Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
يدخلها أحد راكباً إلا الخليفة ووزيره وذلك يوم الاحتفال بفتح النيل أي جبر الخليج الذي انطمس الآن وصار طريقاً للترمواي وأصبح الاحتفال الآن معروفاً بموسم وفاء النيل.
كان للأسطول في أيام صلاح الدين ديوان مخصوص يسمى بديوان الأسطول وسلمه إلى أخيه الملك العادل. فكان هذا الديوان يشبه ما كان معروفاً في أيام محمد علي بديوان البحرية وما هو معروف بديار أوربة بنظارة البحرية. وهو الآن صفر في مصر لا عين ولا أثر.
وكانت إسكندرية ودمياط هما الميناءان الحربيان البحريان في ديار مصر وضف إليها مدينة تنيس التي هي الآن خراب بلقع وأما الفسطاط (مصر القديمة) وقوص (من أعمال الصعيد) فكانتا من أعظم الموانئ النيلية وفيهما يكون إنشاء السفن الحربية التي ترابط بتلك الثغور وتذهب للغزو والبحر لأجل إعلاء كلمة مصر وجعل رايتها خفاقة في الخفاقين.
ما هي القطع التي كان يتألف منها الأسطول في الدول الإسلامية؟
هي الأعواديات والأغربة والبركوشات والحراريق (أو الحراقات) والشلنديات والمسطحات. ويتبعه سفائن أخرى تأتي في المرتبة الثانية من المكانة وإن كانت حاجته إليها شديدة وسنتكلم عليها عما قريب.
سارت الأساطيل الإسلامية باسم الله مجراها ومرساها فأرست عَلَى سواحل الجزر وشطوط أوربة. وألق مراسيها وهي الأناجر جمع أنجر لفظة يونانية عربوها فقال الفرنسوين واشتقوا منها المصدر ثم ربط العرب مراكبهم بالحبال الغلظة وهي الأمراس والمرار جمع مر فسمى الطليان ذلك الحبل وتوسع فيها الفرنسيون فقالوا مثل ما صنع العرب حينما قالوا أمر السفينة أو الشيء أي ربطها بهذا الحبل الغليظ القوي المتين وعلى ذكر الحبل أذكر بأنه هو الفرنسية بمعنى واحد وأن اللفظة الثانية مأخوذة عن ذلك الأصل العربي.
ولا يسعني أن أتجاوز الشط وأن أتتبع العرب في سيرهم قبل أن أقول أنهم حينما استقرت قدمهم بالسواحل أنشأوا فيها دور صناعة عَلَى مثل مذ ذكرنا في مصر وتونس فقال الطليان في أول الأمر (دور الصناعة) فكان مثلهم في هذا مثل أهل أسبانيا والبرتقال. ثم قال الطليان ثم ثم ثم واستمروا عَلَى هذا اللفظ الأخير إلى يومنا هذا ومنه كلمة الفرنسيين فلما جاء محمد علي وتقلد أمر مصر وأراد إحياءها رأى أن ذلك لا يتم إلا بإنشاء
стр. 5357
الأسطول. فاستحدثت دار الصناعة في الإسكندرية وأشنأ الأسطول واستخدم في ذلك الكثير من الأتراك والطلبيان وغيرهم من بني الأصفر فلذلك جارى أجدادنا الأقربون هؤلاء القوم فاستردوا منهم كلمتنا العربية البحتة المحتة المحضة مصبوغة بلون إفرنكي ضاعت معه معالمها الأصلية فقالوا كما قال الترك ترسانة بل تركها بعضهم أكثر من الترك أنفسهم فقالوا ترسخانة من باب المبالغة في التضليل وتعفية آثاره الأصلية. وقد استحكمت هاتان الكلمتان في استعمال الخاصة والعامة حتى لا سبيل لاقتلاعهما أو الإقلاع عنهما مع أن الطليانيين لا يزالون إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم يقولون ولكن للدلالة عَلَى القسم الداخل في جوف الميناء حيث يربطون السفن المحتاجة للتعمير بعد نزع آلاتها وجهازتها.
ما هي الوظيفة الأساسية لدار الصناعة؟
إنشاء السفن وإصلاح ما عساه يحدث فيها من العور؟
أخذ الإفرنج الكلمة الثانية وصنعوا منه كلمة ثم أطلقوها أيضاً عَلَى جميع أنواع العوار في السفن والسلع وغير ذلك.
ومن المعلوم أن إنشاء السفن يدعو إلى ما نسميه نحن الآن بالقلفطة عَلَى يد القلفاط فهذان اللفظان نالهما ما نال دار الصناعة فإنهما معربان عن اللغات الأوربية التي أخذتها عن اللغة العربية. وهذا كما ترى.
رأى أجداد عملة المسلمين يشتغلون في دور الصناعة بالقلافة فيقلفون المراكب فقالوا من فعل قلف العربي ثم أضافوا إليه علامة المصدر في لغتهم بعد زيادة حرف التاء للتوصل للنطق بين ساكنين كما يقولون في حالة الاستفهام ?) قال في تاج العروس قلف السفينة قلقاً بحرز ألواحها بالليف وجعل في خللها القار (الزفت) والاسم القلافة بكسر القاف أفليس هذا هو الذي يفعله القلفاط يا أبناء السبالة وأولاد الأنقوشي؟ فأنتم في ذلك شهود عدول.
كل أسطول لا بد له من سفائن تحمل له الزاد والمتاع والكراع. فمنها التي نسميها اليوم (بالنقالات) أما الأساطيل الإسلامية فكانت تخدمها القراقير جمع قرقور اخذ الطليان هذا اللفظ فقالوا وقال الفرنسيون لا تعجبوا بين الصل والفرع فإن الإنتقال من لغة إلى أخرى يلدنا عَلَى ما هو أشد وأبعد ولتعلمن نبأه بعد حين ولكن إذا علمتم أن البرتقاليين يقولون في تسمية هذه السفينة ثبت لكم صدقي وقد استرجعنا اللفظ منهم في هذه العصور الحديثة
стр. 5358
ولكن مفرنجاً فقلنا كركاة من قول الطليانيين ولكن بمعنى آخر لنوع آخر من السفن التي تستعمل لنزع الطين والرمال من قاع النهر والترع والخلجان ومن قاع المواني والمعابر البحرية في نظير المركب المسى عن الفرنسيين وكان لابد لكل أسطول من سفائن خصوصية لحمل الخيل وهيب التي تسمى بالطرائد جمع طريدة (وذلك خلاف الطراد وجمعه طرادات) أخذ الإفرنج هذا الاسم فقال الطليان ثم وقال الفرنسيون ولكن للدلالة عَلَى سفائنها الشراعية التي تمخر في البحر الأبيض المتوسط غرباً. ومن توابع الأسطول الفوالك جمع فلوكة فقال الطليان وقال فرنسيون وكذلك الشباك - ومن توابعه القارب فقالوا من اللفظ المفرد وهو قارب وربما يصح القول أنهم أخذوه من غرائب بقيت عَلَى شكل كلمة بشأن الشلنديات التي ذكرتها في أسماء مراكب الأسطول. فمفردها شلندي (ولا ادري ما أصله في العربية) وربما كان أصله عن اللاتينية وهو واخذوه الروس فقالوا وقال الطليان والفرنسيون واسترجعناه منهم بطريقة التعريب والتقريب والتمثيل والتأهيل فقلنا (صندل) وأصبح هذا الاسم بتحريفاته عندهم وعندنا عَلَى السفائن المخصصة لنقل البضائع مثل الماعين جمع ماعون التي قال فيها الفرنسيون وقال الطليان رجعوا قليلاً بنا إلى البحر فإن الأسطول قد تصادفه الرياح بما لا تشتهيه وقد تعاكسه الأمواج فيلقى النوتية أو النواتية منه الأمرين وهو البحر وهولته بعرفهما كل من اقتحم لجتة فالملاحون يسمون إضراب الموج الشديد بالهولة فقال الفرنسيون في ذلك للموج المتعالي كالجبال وقد تعاكسه الرياح التي تهب من الجنوب الشرقي فبقى السم الثاني في ذاكرة اففرنج فقال الطليان - وأما الفرنسيون أطلقوا عليه وكل ذلك مأخوذ من الشرق وأما رياح الموسم فيسمسها الفرنسيس والطليان ولا تعجبوا لوضعهم النون بدل الميم في آخر الكلمة فلهم في التبديل شيء كثير من هذا القبيل وحسبنا جنميعاً أنهم يسمون مدينة سواكن فلنأخذ النون من هناك ونضعها بدل الميم هنا لنرد كل شيء لأصله لأن كلمة عندهم ماخوذة من الأصل العربي وهو الرد ولا عجب فإن اللاتينيون قالوا بإضافة علامة المصدر فزاد الطليان والفرنسيس نوناً من عندهم وليس لنا في ذلك شأن عندهم ولكنهم عند نحت الاسم يردون الكلمة التي جرثومتها العربية فيقولون في تقديم الحساب وفي تسليم الحصون.
'
стр. 5359
نعود إلى السطول ونقول أنه بعد أن لقى من البحر ما لقى دخل إلى الميناء ولعدم خبرة الربان اصطدم بشعب فقال إفرنجي في ذلك تشبيها له ببروز الرصيف في الشوارع والطرقات التي أنشأها العرب فيما بعد بتلك البلاد ثم دخول الأسطكول إلى الميناءفي كلاءة الله وحفظه وفعل ما سنأتي عَلَى بيانه. وصل إلى المحل الذي يأمن فيه من عبث الرياح وثوران المواج وهو الموضع الذي يسميه الإسبانيون والبرتقاليون والفرنسون وقد استعمله الفرنسيون من كلمة.
ألفاظ أصلها مشتق من كلمة كلأ العربية بمعنى حرس وحفظ.
وهذا كما ترى.
ماذا صنع الأسطول؟
اصطف للقتال ونصب المنجنيق. هذه كلمة يونانية استلحقها العرب وأضافوا إليها النون الأولى لتدخل في أوزانهم.
عادة المغاربة جرت بأنهم لا يضعون نقط الأعجام فوق الفاء والقاف وتحت الياء متى كانت هذه الحروف مفردة أو في أواخر الكلمات.
غذ في هاتين الحالتين لا يمكن حدوث التباس بينهما وبين ما يشابههما من الحروف الأخرى. فلو تصورنا أن بعضهم كتب اسم هذه الآلة الحربية عَلَى هذا المثال منجنيق وفرضنا أن ذيل الحرف الأخير انطمس بسبب ما فأصبح منجنيو فإننا لو أردنا أن نرسمها وهي عَلَى هذا الشكل بحروف إفرنكية لتحصلنا عَلَى منجنيو وبنطقهم منجنو بغير تشديد النون وإن كانت مكتوبة مرتين وهو الاسم الذي القه الفرنسيون عَلَى المنجنيق.
أتعبتكم بذكر البحر والحروب وأنتم أهل السلام فهل تحبون الذهاب إلى العراق والدخول بمدينة السلام، مدينة بغداد؟
كانت مدينة أبي جعفر (بغداد) جنة الدنيا في عهد هارون والمأمون وخصوصاً في أيام المتوكل. وكان فيها شاعر يسمى أبو العبر له أحوال عجيبة وأمور غريبة وكان من المجان الذين يقل نظيرهم في الدنيا. وقد تكفلت كتب التواريخ والأدب بشرح أموره وكان يزيد في كل سنة حرفاً في اسمه حتى انتهى بعد بضع سنوات إلى: أبي العبر طرد طيل طليرى بك بك بك كان المتوكل يلبسه قميصاً من حرير ثم يرمي به في المنجنيق إلى نهر دجله فمتى
стр. 5360
حذفه المنجنيق في الهواء قال: الطريق الطريق (كما تقول الان وسع وسع) ثم يقع في الماء فيأتي السباح ويستخرجونه من الماء. وكان في أحد قصوزر المتوكل زلاقة ما اشبهها بالتوبوجان الموجود الآن في مصر الجديدة (واحة عين شمس) فكان الخليفة يامره بالجلوس عليها ومن هناك ينحدر ساقطاً من فوق الزلاقة حتى يقع في البركة فيطرح الخليفة الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك. وفي ذلك يقول شاعرنا:
ويأمرني الملك ... فيطرحني في البرك
ويصطادني بالشبك ... كأني من السمك
فعل المنجنيق بالحصون أفاعيله وتم له النصر فخلا الجو البر للعرب فنزلوا وقاتلوا وفازوا ثم شنوا الغارات عَلَى الأقطار النائية تمهيداً للتسلط عليها فقال أصحابنا في الغارة وقال الإسبانيون في المغاورين ولا يزال أهل إيطاليا يقولون للدلالة عَلَى الجندي وعلى المرزاق الذي يعتقله وقالوا في الغازي (وذهب بعضهم إلى أنها ماخوذة من الوزير) ولا عجب من إضافة الجيم في هذه الحالة الثانية فإنهم يضيفونها عَلَى جميع الكلمات العربية المبدوءة بحرف الواو فيقولون في الوضوء وفي الوادي الكبير وهكذا من كلمة اشتق الفرنسيون قولهم لحارس المذنبين المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة ورأوا العرب يستعملون البسطانة وهي آلة لرمي البندق وصيد الطيور فقال الإسبانيون والبرتقاليون وأما الطليانيون فقالوا واقتصر الفرنسيون عَلَى رأوهم يستخدمون قاطعة وهي من نوع السكاكين فقالوا وربما كان هذا اللفظ مأخوذ عن صيغة الأمر من قول العرب: قط يقط قطاً أما الخنجر فقال الطليان فيه والفرنسيون وعلى ذلك قول شاعرهم:
وقالوا في الزغاية وهو نوع من الحراب العربية: تجتمع العساكر عادة عَلَى سوت البوق ولكن الإسبان حينما أخذوا هذه الكلمة ونقلوها إلى لغتهم قالوا لزمارة الراعي. ومتى اجتمعت العساكر للعرض والتمرين فإن الفرسان تختال بخيولها وقد يختال الفرس فيدور عَلَى نفسه وذلك قول العرب كركر الفرس أخذ الفرنسيون ذلك اللفظ فقالوا وما أجمل امرئ القيس حين وصف الفرس بشطرة واحدة كل كلمة منها تدل عَلَى حركة مخصوصة
стр. 5361
وتجعل السامع يتخيلها واقعة حاصلة بحضرته قال:
مكر نفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عَلَى.
