Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
صلاحهم وبه معايشهم ثم أحوج بعضهم إلى بعض فعاشوا وإنما مثل الرجل ورزقه ومثل أدبه وعقله ومروءته وحكمه كمثل الرامي ورميته فلا بد للرامي من سهم ولا بد لسهمه من قوس ولا بد لقوسه من وتر ولا بد لجميع ذلك من قدر يبلغ به ما رشق ويصيب به ما يبلغ ويحوز ما أصاب وإلا فلا شيء فالرامي الرجل والرمية الرزق ولا يجمع بينهما عقل ولا عز ولا شيء من ذلك إلا بقدر وفي ذلك أقول شعراً:
ما القوس إلا عصا في كف صاحبها ... يرعى بها الضان أو يرعى بها البقر
أو عود بان وإن كانت معقفة ... حتى يضم إليها الشهم والوتر
وإن جمعت لها هذين فهي عصا ... حتى يساعد من يرمي بها القدر
وقال: إن حسن السمت وطول الصمت ومشي القصد من أخلاق الأتقياء وإن سوء السنت وترك الصمت ومشي الخيلاء من أخلاق الأشقياء فإذا مشيت فوق الأرض فاذكر من تحتها وكيف كانوا فوقها وكيف حلوا بطنها وكيف كانوا أمما واعلم أن ابن آدم أعز من الأسد وأشد من العمد ما لم تصبه أدنى شوكة وأدنى مرض وأدنى مصيبة فإذا اصابه شيء من ذلك وجدته أهون من الذرة وأمبن من البعوضة فلا يغررك تجبره وتكبره وتفر عنه واستطالته وفي ذلك أقول شعراً:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً ... فكم من تحتها قوم هم منك أرفع
فإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم طاح من قوم هم منك أمنع
وقال في الغنى والقنوع: إن الغنى في القلب فمن غنيت نفسه وقلبه غبيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه وفي ذلك أقول شعراً:
إذا المرء لم يقنع بشيءٍ فإنه ... وإن كان ذا مال من الفقر موقر
إذا كان فضل الله يغنيك عنهم ... فأنت بفضل الله أغنى وأيسر
وقال في الرأي والمشاورة: إذا استشير نفر أنت أحدهم فكن آخر من يشير فإنه أسلم لك من الصلف وابعد لك من الخطأ وأمكن لك من الفكر وأقرب لك من الحزم وفي ذلك أقول شعراً:
ومن الرجل إذا زكت احلامهم ... من يستشار إذا استشير فيطرق
حق يجول بكل وادٍ قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق
стр. 5392
فبذاك يطلق كل أمر موثق ... وبذاك يوثق كل أمر يطلق
إن الحليم إذا تفكر لم يكد ... يخفى عليه من الأمور إلا وفق
وقال في النهي عن مجالسة أهل الأهواء والبدع ومحادثتهم: أما هذه الأهواء فإني لم أر أحداً ازداد فيها بصيرة إلا ازداد فيها عمى لأن أمر الله اعز من أن تلحقه العقول ولم أر اثنين تكلما فيها إلا رأيت لكل واحد منهما حجة لا يقدر صاحبه عَلَى دفعها إلا بالشبهة والمغالطة وأما بالنصيحة فلا ومن غالط في هذا أو مثله فإنما يغالط نفسه وعليها يخلط وإياها يخدع أو أراد أن يخادع ربه والله أعز من أن يخدع لقد نبئت أن الله ﵎ أوحى إلى نبيه موسى ﷺ لا تجادل أهل الأهواء فيوقعوا في قلبك شيئاً يوردك به إلى النار فهذا أمر نهى عنه موسى ﵇ وقد أعطى التوراة فيها هدى الله وكلم الله موسى تكليماً فكيف بغيره من الأهل الأهواء ولم يزل الصالحون يتناهون عن الهوى والمراء فيه والجدل به وبم أر قيا ساقط ثم ولا كلاماً صح إلا وفيه كلام بعد كثير فالسنة إن لا يتكلم في شيءٍ من الأهواء بالهوى وبغير الإتباع للكتب المنزلة والسنن للرسل الصادقة وفي ذلك أقول شعراً:
إذا أعطي الإنسان شيئاً من الجدل ... فلم يعطه إلا لكي يمنع العمل
وما هذه الأهواء إلا مصائب ... يخص بها أهل التعمق والعلل
وقال في النميمة: إياك والنميمة فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها ولا عداوة إلا جددتها ولا جماعة إلا بددتها ولا ضغينة إلا أوقدتها ثم لا بد من عرف بها أو نسب إليها أن يتحفظ من مجالسته ولا يؤتى بناحيته وأن يزهد في مناقشته وأن يرغب عن مواصلته وفي ذلك أقول شعراً:
تمشيت فينا بالنميم وإنما ... يفرق بين الأصفياء النمائم
فلا زلت منسوباً إلى كل آفة ... ولا زال منسوباً إليك اللوائم
وفي مثله قوله:
كالسيل في الليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
فالويل للعبد منه كيف ينقصه ... والويل للود منه كيف يبليه
وقال: إذا قيل لك شيء أطول فقل الكلام وإذا قيل لك أي شيء أقصر فقل الكلام لأن الكلمة
стр. 5393
الواحدة قد تكون جواباً لألف كلمة وقد يكون جوابها ألف كلمة وأكثر ولن تدرك الكلام حتى تذره ولن تذره حتى تحذره وفي القول خطأ كثير وبعضه صواب وإن الصمت منه لأصوب فاترك منه ما لا تنتفع بأخذه وخذ منه ما لا تقدر عَلَى تركه واسجن لسانك كما تسجن عدوك واحذره كما تحذر غائلته.
وقال في تأديب النفس: إذا أبصرت بعض ما تكره من غيرك فأسرع الرجعة منه قبل أن يبصر منك ما يستربيه واحمد الله الذي أحسن إليك وبصرك عيوب نفسك ونبهك الرجوع عن غيك وإذا أخبرك بعيبك صديق قبل أن يخبرك به عدو فأحسن شكره واعرف حقه فإن خبر العدو تعييب وخبر الصديق تأديب وفي ذلك أقول شعراً:
ولن يهلك الإنسان إلا إذا اتى ... من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه
وقال في الحاسدين: اعلم أنك لن تلقى من الخير درجة ولن تبلغ منه رتبة ولن تنزل منه منزلاً إلا وجدت فيه من يحسدك وإنما الحاسد خصم فلا تجعله حكماً فإنه إن حكم لن يحكم إلا عليك وإن قصد لم يقصد إلا إليك وإن دفع لم يدفع إلا حقك وفي ذلك أقول شعراً:
ولو كنت مثل القدح ألفيت قائلاً ... إلا ما لهذا القدح ليس بقائم
ولو كنت مثل النصل ألفيت قائلاً ... إلا ما لهذا النصل ليس بصارم
تم أدب صالح بن جنان بفضل منشئ الروح ومجري الرياح والملك الوهاب الفتاح وذلك في سلخ شهر ذي القعدة سنة ١٠٨٦ والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 5394
تنبيه
لم نقف عَلَى ترجمة صاحب هذا الكتاب فيما بين أيدينا من الكتب وإنما رأينا له ذكراً في كتاب العلم للحافظ بن عبد البر. حيث قال أحسن ما قيل في الصمت ما ينسب لعبد الله بن طاهر وهو:
أقلل كلامك واستعذ من شره ... إن البلاء ببعضه مقرون
واحفظ لسانك واحتفظ من عيه ... حتى يكون كأنه مسجون
وكل فؤادك باللسان وقل له ... إن الكلام عليكما موزون
فزناه وليك محكماً في قلة ... إن البلاغة في القليل تكون
وقد قيل أن هذا الشعر لصالح بن جنان والله أعلو وهو أشبه بمذهب صالح وطبعه اهـ.
стр. 5395
الحكومات وشرائعها
عرف الإنسان منذ نشأته أن الاتحاد ذريعة لنيل سعادته ووسيلة للحصول عَلَى مراده فمال بالقسر إلى الاجتماع تكاتفاً عَلَى ما يتعلق بأمر معيشته من هجوع وترحال ومأكل ومشرب ودعاه إلى ذلك داعي العجز والتقصير للقيام بمقتضيات حياة المدنية كالزراعة والصناعة عَلَى اختلاف أصنافها والعلم عَلَى تعداد أنواعه فكان اجتماعه قسرياً ضرورياً لراحته ورفاهته عبرت عنه الحكماء بقولها الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم.
ولما كان الإنسان ميلاً بالطبع إلى الظلم والعدوان كان من الضروري لاجتماعه وجوب وجود وازع يدفع بعض الناس عن بعض ويهتم بإصلاح شؤونهم وأحوالهم ومعيشتهم وإلا تضعضعت دعائم العمران ووهت أسبابه وقواعده لأنه ليس من الممكن عقلياً اجتماع أفراد بدون اتفاق فيما بينهم عَلَى كيفية نيل المعاش واقتسام الرزق ولا يمكن ذلك الاتفاق إلا بوجود وازع عادل يحدد حقوق كل فرد وواجباته طبقاً لقواعد أدبية واجتماعية تعرف الآن بالشريعة وهي لئن الآن اختلفت مبدأ باختلاف العادة والمكان لا تختلف غاية وهي المحافظة عَلَى حقوق الإنسان لقيام المجتمع البشري كما يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: ولكي يتم للإنسان الاجتماع لابد له من سنن يكفله ولابد من العدل في هذه السنن أي مراعاة مصالح الجمهور المتبادلة ولا بد من احترامها كذلك وإلا انفصمت عروة الاجتماع وتداعت دعائمه: ولكن لما كان الإنسان كثيراً ما لا يسلك م نفسه الطرق المثلى المؤدية إلى ذلك إما عن عتوا أو غرور أو عن جهل وذهول كان لابد له من إقامة قوة يناط بها المحافظة عَلَى المقرر من السنن والاقتصاص ممن يحيد عن جادتها وإلا آل به الحال إلى الفوضى أي لابد له من وازع يكون من إذا لم يمكن أن يكون سواه يدفع عدوان بعضه عن بعض ويتهم بإصلاح شؤونهم اهـ.
فهكذا نشأت الشرائع والحكومات ولم تكن الأولى بداءة بدء سوى مجموعة عوائد وآداب بعضها ما فرضته الأديان وأخرى ما قضت الأحوال بإتباعه عفواً فأخذت ترتقي بعدئذ بالاتقاء الإنسان إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن كما أنه لا ينكر تغيير الأحكام بتغيير الأزمان.
فما الشريعة سوى خطة تسري الحكومة بموجبها فتحدد حقوق الجميع وهي مسئولة بالطبع
стр. 5396
لدى هذا النظام عما تفعله بالنظر إلى رعاياها كما أن أرباب العائلات مسئولون أمام نظامهم عما يفعلون بالنظر إلى عائلاتهم لا بل تبعت الحكومة أعم من مواجب أرباب العائلات لأن رب العائلة تطالبه أُسرته وهو مسؤولية لها ولذمته في حين تكالب الرعية الحكومة والرعية مجموع أُسر عديدة فتكون مسئولة لها وللوطن كما قال أرسطو: العالم بستان سياجه الدولة والدولة سلطان تحيا به السنة والسنة سياسة يسوسها الملك والملك نظام يعضده الجنود والجند أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية عبيدٌ يكنفهم العدل والعدل مألوف وبه قوام العالم.
فينتج إذن مما تقدم أن نشوء الشرائع والحكومات كان قديماً بقدوم أول اجتماع نظراً لما في طبيعة الإنسان الحيوانية من الأثرة والعدوان التي تحول دون اجتماعه وتآلفه لولا حاكم عادل يحد لكل حقوقه حسب الشرائع المفروضة فتاريخ الشرائع مرتبط بتاريخ الحكومات وتاريخ الاجتماع البشري كل ارتباط أي لم يكن الاجتماع دون الحكومات لتحفظ كيانه وتذب عن حماه وتدفع عن حوزته ولم تكن الحكومات دون الشرائع لتسير بموجبها فتحدد بالقسط والسوية حدود الجميع لم تكن الشريعة بدون حكمة تسنها ولم تكن الحكومة بدون جمعية تحكمها كما قال الموبذان بن بهرم في حكاية البوم التي نقلها المسعودي الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة ولا قوام بالشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخلقة نصبه الله وبه قوام العالم. اهـ.
