← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فما صعقات موسى فوق هذا ال ... هزيم يضعضع الجبل المتينا على ورع تمجس آل عيسى ... كأن النار نار جبال سينا كأن الهم فيها تجلى ... إذا ما استقبلوها يسجدونا وقال في هزيمة الروس عجب الأنام لشدة الغلب الذي ... ذاقوا ولو غلبوا فذلك أعجب فتغلب اليابان فيه غرابة ... لكن جهل الروس أمر غريب هجموا ولا علم لهم بخصومهم ... ماذا أعدوا للدفاع وألبوا من ذا يغول الليث وسط عرينه ... إلا الشقي الغمر من لا يحسب نصبوا حبائلهم وقد وقعوا بها ... إن الظلوم يصاد في ما ينصب إلى أن يقول ركبوا من البغي الوخيم حقائباً ... فرس البغاة حقيقة لا تنجب ما كان في الأسطول إلا غرة ... وخيانة وظلامة وتعصب فهوى والاستبداد كان رفيقه ... وفساد روسيا كذلك يصحب عرفوا بأن الظلم ليس بغالب ... عدلا ول اصدع التعسف يشعب والمستبد المستجيش عبيده ... إن نازل الأحرار لا يتغلب أيفوز مهضوم الحقوق بمن لهم ... حرية بصدورهم تتلهب ظفر الذي اعتاده جهل بمن ... اعتاده علم رجاءٌ مجدب فالعلم منصور اللواء مؤيد ... والجهل مشقوق الجبين مخيب والعدل ليث عاصم لجواره ... والظلم خصم أن تعرض ثعلب وقال في هذا المعنى كثرت شكاويهم وقالوا خانهم ... قدرٌ وغالبهم قضاءٌ أغلب ذو الحزم يتخذ النتائج راضياً ... والغمر يتهم الزمان ويعتب وقال في مولد ولي عهد روسيا أثناء الحرب مخاطباً أهل البلاط الروسي: طمحت إلى أرض السوى أبصارهم ... ولسلبها حشدوا الجيوش وجندوا أمروا بقتل النفس وهي بريئة ... وعصوا وصايا ربهم وتمردوا

стр. 562

إلى أن يقول مخاطباً الطفل ها أنت تنمو في عناية والد ... حانٍ يذود السوء عنك ويطرد والبعض من أبناء جيلك لا ابٌ ... يحنو عليهم إن بكوا وتنهدوا آباؤهم سقطوا بساحات الوغى ... ليوسعوا لك دولة ويمهدوا فإذا نموا وملكت فارفق ذاكراً ... حق الذين على ولاك استشهدوا وعساك تنشأ عادلاً لا تدعي ... إن الجميع لأجل عرشك أوجدوا فالملك جسم والعدالة درعه ... درع بمجبوك الحديد مسرد والملك بستان أعز سياجه ... عدل به ريح المخاوف تركد يتوقع الإصلاح منك وليتنا ... نحيا لنعرف ما يجيء به الغد وقد ألحق الطابع بهذه القصائد كتاباً كان بعث به الفيلسوف تولستوي الروسي إلى القيصر الحالي يعظه وينصح له ويذكره بحال رعيته معربة بقلم الناظم أيضاً فجاءت هذه الرسالة حاوية من النثر والنظم وأرقه وأنفعه فنثني على الناظم والطابع بما هما أهله والرسالة تطلب من المكاتب الشهيرة في مصر وثمنها ثلاثة قروش صحيحة وهي جيدة الطبع والورق في ٦٨ صفحة منصفة القطع.

стр. 563

سير العلم آثار مصرية اكتشفت بالقرب من أهرام أونياس ضريح يرد عهده إلى خمسمائة سنة قبل الميلاد وعثر فيه على جثة الكاهن هو كمنساف وعليه آثار كثيرة من الآنية الخزفية وغيرها وعثر في تل بالزقازيق على حلي أكثرها مرصع بالأحجار الكريمة مثل اسورة وأقراط وعقود وكؤوس ومشربيات من الفضة والذهب وكلها حسنة في صنعها ووضعها فنقلت إلى المتحف المصري. طلاب الشريعة يؤخذ من إحصاءٍ وضعه العالم ذي المعزة أمين بك سامي ناظر مدرسة الناصرية والمعلمين أنه كان عدد طلبة العلم في الأزهر هذه السنة ٩٧٥٨ وعدد المدرسين ٣١٧ وعدد طلبة الإسكندرية ٤٤٠ و٣٩ مدرساً وعدد طلبة الجامع الأحمدي ٥١٦١ ومدرسيهم ٧٠ وأن مجموع طلاب الشريعة في القطر ٢١٣٥٢ والعلماء المدرسين ١٠٢٥ وأن في الأزهر ٦٦١ من الطلبة غير المصريين. الخدام يشكو أهل أوربا من تناقص عدد الخدام سنة بعد أخرى على توفر أسباب الرفاهية وما تقتضيه من الحاشية والغاشية وقد أفاض أحد الباحثين في هذا الموضوع فظهر له أنه كان في فرنسا ٨٩٢٧٥٩ خادماً و١٣١١٤٧١ خادمة سنة ١٨٦٦ فنزل عددهم سنة ١٨٩٦ إلى ١٦٠١٨٣ رجلاً و٧٠٣١٤٨ امرأة وإذا دامت الحال على ذلك تضطر أكثر حكومات الغرب إلى تأسيس مدارس للخدمة بعد قليل من السنين. الخطوط الحديدية في أميركا ذكرت مجلة المجلات النيويوركية بحثاً في الخطوط الحديدية التي أنشئت وتنشأ في خلال هذه السنة في الولايات المتحدة وكندا فكان مجموع طولها ٣٥ ألف كيلومتر تقتضي من ثلاثة إلى أربعة مليارات فرنك ومن جملة تلك الخطوط خط طوله ١٦٠٠ كيلومتر يجتاز غابات يستخدم خشبها للبناء ولصنع ورق الكتابة ومن جملة ما يستفيد بهذا الخط صقع مضيق هودسون فإنه لم يكن يسلكه قبل عشر سنين إلا بعض تجار يعطون الدراهم

стр. 564

فيبتاعوا بها فراء. وبالسكة اليوم تفتح أبواب هذا المضيق للتجارة العامة. التربية العملية رأى أحد علماء الطليان أن بني قومه مقصرون في تربية أطفالهم ولاسيما الطبقة الوسطى منهم فارتأى أن يغرب الأطفال عن إيطاليا ويبعث بهم إلى إنكلترا أو ألمانيا أو أميركا ليتمكنوا من تغيير محيطهم وبيئتهم ويكون لهم من التنقل ما يساعدهم على تعلم الصناعات والتجارة بين تلك الشعوب الراقية. وكانت فرنسا منذ نحو أربعين سنة جرت مع أبنائها على هذه الطريقة لأجل تعليمهم اللغات الأجنبية فكانت تغر بهم لهذا الغرض إلا أنها عادت فضعفت عندها هذه الطريقة في التعليم وأصبحت عندها نظرية على حين أصبحت عند أميركا عملية. ويرى الأمريكان من متممات العلم والعمل أن يبعثوا بأولادهم إلى أشهر عواصم العالم ليطلعوا عليها ويصرفوا فيها زمناً لتطبيق العلم على العمل. شلالات نروج نروج من أكثر بلاد أوربا شلالات فقد قدروا قوتها بمليون وربع حصان بيع منها إلى شركات ونقابات أجنبية بما قوته نصف مليون وخمسون ألف حصان واقتضى للإنفاق على جر هذه القوة خمسمائة مليون كورون. المهندسون في ألمانيا وفرنسا أورد رئيس جمعية مهندسي الملكية في فرنسا إحصاءً مهماً بخصوص تأسيس مدرسة جديدة في باريس للصنائع والفنون فقال أن في فرنسا ١٦٠٠٠ مهندس تخرجوا في مدارس مختلفة و١٣٨٠٠٠ محل في حاجة إلى مهندسين وعلى العكس في ألمانيا فإنك تجد فيها ٧٦٠٠٠ مهندس ولا تجد فيها غير ٥٥٠٠٠ مركز لهم ولذلك رأى أن تعنى فرنسا بإحداث مدارس عملية ينتدب للتدريس فيها أساتذة تمكنت الصنائع العملية من نفوسهم. التصعيد في حملايا جبال حملايا سلسلة من الجبال في آسيا تفصل بين بلاد الهند وتبت وقممها أعلى قمم في العالم فيبلغ ارتفاعها في كاوريزانكار ٨٨٣٩ متراً وفي كنشنجا ٨٥٨١ متراً وطولها ٢٢٥٠ كيلومتراً. وقد نشر لونكستاف سياحة سماها نزهة ستة أشهر في حملايا قام بها في

стр. 565

العام الفارط فقال أنه توصل إلى صعود ٧٣٠٠ متر في صخور ناندا ديفي في غربي نبال فلفت بسياحته أنظار العالم إلى دعوى السائح غراهام الذي ادعى أنه بلغ في تصعيده سنة ١٨٨٣، ٦٨٦٣ متراً في جبل مونال و٧٣٠٠ متر في كابروا وقد قضى السائح لونكستاف ليلة بطولها مع دليله وارتفع ٧٠١٩ متراً عن سطح البحر أي ٢٣ ألف قدم بعد أن سقط نحو ألف متر في الثلج ونجا بقضاءٍ وقدر من الموت. ثم قاسى من ألوان العذاب لقلة الطعام والمنام ما جرأه من الغد على اقتحام المصاعب والتصعيد إلى ٧٣٠٠ متر وبالجملة فقد أثبت هذا السائح ما كان ادعاه غراهام وكان العلماء في شك من دعواه بأنه بلغ ٧٧٢٦ متراً في هذا الجبل الشاهق. السلك البحري أنشأت أعظم شركة للأسلاك البحرية في العام الماضي أكبر سلك بحري بين أوربا وأميركا أنفقت عليه ٧٠٠ ألف كيلو من النحاس و٣٥٠ ألف كيلو من الطبرخى الغوتابرشا و٧٠٠ ألف كيلو من أسلاك الحديد والنحاس والقنب والمواد الواقية واقتصدت الشركة ١٥ في المائة من السرعة بالنسبة لبقية الأسلاك الأخرى فتمت به الأسلاك البحرية التي تربط أميركا بأوربا إلى خمسة خطوط وهي اليوم تنشئ خطين آخرين أحدهما من جزيرة مانيلا إلى الصين والآخر من غوام إلى اليابان ويتمان هذه السنة. مدارس التجارة في أوربا دهش أحد الأمريكان ممن زاروا أوربا مؤخراً من كثرة ما شاهد من المدارس التجارية في سويسرا قال أن مدنها الحقيرة لا تخلو من مدارس تجارية فإن لمدينة نوشاتل وسكانها ثمانية عشر ألف نسمة مدرسة تجارية يتعلم فيها سبعمائة صبي بينهم خمسة وعشرون من أبناء الأمريكان. وفي مدينة فينا ١٩ مدرسة للتجارة ولألمانيا المقام الأول في هذه المدارس والمدارس التجارية قليلة في إنكلترا ولذلك ترى الأجانب منهالين عليها من كل صوب يتقلدون الأعمال الحسابية في الغالب. البيض والسود أفاضت إحدى المجلات الإنكليزية في أفضلية الجنس الأبيض على الجنس الأسود وقالت أن هذه الفكرة المغلطة هي نتيجة كراهية طالما أثرت تأثيراً سيئاً في تاريخ الإنسانية وأن