وكانت السهام في ذاك الوقت هي التي يترامى المحاربون بها. ولا يزال العرب مشهورين بإصابة القبلة وهي الهدف والغرض والقرطاس. فقال الفرنسيون في هذا المعنى من كلمة قبلة. ولا أزيدكم علماً بأن السهام توضع في الكنانة وهي الجعبة غير أن اشتباك العرب بالفرس والترك جعلهم يختارون كلمة من غير لسانهم وهي التركاش بهذا المعنى فقال الطليان ثم قالوا كما قال الإسبان وكما قال البرتقاليون والفرنسيون وانتم تعلمون أن الفرنسيين كانوا إلى عهد قريب ينطقون بحرفي كما ينطقون بحرفي ولكنهم عدلوا عن كتابة في مثل هذا المقام وأبقوا عَلَى حال رسمها ونطقوها بالنطق الجديد فلذلك صار بينها وبين أصلها العربي بون كبير.
إلى هنا وضعت الحرب أوزارها فاستقرت قدم الفاتحين وعرضوا جيوشهم تخفق فوقها الرايات والأعلام والبنود. فأخذ الفرنج هذه الكلمة الأخيرة فقالوا في بند المعربة عن الفارسية دلالة عَلَى الجماعة المنضوين تحت لواءٍ واحدٍ ثم اطلقوها من هذا القيد وقال الطليانيون في ذلك والفرنسيون وأخذنا عن الطليانيين كلمتنا مطلينة فنحن نقول الآن بنديرة.
ماذا كان لون راياتهم؟
كان تبعاً لشعار الدولة القائمة في دمشق أو بغداد أو القاهرة. فشعار بني أمية من الألوان الخضرة في الملابس والبياض في الرايات أخذوا البياض عن اللون الذي كان يعمم به النبي ﷺ وأما بنو العباس فشعارهم السواد في الحالتين. لأخذوا ذلك فيما يقال عن اللون الذي اختاره رسول الله يوم حنين ويوم فتح مكة. فإنه عقد لعمه العباس راية سوداء وقيل أن ذلك يرجع إلى حزنهم عَلَى إبراهيم بن محمد أول القائمين بالدعوة العباسية. فإن مروان بن محمد الجعدي المنبوذ بالحمار هو آخر بني أمية حينما ضيق عليه الخناق قال الرجل لشيعته: لا يهولنكم قتلي. فإذا تمكنتم من أمركم فاستخلفوا عليكم العباس. فلما قتله مروان لبس أشياعه كلهم السواد حداداً وحزناً عليه حتى إذا صار إليهم هذا الأمر أعني الخلافة جعلوا السواد شعارهم في كل أمرهم وكانت جنودهم تعرف باسم المسودة
стр. 5362
فكانت المسودة تتقابل مع المبيضة (أي لابسي البياض من الموالين للأمويين) والناس عَلَى فريقين بعضهم يسود وبعضهم يبيض حتى عم السواد سواد العراق وخفق عَلَى جميع الآفاق. اللهم إلا في الأندلس فإنها عادت أموية بفضل عبد الرحمن الداخل وكان شعارهم الخضرة في الرايات كما يراه الإنسان في البقايا المحفوظة إلى الآن في دور التحف بمدريد وغيرها من أمصار إسبانيا.
وقد تغالى الأندلسيون في أيام دولتهم في كراهة السواد حتى أنهم لم يستعملوه في الحزن والحداد فكانوا يلبسون الثياب البيض فقط في الحداد لئلا يشتبهون بالعباسيين في شيء ما حتى عند وقوع المصائب وكوارث الأيام.
ولقد تجددت في هذه الأيام ذكرى الأندلسيين في حدادهم عَلَى يد غادة من فتيات أميركا وهي تظن أنها مبتدعة للبس البياض في حالة الحداد. أشير إلى أرملة الخواجة استور صاحب القناطير المقنطرة من الدنانير والملايين المملينة من الذهب الوهاج.
فإنه بعد أن غرق حديثاً في الباخرة تيتانيق وهي لا تزال في ربيع العمر وريعان الشباب رأت من الواجب عليها أن لا تشوه محاسنها بلبس السواد عَلَى ما جرت به العادة الشائعة الآن في جميع أقطار العالم فاختارت البياض. فمن لي بتعريف هذه العادة المعينة بأنها ليست من المجتهدات وإنها كانت لعرب الأندلس من المقلدات.
ومن غريب ما يتعلق بالسواد والنساء أن الظافر خليفة الفاطميين بمصر لما قتله وزيره. بعث نساء الخليفة بشعورهن إلى الصالح طلائع بن رزيك وهو يومئذ عامل بمنية ابن الخصيب (أعني أنه كان مدير المينا بحسب اصطلاحنا الإداري الآن) فأسرع لنجدتهن. ورأى أن يستميل الأمة المصرية وأجنادها إليه لأجل إغاثة الحريم والدفاع عن بيضة الخلافة فعقد تلك الشعور عَلَى رؤوس الرماح (كما هو الحال الآن في وضع جدائل الشعر فوق المزاريق التي يتعلقها الرماحة في أوربا وفي مصر) وأقام الرايات السود من باب الحزن عَلَى الخليفة المقتول وعلى ما حل بالقصرين وساكنات القصرين من بيت الخلافة وإعلاناً بالحرب لأخذ ثأر الظافر فدخل القاهرة عَلَى هذه الصورة. فكان ذلك من الفأل العجيب وهو أن مصر انتقلت إلى المسودة (بني العباس) ورجعت إلى حكمهم بعد ذلك بخمسة عشر سنة في أيام العاضد آخر الفواطم وعلى يد صلاح الدين الذي يسميه الإفرنج
стр. 5363
كلهم فكان السواد شعارها الرسمي تبعاً لراية أمير المؤمنين
حتى جاءت دولة المماليك فصار لون الرايات هو الصفر. كانت لهم راية سلطانية صفراء وهي مطرزة بالذهب وعليها ألقاب السلطان. وبعدها راية عظيمة صفراء أيضاً وفي رأسها خصلة من الشعر وهي التي تسمى بالجاليش. ويتلو ذلك رايات صفر صغار تسمى السناجق.
فلما جاءت الدولة العثمانية صار اللون الرسمي هو الأحمر يتوسطه الهلال المحبوب الذي ترمقه العيون وتلتف حوله القلوب.
فلنقف الآن تحت الهلال ونترك البقية الباقية لمحاضرة أو محاضرات تالية إن شاء الله.
أحمد زكي.
стр. 5364
مطبوعات ومخطوطات
مؤلفات الدكتور شميل
قليل من المؤلفين المتقدمين والمتأخرين من رزقوا شجاعة الدكتور شبلي شميل وصراحته في المجاهرة بآرائه العلمية والفلسفية والاجتماعية عرف ذلك منذ نحو أربعين سنة فعد في مصر والشام أحد أفراد قلائل جداً وربما كان فرداً في بابه نبت المؤلف في كفر شيما من جبل لبنان ودرس الطب في كلية الأميركان وأتفن الفرنسية فسهل الكتابة بها كما سهل عليه الكتابة بالعربية وهو ينظم الشعر يتوخى فيه المعاني العلمية والاجتماعية وهاجر إلى مصر منذ أربعين سنة ولولا ذاك لاضطهد وأوذي كثيراً خصوصاً ومن مذهب الدعوة إلى العلم المحض الجديد والزهد في التعاليم القديمة كيف كانت حالها وهو ناشر مذهب دارون في النشوء والتحول باللغة العربية وهذا المذهب هو الذي يدعي بعضهم أن أصل الإنسان قرد والحقيقة أنه لا يقول أن القرد أصل الإنسان وأن الحمار أصل الفرس بل إن افنسان والقرد والفرس وسائر الأحياء في الطبيعة قاطبة من أصل واحد في نشوئها من مواد الطبيعة وبمجرد قواها وقد تغيرت تبعاً لناموس المطابقة حتى بلغت مبلغها الآن بالانتخاب الطبيعي فمذهب دارون الذي أثار ضجة كبرى في هذا الشرق الأدنى يوم ظهوره بالعربية هو مذهب علمي محض يدرس اليوم في المدارس الحرة من غير نكير وهو لا يضر بجوهر الأديان عَلَى ما يقول بعض الباحثين فيه بيد أن الحكمة تقضي عَلَى المتشبعين به أمثال صديقنا الشميل أن يدعوا إليه ولا يغضوا من شأن تعاليم رسخت في النفوس فوقرتها عَلَى توالي القرون وعندنا أن المبادئ العلمية كانت تربي قبولاً من النفوس في بلادنا أكثر مما رأت لو لم يعرض أربابها بما هو أعز عزيز عَلَى الناس شربوا تقديسه مع لبن أمهاتهم وهيهات أن يتحولوا عنه بمجرد دعوة داعٍ أو تعريض معرض.
والكتب التي بين أيدينا من مؤلفات الشميل هي كتاب فلسفة النشوء والارتقاء وقع في ٣٧٧ صفحة طبع بمطبعة المقتطف بمصر سنة ١٩١٠ وكان نشر أكثره في مجلة المقتطف العلمية كبيرة المجلات العربية ومجموعة ثانية وهي كجزء ثانٍ للكتاب فيها موضوعات شتى عمرانية طبيعية علمية تاريخية أدبية سياسية تقريرية انتقادية فكاهية مما نشره المؤلف في جرائد مجلات كثيرة فضم شتاته وقد طبع في مطبعة المعارف بمصر وهو يقع
стр. 5365
في ٣٤١ صفحة والكتاب الثالث رسالة في آراء الدكتور شبلي شميل طبعت بمطبعة المعارف بمصر سنة ١٩١٢.
مؤلفات الحسيني
من الناس يؤلفون إرادة النفع العام ومنهم من يؤلفون للاتجار بما يؤلفون وكلتا الطبقتين نافعة ومن أهل الطبقة الأولى صديقنا أحمد بك الحسيني أحد سراة القاهرة وفقهائها القانونيين وآخر ما أهدانا من كتبه ورسائله ما طبعه بمكتبة كردستان العلمية كتاب بهجة المشتاق في بيان حكم زكاة أموال الأوراق وهو بحث عصري ديني بحث فيه الوراق المالية عند الأمم كلها وحكمها ونظامها وطبق ذلك عَلَى الشريعة الغراء وهو في ٢٢١ صفحة والكتاب الثاني البيان في أصل تكوين الإنسان وهو في ٢٠٨ صفحات والرسالة الثالثة في كتاب أعلام الباحث بقبح أم الخبائث في ١٥٤ صفحة والرسالة الرابعة في الصول المسماة تحفة الرأي السديد الحمد لضيا التقليد والمجتهد في ٨٤ صفحة وهذه الرسائل كلها مما تشتد حاجة العصر إليه لدفع الحرج عن الناس وتعليمهم الدين أو بعض مسائله العويصة مطبقاً عَلَى أحكام العلم والعقل فجزى الله المؤلف أفضل ما جازى عاملاً لا يتوقع من عمله إلا الصلح والنفع.