قلنا الشريعة لم تكن بادئ بدءٍ سوى مجموعة آداب وعوائد قضت الأحوال بإتباعها عفواً ثم أخذت ترتقي بارتقاء الإنسان إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن من الرقي والفلاح فهي إذاً مرآة صافية ينعكس عليها مركز الأمة في الجسم الاجتماعي كما ينعكس عليها أيضاً من عوائدها وأخلاقها ما يظهر لنا تأخرها أو تقدمها. فمن اطلع عَلَى شرائع الفرس واليونان قديماً وأهل سومطرة مثلاً في القرن الماضي ووقف عَلَى ما جوزته شرائعهم من سلخ جلد المجرم بالقتل وسحقه بين صخرتين أو طمره حياً في الرماد حتى يموت تحته خنقاً إلى غير ذلك من الفظائع الحيوانية كأن يلقوا المجرم إلى السباع أو يمزقوا جسده بالكلاليب أو يحرقوه حياً أو يشدوا أطرافه إلى أربع أفراس فيمزق المجرم بالقتل إرباً إربا عرف حق
стр. 5397
المعرفة فظاظة طبائعهم وقسوة قلوبهم وغلظة أكبادهم وحكم حكماً باتاً عَلَى تلك الأمم بسكرة الجهل وتسكعها في مهامه الخمول لأن قساوتها وانحطاط أخلاقها وعوائدها كانت تتجلى في شرائعها بأجلى بيان عَلَى بقائها تحت وقر الجهل ووراء ظل الارتقاء.
وإذا رجعنا فوقفنا عَلَى كثير من شرائع أمم أوربا المتمدنة الآن كإنكلترا وفرنسا وألمانيا وغيرها من أمم العالم المتمدن كأميركا وخصوصاً شرائع مملكتنا العثمانية نحكم بالطبع عَلَى وجوب رقي تلك الأمم لما ينجلي منعكساً عَلَى مرآة شرائعهم الصافية من حسن العوائد وطيب الأخلاق ما يضطرنا أن نقول بارتقاء تلك الأمم طبقاً لارتقاء شرائعها.
ولكن لماذا لا يصدق هذا الحكم عَلَى أمتنا العثمانية وشريعتها من أحسن الشرائع ونظامها من أقوم النظامات؟ لماذا لا يصدق علينا هذا الحكم بل لماذا نحن في تأخر؟ إلا أننا من جنسية غير جنسيتهم ونحن ذرية الذين اشتهروا بالصناعة والتجارة والحماسة والشجاعة والفتوحات والفصاحة والمعارف والحكمة؟ أم لأنهم أقرب منا استعداداً للارتقاء ونحن من القوم الذين أفاض الله عليهم من بركات الحجى ما أقام لهم الاندماج في سلك الرتبة الأولى بين مراتب بني آدم؟ كلا ليست هذه من الأسباب التي أودت بأمتنا بعد أن كان لها من بسطة الملك واستفحال الكلمة ونفوذ الشوكة ما لم تصل إليه أمة من أمم أوربا الراقية. ولكن هو ضعف الإدارة في الأعمال وعدم تنفيذنا الأوامر الشرعية والقوانين المفروضة وقلة رجالنا الأمناء المخلصين كانت من جملة أمراضنا الاجتماعية فقلدنا كما قيل كبائر الأعمال لصغائر العمال أي وضعنا الشيء في غير موضعه فأصبح الوالي ظالماً والقاضي محابياً والجندي خائناً وأمر الشريعة لغوٌ لا يعمل به ولا ينفذ فلا بدع إذا فسدت الأمة بفساد الحكومة التي هي بمنزلة الرأس منها وقد أجاد القائل:
وإذا رأيت الرأس وهو مهشم ... أيقنت منه تهشم الأعضاء
وهكذا يستنتج بأن سلامة الوجود موقوف عَلَى سلامة النظام وسلام الناظم يكفله حسن العمل وذلك مترتب بالطبع عَلَى إدارة مستقيمة حسنة تصدر عن رجال مخلصين أمناء لأن إدارة ميزان كل حكومة وقوام كل مملكة كما أن الرجال سياج الأمة يذوبون عن حوضها ويدرؤون طوارئها فيذهبون بها من غمرات الخلل إلى سواحل النظام والسعة كما قال أنو شروان الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل
стр. 5398
والعدل بإصلاح العمال واستقامتهم وتنفيذهم أوامر الشريعة المفروضة من الله.
فإذا كانت شريعتنا من أقوم الشرائع ونظامنا من أحسن النظامات وحكومتنا لا تعمل به فهو لغو ومعتبر حين تسير بموجبه الحكام فتحدد بالسوية حقوق الكل وواجباتهم. التعليم إجباري بمملكتنا المحروسة ولكن من يرد عليه هذا الأمر ولا يسقط في يد ومن يعمل به من الحكومة؟ توسيع الطرق وتطهير الشوارع وتسهيل أسباب النقل ومراقبة أسعار ضروريات الإنسان من واجبات المجلس البلدي في كل ولاية مثلاً ولكن هل تسير أعضاؤه عَلَى خطة واجباتهم فتحافظ عَلَى راحة الشعب ورفاهته وتوسع الطرق وتطهر الشوارع حتى قال بها أحدهم مرة إن أهالي دمشق تود لو تزرع الشجار في شوارعها لتكثر الأمطار فنتخلص من الغبار الذي لا يسكنه غير مياه السماء. شريعتنا تحرم الرشوة بالطبع فتقول ما حرم أخذه حرم إعطاؤه ولكن العاملين بها قلبوا الآية فحللوا الأخذ والعطاء. التصرف عَلَى الرعية - كما ورد في القانون - منوط بالمصلحة فيلزم أن يولى المناصب أهلها ولا يكلف الناس ما لا يحتمل ويدفع الظالم عن المظلوم ويؤمن السبل ويدفع الأذى ولكننا نحن نقلد الوظائف لمن لا يصلح لها فنضع الشيء بغير موضعه ونساعد الظالم عَلَى المظلوم وإن كنا ندري بأن ذلك مبدأُ الخلل. .
وخلاصة القول أن شريعتنا من أحسن الشرائع وأقومها ولو نعمل بموجبها ولكن فساداً طرأ عَلَى أفكار العاملين بها فغيروا المعاني وصحفوا الألفاظ وحرفوها طبقاً لمآربهم ومقاصدهم. الكلية بيروت:
حبيب جرجي كحالة
стр. 5399
النحام ومرادفاته
١ً تمهيد
أصعب ما في اللغة العربية تحقيق الألفاظ العلمية ولاسيما ما يتعلق منها بعلم المواليد فترى أغلب المعاجم تخبط هذا البحث ولا خبط عشواء. ولهذا يحسن بالعلماء أن يحققوا تلك الألفاظ ويتتبعوها تتبعاً علمياً محضاً حتى يصرح اللبن عن الرغوة ويعول عليها الكتاب من مؤلفين ومعربين ولا يبقوا سائرين في الوعث فيكابدون من العناء والجهد الأمرين. ومن جملة الألفاظ التي تحتاج الي تحقيق كلمة نحام من الطير وها نحن نثبت ما يزيل الشك في هذا الباب فنقول.
٢ً النحام في كتب العربية
قال في حياة الحيوان: النحام طائر عَلَى خلقة الإوز الواحدة نحامة. يكون آحاداً وأزواجاً في الطيران وإذا أرادت المبيت اجتمعت رفوفاً، فذكوره تنام وإناثه لا تنام وتعد لها مبايت فإذا نفرت من واحد ذهبت إلى الآخر. اهـ المقصود من إيراده - وقال داود الإنطاكي: النحام: طير دون الإوز، قيل أنه شديد الحرارة ينفع المبرودين وهو مجهول - وقال ابن البيطار: النحام هو من طيور الماء. ابن ماسويه: لحمة من أكرام لحوم الطير وأفضلها. . . وفي التاج: النحام، كغراب: طائر أحمر كالإوز أي عَلَى خلقته. قال الجوهري يقال له بالفارسية سرخ آوي وهكذا ضبطه الزهري وابن خالوية. وغلط الجوهري في فتحه وشده وضبطه السهيلي كضبطه الجوهري. اهـ - قلنا: الاسم الفارسي الحقيقي هو سرخ آب أو سرخاب ويلفظها بعضهم سرخ آوي عَلَى لغة قلب الباء واواً وهي لغة كثيرين من الفرس الأقدمين والمحدثين ومن أسمائه بالفارسية أيضاً خرجال كما جاء في برهان قاطع - وعلى ذلك يكون النحام هو المسمى بالفرنسوية أو وبالإنكليزية وبلسان العلماء أو اللاتينية
٣ً سبب تسميته عند العرب
لم يتعرض اللغويون لسبب تسمية هذا الطائر بهذا الاسم. وعندنا أنه مشتق من النحم أو النحيم وهو صوت كالزحير أو فوقه، يخرج من هذا الطائر عند الطيران. وفعال بالضم من الصيغ الدالة عَلَى الفاعلية وإن لم ينبه عليها النجاة كشجاع وخشاش (وهو الماضي من الرجال) وقد يزاد عَلَى هذه الصيغة الياء للمبالغة ويبقى المعنى عَلَى ما هو كقولهم:
стр. 5400
القطامي وهو الصقر. قال الأصمعي: القطامي مأخوذ من القطم وهو الشهوان للحم غيره. وهذا الكلام يدل عَلَى أن اللغويين انتبهوا إلى صيغة فعال أو فعالي للفاعلية.
٤ً تصحيف النحام ومرادفاته
صحف كثير من الكتاب هذه الكلمة لجهلهم إياها. ومن أشهر من صحفها أحمد فارس الشدياق الشهير فقد قال في كتابه شرح طبائع الحيوان ص٢٨٢: النحاف (بفاء في الآخر) هذا طائر طويل ضخم وفي غاية الحسن إلى آخر ما نقله عن الإفرنج. وقد جاءت بهذه الصورة القبيحة في عدة مؤلفات نقل عنها دوزي في كتابه الملحق بالمعاجم العربية في مادة نحف.
وممن أخطأ في أسماءه الأب بلو اليسوعي في معجمه الفرنسوي العربي المطبوع سنة ١٩٠٠ قال في تعريب غواص، طائر طويل الأرجل لونه أحمر زاه، نحام اهـ. فالغواص غير النحام عَلَى ما أثبته العرب والعلماء الأقدمون والمحدثون.
ونحن العراقيين نسميه في ديارنا الغرنوق وهو كثير الوجوه في البطائح والآجام والمستنقعات وفي القاموس: الغرنوق كزنبور وفردوس: طائر مائي أسود وقيل أبيض أو الغرنوق أو الغرنيق: الكركي أو طائر يشبهه. اهـ. ويجب أن تصلح عبارة القاموس هكذا: الغرنوق كزنبور وفردوس: طائر مائي ويريد به العراقيون النحام والكلمة المعربة عن اليونانية بمعنى الكركي وقد وردت بهذا المعنى أيضاً عندهم والغرنوق في بلاد السودان هو نوع من الكركي اسمه العلمي وعند أهل المغرب هو نوع آخر من الكركي اسمه العلمي - ومن أسمائه في العربية الشرخاب قال السيد المرتضى في التاج في مادة سرخب أو في مستدركها: السرخاب بالضم، أهمله الجماعة وذكره أحمد بن عبد الله التيفاشي في كتاب الأحجار وقال: إنه طائر في حجم الإوز (أي أن كبر جسمه بكبر جسم الإوز وهو أمر لا اختلاف فيه لكن لا يراد بذلك أنه بطول الإوز كما يؤخذ من كلام الدكتور أمين أفندي المعلوف في المقتطف ٣٦: ٧٦٦) أحمر الريش ويوجد ببلاد الصين والفرس وأهل مصر يسمونه البشمور (واليوم يسمونه البشروش وهي تصحيف أختها) ويعلقون ريشه في المراكب للزينة. يوجد في عشه حجر بقدر البيضة أغبر اللون فيه نكت بيض رخو المحك في خواص لإنزال المطر في غير أوانه. اهـ. نقله ولم يذكر المؤلف
стр. 5401
أن اللفظة الفارسية الأصل. وهي كذلك قد وردت في دواوين لغتهم. وهي كلمة مركبة من سرخ أي أحمر. وآب أي ماء وأظن أن الصل في هذا الاسم ما معناه: الطائر الحمر السابح في الماء ثم اختصروا العبارة فقالوا ما معناه: الأحمر الماء - والظاهر أن الإفرنج المستشرقين الذين نقلوا المعاجم الفارسية إلى لغتهم لم يهتدوا إلى حقيقة هذا الطائر. فقد قال فلرس في معجم الكبير الفارسي اللاتيني ما هذا نصه:
ومعناه ضرب من الطير المائي أحمر اللون. ولم يذكر اسمه باللاتينية ثم قال: ويسميه البعض خرجال أيضاً. ثم زاد عَلَى ما تقدم: أي بط بري. فأنت ترى من هذا أنه لم يُعرف ما يقابله عند العلماء. وكذلك لم يعرف حقيقته جنصن في ديوانه الكبير الفارسي العربي الإنكليزي. وذكر هناك أنه نوع من البط المائي. والبط والإوز عند العرب بمعنى واحد في كتبهم اللغوية. فهذا القول يوافق وصف العرب للنحام أي أنه عَلَى خلقة الوز. ولم يذكر صاحب التاج البشمور في مظنتها وإن كان ذكرها استطراداً في مادة سرخب ولم أعثر عليها في معاجم اللغة العربية التي وصلت إليها يدي.
