسمك قريس وليلة ذات قرس ولا تقل بالصاد. بخصت عينه وبخست حقه وبصق بصاقة وبزق ولا تقل بسق وبسق النخل طال وبسق

стр. 5282

فلان في علمه علا ويقال + + + يتألق (بصاقة القمر) فص الشاة والفس تتبع النمائم وقد أفرصك الأمر وأصل الفرصة أن يتفارص القوم الماء القليل فيكون لهذا نوبة فيقال جاءت فرصتك أي وقت استقائك قمرة قهره وقصره حبسه وامرأة قصيرة مقصورة أي محبوسة دابة شموس أي بينة الشماس عند الإسراج أو المشي والصندوق وصنجة الميزان ولا تقل سنجة والرساغ حبل يشد في رشغ البعير يمنعه من الانبعاث والصماخ ولا تقل السماخ وأصاخ إلى الشيء استمع وتقصصت أثره وتقسست صوته بالليل وأخذه حصر احتبس بطنه وأسر احتبس بوله. باب ما يغلط فيه العامة فيتكلم بالياء وإنما هو بالواو جفوت الرجل فهو مجفو ولا تقل جفيته وأما قول الشاعر فليس بالجافي ولا المجافي. فمبني عَلَى جفى جنوت عليه وحنيت امرأة حانية أقامت عَلَى وادها فلم تتزوج وحنيت العود والظهر وحنوتهما هجوته فهو مهجو ولا تقل هجيته فلوت المهر وافتليته فصلته عن أمه غذوته غذاء حسناً عروته أتيته فهو معرو وعزوته إلى أبيه نسبته وعزيته لغة واعتزيت إلى أبي وقروت الأرض قروا نبتعتها وقريت الضيف أقريه قرى وقرا غلوت في القول غلواً وغليت عليه من شدة الغيظ أغلى غلياً وغلياناً وخلوت به أخلو خلوة وخليت دابتي خلياً جزرت لها الخلى وهو الأخضر أو الرطب من النبات يقال أخلت الأرض أي كثر خلاها والواحدة خلاة. عنوت أي خضعت وعنوت من بني فلان صرت فيهم عانيا أي أسيراً وعنت الأرض بالنبات تعنو عنواً ظهر نبتها وأعناه المطر وعنيت فلاناً بكلامي حزا السراب الشخص يحزوه حزواً رفعه وحزى فلان الشيء يحزيه حزياً خرصه وتقول كم تحزى هذا النحل عتوت يا فلان تعتوا عتواً ولا تقل عتيت وجلوت الصفر وجلوت عن البلد أجلو جلاء وعفوت عنه عفواً وبينهما بون بعيد أي تفاوت وما أحوله إذا كان محتالاً وقد تحول أي احتال ورجل حول ما أحيله لغة وهي الحول والحيل. أبوت الرجل أبوه صرت له أباً وماله أب يأبوه وأبيت الشيء أباه أباء وسروت الثوب عني أسروه سروا وسريت الليل وأسريت.