طبقات الأمم
تأليف جرجي بك زيدان طبعه بطبعة الهلال بمصر سنة ١٩١٢
ص٢٨٦
لمنشئ الهلال جرجي بك زيدان نفس طويل في التآليف وتفنن في ابتداع المبتكرات من الموضوعات ولاسيما ما راق منها طبقة خاصة من القراء وآخر تآليفه هذا السفر وهو يبحث في أصول السلائل البشرية وكيف نشأت وتفرعت إلى طبقات وانتشرت في الأرض وما تقسم إليه كل طبقة من الأمم أو القبائل وخصائص كل أمة البدنية والعقلية والأدبية ومنشأها ودار هجرتها ومقرها الآن وعاداتها وأخلاقها وآدابها وأديانها وسائر أحوالها وقد اعتمد فيه عَلَى أشهر ما كتب بالإنكليزية في هذا الموضوع وأضاف عليه بعض ما يلذ ويفيد من المعلومات العربية وحلاه بأنموذجات من صور كل جنس من أجناس البشر فجاء
стр. 5366
يجمع إلى الفائدة العلمية الخفيفة النكتة الفكاهية الظريفة تنتفع به الخاصة وتحرص عليه العامة فنهنئه بكتابه الجديد ونرجو له التوفيق إلى تأليف العشرات من أمثاله خدمة للغة وآدابها.
حكم النبي محمد
للفيلسوف تولستوي وشيء عن الإسلام وأوربا نقله عن الروسية سليم أفندي قبعين طبع بمطبعة التقدم بالقاهرة سنة ١٩١٢ - ١٣٣٠ ص٧٩.
اعتاد صديقنا المعرب أن يتحف العالم العربي الحين بعد الآخر بشيءٍ مما يكتبه المفكرون في روسيا ولاسيما ما له علاقة بالإسلام والمسلمين يتلطف في ترجمته ويوشك أن يكون وحده الذاهب بفضل هذه المزية في النقل عن الروسية ولا نذكر من المعربين عنها إلا أناساً لا يبلغون عدد الأنامل من أبناء سورية عربوا شيئاً قليلاً عن لغة السلافيين. أما هذه الرسالة فقد قال في وصفها المترجم رأى الفيلسوف تحامل جمعيات المبشرين في قازان من أعمال روسيا عَلَى الدين الإسلامي ونسبتها إلى صاحب الشريعة الإسلامية أموراً تنافي الحقيقة تصور للروسيين تلك الديانة وأعمال صاحب تلك الشريعة بصورة غير صورتها الحقيقية فهزته الغيرة عَلَى الحق إلى وضع رسالة صغيرة اختار فيها عدة أحاديث من أحاديث النبي محمد ﵇ ذكرها بعد مقدمة جليلة الشأن واضحة البرهان وقال هذه تعاليم صاحب الشريعة الإسلامية وهي عبارة عن حكم عالية ومواعظ سامية تقود الإنسان إلى سواء السبيل ولا تقل في شيءٍ عن تعاليم الديانة المسيحية.
وقد رد المعرب الأحاديث إلى أصولها وضم إليها مقالات نشرها بعض كتاب الروس في مجلاتهم بفضائل الإسلام وحقيقته فنشكر للمترجم وترجو أن تصح عزيمة كل عارف بلغة أجنبية أن ينقل لقومه ما يهمهم من الموضوعات وينقصها من المعلومات والإيضاحات.
الحكمة الشرقية
تعريب محمد لطفي أفندي جمعه طبعه عَلَى نفقة مجلة البيان ص١٠٠.
معرب هذا الكتاب من رجال المحاماة والقلم والخطابة يعرفه القراء بما عرب وألف حتى اليوم فهو مثال النشاط المصري ونموذج الكاتب الاجتماعي العصري وكتابه هذا آخر ما نشره للناس وهو ذو اسفار ثلاثة الأول حكم فتا حوتب الجكيم الوزير المصري الثاني
стр. 5367
كلستان للشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي الثالث كتاب التعليم الراقي للمرأة في اليابان للفيلسوف الياباني أونادايجاكو. وفيها كبها من الحكم الروائع والكلم النوابغ ما يجدر بالمتأدب الأخذ به وحبذا لو ضاعف المترجم وأمثاله من الإكثار من مثل هذه الأسفار ليدفعوا عن الناشئة قليلاً من السموم التي تنفثا في النفوس روايات الغرام والفوضى وأخبار اللصوص التي أضرت بآداب الجمهور كبير من المطالعين في هذا القطر وفي غيره من الأقطار العربية وحبذا لو صحت همة نظارة المعارف المصرية عَلَى منعها فهو أول واجباتها ومحاربة الرذائل لا يقل في النفع العام عن الأخذ بأيدي الفضائل.
بلوغ المرام من أدلة الأحكام
لشيخ الإسلام أحمد بن حجر العسقلاني طبعه عبد الرحمن أفندي بدران
سنة ١٣٣٠ - ١٩١٢ ص٢٨٠.
إن ما طبع من كتب الحديث في هذه الديار لم يبلغ القدر الذي طبع منه فيما نعلم في بلاد الهند وهذا المختصر يشتمل عَلَى الصول والأدلة الحيثية للحكام الشرعية بين المؤلف عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة وهو نافع لطلاب الأثر وطلاب الأحكام معاً فلطابعه الشكر الجزيل.
عجائب المتأدب
ويليه رسالة لقط الحكمة تأليف صالح بك حمدي حماد طبع سنة ١٣٣٠ - ١٩١٢ بمطبعة مدرسة والدة عباس الأول بالقاهرة.
مؤلف هذه العجالة كتب وترجم كثيراً في الموضوعات التي تنفع وتنهض بالقراء إلى مستوى راق وتلقنهم الأفكار الصحيحة وآخر كتبه هذا السفر جمع فيه حكماً ومواعظ قديمة وحديثة منظومة ومنثورة عزاها لأربابها وقدم لكل فصل كلاماً نافعاً من عنده يؤثر في نفس القارئ وبعده لتناول الحكمة المستشهد بها جزاه الله عن الآداب خير.
بلاغة الإنكليز
أو مختارات لوبان تعريب محمد أفندي السباعي طبع بمطبعة التقدم بمصر سنة ١٩١٢ في ثلاثة أجزاء صغيرة تبلغ زهاء ٣٥٠ صفحة.
стр. 5368
أهدتنا مكتبة البيان لصاحبها عبد الرحمن البرقوقي هذا الكتاب النافع معرباً بقلم السباعي أفندي وهو مختارات من كبار مؤلفين الإنكليز في الحكمة والأدب والتاريخ والأخلاق والاجتماع منها ما يلذ المطالع العربي ومنا ما لا يقدر لها قيمة إلا من قرأه بلغته الأصلية وتشبع بروح اللغة المنقول عنها وعرف عادات أهلها ومناحيهم وما يستطيبونه من القول وما يمجونه والكتاب عَلَى عادة المعرب في ما نقله جيد ممتع وفقه الله إلى ترجمة أمثاله من الكتب النافعة ككتاب التربية لسبنسر والأبطال لكارلايل وغيرهما من معرباته.
كتب ورسائل مختلفة
أحسن القصص تأليف صالح بك حمدي حماد فيها ثلاث روايات عصرية مصرية. مؤلفة الأولى رواية الأميرة يراعة في ١٤٢ صفحة والثانية رواية ابنتي سنية في ١٥٢ والثالثة رواية بين عاشقين في ١٣٧.
حقائق عن الانتخابات النيابية في العراق وفلسطين وسورية لحقي بك العظم.
الإسلام والإصلاح قرير رسمي للسر ريشار وود في الإسلام نشره محب الدين أفندي الخطيب.
стр. 5369
أخبار وأفكار
ثرثرة النساء
يقول احد علماء الإنكليز أن ما شاع عَلَى الألسن من أن في دم المرأة أن تكون ثرثارة أمر ثابت من طريق العلم أيضاً وناشئ حقيقة من تواد الدم إلى دماغها عَلَى صورة تخالف توارده إلى رأس الرجل فالمرأة يرد عليها أعظم كمية من الدم الشرياني واصلاً إلى نقرتها عَلَى حين يصل إلى الرجل أحسن دم وأغزره إلى الدماغ من جزئه الأعلى أو إلى الجبهة وعلى ذلك فيكون عمل الدم في الذكر والأنثى مختلفاً فالقسم الورائي من الدماغ هو مركز الحواس وهو محل حاستي النظر والسمع في حين أن القسم الأعلى يحتوي عَلَى مركز الإرادة والشهوات والرغبات الناشئة من الشعور الداخلي. فالتأثير المنبه الناشئ من غزارة الدم في كلا القسمين يدل إذا عَلَى السبب في رؤية المرأة الأشياء بسرعة ولماذا تتلو بسرعة أكبر وتتكلم أسرع من الرجل وتلتذ بكلامها وتهنأ أكثر من الرجل فإن لطف قواها في المدارك الحساسة وشدة ذكائها وتأثرها متنبه فيها أكثر من رفيقها الرجل ثم أن مجرى الدم في الرجل أغزر في الجزء الخارجي يهبه غرابة في ظواهره العالية من حيث الأعمال العقلية وحكماً أهدأ وإرادة أقوى ولذلك كانت المرأة ثرثارة أكثر من الرجل - قالته جريدة المايتن.
تفوق الرجال
نشرت الكاتبة المدونة صوفيا نادجدا في إحدى صحف لندن أبحاثاً جديدة بشأن اختلاف الإحساس في الحواس فقالت أن المرأة أسمى من الرجل في اللمس والرجل أسمى منها في الشم ويختلف الرجل والمرأة في الحكم عَلَى الطعم فالرجل يشعر بالمرارة أكثر من المرأة وهذه تشعر بالحلاوة أكثر وحاسة السمع في الرجل أقوى منها في المرأة وغلط رؤية الألوان عند المرأة أندر منه عند الرجال وبينا نرى من يغلطون في تمييز الأوان من الرجال عَلَى معدل واحد في كل ٢٥ أو ٣٠ نرى عدد النساء واحدة في كل ٢٥٠ بل ١٠٠٠ وهكذا في القابليات الأدبية في الجنسين فقد تبين بالاستقراء أن صفة الهدوء هي في الرجال عَلَى معدل ٢٥ في المئة في حين أنها في النساء عَلَى معدل ٢٠ وقد فرض عَلَى ٢٥ طالباً و٢٥ طالبة أن يكتبوا في آن واحد ومهلة حددت لهم ما يستطيعون كتابته من
стр. 5370
الكلمات فكان معدل ما كتبه الطلاب ١٣٧٥ كلمة وما كتبته الطالبات ١١٢٨.
البقول الشافية
كتب طبيب في جريدة ألطان مبحثاً في البقول الشافية قال فيه أن الحروب في القديم لم تكن ضارة كل الضرر بل أتت بمنافع عادت عَلَى الفاتحين بالشيء الكثير فإن نساء مقدونية كن يسرن مع جيش الإسكندر ليهيئن لأزواجهن المحاربين طعامهم وبذلك عرفن البصل اليابس والبصل الطري والجرجير التي يتناولها المصريون ولو لم يداهم الإسكندر ابن فيلبس بلاد الهند لما استطاع العالم القديم أن يعرف الفاصولية واللوبيا. وأخذ أهل غاليا عن أهل فوسة اليونان الذين داهموا إقليم البروفانس الزيتون وصنع الخبز وعاد القرطاجنيون من حملتهم عَلَى سردينيا يحملون البقدونس ووجد أحد الإنكليز في فرجينيا البطاطا عَلَى عهد الملكة إليزابيث وبالجملة فإنا عرفنا معظم البقول المائية بالاختلاط كثيراً مع شعوب الشرق والغرب وهذه البقول البصل فقد عرف القدماء خواصه في إدرار البول ولطالما كان حساء البصل الدواء الحقيقي يورث الرجال قوة وقد رأى أحد كبار أطباء القرن الثامن عشر أن أربع بصلات تسحق في قليل من الخمر الأبيض تفتح الكلى وتسهل مجرى البول كما تسهل جميع العقاقير الحادة وقد عاد أحد أطباء بوردو منذ سنتين بعد أن نسي الاستشفاء بالبصل يسمح لأحد المصابين بالاستسقاء باستعماله مقلياً ومشوياً ومطبوخاً فبعد أن كان بطنه مملوءاً ماء أخذ يخف انتفاخه ويرجع إلى حالته الطبيعية وعللوا ذلك لما فيه من آزوت البوتاس الطبيعي الموجود بكثرة في لب البصل وقد استعمل الدكتور دلكاشه في باريز البصل علاجاً لإحدى البنات كانت قد أصيبت بالخناق ثم بالكلب وامتلأت ساقاها ماء وعسر عليها البول فلم تكد تستعمل البصل إلا وارتفع البول من ٢٥٠ غراماً إلى لتر واحد وخف الورم وزال هذا ويلاحظ أن بعض المعد ترى البصل بطيئاً عَلَى الهضم. ولطالما استعمل الثوم في الشفاء من الطاعون والوباء ورائحته تتبخر من الجلد والرئتين والتنفس ولذلك حظر اليونان الدخول إلى المعبد عَلَى كل من تناوله فهو مضاد للتعفن أحسن من المواد غير الطبيعية التي نستعملها اليوم وكنا نشير عَلَى الناس بالإكثار من استعماله لولا أنه نمام تنم عليه روحه وأنفاسه.