ومن أسمائه الفارسية أيضاً ميش مرغ أيضاً. لكن البعض يقولون أن المسمى بهذا الاسم هو الحباري. لا النحام. عَلَى حد ما اختلف العرب في تعريف الغرنوق.
وأما لفظ البشاروش أو البشروش فقد وجدتها في كتب منون اللغة الفرنسية التركية منها. معجم و. ويزنطال المطبوع في مطبعة قره بت في الآستانة في مادة إلا أنه ذكرها مصحفة بياءٍ مثلثة فارسية في الأول بدلاً من الباء الموحدة أي يشاروش وهكذا ذكرها أيضاً ش. سامي في معجمه الفرنسي التركي. والأصح في كل ذلك البشاروش بباءٍ مثلثة فارسية في الأول وشين أو سين في الآخر وهي من أصل فارسي بشرو أو بيش رو أي المقدم أو الإمام أو الماشي أمام الكل. وسبب هذه التسمية هو أن هذا الطير إذا سارت في طلب رزقها تولى أحدها قيادتها ليحذرها من الخطر إذا داهمها وحالما يشعر هذا الوالي الأمين بمشقة تحصل وإن كانت بعيدة يبادر إلى الإهابة بصوت عالٍ كصوت البوق فتتهيأ كلها للطيران حالاً. (راجع شرائح طبائع الحيوان لأحمد فارس الشدياق ص٢٨٣).
وقد صحف التونسيون كلمة بشاروش أو بشروش بصورة شبروش وقد نقلها دوزي في معجمه المذكور وقال أن بوسيه وتريسترام ذكراها بمعنى النحام. قلنا: وكذا نقلها أيضاً
стр. 5402
غاسلين في معجمه الكبير الفرنسوي العربي. فانظر حرسك الله كيف يجيء الاسم الواحد مصحفاً بموجب لغات البلاد والعباد. وكيف أن للحيوان الواحد أسماء عديدة بدون أن تذكرها المعاجم. وحاصل ما جاء من أسماء النحام الفصيحة والمصحفة هي: النحام والنحاف والغرنوق والسرخاب والبشمور والبرشوش والبشروش والشاروش والبشاروس ولعل له أسماء أخرى لم نقف عليها وأحسن الأسماء كلها هو النحام لأنها من أصل سامي إذ هو كذلك باللغة الآرامية مع الألف الزائدة في الآخر وهو من مزايا لغتهم أي (نحاما) وأما سائر الألفاظ فهي من أصل يوناني أو فارسي أو تركي ونحن في غنىً عنها.
٥ً النحام عَلَى ما وصفه علماء الإفرنج العصريون
قال علماء الإفرنج في تعريفه ووصفه: جنس من الطيور يدنو من السوابح بمنقاره ويشبه الشاهمرجات بساقه لطولها ولهذا عزل كلتا الطائفتين وجعل في طائفة خاصة به هي فرع من طائفة الشاهمرجات أو الخوائض أي الطويلات الساق. وهو صغير الجسم طويل الساق حتى يبلغ طولها زهاء متر ورأسه صغير ومنقاره صلب في حافيته صفيحات عَلَى عرضيهما عَلَى حد ما يرى ذلك في البط وهو مموج عند منتصفه وإذا أراد أن يصطاد فريسته كالهلامات والدود والهوام والحشرات وبيض السمك التي يراها عَلَى أرياف الغدران والمستنقعات يلقب رأسه بأن يضع الفك الأعلى أسفل حتى يتمكن أن يتصرف في عقافته - وهو يطير جماعات تعرف بالرفوف (جمع رفٍ) لكثرة أفرادها ويتقوم من هيئتها مثلث عَلَى حد ما تفعله الكركي. وإذا حطت عَلَى الأرض اصطفت صفين كالعسكر وعشها عبارة عن مدورةٍ تركبها ركوباً عند الحضانة كما يركب الإنسان الحصان ولها صوت كصوت النفير وهو النحيم ولحمها لذيذ ولاسيما لسانها. واليوم يرغب في هذا الطير لريشها وهي أصناف منها البشروش أو نحام الأقدمين وبالفرنسوية وبلسان العلم وريشه كله وردي بديع اللون ما خلا الجناحين فغنهما أحمران ملتهبان ومثل لونها لون المنقار وهو كثير الوجود في العراق وفي ديار فرنسا الواقعة عَلَى سواحل بحر الروم. - والنحام الأحمر أو البهمن وبلسان العلم وهو كثير الوجود في أصقاع أميركا الجنوبية وهي اصغر قداً من النحام السابق ذكره وألوانه أزهى وأبهى. والنحام ذو الرداء الناري وبلسان العلم ولونه أحمر واضح وهو يوجد في أحاء باتاغونية وبرونيس آيريس. -
стр. 5403
والنحام القزم وباللاتينية ويكون في ربوع الرجاء الصالح وفي سنغال وهو دون ما جانسه من هذا الطائر بنصف.
وهذه الطيور تعيش غالباً في القصباء والحلفاء والآجام والغياض وهي تبحث عن رزقها فيها كما يفعل البط والوز تغط مناقيرها فيها لتقع عَلَى قوتها. وأكثر ما ترى أنها تجتمع جماعات من ٢٠ إلى ٣٠ طائراً. وسيرها ثقيل ومرتبك وإذا نامت قامت عَلَى رجل واحدة وضمت الأخرى إلى الأولى أو تحت بطنها وتخفي رأسها تحت جناحها وإذ كانت كثيرة الحذر يقوم أحدها ديدباناً إذ نام سائر الأخوة والأخوات وإذا ذهبت تسترزق. وهي تخاف الإنسان أكثر ما تهاب الحيوان. ولهذا إذا أراد الصيادون قنصها اختفوا في جلد حصان أو بقرة وذهبوا إليها. وإذا أطلقوا عليها البندقية نالوا منها عدداً وافراً والسبب لأنها تروع من طلقاتها ولا من رؤية ما يموت منها ولهذا لا تبتعد كثيراً عن مسقطها فيصاب منها كثير. هذا جل ما يقال عن النحام، وفي الختام أُقرأك السلام.
بغداد
ساتسنا.
стр. 5404
كتب مخطوط
عثرنا في هذه الأيام عَلَى كتاب مخطوط ذهب منه الجزآن الأول والثالث ويدل عَلَى ذلك ما جاء في خاتمة هذا الجزء.
تم الجزء الثاني يتلوه إن شاء الله تعالى أول الجزء الثالث المقصد الثاني في ممالك جزيرة الغرب الخارجة عن مضافات الديار المصرية.
وتاريخ كتابته ١١٩٣ هـ كتبه عطوة بن علي الهونيني موطناً العباسي الأول.
صحائف الكتاب ٤٥٦ طوله ٣٣ سانتيماً وعرضه عشرون سنتيماً ورقه نياتي وخطه واضح جلي أسطر كل صحيفة ثمانية وعشرون سطراً.
أما المؤلف الكاتب فلم نجد له ذكراً فيه ويظهر أنه شافعي المذهب ومن رجال أوائل القرن التاسع الهجري ودليلنا عَلَى ذلك أنه في ذكره لملوك الطبقة الرابعة من ملوك مصر وهم الترك ذكر آخرهم الملك المنصور عبد العزيز وحصره في قلعة دمشق والقبض عليه واستبداد المستعين بالله بالأمر من غير سلطان وذلك في ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس عشرة وثمان مائة.
موضوع الكتاب
أول الكتاب الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الأولى في الكلام عَلَى نفس الخط وفيه سبعة أطراف وفيه هنا مباحث في فضيلة الخط وحقيقته وفي وضعه وفي عدد الحروف وفي تحسين الخط وقواعد تتعلق بالكتابة وفي مقدمات تتعلق في أوضاع الخط وقوانين الكتابة وذكر قوانين يعتمدها الكاتب في الخط وهنا بحث عن الأقلام المستعملة في ديوان الإنشآت بزمانه وقال وسيأتي في النقالة الثالثة في الكلام عَلَى ما يناسب كل مقدار من مقادير قطع الورق من الأقلام وذكر المذاهب في أصل الأقلام وهي ستة (١) مختصر الطومار (٢) وقلم الثلث الثقيل (٣) والخفيف (٤) قلم التوقيعات (٥) قلم الرقاع (٦) قلم الغبار هذا مجمل ما في هذا الجزء من المباحث وكلها جليلة ويظهر أن هذا الجزء يشتمل عَلَى مقالتين المقالة الأولى في عَلَى الكلام عَلَى ما يحتاج إليه الكاتب وقد فقدت من هذه المقالة الباب الأول.
والمقالة الثانية موجودة برمتها وهي في المسالك والممالك تشتمل عَلَى أربعة أبواب وتحت
стр. 5405
كل باب تقسيمات وتفريعات تفوت الإحصاء وكلها في موضوعات مفيدة.
الباب الأول في ذكر الأرض عَلَى سبيل الإجمال وفيه بحث عن معرفة شكل الأرض وما اشتملت عليه من الأقاليم وفي أطوالها وفي ذكر البحار التي يتكرر ذكرها بذكر البلدان وفي كيفية استخراج جهات البلدان والأبعاد الواقعة بينها هذا إجمال ما يشتمل عليه الفصل الأول من الباب الأول والفصل الثاني في ذكر الخلافة ومن وليها من الخلفاء ومقراتهم في القديم والحديث وما انطوت عليه الخلافة من الممالك في القديم ومات كانت عليه من الترتيب وما هي عليه في عهد مؤلف الكتاب قال وإما من وليها (الخلافة) فعلى أربع طبقات الطبقة الأولى الخلفاء من الصحابة (رض) الطبقة الثانية خلفاء بني أمية الطبقة الثالثة خلفاء بني العباس الطبقة الرابعة خلفاء بني العباس في الديار المصرية وذكر خلفاء الطبقات الأربع وسني توليتهم الخلافة ووفياتهم ومقراتهم.
وفي الفصل الثاني من الباب الثاني بحث جليل عن ترتيب الخلفاء في الصدر الأول وشعارها وبحث في توليه الملوك من الخلفاء والوظائف المعتبرة عندهم.
والباب الثالث في ذكر مملكة مصر ومضافاتها وفيه طرفان الطرف الأول في الديار المصرية وفيه سبعة مقاصد المقصد الأول في فضلها ومحاسنها المقصد الثاني في ذكر خواصها وعجائبها وما بها من الآثار القديمة المقصد الثالث في ذكر نيلها ومبتدئه ومنتهاه وهنا قال وقد ذكر الحكماء أنه ينحدر من جيبل القمر إما بفتح القاف والميم كما هو المشهور وإما بضم القاف وسكون الميم وهنا بحث في طول النيل وعرضه والبلاد التي يمر فيها وفي زيادته ونقصه ومقاييسه.
