Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.
стр. 5321
ولقد استخدم الملك في كل كونتيته التي قسمت المملكة بها أقساماً عاملاً وهو الفيكونت واخذ منذ القرن الثاني عشر يبعث بقضاة جوالين وكان لدى الملك مجلس يبيت بالمسائل الكبرى وقضاة يقضون في المسائل التي لها علاقة بالملك (وتسمى هذه المحكمة مقعد الملك) وقضاة للنظر في حساباته ومداخيله (وكان هؤلاء هم قضاة الرقعة. سموا كذلك لأنهم كانوا يجتمعون حول منضدة مغشاة ببساط عَلَى صورة رقعة الشطرنج) وكان المستشارون والقضاة ونواب القواسة (فيكونت) ينصبون ويعزلون من قبل الملك ولهم الحق باسم مواليهم أن يسيطروا عَلَى أعظم السادات وأن يطلبوهم إلى التقاضي وأن يحكموا عليهم. ويحظرون عليهم أن يتحاربوا بينهم كما كان شأن أشراف فرنسا وكل من كان بداهم عدوه في إنكلترا بحجة أنه يريد أخذ حقه بيده يحاكم لأنه نقض سلام الملك ولم يكن في جميع أوربا مملكة حازت مثل هذا النظام ولا ملك أطيع هذه الطاعة.
النبالة الإنكليزية - قسمت إنكلترا إلى محلات كبرى يقوم عَلَى زراعتها العامة والمزارعون وتسمى كل محلة بيتاً أي منزلاً وتتألف منها قرية وكان للسادات الذين يدعون بالفرنسية بارونات وبالإنكليزية لوردات عدة بيوت مجموعة في سمط واحد وملك أعظم سادات إنكلترا من خمسمائة إلى ستمائة محلة ودعوا بقلب (كومس كونت) (وبالإنكليزية آرل) وكانت هذه البيوت منبثة في أنحاء إنكلترا عامة ولم يكن للقومس كما في فرنسا ولاية هو الحاكم المتحكم فيها وحده يشهر حربها وإليه يرجع أمرها وكان قوامسة إنكلترا من الغنى عَلَى جنب عظيم بيد أنهم لم يكونوا ملوكاً كما كان أمثالهم في فرنسا.
ولقد كثر عدد الفرسان بادئ بدء فكانوا في القرن الحادي عشر ستين ألف رجل شاكي السلاح وصاحب الملك ومن العادة أن يملك كل واحد بيتاً وإذا حظر عليهم الملك أن يقاتلوا لم يلبثوا أن نسوا سريعاً المران عَلَى الحروب والذوق فيها وبينا كان الفرسان في فرنسا يحاربون مدفوعين بعامل الهوى والتلذذ كان فرسان إنكلترا منذ القرن الثاني عشر يرون خدمة الجندية وطاعة الملك فيها ضرباً من ضروب السخرة الشاقة ولذلك عت الحاجة أن يحمل الملك أرباب الأملاك أن يتجهزوا بجهاز الفرسان ولما عرض عليهم أن يشتروا منه أنفسهم بدفع بدل مالي عن الخدمة قبل أكثرهم مقترحه والجدل آخذ منهم. وجاء زمن (١٢٧٨) أصجر فيه الملك أمره إلى نواب قوامسته أن يكرهوا جميع الرجال الذي يتجاوز
стр. 5322
دخلهم العشرين جنيهاً إنكليزياً عَلَى الدخول في غمار الفرسان. ولقب فارس عَلَى كثرة رغبة الناس فيه في فرنسا كان مزهوداً فيه كل الزهد في إنكلترا فيكتفي هنا أن يظل أشراف الإنكليز من حملة السلاح (سلاحدار) يعيشون في الفلاة متوفرين عَلَى حرث أراضيهم وما من فارق يميزهم عن صغار الأحرار في حين كان في فرنسا لمن أراد أن يكون شريفاً أن يكون من نشل أب شريف أما في إنكلترا فيرون شريفاً كل من كان له دخل كاف ليعيش برفاهية فإن المزارع الذي اغتني يصبح شريفاً. ولم يكن من فرق بين أشراف الحقول في القرن الخامس عشر وبين صغار أرباب الأملاك غير الثروة ولذا لم تصبح النبالة بالإنكليزية طبقة لا يدخلها غير أهلها مناقضة لسائر الطبقات كما في فرنسا.
العهد العظيم - كان الملك في إنكلترا قوياً والأشراف ضعفاء وهو عَلَى يقين بأنه ما من رجل من رعاياه يستطيع أن يقاومه ولذلك يسيء استعمال قوته فيضطر الأشراف أن يمدوه بالمال ويغتصب منهم أراضيهم وغلاتهم وماشيتهم ويسجنهم من دون ما سبب ويعدمهم بلا حكم. ولقد شوهد رجل يقتل لأنه ضرب أيلاً كان في غابة الملك وبقيت طريقة الحكم قرناً ونصفاً عَلَى هذا المنوال وانتهى الأمر بالبارونات أن بلغوا من الضعف مبلغاً لم يستطيعوا معه أن يقاموا منفردين بل اشتركوا ليقاموا تلك القوة يداً واحدة فاغتنموا فرصة كان فيها جان سان تر في حرب مع ملك فرنسا وحاجته ماسة إلى معاضدتهم فهددوه سنة ١٢١٥ بأن يتخلوا عنه حتى أكرهوه أن يقسم لهم أيماناً علناً بان يحترم في المستقبل جميع ضروب الحرية أي حقوق الرجال الأحرار في مملكته. وكتبت وعوده في عهد دخل في ٦٣ ماجة ختمه الملك بطابعه وكان هذا هو الصك العظيم المرشد وإليك المادتين الرئيسيتين منه: لا يوضع مال جديد عَلَى جميع المملكة قبل أن يراجع مجلسها العام. لا يوقف رجل حر ولا يحبس ولا ينفى ولا يؤذى بوجه من الوجوه ولا نقبض ولا نأمر بالقبض عَلَى أي شخص إلا بحكم عَلَى الأصول بين أقرانه وبحسب عادة البلاد. وهكذا تعهد الملك (أولاً) أن يكف عن أموال رعاياه ويعف عن أخذ حاجاتهم إلا برضاهم (ثانياً) أن يحترم أشخاصهم بحيث لا يجازيهم إلا بعد صدور حكم عَلَى الأصول.
عَلَى أن هذا التعهد لم يخرج عن حد الوعد وما من قوة تحظر عَلَى الملك أن ينقضها وكثيراً ما نقضه إلا أن الملك عند جلوسه يجدد هذا الوعد (وقد جدد الصك العظيم ٣٣
стр. 5323
مرة). وهذا القسم ينبه الملك الجديد عَلَى الأقل إلى واجبه وهذه الوعود مسجلة في عهد علني يعرفها كل إنكليزي يذكر للرعايا فيه أن لهم الحق أن لا يؤخذ مالهم ولا يوقفوا بحسب رغائب الملك. ومن هذين الفكرين نشا ترتيبان ابقيا عليهم حريتهم وهما مجلس النواب ومجلس المحكمين. فالعهد العظيم يقضي بأن للملك حقوقاً كما أن للأمة حقوقاً فهو أساس حريات إنكلترا.
أصل نجلس المحكمين - للملك في إنكلترا الحق فقط في أن يقضي في الجنايات ويحكم بالإعدام فهو يعين القضاة ويبعث بهم يطوفون مملكته. فلي كل سنة وفي كل بلد في أوقات معينة يأتي قاض من قبل الملك يؤلف باسمه مجلساً عاماً يحضره الأحرار والأشراف وسادات الكورة ويسمونه مجلس قضاء الجنايات (وقد حفظ هذا الاسم وانتقل إلى اللغة الإفرنسية) فينظر القاضي في الدعاوى والجنايات التي ارتكبت في المملكة ويستعين باثني عشر رجلاً شريفاً ويحلفهم أن يقولوا بعدل ما يعرفونه ويبدأ بالتحقيق لكشف الغطاء عن الحقيقة ويسألهم أي المدعيين محق في دعواه إذا كان المدعى عليه مجرماًَ أو بريئاً يحكم في مسائل الجنايات بموجب أجوبتهم بين الخصمين وكان يسمى هذا الضرب من الحكم التحقيق البلدي والاثنا عشر رجلاً منة الفرسان الذي أخذت آراءهم يسمون المحلفين أو المحكمين وهكذا نشأ مجلس المحلفين (ولم ينظر أولاً إلا في القضايا المتعلقة بالأملاك ومنذ القرن الثالث عشر أصبح ينظر في المسائل الجنائية) وقد اخترع القضاة هذا المجلس لتسهيل عملهم فكان أعظم ضمان من ظلم القضاة لأنه يطلق الحكم عَلَى المتهم للوطنيين. وما مجلس المحلفين إلا من الأوضاع في إنكلترا وعنها أخذ جميع أمم أوربا تقريباً.
مجلس نواب إنكلترا - كانت الأموال التي تجبى للملك من أملاكه والغرامات التي تتقاضى باسمه تكفي لنفقة داره والإدرار عَلَى رجاله وإذا نشبت الحرب لا تعود تكفيه بتاتاً فيكتب إلى جميع أرباب الشأن من أمته ويستدعي الأساقفة والبارونات برسائل خاصة فيجتمعون لديه ويقررون بينهم الضريبة التي يرخص للملك أن يجبيها وكانت هذه المشورة مقصورة زمناً عَلَى كبار الرجال (وهم الذين أخذوا من (جان) العهد العظيم) وفي أواخر القرن الثالث عشر سمح لكل مدينة وقصبة أن تبعث برجلين من أبنائها. ولكل مجلس مديرية أن يرسل فارسين يختارهما ولم يجيء هؤلاء النواب أولاً إلا لاستماع ما يقرره كبار السادات ليحملوا
стр. 5324
خبره إلى بلادهم ثم قبلوا في الدخول بالمناقشة. وقد سمي هذا المجلس الكبير بالبرلمان (مجلس الشورى) ولا يستدعيه الملك إلا ليسأله تقريراً في جباية مال إلا أن العادة جرت بأن البرلمان قبل أن يمنح الملك ما يريد يضطره إلى سماع شكاويه وكثيراً ما يسأله إصلاح إدارته أو عزل عماله. وهذه طريقة في الحكم بالواسطة وحاول البرلمان مرات أن يجعل عَلَى الملك رقباء إلا أن هذا تخلص منهم ولم تثبت العادة في ذلك إلا أن القوم اعتادوا الاستئناس بفكر أن الواجب عَلَى الملك كل سنة أن يجمع المجلس.
مضى زمن طويل والسادات الأساقفة يدعون وحدهم فقط ولذا كانوا يجلسون عَلَى انفراد ويتألف منهم مجلس اللوردات (النبلاء) وفرسان الكونتيان سكان المدن الذين تبعث بهم البلاد يؤلفون مجلساً جديداً هو مجلس العموم (النواب). وإلى هذا التنظيم ترجع شؤون إنكلترا فبدلاً من أن يتخذ صغار الأشراف مع كبارهم لمقاومة الطبقة الوسطى (كما حدث في فرنسا) قد اتحدوا عَلَى العكس معها وظل اللودرة قرنين يقودون مجلس النواب وفي خلال حرب الوردتين أفنى بعضهم بعضاً بحيث لم أنه يبق سنة ١٤٨٦ غداة تولت أسرة تودور زمام ملك إنكلترا سوى ٢٥ لورداً وأحدث الملك لوردات من جديد إلا أن الجدد منهم لم يحوزوا ما كان القدماء من الاعتبار. وأخذ مجلس النواب في القرن السادس عشر يدير شؤونه بنفسه ويستمتع بماله من السلطة. هكذا نشأ مجلس نواب إنكلترا الذي تكفل وحده بجعل الإنكليز بمأمن من الدفاع عن حقوقهم من الاستبداد الملكي فالبرلمان هو من الأوضاع المبتكرة خاص بإنكلترا حدا جميع الأمم الممدنة أن يروا من الشرف حذا مثاله.
الأمة الإنكليزية - امتزج السكسونيون والنورمانديون كل الامتزاج في القرن الخامس عشر فتألفت منهما الأمة الإنكليزية بعد أن كانا شعبين متباينين وأصبحت لغاتهم لغة واحدة جديدة وهي اللغة الإنكليزية والتي أصلها اللغة السكسونية القديمة وهي لغة الشعب وتشبه لغة الأقاليم التي لا يزال ألمان الشمال يتكلمون بها إلى اليوم. أما اللغة الفرنسية لغة الشرفاء فإنها لم تأت إلا بألفاظ علمية ومصطلحات في الحقوق السياسية والفلسفة (بيد أنها تهزعت في النطق بحيث لا تكاد تعرف) فامتزجت اللغتان حتى بات من المتعذر تركيب جملة إنكليزية بدون الرجوع إلى الكلمات السكسونية.
وما كانت الأمة الإنكليزية في أواخر القرن الخامس عشر أمة رجال البحر والتجارة كما
стр. 5325
هي اليوم وما من شيء كان يدل عَلَى ما يكون مصيرها فقد كانت المدن صغيرة حقيرة إلا أربع منها فقط يزيد سكانها عَلَى عشرة آلاف نسمة حتى أن صوف الغنم الإنكليزي لم يكن ينسج في إنكلترا بل يبيعه الإنكليز من حاكه فلا ندر عَلَى نحو ما تقدم أوستراليا اليوم صوفاً للمعامل الإنكليزية وما كان لهم بعد أسطول ولا ملاحون وهم عبارة عن فلاحين ومربي حيوانات ومع هذا فقد كان يلاحظ الناظر فيهم صفات تكون أمة عظمى ألا وهي النشاط وفكر الاستقلال وبطل القصائد الإنكليزية روبين هود زعيم اللصوص عاش في الغابة يقتل حراسها وبطل الشحنة ومع هذا كان يجود عَلَى فقراء الأكارين وقد صادف ذات يوم عَلَى جسر جان الصغير الذي لم يرض أن يذل له فأخذا يقتتلان بالعصي حتى رنت عظامهما فسقط روبين في الماء وهكذا أصبحا أحباباً وأخذ الإنكليز يحبون هذه المقاتلات التي يخرج منها المتقاتلان وقد كسرت ثناياهما وانثلمت خاصرتاهما وإليك المديح الوحيد الذي مدح به أمته أحد أشراف الإنكليز السير جون فورتسكو: كثيراً ما شوهد في إنكلترا ثلاثة أو أربعة من اللصوص ينقضون عَلَى سبعة أو ثمانية من أبناء الحشمة ويقتلونهم بأجمعهم أما في فرنسا فلم يشاهد سوى سبعة أو ثمانية من اللصوص ليس لهم من الجرأة إلا ما يستطيعون معه ثلاثة أو أربعة من أهل العرض ولذا كان المصلوبون من الرجال في إنكلترا خلال سنة بدعوى اللصوصية والقتل أكثر مما كان في فرنسا محكوم عليهم منهم بمثل هذه الجرائم مدة سبع سنين. ولذا احتاج هؤلاء الإنكليز حاجة لا تغالب إلى الاستقلال. قال هذا المؤلف بعينه: إن الملك لا يستطيع أن يحكم عَلَى هذه الشعوب بغير القوانين التي أقروا هم عليها ولذلك لا يستطيع أن يجني منهم ضرائب بدون رضاهم. ثم قابل بين رفاهية الفلاح الإنكليزي وشقاء الفلاح الفرنسوي فقال أن كل ساكن في هذه المملكة يتمتع بالثمرات التي تأتيه به أرضها وماشيته يستعملها كما يشاء وما من أحد يحول دونه ودون الاستمتاع بها اغتصاباً ولا يطلب قط إلى التقاضي إلا أمام القضاة العاديين وبحسب قانون البلاد ولذا اغتنى أهل هذه الديار فملكوا الذهب والفضة وجميع الحاجيات فتراهم لا يشربون ماء بتة اللهم إلا أن يكون ذلك عَلَى سبيل التوبة ويطعمون لحوماً وأسماكاً بكثرة وأقمشتهم من جيد الصوف قهم أغنياء بأثاثات بيوتهم وبأدوات الزراعة وفي كل ما من شأنه أن يجعل الحياة وديعة.