ثم أن الرضي شوكي زمنً مسحوقاً للشفاء من الحميات المتقطعة ولبه إذا طبخ في الزبدة
стр. 5371
(القشطة) يكون لذيذاً للناقبين وينفع المصابين بالبول السكري ومثل ذلك يقال في الجزر والفاصولية وأحسن طريقة في الانتفاع من البقول أن لا تغلى كثيراً لتفقد خاصية ما فيها من الأملاح النافعة بل أن تطبخ عَلَى البخار كما يطبخها من حتموا عَلَى أنفسهم التغذي بالبقول أو عَلَى الطريقة الإنكليزية ويكف أن تجعل في سلة من المعدن تناط في القدر فوق ماءٍ غالٍ وبذلك تجمع إلى اللذاذة فائدة. ويحتوي الجزر عَلَى صبغة كيماوية وأملاح وفوسفات البوتاس وسكر وغير ذلك من الحجيرات والمواد النافعة في التداوي.
واختلف العلماء في الهليون فمن قائل بأنه دواء أكثر منه طعام ومن مدع أنه سم وقد قال الطبيب فريدريك في أوائل القرن الثامن عشر أن الشراب المعمول من جذوع الهليون يسكن الخفقان وهو أحسن مسكن للقلب والهليون أحد الجذوع الخمسة المدرة للبول وأحسنه البرى أما المزروع في الحدائق فقد فقد من خاصياته بقدر ما زاد في طعمه ولذاذته وتكثر مائيته فتكون ٩٣ في المئة منه وإذ كان الهليون يهيج الكلى خصوصاً فيمن تجاوزوا الخمسين بحيث قد ينشأ عنه ضرر فالأولى لهم الابتعاد عنه أو يستشيرون طبيبهم في ذلك.
ولقد كان الخس مما يرغب فيه القدماء ومنهم من يستعمله عقيب الطعام ويرون أنه مرطب للون وفيه من المواد ما ينفع في تنقية الأحشاء من الفضلات ويدخل مع الكراث في حساء البقول. وهذا الحساء إذا أخذ بارداً عَلَى الريق يكون مصلاً نافعاً شافياً من اضطراب المعدة ومن الإمساك الشديد ومانعاً من التعفن ويمكن أن يتناول حاراً ممزوجاً بقليل من الشعرية والسميد وتحضيره سهل وهو أن يغلي لتر من الماء مع ملعقة صغيرة من الملح الأسمر وتلقى فيها كراثتان وجزرة ولفتة ونصف خسة وقليل من الهندباء المسحوقة وأن تغلى من عشرين إلى خمس وعشرين دقيقة لا أكثر وإلا فتصبح مرة والمقصد مزجها لا جعلها حساء.
وكان للملفوف أيضاً عند أجدادنا موقع مهم ولطالما وصفه كبار الأطباء الأقدمين لما فيه من الكبريت وقد أوصى كوبلر احد أطباء القرن التاسع عشر في استعماله لمراض الجلد وتحسين التنفس وإذا صعب هضمه فلا بأس أن يضاف إليه أثناء طبخه ملعقة من بيكربونات الصودا وكذلك السبانخ فإن فيه حديداً حياً بكمية وافرة ولذلك ينفع كثيراً أرباب فقر الدم وفساده وهو ملين يحتوي الكثير من المواد الغروية والكر والحسن لمن فيهم مغص
стр. 5372
أن يبتعدوا عن تناوله. ومثل ذلك يقال في القرع والجرجير والخردل الذي يهيج الأحشاء ويطهر الأمعاء ولا ينبغي الإكثار منه لفتح القابلية للطعان في البلاد الحارة فإنه يضر.
هذا وأن البطاطا فقد ارتأى أحد كبار أطبائنا أنها نافعة للمصابين بالبول السكري يتناولها المصاب به ١٥٠٠ غراماً لما فيها من أملاح البوتاس الخاصة الغزيرة بحيث أن الكيلوغرام منها يحتوي من المواد القلوية التي لا تحويها معظم المياه المعدنية التي تستعمل في أمراض الكبد.
عظمة الجبان وشقاؤه
كتب بول غولتيه في الطان مقالة تحت هذا العنوان قال فيها أن من لم يدخل الجبن قلبه بعض الأحايين ينعي عَلَى نفسه أنها متوسطة في مداركها وقابلياتها وانها غير مستعدة للبلوغ والتفنن ومن لم يدخل في طور من الجبن ولو قليل في صباه يستحيل عليه أن يلبس لكل حالة لبوسها بدون تردد عَلَى العكس في الشبان الذين يجربون أنفسهم في مواطن الجبن والشجاعة فإنهم من أرباب العقول المبتذلة عَلَى أن الجبن في المرء ينبغي أن يكون محطة واحدة في حياته وصعب إذا تأصل الجبن بقليل من الخجل والخوف فهو نوع من الاضطراب لا يخلو منه امرؤ وأن وشفور زعيم الاشتراكيين ليصفر وجهه ويجبن قليلاً أمام الجمهور وكذلك المحامي بالي المشهور وكذلك كان شأن نابليون الأول وهو يقف أمام شعبه فيتماسك وكم أصيب بهذا الجبن رجال ولاسيما من الممثلين والمحاضرين والواعظين وكم من رجل يعد من كبار الخطباء فإذا جئت تقدم له رجلاً يحمر خجلاً وكم من آخر يخوفه ابنه ويحسب له ألف حساب ومن الوف يخشون باس نسائهم ومن آخرين يخشون بأس الرجال وكم من أستاذ يخاف من تلاميذه فيجبن أمامهم وكان وهو تلميذ لا يخاف بادرة أحد وكم من رجل كبير العقل واسع المدارك يجبن إذا التقى وأحمق لأنه يدرك هول الموقف فلا يتيسر أن يتفاهم واباه للفروق بينهما.
والجبناء هم الذين غرز الجبن فيهم بالفطرة بدون أن يجبنهم أحد فيجبنون لأنفسهم بدون أدنى سبب فيخفق قلبهم ويحمرون ويصفرون ويهتزون وتضيق أنفاسهم وقد يصابون بمغص وغشيان وكم من ممثلة كبيرة أصيبت قبل الدخول إلى المسرح بمثل هذه الأعراض وكم من امرئ أضاع صوابه فلم يعرف ماذا يقول وماذا يريد فسلبت منه حاسة القول
стр. 5373
وحاسة الإرادة وغاب فلم يع عَلَى نفسه يسكت فلا يحير جواباً ويغيب عن حضور ذهنه ومثل ذلك يصيب الطلبة في الفحوص وكم منهم من أخفق بسبب هذا الجبن. ولطالما شكا الفيلسوف جان جاك روسو المقنن مونتسيكيو من جبن ينالهما حتى قال الأخير عن نفسه أن الجبن كان آفة حياتي.
الجبان يضحك الناظرين منه فقد يرفع صوته في محل يجب خفضه ويخفضه في محل الرفع وتختل حركاته وقد يخرج من الغرفة ويقع من تعلق رجله بالبساط وربما حقر الكبير وكبر الصغير وربما ظنه الحضور أحمق أخرق لا عقل له ولا معرفة ولذلك لا ينجح في حياته وكم من واحد يدفعه حب المال أن يذهب إلى أقصى الأرض فيستفيد من ضعفه ويظهر كذلك وليس هو سعيداً في حبه وربما كان هو المحب الحقيقي بحيث أن كل إنسان مولع بالحب مهما بلغ من جسارته يصبح جباناً أمام محبوبه فلا يحب. والنساء لا يؤخذ بمجامع قلوبهن إلا الجسورون وليس للجبان حظ مع النساء وما أقسى الحكم عليه في ذلك لأنه لم يكن جباناً إلا طمعاً في العواطف.
وفي تلبك الحال يغير الجبن أخلاق المصابين إذا لم يستطيعوا التخلص منه ومن يتفوقون عليه يكونون في الغالب دونه عَلَى أن الجبان قد يختار العزلة عن الناس لئلا يناله منهم ما يضره في عزة نفسه وينزله عن كبريائه عَلَى أن الجبان لا يظل عَلَى جبنه إلا لضعف في إرادته وتضاؤل في امتلاك اضطراباته والدليل عَلَى ذلك أن الجبن يزيد وينقص بحسب الحالة الصحية والاحمرار يكون عَلَى أتمه فيكون فيهم يحمرون بسبب وبلا سبب فهم يشبهون راكب الدراجة يخاف السقوط فتخونه رجلاه فيسقط وكم منهم بقوا عازبين ولم يستمتعوا باللذائذ وكم منهم فكروا بالانتحار ليخلصوا مما هم فيه.
وأحسن دواء للخلاص من الجبن إن لم يكن سهلاً فهو ممكن أن يعمد إلى عمل كل ما يقوي المجموع العصبي وأكثر ما ينجع فيه التأني وتربية الإرادة. وبالجملة فإن الجبن محطة في الحياة يجب أن يقف فيها الشاب وهي جوهرية تنقذ الرجل الذي يتربى بان تكرهه عَلَى أن يحسن قياد نفسه وتعد لحياة داخلية دع أن الجبن في أكثر الأحيان هو نتيجة استعداد لأن يأبى صاحبه بالبدع والرغائب وقصارى القول ينبغي أن يتفاءل خيراً للجبان عَلَى شرط أن يداوي نفسه ومثله هو الذي يخاذله التوفيق لأن يكون رجلاً في هذه الحياة.
стр. 5374
الأمم والحمامات
أرسل الدكتور كين أحد أطباء مانشستر بلاغاً من ألطف ما كتب إلى المجلس الصحي في يور ك من بلاد إنكلترا بشأن نظافة الجسم الإنساني والحمامات قال بعد البحث الدقيق أنه في كل عشرين نزيلاً في الفندق واحد فقط يستحم وفي مقدمة المستحمين الضباط ثم من اعتادوا الألعاب الرياضية أما رجال الدين فهم أقل الطبقات استحماماً وإذا وضعنا للأمم ترتيباً في الاستحمام فيكون رجال الإنكليز في المقدمة ثم الإيكوسيون ثم الأيرلانديون ثم نساء الأميركان ثم نساء الإنكليز ثم رجال أميركا ثم الفرنسيس والألمان وهؤلاء عَلَى مستوى واحد والسر في تفوق نساء الأميركان عَلَى نساء الإنكليز في النظافة هو أن نساء الأميركان لا يتحاشين الخروج بألبسة النوم في الفنادق أمام النزلاء بخلاف الإنكليزيات فإنهن يتحامين ذلك أدباً وتعففاً هذا ما قاله إنكليزي في حين كان من الأمور الثابت في أوربا أن أكثر أهلها نظافة هم الإنكليز والسر في نزافة الإنكليز أن الاستحمام في معظم فنادقهم مجاني في حين أن الاستحمام في الفنادق ولاسيما في البلاد التوتونية يكلف الفرنكين والثلاثة كل مرة أما في الشرق فمن العجيب أن تقل النظافة مع بذل الماء وتسهيل الوسائط عما كانت عليه في القرون الوسطى مثلاً.