المقصد الرابع في ذكر خلجانها وبحيراتها والخامس في جبالها والسادس في زروعها ورياحينها وفواكهها والسابع في ذكر مواشيها ووحوشها وطيورها والثامن في ذكر حدودها والتاسع في ابتداء عمارتها والعاشر في ذكر قواعدها القديمة والمستقرة والحادي عشر يشتمل عَلَى ذكر خططها.
والفصل الثالث في المقالة الثانية في ذكر كور الديار المصرية وأعمالها والفصل الرابع في ذكر ملك الديار المصرية جاهلياً وإسلاماً وطبقاتهم والفصل الخامس من الباب الثالث من المقالة الثانية ذكر في ترتيب أحوال الديار المصرية وفيه بحث في ذكر معاملاتها وما
стр. 5406
يتعامل به وزناً وما يتعامل به معاده وفي الفلوس المطبوعة بالسكة وغير المطبوعة وفي المثمنات والمكيلات والمقيسات وأرض الزراعة والأبنية والأقمشة والأسعار.
وفي الجسور والمعابر والجسور البلدية وري السواقي وهنا بحث في طرق زراعة الأرض وصنوف الزروع.
وبحث في وجوه أموالها الديوانية والمقصد الثالث في ترتيب المملكة وفيه بحث عما كانت عليه في زمن أعمال الخلفاء من حين الفتح إلى آخر الدولة الإخشيدية كذكر الآلات الملوكية من التاج والقضيب والسيف والدواة والرمح والدرقة والحافر والمظلة والأعلام والنقارات والخيام وفي حواصل الخليفة وهذا فيما كانت عليه أحوال الديار المصرية في عهد الفاطميين وفي هذا المقصد أبحاث تتعلق في الوظائف والدواوين وفي مواكب الخلافة المختلفة ويذكر في هذا المقصد قصيدة عمارة اليمني التي يرثي فيها الفاطميين بعد انقراض دولتهم واستيلاء السلطان صلاح الدين الأيوبي عليها وصف بها مملكتهم وعد مواكبهم وحكى مكارمهم وجلى محاسنهم وأوردها برمتها.
ثم يذكر أحوال الدولة الأيوبية ورسومها وأحوال الدول التي انتقلت إليهم الديار المصرية إلى زمان المؤلف.
وهنا أبحاث مفيدة يتجلى منها ما كانت عليه أحوال الدولة القديمة من الترتيب والانتظام.
والفصل السادس من المقالة الثانية في المملكة الشامية وما يتصل بها من بلاد الأرمن وبلاد الجزيرة بين الفرات ودجلة مما هو مضاف إلى هذه المملكة وفيه أربعة أطراف.
الطرف الأول في فضل الشام وخواصه وعجائبه وفيه مقصدان الأول في فضل الشام الثاني في خواصه وعجائبه وهنا يذكر ما يراه فيه من العجائب كحمة طبرية وقبة العقارب بمدينة حمص وعين الفوارة داخل البحر المالح عَلَى القرب من ساحل مدينة طرابلس ووادي الغور إلى غير ذلك.
الطرف الثاني في حدود وابتداء عمارته وتسميته شاماً وفيه مقصدان الأول في حدوده والثاني في ابتداء عمارته.
الطرف الثالث في أنهاره وبحيراته وفيه خمسة مقاصد الأول في ذكر الأنهار العظام في بلاد الشام الثاني في ذكر بحيراته الثالث في ذكر جباله وهنا جاء فيه عن جبل عاملة ما
стр. 5407
هذا نصه:
وهو جبل ممتد في شرقي بحر الروم وجنوبيه حتى يقرب من مدينة صور وعليه شقيف أرنون نزله بنو عاملة بن سبأ من عرب اليمن عند تفرقهم بسيل العرم فعرف بهم المقصد الرابع في ذكر زروعه وفواكهه ومواشيه والخامس في ذكر مواشيه والسادس في ذكر النفيس من مطعوماتها.
الطرف الرابع في ذكر جهاته وكوره وقواعده المستقرة وأعمالها وفيه مقصدان الأول في ذكر جهاته وكوره القديمة وهنا يذكر اصطلاح القدماء بتقسيمه إلى خمسة أجناد جند فلسطين وجند الأردن وجند دمشق وجند حمص وجند قنسرين.
المقصد الثاني في ذكر قواعده المستقرة وأعمالها القاعدة الأولى دمشق وأعمالها غزة والرملة وقافون وهي الجهات الساحلية والجبلية وهي القدس والخليل ونابلس والقبلية عمل بيسان وبانياس ومنها قلعة الصبيبة وعمل الشعراء وعمل نوى وعمل أذرعات وعجلون والبلقاء والصلت وصرخد وبصرى وزرع والشمالية وهي بعلبك وعمل البقاع البعلبكي وعمل البقاع العزيزي وعمل بيروت وعمل جبيل وعمل صيدا والشرقية وهي عَلَى ضربين الضرب الأول ما هو داخل في حدود الشام وهو غربي الفرات ويشتمل عَلَى خمسة أعمال حمص ومصياف وقارا وسلمية وتدمر الضرب الثاني وذكر منها الرحبة وجعبر.
القاعدة الثانية حلب وذكر أعمالها الساحلية والجبلية ومن أعمالها الرها.
القاعدة الثالثة حماة وذكر أعمالها القاعدة الرابعة طرابلس وذكر أعمالها والخامسة صفد وذكر أعمالها وهي إحدى عشر عملاً وهي عمل تبنين وهونين وجاء فيه عند ذكرهما وهما حصنان بنيا بعد الخمس مائة بين صور وبانياس بجبل عاملة المتقدم ذكره في جبال الشام المشهورة وجعل العثماني قلعة هونين من عمل الشقيف وأهل هذا العمل رافضة.
القاعدة السادسة الكرك وذكر أعمالها وهي الشوبك وزعر ومعان.
الطرف الثاني من الفصل الثاني من الباب الثالث من المقالة الثالثة فيمن ملك البلاد الشامية وملوكها وهو عَلَى قسمين الأول ملوكها قبل الإسلام وهم أربع طبقات الطبقة الأولى الكنعانيون الثانية الإسرائيليون الثالثة الفرس الرابعة اليونان والرومان.
стр. 5408
القسم الثاني من ملوك الشام ملوكه في الإسلام وهم عَلَى ضربين الضرب الأول عمال أصحابه (ص) فمن بعدهم من نواب الخلفاء إلى حين استيلاء الملوك عليه.
الضرب الثاني من وليها ملكاً
الطرف الرابع من الفصل الثاني من الباب الثالث من المقالة الثانية في ذكر أحوال المملكة الشامية وفيه مقصدان.
المقصد الأول في ترتيب نياباتها عَلَى ما هي مستقرة عليه قال قد تقدم أن الممالك المعتبرة بالبلاد الشامية ست ممالك في ست قواعد وكل مملكة منها قد صارت نيابة سلطنة مضاهية للملكة المستقلة.
ثم ذكر كل نيابة وأحوالها في المعاملات ونحوها عَلَى مثال ما ذكره من أحوال الديار المصرية في الفصل الخامس من الباب الثالث من المقالة الثانية.
المقصد الثاني ترتيب ما هو خارج عن حاضرة دمشق وهو عَلَى ضربين الضرب الأول ما هو خارج عن حاضرتها من النيابات والولايات قال وقد تقدم أن لدمشق أربع صفقات غربية وهي الساحلية والقبلية والشمالية والشرقية ففي الصفقة الأولى وهي الغربية عشر نيابات وخمس ولايات فأما النيابات فمنها غزة والقدس والولايات فمنها ولاية الرملة واللد وقاقون وبلد الخليل ونابلس.
وأما الصفقة القبلية وهي الثانية ففيها نيابات وثمان ولايات فأما النيابات فالأولى منها نيابة قلعة صرخد ونيابة عجلون وأما الولايات فالأولى ولاية بيسان وواليها جندي الثانية ولاية بانياس وواليها جندي تارة وتارة أمرة عشرة والثالثة ولاية قلعة الصبيبة الرابعة ولاية الشعراء الخامسة ولاية أذرعات السادسة ولاية حسبان والصلت من البلقاء السابعة ولاية بصرى واليها جندي الصفقة الثالثة الشمالية وفيا نيابة واحدة وثلاث ولايات فأما النيابة فنيابة بعلبك وأما الولايات فالأولى ولاية البقاع البعلبكي الثانية ولاية بيروت الثالثة ولاية صيدا الصفقة الرابعة الشرقية وبها ثلاث نيابات وأربع ولايات.
ثم ذكر نيابة حلب عَلَى نحو نيابة دمشق ونيابة طرابلس ونيابة صفد ومنها ولاية تبنين وهونين وولاية الشقيف.
الفصل الثالث من الباب الثالث من المقالة الثانية المملكة الحجازية وفيه طرفان الطرف
стр. 5409
الأول في فضل الحجاز وخواصه وعجائبه الطرف الثاني في ذكر حدوده وابتداء عمارته الخ.
وذكر قواعده وهي مكة المشرفة وهنا ذكر ملوكها قبل الإسلام وفي الإسلام وهم طبقات وبين ترتيبها والمدينة الشريفة وذكر نواحيها وأعمالها وملوكها من بني إسرائيل وفي الإسلام وهم أربع طبقات الطبقة الأولى من كان بها في صدر الإسلام الطبقة الثانية عمال الخلفاء من بني أمية الطبقة الثالثة عمالها في زمن خلفاء بني العباس الطبقة الرابعة أمراء الأشراف من بني حسين إلى عهد المؤلف.
ثم ذكر ترتيب المدينة النبوية فقال أما معاملاتها فعلة ما تقدم في الديار المصرية من المعاملة بالدنانير والدراهم الخ.
الباب الرابع من المقالة الثانية في الممالك والبلدان المحيطة بمملكة الديار المصرية وفيه أربعة فصول الفصل الأول في الممالك والبلدان الشرقية عنها وما ينخرط في سلكها من شمال أو جنوب وفيه أربعة مقاصد الأول في الممالك الصائرة إلى بيت جنكيزخان وفيه جملتان الجملة الأولى في التعريف باسك جنكيزخان ومصير الملك إليه والثانية في عقيدة جنكيزخان.
ثم ذكر ممالك جنكيزخان عَلَى التفاصيل وهي مملكتان الأولى مملكة إيران ويذكر حدودها وأقاليمها وهي بابل والمدائن وبغداد وسر من رأى والإقليم الأول الجزيرة الفراتية الإقليم الثاني العراق وقواعدها ومدنها ومن المدن التي بالعراق هيت والحيرة والكوفة والبصرة وواسط وحلوان والحلة والنهروان والإبلة والقادسية وعبادان.
ثم يذكر بعد ذلك طبقات ملوكها جاهليةً وإسلاماً وترتيب هذه المملكة كعادته في غيرها.
المملكة الثانية مما بأيدي جنكيزخان توران. هذا جل ما في الكتاب من الموضوعات وندع الكلام عنه بتفصيل أكثر حتى نقف عَلَى آراء الباحثين فيه ولعل فيهم من لا يجهل اسم الكتاب واسم مؤلفه المجهول لنا.
عَلَى أننا سنوالي البحث عن الجزئين لمفقودين منه علنا نعثر عليهما والكتاب عثرت عليه أنا وصديقي الأستاذ الشيخ أحمد رضا.
النبطية - جبل عامل:
стр. 5410
سليمان ضاهر.