стр. 566

هذا التمييز لا يكون على أتمه إلا عند الشعوب القصيرة النظر فما يذهب إليه بعض الشعوب من تفضيل البيض على الزنوج والصفر والحمر هو من الأوهام التي لا تبرر إلا إذا كانت هذه الميزة من حيث العقل. وليس للأبيض أن يزعم أرجحيته على المتوحش وغير التمدن إلا إذا كان هو متمدناً بعقله واقتداره وبذلك تهيأت له القوة الاجتماعية وإذا حاد عن ذلك يرجع القهقرى ولا يمكن مما أراد إلا بالظلم وإبادة من فتح بلادهم وغلبهم على أمرهم. فليس في الواقع غير جنس واحد من البشر وهو الجنس البشري عامة ولا يكون اشتراك سياسي واجتماعي بين السود والبيض إلا إذا عدل هؤلاء عن اتخاذ قاعدة واهية في أعمالهم تشعر بأن قوى الأجناس أفعل من الوحدة البشرية. مكاتب الأطفال لا تزال الولايات المتحدة تكثر من تأسيس المكاتب ليختلف إليها الأطفال خاصة وقد جربوا في نيويورك بأن جعلوا في سقوف إحدى خزائن الكتب غرفاً للمطالعة فصرت عند ما تزور هذه السقوف بعد الظهر ترى فيها نحو ٤٠ أو ٥٠ طفلاً يطالعون الكتب والصحف في الهواء الطلق ولذلك ستكون سقوف المكاتب الثلاثة التي تنشأ الآن في نيويورك على أحسن وضع بحيث لا يضيع فراغ منها إلا فيما يفيد. سرعة التأثر والانفعال الايستزيومتريا آلة توضع على الرأس لمعرفة سرعة التأثر والانفعال وطرقه المختلفة اخترعها فبير أحد علماء ألمانيا في القرن الماضي وهي كالبركار في شكلها أنيطت بها دائرة ذات درجات وطرفاها رقيقان جداً فتجعل أطرافها على الجلد ريثما يشعر المصاب بألم ويختلف ابتعاد أطراف هذه الآلة بحسب الحالة العصبية وتكون الداء في عضو من الأعضاء. وبهذه الآلة يعرف مقدار التعب العقلي. وقد جرب الآن الأستاذ بينه من كلية السوربون في باريس بمعونة لجنة مؤلفة من عشرين عضواً فعل التأثر بواسطة هذه الآلة في عدة من مدارس باريس فتبين له أن التعب العقلي ناتج من طبيعة العمل ومدته والساعة التي يجري فيها فيبلغ تعب عقول التلاميذ في صفوف المساء أرقى درجاته وذلك لقلة الدم في الدماغ بعد الطعام وإن اشتغال التلميذ مساءً في منزله يحدث تعباً كثيراً كما يتعب في أثناء الامتحانات. وقد نشر الأستاذ غريسباش الألماني في هذه الآونة أيضاً بحثه في هذا

стр. 567

الموضوع المهم فكان من نتائج تجاربه في أولاد من أبناء الرابعة عشرة اختبر حالتهم بواسطة آلة الايستزيومتريا فكانت حركتها الوسطى على جبهة الولد ٣. ٥ مليمتر و٥ قبل ابتداء الدروس في الصباح و١٣ بعد قضاء أربع ساعات في الدرس ورجع مقياسها إلى ١٠ بعد الانصراف من المدرسة مساءً ويرتقي مقاسها إلى ٢٢ درجة بعد درس المساء في المنزل ومن رأي العالم الألماني أنه لا يقتضي مداومة اشتغال التلميذ بعد انصرافه من المدرسة فقد يحدث أن التلميذ عند منصرفه من المدرسة يعطى وظيفة (فرضاً) يعملها أو درساً يستظهره في بيته بعد أن تعب في النهار فيسقط من الإعياء فما هو إلا أن يغلبه النعاس وتتعرض صحته للخطر. وقد نصح هذا العالم أن يلغى الاستعداد للامتحان مرة واحدة وأن يستعاض عنه بأسئلة شهرية تجري بملاحظة مفتشي المدارس ونصح لآباء التلاميذ أن يعنوا بصحة أبنائهم العقلية وأن يطلبوا إلى المدارس أن تصحب شهادات الدروس والسلوك المألوف إرسالها إليهم من المدارس كل مدة بشهادات تؤذن بمقاس إجهادهم العقلي. الأديان والقضاء والقدر ذكر أحدهم في المجلة الكبرى الفرنسية حالة الأديان في العالم وقدرها بنحو خمسة آلاف دين وقال أن المرء يولد على دين آبائه وليس هو الذي يختار دينه وإن من ضعف عقول البشر ما يذهبون إليه من أن الدين يحل مسألة القضاء والقدر ولو كان لأحد الأديان أن يحل هذه المشكلة لأوضح غامضها على طريقة محسوسة جلية لا تختلف ولا تتناقض وتوافق العقل وقال أن كل ما يبت في أمور العالم إنما يبت بتأثير العلم لا الدين. طريقة ارتقاء الألمان ذكرت إحدى المجلات الألمانية أن الطريقة التي جرت عليها ألمانيا فكانت سبباً في نهوضها لم تكن كما يزعم بعضهم محصورة في ارتقاء التعليم فيها بل أنه أتى مما أتيح لها من النمو في صنائعها وتجارتها ذاك النمو الذي قضى بتغيير صورة المدارس لتصبح متناسبة مع ما تستلزمه دواعي هذه الأعمال وكثرت هذه التغييرات منذ نحو عشرين سنة وكانت إمارة ساكس في مقدمة المقاطعات الألمانية عملاً بهذا القلب والإبدال. مرض الحضارة

стр. 568

هو المدعو بالفرنسية يتخوف المبتلى به من النظر إلى الناس عند اجتيازه ساحة عامة أو شارعاً كبيراً أو جسراً طويلاً ويصاب به في الأكثر أرباب الأمراض العصبية والهستريا والماليخوليا فلا يجرأ المصاب على المرور من تلك الأماكن ولو لم يكن في ذلك خطر عليه. يخاف المصابون بهذا المرض أن يتنقلوا من رصيف إلى آخر ولا يزالون يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى حتى إذا كان هناك خطر حقيقي من الاجتياز يقدمون على المرور ويذهلون فيركضون فيوشكون أن يسقطوا فيما حاذروه من الخطر. ولهذا المرض حوادث تجري كل يوم في باريس وغيرها من العواصم الكبرى. ولذلك دعوناه مرض الحضارة وإن لم تنطبق التسمية على المعنى الأصلي لأنه يكثر حيث يستبحر العمران وتزدحم أقدام السكان. قال أحد كبار الأطباء أن هذا المرض عقام عضال. وأشار غيره على المصابين به أن لا يسكنوا الحواضر الكبرى في هذا القرن قرن الحركة الدائمة. وارتأت إحدى المجلات الطبية أن هذا المرض قديم وربما عرف قبل أن يعرف التاريخ وصاحبه يخاف من الحصان والعربة السائرة في وسط الطريق. وأحسن ذريعة يعمد إليها في معاملة المصاب به أن يؤخذ من الطريق بيده كما يؤخذ الأعمى إلى مكان لا خطر عليه فيه وأن يعود النظر إلى أبناء السبيل وهم سائرون وعن الأخطار بعيدون. التعليم التجاري نشر أحدهم في مجلة العالمين الفرنسية مقالاً جاء فيه أن الشبان المستعدين في فرنسا للاستخدام أو لإدارة بيوت تجارية هم على جانب من الكثرة ولا ينبغي أن يصرف الفرنسيين عنايتهم إلا إلى المحال التي يعدونها ليشغلها أبناؤهم فقد كانت تجارة فرنسا الخارجية سنة ١٨٩٠ ثمانية مليارات و١٩٠ مليون فرنك فبلغت سنة ١٩٠٥ تسعة مليارات و٤٣٦ مليوناً ولكن تجارة ألمانيا الخارجية ارتقت في خلال السنين من تسعة مليارات و٤٣٦ مليوناً إلى خمسة عشر ملياراً و٩٢٤ مليوناً وارتقت تجارة إنكلترا الخارجية من ١٧ ملياراً إلى ٢٢ ملياراً و٣٠٠ مليون وفي خلال هذه الخمس عشرة سنة تضاعفت صادرات الولايات المتحدة وزادت صادرات إيطاليا ٢٦ في المائة ولم تزد صادرات فرنسا سوى ٢٧ في المائة. بعد المدرسة

стр. 569

كتب كاتب في مجلة المجلات الأميركية يقول أن المدارس كثيرة لمن يريد إتقان فن بعد خروجه من المدرسة الأولى في أميركا وهي المدارس الليلية المنتشرة في جميع أصقاع الولايات المتحدة وفيها تجري المذاكرات العلمية ويستعاض عن الشروح الشفهية باستعمال الطرق العملية مثل مدرسة الكهربائية في توبكا (كانساس) ومدرسة الصيدلية في بوستون ومدرسة المعادن في لوس أنجلوس (كاليفورنيا) ومدرسة الرسم في بورتلاند (أوريغون) ومدرسة الاوتوموبيل في نيويورك ومدرسة الحسابات وغيرها من المدارس العملية ومما تمتاز به جميع هذه المدارس على غيرها أنك ترى فيها ابن المثري الكبير في جانب ابن العامل والأجير لا تمييز بينهما في حال من الأحوال. تهزيل الإنسان قال ابن سينا في القانون فصل في التهزيل أن تدبير الهزال هو ضد تدبير التسمين وهو تقليل الغذاء وتعقيبه الحمام والرياضة الشديدة إلى أن يقول وليكن طعامهم (من يراد تهزيلهم) وجبة وليحمل عليهم بالرياضيات العنيفة والاستفراغات ووصف لذلك أدوية وأفاض في الكلام فيه بحسب ما ارتآه في عصره. ومن رأي الدكتور كارل بورنستين الذي عرضه أمام الجمعية الطبية في ليبزيك هذا الشهر أنه على من أراد تهزيل نفسه أن يقلل ما يتناوله يومياً من الهدروكربون والأغذية الدسمة فتخف بذلك حرارة الجسم وأن يزيد في استعمال آح (زلال) البيض أو المادة التي تشبهه وأن يكثر من العمل الدماغي والإقلال من اللحوم ويغتذي باللبن والبقول التي تطبخ بلا دسم والفواكه المطبوخة وأن يختار في المشي الصعود وارتقاء العقاب وأن يستعمل التغميز والألعاب الرياضية وأن يستحم بماءٍ حار على معدل ٤٥ من الحرارة مدة نصف ساعة وأن يستعمل كميات قليلة من الكينا والأدوية الحديدية. قال صاحب هذا الرأي أنه لا يتوقع أن ينتج للحال نتيجة لهذه الطريقة بل أنه ثبت له بأن من يستعمل هذه الضروب من الأطعمة والرياضة ينتهي جسمه بالنحول والنحافة ولابد مع ذلك من الرجوع إلى رأي الطبيب فإن من أحب أن يداوي نفسه بدون أخذ رأي المتطببين يضر في الغالب نفسه أكثر مما ينفعها. أبناء المحاويج ذكرت إحدى المجلات العلمية بحثاً في الجمعيات التي تستوكف أكف المحسنين لتستعين بما

стр. 570

تجمع من الأموال للإنفاق على أبناء المحاويج المعوزين تخرج بهم للنزهة في الضواحي أياماً معلومة في الصيف لتبعث النشاط في صحتهم مما ينالها من الهواء الفاسد في المدن الكبرى. قال الكاتب أن إحدى الجمعيات في لندن بعثت إلى الضاحية سنة ١٩٠١ بـ ٣٤٢٥٩ طفلاً ليتنزهوا على نفقتها. وقد أحدثت الدنمرك منذ تسع وعشرين سنة مستعمرات لها في الخلاء خاصة بترويض الفقراء وهناك يفتح أصحاب الأملاك بيوتهم لقبول من ينزل عليهم من أبناء تلك الطبقة والسكك الحديدية تقلهم مجاناً. وقد قدم لهم إمبراطور النمسا أحد قصوره في الأرباض ينزلونها على الرحب والسعة. وبعثت جمعية واحدة من مثل هذه في برلين سنة ١٩٠٠ بـ طفلاً إلى الفلاة وزعتهم على ١٨٣ مصيفاً وأنفقت عليهم ١. ٢١٦. ٤٣٥ فرنكاً. وحذت هذا الحذو في تنزيه أبناء الفقراء كل من البلجيك وإيطاليا وروسيا والسويد ونروج وهولندا وإسبانيا وسرت هذه العادة الحسنة من ملبورن إلى كاما كورا فالولايات المتحدة. ولفرنسا المقام السادس بجمعياتها بين الحكومات التي ينفق أبناؤها على نزهة فقرائهم أما في هذه البلاد فلا قدرة للفقراء على الارتحال للنزهة والأغنياء عندنا إذا رحلوا فتكون في الغالب رحلتهم لارتكاب الموبقات التي لا تتيسر لهم على ما تشتهي أهواؤهم في مساقط رؤوسهم.