اللؤلؤ
تشرت المجلة الفرنسوية بحثاً في اللؤلؤ آثرنا تحصيله فيما يلي: كان اللؤلؤ الذي يرغب فيه كل ذات ظرف اليوم مشهوراً عند المصريين والبابليين والآشوريين والصينيين ورد ذكره في العهد القديم والعهد الجديد ولطالما أولع بحبه الشرق ولا تكمل حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة إلا إذا كان فيها كلام عن اللؤلؤ ومازالت جميع بلاد الإسلام تبتاعه ويكتفون منه بما حضر مهما كان حجمه لأن أسبابهم المالية لا تساعدهم عَلَى ابتياع المدور منه ولا يستعملونه إلا مثقوباً يجعلونه في الأساور والعقود ويدخل في بعض العقاقير ولاسيما في بلاد الصين التي تستعمل مسحوق اللؤلؤ في كثير من الأدوية زعماً منهم أن مسحوقه يعيد إلى الشيخ نشاط الشباب في الخامسة والعشرين من عمره وهذا الاعتقاد في نفع اللؤلؤ قديم فقد قيل أن كيلوبطرا ملكة مصر تناولت لؤلؤ حلتها في الخل وكانت تعتقد بغناء هذا الدواء. وقد دخل استعمال اللؤلؤ إلى فرنسا عَلَى عهد هنري الثاني عَلَى يد كاترينا دي
стр. 5375
ميديسيس ولم يستعمله الناس كلهم إلا منذ نحو عشرين سنة بل كان خاصاً بالعظماء والعظيمات ولطالما أحبت إسبانيا وبولونيا وجزءاً من روسيا الشرقية اللؤلؤ وعدته من أنواع الزينة الوطنية ومنذ نحو عشرين سنة شاع استعماله في إنكلترا وإيطاليا شيوعه في فرنسا ثم اخذ ينتقل إلى جميع بلاد أوربا ويصل أميركا الشمالية والجنوبية والنساء يرغبن اليوم في اقتناء اللؤلؤ بحيث كادت الأثمان التي تبذل فيه تعد في فصل مالاً ينتج من رأس المال فأصبح مغاوص اللؤلؤ لا تقوم بما يطلب منها كل سنة حتى رأوا أن يبتاعوا القديم منه المستخرج من جمهوريات أميركا الوسطى وهو الذي يصاد في بنما وكوستاريكا فبلغت أثمانه عشرين ضعفاً مما كانت تساوي ويبتاع أهل إسبانيا وروسيا وبولونيا لؤلؤهم من الهند والصين فيرقبون أنلاس الراجات أو ملوك الهند بعض السنين ليخرجوا عن لؤلؤهم العظيم وإن كان يعوز عليهم ذلك كما يعز عَلَى الصينيين أن يبيعوا لؤلؤهم خصوصاً ما كان منه مدفوناً مع آبائهم وأجدادهم لأن العادة أن تدفن مع الميت جواهره وحليه ولا يلبث اللؤلؤ القديم أن يبتاع من المشرق فينقطع أثره وهذا السبب في غلاء ثمن اللؤلؤ فإن ما يعاد منه أصبح نادراً ولا يعاد اليوم إلا الصغير الحجم ففي سنة ١٩١١ التي كانت من السنين الجيدة في صيد اللؤلؤ في الخليج الفارسي لم يستخرج سوى أربعين لؤلؤة تتجاوز الواحدة الخمسة والعشرين قمحة وهو أحسن موسم للؤلؤ في بحار العالم كله وتقدر قيمة ما يستخرج من الخليج الفارسي سنوياً من أربعين إلى ستين ملون فرنك ويختلف شكل اللؤلؤ بحسب أصدافها وقعر البحار التي تعيش فيها فإذا كان قعر البحر كلسياً جاء اللؤلؤ أبيض وإذا كان حديدياً جاء لؤلؤه ملوناً واللؤلؤ يستخرج وعن منطقة مستطيلة في بحار الأرض في خليج فارس إلى جزيرة مرغريتا إلى فنزويلا فمصايد أستراليا فمصوع وتاهيتي وبناما وكليفورنيا والجزائر الهولاندية وغير ذلك وخير الصدف ما استخرج من المصايد القديمة أما المصايد الحديثة فتنضب بسرعة ولا توازي العناء في الاستثمار.
قد يظن بعضهم أن من يصيدون اللؤلؤ أغنياء والحقيقة أن صائديه فقراء ويختلف عددهم بين ستين وثمانين ألفاً في شاطئ جزيرة العرب والمتجرون به من تجارهم الأغنياء لا يزيد عددهم عن خمسة عشر شخصاً ومصائد اللؤلؤ عَلَى ١٥٠ إلى ٢٠٠ ميل من شاطئ بلاد العرب يقضون أعظم المشقات في صيده ويغوصون ثلاث دقائق في الغالب ومنهم من
стр. 5376
يهلك غرقاً أو أن تعضه سمكة ولا يستطيع أن يغوص أكثر من خمس سنين ثم يضعف. قال الكاتب ولما رأيت ما حل ببعض هؤلاء الغواصين ذكرت أوباش باريز فقلت في نفسي ليت الحكومة ترسلهم ليعملوا في صيد اللؤلؤ الأشغال الشاقة فإن هلاكهم واقع لا محالة والبلاد تنجو منهم وأعظم سوق تقام للؤلؤ في العالم مدينة بومباي يقصدها تجاره من بلاد العرب ومصوع وسيلان وجزائر جاوة وغيرها من مصائد المحيط الهندي وفيها تكون لسماسرة هذا الحسم الكريم شدة وعرامة وأهم تجاره إنكليز كما أن أهم مصائده بيد إنكلترا وقيمة المستخرج منه تقل سنة عن أخرى وربما جاء يوم استعيض عنه في الزينة بالأحجار الكريمة كالياقوت والزمرد والزبرجد عَلَى أن بعض معادن هذه آخذة في النقص أيضاً وتجارته اليوم تساوي مئات الملايين من الفرنكات وكم اغتنى منه من تجار الإنكليز والإيطاليين والألمان خصوصاً بعد أن كان يباع لثمن بخس ولم تكن الأنظار متجهة إليه أما اليوم فندر من يبيع بثلاثة أضعاف ما يشتري وفي الماضي كان ذلك من المألوف.
الإسراف في القهوة
يزيد غرام العالم اليوم بعد اليوم باستعمال القهوة فالفرنسوي يصرف في السنة كيلوغراماً ونصفاً من البن والألماني كيلوغرامين ونصفاً والأميركي ثلاثة ونصفاً والبلجيكي خمسة ونصفاً والعثماني ستة ونصفاً والبرازيلي سبعة والإنكليزي يكتفي بكيلو واحد. قالت المجلة رواية هذا النبأ وليت شعري هل اعتدال الإنكليز في القهوة نشأ عنه سكوته في عراك هذا العالم العصبي.
الألكحول والأمية
لاحظوا في ألمانيا أن لانتشار الألكحول علاقة بتعليم الشعب فالعملة الذين يطالعون أكثر من غيرهم ولاسيما الصحف أقل استعمالاً للألكحول ممن لا يطالعون ففي إقليم ورتمبرغ حيث تجد للسكان رغبة دائمة في المطالعة وتباع الصحف كثيراً يقل شاربو المسكرات أكثر من ولاية بورن الألمانية التي يرغب سكانها عن المطالعة وتقل صحفها وبذلك تسقط دعوى من قال أن العملة يزيد تعاطيهم المسكرات كلما قل عملهم وكثر فراغهم.
أكبر محطة
تعمر الآن في أميركا أكبر محطة من محطات السكة الحديدية في العالم وهي محطة سكة
стр. 5377
بنسلفانيا نيويورك وتنتهي سنة ١٩١٥ تكلف تسعمائة مليون فرنك وأهم ما فيها الشرفات التي تبنى لقبول الركاب وهم نازلون من القطار والخطوط الحديدية تعلو قليلاً عن سطح الأرض وتقام فوق المحطة عمارات ذات عشرين طبقة.
الحمى المعاودة
قالت الطان: إن للحمى المعاودة شدة خاصة بسبب انتشارها العفني وهي تكثر في أفريقية الشمالية وأفريقية الوسطى وينتقل ميكروبها الحلزوني بواسطة الحشرات الطفيلية ولاسيما القمل وقد أكد نيكول وبيلزو ونسل أن هذه الحشرات لا يمكن أن تنقل الميكروب إلى الأشخاص الذين ليس في جلدهم آفة أو جرح فبحث العلماء منذ ذلك العهد عن كيفية انتقال المرض فأثبتوا أن الميكروبات عندما تلحق بالحشرات تتبدل وتصبح مرئية بالمجهر وتدخل إلى الباطن فتنمو وتتكيف تكيفها الأول بعد ثمانية أيام وهكذا يمكن التوقي من الحمى المعاودة إذا اعتنى السكان بإهلاك حشراتهم بدون سحقها والظاهر أن الحميات المعاودة المنتشرة في بعض أقاليم روسيا وآسيا وإيرلاندة وكندا التي يسكنها أناس قلما يحفلون بالقواعد الصحية لها نفس هذه الوسائط في الانتقال والعدوى.
الصناعة في النمسا
وجدت الصناعة النمساوية لها مصرفاً عظيماً في بلادها إذ زادت في الجمهور القدرة عَلَى الابتياع بزيادة أجور العمال وسهولة استخدام العاملين لأيديهم وأبدانهم ويستدل عَلَى زيادة المصروف من البضائع وقلة الصادر منها بنمو عدد العمال في تلك الإمبراطورية فقد كان عددها سنة ١٩٠٢ - ١١٩٥٤ مشروعاً لصنع الحاصلات الصناعية وتحويلها فأصبح عددها سنة ١٩٠١ - ١٤٥١٧ أي بزيادة ٢٥٦٣ منها ٢٦٣٩ معملاً للنسيج و٢٩٦٧ معملاً لصنع الحجر والفخار والخزف والزجاج و٢٢٢٥ معملاً للمواد المأكولة و١٥١٨ معملاً للمعادن و١٤٦٧ معملاً للسلال و٩٢٥ معملاً للحاصلات الكيماوية وقد كان يعمل ١٧٢٣٠٠٠ شخص سنة ١٩٠٢ في هذه المعامل المختلفة والبيوت وعددها كلها ١٠٣١١٤ وتبلغ أجورهم ١٠٥ ملايين كورون فأصبح عددهم سنة ١٩١٠ ٢٦٦٦٠٠٠ شخص وأجورهم ١٨٩٠ مليون كورون يعملون في ٢٣٠٠٠ معملاً ومحلاً فزيادة عدد العملة ٣١ في المئة والأجور ٥٧ في المئة يدل عَلَى أن قوة الاستهلاك في الناس قد نمت في النمسا
стр. 5378
عَلَى معدل واسع.
السكك الحديدية الهوائية
يراد بالسكك الحديدة الهوائية النقالات المحتوية عَلَى أدوات للجر وطرق للدفع مؤلفة من سلك أو أسلاك معروفة من القديم ولم تستخدم في الصناعة ببلاد الغرب إلا في سنة ١٨٢٣ في حين كانت معروفة في نابولي ففي متحفها قطعة من السلك نحاس وجدت في خرائب بومبي وقد عرفت هذه النقالات الهوائية منذ زهاء ألف سنة في يابان والصين وجعلوا لها أسلاكاً من ألياف نباتية ليجتازوا عليها الأنهار والأودية العميقة ولكن أول وصف لسكة حديدية هوائية لم يجر إلا سنة ١٤١١ كما شوهد مسطوراً في مخطوط محفوظ في مكتبة فينا ثم شاع استعمالها واخذ اللومبارديون يعمدون إليها في اجتياز الأنهار ونقل التراب لعمارة الحصون وفي كتاب لرجل ظهر في البندقية نحو سنة ١٦١٧ أول تخطيط لسكة حديد هوائية تستعمل لنقل الأشخاص وكانت ألمانيا في العهد الحديث أسبق الأمم إلى استخدامها فقد استعملوها سنة ١٨٧٢ في بناء الحصون في متز ثم أولع بذلك الأميركان.
الحبوب النافعة
للفوسفور دخل كبير في قوام الجسم الإنساني كان البشر في أيامهم الأولى يحصلون عليه من ألبانهم ولحومهم ولما شرعوا يزرعون الحنطة ويمصرون الأمصار ويختطون القرى أخذوا يعمدون إلى البقول في الحصول عَلَى الفوسفور اللازم قال الدكتور هالم في الطان أن الأرز الذي هو أن الأرز هو أساس غذاء المشارقة يحتوي عَلَى ١٤ في المئة من الحامض الفوسفوري وفيه غذاء كاف حديدي ومطبوخه نافع في الشفاء من الإسهال أكثر من جميع الأحسية والعدس عَلَى ما يظهر من تاريخ عيسو كان له شأن عظيم في القديم وفي العدس ٧ غرامات و٥٥ في الألف من الفوسفات وهو نافع جداً للمصابين بالبول السكري. والحنطة كانت في كل قرن غذاء نافعاً تأتي بالفوسفات المطلوب في الأجسام وكان أجدادنا يتناولون الخبز أسمر بما فيه فنفعهم لأن فيه ٧٧ في الألف من هذه المادة في حين لا يحتوي الأبيض أكثر من نحو واحد في الألف من الفوسفات ولذلك يفضل الأسمر عَلَى الأبيض في الصحة وقد قال أحد علماء الصحة أن انتشار داء ضعف المجموع العصبي (النوراستنيا) ناشئ من تناول الدقيق الأبيض في الخبز وأحسن الخبز ما كان
стр. 5379
وسطاً لا أبيض ولا أسود والأبيض منه قد كان منه مرض الزائدة الدودية المنتشرة في هذا العصر. وقد قال الدكتور أن الحب والرضاع يأخذان المرأة فوسفوراً كثيراً وكذلك يفقد المرء فوسفوراً كثيراً إذا كان مصاباً بإحدى الأمراض المعدية كالسل والقرمزية والحمى التيفوئيدية ومن أصيب بالهم والغم وإنهاك عقله بالأشغال الفكرية ومن استرسل في شهواته وفي بيض الدجاج معوض مهم عن الفوسفور لأن فيه ١٣ في الألف فأوصى المتعوبين والمعمرين أن يتناولوا في الصباح عند قيامهم من النوم صفار بيضة تمزج بسكر ناعم معنجان قهوة وتخلط بلطف في قهوة سوداء لا تكون غالية كثيراً.