стр. 5326
مدن القرون الوسطى
الفتح الألماني - تخلت الشعوب الجرمانية بهجرتها إلى الغرب لتدخل إلى الإمبراطورية الرومانية عن بلاد الشرق لشعوب من عنصر آخر وهم السلافيون (الصقالبة) حتى لقد غدت جميع البلاد الواقع شرقي الألب ملكاً لقبائل من السلافيين وقد صادف القديس بونسياس حتى عَلَى شواطئ الفوادا أناساً من السلافيين هزؤا منه وسخروا وبقي ما وراء ذلك من مستنقعات شواطئ بحر البلطيق شعوباً قديمة (كالبروسيين والليتوانيين والفنلنديين) وهو الشعوب وثنية محاربة ولكنها رديئة السلاح منقسمة إلى قبائل لا قبل لها بالمقامة فشرع الألمان في تنصيرهم وإخضاعهم وأنشأ ملكوك جرمانيا بلاداً عَلَى التخوم وأطلقوا لقومها حرية الحكم كما يشاؤون ومن هذه البلاد نشأت الثلاث إمارات الألمانية الرئيسية وهي إمارة براندبورغ مملكة بروسيا وإمارة ميسني وسط مملكة الساكس والإمارة الشرقية في جنوب مملكة النمسا وأسسوا أيضاً أسقفيات بعثت من قبلها المرسلين.
أخذ التنصر يجري ببطء (من القرن العاشر إلى الرابع عشر) بطرق مختلفة فدان بالمسيحية أمراء الصقالبة في معظم البلاد عَلَى أيدي نسائهم اللاتي تنصرن وحطموا الأصنام وأكرهوا رعاياهم عَلَى قبول الدين المسيحي وكان من يتناول اللحم في الصوم الكبير من أهل بولونيا تقلع أسنانه عقاباً له. وبقى السكان في تلك البلاد صقالبة. ونال زعيمهم الوطني لقب دون أو ملك ويعترف أنه من عمال الإمبراطور ولم تكن معظم هذه الأمم عَلَى شيء من التعصب ولما جاء برنارد الإسباني إلى بومرانيا لينال الشهادة أخذ في تحطيم الأصنام المقدسة فاكتفى الوثنيون بضربه وإذ قد ظل عَلَى الدعوة الدينية اركبوه عَلَى قارب في نهر الأودر قائلين إذا كنت كثير الرغبة فيما أنت آخذ نفسك بسبيله فاذهب لبث دعوتك بين الأسماك والطيور.
وعلى العكس تمرد بعض الشعوب في الشمال فإن الأوبتريين ذبحوا ملكاً يريد أن ينصرهم (١٠٦٦) وبعد ذلك قام الليفونيون وكان أتاهم الفرسان الألمان وعمدوهم مكرهين يسرعون في أثر الجيش يلقون بأنفسهم في نهر الدونا ليتسلوا من العماد وعلى أولئك أعلن الألمان حرباً أبادوهم فيها وقد فتح قوامسة الرهبنة التوتينية بلاد بروسيا وفرسان حملة السيوف ليفونيا وليستونيا فكانوا يحرقون القرى ويذبحون الرجال ويعودون بالنساء والأولاد وقد
стр. 5327
كثر بيع الأسرى السلافيين في بلاد ألمانيا كلها حتى أصبحت كلمة سلافي في الإفرنسية والألمانية مرادفة لكلمة عبد وبقيت كذلك وقد باد الوانديون (ولم يبق منهم إلا بقايا لجأوا إلى مستنقعات سبرى وعاد البروسيون والليفونيون رعايا هكذا فتح العنصر الألماني ثلاث ولايات جديدة براندبورغ وبروسيا وليفونيا).
الاستعمار الألماني - كانت السهول العظيمة من نهري الأودر والفيستول منخفضة رطبة ومغشاة بغابات وسط البطائح فولاية براندبورغ (رملة ألمانيا) لم تكن غير صحراء كئيبة من الرمل ولا يزال الرمل إلى اليوم عندما يهب الريح يسد أبواب البيوت وعند شيخ البلد في أرض فلامن مفاتيح عين البلد يوزع كل صباح عَلَى السكان ما يحتاجون إليه من الماء فاستدعى أمراء الألمان والسلافيون من ألمانيا فلاحين وأرباب صنائع يأتون إن أحبوا لزرع هذه الرمال واستثمار الغابات وتأسيس المدن وأنشأ الألمان يهاجرون عن رضى خلال قرنين وأتت ألوف من السر ألمانية تتوطن في القفار الشاسعة من الشرق كما يذهب الناس في أيامنا لاستيطان صحارى أميركا الشاسعة. فكان الأمير يبيع من أحد الملتزمين قطعة من غابة أو طريدة من الأرض تكفي لإنشاء قرية فيجلب الملتزم فلاحين ويوزع عليهم الأراضي حصصاً حافظاً لنفسه مالاً ويجبيه في أوقات معينة فيكون حاكمهم الوارث إلا أن الفلاحين يبقون أحراراً لأنهم هم الذين أحيوا موات الأرض ويحتفظون بعاداتهم الألمانية. وإذا أريد تأسيس مدينة يقيم لها الملتزم خنادق وحوائط في جهاتها الأربع ويؤسس فيها سوقاً يحفظ لنفسه الحق أن يأخذ منهم رسوماً. جرت هذه الأعمال عَلَى مهل تحت طي الخفاء ولقد شغل مؤرخو تلك الأيام بذكر حروب الأباطرة فلم يفكروا بأن يلموا في الصورة التي جرت في تأسيس ألوف من القرى ومئات من المدن في براندبورغ وبومرانيا وبروسيا وسيلزيا وبوهيميا. ونشأت في الجهة الأخرى من نهر الألب ألمانيا حديثة ألمانيا العاملين والجنود ألمانيا النمساويين والبروسيين الذين آل إليهم فيما بعد أمر جميع أمم ألمانيا القديمة.
المدن الحرة - أسست المدن الرئيسية في ألمانيا حول قصر الملك أو حول بيت أسقف أو أمير فالملك أو الأسقف سيد المدينة والتجار مستأجرون لأن أرض المدينة ملكه وأرباب الصناعات عبيده يعملون له ولرجاله وفرسانه وخدامه يحكمون عَلَى الصناع والسوقة. وكلما نما الشعب يتخلى الملك عن النظر في شؤون السكان حتى انتهت الحال أن لا يتناول
стр. 5328
سوى رسوم مقررة من الصناع أخلاف العبيد فلم يعد في المدن سوى رجال أحرار فالمدن التي زاد نجاحها في القرن الثاني عشر هي من أملاك الأساقفة جاء في المثل الألماني ما أحلى عيش المرء في ظل العكاز فيجمع الأسقف خدامه وأهم التجار في مجلسه ليحكموا مدينته ولم يكن هذا المجلس سوى مجلس للأسقف. ولما قوى نفوذ المدن في القرن الثالث عشر وطردت أساقفتها أصبح ذاك المجلس مجلس المدينة وغدت له سلطة أمير فكان يقضي ويشهر الحرب ويخاطب الإمبراطور مباشرة وتسمى المدينة المدينةُ الحرة لأنها لم تخضع لسيد.
الصنائع - قسموا الصناع إلى طوائف منذ كانوا عبيد الأسقف يعملون له ولرجاله وكل طائفة تؤلف من صناع يحترفون حرفة واحدة ويخضعون لأحد خدام الأسقف وتسمى مهنة (أي خدمة) وزعيمها وكيل المدير أو شيخ الحرفة وذلك مثل مهنة الحدادين ومهنة السروجيين ومهنة الخياطين وغيرها ومن هنا اشتق اسم صنعة بالمعنى الذي نطلقه عليها وأصبح أرباب الصناعات أحراراً بالتدريج فبدلاً من أن يصنعوا لسادتهم وهم يعولونهم يعملون لحسابهم ويبيعون ما يعملون في السوق ظلوا منظمين طوائف بحسب الحرف ويتألف من كل حرفة جماعة ولهم صندوقهم العام وعلمهم الذين يحملونه في الحفلات ويرفعونه إذا خرجت المدينة لقتال ولهم حاميهم المقدس (ويسمون في فرنسا شيوخ الحرف) ولهم نظاماتهم بحسب عادة القرون الوسطى كانت عادات لا حاجة لتدوينها. وفي فرنسا لم تدون عادة صناعات باريز إلا في أواسط القرن الثالث عشر وهذا القانون يبين الشروط التي يقبل بها المرء في هذه الصناعة. فيبدأ الولد بأن يكون خريجاً عَلَى معلم في الصنعة فيعلمه المعلم صناعته ويطعمه ويؤويه فالخريج يعمل لحسابه ويخضع لها وللمعلم الحق بأن يضربه وبعد بضع سنين يصبح الخريج رفيقاً ولا يزال يعمل باسن معلمه وله أن يغادر معلمه ويذهب إلى غيره فالرفقة هم أناس متنقلون وكثير منهم يتنقلون من مدينة إلى أخرى يعرضون عَلَى أرباب الصناعات أن يشتغلوا معهم وبقيت هذه العادة جارية في فرنسا في تنقل صاحب الصنعة في أطراف البلاد. ومن كانوا عَلَى شيء من الغنى يفتحون حوانيت ويصبحون معلمين ولهؤلاء فقط الحق في أن يعطوا آرائهم في مجلس أهل الصناعة وتبين القوانين كيف يجب العمل ويحظ عَلَى العامل أن يشتغل في غير دكانه وبذلك يتيسر
стр. 5329
للجمهور أن يراقبه. ويحظ عليه أن يعمل تحت نور المصباح حتى لا يعمل عملاً رديئاً ويمنع من استعمال مواد أخرى أو عمل أشياء تخالف القدر الذي أمر به القانون فالصياغ مثلاً لا يطلون الذهب بالفضة وصناع التماثيل لا يستعملون إلا أجناساً مخصوصة من الخشب وإذا كان ثوب الجوخ أكثر أو أقل عرضاً من مقياس المقرر يصادر ويغرم صانعه ويحتفظ أهل الصنعة بشرفهم وشرفهم أن يبيعوا إلا بضائع حسنة السرد والتقدير ولذا كان يراقب بعضهم بعضاً أشد المراقبة ثم أنهم يعضدون بعضهم بعضاً أمام الغرباء وأمام سائر أرباب الحرف وليس لأحد في المدينة الحق أن يصنع سلعة أو يبيعها إلا معلمو الصناعة فيغرم كل رجل يفتح دكان خياط قبل أن يقبل في صناعة الخياطين وتغلف دكانه فحق عمل شيء من الصناعة وبيعها ملك خاص لأهل تلك الصناعة فالخياطون يمنعون باعة الخلق (الأسمال) من بيع ثياب جديدة لأن لهم وحدهم الحق في عمل ذلك وما عمل باعة الخلق إلا أن يبيعوا ألبسة عتيقة وصانعوا اللحم يتقاضون عَلَى السروجيين ليمنعوهم من عمل اللحم وذلك لأن صناعات القرون الوسطى كانت تحاذر من المنافسة كثيراً.
وأهم أرباب الحرف هم الخبازون والقصابون والحاكة والصباغون والبناؤون والدباغون وصانعوا الأسلحة والنجارون وعدد الصناعات متوقف عَلَى مكانة المدينة وليس في كثير من المدن الألمانية سوى ١٨ أو ٢٠ صناعة وكان في باريز زهاء مئة حرفة وذلك لأن عدة صناعات مختلفة يمكن جمعها في صناعة واحدة أو أنه يتيسر تجزئة الصناعة الواحدة إلى عدة حرف (في باريز مثلاً ثلاث حرف لصناعة السبحات).
стр. 5330
الخزانة الزكية
أو مجموعة كتب أحمد زكي باشا المصري
ليس في بلد الإسلام بلدة كمصر ضاهتها بنهضتها وضارعتها برجالها. ولا أرض كتب لها أن اقتبست من مدنية الغرب القدر الكافي الذي قام منذ نحو قرن بفضل عصابة فاضلة تشبعت بالحضارة الحديثة والحضارة القديمة فأتت من جلائل الأعمال ما أعجب به البعيد والقريب.
واسم أحمد زكي باشا أمين سر الوزارة المصرية (سكرتير مجلس النظارة) وأحد نوابغ مصر في هذا العصر يجب أن يثبت في القائمة الأولى من أسماء أولئك العاملين الأخيار.
ربما تقول بعض الحاسدين (وهل خلا يوم ذو نعمة من حاسد جاحد) ـ: إن عين الحب رمداء، فأنت يا هذا تنوه بأصدقائك كثيراً في حين ينزلهم المصنفون منازلهم، ويزنونهم بمعيار نراك لا تحسن استعماله. فلا تستهويهم المحبة في نقد رجالهم وتقدير أعمالهم وجوابنا لمن يقول هذا ويدعي أن زكي باشا يعرف فقط كيف يظهر لقومه مسائل يحسنها: إن من حفظ حجة عَلَى من يحفظ، ونحن قد نظرنا في أكثر أعماله العلمية منذ زهاء اثنتي عشرة سنة وأطلنا التأمل في كتبه تأليفاً كانت أو ترجمة وفي مقالاته ومحاضراته وحكمنا العقل ونبذنا الهوى ثم انقلبنا ونحن عَلَى مثل اليقين بأن أمثاله قلائل في مصر والشرق، وأنه عامل أمين في خدمة أمته، ولغته جدير أن يقرن في العلم والعمل مع نظرائه من أساتذة الغرب.