стр. 5411
مرآة الشباب
أيصدقه العلاء فيستريب ... ويدعوه الفسوق فيستجيب
وتخطيه الكؤوس فيجتبيها ... شمولاً دون لذعتها اللهيب
كأن شروبها إذ يحتسيها ... ربيبٌ حين أعوزه العجيب
يحرق إرماً إثر ارتعاص ... بدا منه بجبهته قطوب
تحجب لبه استارعي ... فكنفه المثالب والعيوب
سرى يبغي العلاء فحين دانى ... ورود حياضه شع القريب
وحالت دونه أكواب دن ... ترشفها فأدركه الشحوب
فتى عبثت به أيدي التصابي ... كما في الطير قد عبث الربيب
رماه بدائه وانسل كوب ... وهل يأتي بغير ألفي كوب
وراقته مداعبة الغواني ... ففلز يرشده الصوت الرطيب
ارتهن لحاظهن ضروب سحر ... وللغادات من سحر ضروب
فبات كان في أذنيه وقراً ... إذا ناداه مرشده اللبيب
وظل ولا طبيب لما عراه ... وهل ينجي من الموت الطبيب
إذا خطبته مكرمة تولى ... وإن نادته غانية يجيب
تعاطيه الكؤوس فتاة دل ... فيطرب وهو لو علم الكئيب
وتطوي عرسه الأيام صبراً ... وساقيه بدرهمه لعوب
ترى الدينار يرقص في يديه ... وقد اضني بنيه طوى مذيب
إذا ما مومي خطرت تدلى ... وتابع خطوها وله وثوب
يحن إلى دنو فتاة سوء ... وقد ظمأت حليلته العروب
ويؤنسه حديث ذوات تيه ... وقد مجته منهن القلوب
ينام نهاره حتى إذا ما ... تصرم هب يحوه الغروب
تؤم به غواتيه فيسعى ... فلا نصب يقيه ولا لغوب
يجوب بغاء غانية قفاراً ... وما لسوى الهوى قفزاً يجوب
ويركب متن حدثان الليالي ... فيلوي حيثما ابتدأ الركوب
يهب إلى الشبيبة بعد عجز ... ويهرجها إذا يبدو النضوب
стр. 5412
كأن شبابه كرة ازدهاء ... فجاد من الحياة بما يطيب
كأن حياته هانت عليه ... فجاد من الحياة بما يطيب
كأن سنينه أحلام صب ... صحا فإذا نضارتها نكوب
كأن حجاره غادر أصغرية ... وآلى في الشبيبة لا يؤوب
متى يدن المشيب يثب هداه ... إليه كأنما الموت المشيب
وزجر الشيب أعمل في نفوس ... من السمر اللدان إذا تصيب
دمشق:
خير الدين الزركلي.
стр. 5413
مطبوعات ومخطوطات
ثلاثة كتب
كتاب الألفاظ الكتابة وكتاب الألفاظ الأشباه والنظائر وكتاب الألفاظ
هذه ثلاثة كتب مختلفة العناوين ومختلفة أسماء المؤلفين والموضوع واحد والنص واحد والمؤلف الحقيقي واحد لكن قضى التسرع عَلَى ناشريها أن يصدروها بأسماء مؤلفين هم غير كاتبها أو مصنفيها كما سترى.
فالعنوان الأول هو اسم الكتاب الذي تولى طيه الأب لويس شيخو. فقد جاء في مفتتح السفر المذكور وهو الذي بأيدينا ما هذا نقل حرفه: كتاب الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيس الهمذاني. اعتني بضبطه وتصحيحه الأب لويس شيخو اليسوعي. طبع سابعة بمطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت سنة ١٨٩٨ برخصة نظارة المعارف الجليلة في الآستانة العليا. حق الطبع محفوظ للمطبعة. .
والعنوان الثاني هو اسم الكتاب الذي عني بنشره أحد عليما بغداد وإليك ما جاء في صدره: كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر للإمام اللغوي عبد الرحمن بن سعيد الأنباري عليه رحمة الباري. وهو كتاب لم ينسخ عَلَى منواله ناسخ، ولم يسلك طريق مناهجه ناهج، مشهور عند أرباب اللغة والأدب، منتزع من أوعية السنة العرب. قديم التصنيف، عجيب الترتيب والتأليف، سليم من الغلط، حسن الأسلوب والنمط، وقد طبع بعد تصحيح أبي البركات خير الدين السيد نعمان ابن المفسر المشهور محمود أفندي الألوسي زاده، مفتي بغداد، سهل الله تعالى له كل مطلب ومقصد يراد، آمين. - التمثيل الأول. - طبع برخصة نظارة المعارف في القسطنطينية سنة ١٣٠٢. (هـ - ١٨٨٤ - ١٨٨٥ م) طبع في مطبعة أبو الضيا. .
والعنوان الثالث هو اسم الكتاب المذكور عَلَى رواية صاحب كتاب الفهرست (أي ابن النديم الوراق) فقد قال في ص١٣٧ عبد الرحمن بنن عيسى الهمذاني (بالدال المهملة) كاتب بكر بن عبد العزيز أبي دلف. وكان شاعراً كاتباً وله من الكتب: كتاب الألفاظ. وقال في ص ١٧١ من الكتاب المذكور: كتاب الألفاظ (وفي الأصل مطبوع ألفاظ وهو غلط الطبع) لعبد الرحمن بن عيسى الهمداني (بالدال المهملة).
فأي العناوين هو الأصح وما اسم المؤلف من التحقيق؟
стр. 5414
قلنا: أصح هذه العناوين هو ما ذكره ابن النديم لأن المؤلف قديم وله أتم الوقوف عَلَى أسماء الكتاب والمصنفين وكل من يطالع كتابه الفهرست يشهد له بسعة الإطلاع وغزارة العلم فعنوان الكتاب هو إذن كتاب الألفاظ وزيادة الكتابية في من النساخ، وزيادة الأشباه والنظائر هي من زيادة الناسخ أيضاً أو من الواقف عَلَى طبعه وعليه فالأوفق أن يعاد العنوان إلى صحته بدون زيادة.
وأما اسم المؤلف الحقيقي فلا جرم أنه الاسم الذي أورده ابن النديم أي: عبد الرحمن بن عيسى الهمداني (بدال مهملة) وميم ساكنة نسبة إلى همدان وهي قبيلة باليمن من حمير ينسب غليها جماعات عديدة من العلماء. لا نسبة إلى همذان بميم مفتوحة وذال معجمة فإن هذه اسم بلدة من بلاد فارس. ووهم الطابع في هذا الاسم هين. لكن وهم العلامة الآلوسي عظام لأنه وإن كان قد كتب عَلَى أول صفحة من الكتاب أنه لابن الأنباري فكيف جاز له أن يكتب عَلَى رأس كل صفحة من صفحاته (وهي ١٣٢) هذه الكلمات: كتاب الألفاظ لعبد الرحمن بن عيسى. فكان يجب عليه أن يطابق أحد الأمرين عَلَى الآخر إما أن يقول إنه لابن الأنباري في صدر الكتاب ومثانيه وإما أن ينسبه لابن الأنباري أولاً وآخراً. عَلَى أن عمله هذا أبان كل الإبانة أنه غالط لا محالة. ومن غريب الأمر أن الشيخ الآلوسي ذكر ترجمة ابن الأنباري قبل أن يذكر مقدمة المؤلف ولها أورد هذه المقدمة قال فيها: قال عبد الرحمن بن عيسى حماد: الصناعات مختلفات. . . فكيف لم ير البون البين بين النسبين وهما واضحان متميزان. عَلَى أن الإنسان إذا تذكر هذا الكلام المأثور: لكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة. تحقق أن أعظم العلماء قد يزل مع عليه من حسن النية وإخلاص الطوية.
وفي نسخة صاحب كتاب الألفاظ بعض الاختلاف فطبعة بيروت تقول في ترجمة عبد الرحمن وفي المقدمة: عبد الرحمن بن عيسى بن حماد الهمذاني الكاتب. وطبعة الآستانة تقول: عبد الرحمن بن عيسى بن حماد وابن النديم يقول: عبد الرحمن بن عيسى الهمداني. فلا غرو أن نسب حماد داخل في نسب عبد الرحمن لكن هل ترى كان من أجداده أم لقب أبيه. فهذا ما لا يتضح إلا بعد التنقيب عن هذا الاسم في عدة نسخ وفي ذكر نسب المؤلف كمعجم الأدباء لياقوت. ولهذا لا نجزم فيه.
ومن غريب الأمر أن طابع النسخة البيروتية مع وفرة اطلاعه عَلَى المطبوعات العربية
стр. 5415
في الشرق والغرب لم يذكر طبعة هذا الكتاب في القسطنطينية، فهل كان منه جهلاً أم تجاهلاً؟ نقول: الأليق أن نقول أنه فعل ذلك منه لأن نسخة الآستانة وإن طبعت قبل نسخته فإنها لم تطبع إلا قبل أربعة أشهر فقط ولما كانت مطبوعات الآستانة قليلة الشهرة لخلو الحاضرة من الجرائد العربية يومئذ هان لنا أن نفهم جهله لما يطبع هناك. وعلى كل فكان الأجدر به أن يذكر هذه الطبعة في النسخ التي جدد نشرها بعدئذ. ولعل الأمر فاته بالمرة وهذا ليس ببعيد. وأما بعد الآن فهو ليس بمعذور.
وإن سألتني أي النسختين هي الفضلى: ألطبعة الآلوسية أم الطبعة البيروتية؟
قلنا: عليك أن تعلم قبل هذا أن الطبعتين وإن كانتا تتفقان بعض الأحيان تختلفان في أغلب المرار. وهذا الاختلاف موجود في الأبواب وفي كثرة المواد. فإنك مثلاً تجد أبواباً غير مذكورة في الطبعة الآلوسية وهي مذكورة في الطبعة البيروتية طوراً وبالعكس. ثم إنك تجد في الباب الواحد مادة وافرة في نسخة دون النسخة الأخرى. هذا فضلاً عن الاختلاف في تتالي الأبواب وفي عناوينها ثم إنك تجد في الطبعة الآلوسية أغلاط طبع لا تحصى كما أن أغلاط الطبعة البيروتية في اللغة كثيرة.
وقبل أن نصدر حكم المفاضلة بين النسختين نذكر باب المعايب في كلتا الطبعتين ليمكنك أن تقبل حكمنا أو ترذله بعد الاطلاع عَلَى مثال يكون لك بمنزلة قياس تقيس عليه ما ورد في كلتا الطبعتين.
١ً جاء في الصفحة ١٢ من كتاب الألفاظ المطبوع في الآستانة ما هذا نصه:
باب المعايب
يقال ثلب فلان (حاشية: قال الواقف عَلَى تصحيحه: لعل فلاناً بالنصب، ولكنه كتب بالدفع (كذا. وهذا من غلط الطبع والأصح: الرفع) في الأصل مصححه). قال صاحب هذه المقالة: الصح أن يقال: ثلب فلاناً. وأما فلان فمن غلط الناسخ لا غير. وقصبهن وشتره، وضرسه، وسمه به، وندد به، وشرديه، وسعيه، وتنقصه، وعابه، وجد به، ووقع به، وشعث منه، وألحم عرضه، وقرع صفاته، ورتغ في عرضه، وسبه، وقذعه، وزوده الخنا، وأخذ من جنبه، وقرع مسامعه، ومزق أديمه، وقرع مروته، ونحت إثلته بالفتح، واخذ من عرضه، واتبعه القبيح، وذكر معايبه، ومثالبه، ومعايره، ومشانيه، ومناقصه، ومخازيه،
стр. 5416
ومساويه، ومقابحه، ومقاذره ومفاضحه، وسوآته، ومسآته. قالت ليلى الأخيلية:
لعمرك ما بالموت عار عَلَى الفتى ... إذا لم تصبه في الحيوة المعابر
والقذع، والخنا، والرفث، والفحش هو قبيح الكلام، ويقال فلان بذي اللسان، ملحب، سباب، وقد بذو يبذوه بذاءة، والإزراء، والطعن والقدح، والغميزة (كذا) والتعبير، في طريق واحد، ويقال: كان من فلان نوافر، وبوادر، وقوارص، وشتايم، وقد سفه علينا غلان سفاهة، ولم يكن سفيهاً تقول: نعوذ بالله من قوارعه، وقواذعه، ونواقره، وقوارص لسانه.
٢ً: وجاء في هذا الباب في الصفحة ٢٠ من الطبعة البيروتية بهذه الصورة:
باب الثلب والطعن
تقول: مازال فلان يذكر معايب فلان، ومثالبه. ومساوئه. ومقابحه. ومشايينه. ومقاذره. ومناقصه. ومخازيه. ومعايره. ومساءته. وسوآته.