стр. 5380
العدد ٨٠ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٢
стр. 5381
كتاب الأدب والمروءة
عني بنشره الشيخ طاهر الجزائري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين قال صالح بن جنان: اعلم أن العرب قد تجعل للشيء الواحد أسماء وتسمي بالشيء الواحد أشياء فإذا سنح لك ذكر شيء فاذكره بأحسن أسمائه فإن ذلك من المروءة وإنما الرجل بمروءته فالمروءة اجتناب الرجل ما يشينه واجتناؤه ما يزينه وإنه لا مروءة لمن لا أدب له ولا أدي لمن لا عقل له ولا عقل لمن ظن أن في عقله ما يغنيه ويكفيه عن غيره وشتان بين عقل وافر معه خمسون عقل كلها وافر مثله ومن عقل وافر لا فائدة معه ومن ذلك قول الشاعر:
وما أدب الإنسان شيء كعقله ... ولا زينة إلا بحسن التأدب
وقال أن الأفئدة مزارع الألسن فيمنها ما ينبت ما زرع فيه من حسن ولا ينبت ما سمج ومنها ينبت ما سمج ولا ينبت ما حسن ومنها ما ينبت جميع ذلك ومنها لا ينبت شيئاً وإن من المنطق لما هو أشد من الحجر وأنفذ من الإبر وأمر من الصبر وأحر من الأسنة وأنكد من زحل ولربما احتقرت كثيراً منه عَلَى حرارته ومرارته وتنكد مخافة ما هو أحر منه وأمر وأفظع وأنكر وفي ذلك قول الشاعر:
لقد أسمع القول الذي كاد كلما ... يذكر تيه الدهر قلبي يصدع
فأبدي لمن أبداه مني بشاشة ... كأني مسرور بما منه أسمعه
وما ذاك من عجبٍ به غير أنني ... أرى أن ترك الشر للقمر أقطع
وقال في ذي الوجهين: من أظهر ما تحب أو تكره فإنما يقاس ما أضمر بما لا أظهر لأنك لا تقدر أن تعرف ما أسر وقال:
ليس المسيء إذا تغيب سوء ... عندي بمنزلة المسني المعلن
كم كان يظهر ما أحب فإنه ... عندي بمنزلة الأمير المحسن
والله أعلم بالقلوب وإنما ... لك ما بدا منهم بالألسن
ولقد يقال خلاف ذلك وإنما ... لك ما بدا منهم بالأعين
وقال في الصدود: أما بعد فقد أحضرتني من صدرك ما آيسني من ودك ولم يزل يجري في
стр. 5382
لحظك ما يدخلني في رفضك ويدلني عَلَى غل صدرك وفي ذلك أقول شعراً:
نظل في قلبه البغضاء كامنة ... فالقلب يكتمها والعين تبديها
والعين تعرف في عيني محدثها ... من كان من حزبها أو من يعاديها
عيناك قد دلتا عيني منك عَلَى ... أشياء لولاهما لم كنت أدريها
أن الأمور التي تخشى عواقبها ... إن السلامة ترك ما فيها
وقال في كثرة المال وقلته: لا تستكثر مال أحد ولا تستقله حتى تعلم ما عياله فإن من كثر ماله وعياله فهو مقل ومن قل ماله وعياله فهو مكثر.
وقال في ذكر الأحمق ودخوله فيما لا يعنيه: وأكثرهم دخولاً فيما لا يدخل فيه وأرضاهم بما لا يكفيه - عدوه أعلم بسره من صديقه وصديقه قد غض منه بريقه ولا يثق بمن نصحه ولا يتهم من خدعه ولا يأمن إلا من يخونه زلا يتحفظ إلا ممن يحفظه ولا يكرم إلا من يهينه أشبه شيء خلقاً باللئيم إن أحسنت إليه لم يشكر وإن أسأت إليه لم يشعر لا ينفعك من وجهه إلا ضرك من وجوه: إن أقبل عليك لم يسرك وإن أدبر عنك لم يضرك إن أفسد شيئاً لم يحسن أن يصلحه وإن أصلح شيئاً أفسده إن أحببته فرأى منك حسناً لم يحسن أن ينشره وهو مع ذلك بخطئه أشد إعجاباً من العاقل بصوابه إن جلس إلى العلماء لم يزدد إلا جهلاً وإن جلس مع الحكماء لم يزدد إلا طيشاً وإنما جعل نفسه المحدث لهم يكلفهم أن يكونوا المنصتين له أعيا الناس إذا تكلم وأبلدهم إذا تعلم واصحبهم لمن يشينه وأرفضهم لمن يزينه وأشدهم في موضع اللين وألينهم في موضع الشدة وأجبنهم في موضع الشجاعة أن افتقر عجب من الناس كيف يستغنون وإن استغنى عجب من الناس كيف يفتقرون لا يفهم إلا حدثته ولا يفقه إن أفهمته ولا يقبل إن وعظته ولا يذكر إن ذكرته وفي ذلك أقول شعراً:
المرء يصرع ثم يشفى داؤه ... والحمق داء ليس منه شفاء
والحمق طبع لا يجول مركب ... وما أن لأحمق فاعلمن دواء
وقال في ذكر الهوى: إن من الناس من إذا هوي عمي ومنهم من إذا هوي أبصر مرة وأعمي أخرى ومنهم من إذا هوي لم يكد يخفى عليه شيء وهو اللبيب العاقل الحليم الكامل الذي إن أعجبه أمر نظر إلى هواه وعقله فإن اتفقا اتبعهما وإن اختلفا اتبع عقله وترك هواه وكان أمراً معتدلاً يشبه بعضه بعضاً وقليل ما هم في ذلك أقول شعراً:
стр. 5383
أملك هواك إذا دعاك فربما ... قاد الحليم إلى الهلاك هواه
الله يسعد من يشاء بفضله ... وإذا أراد شقاءه أشقاه
وقال أيضاً في أناس تحسن وجوههم عند حاجاتهم وتغير وجوههم عند غناءهم شعراً:
أرى قوما وجههم حسان ... إذا كانت حوائجهم إلينا
وإن كانت حوائجنا إليهم ... تغير حسن أوجههم علينا
ومنهم من سيمنع ما لديه ... ويغضب حين يمنع ما لدينا
فإن بك فعلهم شحا وفعلي ... قبيحاً مثله فقد استوينا
وقال فيمن فعل أمراً لا يحسن أن يحتال له: اعلم أن من قاتل بغير عدة أو خاصم بغير حجة أو صارع بغير قوة فهو الذي صرع نفسه وخصم نفسه وقتل نفسه فإن ابتليت بقتال أحد أو خاصمته أو مصارعته فأحسن الإعداد له واعرف مع ذلك عدته وأبصر حجته وأخبر قوته كما يخبر قوتك وحجتك وعدتك فإن رأيت تقدماً وإلا كان التأخر قبل التقدم خيراً من التندم بعد التقدم وفي ذلك أقول شعراً:
إذا ما أردت الأمر فاعرفه كله ... وقيه قياس الثوب قبل التقدم
لعلك تنجو سالماً من ندامةٍ ... فلا خير من أمر أتى بالتندم
وإن من الناس من يرزق حجة أو عدة أو قوة فتكون عدته هي التي تقتله وقوته التي تصرعه وحجته التي تخصمه وذلك أنه ربما أدل فقاتل قبل أن يعلم أهو أعد أم الذي يقاتله وكذلك في الذي يخاصمه ويصارعه فإذا هو قد قتل أو صرع أو خصم أمام الذي يقاتله وكذلك في الذي يخاصمه ويصارعه فإذا هو قد قتل أو صرع أو خصم فلم ينفعه جودة عدته ولا قوة حجته حين أتى الأمر من غير جهته وفي ذلك أقول:
إذا ما أتيت من غير وجهه ... تصعب حتى لا ترى منه مرتقاً
فإن الذي يصطاد بالنفخ إن عنا ... عَلَى الفخ كان الفخ أعتى وأضيقا
وقال في الذي يعاقب الناس بغير مودتهم ويوجب حق نفسه عليهم: لا تدع الناس إلى برك وإجلال أمرك وتعظيم قدرك بالمعاتبة ولكن ادعهم إلى ذلك بما تستوجبه منهم وانظر الأمر الذي أكرم به من هو أبعد منك وقرب به من أنت أقرب منه فألزمه فإنك إن تلزمه لم تحتج معه إلى معاتبة ولا استبطاء حق لأنك إن دعوتهم إلى تكرمتك بغير ما تستوجب التكرمة به
стр. 5384
فإنما دعوتهم إلى أهانتك إما بكلام يحرجك وإما بفعال تقدحك وإن دعاهم إلى ذلك فضلك أجابوا إما بثناء يرفعك وبجزاء ينفعك.
وقال في معرفة الأخوان إنك لن تعرف أخاك حق المعرفة ولن تخبره حق المخبرة ولن تجربه حق التجربة وإن كنتما بدار واحدة حتى تسافر معه أو تعامله بالدينار والدرهم أو تقع في شدة أو تحتاج إليه في مهمة فإذا بلوته في هذه الأشياء فرضيته فانظر فإن كان أكبر منك فاتخذه أباً وإن كان أصغر منك فاتخذ ابناً وإن كان مثلك فاتخذ أخاً وكن به أوثق منك بنفسك في بعض المواطن وقال: كن من الكريم عَلَى حذر إن أهنته ومن اللئيم إن أكرمته ومن العاقل إن أحرجته ومن الحمق إن مازحته ومن الفاجر إن عاشرته ولا تدل عَلَى من لا يحتمل أدلالك ولا تقبل عَلَى من لا يحب إقبالك وكن حذراً كأنك غرو وكن ذاكراً كأنك ناسٍ والتزم الصمت إلى أن يلزمك التكلم فمن أكثر من يندم إذا نطق وأقل من يندم إذا لم ينطق وإذا ابتليت فعند ذلك تعرف جودة منطقك وقلة زللك وسعة عفوك وقلة حيلتك ومنفعة قوتك وحسن تخلصك واعلم أن بعض القول أغمض من بعض وبعضه أبين من بضع وبعضه أخشن من بعض وبعضه الين من بعض ولو كان واحداً فإن الكلمة اللينة لتلين من القلوب ما هو أخشن من الحديد وإن الكلمة الخشنة لتخشن من القلوب ما هو ألين من الحرير وإن عظم الناس بلاء وأدومهم عناء وأطولهم شقاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاد مطبق فهو لا يحسن أن ينطق ولا يقدر أن يسكت واعلم أن ليس يحسن أن يجيب من لا يسألك ولا تسأل من لا يجيبك وفي ذلك أقول شعراً:
ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه إن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
وقال في الرفق في الدواب: إن رفق الرجال بدوابه وحس تعاهده لها وقيامه عليها عمل من أعمال البر وسبب من أسباب الغنى ووجه من وجوه المروءة وقال التدبير مع المال القليل وخير من المال الكثير مع سوء التدبير وإنما المنفقون ثلاثة جواد مبذر وكريم مقدر ولئيم مقتر وفي ذلك أقول شعراً:
رب مال سينعم الناس فيه ... وهو عن ربه قليل الغناء
كان يسقي به وينصب حيناً ... ثم أمسى لمعشر غرباء
стр. 5385
ماله عندهم جزاء إذا ما ... أنعموا فيه غير سوء الثناء
رب مال يكون غماً وذماً ... وغني بعد في الفقراء
وقال في تصنيف الطعام إذا كنت ممن يؤكل طعامه وتحضر مائدته ويؤكل معه فليكن الذي يتولى صنعة طعامك من ألب الناس في عمله وأنظفهم في يديه ولا تدع أعلامه إن أحسن ولا إنذاره إن أساء فإن تعتبك عليه خير من تعتب الناس عليك واعلم أن لكل شيء غاية وإن غاية الاستنقاء التنظيف في الاستنجاء والإكثار من الماء حتى يستوي اليدان والريح والمنظر فإنه لا طيب أطيب من الماء ولو أنه المسك وما أشبهه من الأشياء وإنما يستدل عَلَى نظافة الرجل بنقاء أثوابه وإنما يكون القذر في الحمقى من الرجال والنساء ويستدل عَلَى بلادتهم وفي ذلك أقول شعراً:
ولا خير قبل الماء في الطيب كله ... وما الطيب إلا الماء قبل التطيب
وما أنظف الأحرار في كل مطعم ... وما أنظف الأحرار في كل مشرب
وقال في صفة العدو والصديق: احرص أن لا يراك صديقك إلا أنظف ما تكون ولا يراك عدوك إلا أحصن ما تكون فأما الصديق فإن كان الذي أعجبه منك خلقك أو خلقتك ولهما كان بحبك فكلما ازددت حسناً كان حبه لك أكثر ورغبته فيك أوفر (وأكثره عندك وأكبر لك في صدره) وأدوم له عَلَى عهدك وأما العدو فليس شيءٌ أعجب إليه من دمامتك وخساستك فاحترس منه وأظهر الجميل فليس شيء أعجب إليه من التمكن منك فانظر أن لا يكون شيء أعجب إليك من التحصن منه.