أمثال صديقنا هذا وهم لا جرم صفوة أجيال أتت عَلَى مصر وهي تنهض حتى وصلت بفضل حكومتها - لا التي تناهض أبناءها الراشدين بل تأخذ بأيديهم - إلى هذه الدرجة من الرقي ويمتاز عَلَى كثير من الخاصة بمضائه ونشاطه. عرفه بذلك قومه وهو يافع فشاب، وهو اليوم كذلك في سن الكهولة. وقد وصل بجده وعصاميته إلى المناصب العالية، فلم تشغله الزخارف والبهارج عن السير بما أخذ النفس به من التعلم والتعليم منذ وعى ورشد. وأكبر دليل نقدمه عَلَى إثبات دعوانا هذه خزانة كتبه التي جمعت فأوعت من نفائس القدماء والمحدثين والشرقيين والغربيين ولا عجب فاختيار المرء شاهد عقله.
قد عرفناك باختيارك إن كا ... ن دليلاً عَلَى اللبيب اختياره
стр. 5331
بدأ زكي باشا بجرثومة مكتبته وهو تلميذ بمدرسة الحقوق الخديوية سنة ١٨٨٣ فكانت النقود التي كان يعطيه إياها أخوه محمود بك رشاد رئيس المحكمة الابتدائية الأهلية بالقاهرة سابقاً يشتري بها كتباً إفرنجية مما يستطيع التلميذ أن يقتصده من نفقته أما الكتب الثمينة فكان أخوه يشتريها له فيضم إليها الكتب التي كان أخذها من المدارس وجوائز ومن الأساتذة الفاحصين عَلَى سبيل التشجيع ومن ذلك تولد فيه الغرام بالكتب كما قال لنا عن نفسه.
فمكتبته والحالة هذه جمعت انتخاباً واختباراً. وما برح يضم إليه من الكتب العربية والإفرنجية التي يمكن أن تفيد الإنسان في مباحث عمومية ترجع إلى ارتقاء الشرق ولما قرأ التواريخ وتخيل المجد الكبير الذي أثله العرب في مدنيتهم من غير أن يقف عَلَى تفاصيل ذلك حدثته نفسه بأن يجعل خزانة كتبه مرجعاً لمن يريد إرجاع المجد إلى الشرق. ولذلك كان يقتني كل كتاب كان يصل إليه أو يقع تحت طاقته حتى يكون منها مجموعة ابتدائية فكانت أكبر مساعد للاستمرار عَلَى تكثيرها.
ولما دخل صاحب هذه الخزانة في خدمة الحكومة أخذ يخصص نصف راتبه الشهري لمشترى الكتب والنصف الثاني لسائر حاجياته وكثيراً ما كان يزيد النصف المخصص لابتياع الكتب عَلَى نصف الضروريات وما برحت أكثر ديونه إلى هذا العهد إلى الوراقين والطباعين وبائعي الكتب الجديدة والعتيقة في أوربا ومصر. ولما سافر إلى أوربا أول مرة سنة ١٨٩٢ رجع ومعه غنيمة كبرى من الكتب وكلها إفرنجية مما يلزم الشرق وبعد ذلك اتسعت أمانيه وأصيح همه أن يكون لخزانته مزية حتى غدت الآن تستحق أن تكون مرآة يرى فيها الطالب معارف الشرق وعلومه سواء كانت من نفثات الشرقيين العرب مسلمين أو غير مسلمين أو قرائح الإفرنج. وأكثر كتب الإفرنج عنده بالإفرسية ومنها ما كتب باللاتينية والألمانية والإنكليزية والإيطالية. وهو يحس الفرنسية إحسانه بالعربية وله إلمام بالإيطالية والإنكليزية والإسبانية يستعين به في معرفة ما قد يحتاج إليه أثناء مباحثه. ولطالما سمع الخطبة العلمية في الجمعية الجغرافية الخديوية التي هو وكيلها باللغة الفرنسية فنقلها ارتجالاً إلى العربية وبالعكس من العربية إلى الفرنسية ولطالما فعل ذلك في مؤتمرات المستشرقين في أوربا وهو ينوب عن الحكومة المصرية فيها. وهذا من جملة
стр. 5332
الأسباب التي كثرت بها صلاته مع علماء المشرقيات في الغرب حتى لا يكاد إمام من أئمتهم إلا ذاكره في الموضوع الذي يغلب عليه واستفاد منه.
ومازال صاحب هذه الخزانة يسعى وراء غايته كلما ذب إلى أوربا في مهمة علمية فيعود بنفائس الكتب وغرائبها مما يرجع كله إلى إظهار حضارة العرب وفضلهم حتى اجتمعت إليه الآن معظم الكتب العربية التي طبعها علماء الإفرنج المستشرقين منذ القرن الخامس عشر للميلاد إلى يوم الناس هذا. وحصل أيضاً عَلَى مجموعة نادرة تحوي كل التراجم أو المباحث التي خاض غمارها علماء الفرنجة ولاسيما ما يتعلق منها بالعرب والإسلام وقد زار سورية زيارة رسمية عقاب انتشار الدستور العثماني وكان لبناء دمشق حظ وافر من الأخذ من معارفه وانتفع ناشئتا بحديثه وخطبته الرنانة وأعجب الخاصة من القوم ببيانه وتحقيقه العلمي وودوا لو زار سورية كل سنة واحد من أمثاله فتوخى إفادتها وتعليمها.
ذهب إلى الآستانة مرات فوجد المجال فسيحاً فيما هو بصدد من إحياء آثار العرب ووقع عَلَى كنوز في مكاتبها قلما وفق للاطلاع عليها أحداً قبله. وبمعاونة حسين حلمي باشا الصدر الأسبق تيسرت له المطالب وفتحت له الأبواب بعد الحرية العثمانية واشتغل كما يشاء. ولما علم الجناب الخديوي بالأمر عاونه عَلَى ما اخذ النفس به ولا عجب فالحكومات الرشيدة تعرف أن لا رونق لبلادها بدون علم. والعلم في الشرق لم تقم له سوق نافعة إلا في ظل الملوك العاقلين فإن تنشيطه من خصائص الجمعيات والأمراء المفصلين. عَلَى نحو ما كان في العرب ولا يزال إلى عهد قريب. فرأى صديقنا (وذلك مذهبه منذ القديم) أن الناسخ ماسخ لا يعول عليه في نقل الكتب النادرة فاستحسن النقل بالفوتوغراف ليكون لديه الصل برمته. واستحضر من سفرته هذه زهاء مئة كتاب بالتصوير الشمسي وكلها نفائس كان يظن أنها مفقودة. فلما رأت الحكومة المصرية هذه الهمة الفائقة وبحثت في هذا العمل المجيد كان أول مظاهر له الجناب الخديوي ورئيس الوزارة الحالي محمد باشا سعيد وناظر معارف مصر أحمد حشمت باشا فأحبوا أن يكون الشرف كله لمصر لا لمصري واحد، خصوصاً ومصر اليوم هي المكلفة بإحياء مجد العرب ووراثة تراثهم المأمونة عليهم.
فرأى أمام هذه العناية العالة أن يقدم هدية لأمته وأهل بلده فأوقف مكتبته كلها ولا يقل ثمنها عن اثني عشر ألف جنيه بمكاتبها وخزائنها وقماطرها وكراسيها وكل ما يتعلق بها. فأكبر
стр. 5333
الجناب الخديوي هذه الخدمة فاصدر أمراً بتخصيص قسم مستقل من دار الكتب الخديوية منعزلاً عنها وخاصاً بأحمد زكي باشا يشتغل فيه طوال حياته لنفع أمته وبلاده. والذي حدا الواقف عن هذا العمل منذ الآن أنه خشي أن يأتيه القدر المحتوم فجأة فيبدد كتبه أيدي سياء خصوصاً وقد رأى العبرة بعينه في كتب علي باشا مبارك والأمير محمد إبراهيم والشيخ رضوان العفش وحسين باشا حسني وغيرها من المكاتب المصرية الخاصة التي اشترى بعض نفائسها وضمها إلى خزانته. فأوقف ما يملكه منذ اليوم وأخرجه من داره قال: أخرجت المكتبة من ملكي حتى إذا جاءني أمر ربي ذهبت وليس في النفس حاجة. لأن ثمرة عمري وهي المكتبة موضوعة في كلاءة الأمة والحكومة فلا يعبث بها وارث ولا شبه وارث خصوصاً وأني أعتقد أن من يوقف شيئاً عَلَى الخير يؤجل نفاذه إلى ما بعد موته لا يكون له الحق في طلب الثواب عند الله لأنه تبرع مما آل إلى ورثته. وإني أحب تجديد العمل بالسنة الشريفة. فقد قال رجل للنبي ﷺ : يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال: أن تتصدق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان (رواه البخاري في صحيحه).
لم يقف الواقف عند هذا الحد بل إنه ما برح في كل يوم وفي كل شهر يشتري كتباً من أوربا ويستحضر الأسفار الثمينة بالفوتوغرافيا نت الآستانة ويضم هذا وذاك إلى مجموعته النفيسة ليكتفي الباحث بما فيها عن غيرها. ومن مميزات مكتبه إنها تضم أمهات الكتب في كل فن وعلم ومطالب لأن جامعها أراد أن يغتني بها عن الرجوع إلى دار الكتب الخديوية. وفيها كتب كثيرة من المطبوعات في مصر والهند والعراق والشام وغيرها مما لا يكاد يوجد في دار الكتب الخديوية. دع الكتب الكثيرة المحفوظة التي حوتها وقلت نظائرها في دار الكتب الكبرى هذا مع حفظ النسبة الاعتراف الصحيح بأن دار الكتب الخديوية بالنسبة لهذه الخزانة أوسع مادة وأغزر قيمة ولكن خزائن الأفراد قد يكون فيها من النوادر والوفاء بالحاجة ما لا يسقط عَلَى مثله في الخزائن العامة. وكيف يكون وجه للمفاخرة بين مجموعة جمعها رجل فرد بوسائله الذاتية وهو لم يرث عن أهله قرشاً واحداً وبين دار كتب هي مجمع ما بقي مما خلفه السلاطين والملوك والأمراء وأهل الثروة والكبراء من أعيان المصريين. قال صديقنا في عظمة دار الكتب الخديوية: وناهيك بمكتبة نفحها إسماعيل
стр. 5334
بنفحاته، وتولاها توفيق بعناياته، ثم شملها عباس برعاياته. ولا يمكن التنصيص عَلَى تعيين ما عنده من النفائس ولطالما شهد عمال الكتب الخديوية أنفسهم عَلَى ما فيها من الذخائر والأعلاق ويكفي أنك مها درت في ديار مصر وقلبتها من أدناها إلى أقصاها من دور الحكومة الرسمية ومعاهد العلم العمومية حتى لو ذهب إلى الدفتر خانة المصرية لا تجد فيها أثراً لجريدة الوقائع المصرية التي كانت تصدر في أوائل عهدها أيام محمد علي. ولكنك إذا أتيت الخزانة الزكية تجد قسماً عظيماً منها وتقرأ فيها المعجب المطرب مما يدل عَلَى حالة البلاد في تلك الأيام وأنت لو التمسته بالمنكاش في تضاعيف الكتب أو بمسائلة الشيوخ لا تصل إليه بتة هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة.
وتمتاز هذه الخزانة بأنها تجمع الكتاب النفيس بما تقلب عليه من الأدوار والأطوار فتجد منه مخطوطاً بخط اليد أولاً ومطبوعاً ببولاق ثم نسخة مطبوعة منه في الشرق والغرب إن لم تجد ترجمته إلى اللغة الفرنسية في الغالب أو الإنكليزية أو الإسبانية أو اللاتينية أو الإيطالية أو الألمانية. ثم الكتب التي كتبها جهابذة العلماء عَلَى الكتاب أو عَلَى المؤلف. بحيث أن الباحث يتيسر له والحالة هذه أن يستوفي موضوعه بأسهل شيء وأن يكمله بحسب حاجته ومقدار همته.
ومن الكتب المخطوطة النادرة عنده أربعة أجزاء لا بن عساكر وأربعة أجزاء مرآة الزمان لابن الجوزي ونسخة كاملة من تاريخ ابن خلدون عليها خط الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر ونسخة من الجزء الرابع من تاريخ الجبرتي ويظن أنه يحتوي عَلَى فصول كثيرة اضطروا إلى حذفها من النسخة التي طبعت في بولاق لأن فيها ما فيها مما يختص بمحمد علي ولكنه لم يحقق ذلك بطريقة يقينية غير أن ضخامة الجزء تجل الظن أقرب إلى اليقين خصوصاً والصفحة من المخطوط تعادل ثلاث صفحات من المطبوع عَلَى الأقل فتزيد باقل تقدير ١٥٣ صفحة م المخطوط وإذا أضيف إليها ٤٠ صفحة من المخطوط أيضاً فيكون المجموع المطبوع في النهاية العظمى ومع التسامح الزائد معادلاً لألف صفحة من المخطوط وربما كان ما بقي بعد ذلك من المخطوط هو عبارة عن مجموع الفصول والجمل والعبارات التي استصوبوا حذفها من الأصل لبعض الاعتبارات وذاك يعادل خمسين صفحة من نسخة بولاق المطبوعة سنة ١٢٩٧ هـ ومن الغريب أن صاحب
стр. 5335
النسخة المطبوعة نص عَلَى أن طبعته بلا زيادة ولا تنحسين ولا إجادة ولكنه لم يفصل هذا المجمل ولم يقل لنا أنه لم ينقص منها شيئاً.
وفيها مجموعة الكتب التي صدرت في بولاق وفي مطبعة أركان حرب الجهادية المصرية وفي مدرسة الطب المصرية. ومما يجب إلفات النظر إليه في هذه المناسبة أن محيي مصر محمد علي كان يأمر بأن يذكر في كل كتاب طبع بعهده بأنه هو الثاني أو الثالث أو الرابع من نوعه. يعرف ذلك من النظر في كتب زكي باشا. فعنده قاموس للغة العربية، والطليانية مطبوع في زمن محمد علي وهو ثاني كتاب ظهر في مطبعة بولاق الأميرية أم الكتاب الأول الذي طبع في بولاق لا نعلمه وليس لهذا الكتاب أثر في الخزائن الأخرى ذلك عدا الكتب المطبوعة في ديار الشام والجزيرة (الموصل) وتونس والجزائر ومراكش وجزيرة مالطة وغيرها.