قالت ليلى الأخيلية في المعايير:
لعمرك ما بالموت عار عَلَى الفتى ... إذا لم تصبه في الحيوة المعابر
ويقال: ثلب فلاناً، وتنقصه. وعابه. (ويقال:) عيرته كذا، ولا يقال بكذا.
قال النابغة:
وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل عليَّ بأن أخشاك من عارِ
ويقال: نكرت عَلَى فلان ما صنع وأنكرته ونكرته. (ومنه قول القرآن الجليل:) نكروا لها عرشها أي غيروه.
ويقال: شبعة، وجدبه جدباً، وقصبه، وجرحه، وشز به، وشزبه، وشز عليه، وضرسه، وشعث منه، وسمع به، وندد به، وزرى عليه. (يقال:) زرى فلان عَلَى فلان فعله إذاً عابه. ونقصه زرياً، وأزرى به إذا صغره إزراءَ. وقدح فيه، وطعن عليه، ونقم عليه ومنه وفي عرضه سبه، وقذعه، وقفاه يقفوه، وطاخه بقبيح إذا لطخه به، ووقع فيه، وقرع صفاته إذا قال قبيحاً في عرضه، ونحت أثلته، واستطال في عرضه (والفحش، والقذع، والخنا، والرفث، القبيح من الكلام). (يقال: فلان بذئ اللسان، ملحب، وسباب، ألحمته عرض فلان إذا أمكنته من شتمه. (والإزرار، والطعن، والقدح، والغميزة، والتعبير (في طريق واحدة). (وتقول:) قد كانت في فلان قوارص، ونواقر، وشتائم. (فنقول:) نعوذ بالله من قوارعه.
стр. 5417
ولواذعه، ولواذعه، وقوارص لسانه، وبذئ فلان يبذأ، وبذؤ يبذؤ بذاءة، وقد رسفه غلينا سفاهة، ولم يكن سفيهاً وقد سفه.
قال ترى بين هاتين النسختين فرقاً ظاهراً. والصواب والغلط يتجاذبان الطرفين فمرة يكونان في هذه النسخة ومرة في تلك فتمسك أنت بما يوافق الصحة.
وبعد هذا التبيين نقول: إن نسخة بيروت أصح طبعاً من نسخة الآلوسي. فإن الأغلاط التي وردت في طبع هذه الأخيرة تنفر كل إنسان من مطالعتها. ومع ذلك ففيها من الفوائد ما لا تراه في النسخة البيروتية. ولهذا يجدر بأحد الأدباء أن يجمع بين النسختين ويصحح الواحدة. عَلَى الأخرى ليكسب رضا الجميع في إحياء مآثر السلف.
الخلاصة
كتاب الألفاظ (ولا يجوز لك أن تغير هذا العنوان بقولك: كتاب الألفاظ الكتابية. أو كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر) هو لعبد الرحمن بن عيسى (بن) حماد الهمداني نسبة إلى همدان القبيلة اليمانية المشهورة. وليس لعبد الرحمن بن محمد بن سعيد الأنباري، لاسيما إن علمت أن ابن الأنباري ولد سنة ٥١٣ وتوفي سنة ٥٧٧ وأن الهمداني توفي سنة ٣٢٠ وإن من النسخ القديمة الكتابة التي ظفر بها الطابع البيروتي ما كتب سنة ٥٢٢ أي تسع سنوات بعد ولادة ابن الأنباري فلا يعقل أنه ألف كتابه في هذا العمر. وعليه يجب تصحيح ما ورد من الخطأ والوهم في هذا الباب. فإن تفعل تحظ بالصواب.
ساتسنا.
وصف كتاب جامع التعريب، بالطريق القريب
من تأليف أحد علماء القرن الثاني عشر الهجري أو السابع عشر
الميلادي.
في جامع مرجان من جوامع بغداد خزانة كتب جليلة من وقف نعمان الآلوسي المؤلف الشهير ابن المؤلف الكبير محمد الآلوسي. وبين كتبها الخطية كتاب اسمه جامع التعريب، بالطريق القريب. إلا أن صاحبه لم يذكر اسمه لا في صدر الكتاب ولا في عجزه. والظاهر أنه عالم من علماء القرن الحادي عشر للهجر نقول ذلك تقريباً وتكهناً ولا تأكيداً وتثبتاً
стр. 5418
اعتماداً عَلَى كلام صاحب كشف الظنون المتوفى سنة ١٠٦٨ هـ ١٦٥٨ م إذ يقول عن معرب الجواليقي: وهو كتاب لم يعمل فيه أكثر منهفالظاهر من هذا القول أن الحاج خليفة لم يعرف هذا الكتاب الذي نشير إليه لعدم وجوده يومئذ. وإلا لما قال تلك العبارة. ثم أن مؤلف جامع التعريب لم ير كتاب الخفاجي لأنه لو رآه أو كان ممن عاش قبله لذكره أيضاً في مقدمته وعليه نظن أن الكاتب كان في عصر الحاج خليفة والخفاجي نفسيهما.
وهذا الكتاب من أوسع وأحسن ما كتب في هذا الموضوع والنسخة الموجودة أمامنا حسنة الخط طولها ٢٢ سنتيمتراً في عرض ١٧ وفيها ٣٦٠ صفحة وفي كل صفحة ٢٥ سطراً وهي مجلدة بالسختيان والكاغد أخضر اللون. قال الناسخ في آخرها: تمت كتابته في سلخ جمادى الأولى سنة ١٢٠٣ بخط أفقر الوردي وأضعفهم إلى الغنى القوي عبد الكريم بن أحمد بن محمد الطرابلسي الخلوتي الحنفي غفر الله له ذنوبه آمين. .
وإذا وقفت عَلَى مقدمته عرفت بعد منزلته. قال: الحمد لله الذي صان بلغة العرب الكتاب والسنة. واظهر بها عَلَى غيرها من اللغات الفضل والمنة. ومنع بمن أقامه بضبطها الأجنبي والغريب. وميز لهم ما وقع بها من الأعجمي وما فيه من التعريب أحمده عَلَى التوفيق لسلوك الأدب. ولزوم تحصيل فضائل العجم والعرب أما بعد فإني بعد أن وقفت عَلَى كتاب المعرب ابتداع الأستاذ أبي منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الجواليقي شكر الله مسعاه. وجعل الجنة مقره ومثواه. كان محتاجاً إلى تتمة في الترتيب. وزيادات فائقة في آثار التعريب. ظفرت بكتاب التنزيل والتكميل. مما استعمل في اللفظ الدخيل. الذي جمعه الفاضل المنيع جمال الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن أبي بكر بن موسى العذري الرثوثي الشهير والده بشيشي (ويروى سيسي) بخطه. فوجدته والله قد أفرغ الوسع في التتبع والاستشهاد بهمة تقارب رتبة الاجتهاد. بل أحسن فيه الجمع وحسن الترتيب. ومعونة للطالب والأديب. غير أن فيه تكراراً وإطالة ربما تفضي إلى الكسل والملالة. فأحببت أن أختصر من الأصل ما زاد جرياً عَلَى المألوف والمتعارف والمعتاد، مع رعاية الاختصار والإيجاز. وتبيين ما يتحقق الإحاطة به والامتياز. مع زيادات وحسن تلخيص. تباعداً عن الإسهاب والتمحيص. وسميته: جامع التعريب. بالطريق القريب. والله أسأل المعونة والتوفيق. - ثم قال: باب الهمزة مع الألف: آب وهو
стр. 5419
يكتبها هكذا آاب أب بألف ممدودة وراءها ألف هاوية كما كان يفعل الأقدمون في مثل هذه الألفاظ. ثم يذكر بعدها آاجاص. آاجر. آاجنقان. آاذار. آادم. . . الخ. وهو يشرح كل لفظة شرحاً مشبعاً لا يبقي لمستزيد زيادة.
إلا أن الناسخ وإن كان حسن الخط وخطه تعليق إلا أنه لا يحسن النسخ ولهذا فقد مسخ ألفاظاً كثيرة ولجهله معناها فصورها بصورة مألوفة السمع سهلة الفهم لكن لا تنطبق عَلَى بقية العبارة: فلهذا يحتاج القارئ إلى التيقظ التام في تصفح الكتاب. وفي شرحه بعض الألفاظ شروح إضافية الذيل، ناقلاً إياها عن عدة كتاب سبقوه مما يحرص عليها كل الحرص. وربما خرج في كلامه إلى ما محل له كما كان يفعل المصنفون في سالف العهد. - والمؤلف قد أدخل في سفره ألفاظاً جمة لم ترد في معربات الجواليقي ولا في شفاء الغليل ولا فيغيرهما من مؤلفات هذا القبيل. ولهذا نرى طبعه من الضروريات. وربما ذكر في كتابه أعلام المدن والرجال لكنها دون الألفاظ الجنسية عدداً واعتناء.
وقد حان لبنا أن نعطي مثالاً من كلامه ونذكر ما جاء في أبو جاد من الشرح وقد ورد في الصفحة ١١ من النسخة المذكورة. وهذا نصه بحرفه:
أبو جاد لفظ سرياني قيل أنه اسم ملك من الأول وكذا هوز. حطي قيل اسم لأول أيام الأسبوع عن سيبويه. أبو جاد وهوز وحطي بياء مشددة أسماء عربية وأما كلمن وسعفص وقريشات فإنهن أعجميات لا يتصرفن وأنشد:
أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أحرف متتابعات
وخطوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلم سعفصاً وقريشات
قال أبو سعيد السيرافي: فصل سيبويه بين أبي جاد وهوز وحطي فجعلهن أعجميات. وكان أبو العباس يجيز أن يكن كلهن أعجميات. وقال بعض المحتجين بسيبويه: إنه جعلهن عربيات لأنهن مفهومات المعاني في كلام العرب. ودقد جرى أبو جاد عَلَى لفظ لا يجوز إلا أن يكون عربياً تقول إن هذا أبو جاد. ورأيت أبا جاد. وعجبت من أبي جاد قال أبو سعيد: والذي يقول أنهن أعجميات غير مبتعد عندي إن كان يريد بذلك الأصل فيها العجمة لأن هذه الحروف عليها يقع تعلم الخط السرياني وهي معارف. وقال بعضهم: جاد في قولك: أبو جاد مشتق من جاد يجود أو من الجواد وهو العطش أو من قولهم جوداً له أي
стр. 5420
جوعاً له! ووقع الناس في أبي جاد أي في باطل قال الإمام قطرب: قولهم أبجد وهو أبو جاد وإنما حذفت واوه لأنه وضع لدلالة المتعلم. فكره التطويل والتكرار وإعادة المثل نمرتين فكتبوا أبجد بغير واو وألف لأن الألف في أبجد والواو في هوز قد عرفت صورتاهما وكل ما مثل من هذه الحروف استغني عن إعادته. قال أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهاني يقال: إن أول من وضع الكتابة العربية قوم من الأوائل نزلوا في عدنان بن أَدد فاستعربوا ووضعوا هذه الكتابة عَلَى عدد حروف أسمائهم فكانوا ستة نفر أسماؤهم: أبجد. هوز. حطي. كلمن. سعفص. قرشت. وأنهم ملوك مدين رئيسهم كلمون فهلكوا يوم الظلة مع قوم شعيب ﵇ فقالت أخت كلمون ترثيه:
كلمون هد ركني ... هلكه وسط المحلة
سيد القوم أتاه الحتف ثاو وسطه ظله
جعلت نار عليهم ... دارهم كالمضمحلة
هذا وقد توهم الصغاني أن حمزة قائل هذه الأبيات في كتاب التنبيه عَلَى حدوث التصحيف. وليس كذلك ثم وجد ما جاء بعدهم حروفاً ليست من أسمائهم وهي ستة الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين فسموها الروادف. ويدل عَلَى كون أبجد وما بعدها أسماء رجال وضعوا الكتابة العربية عليها كون هذه الكلمة الواقعة عَلَى حروف الهجاء لم تزل مستعملة عَلَى ممر الدهور عند كل أمة وجيل من سكان الشرق والغرب متداولة في الأعداد النجومية وكذا هنا عند السريانيين فهي الأصل الذي يتعلم منه الهجاء تبعهم في ذلك الإسرائيليون من اليهود والنصارى يدرسونه صبيانه في كنائسهم قائلين هجاء العبرانية ألف. باء كمل. دالث. يتبعونه بما بعده عَلَى حكاية لغتهم وهذا هو الذي عربه عرب الإسلام فقالوا أبجد مكان ألف. بأكمل دالث. قال ابن دريد: في حروف الهجاء العربي حرفان لا يجريان إلا عَلَى لسان العرب ولا يوجدان في لغات سائر الأمم وهي الظاء والحاء وخوالف في الحاء بأنها موجودة في السريانية والعبرانية والحبشية وقيل الضاد لا تقع في لغة الروم كما أن الصاد لا تقع في لغة الفرس والذال لا تقع في لغة السريانيين كما أنه لا يقع في لغة العرب لام بعدها شين وكما لا يقع فيها حرفان من حروف الهجاء لفظهما واحد متجاورين في أوائل الأسماء نحو ششن كك وقد يقعان في أواخرها نحو تكك ومشش
стр. 5421
إلا في أسماء أصلها فارسية كحوببات وددان كما أنه لا يقع الدال في لغة الفرس في أوائل الأسماء والأفعال وغنما تقع في أواخرها وأواسطها وكون أصل الهجاء العربي مؤسس عَلَى: أبتث جحد ذرزس شصضط ظعغف قكلم نوهي هو قياس اب ت ث وألف من حروفها وبا وجمل تجري في العربية مجرى أبجد في السريانية لكن هذا الخبر صادر عن رجل كان يولد الأخبار عَلَى الأمم الذين بادوا كعاد وثمود وطسم وجديس وأضرابهم وإذا احتاج البى توليد أشعار يؤكد بها تلك الأخبار خرج ملتمساً ممن يحسن الشعر من الأعراب تقديره أن يقول شعراً من جنس مراده فكانوا يعلمون مثل كلمون هدركني وهذا الرجل هو الذي ادعى عَلَى آدم ﵇ أنه أنشد:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم وريح ... وزال بشاشة الوجه المليح
وبدل أهلهم إثماً وخمطاً ... بجنات من الفردوس فيح
وجاورنا عدو ليس يتأتى ... لعين لا يموت فتستريح
فلولا رحمة الرحمن أضحى للع من جنان الخلد ريح (؟) كذا. والأصح: بكفك.