стр. 5283

ما جاء عَلَى فعلت مما تكسره العامة أو تضمه عسيت ودمعت عيني وعطس وشعل وسبح ولمح ونكل وكللت من الإعياء وكفل به وجهد ووجد وعتب وحرص ولعب سال لعابه ونحل جسمه ونحلت فلاناً أعطيته ونحلت القول نحلةً ولغب وغثث نفسه وغثا السيل وغلت القدر وولغ الكلب ولهث من الإعياء وذوى العول وذبل وجمد الماء وخمدت النار تخمد وعمد وقصد وعجر عن الأمر وعجزت المرأة كبرت عجيزتها وعجزت (مضعفاً) صارت عجوزاً وهدت النار وهمد الثوب بلى وغوى الرجل جهل وغوى الفصيل لم يرتو من لبان أمه ثم لا يروى من اللبن حتى يموت هزالاً وأما زعف وصلح وفسد فالضم في ثلثتها لغة. باب من يتكلم فيه فعلت مما تغلط فيه فتقول أفعلت نعشت الرجل رفعته ومنه نعش الميت ونجع في الرجل الدواء وفي الدابة العلف ونبذت النبيذ والشيء من يدي وشغلته وسعرهم شراً وجملت الشحم واجتملته أذبته وهزلت دابتي وفي المنطق هزلاً ووقفته عَلَى كذا وذابتي وبشيء عَلَى ولدي وجنبت الريح وشملت ودبرت وأجنبنا وأشملنا وأدبرنا ودخلنا وجنبنا وشملنا أصابتنا وبرق ورعد الشماء والرجل يتهدد وحكى أرعد وعدته خيراً وشراً فإن اسقطوا الخير والشر قيل في الشر أوعدته وكذلك إذا ذكروا الباء معه قالوا وعدته بشر وكبه الله لوجهه وعلف الدابة أو رسنتها وخششت البعير وعظت فلاناً وحميت المريض. باب ما يتكلم فيه بأفعلت مما تتكلم العامة فيه بفعلت أديته أعنته واستأديت الأمير عليه أنبته أعطيته وأنبته قصدته أبدرنا طلع علينا البدر وبدرنا إلى كذا أبريت الناقة جعلت لها براً وبريتها حسرتها وأبسست للغنم بالماء وبالإبل للحلب صوت بها وناقة بسوس تدر بالإبساس وبس السويق لته بالسمن بشرت الأرض عند نبتها وما أحسن بشرتها وبشرت الأديم قشرت باطنه أبعته أعرضته للبيع وبعته من فلان أبغيته أعنته عَلَى الطلب وبغيته طلبته أبقل الرمث فهو باقل وبقل وجهه خرج شعره وناب البعير طلع أترب استغنى وترب افتقر أتلد في أرض كذا أقام وتلد قدم اتبعت القوم إذا سبقوك فلحقتهم واتبعتهم وتبعتهم مروا بك فمضيت معهم أثرى بنوا فلان كثر مالهم والأرض كثر ثراها وثرى بثرى فرح وثروناهم كثرناهم أثللت كذا أصلحته وثللت البيت

стр. 5284

أهدمته ومنه ثل عرشه أي ذهب عزه أجبرته عَلَى الأمر أكرهته وجبرت الفقير أعطيته والعظ فجبر أي انجبر أحد قل خيره وجحد أنكر أجرب فلان جربت إبله جرباً أجررت الفصيل شققت لسانه بخلال يمنعه عن الرضاع وفلاناً الرمح طعنته فتركته فيه يجره والفرس رسنه وجر الحبل وجريره جناية أجز النخل حان أن يجز وجززت النعجة والكبش وحلقت التيس والعنز ولا يقال فيها جززت أجم الأمر وجم الماء جموماً اجتمع في البئر والفرس جماماً ترك أياماً من الركوب وأجرم جريمةً جنى جناية وجرم الصوف جزه والنخل صرمه ونخل جريم أجززت القوم أعطيتهم وجزرة يذبحونها أي شاة سمينة والجمع جزر وجزرت الجزور نحرتها وجزر الماء قل أجلب قتبه جعل عليه جلدة رطبة ثم تركها حتى يبس وجلب عَلَى فرسه جلباً صاح أجمع أمره عزم عليه وجمعت الشيء جمعاً وجمعت المرأة لبست الخمار والدرع والملحفة ما أجمل الحساب وفي صنيعه إجمالاً وجمل الشحم واجتمله أذابه والجميل المذاب منه أجنى الثمر أدرك وجنيته جناً أجبته بكذا إجابةً وجابة وجبت الصخرة خرقتها أحددت السكين وحددت حده عضبّت وحدت المرأة وأحدت تركت الزينة أحبر جلده ترك حباراً وحبراً ترك أثراً وحبره سره والحبرة والحبر السرور احتبست فرسي في سبيل الله وأحبسته فهو محتبس وحبست فلاناً في الحبس أحجل بعيره أطلق يده اليمنى وقيد اليسرى وحجل الغراب أحجم عن الأمر كف وحجم الحاجم فلاناً والصبي ثدى أمه وفلان جمله جعل له حجاماً لئلا يعض وبعير محجوم أحذيته أعطيته وحذوته جلست بحذائه وحذوت النعل بالنعل وحذت الشفرة يد قطعتها والنبيذ يحذي اللسان أحسبته أكثرت له حتى قال حسب وحسبت الحساب حساباً وحسباناً وحسبة أحمدته وجدته محموداً أحصره منعه من سير أو حاجة وحصره العدو ضيق عليه والحصير المحتبس ورجل حصير وحصور لا يخرج من ثمن الشراب ما يخرجه أصحابه. أحميت المسمار وحميت المكان أحمات البئر ألقيت فيها الحماة وحماتها نزعت منها الحماة وأحال حالت إبله فهي حيال والماء صبه وبالدين عَلَى فلان وحال انقلب عَلَى العهد والقوس انقلبت عن العطف والحول يقال فيه حال وأحال أخطبك الصيد أي أمكنك أخطب الحنظل صار خطباناً وذلك إذا صار فيه خطوط خضر وخطب في النكاح خطبة وعلى المنابر خطبة أخنق فلان لم يغنم والنجم تولى للمغيب وخفق الطائر بجناحه خفقاً والريح خفقاناً وخفقه