ومن ميزاتها أن فيها مجموعة من المجلة الاسياوية الباريزية منذ أو عدد صدر منها سنة ١٨٢٢ إلى الآن، ونسخة من لسان العرب عَلَى ورق الكتان،. وفيها أكبر مجموعة في الشرق لما كتب عن اللغة العربية مما هو من أبحاث علماء الشرق وعلماء الإفرنج بحيث أن الحكومة المصرية تجد فيها كل ما يلزمها في وضع معجم للشوارد والأوابد والضوابط والروابط ولمصلحات العلوم والصنائع والفنون عَلَى ضروبها وفروعها حتى تكون تلك الدواوين رجعاً يعود عليه كل عربي في كل موضوع ومصطلح يوم تصح عزيمتها عَلَى إبراز هذا الأثر النفيس الخالد.
ومن الكتب النفيسة كتاب الفتوة في الإسلام وفيه أبواب في مكارم الأخلاق بحسب الطريقة الإسلامية وينتهي بفصل طويل في مجالس الفتوة ونظامها الداخلي وهو أشبه شيء بنظام الماسون واصطلاحاتهم ورموزهم وأعمالهم وقبول الجانب في زمرتهم. وهو فصل مهم ولا يوجد هذا الكتاب في مجموعة أخرى فيما نعلم. ومنها كتاب تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد الذي تكلمنا عليه منذ بضع سنين في مجلة المقتطف وهي النسخة الوحيدة المعروفة من الكتاب.
ومن مميزاتها كتب الطب المطبوعة في أوربا بالعربية والإفرنجية، ومنها ما يتعلق بالفلسفة والعلوم كالكيمياء والطبيعة والفلك والميكانيكا والآلات الروحانية (المفرغة من الهواء)
стр. 5336
وكتب ابن سينا ومنها القانون وجزء من الشفاء مطبوع في مدينة رومية سنة ١٥٩٣ بعد اختراع الطبع بمدة قليلة ويتلوه كتاب النجاة في المنطق.
ومن مخطوطات هذه الخزانة قطع من تاريخ الدولة الأموية من أول خلافة الوليد لبن عبد الملك إلى انقراض الدولة العباسية وهي عَلَى رأي صاحب الخزانة أوفي تاريخ معروف لهاتين الدولتين ويظهر أن المؤلف كتب كتابه في مصر عقب انقراض الدولة العباسية مباشرة لأنه يشير إلى شيخه وأستاذه ابن الأنجب الساعي. ومنها تاريخ محمد علي باشا مؤسس الأسرة الخديوية للشيخ خليل بن أحمد الرحبي بعثه عَلَى وضعه الشيخ محمد العروسي يحتوي عَلَى حالة مصر قبل الفرنسيس وحالة أمرائها وأخلاق محمد علي وعلى إخراجه من كان بمصر من المفسدين من المماليك وغيرهم وعلى تعميره لأرض مصر وإحياء قطرها بالزرع وعلى بعض آثاره من البنية والعمارات وعلى ذكر إحياء الدولة الكتبة المسلمين وعلى ما انشأه من السفن وعلى ذكر العساكر الجهادية ووجوب اتخاذهم بالأدلة الشرعية والسؤال عن القوانين الموسومة للعساكر الجهادية هل هي مطابقة بعد للشرع الشريف أم لا.
ومن مخطوطاتها الدر الثمين في تاريخ اليمن في أيام الإمام محمد بن عايط، وكتاب روح الروح فيما حدث بعد المئة التاسعة من الفتن والفتوح في اليمن. وفي الخزانة كتب منقولة بالفوتوغرافيا وهي من الأمهات أو النوادر ولا بأس أن نشير إلى بعض ما حوته خزانتنا الزكية من الكتب المأخوذة بالتصوير الشمسي فمنها تاريخ السودان في أيام محمد علي وكتاب المجاراة والمجازاة للصفدي ونسختان من الهدايا والتحف للخالديين ومختصر ذخيرة ابن بسام للأسعد بن مماتي والتذكار الجامع لمن ملك طرابلس ومن كان بها من الأخيار وهو التاريخ الوحيد في ما نعلم الذي ألف في هذه المملكة عَلَى انفراد. والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي (في ثلاثة أجزاء) والبصائر الذخائر له أيضاً (في خمسة أجزاء) ومقدمة ابن خلدون وفيها تصحيح المؤلف وخطه. والشعور بالعور وهو قاموس لأعظم المشاهير الذين أصيبوا بفقد إحدى أعينهم، وصبح الأعشى نسخة كاملة سبع مجلدات فرغ المؤلف منها سنة ٨١٤ وهذه النسخة مكتوبة سنة ٨١٧ وهي أجود من النسخة المبتورة الموجودة في دار الكتب الخديوية وروايات المبرزين وأعلام المميزين لابن سعيد الأندلسي.
стр. 5337
ومن المخطوطات رحلة الشيح محمد بشير البرتلي من بلاد توات إلى الحرمين وصف فيها الصحارى والبلاد في القرن الثاني عشر للهجرة وقطعة منقولة بالفوتوغرافيا من كشف البيان عن وصف الحيوان، وهو موسوعات ألفها فتح الله السكندري الذي كان في أيام السلطان الأشرف برسباي وهو عبارة عن ستين جزءاً موجودة بخط المؤلف في المكتبة السليمانية وفي مكتبة طوبقبو بالآستانة. وفي هذه القطعة معلومات وافية غريبة عن المؤلف والمهم ذكر قائمة الكتب التي نقل عنها وهي تربو عَلَى الثلاثة آلاف كتاب. من المخطوطات من عيون التواريخ لابن شاكر جزآن (ومنه عدة أجزاء في المكتبة الظاهرية بدمشق وكتاب ما يعول عليه في المضاف والمضاف إليه وأرجوزة الصفدي في جميع من حكموا دمشق الشام عَلَى عصره ورسالة أخرى في ذات الموضوع عَلَى ترتيب حروف الهجاء وفي المكتبة الأحمدية في حلب) ومن المنقول بالفوتوغرافيا سير أعلام النبلاء للذهب أصله في أربعة عشر جزءاً ضخمة وكان موجوداً في القاهرة وفيها فقد الجزء الأول والثاني ثم انتقلت النسخة كما قال زكي باشا في جملة ما انتقل من كتب مصر إلى القسطنطينية وهناك ضاع الجزء الأخير فبقي من الكتاب ثلاثة عشر جزءاً. ومن المخطوطات كتاب الداني في حروف المعاني لبدر الدين ابن أم القاسم ومنها التحفة الوردية للعلامة عبد القادر البغدادي وهو كتاب مفيد جداً بالأدب وحسبنا في التعريف به نسبته لمؤلفه. وألطف ما فيه ما كتبه المؤلف بخطه في آخره:
قابلها مؤلفها وصحح ما تيسر منها فإن كاتبها لا يكاد يكتب كلمة صحيحة لا بارك الله فيه فإنه أتعبني في تصحيحها من غير نسخة فإن الأصل كان عنده ليكتب منه ستكتب هذه النسخة كان مسافراً نفع الله بها من كتبت لأجله وهو الوزير الجليل والصدر النبيل عبده باشا الشهير بنشانجي باشا لطف الله به في الدارين آمين. قاله بفمه وكتبه بقلمه الفقير إلى الله تعالى محبه عبد القادر البغدادي لطف الله به وبأسلافه وبجميع المسلمين. وتم ذلك في الليلة الرابعة عشرة من شهر رمضان من شهور سنة ١٠٨٧. وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله عَلَى عبده وخليله محمد وآله وصحبه وسلم إلى يوم الدين. .
وأهم المخطوطات في هذه المكتبة مجموعة كاملة للمؤلفات العربية الخاصة بالكتابات السرية المعروفة الآن بالشفرة وكيفيتها عند العرب واستخراجها. قال صاحب هذه الخزانة
стр. 5338
وكان العرب تسمي هذا الفن بفن الترجمة ورحل التراجم وحل المترجم والذي يشتغل بذلك المترجم (بكسر الجيم) ولذلك ترى المؤلفين الأقدمين مثل ابن النديم وغيره عندما يتكلمون عن الكتب المنقولة عن اليونانية والفارسية يستعملون في الغالب لفظة النقل ولا يستعملون لفظة المترجم ولا الترجمة إلا نادراً. ولما كان هذا العلم خفياً خاصاً بأسرار الحكومات الإسلامية فكان مضنوناً به ولا يصل الجمهور إليه فلذلك جهل كثير من الناس معنى هذه الكلمة حتى أن كتب اللغة لا تشير إليها بل إن شراح المقامات (عندما أشار الحريري إليها في إحدى مقاماته) جهلوها ولم يفسروها وتمحلوا فيها بل إن صاحب لسان العرب نفسه لم يذكرها كان عارفاً تمام المعرفة بهذا الفن وكان هذا الفن مستعملاً في الدولة الإسلامية من أيام المأمون إلى الحروب الصليبية فأخذ الإفرنج عن المسلمين الذين أخذوا مبادئه عن اليونانيين ثم رده الإفرنج إلينا. ولجهلنا بمعارف أهلنا اخترناه باسمه الجديد عند الإفرنج وهو الشفرة التي نقلها الإفرنج عن كلمة صفر العربية واستعملوها بمعنى الأرقام لأنهم استخدموا الأرقام بدلاً من الحروف في الكتابات السرية ثم غننا جعلنا بدلاً من الشفرة لفظة الجفر لتقارب المخرجين خصوصاً وإن الجفر كان يستعمل في الألغاز بالحوادث المستقبلة فصار من هناك شبه علاقة جعلت العامة تعتقد أن الجفر المستعملة الآن هي مأخوذة من لفظة جفر المستعملة في كتابة الملاحم. والصواب غير ذلك.
ويضيق بنا المجال إذا أردنا الإفاضة أكثر من ذلك في وصف هذه الخزانة. ومما فيها كثير من المصورات (الخرائط) المعمولة في أيام العباسيين وبعدهم وخريطة إفرنجية صنع العلامة فلاماريون الفلكي عن السماء وما فيها من الكواكب عليها أسماء الكواكب بالعربي والفرنساوي وضعها زكي باشا. ومنها مجموعة الفرمانات الصادرة باللغة التركية بخصوص الحكومة المصرية من أول محمد علي إلى آخر إسمعيل. ومجموعة أخرى من المصورات لبلاد الأناضول المشهورة مرسومة مدنها بالألوان تريها ظاهرة مجسمة لواحد من أرباب الفنون المسلمين. وفيها صورة جميلة للسلطان صلاح الدين الأيوبي.
ومن مزايا هذه المكتبة أن صاحبها مثل صديقنا أحمد بك تيمور يعرف ما في خزانته، ليس جماعة للكتب فقط. وعلى بعض شروح وحواش وورق ومفكرات. وتجد فيها الكتب المطبوعة النفيسة أكثر من المخطوطة العربية وأكثر من الإفرنجية والخزانة التيمورية
стр. 5339
أغنى بمخطوطاتها وأحسن بتنسيقها كما أن الخزانة الزكية أغنى بمطبوعاتها النادرة. ولكل منها مزية تختلف باختلاف محيط صاحبها وأسبابه ومعارفه. ومن غريب الاتفاق أننا كنا هذه المرة أيضاً مع أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري يوم زيارة المكتبة الزكية زيارة طويلة لنستملي من صاحبها البحاثة بعض ما لقفناه عنه آنفاً.
عَلَى أننا نعرف خزانته منذ ثماني سنين وكان حفظه الله رخص لنا بالاختلاف إليها يوم كانت في داره بعابدين أي وقت أحببنا، كما فعل الآن، وإنا نأخذ منها ما نشاء ونرجعه متى نشاء، وقد فعل هذه المرة كذلك ولم يخص بهذه النعمة الأدبية إلا أفراداً معدودين من أصحابه. وإنا لنرجو في الختام أن تطول أيام أحمد زكي باشا لينفع مصر وكل قطر يعلمه ويعلم هذا الشرق العربي بهمته ويزيد في نهوضنا العلمي والأدبي بمشاركته الغربيين ومنافستهم في إحياء آثار سلفنا.
стр. 5340
اللغة الانتقادية
بقية ما في الجزء الماضي.
أشرعت الباب في الطرق وشرت لكم في الدين شريعة. أشب الله قرنه والرجل شب ولده وشب الغلام يشب شباباً والنار والحرب شبوباً وشباً. اشتهرنا في المكان أقمنا فيه شهراً وشهر سيفه وأمره شهراً وشهرة. أشكيته ألجأته إلى أن يشكون وإذا نزعت عن شكايته وشكوته شكاية. أشجاه أغصه وشجاه حزنه. أشكل عليّ الأمر وشكلت الكتاب والظاهر فيها شكولاً. أسررت الشيء أظهرته، وسررت الملح والأقط نشرته ليجف، أشاف عَلَى كذا وأشفي أرشف، وشفت كذا أشوفه جلوته، أشخص الرامي جاز سهم الهدف، وبفلان اغتابه وشخص لسفره شخوصاً وببصره فتح عينه. أشم مر رفعاً رأسه وشممت الشيء شماً وشميمياً، أشاد بذكره رفعه وبالشيء عرفه، وشاده يشيده شيداً أي جصصه بالشيد وهو الجص، أشعب الرجل مات أو فارق فراقاً لا يرجع وشعب كذا ألم بينه وفرق بينه ومنه سمي المنون شعوباً، أصحت السماء وصحا السكران يصحو صحواً أصعد في الأرض وصعد في الجبل قال أبو زيد ولم يعرفوا أصاف الرجل ولد له بعد ما أسن، وصاف السهم عن الهدف عدل. أضاح الرحل كثر ضياعه وضاع الشيء يضيع ضيعة وضياعاً وضاعه كذا يضوعه حركه ومنه تضوع الطيب تحركت ريحه، اضرب عن الأمر في بيته أقام وضرب في الأرض خرج فيها باغياً للرزق، أضجوا صاحوا وجلبوا وضجوا وجزعوا، أطل عليه أشرف، وطله دمه أبطله أطرق الرجل سكت فلم يتكلم، وأطرق الإبل تبع بعضها بعضاً وطرق طروقاً أتى ليلاً. أطلى الرجل مالت عنقه، وطليت الإبل من الجرب، وهو يطليه أي يرضه، أطاع له المرتع أي اتسع وأمره إطاعة لا غير، وطاع له أن قاد، أطلع النخل خرج طلعه وألعت من فوق الجبل وأطلعت، أطاف به ألم، وطاف حوله يطوف طوفاً وطاف طوفاً، وأطاف يطاف أطيافاً إذا ذهب إلى الغائط وطاف الخيال يطيف طيفاً، أعجمت الكتاب وعجمت النوى عضضته، أعرضت عن الشيء وعرضت العود عَلَى الإناء والسيف عَلَى الإناء والسف عَلَى فخذيه والجند قيل قد فاته العرض كقولك القبض والنقض والحبط والرفض لما يقبض ويرفض وينقض، أعنته من العون وعنته صبته بعين فهو معيون أعرته كذا وعرته صيرته أعور، أعلق الحابل وقع في حبالته
стр. 5341
الصيد، أعيت في المشي وعييت في المنطق فأنا عيي وعى.