فيا أسفاً عَلَى هابيل ابني ... قتيلاً قد توسد في الضريح
فنسب معاواته إلى نبي الله شعراً ركيكاً واهن الركن ضعيف الأسر ذا أقواء مع ثبوت أن الأقوآء من أقبح عيوب الشعر وعدم مطابقة قوله تغيرت البلاد ومن عليها وأين كانت بقاع تلك البلاد ومن كان عليها إذ ذاك. علي بن هشام قال في كتابه التيجان بعد إنشاده هذا الشعر. قال جبير بن مطعم ليس هو إلى آدم ﵇ بل هو متحول إليه وهود عليه (كذا) واستخف منه زعم من قال أن إبليس أجاب عنها بقوله:
تنج عن البلاد وساكنيها ... فقد في الخلد ضاق بك الفسيح
وكنت تعيش وزوجك في رخاء ... وقلبك من ذوي الدنيا فريح
فما انقلبت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح
فلولا رحمة الجبار أضحى ... بكفك من جنان الخلد ريح.
ولعمري كم من مفسر ومؤرخ يذكر هذا الشعر ولم ينبه عَلَى ضعفه ووضعه فكم ترك الأول للآخر. وكم دام من السخف عَلَى الخواطر. وقد جاءت روايات عارية من الحال
стр. 5422
محققة للمحال من الأنبار إلى الحيرة ثم من الحيرة إلى مكة والطائف وتسويده ما روي عن يحيى بن جعدبة أنه قال سالت المهاجرين من أين صارت إليكم الكتابة بعد أن لم تكونوا كتبة فقالوا من الحيرة فسألنا بعده من أهل الحيرة ممن أخذتموها فقالوا من أهل الأنبار وروى ابن الكلبي والهيثم بن عدي: أن الناقل لهذه الكتابة من العراق إلى الحجاز حرب بني أمية وكان قدم الحيرة قدمة فعاد إلى مكة بها. قال: وقيل لأبي سفيان بن حرب ممن أخذ أبوك هذه الكتابة. فقال من أسلم بن سدرة وقال سالت أسلم ممن أخذت هذه الكتابة فقال من واضعها مرار بن مرة فحدوث هذه الكتابة للعرب قبيل الإسلام صحيح يؤيده حدوث آلات لم تكن لهم من قبل كالخطاب والشعر والبلاغة فإنها قريبة الميلاد من إقبال دولتهم وقد كانوا عبروا الدهر الطويل وهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون وكان لحمير كتابة يسمونها المسند منفصلة غير متصلة وكانت مباينة لكتابة العرب عَلَى حدة في اللغة السير بعيدة الدار من بلادهم في منقطع الترب عَلَى شاطئ البحر جيراناً للحبشة والزنج وكانوا يحظرون تعليمها عَلَى العامة مع أنه كان لا يتعاطاها إلا من أذن له في تعلمها فلذلك دخلت دولة الإسلام وليس بجميع اليمن من يقرأ ويكتب. . .
وجل كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنتا عشرة كتابة وهي العربية والحميرية والفارسية والعبرانية واليونانية والرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية والسريانية. فخمس منها اضمحلت وبطل استعمالها في بلادها وعدم من يعرفها في بلاد الإسلام وهي الحميرية والقبطية والهندية واليونانية والصينية وأربع مستعملات في بلاد الإسلام وهي العربية والفارسية والسريانية والعبرانية وأما العبرانية فنوع واحد لا تتفنن وإنما تتغير بخصيص أقلامهم حال التجويد أو التعليق. وأما الفارسية فتسعة فنون عَلَى ما ذكر أبو جعفر محمد بن المؤيد المتوكلي فإنه زعم أن الفرس كان إمام ملكها مقر عن أصناف إيراداتها (كذا) سبع كتابات وهي برم دفيره وكشته ودفيره ونيم كشته دفيره. وفروده دفيره. وسف دفيره. فمعنى الأولى الكتابة العامية والثانية الكتابة المغيرة والثالثة الكتابة المغيرة نصفها والرابعة كتابة الرسائل والخامسة كتابة السر وكانت كالترجمة والسادسة كتابة الدين وكان يكتب بها قرآنهم وكتب شرائع دينهم والسابع جامع الكتابات يشتمل عَلَى لغات الأمم من الروم والقبط والبربر والهند والصين والترك والنبط والعرب
стр. 5423
وكانت كتابة العامة من بينها ترسم قلماً وعشرين قلماً لكل فلم منها اسم عَلَى حدة نحو ما يقال في الخط العربي خط التجاويد. وخط النحاس. وخط القراطيس. وخط التحرير وخط التعليق وكانت صناعة الكتابة ذات أسماء مختلفة تلزم فنون طبقات الأعمال وقد نسي أكثر أسمائها لكثرتها فقد كانت غير ذلك فدرست وصاروا يستعملون منها هذه الأنواع السبعة كما كانوا يستعملون في المخاطبات اللغات الخمس الفهلوية والدرية والفارسية والخوزية والسريانية. فالأولى كان بها كلام الملوك في مجالسهم وهي منسوبة إلى فهله الواقعة اسماً عَلَى خمسة بلدان وهي: أصبهان والري وهمذان وماه نهادوند وآذربيجان والثانية لغة مدن المدائن وبها كان يتكلم من بباب الملك وهودر بالفارسية والغالب عليها من لغات أهل المشرق لغة أهل بلخ والثالثة كان يجري بها كلام الموابدة ومن ناسبهم من كور بلاد فارس والرباعة منسوبة إلى خوزستان وكورها الثلاث وبها كان يتكلم الأشراف في الخلوات كالتعري في الحمام والإبزن والمغتسل والخامسة منسوبة إلى كور بلد سورستان أعني العراق والسريانيون هم النبط وبها كان كلام حاشية الملك عند التماس الحوائج وتشكي الظلامات وكان للفرس كتابة العصا حكاها السلماني وكانت ملوك الفرس تودعها الأسرار في مخاطبة خواصها وعمالها ولم يكن بخط ولا بأعداد ولا بما يجري مجراها وإنما كانت تعمد إلى جلد أبيض فتقد منه سيراً طويلاً ثم تعمد إلى عصي الفيج أو المكاري فتلف السير عليها وتضم حروف السير بعضها إلى بعض ثم تدعو بمسامير تركبها عليها ثم تكتب فإذا انتهت الكتابة سلت تلك المسامير وكشف ذلك السير عن العصي فكان ما كان منها إلا نقط متفرقة ثم تلف السير وتجعل كالطبق ويقال للمكاري إذا نزلت منزلاً فضع طعامك عليه لتوهم أنه طبق طعامك فيكون هذا دأب الرسول إلى مبلغ المكتوب فح يرد لف السير عَلَى العصي كما كان رسم بأن يجعل الثقب التي في السير تجاه الثقب التي في العصي ويشك المسامير في الثقب ثم يضعها عند المكتوب إليه فهذه المتابة التي كانت إذا ضم بعضها إلى بعض أمكن قراءتها وإذا نشر زالت صورتها وتعذرت قراءتها. وسئل أحمد بن علي المتوكل عنها فأخذ درجاً من كاغد فكسر منه شبيهاً بورقتين وضم أثناءه بعضه إلى بعض ثم كتب عليه شيئاً يقرأ ثم نشره وبسطه فصار في كل موضع من الورقتين كالعلامة والنقطة فهذا الذي أريد بقول الشاعر:
стр. 5424
أي كتاب بالطي تعرفه ... وعندهم تبين أحرفه
وأشر مما يزيل صورته ... وكتبنا كلها تخالفه. اه بجرفه
فأنت ترى من هذا المثال، طويل المقال، الواسع المجال، إن هذا الكتاب الجليل من أحسن ما صنف في هذا القبيل. ولاسيما أن الكاتب قد أحاط بكثير من الألفاظ التي لم يذكرها من سبقه إلى هذا الموضوع. بل ولم ينوه عنها من جاء من بعده. ولهذا نتمنى أن يخرج هذا التصنيف اليتيمة إلى عالم المطبوعات. لينتفع بها محبو اللغات. ويقف عَلَى بعض محتوياته ما لا يوجد في كثير من المصنفات. قيض الله أديباً فاضلاً يعنى به. إنه عظيم كريم.
بغداد:
ساتسنا.
تقارير المجمع العلمي السميثوني
عن سنة ١٩٠٩ - ١٩١٠ - ١٩١١
١٩٠٩ - ١٩١٠ - ١٩١١
عودنا هذا المجمع أن يمتعنا كل عام بتقرير عن أعماله السنوية وذلك بكتاب ضخم يخصص القسم الأكبر منه لنشر ما يظهر في عالم المطبوعات من الأبحاث والمحاضرات العلمية سواء ظهرت في أوربا أو أميركا. وأمامنا الآن ثلاثة من هذه التقارير الأولى لسنة ١٩٠٩ وأهم ما فيه من الأبحاث بحث في مستقبل العلوم الرياضية وبحث فيما إذا يميز المناطيد وآخر في تقدم الطبيعيات وآخر في مسألة النتروجين من الوجهة الحربية وآخر في مذنب هالي وعودته وآخر في طبقة الهواء العليا وآخر في المبلورات وغيره في الصخور النارية وفي البراكين وفي حفظ الموارد الطبيعية وفي البعثة البريطانية إلى القطب الجنوبي وآخر في رسم بحر غرينلاند ورحلة في أفريقية من النيجر إلى النيل ومحاضرة في ماضي العراق وحاضره ومستقبله ألقاها السير ويليام ويلكوكس في الجمعية الجغرافية الإنكليزية. ومبحثان في النشوء الحيواني ومذهب دارون. وآخر في قدم الإنسان في أوربا وآخر في نسبة العلم إلى حياة البشر وآخر في نسبة الحشرات إلى الأمراض
стр. 5425
وآخر في المقاومة الطبيعية للأمراض السارية وإسعافها وهذه الأبحاث كلها من أقلام نخبة رجال العلم في أوربا وأميركا.