стр. 5285

بالسيف وأخفقه ضربه أخلفت النجوم إذا لم يكن فيها مطر والرجل في ميعاده واخلف الله عليك يقال لمن ذهب ماله وخلف الله عليك فيمن مات له ميت وخلف فلان فلاناً صار له خليفة وجاء بعده وفوه خلوفاً تغير والشيء فسد أخليت المكان أصبته خالياً خالياً اخلد بالمكان أقام به ورجل مخلد أسن ولم يشب وخلد خلوداً بقى أدلجت سرت ليلاً وهي الدلج وأدلجت سرت من آخره أذممته صادفته مذموماً وذممته عبته أذال فرسه أو غلامه استهان بها وذال يذيل تبخر أرم القوم سكتوا والعظام صار فيها رم أي مخ وقد رمت عظامه أي بليت وفلان شاته والغنم نباته أكلته أربع ولد له في شبابه وأربع وربع حم ربعاً وربع الحبل فتلته عَلَى أربع قوى أرجع أهوى بيده إلى خلفه ليتناول شيئاً أرمل فلان نفذ زاده وأرمل الحصير ورمله نسجه ورمل بين الصفا والمروة رملاناً أرمى عَلَى السبعين وأربى وأرماه عَلَى ظهر دابته وأذراه ورمى الرقبة ارهن في كذا أسلف ورهن الرهن ولا يقال أرهن الرهن وأما قول الشاعر: فلما حسبت أظافيره ... نجوت أرهنهم مالكاً فمن روى وأرهنهم مخطئ أزبد الماء وزبده أعطاه وأطعمه الزيد أزهر النبت ظهر زهره وأزريت به قصرت وزريت ليه عبته أسفر أشرق وسفر بيته كنسه والريح السحاب وفلان بين القوم سفارة صار رسولاً فيهم والمرأة نقابها كشفته والسفير ما نحات من ورق الشجر فتكنسه الريح وأسررت الشيء كتمته وأعلنته وسررت الصبي قطعت سره والسرة التي تبقى أساف الرجل هلك ماله وهاف المال يسوف هلك ورماه بالسواف قال الأصمعي هو السواف بالضم كالقلاب والبخار وسافه سوفاً شمه اسمك الثوب خلق وسمك عينه فقاها أسد قال السداد. النجف (العراق) محمد رضا الشبيبي (الباقي للآتي).

стр. 5286

مطبوعات ومخطوطات بداية المجتهد ونهاية المقتصد للإمام ابن رشد الشهير بابن رشد الحفيد المتوفى سنة ٥٩٥ طبع بالمطبعة الجمالية بمصر. كلما بحث الباحثون في تركة السلف الصالح يعثرون عَلَى أسفار ممتعة تدل عَلَى علو كعب القوم في التفنن في التأليف ولاسيما ما خدم الشريعة واللغة والأدب منه. وهذا الكتاب الذي طبعه محمد أمين أفندي الخانجي الكتبي وشركاؤه نقلاً عن النسخة المولوية المخطوطة بخزانة كتب أحمد بك تيمور هي إحدى تلك الحسنات ادخرتها الأيام في القماطر لتخرج للناس في هذا العصر الحاضر والكتاب في مجلدين أجيد طبعه وشكله فجاء تاماً كأكثر مطبوعات الخانجي الكتبي وقد أثبت فيه المؤلف من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها والتنبيه عَلَى نكت الخلاف فيما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد عَلَى المسائل المنطوق عنها في الشرع وهذه المسائل في الأكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق به تعلقاً قريباً وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة ﵃ إلى أن فشا التقليد وقبل ذلك فنثني عَلَى طابعه وبحث المشتغلين بالفقه والقانون عَلَى اقتناء هذا الكتاب البديع بأسلوبه وموضوعه. الأدب الصغير لابن المقفع نشره أحمد زكي باشا بمطبعة العروة الوثقى الإسلامية بالإسكندرية (١٣٢٩ - ١٩١١ ص٧٨). نشر أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري في السنة الثالثة من المقتبس كتاب الأدب الصغير لابن المقفع نقلاً عن مخطوط عثر عليه عند أحد أعيان بعلبك ثم ضممناه إلى رسائل البلغاء التي نشرناها تحمل في مطاويها جميع ما عرف لعبد الله بن المقفع ولعبد الحميد الكاتب من الرسائل والشذرات وها قد نشر صديقنا زكي باشا هذه الرسالة مرة ثانية نقلاً عن مخطوط ظفر به في إحدى مكاتب الآستانة وقدم لها مقدمة في الأخلاق وأشار عَلَى عادة ثقات