стр. 571

احتفال بعالم كلية عليكرة الإسلامية هي أعظم كلية في الهند للمسلمين ينبغ منها تلاميذ أفاضل كل سنة ومن جملة رجالها الأستاذ الفاضل الدكتور السيد ضياء الدين أحمد. ذهب بعد إنجاز الدراسة إلى إنكلترا وألمانيا وفرنسا وقضى سنين في كلية كمبردج الإنكليزية وغوتنغن الألمانية والسوربون الفرنسية ولما حفل وطابه بالعلم عاد إلى بلاده لينفعها بفضل علمه واختباره فمن بهذا القطر لدراسة أحواله والاطلاع على سياسة التعليم فيه وربط صلات التعارف بين المصريين والهنود ولما عزم على الرحيل قام بعض أصدقائه وفي طليعتهم سعادة الأستاذ الفاضل الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد الأغر فاحتفلوا بوداعه في نزل كونتننتال بحضور نحو ثمانين رجلاً أكثرهم من رجال العلم والأدب فألقى صاحب المؤيد خطبة عرفه بها إلى الحضور ثم قام المحتفل به وألقى خطبة بالإنكليزية قال فيها: في بلاد الهند أكثر من مائة مدرسة مثل كلية عليكرة لكن ما يجعل لكليتنا امتيازاً حقيقياً على غيرها أنها الشرقية الوحيدة التي يوجد فيها نظام خاص بإقامة الطلبة وسكناهم فيها إلى الطريقة الإنكليزية فيتولون شؤونهم بأنفسهم في السير والإدارة. ومن حسن حظنا في عليكرة أننا لا نعرف ولا نتبع الطريقة الفرنسية في ضبط الطلبة ونظامهم بواسطة ضباط فإنها طريقة عقيمة ولها مضار كثيرة ظاهرة في مصر. ومن أسرار نجاحنا أننا نتمسك كثيراً بالتربية الدينية والتربية الوطنية إذ يجبر الطلبة على تأدية الواجبات الدينية كلها وينشطون على الاهتمام والاشتغال بأحوال المسلمين في أنحاء العالم كافة. والكلية الآن تتبع خطة التعليم في الحكومة وتعد الطلبة لامتحان المدارس الجامعة الكبرى على أن الغاية من مبدأ الأمر أن تكون عليكرة مدرسة جامعة إسلامية مستقلة. وقد قال المرحوم السيد أحمد خان (مؤسس الكلية) منذ زمن طويل في خطبة ألقاها إن نجاتنا لا تكون إلا في الوقت الذي يصبح فيه أمر تعلمنا بيدنا ولا تسترقنا مدارس الحكومة الجامعة فنأخذ إذ ذاك العلوم بيميننا والفلسفة بشمالنا ونحمل تاج لا إله إلا الله محمد رسول الله فوق رؤوسنا. ثم قال أنه تم الاتفاق على تأسيس كلية عربية لا يقصد منها أن يتعلم الطلبة فيها اللغة العربية لتأدية امتحان مخصوص ولكن الغرض منها أن يتلقى الطلبة تاريخ الإسلام بتدقيق وإمعان للبحث في أسباب رقيه وانحطاطه. وإننا نؤمل أن تظهر هذه المدرسة الجواهر

стр. 572

المختبئة في آداب اللغة العربية وتنشر الكتب النادرة بتفاسير وإيضاحات. وفي عزمنا أن نخصص بعض الطلبة بهذه الكلية العربية ونجعل لهم مرتبات لكي يستريح بالهم من جهة المعاش وليتفرغوا للدرس والبحث. ونحن الآن أيضاً ننشئ إزاء تلك الكلية العربية كلية أخرى للعلوم الطبيعية. ولطالما سألنا بعض الناس - لماذا يضيق بنا الفكر وحب الذات فننشئ مدرسة جامعة إسلامية ولا يبعثنا سمو النفس ومكارم الأخلاق والتسامح في الدين على جعل جامعتنا عامة مشتركة - ونحن نقول: لا نقصد منع غير المسلمين من الوجود في جامعتنا الإسلامية. فإن أبوابها مفتوحة كما هي الحال الآن في عليكرة لغير المسلمين وكل محب للعلم بلا تمييز بين الجنس والدين. وفيها الآن طلبة من اليهود والمسيحيين والوثنيين ولن نسعى مطلقاً في إخراجهم منها ولا نسميها جامعة إسلامية إلا بالمعنى الذي تنسب إليه اكسفورد وكمبردج إلى كنيسة إنكلترا الرسمية. وبعد أن قال أن تعليم الدين إجباري في عليكرة وقابل بينها وبين المدارس الثانوية في مصر وحث القوم على إرسال زمرة من الطلبة لتلقي العلوم فيها إلى غير ذلك من الأغراض الشريفة قام حضرة الفاضل حافظ أفندي عوض أحد صاحبي المنبر الأغر وترجم خطبته إلى العربية ثم نهض سعادة صاحب المؤيد وألقى خطبة موخزة نافعة قال فيها: ويقيني أن مصر لو رزقت مدرسة جامعة ذات مبادئ قويمة مثل كلية عليكرة وتناسب في عظمتها حالة مصر الحاضرة لكانت مصدر حياة أقوى وأعم نفعاً لا للمصريين فقط ولكن لمسلمي العالم كله الذين هم في حاجة كبرى للترقي الصحيح المبني على دعائم العلم والفلسفة. وإنني أتمنى من صميم فؤادي أن يقصد هذه الكلية بعض الطلاب المصريين لأنهم يستفيدون مع العلوم التي يكتسبونها مزيجاً من آداب التربية الإسلامية العالية ومن الأخلاق الإنكليزية التي تطابقها في كل ما هو شريف وعال ما لا يستفيدون مثله من كليات أوربا مهما ارتقت مبادئها. ثم ختم مقاله بالتعريف بالعالم الهندي وقال أنه أعظم نابغ شرقي في العلوم الرياضية والفلكية التي تلقاها في كمبردج وكان من مزايا نبوغه أنه سبق جميع مناظريه من أرجاء إنكلترا كلها ممن تقدموا للامتحان لنيل جائزة اسحق نيوتن العالم الفلكي الشهير وهي مائتا

стр. 573

جنيه إلى أن قال: ولعلكم ترون مثلي أن السيد ضياء الدين أحمد هو رجل مخلص في مباحثه وآرائه قد وقف نفسه على العلم حتى كاد يفنى فيه وكل من يفنى في العلم يحيا به. وأنه لا يوجد مظهر حياة في الدنيا أقوى من مظهر الحياة العلمية للذين يتجلون بها للعالم. ثم ختمت الحفلة بتناول الحلواء والشاي وأبدى الحضور شكرهم للمحتفلين والمحتفل به فلما رأينا كل هذا وابتهاج الحضور بمقدم العالم الهندي بعد مقامه الطويل في بلاد الغرب ذكرت ما كان من انتشار العلم في بلاد الأندلس ولا سيما عندما ورد في الخطبة قول أحد حكام الهند أن كلية عليكرة ستكون قرطبة الشرق الحديث ذكرت هذا وانحطاط المسلمين الآن وأنهم تحت ظل حكوماتهم في الغالب أذلة وأن عقلاءهم وهم أندر من الكبريت الأحمر يذهبون في طلب العلم لنقله من مصادره إلى أهلهم ومواطنيهم كما فعل الأستاذ ضياء الدين وكما كان يفعل يهود أوربا فيأخذون العلم عن علماء المسلمين في الأندلس حتى إذا تشبعوا بآرائهم ومذاهبهم وقضوا زمناً في حلقاتهم واهتدوا بهديهم يغادرونهم لينشروا ما تلقوه في إيطاليا وفرنسا وغيرها من البلاد المجاورة فتأمل كيف دالت الدول وصار الغربيون يعطوننا ما كانوا يأخذونه عنا مع الزيادات التي زادوها عليه. ويا ليت شعري هل تكون عليكرة قرطبة الشرق حقيقة كما قالوا.

стр. 574

وفاة عالم فجع العلم هذا الشهر بفقد أحد أساطينه الحجة الثبت الشيخ أحمد أبو خطوة رجل العلم الراجح والفضل الجم. ولد طاب ثراه في بلدة كفر ربيع من أعمال المنوفية وكان والده من أوساط الناس وحفظة الكتاب العزيز فلما ترعرع تعلم ما أمكنه تعلمه في بلده وحفظ القرآن ثم أتى إلى القاهرة سنة ١٢٧٩ وعمره قرابة خمس عشرة سنة لتلقي العلم في أزهرها فأخذ الفقه الحنفي عن الشيخ عبد الرحمن البحراوي والشيخ عبد الله الدرستاوي وحضر لأول أمره في مذهب المالكية على الشيخ الشعبوني وأخذ المعقولات عن الشيخ محمد البسيوني البيباني والشيخ أحمد الرفاعي الفيومي والشيخ حسن الطويل ولازم الأخير ملازمة متصلة فقرأ عليه المنطق والتوحيد والهندسة والأخلاق والتصوف والحكمة العالية القديمة وغيرها من العلوم التي لم تعهد قراءتها في الأزهر. واستمر على الاتصال بالشيخ الطويل وهو من أعظم فلاسفة المسلمين في هذا القرن بمصر حتى مضى هذا لسبيله كما استمر ملازماً الشيخ الدرستاوي حتى أتم عليه دراسة مذهب بأجمعه. هؤلاء هم مشايخ الفقيد الذين تخرج بهم ومنهم الشيخ الشربيني أيضاً. وفي سنة ٩٢ جاز الامتحان لنيل شهادة العالمية من الأزهر فحاز الدرجة الأولى وعد من نوابغ الأزهريين المتمكنين من الفروع والأصول الجامعين إلى المنقول والمعقول. ولقد أسعده الحظ بملازمة الشيخ الطويل فجاء منه رجل لم يجمد جمود الفقهاء ولم يطش طيش السفسطائيين من المتفلسفين. وكان متضلعاً من علمي الفقه والأصول يمزجهما معاً في درسه. وأكد لي عليم بأحواله أنه كان كنزاً مخفياً في هذين العلمين لم يعهد له فيهما قرين في علماء زمانه. درس زمناً طويلاً في الأزهر فانتفع الطلاب بعلمه وسعة مداركه وكثرة تحقيقه وكان مفتياً لديوان الأوقاف زمناً ثم عين قاضياً في المحكمة الشرعية في هذه العاصمة. حدثني صديق له أنشأ معه وراقب سيره وسيرته أنه كان سريع الفهم سريع القراءة سريع الكتابة قوي العارضة متين الحجة بليغ القول حاد الذاكرة بيد أنه لم يكتب إلا نادراً لاشتغاله بمهام القضاء لما نضج علمه واشتد ساعده ولأنه كان بعيداً عن الظهور ولعل ذلك كان منه لحكمة اقتضتها التقية التي يضطر أكثر الموظفين في الحكومات الشرقية إلى اتخاذها شعارهم. ومن الأسف أن ٩٩ في المائة من النوابغ في الشرق ينصرفون جملة واحدة إلى

стр. 575

التوظف فلا يعود في وسعهم خدمة أمتهم وبلادهم الخدمة المتوقعة منهم وهم في إبان قوتهم وشرخ شبابهم ودور كهولتهم. والموظفون في معظم الأمم كالآلات بيد رؤسائهم لا يهمهم إلا رضاهم ويعدون ما وراء ذلك من الواجبات الاجتماعية. كان يعد المرحوم من أخلص أصدقاء فقيد الإسلام الشيخ محمد عبده ونصيره في آرائه الإصلاحية سراً لا جهراً. ولما لغط بعضهم في مسألة الفتوى التي أفتى بها مفتي الديار المصرية المشار إليه جواباً على سؤال ورد إليه من الترنسفال في جواز لبس المسلم القبعات وضرب البقر بالبلط والذبح بدون تسمية وجواز صلاة الشافعية خلف الحنفية كان الفقيد في مقدمة من أيدوا الشيخ المفتي في فتواه وألف رسالة (إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترنسفالية) التي جمع بها من نصوص كتب المذاهب الأربعة ما دحض به آراء المخالفين المشاغبين فكانت من الأدلة على بعد غوره في الاطلاع على المذاهب وقد عرض ما جمعه على غير واحد من علماء كل مذهب فأجازوها فعزيت إلى جماعة مبهمين. وقيل أنه كتب في بعض الصحف اليومية مقالات لم تعز إليه لغرض اقتضى ذلك. وعلى الجملة فقد كان الفقيد على شرط العلماء الأقدمين من الإلمام بأحوال زمانه فهو علمَ علم وحجة حكم وفهم ولو أتيح له أن يهتم بالعموميات لواد الانتفاع به. ومن أخلاقه أنه كان رزيناً وقوراً لين الجانب فكان إذا اجتمع بأكبر أعدائه يحسن لقاءه والتأدب معه ولم يجد له المنتقدون ما يتطرقون منه إلى انتقاده بما يشينه إلا ما كان من قبوله شفاعات أصدقائه مدفوعاً إلى قضاء حوائجهم بعامل المروءة العظيمة الناشئة عن شدة ثقته بهم واعتقاده الصدق في أقوالهم وما يقصدون إليه. فلا عجب بعد هذا إذا عد فقده خسارة كبرى على القضاء والعلم في هذه الديار. ﵀.