أغلقت الباب ولا تقل مغلوق وأغفيت ولا تقل غفيت أغث الحديد فسد، وغاثت الشاة هزلت. أغل الجارز ترك في الإهاب لحماً وأغل وغل خان وغل صدره غلا وأغل صار له غلة. أغبر في طلب الحاجة جد فيها وأثار الغبر وغبر بقى والغبر بقية اللبن في الضرع وبقية الليل. أفلق في كذا جاء بفلق أي أعجب وفي العلم برع وقلق الهامة والصخرة أي شقها. أفرى الذئب بطن الشاة إذا شقه، وهو يفري ال فرا إذا جاء بالعجب، أفرق من علته وفرق شعره وبين الحق والباطل، أفليت صرت في فلاة وفليت رأسه وشعره وفليت بالسيف، أفتق قرن الشمس أصاب فتقاً فبدا منه وفتق الطيب والناس من عرفات دفعوا أفرضت وجبة فيها الفريضة، أفصح الأعجمي وفصح اللحان. أقفلت الجند من مبعثهم فقفلوا قفلاً وقفولاً وخيل قوافل ضوامر. أقرن له أطاقه، والرمح رفعه، وقرن بعيرين في حبل وبين الحج والعمرة أقلعت عنه الحمى وهو في قلع من حماة، وأقلع عما كانت عليه، وقلعت الشيء من أصله، أقبرته صيرت له قبراً يدفن به، وقبرته دفنته. أقصيته أبعدته وقصوت البعير فهو مقصو، قطعت طرف أذنه وجمل مقصو مقصي ولا ت قل أقصى أقبست الرجل علماً وقبسته نار جثته له فإن طلبها هو قيل أقبسته أقم الفحل الإبل لقحها جميعاً، وقم الكبيت كنسه، أقدته أسقته أعطيته خيلاً يقودها ويسوقها، أقرأت المرأة إذا طهرت وإذا حاضت. أقات عَلَى الشيء اقتدر عليه وقات أهله قوتاً والقوت الاسم وما عنده القيت ليلة وقيتها، أكرى الكرى ظهره وأخذ كروته (كذا) أو كرى نقص وق يل زاد والحديث أطاله والشيء أخره وقال فقيه العرب من سره النسا ولا نسا فليبكر العشا وليباكر الغذاء وليخفف الرداء وليقل غشيان النسا، وكروت بالكرة كرواً ضربت بها أكب عَلَى العمل وكب الإناء وكبع لله لوجهه. الأح من ذلك أشفق وبحقي ذهب به ولاح البرق والسيف يلوحا لوحاً. ألوى به ذهب به والقوم بلغوا الرجل والبقل صار لوياً أي بعضه يابساً وبعضه فيه ندوة ولوى يبده لياً ولواه بالدين مطله لياناً. أمقر الشيء صار مرّاً والمقر الصبر ومقر عنقها دقها. الإمحاق أن يهلك المال كمحاق الهلال وماحق السيف شدة حره وحقت الشيء أمتعت عنه استغنيت وقول الراعي:
خليطين من شعبين شتى تجاوزا ... قديماً وكانا بالتفريق أمتعا
стр. 5342
قال الصمعي ليس أحد يافرق صاحبه إلا أمتعة الشيء يذكره فكان ما أمتع هذان تفرقا ومتع النهار ارتفع ونبيذ مانع شديد الحمرة وحبل مانع جيد انصلت الرمح نزعت نصله أنصلته ركبت عليه النصل ومنصل الأسنة (رجب) لأنهم كانوا يتنازعون السنة فيه فلا يتحاربون. أنهدت الحوض أي ملأته وحوض نهدان ونهدت للعدو أي نهضت له. انصف فلان صاحبه وقد أعطاه النصفة ونص ف النهار ينصف والأوار ساقه بلغ نصفها والقوم نصافة خدمهم والناصف الخادم أنضيت البعير هزلتها فهو نضو ونضيت السيف وانتضيته سللته ونضا بربه ألقاه والخضاب نصل. أوعيت المتاع في الوعاء ووعيت العلم حفظته أوهمت مائة في الحساب أسقطها ومن صلاتي ركعة أوغل في البلاد تباعد ووغل في القوم دخل فيهم وهم يشربون من غير أن دعي ورجل واغل ووغل وفي الطعام وارش أو نزعه أغراه ووزعه كفه وقيل (لا بد للسلطان من وزعة) أي كففة. أولع بكذا والاسم الولوع وولع يلع ولعاً وولعاناً كذب. أهجد البعير ألقي جرانه عَلَى الأرض وهجد هجوداً أنام ليلاً.
باب ما يضعه العامة في غير موضعه
أطعمنا خبز ملة وخبزاً مليلاً ولا تقل أطعمنا ملة فإنها الرماد الحار، ماء اغمر وما اشد غموره ورجل غمر الخلق واسمه وفي صدره غمر أي غل ورجل غمر من قوم إغمار تبين فيهم الغمارة والغمر القدح وفي فلان ميل (بالسكون) وفي الحايط ميلٌ (بالتحريك) وفاض افناء يفيض فيضاً. عرج صار أعرج وعرج عليه أقام. لاح سهيل بدا ولاح تلألأ. تسمع بالمعيدي لا أن نراه منسوب إلى تصغير معد فاجتمع التشديدان فخفف الغل في الطش وفيما يقيد به والغل العداوة ويقال خرجنا نتنزه إذا خرجنا إلى البساتين وإنما التنزه التباعد عن الماء والريف فلان بنزهة عن الناء والشراب وفلان نزيه بعيد عن اللوم وتنزهوا بحرمكم عن القوم أبعدوها عنهم عزت إليك بكذا وأوعزت. صدقة المرأة وصداقها. ماء ملح وسمك مليح ومملوح ولا تقل مالح افعل كذا وخلان ذم أي لا تذم ولا يقال ذم ضربة لازم وقيل لازم ولاتب بإضبارة من كتب وإضمامة وللجمع أضابير وأضاميم. شيء رزين وثقيل وامرأة رزان الفحال لا يقال إلا في النخلة جمعه فحاحيل وعينان الكتاب عنوانه وعلوانه وقد عنونته وعلونته مهلاً يقال للواحد والجمع والمذكر والمؤنث عَلَى لفظ واحد ولا يقال يغنى عنك مهل وهلم كذلك ومنهم من يقول هلم وهلموا
стр. 5343
وهلمي وهلمي تقول إيه إذا استزدته وأيها إذا كففته وويها إذا أغريته وواها إذا تعجبت منه وتقول صه ومه إذا سكت عليه وإذا واصلت قلت صه ومه يا فلان وإذا قيل هل لك في كذا قلت فيه حاجة فحذفت الحاجة من السؤال والجواب.
إن أخطأت فخطئي وإن أصبت فصوبتي وإن أسأت فسؤ علي أي قلت لي أسأت وسوأت عليه ما صنع أي قبحته وأخطأ خطئ لغتان يقال (مع الخواطئ سهم صائب) لمن يخطئ كثيراً ويصيب مرةً ورجل أعسر يسر ولا تقل ايسر ويأمن بأصحابك وشايم أخذ بهم يمنة وشامة تكلم فلان فما أسقط حرفاً وما أسقط بحرف كقولك أدخلته ودخلت به وغفلت عنه وغفلته وأغفلته وجن عليه الليل وأجنه وقيل جنه بالضيح (الشمس) والريح ولا تقل الضيح النقد عند الحافرة أي عند أول كلمة وقال تعالى (إنا لمردودون في الحافرة) أي في أول أمرنا فلان يسئل ولا تقل يتصدق في معناه فلان وفلانة كناية عن الآدميين والفلان والفلانة عن البهائم. عايرت الموازين عياراً ولا تقل عيرتها وعيرته بذنبه. عاد الظليم صاح يعار عراراً ولا تقل عر. كانا متهاجرين فأصبحا يتكلما أخوه بلبان أمه ولا تقل بلبن أنه وهذه عصا وعجوز وأتان وعرس وفهر. وقتب لواحد الأقتاب أي الأمعاء وقدوم وأضحى كلها مؤمنات لا يدخلن الهاء وسميت الأضحى بجمع أضحاة أي الشاة التي يضحى بها بقال أضحاة وأضحى واضحية والجمع أضاحي وضحية وللجميع ضحايا.
ومما تضعه العامة في غير موضعه
تقول للمعلف أرى وإنما الأرى والأخية محبس الدابة وللجميع الواري والأواخي تأدبت بالمكان تحبست فيه وارت القدر لصق بأسفلها شيء من الاحتراق كبر حتى صار كأنه قفة أي الشجرة البالية لا يقبل منها طرف ولا عدل الصرف الحيلة من قولك أنه يتصرف يقال أكذب من دب ودرج أي أكذب الأحياء والأموات يقال درج القوم إذا انقرضوا هو نشيج وحده لمنلا شبه له وأصله أن الثوب الكريم لا ينسج عَلَى منواله غيره أحمق ما يتوجه إلى ما يحسن أن يأتي الغائط وأصل الغائط المطمئن في الأرض وزكان من يقضي حاجته إلى الغائط فقل ذلك لمن قضى حاجة التيمم أصله القصد وصار اسماً لمسح. الوجه واليدين بالتراب المسافة المفازة أصلها من السوف الشم وكان الدليل إذا ضل بفلاة شم التراب فعلم أنه عَلَى الطريق وكثر استعماله فصار يسمون البعد المسافة. لبيك وسعديك تأويله البابا ليعد
стр. 5344
الباب أي لزوماً لطاعتك يقال ألب بالمكان اقام به مرحباً وأهلاً اتيت سعة وأهلاً فلا تستوحش حياك الله وبياك حياك ملكك والتحية الملك وبياك اعتمدك بالخير يقال إعرابي جلف أصله من إجلاف الشاة وهي الشاة المسلوخة بلا رأس ولا قوائم ولا بطن خاس. الطعام والبيع اصله من خاست الجيفة في أول ما تروج فكأنه كسد حتى فسد. لا لاتبلم عليه أي لا تقبح أصله من أبلمة الناقة ورم حيائها من شدة الضبعة وأبلم الرجل ورمت شفتاه توحش للدواء أي اخل جوفك له يقال بات وحشاً إذا لم يطعم وباتوا أوحاشاً ليلتين. الأسير أصله أنه كان يؤخذ فيربط بالقد وأسره أي شده فصار الأسير اسماً للمأخوذ قال الله تعالى ابن عوف رجل قوي. رجع بخفي حنين لمن رجع عن حاجته قيل أنه كان رجل ادعى إلى أسد بن هاشم فأتى عبد المطلب وعليه خفان أحمران فقال عبد المطلب لا وثياب هاشم ما أعرف شمائل هاشم فيك فارجع فقالوا رجع حنين بخفيه فصار مثلاً. الشرف والمجد يكونان بالآباء يقال شريف ماجد والحسب والكرم بالنفس وإن لم يكن آباء لهم شرف. يقال فلان شولة الناصحة وشولة كانت أمة رعناء تنصح مواليها ونصيحتها وبال عليهم. الطفيلي منسوب إلى طفيل رجل من أهل الكوفة يأتي الولائم من غير أن يدعى إليها يسمى طفيل الأعراس فكان يقول ودد أن الكوفة بركة مصهرجة فلا يخفى عَلَى شيء منها والعرب تسم ي الطفيلي في الطعام. الوارش وفي الشراب الواغل. بقرطكي مارية هي مارية بنت أرقم. قولهم في تحية الملك (أبيت اللعن) أي أبيت أن تأتي ما تلعن به. قرم إلى اللحم وعام إلى اللبن ورجل عمان وامرأة عيمى. يقال أم وعام أي هلكت امرأته وماشيته فصير إيماً وعميان. ووحمت المرأة اشتهت شيئاً عَلَى حملها والماشية تكون من الإبل والغنم وناقة ماشية كثيرة الأولاد البعير كالإنسان للمذكر والناقة كالمرأة والبكر كالفتى والبكر كالفتاة والقلوص كالجارية. الفقير الذي له بلغة. والمسكين من لا شيء له، الأرامل المساكين من الرجال والنساء وأرمل نفذ زاده.
وعام أرمل وسنة رملاء قليلة المطر. رمح ذو الحافر وركض ذو الخف وضبط البعير بيده. المزاد ما يستقى فيه الماء والراوية ما يحمل عليه الماء وقد رويت القوم استقيت لهم الماء ضفرت. المرأة الشعر ولها ضفيران وضفران ولا تقل ضفيرتان. الزوج يقال للرجل والمرأة وقيل زوجه وزوجته. امرأة تزوجتها وليس من كلامهم تزوجت بها وأما قوله تعالى
стр. 5345
(وزوجناهم بحور عين) فمعناه قرناهم وهي لغة ويقال زوجا حمام للذكر والأنثى. الغلط في الكلام والغلت في الحساب يقال غلط وغلت. توضأت وضوءاً وقد وقدت النار وقوداً ووقدا وقدة والوقود حطب يوقد به والطهور والغسول والبخور والذرور والسقوف والسعوط والسنون والسحور والفطور ما يفعل به ذلك. واللبوس ما يلبس. والقرور والبرود ماء بارد يغسل به وقد اقتررت والسدوس الطيلسان وسدوس اسم رجل. والعلوق ما يعلق به الانسان وبه سمت المنية علوقاً. السموم والحرورالريح الحارة. والذنوب لحم أسفل المتن. والدلو فيها ماء القيوء دواء يشرب للقيء. العقول دواء يمسك به البطن والمشوش ما تمش به اليد أي تمسح والمش مسح اليد بالشيء. الخشن والرقوء ما يرقأ به الدم هو شبوب لكذا أي يزيد فيه ويقويه والصعود مكان فيه ارتفاع والمؤد العقبة الشاقة وهبوط وحدور وحطوط شبوب اسم للمنية خاصة القرقل لما تقول له العامة القرقر والقافوزة والقازوزة فمولدة هو مضطلع بحمله أي قوي مفتعل من الضلاعة وفرس ظليع ولا يقول مضطلع والراكب الذي عَلَى البعير وإلا ركوب أكثر من الراكبوهم أصحاب الإبل والركاب الإبل الواحد ولا واحد من لفظها لها. زيت ركابي يحمل عَلَى الإبل والفارس راكب الفرس والحمار والبغال قيل حمار وبغال ورحالة وخيالة رجل نابل ونبال من النبل فإنه يعلمه فنابل رجل سايف وسياف وتراس ودراع ومتقوس ومتنبل معه هذه الأشياء وفارن معه سيف ونبل ومقنع عليه مغفر والمؤدي والمدجج والشكاك والشانك التام السلاح.