стр. 5287

العلماء الأمناء إلى مصدر رسالته وأنه استعان بما نشره الشيخ الجزائري في المقتبس وعلق شروحاً لغوية عَلَى المتن بطبع مشرق للغاية وورق جيد بحيث جاء قرار نظارة المعارف العمومية بمصر بشأن تدريس هذا الكتاب في جميع مدارسها الابتدائية أحسن دليل عَلَى مساعدة حكومة مصر للآداب واختيار النافع من المطبوعات لإنهاضها من كبوتها فللناشر الثنية عَلَى همته العالية. حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن لمنشئه محمد بك المواليحي طبعة ثانية عَلَى نفقة الشيخ محمد سعيد الرافعي الكتبي بمصر (سنة ١٣٣٠ ص٤٦٣). منشئ هذا الكتاب من كتاب الدرجة الأولى في مصر بل في البلاد العربية كان نشر مقالات متتابعة في مجلة مصباح الشرق خيالية في الظاهر وحقيقية في الباطن وصف فيها حال مصر في أخلاقها وعاداتها ثم جمعها في كتاب أعيدت طلعته الأولى قال فيه ما أبعد فهذا الحديث حديث عيسى بن هشام وإن كان في نفسه موضوعاً عَلَى نسق التخييل والتصوير فهو حقيقة متبرجة في ثوب خيال لأنه خيال مسبوك في قالب حقيقة حاولنا أن نشرح به أخلاق أهل العصر وأطوارهم وأن نصف ما عليه الناس في مختلف طبقاتهم من النقائص التي يتعين اجتنابها والفضائل التي يجب التزامها وقد وفى الكتاب بهذا الغرض ومن كل وجه فمثل حياة مصر الاجتماعية ولاسيما أهل السرف والترف من بنيها وربما بالغ في الأحايين في ذلك التأثير في قلب القارئ بقوة البلاغة التي كثيراً ما يعمد عَلَى التسجيع في إبرازها ولكنه سجع لا أثر للتكلف فيه عَلَى الجملة يدل عَلَى علو كعب المؤلف في الأدب ومبالغته في التنميق والتنسيق. وقد رأينا بعض ألفاظ لا تلتئم مع تلك الدرر والغرر منها. في ص٣٣ يرتكن عَلَى توقد ذهنه و١١٢ ارتكانا عَلَى نهر صومه و١٥٧ كنا نرتكن عليه ص٥٧ فلا يأبهون بها و٢٠٠ كنت آبه بها ص٦٤ المقاطعة عَلَى الشاهد ٦٨ امتثلت لنصائحك ص٧٣ امتلأ الباشا تعجباً واندهاشاً ص٧٩ كان يضرب بغنائي (غناي) المثل ص٨٧ سيما الرضاء بالمقسوم ص١٩٠ أخذت هذه الحانوت ص١١٥ لا يثقون ببعضهم بعضاً. وفيها تحرير الأوراق وتسطير الصكوك و١٣٦ حرر طلباً ص١٢٥ تحصلت عليها بطرق مختلفة. يتحرى عن مسألة ١٣٧ صعد ثانياً إلى السلم فوجدناه مزدحمة بجملة أناس