стр. 576

العدد ١١ - بتاريخ: ١٦ - ١٢ - ١٩٠٦

стр. 577

صدور المشارقة والمغاربة الجاحظ لم يأت على الشرق العربي أيام كانت رياض الأزمنة وعهد السعود حقيقة كأوائل الدولة العباسية ولاسيما زمن المأمون والرشيد - علم زاهر وحرية مطلقة وسعة عيش وسيادة تامة ونصر مؤزر وسلام شامل والقول الفصل لأرباب العقل في كل حال وشأن. ولذلك لا يستغرب أن ينشأ أيام تلك الدولة مثل الجاحظ رجل العلم الراسخ والنظر السديد والأدب الناضج والبلاغة التي لم يكتب لمتقدم ولا لمتأخر في هذه الأمة العربية أن داناها على نحو ما أجمع كبار أرباب هذه الصناعة. ولد الجاحظ وطير اليمن يغرد في الأصقاع الإسلامية وناهيك بالعراق في قرنه الثاني والثالث. فكانت هذه الأسباب على ما خص به من جودة الفطرة أكبر معين له للقبض على قيادة العلم النافع وتحكيم العقل السليم في المنقول ولقد تخرج بالنظام صاحب المذهب المعروف في علم الكلام ولكنه لم يجمد على علمه وحده وإن كان رأساً في علم الكلام وله مقالة معروفة بع في أصول الدين وفرقة تعزى إليه من فرق المعتزلة أعقل أرباب المذاهب في الإسلام دعيت الجاحظية. الجاحظ وعاءٌ من أوسع أوعية العلم في الأمة لم يحو إلا لبابه خالصاً من القشور كلها كان وقفاً على الخير المحض لكل متناول فكأنه وكأن مصنفاته الممتعة التي يتجلى فيها بعد نظره وغوره وإخلاصه وأخلاقه دائرة المعارف أو موسوعات العلوم بلغة غربية منتشرة لعهدنا حوت كثيراً من علوم البشر أو النافع الراجح منها وهي مسبلة على المطالعة في خزانة كتب إذا قلبت أي صفحة من صفحاتها تعود من تحديقك فيها وقد حفل وطابك بما طاب من ثمرات معارف الناس. فهو ولا مراء أحد أفراد في هذه الأمة ما أظنهم يتجاوزون عدد الأنامل. هو ممن إذا ذكروا في مصاف رجال الأمم رفعنا بما كتبوا رؤوسنا وابتهجت بذكراهم نفوسنا. ناهيك برجل قال في وصف كتبه الأستاذ أبو الفضل ابن العميد الوزير العالم المشهور وقد جرى ذكر الجاحظ في مجلسه فغض منه بعض الحاضرين وأزرى به فسكت الوزير عنه فلما خرج الرجل قال أبو القاسم السيرافي وكان حاضراً: سكت أيها الأستاذ عن هذا الرجل في قوله

стр. 578

مع عادتك في الرد على أمثاله فقال: لم أجد في مقابلته أبلغ من تركه على جهله ولو وافقته وبينت له لنظر في كتبه وصار بذلك إنساناً يا أبا القاسم فكتب الجاحظ تعلم العقل أولاً والأدب ثانياً ولم استصلحه لذلك. نعم إن كتب الجاحظ على ما قال ابن العميد تعلم العقل والأدب وإن حسده معاصروه فما هو أول ذي نعمة محسود. بيد أنه كان عارفاً بشغب المشاغبين وحسد الكارهين وإليك ما قاله فيهم في كتاب المحاسن والأضداد: إني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام وسائر فنون الحكمة وأنسبه إلى نفسي فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد المركب فيهم وهم يعرفون براعته ونصاحته وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفاً لملك معه القدرة على التقديم والتأخير والحط والرفع والترهيب والترغيب فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي ألف له فهو الذي قصدوه وأرادوه وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب نحريراً نقاباً ونقريساً بليغاً وحاذقاً فطناً وأعجزتهم الحيلة سرقوا معاني ذلك الكتاب وألفوا من أعراضه وحواشيه كتاباً وأهدوه إلى ملك آخر ومنوا إليه به وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوباً إلي وموسوماُ بي. وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه فأترجمه باسم غيري وأحيله على من تقدمني عصره مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة ويحيى بن خالد والعتابي ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته علي ويكتبونه بخطوطهم ويصيرونه إماماً يقتدون به ويتدارسونه بينهم ويتأدبون به ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رئاسة يأتم بهم قوم فيه لأنه لم يترجم باسمي ولم ينسب إلى تأليفي. هكذا كانت الحال بين الجاحظ ومعاصريه والمعاصرة حرمان في كل زمان. ولكن كان له من القبول عند الخلفاء والأمراء والأغنياء في دهره ما يقل وقوع مثله لغيره في عصر من الأعصار. فإن استبشع المتوكل منظره لما ذكر له لتأديب بعض ولده وصرفه بعد إكرامه - وكان الجاحظ مشوه الخلق قيل له الجاحظ لأن عينيه كانتا جاحظتين والجحوظ النتوء وكان

стр. 579

يقال له الحدقي لذلك - فقد اختاره المأمون معلماتً لنفسه وكفى بمنزلة المأمون بين خلفاء الإسلام فهو أعقل خليفة في الإسلام بلا مدافع وأعلم رجال بني العباس. وعمر مترجمنا عمراً طويلاً فنيف على ما قيل عنه على تسعين سنة وكانت وفاته سنة خمس وخمسين ومائتين بالبصرة بلده التي نشأ فيها. قال ابن خلكان وقد أصيب بالفالج في أواخر عمره فكان يطلي نصفه الأيمن بالصندل والكافور لشدة حرارته والنصف الأيسر لو قرض بالمقاريض لما أحس به من خدره وشدة برده وكان يقول في مرضه اصطلحت علي الأضداد إن أكلت بارداً أخذ برجلي وإن أكلت حاراً أخذ برأسي وكان يقول أنا من جانبي الأيسر مفلوج فلو قرض بالمقاريض ما علمت به ومن جانبي الأيمن منقرس فلو مر به الذباب لألمت وبي حصاة لا ينسرح لي البول معها وأشد ما علي ست وتسعون سنة وكان ينشد أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب وحكى بعض البرامكة قال كنت تقلدت السند فأقمت بها ما شاء الله تعالى ثم اتصل بي أني صرفت عنها وكنت كسبت ثلاثين ألف دينار فخشيت أن يفاجئني الصارف فيسمع بمكان المال فيطمع فيه فصغته عشرة آلاف إهليلجة في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل ولم يمكث الصارف أن أتى فركبت البحر وانحدرت إلى البصرة فخبرت أن الجاحظ بها وأنه عليل بالفالج فأحببت أن أراه قبل وفاته فصرت إليه فأفضيت إلى باب دار لطيف فقرعته فخرجت إلي خادم صفراء فقالت: من أنت؟ قلت: رجل غريب وأحب أن أسر بالنظر إلى الشيخ فبلغته الخادم ما قلت فسمعته يقول: قولي له: وما تصنع بشق مائل ولعاب سائل ولون حائل فقلت للجارية: لابد من الوصول إليه. فلما بلغته قال: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة وسمع بعلتي فقال: أحب أن أراه قبل موته فأقول قد رأيت الجاحظ ثم أذن لي فدخلت وسلمت عليه فرد رداً جميلاً وقال: من تكون أعزك الله. فانتسبت له فقال: رحم الله تعالى أسلافك وآبائك السمحاء الأجواد فلقد كانت أيامهم رياض الأزمنة ولقد انجبر بهم خلق كثير فسقياً لهم ورعياً. فدعوت له وقلت: أنا أسألك أن تنشدني شيئاً من شعرك فأنشدني. لئن قدمت قبلي رجال فطالما ... مشيت على رسلي فكنت المقدما

стр. 580

ولكن هذا الدهر تأتي صروفه ... فتبرم منقوضاً وتنقض مبرما ثم نهضت فلما قاربت الدهليز قال: يا فتى أرأيت مفلوجاً ينفعه الإهليلج قلت: لا. قال: فإن الإهليلج الذي معك ينفعني فابعث لي منه فقلت: نعم وخرجت متعجباً من وقوعه على خبري مع كتماني له وبعثت له مائة إهليلجة. قلنا ولو وقعت حكاية الإهليلج لرجل من المتأخرين لعدها للقائل كرامة وراح يدعي أن صاحبه يعلم الغيب ويكشف مخبآت القلوب ويتصرف في الكون وأهله إلى آخر ما يلغط به المهووسون في هذه القرون وقد بلغ من ضعف العلم والعقول أن لو أنكر منكر ذلك لرموه بكل كبيرة ولكن ذاك الأمير البرمكي عد بفطرته السليمة ما صدر عن الجاحظ قوة فراسة ونسبه إلى اتفاق صادف واقعاً. ولو أتيح لنا الاطلاع على ترجمة مفصلة للمترجم به لعرفنا الجاحظ ونشأته وما وقع له في عصره وما أثر عنه من المصنفات التي تعد بالعشرات أكثر مما عرفنا منه وما علينا للوقوف على ذلك إلا أن نعمد إلى النظر إلى تآليفه ففيها أعظم ترجمة حافلة له وكلام الرجل أصدق ما ينبئ عنه.

стр. 581

التعريب والترجمة لا أصعب من تقييد الإنسان بأقوال غيره وأفعاله خصوصاً إذا كانت تخالف ما لقنه وألفه. وهذا مما يصح إطلاقه في الترجمة والنقل كما يصح في غيره. وذلك جاء في المثل الطلياني المترجم خائن لأنه لا يخلو في الجملة من الحياد عن الأصل وترك معان ربما كانت المقصودة بالذات من كاتبها الأول. ولقد انقسمت طرق التراجمة في الإسلام إلى قسمين فارتأى فريق أن التعريب وهو نقل المعاني المرادة بقالب عربي بحسب ما يقضي به ذوق الكاتب ويساعد عليه اللسان ولهجته خيرٌ من الترجمة أي النقل بالحرف والتزام ما قاله الكاتب الأصلي ولو لم ينطبق كل الانطباق مع ذوق اللغة المنقول إليها. والطريقة الأولى ألطف وأعذب والثانية أصدق وأمتن. فالأولى طريقة يوحنا بن البطريق وابن الناعمة الحمصي وغيرهما والطريقة الثانية في التعريب طريقة حنين بن اسحق والجوهري وغيرهما وأقل ما في الأولى من الجهد أن بعض الألفاظ ليس لها ما يرادفها في لغة ثانية وأقل ما في الثانية من الراحة أنها لا تقيد الكاتب بالألفاظ. قال الصفدي وهذا الطريق أي الثاني أجود ولهذا لم تحتج كتب حنين بن اسحق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية لأنه لم يكن قيماً بها بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي فإن الذي عربه منها لم يحتج إلى إصلاح. ولقد رأيت معربات كثيرة ومترجمات نقل بعضها قديماً عن السريانية والرومية والفارسية والهندية والنبطية واللاتينية وحديثاً عن الإنكليزية والفرنسية والألمانية والتركية والروسية فاستنتجت منها أن بني لغتنا يستفيدون من التعريب بالمعنى والتحصيل أكثر من النقل بالحرف. وانتفع الناس بما لخصه الحكيم ابن رشد من كتب فلاسفة اليونان أكثر من انتفاعهم من الأصل وقد اعتمد الإفرنج نقله ولم يحاولوا تطبيق ما لخصه على الأصل حتى بعد أن ظفروا بالكتب المنقول عنها بحسب ما انتهى إليه عملنا. ولا يعفى معاني هذين الطريقتين في النقل من أن يكون ضليعاً من العلم الذي يكتب فيه آخذاً بقياد اللغة المنقول عنها وإليها. وكلما تباينت آداب أمة عن أخرى وانفسح ما بينهما مجال الاختلاف في العادات والاجتماع صعب نقل شيءٍ من لغة إلى لغة ثانية. والفرق بين لغة شرقية ولغة غربية أكثر من الفرق بين لغتين شرقيتين أو لغتين غربيتين لما في تحكك المتجاورين من المجانسة في الأفكار