البغايا الفاوجر والطلائع فواحدة الإماء بغي وواحدة طلائع بغية أي طليقة في سبيل الله أنت ولا تقل في سبيل الله عليك طوبى لك ولا تقل طوباك ما به من الطيب ولا تقل من الطيبة سخرت منه ولا تقل وعجوز ولا تقل عجوزة تلك وتيك ولا تقل ديك كلية ولا تقل كلوة وكليته أصبت كليته حسبي كذا أو حسبي من كذا واحسبني كذا كفاني ولا تقل بسى قدى من كذا وقدني وقطي وقطنا وبحسبي كذلك.
النجف (العراق).
محمد رضا الشبيبي.
стр. 5346
آثار العرب الخالدة في أوربا
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء! بيدك الخير إنك عَلَى كل شيء قدير
قرآن شريف.
سادتي
أقرئكم تحية العرب فأقول لكل فرد: سلام عيكم،
وأثني بتحية الإسلام فأقول لكم جميعاً: السلام عليكم،
وأعزز هذه التحية المزدوجة بما أخذه الإفرنج عن العرب فأقول لكم بمراعاة المعنى الصحيح:
هذه الكلمة، أيها السادة، وإن كان الإفرنج قد نقلوها إلى معنى التملق والمبالغة في الخضوع والخنوع والخشوع، لكنها في الحقيقة تدلنا عَلَى تأثير الحضارة الإسلامية عَلَى أمم الغرب في أوريا. أفليس من سنة هذا الكون ومن نواميس العمران أن الاحتكاك بين الأقوام المختلفة وإن اختلاط الشعوب المتباينة لا بد أن يترتب عليهما تأثيراً لبعضهما عَلَى البعض الآخر حتى يظهر هذا التأثير في الأحوال العامة وفي الشؤون الخاصة؟ وذلك التأثير مصدره قوة الحضارة. فيكون ضعيفاً ضئيلاً أو قوياً جسيماً بحسب ما وصلت إليه الأمة الغالبة من الارتقاء في سلم المدنية، وبقدر ما نالته من السيطرة والرجحان.
فأيما أمة استبحر العمران بين أبنائها فلا بد لها من التبسط في الأرض والتغلب عَلَى الأمم، فلا يلبث أن يكون لها سلطان (ولو معنوي) عَلَى البطون والعشائر التي تجاورها أو تمازجها أو تأتمر بكلمة منها. وأثر ذلك أن يظهر للمتأمل المتفكر كجبين الصبح ووضح النهار في الأمور المعاشية من زراعة وصناعة وتجارة، بل في الأخلاق والعادات والطباع، بل في العلوم والمعارف، بل في الجد والهزل والوقار والخلاعة.
لست أذهب بكم بعيداً في إثبات هذه الظاهرة العمرانية وهذا الناموس الاجتماعي وإنما أناشدكم أن تنظروا عن أيمانكم وشمائلكم وفيما بين أيديكم، أفلا ترون الرجل من قومنا ممن لا يحسن التلفظ بلغة أمه وأبيه، ولم يرزقه الله إلماماً قليلاً برطانات الأعاجم، أفلا ترونه يبادر صاحبه ومشاكله عندما يلقاه في ليل أو نهار: بونجور مون شير، بون سوار؟.
أفليس من المحقق المجزوم به أن أبنائنا سيلقون في الغيط وفي البيت جود مورننج ماي
стр. 5347
دير، جود نايت؟ بل قد خرجت هذه الكلمة من أفواههم!
ذلك لعمري من خور النفوس وضعف الطبيعة وانحطاط الأخلاق. وقد يكون من باب التنطع عند العلماء، ومن باب الحذلقة (الحفلطة) في أنصاف العلماء (وهم شر الناس). وأما الجاهلون فحسبهم أنهم جهال. ويقيني أن التنطع والحذلقة من الأمور التي لا بد لنا من محاربتها لنكون قوامين عَلَى لغتنا وذاتيتنا، وليكون لنا سعي مشكور في إحياء آدابنا وإحياء بلادنا.
عَلَى أن موضوعي في هذه الليلة سيضطرني في كثير من المقامات إلى التذكير بألفاظ أجنبية مأخوذة عن العربية لأبين ما تركه أجدادنا من الآثار الباقية والمآثر الخالدة في الأمم الأوربية. فعلى سبيل التمهيد ومن باب الدخول في الموضوع أستأذنكم في إلقاء جملة صغيرة باللغة الفرنسية يتغلغل بها الكلام وليأخذ الحديث برقاب بعضه بعضاً.
لا جرم أن يأخذكم العجب وتتولاكم الدهشة إذا قلت لكم يا سادتي إن كلمتي مشتقتان عن جرثومة عربية محضة فالأولى (ونظيرها عند الطليان فعل مأخوذة من قول فلان حائر بائر. وأما الثانية فهي من قولهم بهرت فلاناً فانبهر. فهل يصح لأحد أن يحار بعد الآن في ذلك الاشتقاق) وقد ظهر السبب فبطل العجب؟ وهذا كما ترى.
أقف هنا قليلاً. ولا أزيدكم علماً بأن الفرنسيين كثيراً ما يستعملون كلمتي وتحليلها اللغوي وانظر إلى ذلك أو كما يقول عامتنا أهو كده هو كذا ويضارع ذلك قول العرب: وهذا كما ترى تلك الجملة ترد كثيراً في مسامرات أبي حيان التوحيدي مع وزير بغداد كما نراه في كتاب الإمتاع والمؤانسة الذي أحضرته في هذا العام من خزائن القسطنطينية. وربما حاضرت قومي به وبموضوعه في فرصة أخرى.
ذكرت لكم في الجملة الفرنسية كلمة ثالثة وهي كلمة وأصلها عربي أيضاً. ولو نطقنا بها عَلَى الطريقة الطليانية لقلنا: سوكي أو لو
بحثنا ما يقابله عندهم لوجدنا فلو سقنا الآن آية من القرآن لظهر أصل الاشتقاق. قال الله تعالى في وصف الصحابة: (رحماء بيتهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً. سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل
стр. 5348
كزرع أخرج شطأه (فراخه وورقه) فآزره فاستغلظ فاستوى عَلَى سوقه يعجب الزرّاع) (الآية).
أخذ الإفرنج كثيراًَ من طرق العرب واساليبهم في الزراعة كما سنبينه فيما يجيء، واخذوا معها اللفاظ تارة وهي في حالة المفرد وتارة في حالة الجمع. ومن هذا القبيل كلمة التي نحن بصددها أخذوها عن سوق جمع ساق ثم حرفوا معناه عن أصله فنزلوا بها إلى باطن الأرض وجعلوها بمعنى الجرثومة والأصل: ثم توسعوا فيها فأطلقوها عَلَى جميع المعاني التي تدل عليها الجرثومة في اللغة العربية حساً ومعنى، حقيقة ومجازاً.
وهناك ألفاظ كثيرة جداً تدل عَلَى تأثير العرب في الإفرنج تأثيراً باقياً إلى الآن:
نعم إن المعالم ذهب بها الأيام والعوادي، ولكن أثرها قد بقي. فالأطلال تحدث الشاعر الباحث. وتستوقف الناظر والمسافر وتناجي الضمائر والخواطر، بما كان للعرب في تلكم البلاد من المآثر والمفاخر.
وسأغترف لكم نذراً يسيراً مما علمت أنه مأخوذ عن العربية وقد تأصل في اللغة الفرنسية الجميلة (وما يتبعها من اللهجات الخاصة ببعض الأصقاع في فرنسا) وفي اللسان الطلياني (وما تولد عنه أو من اللهجات الشائعة في شبه الجزيرة الطليانية وما إليها من الجزر الأخرى) وفي لغتي الإسبانيين والبرتقاليين (وما تفرع عنه أو تفرع عنهما في ربوع الأندلس بحسب الاصطلاح الجغرافي العربي من الرطانات المتداولة الآن أو التي قضى عليها ناموس النشوء والارتقاء بالدخول في خبر كان).
قلت لكم إنني سأغترف من ذلك شيئاً، ولست أتعدى كلمة الاغتراف قبل أن أحيطكم علماً أن الإفرنج أخذوا عنها كلمة الفرنسية الطليانية الصقلية الإسبانية. ولكنهم كلهم تطابقوا عَلَى تناقل اللفظ العربي من المصدرية إلى الاسمية. فهو عندهم لإناء من الزجاج يوضع فيه الخمر أو الماء. ومن ذا الذي في مصر الآن إذا ذهب إلى محل تجارة مذكور لا يكون قوله مفهوماً إذا طلب المشتري الكاراف؟! نعم إن الطالب والمطلوب يتفاهما وكلاهما بغير العربية لا يتراطتان أرهما بها يتراطتان. لا اريد أن أتشبه بهذا البائع وبهذا المشتري، فلا أجول أمامكم في مضمار لست من فرجائه. فاللغة الإنكليزية قليل وبالألماني هو والعدم سواء، وباليونانية كالصفر عَلَى يسار الأقلام، إلى ما هنالك من لغات أخرى قد أخذت عن
стр. 5349
العربية طائفة صالحة من الألفاظ والمسميات مما يتعلق بالعلوم أو بحاجات المعيشة والأرزاق، كما أننا الآن نأخذ منهم بعقل وبدون تعقل، وبفكر وبلا تروٍ حتى أصبحنا عالة عَلَى تلك الألسنة الأعجمية فيما قد نجد له بديلاً وعنه غناء في لغتنا. دع عنك الألفاظ التي يتواضع العلماء عليها لأغراض مخصوصة أو لمستحدثات لم تكن معروفة، فهذا النوع من الألفاظ ملك شائع لجميع بني الإنسان. وهكذا سنة الله في خلقه: يوم لنا ويوم علينا، (وتلك الأيام تداولها بين الناس).
وأنا أملي (أستغفر الله) بل الواجب علينا جميعاً معاشر الناطقين بالضاد، وأهل مصر عَلَى التخصيص، أن نتضافر ونتعاون في هذا العصر العباسي الزاهر وفي ظل مليكنا الرحيم وبعناية رجال حكومته الحاضرة، فنكون عصبة واحدة ونعمل عملاً متواصلاً متوالياً حتى يسنا لنا إحياء آدابها لتجديد العلوم فيها، ولإيجاد بواعث الارتقاء المنشود. فتلك هي لعمري الخطة الوحيدة التي تجعل لنا مقاماً كريماً بين الناس، كما كان لأجدادنا السابقين إلى الغايات.
أيها السادة
سبق لهذا العاجز الذي يناجيكم الآن أنه ألقى محاضرة بين يدي سيدي العباس بمناسبة افتتاح الجامعة المصرية. وقد أبنت فيها أن أهل الإسلام إنما تسنموا ذروة المجد بالرحلة إلى الأمصار وبقطع البحار وعملاً بالأمر الرباني الذي اوجب علينا المشي في مناصب الأرض، والسعي في طلب الرزق، والرزق عَلَى معنيين: مادي وأدبي، كما لا يخفى.
عمل أسلافنا بهذه الآية الحكيمة فنالوا ما نالوا، وعكسناها فصرنا إلى ما صرنا هؤلاء نحن نرى مئات المصريين إذا جاء القيظ يقولون هلم بنا إلى أوربا للاصطياف! هذه رحلة الصيف التي كانت لإيلاف قريش! وفاتهم أن رحلة الصيف كانت لكسب المال الحلال من التجارة، وللاستفادة من المنافع المرتبطة بالارتحال: أما قومنا الآن، فالسواد الأعظم منهم يهرع إلى أوربا في كل عام، وأنتم أعلم بالغرض الذي يرمون إليه وبالهدف الذي يترامون عليه وحواليه. أهم ينفرون خفاقاً وثقالاً (أستغفر الله) بل خفاقاً متأبطين ما خف حمله وثقلت موازينه، يحملون ورقاً يغني عن الورق تكذيباً للشاعر الذي قال لممدوحه:
أهديتني ورقاً لم تهدني ورقاً ... قل لي بلا ورق ما ينفع الورق
стр. 5350
ولو عاش هذا الشاعر إلى عصرنا لاكتفى من ممدوحه بالتوقيع عَلَى ورقة من السفاتج (التي يسميها أصحابنا بالكمبيالات) أو من المصرف الذي يخزن فيه أمواله بإمضاء عَلَى شيك من الشيكات، تلك الكلمة الثانية أصلها عربي عن اللغة الفارسية فهي الصك وجمعه الصكوك أخذ الإفرنج هذا اللفظ عن العرب في جملة ما أخذوه عنهم من اصطلاحاتهم التجارية والمالية فقال شيك
أصحابنا يهجروننا في الوقت الذي تحتاج فيه زراعاتهم إلى عنايتهم! وفي ذلك ما فيه من الضرر عليهم وعلى بلادهم! ناهيك أنهم لا يتشبهون بالطير! تغدو خماصاً وتروح بطاناً. وأما أصحابنا فيتهافتون عَلَى أوربة بطاناً وقد تأبطوا ما جمعوه أو اقترضوه من المال ويرجعون إلينا خماصاً بل صفر الوجوه، صفر الجيوب.
أفرأيتم أولئك الفلاحين الذين أغناهم الحظ، وهم لا يكادون يفقهون لغة أمهم وأبيهم، أفرأيتموهم حينما يقولون: إنا ذاهبون إلى البلد الفلاني لأجل الكور يقولون في أفواههم ما ليس في قلوبهم كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وما هي الكور (الاستشفاء والتدبير الصحي) كلمة سمعوها فأعجبتهم غرابتها واستعملوها ولا يدرون لها معنى ولا يقيمون لها وزناً ولا يعملون عَلَى تحقيقها فعلاً وعملاً!
غير أنني في هذا الشهر المبارك شمت بارقة من الأمل ولعلها مبشرة بغيث ينهمل في المستقبل، وأعني به المستقبل القريب.