стр. 5288

١٨٦ سبب الهلاك والنجاء (النجاة) ٢٦٢ أسرعت بالخروج أطلب النجاء ١٨٨ احتذاءٍ لما ترسمه ظروف الأحوال ٢٠٢ وهو بالسن الذي لم يصل فيه بعد إلى التمام ٢٠٨ لكنما الأضمن عندي ١٢٠ وهؤلاء المتمشدقون ٢٤٤ لا يؤثر عليهم ٣٢٢ فأحصى ما فيه عدا ٣٧٩ رأس متصدعة ٣٩٦ نستفيد من واسع علمه أموراً شتى مسافة من الزمن ٤٠٧ يعد طول التنقل والتطور مثل هذه الأهرام وخلافها ٤٢٨ وعدنا إلى المدينة وقد مد من الغروب حبالته ليقتنص من الأصيل غزالته فتفرقت نفسها شعاعاً ٤٤٤ طلب مني أن نحيي الليلة بالسمر وأن قلتها معه بالسهر الخ. ومن هذه الألفاظ والتراكيب ما هو بعيد عن مناحي الفصحاء دخيل في اللغة أو ضعيف في التركيب ولفظه في غير موضعه ولعل المؤلف الفاضل يعيد نظره في هذه النقدات فإن منها ما هو من لغة الجرائد ومنها ما هو من اللغة العامية المصرية ولعله لا يضن عَلَى الآداب بنفاثته بعد اليوم فهو من أعظم الناعين عَلَى الموظفين فعسى أن لا تشغله الوظائف عن معاناة الكتابة لإنارة الأفكار كما شغلت غيره ممن ابتلوا مؤخراً في مصر بالتوظيف فطلقوا الأقلام طلاقاً بتاتاً. مجموعة أعمال المؤتمر المصري طبع بالمطبعة الميرية بمصر سنة ١٩١٢. عقد بعض أقباط مصر مؤتمراً في السنة الماضية طلبوا فيه إلى الحكومة المصرية والإنكليزية بعض مطالب سياسية واجتماعية منها أن تعطل الحكومة يوم الأحد بدلاً من الجمعة أو مع الجمعة ومنها يمكن بعض أبنائهم تولي بعض الوظائف الكبرى كالمديرين (الولاة) اسوة بالمسلمين إلى غير ذلك من المطالب فهب مسلمو مصر عَلَى الأثر وعقدوا في مصر الجديد من ضواحي القاهرة مؤتمراً عاماً من كبار أرباب العقول والمفكرين والأعيان في القطر دام من يوم السبت ٣٠ ربيع الثاني ١٣٢٩ إلى يوم الأربعاء ٥ جمادى الأولى ١٣٢٩ تليت فيه خطب عديدة ومطالب في الإصلاح رشيدة فجاء ما قالوه نسخة صحيحة تتمثل فيها حالة مصر الفكرية وإن مصر عَلَى انحطاط في بعض شؤونها الاجتماعية هي أرقى بلاد الإسلام لا محالة. وكل من قرأ ما دار في ذاك المؤتمر من المطالب وبسط فيه من الآراء وفصل فيه من