стр. 582

والمناحي. وعندي أنه لا غنية للناقل من لغة أوربية عن التلخيص مهما حاول أن يطبق مفاصل اللغة العربية على لغته فإن للغربية اصطلاحات قلما توافق ذوق لغتنا ولهم معان لا يفهمها من عرف أولئك الأقوام وتاريخهم ومجتمعهم. وهذا غير ميسور لكل الناس. وبعد فقد ضعف القائمون بأمر الكتابة والتعريب ودامت الأمة العربية زهاء خمسة قرون وقد انقطعت منها الترجمة والنقل بانقطاع العلوم وضعف أهل العربية وارتقت اللغات الأخرى ونمت ألفاظها العلمية ومعانيها المدنية حتى أدت الحال بالكاتب العربي اليوم إذا أراد وصف منضدة عمله وردهة مجلسه وما يقع نظره عليه كل حين من أنواع الآنية والماعون وكليات الأمور وجزئياتها أن لا يجد في حافظته من الألفاظ ما يسد هذه الثلمة اللهم إلا كليات ألفاظ لا تتعدى الأغراض اليومية الشائعة من المؤاكلة والمعاشرة حتى بين أبعد الناس عن مذاهب الحضارة وما ذلك لقصر اللغة عن بلوغ هذه الغاية ففيها لو تصفحنا ما انتهى إلينا من كتب القوم مادة تكفينا ولو بعض الكفاية دون أن نلجأ في التعريب إلى اللفظ العامي أو المبتذل أو الأعجمي أما الألفاظ العلمية فالأحرى بنا أن ننحتها أو ننقلها على أصلها إذا لم تخالف الأوضاع العربية أو نجد لها ما ينطبق عليها من اللغة ولو ببعض تكلف كما فعل المترجمون في القديم. فسر ابن جلجل الأندلسي أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس العين زربى وكان ترجم ببغداد في أيام جعفر المتوكل ترجمه اصطفن بن بسيل من اليوناني إلى العربي وتصفح ذلك حنين بن اسحق فصحح الترجمة وأجازها فما علم اصطفن من تلك الأسماء اليونانية في وقته له اسماً في اللسان العربي فسره بالعربية وما لم يعلم له اسماً تركه على اسمه اليوناني اتكالاً منه على أن يبعث الله بعده من يعرف ذلك ويفسره باللسان العربي إذ التسمية لا تكون بالتواطؤ من أهل كل بلد على أعيان الأدوية بما رأوا أن يسموا ذلك إما باشتقاق وإما بغير ذلك من تواطئهم على التسمية وبقي الكتاب على الترجمة البغدادية بالأندلس إلى أيام الناصر عبد الرحمن بن محمد فكاتبه أرمانيوس ملك القسطنطينية وهاداه بهدايا منها كتاب ديسقوريدس مصور الحشائش بالتصوير الرومي العجيب وكان الكتاب مكتوباً بالإغريقي الذي هو اليوناني وبعث معه كتاب هروسيس (؟ هيرودتس) صاحب القصص وهو تاريخ للروم عجيب فيه أخبار الدهور وقصص الملوك الأول وفوائد

стр. 583

عظيمة. ثم بعث ملك الروم براهب اسمه نقولا فوصل إلى قرطبة سنة ٣٤٠ وكان بها جماعة من الأطباء يبحثون عن تصحيح أسماء عقاقير الكتاب وتعيين أشخاصه فأنشؤوا يبحثون عنها بحيث زال الشك فيها عن القلوب وأوجب المعرفة بها بالوقوف على أشخاصها وتصحيح النطق بأسمائها بلا تصحيف إلا القليل منها الذي لا بال به ولا خطر له وذلك يكون في مثل عشرة أدوية. هكذا عربوا الألفاظ الطبية بالأندلس وهكذا كان تعريب غيرها من المصطلحات اليونانية وغيرها في بغداد وهكذا يجري علماء الإنكليز في ضم ما يحدث من الألفاظ العلمية إلى لغتهم كلما ست الحاجة إلى ذلك ووكل الفرنسيين وضع الكلمات اللازمة إلى مجمعهم العلمي. ولو أن نفراً من أهل الأخصاء في اللغة العربية عنوا كل على حدته بإيجاد بعض ألفاظ لتناولتها أقلام الكتاب ولسرت على الألسن وانتشرت في الكتب والأوراق ويبقى منها الأنسب بطبيعة الزمن وينسى ما لا غناء فيه. فقد وضع بعض أرباب الجرائد والمجلات ألفاظاً لبعض المستحدثات العصرية فكادت تكون كالألفاظ المألوفة لنا ولو وفقنا إلى تكثير سوادها إذاً لسهلت الترجمة والتعريب على من تمحضوا لهما ووقفوا نفوسهم على إغناء لغتنا بكنوز عظيمة مباحة لمن يحسن تناولها وفيها قيام جامعتنا وكفاء نهضتنا.

стр. 584

صفحة تاريخية في سورية انقضى من الخليقة إلى الطوفان ٢٢٤٣ سنة حسب الترجمة السبعينية و١٦٥٦ سنة حسب النسخة العبرانية. وأقدم مؤرخ يلم بتاريخ الجنس البشري في هذه المدة الطويلة هو موسى الكليم. ولم يذكر موسى بمكانة البشر من الحضارة والعمران في تلك الحقبة التي كانت بين الخليقة والطوفان. فقد دون موسى الخمسة الفصول الأولى من سفر التكوين - أحد أسفاره الخمسة - وهي لا تبحث إلا عن الخليقة وعن آدم وحواء وعن قابيل وهابيل وعن الآباء العشرة وعن كثرة شرور الإنسان التي أدت إلى الطوفان. ولد الإنسان الأول - آدم - في ما بين النهرين أو في أرمينية على ما يرجح علماء هذا العصر وعاش ٩٣٠ سنة. وولد شيث لسنة ١٣٠ آدم حسب النسخة العبرانية وعاش ٩١٢. وولد انوش سنة ٢٣٥ وعاش ٩٦٥. وولد قينان سنة ٣٢٥ وعاش ٩١٠. وولد مهللئيل سنة ٣٩٥ وعاش ٨٩٥ سنة. وولد يارد سنة ٤٦٠ وعاش ٩٦٢ سنة. وولد اخنوخ سنة ٦٢٢ وعاش ٣٦٥ سنة. وولد متوشالج سنة ٦٨٧ وعاش ٩٦٩ سنة. وولد لامك سنة ٨٧٤ وعاش ٧٧٧ سنة. وولد نوح سنة ١٠٥٦ وعاش ٩٥٠ سنة. هؤلاء هم الآباء الأولون العشرة من الخليقة إلى الطوفان. ولم يذكر موسى عنهم سوى سني حياتهم وأن لامك كان أول من تزوج أكثر من امرأة وأن ابنه يابال كان أباً لساكني الخيام ورعاة المواشي وأن أخاه يوبال كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار وأن توبال قايين كان الضارب كل آلة من نحاس وحديد. قال ابن الأثير المتوفى سنة ١٢٣٣م أن مهللئيل كان أول من استخرج المعادن وشاد الأبنية في العالم. وقال غيره من مؤرخي العرب كابن خلدون المتوفى سنة ١٤٠٥م وكأبي الفدا المتوفى سنة ١٣٣١ أن الأب الثالث انوش كان أول من أوجد المحاكم وأوصى بالإحسان بين البشر. أما ما وجده المتأخرون محفوراً على القبور والصخور وجدران الأبنية من الخطوط المصرية المعروفة بالهيروغليفية والخطوط المسمارية فكان بعد الطوفان. لا مشاحة في أن سورية كانت مأهولة بولد آدم قبل الطوفان. والحجة على ذلك لا الظنون التي جعلها بعضهم حقائق ودونت في بطون الأوراق ولا الأوهام والتقاليد التي تناقلها الخلف عن السلف وجعلها بعض الباحثين ذات أهمية كبرى هي أن سورية متاخمة لما بين النهرين والفاصل بين البلادين سهول واسعة ومروج خصيبة وأن تلك المدة الطويلة التي

стр. 585

كانت بين الخليقة والطوفان تستدعي تفرق بني آدم في القطر السوري. ولد لنوح جد الأسرة البشرية بعد الطوفان سام وحام ويافث فأقام الأول أو نسله في آسيا. وأقام الثاني أو نسله في إفريقية. وأقام الثالث أو نسله في أوربا ولقد كثر نسل نوح بعد الطوفان فظهر الآراميون في دمشق والجيدور والجولان والبقاع وحمص ولبنان والبترون وجبيل وبيروت. ثم توطن سورية بعض قبائل الجبابرة وأقام العمونيون في البلاد التي لا تزال معروفة بهم والموآبيون في بلاد موآب والإسماعيليون في العربية الصخرية وما جاورها والأدوميون في بلاد أدوم والفينيقيون في صور وصيدا وجبيل. وتفرعت من هذه القبائل فروع كثيرة في قرون مختلفة. أما الحثيون فكانت بلادهم شمالي سورية. افتتح سزوستريس المصري فينيقية نحو سنة ١٥٠٠ ق. م وتغلب بنو إسرائيل على أرض كنعان نحو سنة ١٤٥٠ ق. م وقال بعض الباحثين لا بل سنة ١٥٤٠ ثم استحوذ على قسم من سورية تجلت فلا صر الأول سنة ١١٢٠ ق. م ثم افتتح الآشوريون فينيقية عام ٧٥٦ ق. م وتغلب بختنصر الثاني مبك بابل على كل سورية سنة ٦٠٠ ق. م ودخل الإسكندر الكبير إلى سورية سنة ٣٣٣ ق. م وحاصر صور في شباط فبراير وافتتحها في آب أغسطس سنة ٢٣٢ ق. م. ثم افتتح صيدا وجبيل وبيروت والسامرة والجليل وغزو وسواها وملك البلاد التي اكتسحها عشر سنوات ثم انقسمت مملكته بعد وفاته بين قواده كما سيجيء. ثم استولى السلوقيون على شمالي سورية سنة ٣١١ ق. م وكانت هذه البلاد قبل ذلك العهد بقرون تحت حكم الحثيين. هذه أشهر القبائل والدول التي استولت على سورية منذ عهد نوح إلى بدء حكم قياصرة الرومان فيها فإذا أطلعنا على تاريخ فينيقية ألفينا أنه كان لكل مدينة من مدنها ملك وأن الفينيقيين رجال البحار وقادة الأسفار وزعماء التجارة والصناعة وأهل العلوم في أيامهم لم يكن تعدد ملوكهم على بقعتهم الصغيرة إلا دليلاً على انقسامهم. وما يقال في أمة البحار ذلك العهد يقال في بني إسرائيل. فقد كان تاريخ هذه الأمة المختارة في مدة نحو ٩٩٤ سنة عبارة عن مشاغبات وانقسامات في عهد القضاة وفي عهد الملوك. وكانت الأخطار والصعاب محيطة بهم من شعوب سورية المعروفة في أيامهم. وهكذا قل في سائر الأمم السورية التي عاصرت الإسرائيليين في عهد قضاتهم وملوكهم.