فقد تشرفت وجمهوراً كبيراً (الواو هنا واو المعية) من أكابر الموظفين بتناول الإفطار أمس عَلَى طاولة الخديوية في حضرة ولي الأمر في مصر حفيد محمد علي ولا فخر، الجالس عَلَى نحت المعز وبنية القابض عَلَى صولجان صلاح الدين وذراريه، الوارث لتاج الظاهر، المتحلي بإكليل النصر، المستوي عَلَى عرش المؤيد، المتبؤ لأريكة الأشراف، مولانا وولي نعمتنا المقر الأشرف الحاج عباس حلمي الثاني محيي الآداب، العربية.
فقد حدثنا عن إعجازه بفتى من فتيان مصر رآه يجول في جبال الألب فيما بين فرنسا وسويسرا منقباً في بطون الوهاد منقراً فوق ظهور الأنجاد مستجوباً صياصي الأجبال. وغايته من ذلك أن يتعرف ما أبقاه العرب هنالك من المآثر والآثار أو ما تركوه من الرسوم الدوارس والأطلال.
стр. 5351
لم يكتف المليك بهذه الرعاية التي تتطال نحوها رقاب المجتهدين من أبنائه، بل بالغ في الفضل فأوصى رجال حكومته بأنة يساعدوا هذا الرجل (وهو محمود بك سالم) عند عودته ليتمكن من إتمام عمله الجليل وسعيه المشكور فيما يرجع بالفائدة عَلَى مصر خصوصاً وعلى الشرق عموماً.
لا ريب عندي أن رجال الحكومة فاعلون لأنهم يقدرون كل عمل نافع حق قدره ولأنهم قادرون عَلَى تعضيد كل مشروع مفيد.
ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين عَلَى التمام
كيف لا والإشارة صدرت من الأمير أدام الله لنا وجوده، وأتم عليه نعمته وأيده بروح منه حتى يكون حكمه السعيد مرشداً إلى سر التقدم الذي نبتغيه لتجديد المكارم بفضل حشمه ورجاله الذين وهبهم الله من العلم والحلم ما يؤذن برفع شأن الأمة المصرية.
لهذا السبب أردت أن أتعجل في القيام بالمفروض علي من امتثال هذه الإشارة والعمل بها فيما يدخل في دائرتي ويصل إليه مقدوري.
أردت أن أمهد الطريق أمام ذلك الصديق. حتى إذا ما عاد بالسلامة محمود بك سالم وجد النفوس متشربة بفائدة المشروع ورأى الأرض صالحة لهذا الغرس الطيب. فيكون شعارنا كلنا: حيَّ عَلَى عمل الخير!
ذلك هو البعث الذي نبتغيه بعد أن طال السابت، ذلك هو النشور الذي ننشده للشرق! فالحياة تتجدد في كل يوم عن يمينه في الشرق القصى وعن شماله في أوربا وأميركا وهو جامد في موقفه كأنه في البرزخ. أفلا تكون حركة من وراء هذا السكون؟
نعم فالحركة من مميزات الحياة. ونحن والحمد لله فينا بقية وإن كان بعض الناس ينظر إلينا فيخالنا كالنائمين في البراري، أو كاهل الكهف؟
بماذا تتجدد الحياة في الشرق
بالرحلة لعمري! كما ابتدأ دبيبه انتعشت بها الأمة العربية في أيام الأمويين والعباسيين. فمن المعلوم أن الوسيلة الواحدة تنتهي دائماً إلى غاية واحدة وأن المعلوم يدور مع العلة وجوداً وعدماً.
فلعل هذه الخطة الجديدة التي كنت ولا أزال أسعى وراءها منذ ربع قرن تصبح سنة بيننا
стр. 5352
وأنا اليوم عَلَى يقين من تحقيق الأحلام. فالداعي إليها اليوم ليس أحد أفراد الأمة وإنما هو صاحب التاج، والناس عَلَى دين ملوكهم.
هذا وإنني لا أبيع الحكمة إلا بحسن الاستماع ولا آخذ عليها ثمناً إلا فهم القلوب وهذا كما ترى!
يطربني وأيم الله أن أرى هذه السنة الجديدة متداولة بيننا معاشر المصريين فيرحل المقتدر منا إلى أوربا بشرط أن يجعل نصب عينيه العمل عَلَى الاستفادة مما وصل إليه أهلوها في حلبة الفضل وميدان التقدم.
لست أنكر عَلَى الراحلين أن يضيعوا معظم وقتهم وأن يصرفوا جل مالهم في لذات أنفسهم وشهوات بطونهم. ولكني أناشدهم وأناشدهم أمهم (مصر) أن يجعلوا الثلثين لهم والثلث لها وأن يعملوا بقول الشاعر:
والله مبني جانب لا أضيعه ... واللهو مني والخلاعة جانب
بل أكتفي منهم أن يخصصوا لوطنهم نصيباً زهيداً من اغترابهم فالذرة يتكون منها الطود الشامخ والقطرة هي أصل العباب الزاخر.
أملي فيهم أن يعودوا لنا بكتاب من كتب أجدادنا التي ليست في خزائننا (والخطب سهل فما عليهم إلا أن يصدروا أمرهم لأي إنسان من المشتغلين بالنقل بواسطة التصوير الشمسي) أملي فيهم أن يرجعوا إلى أهلهم وأهل بلادهم بفائدة (والأمر ميسور فما عليهم إلا ألأن ينظروا بالعيون التي خلقها الله وأن يعتبروا بالعقول التي أودعتها الحكمة الربانية في رؤوسهم). إن في أوربة الآن لآية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو رشيد.
فكما كانت الرحلة سبباً في تقدم الشرق في أيام السلف الصالح، فكذلك تكون إن شاء الله بفضل الجيل الحاضر وما يتلوه من الذراري والأعقاب.
كيف وصل المسلمون إلى أوربة؟
يقطع البحر الفاصل بيننا وبينها. هذا البحر الذي نسميه الآن بالبحر البيض المتوسط والذي كان يسميه أسلافنا بالبحر المتوسط لتوسطه بين أراضي أفريقية وآسية وأوربة واسمه المشهور عندهم بحر الروم. ولو أنهم سموه بالبحيرة الإسلامية لكانوا قالوا حقاً وأثبتوا صدقاً. فقد امتلكه المسلمون وامتلكوا ما فيه من الجزائر مثل: ميورقة ومنورقة
стр. 5353
(وهي المعروفة الآن بجزائر الباليار وكان المسلمون يسمونها بهذين الاسمين وباسم الجزائر فقط وأما القطر لجزائري المشهور فاسمه عندهم مأخوذ من اسم عاصمتهم جزائر بين مزغنة وابن مزغونة) ثم صقلية، وقوسقة وأقريطش (المعروفة الآن باسم كريد) وكل هذه الجزائر كانت الحضارة الإسلامية فيها باهرة زاهية زاهرة.
أما الجزائر الصغرى فكان شأنها كذلك مثل قبرص ورودس ومالطة. وآثار الإسلام ما تزال باقية إلى الآن ولعلكم ترتاحون إلى العلم بأن مالطة كانت سوق الأدب العربي فيها رائجة كان صحبها اسمه القائد يحيى صنع له احد المهندسين صورة لمعرفة أوقات النهار بالصنج فقال أبو القاسم بن رمضان المالطي لعبد الله بن السمط المالطي أجز الله هذا المصراع.
جارية ترمي الصنج ... بها النفوس تبتهج
فقال:
كأن من أحكمها ... إلى السماء قد عرج
فطالع الأفلاك عن ... سر البروج والدروج
أما بحر الأرخبيل وجزائره فلم يدخلا في حكم العرب بصفة أكيدة حقيقية وإنما كانوا يغيرون فيه عليها من حين إلى حين تبعاً لعلاقاتهم مع الروم صلحاً وهدنةً وسلماً وحرباً. هذا البحر هو بحر الأرخبيل أو بحر هيجاي فانتم ترون أنه شيء وبحر سفيد بشيءٍ آخر. ولا عبرة بما يذكر في هذه الأيام في كثير من الجرائد العربية بمناسبة الحرب الحاضرة والكلام عَلَى الأرخبيل وجزائره العثمانية - فإن الذين وقفوا أنفسهم عَلَى الترجمة فيها قد وقفوا عندما رأوا بحر إيجة ورأوا في كتب الجغرافية والتربية أو المعربة عن هذه اللغة لفظة بحر سفيد فاغتروا وغرروا بالقارئين إذ قالوا أنه بحر سفيد وأطلقوا عَلَى هذا البحر اسم سفيد لأنه غير متعارف في مصر وظنوا أنهم أفادوا وأدوا الأمانة حقها. فكانا مصداقاً جديداً للمثل السائر عند الطليان وهو ومعناه الترجمان خوان ويضح لنا أن نترجم ذلك مع التساهل ومراعاة ملكة اللسان المصري بقولنا المترجم مبرجم والبرجمة غلط الكلام.
فأملي أن تصل كلمتي هذه إلى أرباب الأقلام فلا يعودون إلى مثل هذا التخليط.
стр. 5354
قلت لكم يا سادتي أن المسلمين عبروا البحر فامتلكوا جزائره وجعلوها قواعد تقوم عليها أعمالهم في الفتوح كما هو شأنها اليوم مع الدول العظمى. ومنها ذهب المسلمون إلى أوربة فامتلكوا ما قدروا عليه واحتلوا ما تيسر لهم، وأغاروا عَلَى ما أرادوا.
ذهبوا بأساطيل مؤلفة من الجوارى المنشآت في البحر كالأعلام. تلك الأساطيل التي تغنى بها الشعراء بما لا حاجة للإشارة إليه الآن لئلا يتشعب معنا الكلام فيخرج عمال يقتضيه المقام، وإنما أردت لفت الأنظار إلى أن الدول التي تريد إعلاء كلمتها وحفظ بيضتها لا بد لها من امتلاك ناصية البحار وذلك لا يكون بتلك الحصون الماخرات الشامخات المشمخرات. فإن البحر له الشأن الأكبر في رفع شأن الدول وسلاطة بعضها عَلَى بعض بحق وبغير حق. وحسبكم ما هو حاصل الآن بين سمعكم وبصركم في البحر الأبيض المتوسط وفي بحر الأرخبيل بل وفي البحر الأحمر المعروف في كتب الجغرافيا العربية ببحر القلزم نسبة إلى مدينة القلزم التي قامت مقامها وعلى القرب منها مدينة السويس.
أخذ العرب عن اليونان اسم الأسطول للدلالة عَلَى مجموع السفن التي تباشر الحرب في البحر كما أخذنا نحن الآن عن الإفرنج كثيراً من اصطلاحاتهم البحرية. ومن ذا الذي ركب منكم البحر ولم يحتجز له قمرة في الباخرة؟ هذه القمرة هي طليانية المنبت والمحتد ومعناها الغرفة والحجرة والأوضة. فإن هي إلا معاوضة ومقايضة كما أن البحر إذا انحسر عن البر من هنا طغى عَلَى الشط المقابل له في ناحية أخرى. ناموس عام تتجلى ظواهره في كل أعمال الإنسان وفي سائر أحوال العمران كذلك كان شأن الإفرنج منذ قرون ولقد بقيت الأسماء العربية متعارفة عندهم وفي كل لغاتهم وليس لهم سبيل إلى تبديلها بغيرها. إذ من ذلك مثالاً واحداً لأنه الأس وبمثابة الرأس فلفظة أميرال عربية الأصل وهو عندنا أمير الماء كما تراه في موسوعات النويري. بتر القوم القسم الأخير من باب التلطيف والتخفيف كما هو شأننا أبضاً في تعريب الكلمات الأعجمية. وقد جئنا الآن فجاريناهم عَلَى التعبير بهذا الحرف وبما تركب معه فنحن نقول: أميرال، كنتراميرال، فيس أميرال.
من هو أول أميرال مسلم؟
هو العلاء بن الحضرمي الصحابي الجليل عليه رحمة الله فهو أول مسلم ركب البحر للغزو وكان ذلك من جهة الشرق والخليج الفارسي من عمان والبحرين.
стр. 5355
وأما أول أميرال مسلم ركب بحر الروم للغزو فهو معاوية بن أبي سفيان حينا كان عاملاً عَلَى الشام في خلافة عثمان بن عفان.
ثم أن المسلمين شغفوا بالجهاد في البحر وامتلاك بعض جزائره. والذي يهمنا بصفتنا مصريين هو أن نعرف أن أول تأسيس دار الصناعة كان في جزيرة مصر (جزيرة الفسطاط) في سنة ٥٤ هجرية وأن الأسطول بالمعنى الحقيقي كان أنشأه للمرة الأولى في بلادنا في أيام عنبسة ابن إسحاق وإلى مصر باسم الخليفة المتوكل العباس الذي سنذكره بمناسبة المنجنيق عما قريب وكان ذلك في سنة ٢٣٨ وكانت مصر إنما تصد بأسطولها غارات الروم وغيرهم من أمم أوربة.
وأما الهجوم فلم يكن من شأنها إلا في حالة العدوان عليها. وذلك لأنها من حيث الفتح والتوسع في الاستعمار ما كانت تطمح في غير رودس وقبرص.
والسبب في ذلك أنها تركت أمر الجزائر الأخرى للبلاد الإسلامية القريبة منها فكانت تونس توجه همتها البحرية إلى صقلية وسرادينة، وكان المغرب الأقصى متكفلاً بجزائر ميورقة ومنورقة ويابسة وشطوط الأندلس وسواحل فرنسا.
ولكن تونس سبقت مصر في اتخاذ الأساطيل في أيام عاملها حسان بن النعمان بأمر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان سنة٦٩ للهجرة.
بلغت الأساطيل الإسلامية من الجلالة أنه كان لا يدخلها غشيم - عَلَى قول الإمام المقريزي - ولا جاهل بأمور الحرب وكان لخدامها حرمة ومكانة ولكل أحد من الناس رغبة في أن يعد من جملتهم فيسعى بالوسائل حتى يستقر فيه. وقد أفادنا أيضاً أن العناية بالأساطيل الإسلامية في مصر إنما قويت منذ قدوم المعز لدين الله إليها. وأن المقدم عَلَى الأسطول كان أميراً كبيراً من أعيان أمراء الدولة وأقواهم نفساً (وهو الأميرال) وكان الأسطول يزيد في أيام العز عَلَى ثمانمائة قطعة ثم اخذ في الانحطاط ولكن لم ينقص قط عن مائة قطعة فكان الخليفة يحض بنفسه تجهيز الأسطول وتفريق النفقة عَلَى رجاله. حتى إذا تهيأ للإقلاع ركب الخليفة إلى منظرة المقس (محل جامع أولاد عنان الآن) لتوديعه في احتفال باهر فيكون له يوم مشهود يزيده بهاء ورواء حركات الأسطول المعروفة الآن بالمناورات البحرية والحربية وقد بلغ من عنايتهم بالأسطول إن دار الصناعة في مصر ما كان
стр. 5356
يدخلها أحد راكباً إلا الخليفة ووزيره وذلك يوم الاحتفال بفتح النيل أي جبر الخليج الذي انطمس الآن وصار طريقاً للترمواي وأصبح الاحتفال الآن معروفاً بموسم وفاء النيل.