стр. 5289

الخطب البليغة المدهشة يوقن بأن خاصة المصريين لا يقلون خاصة الأوربيين ولكن قضي عَلَى الشرق أن يكون بأفراده مهماً قوياً وبمجموعه ضعيفاً ضئيلاً ومما راقنا من خطب المؤتمرين في الاقتصاد والاجتماع والإدارة خطبة محمود بك أبو النصر المحامي ومحمد حافظ بك رمضان المحامي وصالح بك حمدي حماد من الكتاب وإبراهيم بك غزالي من الأعيان وأحمد بك عبد اللطيف المحامي والشيخ عبد العزيز شاويش من الكتاب وإبراهيم بك الهلباوي المحامي والسيدة باحثة بالبادية من الأديبات ومحمد بك أبو شادي المحامي والسيد علي يوسف الصحافي (وقد تكلمنا عَلَى خطابه في السنة الماضية) وعلي بك الشمسي من الأعيان وإبراهيم بك رمزي من أرباب الصنائع وجبرائيل بك كحيل المحامي وعبد الستار بك الباسل من الأعيان وعبد الخالق بك مدكور من التجار. ويوسف بك نحاس الحقوقي وعمر بك لطفي المحامي وهاشم بك مهنا المحامي ومحمد بك علي المحامي وأحمد أفندي الألفي من أرباب الزراعة. وأنت ترى أن عدد المحامين أكثر من غيرهم ومعظمهم كانوا بمقترحاتهم وأقوالهم إلى أقصى ما يتصور من السداد مما دل عَلَى أن مصر غنية برجال القضاء فيها ولو تيسر أن يشارك في المؤتمر موظفي الحكومة المصرية لتليت فيه من الآراء السديدة أمور كثيرة غير ما سمعناه فأعجبنا فيه فإن فيهم رجالاً هم من خيرة المفكرين والعالمين ولكن كان للمؤتمر شبه صفة سياسية ورجال الإدارة والقضاءِ يمنعون في معظم الأمم من المشاركة في الأعمال السياسية الظاهرة. تنزيه القرآن عن المطاعن لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد المتوفى سنة ٤١٥. طبع بالمطبعة الجمالية عَلَى نفقة المكتبة الأزهرية لصاحبها الشيخ محمد سعيد الرافعي سنة ١٣٢٩ ص٤٣٦. مؤلف هذا الكتاب شيخ المعتزلة بل هو من أكبر مشايخهم الذين قال فيهم الحاكم وليس تحضرنني عبارة تحيط بقدر محله في العلم والفضل فإنه الذي فتق علم الكلام ونشر بروده ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق والمغرب. وكان الصاحب يقول فيه هو أفضل أهل الأرض ومرة يقول هو أعلم أهل الأرض ومصنفاته كثيرة قيل أنها بلغت أربعمائة ألف ورقة في كل فن. وكتابه هذا أملاه في تفصيل ما بين المحكم والمتشابه

стр. 5290

عرض فيه سور القرآن عَلَى ترتيبها وبين معاني ما تشابه من آياتها مع بيان وجه خطأ فريق من الناس في تأويلها. وهو لا يستغني عنه مولع بالبحث في الكتاب العزيز وأسراره. ويليه مقدمة التفسير لأبي القاسم الراغب الأصفهاني وناهيك بكل ما خطته أنامل هذا المؤلف الذي أجاد في كل ما كتب. والغالب أن الناشر اعتمد عَلَى نسخة دار الكتب الخديوية في طبع الكتاب الأول وعلى نسخة أحد العلماء في نشر مقدمة التفسير أو يا حبذا لو أشار في المقدمة إلى الأصل المطبوع عنه تتميماً للفائدة وليزيد شكر العلم الإسلامي له. الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري المتوفى سنة ٢٨١. لمصححه وضابط ألفاظه وناشره الشيخ محمد سعيد الرافعي. طبع بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٣٠ ص٣٨٣. طبع هذا الكتاب في ليدن من بلاد هولاندة وتداوله أهل العلم واستفادوا منه عَلَى ما فيه من الأخبار الواهية الضعيفة وقد أعاد طبعه صاحب المكتبة الأزهرية عاهداً إلى السيخ محمد الخضري من فضلاء المدرسين في هذه العاصمة أن يعلق عَلَى كل قطعة عنواناً لئلا يكون الكتاب جملة واحدةً وبذلك أصبح قريب المنال عَلَى أهل هذا الشرق ويا ليت الناشر أشار إلى النسخة التي أخذ عنها حرمة لعمل العاملين سواء كان اعتماده عَلَى نسخة مخطوطة أو مطبوعة لتزيد الثقة. الدولة والجماعة لأحمد شعيب بك ترجمة محب الدين أفندي الخطيب. طبع بمطبعة المؤيد بمصر ١٣٣٠ - ١٩١٢ ص٦٧. أحمد شعيب بك من علماءِ العثمانيين وكتابهم خلف كتباً ورسائل مهمة وكتب في مجلات الترك مقالات دلت عَلَى عقل واسع وتحقيق لا يستهان به وقد ترجم له محب الدين أفندي الخطيب أحد كتاب المؤيد هذه الرسالة البديعة التي قصد بها تنبيه قومه إلى سلوك محجة الصواب في نشأتهم الدستورية وتجنب الطفرة في تكييف نظام الحكومة وقدم لنا صديقنا رفيق بك العظم مقدمة أبانت عن غرض الرسالة والمت بذكر من ضرب العلوم الاجتماعية
следующие страницы →