стр. 586

فحروب تلك الشعوب القديمة وغزواتها المتواصلة وحروبها الساحقة كانت برهاناً قاطعاً على انفصام عرى الجامعة السورية إذ ذاك. وقد دام حكم ملوك الآشوريين في سورية نحو ١٥٠ سنة لم يتمتع السوريون في أثنائها براحة ولم يصف لهم كأس الهناء بل كانت تلك المدة الطويلة سلسلة متاعب وحلقات مصاعب ولدت الشقاء والذل والهوان. أما الاثنان والثلاثون ملكاً من اليونانيين فقد حكموا سورية نحو ٢٦٩ سنة وكان تاريخ سورية في أيامهم مملوءاً بأخبار الانقسام الذي حصل بعد وفاة الإسكندر وبالحروب المظلمة التي جرت في عهدهم وبالمطامع اليونانية التي ظهرت بكل مظهرها وقتئذٍ وكانت من أشد الويلات وأشأم النكبات على الأمة السورية. اختلف المؤرخون من العرب والفرنجة في تعيين السنة التي استولى فيها الرومان على سورية اختلافهم في غيرها من المسائل التاريخية ولاسيما العريقة في القدم. فقال بعضهم أن بدء حكم الرومان في سورية كان سنة ٦٤ ق. م وقال غيرهم أنه كان سنة ٦٥ ق. م ومهما يكن الاختلاف عند أرباب البحث والتنقيب من أهل العلم والسير فقد كان استيلاء الرومان على سورية في سنة ٦٤ ق. م أو في السنة التي بعدها. بلغت مدة حكم الرومان في سورية سبعمائة وسنتين. وكانت ستمائة وثماني وثلاثين سنة من أغسطس قيصر إلى هرقل. وكان بمبايوس افتتحها بنحو ٦٤ سنة قبل أن تولاها أغسطس قيصر. ولقد بدأ حكم الرومان في القطر السوري وبدأ معه النزاع والشقاق والخصام والاستبداد والأنانية. فقد كان الخصام سائداً بين أفراد عائلة هيرودس الملك المشهور بالأوصاف الشريرة. وذلك من أول عهد استيلاء الرومان على سورية إلى أوائل القرن الأول للميلاد. فقتل هيرودوس أرسطوبولس من أسرة المكابيين ثم قتل مريما زوجته وإسكندره أمها وابنة إسكندره وأرسطوبولس المقدم الذكر وحارب العرب وكانت البلاد متضعضعة في أيامه. ومن يطالع تاريخ عائلة الهيرودسيين ولا يرميها بالظلم والعار والشنار؟ ومن يعلم أن هيرودس الملك قتل جميع الصبيان في بيت لحم وكل تخومها من ابن سنتين فما دون ولا يقول أن هذا شقيق لنيرون الظالم الشهير في الشر والمجازر الهائلة التي لا يزال صداها يرن في مشارق الأرض ومغاربها.

стр. 587

ومن الحوادث التي جرت في القرن الأول للميلاد في سورية اختلاف أرشيلاوس خليفة هيرودس مع اليهود في اليهودية إحدى أقسام الأرض المقدسة وقتله منهم في يوم واحد ثلاثة آلاف رجل وحدوث انشقاقات كثيرة وتحزبات متنوعة بين الأهلين وهياج الشعب وقتل كثيرين من اليهود ونهب هيكل أورشليم وإحراق الرومان رواقه. ولم يقتصر النزاع في ذلك العهد على اليهود بل كان له نصيب كبير مع اليهود والمجاورين لهم من الأمم. وفي ١٦ أيار مايو سنة ٦٦ للميلاد أضرم فلورس الوالي الروماني نيران الحرب مع اليهود فأكثر من السلب والنهب في أورشليم وقتل يومئذ ثلاثة آلاف وستمائة نفس وصلب عدداً من وجوه اليهود. ثم تغلب اليهود في أورشليم على الرومانيين وفتكوا بكثير منهم وتمكنوا من إخراجهم من المدينة في ١٧ أيلول سبتمبر سنة ٦٦ للميلاد. ولما اتصلت بالسوريين أخبار قتل اليهود جنود الرومان يومئذ قاموا بإيعاز من ولاة الرومانيين على اختلاف طبقاتهم ونزعاتهم في كل مدينة ينكلون بالأمة اليهودية فقتلوا منها في بيسان ١٣ ألفاً وفي عسقلان ألفين وفي عكا ألفين وفي قيصرية ثمانية آلاف وأربعمائة نفس. ولقد جرى في كثير من مدن سورية وبلدنها نفس ما جرى في أورشليم فاشتد الخصام وكثر القتل والسلب وقل الأمان في ذلك الأوان. ثم انقسم اليهود أقساماً في عهد ولاية يوسيفوس اليهودي على الجليل وهو المؤرخ الشهير المولود سنة ٣٧ ق. م. وبداعي أحزاب اليهود الثلاثة وكثرة الاختلاف بينهم أحرقوا من مؤونتهم في أورشليم إذ كان الرومان يحاصرونها وفي عيد الفصح سنة ٧٠ للميلاد حاصر طيطوس الروماني أورشليم وبعد أن أذاق اليهود داخل المدينة - أورشليم - أنواع العذاب والجوع والاضطهاد ألواناً فتح الرومان المدينة في ١٠ آب أغسطس سنة ٧٠ للميلاد. ولقد أحرق الرومان أورشليم إذ ذاك ودمروا مدن اليهود وجعلوها خراباً إباباً وسبوا اليهود وأعملوا السيف في رقابهم. وكانت سورية في ذلك العهد قائمة من كثرة الانقسامات والفظائع التي جرت في ديارها التعسة. فقاسى السوريون في ذلك العهد ألوان العذاب من أجل النفوس الطاهرة التي ذهبت فريسة الأنانية والاستبداد والاعتساف والحيف والخصام والشقاق. وفي القرن الثاني حارب اليوس ادريانوس الحاكم الروماني في سورية يومئذ الشعب

стр. 588

اليهودي وابتنى على أنقاض هيكل أورشليم العظيم هيكلاً لعبادة الأوثان وكان ذلك سنة ١٢٨ للميلاد. وفي تموز (يوليو) سنة ١٣٢ أعاد اليهود إضرام نيران الثورة فكانت النتيجة أن لينيوس روفوس والي اليهودية أعمل الحسام في أعناق رجالهم ونسائهم وأولادهم. ولما كانت قوات لينيوس روفوس وقواده وجنوده قد زادت من اليهود عتواً وتهجماً وتهيجاً وافى اليهودية حاكم آخر من حكام الرمانيين وقتل من اليهود ٥٨٠ ألفاً وأحرق ودمر نحو ٩٠٠ قرية وأخرب كثيراً من الحصون وأسر كثيرين من اليهود وسباهم وأسرهم إلى رومية. وفي هذا القرن اضطهد الرومانيون المسيحيين في كل أنحاء سورية وحمل البريتنون على الرومان وتغلبوا عليهم في أول الأمر ثم عادوا على أعقابهم خاسرين. وعند خاتمة هذا القرن حدثت حرب شديدة بين اليهود والسامريين. وفي القرن الثالث حارب سابور ملك الفرس الرومان وتغلب على سورية سنة ٢٦٢ للميلاد ثم تغلب عليه التدمريون بهمة أذينة وأرجعوه إلى بلاده. وفي القرن الرابع اشتد الاضطهاد على المسيحيين في سورية وكثر الظلم والجور في تلك البلاد وذلك بفضل غلوس أخي قسطنطين ملك المشرق وفضل هذا الملك العاتي نفسه وكان ذلك سنة ٣٥١ للميلاد. وفي سنة ٣٦٣ للميلاد توالى الاضطهاد على النصارى في سورية وكثرت المظالم بين جميع أمم القطر حتى أن يوليانوس الروماني الحاكم يومئذ كان عازماً على التنكيل بجميع المسيحيين في مملكته لو لم تختطف المنون أنفاسه في ٢٧ حزيران يونيو سنة ٣٦٣ للميلاد إذ كان يحارب الفرس في بلادهم. وفي القرن الخامس حدثت حرب في سورية بين الملك الأسود أحد ملوك الحيرة وبني غسان أحد ملوك الشام الذين كانوا تحت أمرة القياصرة الرومانيين ونشبت حرب ثانية بين ابن ملوبة وملوك غسان. وفي القرن السادس حدث أن كسرى ملك الفرس حمل على سورية في أيام وستيانس الملك الروماني وحدثت ثورة السامريين وخرب كثير من مدن سورية بالزلازل الهائلة. وفي القرن السابع أضرم اليهود نيران الثورة أيضاً وذاق الرومانيون واليهود والسوريون بسببها متاعب كثيرة وحمل الفرس في هذا القرن لمحاربة اليونان. استولى العرب الفاتحون على سورية سنة ٦٣٤ ب. م وفي سنة ١٠٩٥ حمل الصليبيون على سورية فبلغوها سنة ١٠٩٨ ففتحوا أورشليم سنة ١٠٩٩ وعكا سنة ١١٠٤ وطرابلس

стр. 589

وجبيل وبيروت سنة ١١١٠ وصيدا سنة ١١١١ وعسقلان سنة ١١٥٤ وصور سنة ١١٢٥ ويافا سنة ١١٩٢ وحاصروا دمشق سنة ١١٤٨ فلم يتغلبوا عليها. وبعد سبع حملات للصليبيين على سورية وقعت في الثلاثة قرون الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر طردهم منها صلاح الدين الأيوبي في أواخر القرن الثاني عشر ثم طردهم ملوك الجراكسة في الربع الثالث من القرن الثالث عشر وغزا الخوارزمية سورية سنة ١٢٤١ للميلاد ونكلوا بسكان عدة مدن منها وأذاقوهم المتاعب أشكالاً والويلات ألواناً وحذا حذو الخوارزمية التتر فغزوا سورية سنة ١٢٦٠ وأعملوا السيف بالسوريين وعملوا ما عمله الخوارزمية قبلهم. وسنة ١٥١٧ استولى على القطر السوري السلطان سليم ولم تبرح سورية إلى يومنا هذا تحت حكم سلاطيننا العظام. اوماهانبراسكا (الولايات المتحدة) يوسف جرجس زخم

стр. 590

كلية المستنصر بالله جئت في أوائل هذا الرمضان إلى كلية المستنصر بالله القائمة في الضفة الشرقية من دجلة زائراً لها بعد مضي سبعة قرون على بنائها فألفيت بابها الشرقي الشمالي الكبير مسدوداً فدخلتها من باب مفتوح إليها حديثاً من الجانب الجنوبي المتصل بدجلة أفضى بي إلى ساحة وسيعة طولها سبعون متراً تقريباً في عرض أقل من نصف ذلك قليلاً قد سقف إدارة الجمرك التي امتلكتها مقدار ثلثيها بحصر مرفوعة على عمد من خشب وقاية لما تحطه فيها ابتغاء رسومه من رزم الأمتعة التجارية المجلوبة من أوروبا والهند ومشيت في خط أعوج بين تلول وكثبان من الرزم والحمول وضجيج الحمالين يكاد يصم أذني فقلت في قلبي هذا بدل من أصوات الأساتذة الذين كانوا يلقون الدروس العالية في هذه الكلية على مسامع ألوف من طلاب العلم. وطفت حول الساحة وأسراب الدجاج السارحة هناك تتطاير فارة من أمامي. وسرحت طرفي فيما يحيط بها من البناء الضخم ذي الطبقتين المشيد بالآجر وارتفاعه مع ما دفن منه إلى اليوم في الأرض خمسة عشر متراً تقريباً فوجدت كثيراً من الغرف مسدوداً أبوابها وغالب الأبنية واقعاً في طرفي الساحة طولاً فإن هناك عدداً من المنتديات والقاعات الفسيحة ذا طبقة واحدة يساوي ارتفاعها ذات الطبقتين كانت في قديم عمرانها مختصة بالدرس العام والبحث والمذاكرة فخرب بعضها اليوم وألم به البلى وفصل مدخل كثير منها عن الساحة الأصلية الكبرى إما بسد بابها القديم أو ببنائه وحول القسم الأكبر إلى إدارة الجمرك وبعضها من الطرف الغربي إلى إدارة النهر السنية وأنبار للفحم المختص بالوابورات السلطانية وبعضها إلى ملاهي قهوات وبعضها إلى مخازن للأمتعة وحوانيت. خرجت من الساحة ودخلت من الطرف الجنوبي إلى ناد منها عظيم طوله خمسون متراً في عرض سبعة عشر تقريباً هو بعض ما ذكرت أن مدخله فصل عن الساحة الأصلية فألفيته كذلك مستودعاً للرزم التجارية. وفي الجانب الغربي الجنوبي وما يقابله من الجانب الشرقي الشمالي نظير ذلك إلا أنه أقل طولاً وعرضاً أما الذي في الجانب الشرقي الشمالي فهو اليوم ملك لبعض أغنياء اليهود وقد كتب له قضاة المسلمين حججاً شرعية بذلك وسلمته إدارة الطابو أوراقاً رسمية بملكيته فحول إلى مغازات جسيمة. أما القسم الفوقي من المدرسة فكثير من غرفه متداع بادي الشقوق مائل الجوانب خاضع