وقال في العقل والأدب: اعلم أن العقل أمير والأدب وزير فإن لم يكن وزير ضعف الأمير وإن لم يكن أمير بطل الوزير وإنما مثل العقل والأدب كمثل الصيقل والسيف فإن الصيقل إذا أعطي السيف أخذه فصقله فعاد جمالاً ومالاً وعضداً يعتمد عليه ويلتجأ إليه فالصيقل الأدب والسيف العقل فإذا وجد الأدب عقلاً نفقه ووفقه وقواه وسدده كما يصنع الصيقل بالسيف وإذا لم يجد عقلاً لم يعمل شيئاً لأنه لا يصلح إلا ما وجد وإن من السيوف لما يصقل يسقي ويخدم ثم يباع بأدنى الثمن ومنها ما يباع بزنته دراً وزبرجد وذلك عَلَى نحو الحديد وجودته أو رداءته وكذلك الرجلان متأدبان بأدب واحد ثم يكون أحدهما أنفذ من الآخر أضعافاً مضاعفة وإنما ذلك عَلَى قدر العقل وقوته في الأصل وفي ذلك قلت شعراً:
стр. 5386
وقد يصلح التأديب من كان عاقلاً ... وإن لم يكن عقل فلن ينفع الأدب
وقال في المراء: إذا اجتمع أهل نوع فتذاكروا عَلَى نوعهم ذلك لم يكن أصل كل واحد منهم أن ينفع بما أسمع وينتفع بما سمع فاعلم أن تذاكرهم ذلك من أول المراء يصدع العلم ويوهن الود ويورث الجمود وينشئ الشحناء وينغل القلب وفي ذلك أقول شعراً:
تجنب صديق السوء وأصرم حباله ... فإن لم تجد عنه محيصاً فداره
وأحبب صديق الخير واحذر مراءه ... تنل منه صفو الود ما لم تماره
وقال في الحكمة: أما ما يسمع من كثير من الحكمة فإنه أوله شيء يخطر عَلَى الأفئدة إذا خطر وهو أصغر من الخردلة وأدق من الشعرة وأوهن من البعوضة ثم تحركه اللسنة وتنبذه الأفئدة كما يحاك البرد وكما يمد النهر فيعود أكثر من الكثير وأوثق من الحديد وأثمن من الجوهر وأحسن من الذهب وأنفع من كليهما لأنه يزيد في المنطق ويذكي الذهن ويعين عَلَى الإبلاغ ويتجمل به القائل ويتقلب فيه كيف يشاء ويختار منه ما يشاءُ فينتفع به اللطيف ويقبل به السخيف ويتزيد به الكثيف ويتأيد به الضعيف ويزداد به الأيدي قوة من منطقه وبلاغة في كتبهم وللكرماء في بشاشتهم وللشعراء في قصائدهم فإذا كنت ممن يؤلف حكمة أو يضع رسالة أو يذكر في مهمة فلا تكمه قلبك ولا تكره ذهنك فإنه إذا أكره كل ووقف ولكن إن كنت في شيء من ذلك فاستعن بالتفرغ منه عَلَى التفرغ له والتأخر عنه عَلَى التقدم فيه فإن الذهن يجم كما يجم البئر ويصفو كما يصفو الماء.
وقال في الكلام وإخراجه: اعلم أن مثل الكلام كمثل الحجارة فمنها هو أعز من الذهب والفضة ومنها ما لا يعطى في الصخرة العظيمة منه درهم وفي ذلك أقول شعراً:
وما الحجر الكبير أعز فيما ... ظفرت به من الحجر الصغير
وكم أبصرت من حجر خفيف ... صغير بيع بالثمن الكبير
وقال في طلاقة الوجه وحسن الخلق: كن أسهل ما تكون وجهاً وأظهر ما تكون بشراً وأقصر ما تكون أمداً وأحسن ما تكون خلقاً وألين ما تكون كنفاً وأوسع ما تكون أخلاقاً فإن الأيام والأشياء عقب ودول فإن أنكرت منها شيئاً يوماً ما كان (ما) أنكرت منها شيئاً خفيفاً عَلَى أهل الشمانة وأهل الصفاء واحذر أن تحزن من يحبك وتفرح من يحسدك فلم أر في مصاب الدهر مصيبة أوحش من تغيير النعمة وإن أنت لم تنكر منها شيئاً ودامت لك بما
стр. 5387
تريد فما من الدنيا شيء تناله بدعة ولا رفق إلا وهو أهنأ مما نيل بتعب ونصب فأما من كفي وعوفي فما يصنع بالغضب والتضايق وأنهما هما العمر ونكد الدهر وفي ذلك أقول شعراً:
ما تم شيء من الدنيا علمت به ... إلا استحق عليه النقص والغير
ولا تغير من قوم نعيمهم ... إلا تكدر منه الورد والصدر
فعاد غماً ولن تلقى أمراً أبداً ... (أغمّ) من ملك أيام يفتقر
وقال في الكذب:
كذبت ومن يكذب فإن جزاءه ... إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدقا
وقال فيه أيضاً:
إذا ما رأيت المرء حلواً لسانه ... كذوباً فأيقن أن لا حيا له
ولا خير في الإنسان إن لم يكن له ... حياء ولا في كل من لا وفا له
وقال في الأخوان:
ليس من كان في الرخاء صديقاً ... وعدو الصديق بعد الرخاء
عدة في إخائه لصديق ... إنما ذاك عدة الأعداء
لو صدفنا بذي إخاء أمين ... لاشترينا إخاءه بالغلاء
لو وجدنا أخاً متيناً أميناً ... لاتخذنا أخاه للشفاء
أما الرفقاء في السفر والجلساء في الحضر والخلطاء في النعم والشركاء في العدم فاحفظ مصاحبتهم وواظب عَلَى إخائهم وفي ذلك أقول شعراً:
وكنت إذا صحبت رجال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم ... واجتنب الإساءة إن أساؤوا
وأبصر ما يعيبهم بعين ... عليها من عيوبهم غطاء
أريد رضاهم أبداً وآتي ... مشيئتهم واترك ما أشاء
لا تبتدئن أحداً بصغير مما يكره ولا بكبيره ولا بقليل مما يسخط ولا بكثيره فإن ابتداك أحد بشيء من ذلك فقدرت عَلَى الانتصار منه فعفوت أو انتصرت فما أحسن جميع ذلك إلا أن العفو أكبر والانتصار أعز وكلاهما حظ وفي ذلك أقول شعراً:
стр. 5388
(فماذات باب بحمده فيما علمت عليه من طريق الصواب. . كم)
وأي الناس الأم من سفيه ... بقول لا يخاف من الجواب
وقال في الجهل: إياك والجهل فإنما تجهل عَلَى ثلاثة رجل أنت أعز منه ورجل هو أعز منك ورجل أنت وهو في العز سواء فأما جهلك عَلَى ما أنت أعز منه فلؤم وأما جهلك عَلَى ما هو أعز منك فحيف وأما جهلك عَلَى من هو مثلك فهراش مثل هراش الكلبين ولن يفترقا إلا مفضوحين أو مجروحين وليس هذا من فعال الحكماء والعلماء الحليم أرزن والجهول أنقص وفي ذلك أقول شعراً:
ما تم علم ولا حلم بلا أدب ... ولا تجاهل في قوم حليمان
ولا التجاهل إلا ثوب ذي دبس ... وليس يلبسه إلا سفيهان
وقال في رؤية الرجل وخبره إن من الناس من يعجبك حين تراه وتزداد عند الخبرة إعجاباً (به) ومنهم من تبغضه حين تراه وعند الخبر تكون له أكثر بغضاً ومنهم من يعجبك مخبره ولا يعجبك منظره ومنهم من يعجبك منظره ولا يعجبك مخبره وفي ذلك أقول شعراً:
ترى بين الرجال العين فضلاً ... وفيما أضمروا بالغبن الغبين
ولو الماء متنبه وليست ... تخبر عن مذاقته العيون
فلا تعجل بنطق قبل خبر ... فعند الخبر تنصرم الظنون
وقال أيضاً في ذلك:
وما صور الرجال بها امتحان ... وما فيها لمعتبر بيان
ولكن فعلهم ينبيك عنهم ... به تحب الكرامة والهوان
وما الإنسان لولا أصغراه ... سوى صور يصورها البنان
وقال أيضاً:
لم أزل ابغض كل امرئ ... وجهه أحسن من خبره
فهو كالغصن يرى ناضراً ... ناعماً يعجب من زهره
ثم يبدو بعده ثمن ... فيكون السم في ثمره
وقال في النهي عن القبيح: وإذا رأيت من أحد أمراً فنهيته عنه قلم يحمدك ولم يذمم في نفسه عَلَى مكانة أو يحدث حدثاً تعلم أنه قد انتفع بمقالتك فإن ذلك عيب آخر قد بدا لك منه
стр. 5389
لعله أقبح من الذي نهيته عنه وفي ذلك أقول شعراً:
ولا نهيت غوياً من غوايته ... إلا استزاد كأني كنت أغريه
ولا نصحت له إلا تبين لي ... منه الجفاء كأني كنت أغويه
وقال في المؤاخاة: لا تؤاخ أحداً إلا عَلَى اختيار منك له وارتضاء منك به واتفاق منه لك فإذا اتفق أمركما كذلك فاعلم أن كلاكما يحسن ويسيء ويصيب ويخطئ ويحفظ ويضيع فوطن نفسك عَلَى الشكر إذا حفظ وعلى الصبر إذا ضاع وعلى المكافأة إذا أحسن وعلى الاحتمال والمعاتبة إذا أساء فإن معاتبة الصديق إذا أساء أحب إلى الحليم من القطيعة في معاشرة من تؤاخيه وفي ذلك أقول شعراً:
وإذا عتبت عَلَى امرئ أحببته ... فتوق ضفر عتبه وسبابه
والن جناحك ما استلان لوده ... واجب أخاك إذا دعا لجوابه
واحرص من أن تعرف موقعك من كل أحد حتى من أبيك وأمك فمن السخافة أن تكون لأخيك فيما يحب ويكون فيك فيما تكره وما أقبح أن تكون له فيما يكره ويكون لك فيما تحب واعلم أن من تنفعك صداقته ولا تضرك عداوته الكريم الذي إن أحسنت إليه كافأك وإن أسأت إليه عاقبك وأما من تضرك عداوته ولا تنفعك صحبته فهو الجاهل السفيه اللئيم وفي ذلك أقول شعراً:
من الناس أن يرض لا تنتفع به ... ولكن متى يسخط فما شئت من ضرر
ضعيف عَلَى الأعداء لكن قلبه ... اشد إذا لاقى الصديق من الحجر
وقال في تقلب الدنيا شعراً:
إنما الدنيا سراج ... ضوءه ضوء معار
بينما غصنك غصن ... ناعم فيه اخضرار
إذ رماه الدهر يوماً ... فإذا فيه اصفرار
وكذاك الليل يأتي ... ثم يمحوه النهار
وقال في المداراة: إذا هبطت بلداً أهلها عَلَى غير ما تعرف وأنت عَلَى غير ما يعرفون فألزم كثيراً من المداراة فما أكثر من دارى ولم يسلم فكيف لم يكن منه مداراة وفي ذلك أقول شعراً:
стр. 5390
يا ذا الذي أصبح لا والداً ... له عَلَى الأرض ولا والده
قد مات من قبلهما آدم ... فأي نفس بعده خالده
إن جئت أرضاً أهلها كلهم ... عور فغمض عينيك الواحدة
وقال لا تقاتلن أحداً تجد من قتاله بداً فإنما الحق لمن غلب ولا غالب إلا الله وإن آخر الدواء الكي فلا تجعله أولاً وفي ذلك أقول شعراً:
وكم رأينا من أخي غبطة ... أصبح مسروراً وأمسى حزيناً
وكم رأينا فتى يركب طاحونة ... للحرب قد أصبح فيها طحيناً
وقال في الإعسار والإيسار:
كم من صديق لنا أيام دولتنا ... وكان يمدحنا قد صار يهجونا
إني لأعجب ممن كان يصحبنا ... ما كان أكثرهم إلا يراؤنا
لم ندر حتى انقضت عنا إمارتنا ... من كان ينصحنا أو كان يغوينا
من كان يصنفنا ما كان يصحبنا ... إلا ليخدعنا عما بأيدينا
وقال في الصلة والتفضل: لا يكن من وصلك أحق بصلتك منك وبصلته ولا من غير تفضل عليك أولى بالتفضل منك عليه فإنما أتت وهو كرجلين ابتدرا كرومة فقصر أحدهما وبلغ الآخر فإنما القاصر قصر عن حظ نفسه وأما البالغ فبلغ بجميل أمره وعظيم قدره.