كان للأسطول في أيام صلاح الدين ديوان مخصوص يسمى بديوان الأسطول وسلمه إلى أخيه الملك العادل. فكان هذا الديوان يشبه ما كان معروفاً في أيام محمد علي بديوان البحرية وما هو معروف بديار أوربة بنظارة البحرية. وهو الآن صفر في مصر لا عين ولا أثر.
وكانت إسكندرية ودمياط هما الميناءان الحربيان البحريان في ديار مصر وضف إليها مدينة تنيس التي هي الآن خراب بلقع وأما الفسطاط (مصر القديمة) وقوص (من أعمال الصعيد) فكانتا من أعظم الموانئ النيلية وفيهما يكون إنشاء السفن الحربية التي ترابط بتلك الثغور وتذهب للغزو والبحر لأجل إعلاء كلمة مصر وجعل رايتها خفاقة في الخفاقين.
ما هي القطع التي كان يتألف منها الأسطول في الدول الإسلامية؟
هي الأعواديات والأغربة والبركوشات والحراريق (أو الحراقات) والشلنديات والمسطحات. ويتبعه سفائن أخرى تأتي في المرتبة الثانية من المكانة وإن كانت حاجته إليها شديدة وسنتكلم عليها عما قريب.
سارت الأساطيل الإسلامية باسم الله مجراها ومرساها فأرست عَلَى سواحل الجزر وشطوط أوربة. وألق مراسيها وهي الأناجر جمع أنجر لفظة يونانية عربوها فقال الفرنسوين واشتقوا منها المصدر ثم ربط العرب مراكبهم بالحبال الغلظة وهي الأمراس والمرار جمع مر فسمى الطليان ذلك الحبل وتوسع فيها الفرنسيون فقالوا مثل ما صنع العرب حينما قالوا أمر السفينة أو الشيء أي ربطها بهذا الحبل الغليظ القوي المتين وعلى ذكر الحبل أذكر بأنه هو الفرنسية بمعنى واحد وأن اللفظة الثانية مأخوذة عن ذلك الأصل العربي.
ولا يسعني أن أتجاوز الشط وأن أتتبع العرب في سيرهم قبل أن أقول أنهم حينما استقرت قدمهم بالسواحل أنشأوا فيها دور صناعة عَلَى مثل مذ ذكرنا في مصر وتونس فقال الطليان في أول الأمر (دور الصناعة) فكان مثلهم في هذا مثل أهل أسبانيا والبرتقال. ثم قال الطليان ثم ثم ثم واستمروا عَلَى هذا اللفظ الأخير إلى يومنا هذا ومنه كلمة الفرنسيين فلما جاء محمد علي وتقلد أمر مصر وأراد إحياءها رأى أن ذلك لا يتم إلا بإنشاء
стр. 5357
الأسطول. فاستحدثت دار الصناعة في الإسكندرية وأشنأ الأسطول واستخدم في ذلك الكثير من الأتراك والطلبيان وغيرهم من بني الأصفر فلذلك جارى أجدادنا الأقربون هؤلاء القوم فاستردوا منهم كلمتنا العربية البحتة المحتة المحضة مصبوغة بلون إفرنكي ضاعت معه معالمها الأصلية فقالوا كما قال الترك ترسانة بل تركها بعضهم أكثر من الترك أنفسهم فقالوا ترسخانة من باب المبالغة في التضليل وتعفية آثاره الأصلية. وقد استحكمت هاتان الكلمتان في استعمال الخاصة والعامة حتى لا سبيل لاقتلاعهما أو الإقلاع عنهما مع أن الطليانيين لا يزالون إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم يقولون ولكن للدلالة عَلَى القسم الداخل في جوف الميناء حيث يربطون السفن المحتاجة للتعمير بعد نزع آلاتها وجهازتها.
ما هي الوظيفة الأساسية لدار الصناعة؟
إنشاء السفن وإصلاح ما عساه يحدث فيها من العور؟
أخذ الإفرنج الكلمة الثانية وصنعوا منه كلمة ثم أطلقوها أيضاً عَلَى جميع أنواع العوار في السفن والسلع وغير ذلك.
ومن المعلوم أن إنشاء السفن يدعو إلى ما نسميه نحن الآن بالقلفطة عَلَى يد القلفاط فهذان اللفظان نالهما ما نال دار الصناعة فإنهما معربان عن اللغات الأوربية التي أخذتها عن اللغة العربية. وهذا كما ترى.
رأى أجداد عملة المسلمين يشتغلون في دور الصناعة بالقلافة فيقلفون المراكب فقالوا من فعل قلف العربي ثم أضافوا إليه علامة المصدر في لغتهم بعد زيادة حرف التاء للتوصل للنطق بين ساكنين كما يقولون في حالة الاستفهام ?) قال في تاج العروس قلف السفينة قلقاً بحرز ألواحها بالليف وجعل في خللها القار (الزفت) والاسم القلافة بكسر القاف أفليس هذا هو الذي يفعله القلفاط يا أبناء السبالة وأولاد الأنقوشي؟ فأنتم في ذلك شهود عدول.
كل أسطول لا بد له من سفائن تحمل له الزاد والمتاع والكراع. فمنها التي نسميها اليوم (بالنقالات) أما الأساطيل الإسلامية فكانت تخدمها القراقير جمع قرقور اخذ الطليان هذا اللفظ فقالوا وقال الفرنسيون لا تعجبوا بين الصل والفرع فإن الإنتقال من لغة إلى أخرى يلدنا عَلَى ما هو أشد وأبعد ولتعلمن نبأه بعد حين ولكن إذا علمتم أن البرتقاليين يقولون في تسمية هذه السفينة ثبت لكم صدقي وقد استرجعنا اللفظ منهم في هذه العصور الحديثة
стр. 5358
ولكن مفرنجاً فقلنا كركاة من قول الطليانيين ولكن بمعنى آخر لنوع آخر من السفن التي تستعمل لنزع الطين والرمال من قاع النهر والترع والخلجان ومن قاع المواني والمعابر البحرية في نظير المركب المسى عن الفرنسيين وكان لابد لكل أسطول من سفائن خصوصية لحمل الخيل وهيب التي تسمى بالطرائد جمع طريدة (وذلك خلاف الطراد وجمعه طرادات) أخذ الإفرنج هذا الاسم فقال الطليان ثم وقال الفرنسيون ولكن للدلالة عَلَى سفائنها الشراعية التي تمخر في البحر الأبيض المتوسط غرباً. ومن توابع الأسطول الفوالك جمع فلوكة فقال الطليان وقال فرنسيون وكذلك الشباك - ومن توابعه القارب فقالوا من اللفظ المفرد وهو قارب وربما يصح القول أنهم أخذوه من غرائب بقيت عَلَى شكل كلمة بشأن الشلنديات التي ذكرتها في أسماء مراكب الأسطول. فمفردها شلندي (ولا ادري ما أصله في العربية) وربما كان أصله عن اللاتينية وهو واخذوه الروس فقالوا وقال الطليان والفرنسيون واسترجعناه منهم بطريقة التعريب والتقريب والتمثيل والتأهيل فقلنا (صندل) وأصبح هذا الاسم بتحريفاته عندهم وعندنا عَلَى السفائن المخصصة لنقل البضائع مثل الماعين جمع ماعون التي قال فيها الفرنسيون وقال الطليان رجعوا قليلاً بنا إلى البحر فإن الأسطول قد تصادفه الرياح بما لا تشتهيه وقد تعاكسه الأمواج فيلقى النوتية أو النواتية منه الأمرين وهو البحر وهولته بعرفهما كل من اقتحم لجتة فالملاحون يسمون إضراب الموج الشديد بالهولة فقال الفرنسيون في ذلك للموج المتعالي كالجبال وقد تعاكسه الرياح التي تهب من الجنوب الشرقي فبقى السم الثاني في ذاكرة اففرنج فقال الطليان - وأما الفرنسيون أطلقوا عليه وكل ذلك مأخوذ من الشرق وأما رياح الموسم فيسمسها الفرنسيس والطليان ولا تعجبوا لوضعهم النون بدل الميم في آخر الكلمة فلهم في التبديل شيء كثير من هذا القبيل وحسبنا جنميعاً أنهم يسمون مدينة سواكن فلنأخذ النون من هناك ونضعها بدل الميم هنا لنرد كل شيء لأصله لأن كلمة عندهم ماخوذة من الأصل العربي وهو الرد ولا عجب فإن اللاتينيون قالوا بإضافة علامة المصدر فزاد الطليان والفرنسيس نوناً من عندهم وليس لنا في ذلك شأن عندهم ولكنهم عند نحت الاسم يردون الكلمة التي جرثومتها العربية فيقولون في تقديم الحساب وفي تسليم الحصون.
'
стр. 5359
نعود إلى السطول ونقول أنه بعد أن لقى من البحر ما لقى دخل إلى الميناء ولعدم خبرة الربان اصطدم بشعب فقال إفرنجي في ذلك تشبيها له ببروز الرصيف في الشوارع والطرقات التي أنشأها العرب فيما بعد بتلك البلاد ثم دخول الأسطكول إلى الميناءفي كلاءة الله وحفظه وفعل ما سنأتي عَلَى بيانه. وصل إلى المحل الذي يأمن فيه من عبث الرياح وثوران المواج وهو الموضع الذي يسميه الإسبانيون والبرتقاليون والفرنسون وقد استعمله الفرنسيون من كلمة.
ألفاظ أصلها مشتق من كلمة كلأ العربية بمعنى حرس وحفظ.
وهذا كما ترى.
ماذا صنع الأسطول؟
اصطف للقتال ونصب المنجنيق. هذه كلمة يونانية استلحقها العرب وأضافوا إليها النون الأولى لتدخل في أوزانهم.
عادة المغاربة جرت بأنهم لا يضعون نقط الأعجام فوق الفاء والقاف وتحت الياء متى كانت هذه الحروف مفردة أو في أواخر الكلمات.
غذ في هاتين الحالتين لا يمكن حدوث التباس بينهما وبين ما يشابههما من الحروف الأخرى. فلو تصورنا أن بعضهم كتب اسم هذه الآلة الحربية عَلَى هذا المثال منجنيق وفرضنا أن ذيل الحرف الأخير انطمس بسبب ما فأصبح منجنيو فإننا لو أردنا أن نرسمها وهي عَلَى هذا الشكل بحروف إفرنكية لتحصلنا عَلَى منجنيو وبنطقهم منجنو بغير تشديد النون وإن كانت مكتوبة مرتين وهو الاسم الذي القه الفرنسيون عَلَى المنجنيق.
أتعبتكم بذكر البحر والحروب وأنتم أهل السلام فهل تحبون الذهاب إلى العراق والدخول بمدينة السلام، مدينة بغداد؟
كانت مدينة أبي جعفر (بغداد) جنة الدنيا في عهد هارون والمأمون وخصوصاً في أيام المتوكل. وكان فيها شاعر يسمى أبو العبر له أحوال عجيبة وأمور غريبة وكان من المجان الذين يقل نظيرهم في الدنيا. وقد تكفلت كتب التواريخ والأدب بشرح أموره وكان يزيد في كل سنة حرفاً في اسمه حتى انتهى بعد بضع سنوات إلى: أبي العبر طرد طيل طليرى بك بك بك كان المتوكل يلبسه قميصاً من حرير ثم يرمي به في المنجنيق إلى نهر دجله فمتى
стр. 5360
حذفه المنجنيق في الهواء قال: الطريق الطريق (كما تقول الان وسع وسع) ثم يقع في الماء فيأتي السباح ويستخرجونه من الماء. وكان في أحد قصوزر المتوكل زلاقة ما اشبهها بالتوبوجان الموجود الآن في مصر الجديدة (واحة عين شمس) فكان الخليفة يامره بالجلوس عليها ومن هناك ينحدر ساقطاً من فوق الزلاقة حتى يقع في البركة فيطرح الخليفة الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك. وفي ذلك يقول شاعرنا:
ويأمرني الملك ... فيطرحني في البرك
ويصطادني بالشبك ... كأني من السمك
فعل المنجنيق بالحصون أفاعيله وتم له النصر فخلا الجو البر للعرب فنزلوا وقاتلوا وفازوا ثم شنوا الغارات عَلَى الأقطار النائية تمهيداً للتسلط عليها فقال أصحابنا في الغارة وقال الإسبانيون في المغاورين ولا يزال أهل إيطاليا يقولون للدلالة عَلَى الجندي وعلى المرزاق الذي يعتقله وقالوا في الغازي (وذهب بعضهم إلى أنها ماخوذة من الوزير) ولا عجب من إضافة الجيم في هذه الحالة الثانية فإنهم يضيفونها عَلَى جميع الكلمات العربية المبدوءة بحرف الواو فيقولون في الوضوء وفي الوادي الكبير وهكذا من كلمة اشتق الفرنسيون قولهم لحارس المذنبين المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة ورأوا العرب يستعملون البسطانة وهي آلة لرمي البندق وصيد الطيور فقال الإسبانيون والبرتقاليون وأما الطليانيون فقالوا واقتصر الفرنسيون عَلَى رأوهم يستخدمون قاطعة وهي من نوع السكاكين فقالوا وربما كان هذا اللفظ مأخوذ عن صيغة الأمر من قول العرب: قط يقط قطاً أما الخنجر فقال الطليان فيه والفرنسيون وعلى ذلك قول شاعرهم:
وقالوا في الزغاية وهو نوع من الحراب العربية: تجتمع العساكر عادة عَلَى سوت البوق ولكن الإسبان حينما أخذوا هذه الكلمة ونقلوها إلى لغتهم قالوا لزمارة الراعي. ومتى اجتمعت العساكر للعرض والتمرين فإن الفرسان تختال بخيولها وقد يختال الفرس فيدور عَلَى نفسه وذلك قول العرب كركر الفرس أخذ الفرنسيون ذلك اللفظ فقالوا وما أجمل امرئ القيس حين وصف الفرس بشطرة واحدة كل كلمة منها تدل عَلَى حركة مخصوصة
следующие страницы →