стр. 591

لحكم الدهر المبدل لعزها القديم بالهوان فتألم قلبي لمشاهدة ذلك وفاضت دموعي أسفاً عليه. وسألت أحد الحمالين أن يدلني على السلم الذي يفضي إليه فأجاب أن السلالم منهدمة فلا طريق إلى الصعود إلا ما كان في أعلى الجانب الغربي الجنوبي فإنه تحفظ فيه الحمول الخفيفة المجلوبة من الخارج. فانصرفت وقلبي يكاد ينفطر مثل جدرانه حزناً على ما شاهدته من خراب هذه المدرسة التي كانت في سالف عهدها ملجأً كريماً للعلم وكعبة يطوف بها طالبو الحكمة ودار الفخر للأمة العربية. وطفت بها من الخارج وقست بخطواتي طولها فوجدته ١٢٠متراً في عرض ستين تقريباً هذا إذا لم نحسب الحمام الجسيم الذي هو في الجنوب الشرقي منها وقد ألحق بالجمرك حديثاً وكذلك الجامع الذي هو في الشمال الغربي منها قد فصلته اليوم عنها سوق تقضي إلى الجسر فإذا أضفنا ذلك والمظنون أنهما كانا في القديم ملحقين بها زادت جسامة هذا البناء الفخيم. أما النظامية فلا يرى لها اليوم أثر في بغداد والذي يشاهد من قاعدة المنارة غير مختص بها فيما اعتقد إذ لا يناسب ثخنه ما نسمعه عن فخامة ذلك البناء بل هو فيما أظن بقية جامع صغير قد بني على أنقاض تلك واندرس. ثم عدت إلى داري فنظمت قصيدتي هذه: وقفت على المستنصرية باكياً ... ربوعاً بها للعلم أمست خواليا وقفت بها أبكي قديم حياتها ... وأبكي بها الحسنى وأبكي المعاليا وقفت بها أبكي بشعري بناتها ... وأنعي سجاياهم وأنعي المساعيا بكيت بها عهداً مضى في عراصها ... كريماً فليت العهد لم يك ماضيا بكيت بها المدفون في حجراتها ... من العلم حتى بل دمعي ردائيا أكفكف بالأيدي بوادر أدمعي ... ويأبين إلا أن يفضن جواريا وطأطأت رأسي في ذراها تواضعاً ... وحييت بالتسليم منها المغانيا وسرحت أنظاري بها فوجدتها ... بناء لتشييد المعارف عاليا بناءً فخيماً عز للعلم مثله ... فقلت كذا فليبن من كان بانيا وألفيت قسماً قد تداعى جداره ... وقسماً على ما كان من قبل باقيا تهب رياح الصيف في حجراتها ... فتلبسها ثوباً من النقع هاييا

стр. 592

وتسعى على الجدران منها عناكب ... تجد لها فيما تداعى مبانيا فألممت فيها بالروم دوارساً ... وسئلت منهن الطلول بواليا وقلت لدار البحث عظمت محفلاً ... وقلت لنادي الدرس حييت ناديا أكلية العلم الذي كان روضه ... نظيراً كما شاء التقدم ناميا بأية ريحٍ فيك هبت زعازع ... تصوح ذاك الروض فاجتث زاويا بقد كنت فيما قد مضى دار حكمةٍ ... بها الناس يعلم الحقائق ماهيا فكنت بأفق الشرق شمساً مضيئةً ... تشعين نوراً للمعارف زاهيا وكانت بلاد الغرب إذ ذاك في عمى ... تقاسي من الجهل الكثيف الدياجيا فأين رجالٌ فيك كانوا مشائخاً ... إليهم يحث الطالبون النواجيا وكانوا بحاراً للعلوم عميقةً ... وكانوا جبالاً للحلوم رواسيا وكانوا مصابيح الهدى ونجومها ... بهم يهتدي من كان في الليل ساريا يميتون في نشر العلوم نهارهم ... ويحيون في حل العويص اللياليا نواحيك من طلابها اليوم اقفرت ... وكانوا الوفا يملئون النواحيا فقالت وقاك الله لا تسألنني ... فمالك نفع في السؤال ولا ليا فقلت أجيبيني كما كنت سابقاً ... تجيبين من قد جاء للعلم راجيا فقالت ألمت حادثاتٌ عظيمةٌ ... وجرت على هذي البلاد واهيا هناك استبد الدهر بالناس مبدلا ... فرفع مخفوضاً وسفل عاليا هناك اضمحلت دولةٌ عربيةٌ ... بها كانت الأيام ترفع شانيا وعوض عنها دولةٌ ثم دولةٌ ... تسر بكون الجهل في الناس فاشيا وذاك لأن العلم للمرء مرشدٌ ... يعلمه عن حقه أن يحاميا عرت نكبات الدهر بغداد بعدما ... بها ردحا ألقى السلام المراسيا فاذهب ما للعلم من رونق الصبا ... تتابع أحداث يشبن النواصيا وأدنى الذي قد نابها من نوائب ... خرابي ولولاها لما كان دانيا فكابدت منهن الصروف نوازلاً ... وقاسيت منهن الخطوب عواديا وأبدي على عزي القديم إهانتي ... رجال لشخص العلم كانوا أعاديا

стр. 593

وأهملت حتى انهد مني كما ترى ... مبان لنشر العلم عزت مبانيا وصرت على حكم الذين تحرزوا ... من العلم يا هذا إلى ما ترانيا فقد ذوي الغصن الذي كان ناضراً ... وقد عطل الجيد الذي كان حاليا أضاءت قرون بي هي اليوم قد خلت ... فسل إن تشأ عني القرون الخواليا وكنت أرجي أن تعود عمارتي ... إذا بعث الرحمن للعلم راعيا فأملت عمراً ذلك العود باطلاً ... وعشت له دهراً أمني الأمانيا أرجي بها أني ألاقي شبيبتي ... فأيقنت هذا اليوم أن لا تلاقيا لقد نقض الأيام بالعجم مرتي ... ومر الليالي يتبعن اللياليا ورنق عدوان الزمان معيشتي ... فمن لي بأن ألقى الزمان مصافيا ومزقني الباغون كل ممزق ... ولا أحدٌ عن فعل ذلك ناهيا فقد صيروا للفحم بعضي مخزناً ... وبعضي حوانيتاً وبعضي ملاهيا وحطت بساحاتي ابتغاء رسومها ... بضائع للتجار تشقي الأهاليا ولاقيت منهم كل خسف وجفوة ... فماذا عسى من بعد ذا أن ألاقيا أغل فلا أسقى من الماء شربة ... ودجلة تجري بالنمير أماميا فيا ليتني كنت اسمحوت باجمعي ... ولا كان في حالي كذا الذل باديا كما أنه أختي النظامية اسمحت ... ولم يبق من آثارها الدهر باقيا وكل جديد سوف يرجع للبلى ... إذا لم يكن منه له الله واقيا بغداد

стр. 594

العالمون والعاملون اطلعت في المقتبس على ترجمتكم للأستاذ جول سيمون الفرنسي من فلاسفة هذا القرن فأعجبني تشبيهكم إياه ببعض رجال السياسة في الإسلام ممن أجمعوا بين العلم والعمل أو ممن ترقوا إلى الوزارة من طريق القلم. وقد ذكرتم من هذه الطبقة طائفة صالحة مثل ابن سينا والصاحب بن عباد والقاضي الفاضل ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم ولو استقصيتم لذكرتم في هذه الجملة ابن الأثير وابن العميد بالمشرق وابن خلدون وأبا بكر بن عمار وابن زمرك في المغرب وكثيراً من الرؤساء وإذا وصل الدور إلى زماننا هذا فجودت باشا وأحمد وفيق باشا بل كوجك سعيد باشا الذي تولى رئاسة الوزراء مراراً وهو من مخرجي صناعة القلم بل من مخرجي كتابة الجرائد السيارة. وشاء مترجم إفراد هذه الطبقة بالترجمة لملأت تراجمها المجلدات الكبار من القديم والحديث وهي طبقة تمتاز على غيرها بكونها جمعت بين الإدارة والعلم وقرنت بين الحكم والحكم وإن سياستها في الأغلب مبنية على قواعد العلم مستنيرة بضياء الحكمة ومن سعادة العمران أن يكون الحاكم حكيماً. ولا أريد بذلك تعطيل فضيلة من لم يعرجوا إلى المناصب العالية من طرق الأقلام فإن لهم فضائلهم وإن إدارة الرجال مواهب والعلم علمان غريزي ومكتسب وقد يغني المكتسب عن الغريزي في هذه الأمور لأن الإدارة ترجع إلى العمل والتجربة أكثر مما ترجع إلى العلم والحفظ كما أنه ليس كل من درس وتعلم وركض طرف القلم صالحاً لأن يتولى سياسة الملك وإدارة الجمهور ويخوض غمرات المشاكل لما ذكرنا من كون الإدارة موهبة فطرية تزداد بالتجربة وتزكو بالعمل وإن كل امرئ ميسرٌ لما خلق له. على أنه لو تبارى العالم العامل المجرب والعامل المجرب بدون علم في مضمار إدارة لكان أولهما هو السابق وكان مذهبه هو الأسلم لأنه يضم إلى نور عقله نتائج قرائح الناس ويبني في عمله على أساس ويضيف إلى منطقه المخلوق معه المنطق المدون الذي حفظه عن الكتب فيجمع بين موهبتي النفس والدرس وينظم بين حاشيتي المطبوع والمسموع فيكون طريقه آمن من الخطر وأقرب إلى الهدى ويبقى مكانه في صدور الناس أهيب من مكان المجرب بدون علم ولا أستاذ. وشأن هذين الصنفين أحدهما مع الآخر شأن الطبيب القانوني حائز الشهادة مع المجرب الذي اختبر بعض المسائل بنفسه فربما كان المجرب أنفع علاجاً من القانوني ولكن لا يحمل ذلك على ثقة ولا يبعث على طمأنينة وتكون مهارته محصورة في الأمور

стр. 595

التي جربها بنفسه فقط ويبقى المتطبب على حذر من طبه وقد يلام من يسلم نفسه إليه ولو أصاب ولا يلم من سلم نفسه إلى القانوني ولو أخطأ وهذا كله من مقتضى مقام العلم. كذلك خروج رجال السياسة من رواق طلبة الحكمة وصف حملة الأقلام في الأعم الأغلب أقرب إلى لسلامة من خروجهم من طبقة أخرى انحصر فضلها في التجارب الشخصية ولزم أن يخرج صاحبها خارق العادة في الذكاء وبيضة عصره إدراكاً ومضاءً حتى يكون له من عقله مغن عن الدرس فإن طبقة أهل النظر والعمل معاً هي التي جمعت نوراً على نور وضمت بين وحي الصدور ووحي السطور. وإن ملكة الصين التي فرطت إلى حوض المدنية منذ الآلاف من السنين قد جعلت نظامها من القديم الترقي إلى الإدارة بمعراج الدرس وإن أهم أوضاع مملكتهم هو الامتحان وهو عندهم درجات كلما اجتاز منه الدارس عقبة اعترضته أخرى حتى يجتازها كلها ويكون نيله من مناصب الدولة على قر مضائه في الامتحان ومن كان عندهم أعلى حكمة كان أعلى حكم وإنما سلكت حكومات أوروبا في تعليم رجال الإدارة عل أثرهم وإن كانت طريقة هذا التعليم في أوروبا قد تهذبت وترقت وصارت أقرب إلى الفائدة. فإن الأوروبيين قد جعلوا العلوم فروعاً وأفناناً ورشحوا لكل فن منها طلاباً ليكونوا أقوم عليها من غيرهم وأرسخ فيها من سواهم ومع هذا فلا تزال ترى لرجال القلم المزية الكبرى على غيرهم لأن العلم بلا قلم أشبه بطائر أخص الجناح صاحبه عاجز عن الرقي وإن القلم في كف العالم هو أداة التقدم وجناح النجاح ولهذا تجد أكثر رجال السياسة والإدارة في أوربا ولاسيما في فرنسا هم من حملة الأقلام وكتاب الصحف ورقاة المنابر ويندران يوجد فيهم نابغة أو رجل مشهور إلا وقد سبق له كتابة أو مؤازرة في إحدى الجرائد وذلك أن ثمرات العلم لا تعرف إلا على أسلات الأقلام فمن ظهرت له بينهم آثار فائقة انتخبوه للندوة ثم إن امتاز فيها بين الأقران رفعوه إلى الوزارة سمعاً في إفادة البلاد من معارفه إذ كان العلم على الغالب بالعمل والنظر طريقاً إلى الأثر. أول سيمون مترجمكم في الشهر الماضي فقد عرفته في باريس سنة ١٨٩٢ وكان ساكناً في ساحة المادلين وقد ذرف على الثمانين وهو يكتب ويحبر ويؤازر في جملة جرائد وكلماته تشترى بالذهب وكم حبر أغلى من تبر والى الآن لا أنسى لذة فصوله القصار في جريدة