وقال في القدر: إذا كان الرجل لبيباً فاعلم أنه كامل ولكن لن يقدمه ذلك إلى ما كان يطالب ولن يؤخره عما كان يحاذر إلا بقدر يلحق به ما طلب ويسبق به ما يحذر وإن من الناس من يؤتى منطقاً وعقلاً ولا يؤتى مالاً ومنهم من يؤتى مالاً ولا يؤتى غيره فيحتاج مع ماله إلى عقل ذي العقل ومنطقه ويحتاج ذو العقل إلى مال ذي المال ورفده وينهض هذا بهذا وهذا بهذا (فليس لأحدهما إذاً غنى عن الآخر) فأحوج الملك إلى السوقة وأحوجت السوقة إلى الملك.
وقال في التفاضل: لا تقل فلان أغنى مني وأنا أحزم منه فإنه لو جمع العقل والشدة والشجاعة والمال وأشباه ذلك القوم وبقي قوم لا شيء لهم لهلكوا ولكن الله قال أهم يقسمون رحمة بك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضهم درجات فأوتي بعضهم عقلاً وبغضهم قوة وبعضهم مالاً مع أشياء مما يكون فيه
стр. 5391
صلاحهم وبه معايشهم ثم أحوج بعضهم إلى بعض فعاشوا وإنما مثل الرجل ورزقه ومثل أدبه وعقله ومروءته وحكمه كمثل الرامي ورميته فلا بد للرامي من سهم ولا بد لسهمه من قوس ولا بد لقوسه من وتر ولا بد لجميع ذلك من قدر يبلغ به ما رشق ويصيب به ما يبلغ ويحوز ما أصاب وإلا فلا شيء فالرامي الرجل والرمية الرزق ولا يجمع بينهما عقل ولا عز ولا شيء من ذلك إلا بقدر وفي ذلك أقول شعراً:
ما القوس إلا عصا في كف صاحبها ... يرعى بها الضان أو يرعى بها البقر
أو عود بان وإن كانت معقفة ... حتى يضم إليها الشهم والوتر
وإن جمعت لها هذين فهي عصا ... حتى يساعد من يرمي بها القدر
وقال: إن حسن السمت وطول الصمت ومشي القصد من أخلاق الأتقياء وإن سوء السنت وترك الصمت ومشي الخيلاء من أخلاق الأشقياء فإذا مشيت فوق الأرض فاذكر من تحتها وكيف كانوا فوقها وكيف حلوا بطنها وكيف كانوا أمما واعلم أن ابن آدم أعز من الأسد وأشد من العمد ما لم تصبه أدنى شوكة وأدنى مرض وأدنى مصيبة فإذا اصابه شيء من ذلك وجدته أهون من الذرة وأمبن من البعوضة فلا يغررك تجبره وتكبره وتفر عنه واستطالته وفي ذلك أقول شعراً:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً ... فكم من تحتها قوم هم منك أرفع
فإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم طاح من قوم هم منك أمنع
وقال في الغنى والقنوع: إن الغنى في القلب فمن غنيت نفسه وقلبه غبيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه وفي ذلك أقول شعراً:
إذا المرء لم يقنع بشيءٍ فإنه ... وإن كان ذا مال من الفقر موقر
إذا كان فضل الله يغنيك عنهم ... فأنت بفضل الله أغنى وأيسر
وقال في الرأي والمشاورة: إذا استشير نفر أنت أحدهم فكن آخر من يشير فإنه أسلم لك من الصلف وابعد لك من الخطأ وأمكن لك من الفكر وأقرب لك من الحزم وفي ذلك أقول شعراً:
ومن الرجل إذا زكت احلامهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق
حق يجول بكل وادٍ قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق
стр. 5392
فبذاك يطلق كل أمر موثق ... وبذاك يوثق كل أمر يطلق
إن الحليم إذا تفكر لم يكد ... يخفى عليه من الأمور إلا وفق
وقال في النهي عن مجالسة أهل الأهواء والبدع ومحادثتهم: أما هذه الأهواء فإني لم أر أحداً ازداد فيها بصيرة إلا ازداد فيها عمى لأن أمر الله اعز من أن تلحقه العقول ولم أر اثنين تكلما فيها إلا رأيت لكل واحد منهما حجة لا يقدر صاحبه عَلَى دفعها إلا بالشبهة والمغالطة وأما بالنصيحة فلا ومن غالط في هذا أو مثله فإنما يغالط نفسه وعليها يخلط وإياها يخدع أو أراد أن يخادع ربه والله أعز من أن يخدع لقد نبئت أن الله ﵎ أوحى إلى نبيه موسى ﷺ لا تجادل أهل الأهواء فيوقعوا في قلبك شيئاً يوردك به إلى النار فهذا أمر نهى عنه موسى ﵇ وقد أعطى التوراة فيها هدى الله وكلم الله موسى تكليماً فكيف بغيره من الأهل الأهواء ولم يزل الصالحون يتناهون عن الهوى والمراء فيه والجدل به وبم أر قيا ساقط ثم ولا كلاماً صح إلا وفيه كلام بعد كثير فالسنة إن لا يتكلم في شيءٍ من الأهواء بالهوى وبغير الإتباع للكتب المنزلة والسنن للرسل الصادقة وفي ذلك أقول شعراً:
إذا أعطي الإنسان شيئاً من الجدل ... فلم يعطه إلا لكي يمنع العمل
وما هذه الأهواء إلا مصائب ... يخص بها أهل التعمق والعلل
وقال في النميمة: إياك والنميمة فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها ولا عداوة إلا جددتها ولا جماعة إلا بددتها ولا ضغينة إلا أوقدتها ثم لا بد من عرف بها أو نسب إليها أن يتحفظ من مجالسته ولا يؤتى بناحيته وأن يزهد في مناقشته وأن يرغب عن مواصلته وفي ذلك أقول شعراً:
تمشيت فينا بالنميم وإنما ... يفرق بين الأصفياء النمائم
فلا زلت منسوباً إلى كل آفة ... ولا زال منسوباً إليك اللوائم
وفي مثله قوله:
كالسيل في الليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
فالويل للعبد منه كيف ينقصه ... والويل للود منه كيف يبليه
وقال: إذا قيل لك شيء أطول فقل الكلام وإذا قيل لك أي شيء أقصر فقل الكلام لأن الكلمة
стр. 5393
الواحدة قد تكون جواباً لألف كلمة وقد يكون جوابها ألف كلمة وأكثر ولن تدرك الكلام حتى تذره ولن تذره حتى تحذره وفي القول خطأ كثير وبعضه صواب وإن الصمت منه لأصوب فاترك منه ما لا تنتفع بأخذه وخذ منه ما لا تقدر عَلَى تركه واسجن لسانك كما تسجن عدوك واحذره كما تحذر غائلته.
وقال في تأديب النفس: إذا أبصرت بعض ما تكره من غيرك فأسرع الرجعة منه قبل أن يبصر منك ما يستربيه واحمد الله الذي أحسن إليك وبصرك عيوب نفسك ونبهك الرجوع عن غيك وإذا أخبرك بعيبك صديق قبل أن يخبرك به عدو فأحسن شكره واعرف حقه فإن خبر العدو تعييب وخبر الصديق تأديب وفي ذلك أقول شعراً:
ولن يهلك الإنسان إلا إذا اتى ... من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه
وقال في الحاسدين: اعلم أنك لن تلقى من الخير درجة ولن تبلغ منه رتبة ولن تنزل منه منزلاً إلا وجدت فيه من يحسدك وإنما الحاسد خصم فلا تجعله حكماً فإنه إن حكم لن يحكم إلا عليك وإن قصد لم يقصد إلا إليك وإن دفع لم يدفع إلا حقك وفي ذلك أقول شعراً:
ولو كنت مثل القدح ألفيت قائلاً ... إلا ما لهذا القدح ليس بقائم
ولو كنت مثل النصل ألفيت قائلاً ... إلا ما لهذا النصل ليس بصارم
تم أدب صالح بن جنان بفضل منشئ الروح ومجري الرياح والملك الوهاب الفتاح وذلك في سلخ شهر ذي القعدة سنة ١٠٨٦ والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 5394
تنبيه
لم نقف عَلَى ترجمة صاحب هذا الكتاب فيما بين أيدينا من الكتب وإنما رأينا له ذكراً في كتاب العلم للحافظ بن عبد البر. حيث قال أحسن ما قيل في الصمت ما ينسب لعبد الله بن طاهر وهو:
أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من عيه ... حتى يكون كأنه مسجون
وكل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون
فزناه وليك محكماً في قلة ... إن البلاغة في القليل تكون
وقد قيل أن هذا الشعر لصالح بن جنان والله أعلو وهو أشبه بمذهب صالح وطبعه اهـ.
стр. 5395
الحكومات وشرائعها
عرف الإنسان منذ نشأته أن الاتحاد ذريعة لنيل سعادته ووسيلة للحصول عَلَى مراده فمال بالقسر إلى الاجتماع تكاتفاً عَلَى ما يتعلق بأمر معيشته من هجوع وترحال ومأكل ومشرب ودعاه إلى ذلك داعي العجز والتقصير للقيام بمقتضيات حياة المدنية كالزراعة والصناعة عَلَى اختلاف أصنافها والعلم عَلَى تعداد أنواعه فكان اجتماعه قسرياً ضرورياً لراحته ورفاهته عبرت عنه الحكماء بقولها الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم.
ولما كان الإنسان ميلاً بالطبع إلى الظلم والعدوان كان من الضروري لاجتماعه وجوب وجود وازع يدفع بعض الناس عن بعض ويهتم بإصلاح شؤونهم وأحوالهم ومعيشتهم وإلا تضعضعت دعائم العمران ووهت أسبابه وقواعده لأنه ليس من الممكن عقلياً اجتماع أفراد بدون اتفاق فيما بينهم عَلَى كيفية نيل المعاش واقتسام الرزق ولا يمكن ذلك الاتفاق إلا بوجود وازع عادل يحدد حقوق كل فرد وواجباته طبقاً لقواعد أدبية واجتماعية تعرف الآن بالشريعة وهي لئن الآن اختلفت مبدأ باختلاف العادة والمكان لا تختلف غاية وهي المحافظة عَلَى حقوق الإنسان لقيام المجتمع البشري كما يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: ولكي يتم للإنسان الاجتماع لابد له من سنن يكفله ولابد من العدل في هذه السنن أي مراعاة مصالح الجمهور المتبادلة ولا بد من احترامها كذلك وإلا انفصمت عروة الاجتماع وتداعت دعائمه: ولكن لما كان الإنسان كثيراً ما لا يسلك م نفسه الطرق المثلى المؤدية إلى ذلك إما عن عتوا أو غرور أو عن جهل وذهول كان لابد له من إقامة قوة يناط بها المحافظة عَلَى المقرر من السنن والاقتصاص ممن يحيد عن جادتها وإلا آل به الحال إلى الفوضى أي لابد له من وازع يكون من إذا لم يمكن أن يكون سواه يدفع عدوان بعضه عن بعض ويتهم بإصلاح شؤونهم اهـ.
فهكذا نشأت الشرائع والحكومات ولم تكن الأولى بداءة بدء سوى مجموعة عوائد وآداب بعضها ما فرضته الأديان وأخرى ما قضت الأحوال بإتباعه عفواً فأخذت ترتقي بعدئذ بالاتقاء الإنسان إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن كما أنه لا ينكر تغيير الأحكام بتغيير الأزمان.
فما الشريعة سوى خطة تسري الحكومة بموجبها فتحدد حقوق الجميع وهي مسئولة بالطبع
следующие страницы →