стр. 596

الطان فإن كتابته آية في الطلاوة والرقة ومثال في سلامة الذوق وسداد الحكم ولقد كانت الحكمة تتفجر من خلال كلماته وقد يعيد القارئ مطالعة كتاباته المرة على المرة ولا يملها من العذوبة والأدب والعلم والعقل وسبحان من خص من شاء بما شاء. وقد جرت بيني وبينه مباحثات ومراسلات هي عندي من أنفس ذخائر حياتي وكنت أناقشه على بعض أقوال له تتعلق بشريعتنا فإذا أوضحت له الوجه فيها أذعن إلى الحق ولم يكبر ذلك عليه شأن كل عالم كبير لأن العلم إذا خالط النفس صار هو ضالتها وطرد من جواره كل دعوى وصفت تلك النفس لقبول الحقائق وجدير بالبلاد التي يسوس أمورها علماؤها العاملون أن ترقى أعراف الفلاح لأن من أعظم أسباب السعادة أن يكون الفيلسوف والياً أو الوالي فيلسوفاً. بيروت شكيب أرسلان

стр. 597

الْخَلَنْجُ وَالْخُلَيْنِجُ (١ تمهيد) طالع بعض القراء الأماثل من البغاددة ما جاء في المقتبس عن فوائد ورق النبات الذي ذكر هناك (ص٤٢١) باسم الاريقي. وسألوني هل له اسم في العربية وما هو وهل ذكره شعراء العرب في شعرهم وما هذا النبات وطلبوا مني أن أعرفه تعريفاً مولاً كافياً شافياً على ما جاء به العرب سابقاً والإفرنج في عهدنا هذا فلبيت طلبهم بكتابة السطور التالية (٢ تعريف الخلنج على ما نطق به العرب) اسم الاريقي بالعربية هو الخلنج. أما الاريقي فكلمة يونانية قال ابن البيطار في تعريفه: قال أبو عبيد البكري: هذا الاسم يقع عندنا بالأندلس على الشجرة التي يصنع من أصلها فحم الحدادين ويسمى باليونانية اريقي (وبالأصل المطبوع ارتقي وهو من غلط الطبع) لها أغصان طوال مقدار قامة الإنسان ذات هدب أصفر من هدب الطرفاء بين اللدونة والخشونة وزهره صغير إلى الحمرة وفيها غبرة وهي لطيفة في شكل المحجمة في جوفها شعيرات من لوانها في رأس كل شعيرة حبة هينة لطيفة ألطف من حب الخردل فرفيرية اللون قد فرعها واحدة حتى خرجت في وسطها من كمام الزهرة (قلت أنا: وهذا النوع يسمى بالفرنسية أو ومنه صنف آخر أبيض النور إلا أنه ألطف من نور الأول مقداراً والشكل واحد. (زدت أنا: وهذا الذي يصح أن نطلق عليه اسم الخلينج مصغر خلنج تمييزاً له عن الخلنج الأول ويقابله باليونانية لفظة موريقي وهو الذي يطلق عليه بالفرنسية اسم بدون تقييد وبلسان النبات أو وقال في تعريفه داود الحكيم في تذكرته: خلنج شجرة بين صفرة وحمرة يكون بأطراف الهند والصين ورقة كالطرفاء وزهره أحمر وأصفر وأبيض وحبه كالخردل. وقال المجد الفيوز أبادي: الخلنج كسمد: شجر معرب. وزاد في التاج: شجر فارسي معرب (خلنك) يتخذ من خشبه الأواني. وأما صاحب دائرة المعارف فإنه من بعد أن أورد كلام داود الحكيم من تحديد ووصف قال: وقد ذكروا (أي العرب) أنه يصنع من خشبه قصاع قال الشاعر: يطعم الشهد في الجفان ويسقي ... لبن البخت في قصاع الخلنج وهذا يدل على أنه شجر كبير. وقولهم يكون بأطراف الهند والصين يدل على أنه غير

стр. 598

الذي اصطلح على تسميته مؤخراً بهذا الاسم لأنه معروف في غربي آسيا وفي أوربا كثيراً أنه شجيرات أو نجوم. قلنا أن ابن منظور عند ذكره البيت الآنف إيراده قال:. . . وقيل هو كل جفنة وصحفة وآنية صنعت من خشب ذي طرائق وأساريع موشاة. قلنا: وحينئذ يسقط اعتراض الدائرة على أن كلامها صادق إذا كان من الخلينج لا عن الخلنج لأنني رأيت في بلاد الهند ما يمكن أن يخرط من سوقه أنواع الآنية بدون أدنى مانع. لأن هذا النبات يكون أنجماً وشجيرات تكاد تكون أشجاراً ويبلغ جنسها ٤٠٠ نوع وموطن أغلبها إفريقية وليس منها في أوربا إلا عشرون وفي آسيا الغربية ثلاثة أو أربعة وفي الهند والصين وفارس نوعان فقط منهما الخلنج الكبير. (٣ تعريف الخلنج على ما ذكره العلماء المحدثون وأنواعه) هو جن أصلي لفصيلة الخلنجية أي أنها النبتة ثنائية الفلقة وحيدة أهداب التويج ذكورها سفلية الاندغام وأغلب نباتاتها شجيرات ونجوم جميلة المنظر وأهدابها (وهي أوراقها) متعاقبة في الأغلب ويندر كونها متقابلة أو احاطية وهي بسيطة خالية من الأذينات ونورها مختلف وأجاسها أربعة أشهرها الجنس الأساسي ثم الاندروميدة ثم الاربوتس فالرودندرون. الخ. وأما أثمارها فتكون في خل كثير البزر. وأغلب منابت الخلنج الأرضون الرملية ومن خاصيته النبتية أنه يزيد تراب الأرض التي يجيء فيها ويعلي خصبها ويجعل ذلك التراب من أحسن الأتربة لخفته وقوته ولذلك يعرف بالتراب الخلنجي. أما اختلاف أنواعه فيأتي في العموم من هيئته الخارجية ونظام أنواره وألوانه التي لا تقف عند حد. إلا أن جميع هذه الأنواع تعرف بدوام خضرة أهدابها وطول بقاء أزهارها وخلانج إفريقية هي أجمل وأبهى وأزهى هذه الأنواع وأشدها رغبة للناس وتطلباً لها منهم إلا أنها ألطف قواماً وبقاء وهي تتكاثر بالبزر أو العكيس. (حاشية. العكيس بلسان النباتيين: القضيب من الحبلة يعكس تحت الأرض إلى موضع آخر وقد يطلق على كل قضيب يعكس ولو لم يكن من قضبان الحبلة. قلت وهو المعروف في بعض البلاد بالدرخة عند العوام وبالفرنسية أو التعزيز (حاشية: التعزيز عند علماء النبات

стр. 599

ما يحول من فسيل النخل وغيره قال القتيبي: وسمي بذلك لأنه يحول من موضع إلى موضع فيغرز قلت وهو المعروف في بعض البلاد بالقلم عند العوام. وعند الفرنسيين بكلمة أما أشهر الأنواع المعروفة في هذه البلاد الشرقية فهو الخلنج الأرمد ويعرف بلسان علماء النبات باسم وينبت بكثرة في الحراج ولوفرة أزهاره فهو ينشر بين خضرة تلك الدكادك والألوية أعلاماً وردية ضاربة إلى البنفسجية وهو الذي قال عنه ابن البيطار أن النحل تعمل من زهراتها عسلاً ليس بمحمود. - والخلنج الصادق وهو رأس النوع المسمى بالكلونة ومشهور بتويجه المشقوق. - وخلنج المكانس وهو الذي تتخذ من أغصانه الناعمة المكانس والمنافض الخشنة (المنافض جمع منفض أو منفضة وهي المسماة بالفرشاة أو الفرشة عند البعض والمكانس الاسلامبولية والشامية تسوى من هذا النوع. وفي عدة بلاد تتخذ تلك الأغصان مع الجذور خشباً للوقود وفحمه من أحسن الفحم. ومن أنواعه الأجنبية الخلنج ذو الأزهار الكبيرة وهو يكثر في البلاد الرأس من إفريقية ويبلغ علوه متراً ونصف متر ونوره أحمر برتقالي أو أحمر سقلاطوني. ومن تلك الأنواع الخلنج القاروري وتكون أزهاره على هيئة قوارير ولونها على بياض مؤطرة بحمرة. (٤خواصه الطبية) قال داود الحكيم: هو حار يابس في الثانية قد جرب دهنه لإزالة الإعياء والضربان والنقرس عن برد. ونشارته إذا غسل بها البدن فعلت ذلك ومثقال من بزره بالعسل يحفظ القلب من السم والأكل في أوانيه ينفع الخفقان. وقال ابن البيطار: إذا تضمد بزهرتها أو ورقها أبرأت نهش الهوام. وقال جالينوس في ٦وقوة هذا النبات قابضة محللة لا لذع معها وأكثر ما يستعمل منه ورده وورقه فقط. وقال الشريف: زهره له قوة حارة يابسة في الثانية وإذا جمع زهره ووضع في الدهن وشمس ثلاثة أسابيع ودهن به نفع من الإعياء ومن أوجاع المفاصل ومن النقرس البارد السبب. وفي دائرة المعارف: اشتهر بتفتيت الحصا وشفاء القولنجات واستعمل منقوع أزهاره في شفاء القوباء وقيل إذا تكمد بالأزهار نفعت من النقرس. وقد تستعمل في الحمامات البخارية كذلك وقيل أيضاً أنها تنفع من حمى الربع. (٥وروده في أشعار العرب) جاء في الأغاني ١٧: ١٦٧ قال الزبير: حدثني عمي مصعب أن عبيد الله بن قيس كان عند عبد الملك فأقبل غلمان له معهم عساس خلنج فيها لبن البخت

стр. 600

فقال عبد الملك: يا ابن قيس أين هذا من عساس مصعب التي تقول فيها: ملكُ يطعم الطعام ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج فقال لا. أين يا أمير المؤمنين لو طرحت عساسك هذه في عس من عساس مصعب لوسعها وتغلغلت في جوفه فضحك عبد الملك. ثم قال: قاتلك الله يا ابن قيس فإنك تأبى إلا كرماً ووفاءً. قلت وقد اختلفت الروايات في إيراد البيت المذكور ففي الأغاني هذه الرواية. وفي دائرة المعارف الرواية التي ذكرناها في صدر هذه المقالة. وكذلك جاء في محيط المحيط. وأما رواية التاج فهي: تلبس الجيش بالجيوش وتسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج وإليك الآن رواية اللسان: يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج وفي مادة ب خ ت من التاج: إن يعش مصعب فإنا بخير ... قد أتانا من عيشنا ما نرجي يهب الألف والخيول ويسقي ... لبن البخت في قصاع الخلنج وممن ذكر الخلنج من الشعراء هميان ابن قحافة. فقد قال: حتى إذا ما قضت الحوائجا ... وملأت ساحلاً بها الخلانجا منها وثموا الأوطب النواشجا (عن اللسان) فهذا بحث علمي أدبي لغوي طبي من قديم وحديث عساه يكون كنزاً للطالب والله الموفق إلى السداد بغدادأحد قراء المقتبس
следующие страницы →