أما تقرير سنة ١٩١٠ فهو كالذي سبقه في الحجم والإتقان وإن كان أدق وألطف من الأول ورقاً وأهم موضوعاته: بحث في تزاويق البسط والسجاد وفي تقدم فن الطيران حديثاً وآخر بالانتفاع في الأراضي المقفرة في غربي الولايات المتحدة وآخر في القوة الكهربائية من نهر المسيسبي وآخر وسائط التأمين في معامل الفولاذ في الولايات المتحدة وغيره في نقل الرسوم بواسطة التلغراف السلكي واللاسلكي والآراء الحديثة في تركيب المادة. التقدم الحديث في وسائط تجربة المفرقعات. السكنروسكوب. مسائل فلكية في المناطق الجنوبية. صلاح الأرض للحياة في المستقبل. حفظ الغابات. بحث في معرفة نوع الجنين وآخر في ريش النعام. نظرة من الوجه الاقتصادية والجغرافية في الشعوب السلافية المعاصرة. وآخر في سكان الكهوف في العالم الجديد والقديم. حالة المزارع الصحية والسل وانتشاره.
ويحوي تقرير سنة ١٩١١ كغيره أبحاثاً مفيدة في الطبيعيات والفلك والحيوان والكيمياء وطبقات الأرض وحفظ الصحة إلى آخر ما نشر من الموضوعات الحديثة خلال تلك السنة.
وهذه التقارير في الجملة غاية في الإتقان والدقة مزدانة بالرسوم حسب ما تتطلبه الأبحاث والناظر إليها يشعر برقي هذا المعهد العلمي سنة عن سنة نفع الله العلم به وأكثر من أمثاله في العالم. وقيض لهذا الشرق العربي أناساً يخدمونه في الماديات ليخرجوا به من عالم الأدبيات والخطابيات.
стр. 5426
أخبار وأفكار
إيطاليا والإسلام
قال لنا ذات يوم أحد علماء الشرقيات من الألمان أتدري السر الأعظم في غلبتنا الفرنسيس في حرب السبعين فذكرنا له ما حضرنا من الأسباب فقال: لا هذا ولا ذاك وإنما كنا معاشر الألمان عارفين بما عند جيراننا حق المعرفة أما هم فكانوا يجهلون حقيقتنا ولذلك كتب النصر لنا.
ولقد حملت مجلة العالم الإسلامي الباريزية مبحثاً للمسيو أنطوان كاباتون من مستشرقي فرنسا تحت عنوان إيطاليا دولة إسلامية فآثرنا ننقل لبابه إلى العربية ليعلم من لا يعلم أن كل أمة لا تعرف ما عند جارتها تغلبها كما غلب الألمان الفرنسيس وأن التمجد بالقديم وحده دون أن يكون لصاحبه شيء من دواعي الشرف الحقيقي الطريف مما يلقي بالأمم من قمم العز إلى دركات الذل وأن الشرق ينون أن يعد له قوة تعادل قوة الغرب يزدرده هذا ويقضي عليه سنة الله في خلقه. قال العالم الفرنسوي:
إن معاهدة لوزان الخيرة التي اعترفت بامتلاك إيطاليا الفتاة لليبيا قد أدخلت إيطاليا في مصاف الدول الإسلامية فإن أثرت الحرب بين إيطاليا والعثمانية في المسألة العثمانية البلقانية كل التأثير فقد أثرت في مكانة إيطاليا ونفوذها ووجهتها السياسية والاقتصادية أيضاً. واعتبرت حملة طرابلس حادثاً جديداً لقسمة قارة أفريقية بين الدول الأوربية وعنواناً حديثاً لسلطان المدنية الغربية الطامعة القوية عَلَى الغفلة الشرقية.
وراحت إيطاليا مدفوعة بعوامل التذكارات الماضية وما أصابها من الفشل بين جاراتها ومنافساتها تريد الظهور في القبض عَلَى قيادة بلاد البحر المتوسط.
وما من حرب منذ سنة ١٨٥٩ وقعت موقع القبول عند الشعب الإيطالي مثل الحرب الأخيرة إذ تلقتها الأمة الإيطالية بالبهجة عَلَى اختلاف طبقاتها ومن النساء من أرسلن ثلاثة أولاد لا رابع لهن إلى ديار الحرب وخرجن يوعونهم ويقلن نتجبي الحرب فلقيت الحملة في ذهابها وإيابها من ضروب الإكرام في بلادها شيئاً كثيراً ولا تسل عن فرح القوم يوم شاهدوا أبناءهم عائدين يحملون شارة الاستعمار لبلاد ربما كان أولادها في المستقبل جيش إيطاليا السود.
стр. 5427
وحدث ما شئت أن تحدث عما صدر في إيطاليا من الكتب والرسائل والصحف في وصف طرابلس وبرقة وما إلى ذلك يوم نادت إيطاليا: هيا إلى الحرب وعضدتها الصحف والحكومة عَلَى اختلاف صبغاتها في هذه الدعوة لا ليكون لإيطاليا مجد ومصرف اقتصادي فقط بل لتكون عَلَى قيد غلوة من بلادها أراض مخضبة ينزلها أبناؤها الذين يكثرون كثرة زائدة ولذلك كانت إيطاليا تمجد بحماسة تمازجها سذاجة أقل حرس يعود من ليبيا وكيسه عَلَى ظهره كما كانت تتألم لأقل نقد يأتيها من الخارج.
فالأسلوب العلمي العظيم الذي وفقت إليه إيطاليا لوضع الحرب أوزارها انتهى بتمجيد الأمة الإيطالية. بعثت إيطاليا مئة ألف مقاتل عَلَى أسطولها الفاره لتقضي كل القضاء عَلَى الأتراك والأعراب ممن لم يتيسر لحماستهم الدينية وحبهم للاستقلال أن ينوبا مناب الأسلحة المنظمة والذخائر والجند والنظام.
اغتبطت إيطاليا بفتح طرابلس وبرقة وأثبتت أنها الوارثة الوحيدة لمملكة رومية التي كانت الحاكمة عَلَى العالم في القديم وحققت أمانيها منذ خابت يوم ضمت فرنسا تونس إليها سنة ١٨٨١ وانهزمت في الحبشة سنة ١٨٨٩ لأنها عادت فأصبحت مملكة مستعمرة بما فتحته من ليبيا التي فتحتها رومية منذ الزمن الطول أيام كانت ضفاف البحر المتوسط للروح الإيطالية مهمازاً يحفزها كما كانت الآستانة مهمازاً للروح الصقلبية السلافية.
ولقد طمحت إيطاليا في كل زمن إلى هذا الشاطئ من البحر المتوسط فحملت أولاً القوة والسلام الروماني ولما انحلت عرى هاتين المادتين تحت ضربات البرابرة عادت توجهه وجهها إلى تلك الوجهة أيضاً لا إلى الشمال فكان البحر المتوسط ميدان عمل جنوة وبيزا والبندقية وأمالفي وباري وسالرن ولم يقنع تجارها بأن يغتنوا بالاتجار بأقمشة الهند وفارس وجزيرة العرب وأفاؤيتها وأباريزها بل أخذوا برزانة يؤيدون النفوذ اللاتيني في آسيا الصغرى ومصر والحبشة وكان من انتشار الإسلام وقوته في القرن الثامن أن ضربت هذه الفتوح التي تذكر بفتوح رومية أيام عظمتها ضربة شديدة فاحتقر المسلمون إيطاليا عَلَى سمو مدارك أبناءها ومرونة أخلاقهم وأغاروا عليها فأدخلوا عَلَى قلوب أهلها الهول والفزع فكان الجلاد عظيماً ولئن وفقت إيطاليا إلى طرد العرب من صقلية فإن نجاح مدنها الساحلية في الجنوب قد تراجع وظلت جنوة وبيزا متأثرتين وعادت البندقية فوجهت
стр. 5428
وجهتها إلى آسيا الصغرى.
وكان من الحروب الصليبية أن تهيأت لإيطاليا أسباب الانتقام فهذه الغارات وإن كان باباوات رومية هم الذين أملتها عقولهم قد بذل فيها العنصر الإيطالي بما عرف به من الحمية الممزوجة بقليل من التبجح من حسن السياسة أكثر مما بذل من الشجاعة.
فاقتصر الإيطاليون في الحرب الصليبية عَلَى مرافقة جيوش أوربة إلى آسيا وبينا كان ملوك الأمم الأخرى تقيم ممالك صغرى في الأرض المقدسة كان الإيطاليون يقطفون ثمرات تلك الحملات. وقد ثبت هذا الدهاء السياسي الإيطالي في الحملة الصليبية الرابعة فإنه أنتج لجنوة وبيزا أن ربحتاً كثيراً واستأثرت البندقية بتجارة آسيا الصغرى وامتلاك أراضٍ مخصبة عَلَى الشواطئ الشرقية من البحر المتوسط وجزء من الآستانة. ولما سقطت القسطنطينية عَلَى يد محمد الثاني سنة ١٤٥٣ حالت دون هذا السير النافع وهذا فإن البندقية مع ما أتته من عجائب المهارة وحسن المأتى بل بجهادها العلني قد احتكرت جميع تجارة أوربا مع الشرق.
وبهذا الاحتكاك غير المنفصل تمت للبندقية عَلَى قوتها البحرية والتجارة معرفة الشعوب الإسلامية حق المعرفة أكثر من كل أوربا وكان من العادة الجارية مع طبقة التجار من أبناءها أن يتكلموا التركية والعربية ويألفوا بعض العادات والمصطلحات الشرقية ولكن جاءت قوة في القرون الثلاثة التالية أكثر من قوة البندقية عَلَى ما لها من الصلات التجارية مع العناصر ألإسلامية فزادت عليها لأنها تطمع في امتلاك العالم ونعني بها الباباوية.
فإن كنيسة أحلام رومية استطاعت أن تمتد إلى الخارج ويكون لها مطلب أعلى من الزنج حتى أنها في عهد غارات الجرمانيين كانت تحلم أن تقبض ذات يوم عَلَى قياد الوحدة وحب الاستيلاء الذي سقط بسقوط دولة القياصرة فأحسن صلاتها مع المسيحيين بل ومع الوثنيين في الشرق ممن تطع في تنصيرهم وأدركت كل الإدراك الخطر الناشئ من امتداد كلمة الإسلام عَلَى أوربا المسيحية. ومع أن الحملات الصليبية قد أخفقت وقوة الإيمان قد انثلمت في القائمين بها ما برحت كنيسة رومية إلى أوائل القرن السابع عشر تطالب بأعمال أخرى وفي هذا العهد كان العف أخذ ينال العثمانيين.
بيد أن رومية شعرت في الحرب الصليبية الثانية أن السيف وحده غير كافٍ في مثل هذا
стр. 5429
الجهاد ورأت أن تعارض التعصب الإسلامي بطوائف متماسكين في اتحادهم من غيوري الأوربيين أو الشرقيين لتقطع أوصال المسلمين قطعاً أدبياً بعد أن أوقفتهم عن سيرهم المادي. وما فتئت رومية منذ القرن الثاني عشر والثالث عشر تحاول تنصير جميع الشعوب الآسياوية التي ظلت عَلَى وثنيتها فبعثت إلى بلاد المسكوب وفارس وأرمينية والتاتار والتبت ومغوليا والصين والأرخبيل الهندي وفوداً من أهل الذكاء والحصافة ممن خلفوا لنا رحلاتهم ومذكراتهم اليومية عهدت إليهم أن يسبروا غور أمراء لينصروهم أو ليتحالفوا وإياهم صد المسلمين عَلَى الأقل. وكان نصيب مصر والحبشة أيضاً البحث عن مثل هذا الشأن.
فلم تلبث الرهبنات العظمى قد أنشئت مثل الدومنيكينيين والفرنسيسكانيين واليسوعيين والكبوشيين والكرمليين واللعازريين ليكونوا جنداً مخلطاً في خدمة إمام الأحبار وتفتح تلك البلاد لدخول النصرانية إليها فأثبت جيش من الرهبان عَلَى اختلاف مظاهرهم في قارتي آسيا وأفريقية الشمالية لافتتاحها ونشر الإنجيل فيها ثم نشر المدنية الغربية فحبط القائمون بالأمر أولاً ولم يهتدوا لأحسن الطرق في العمل فانهال الفرنسيسكانيون والدومنيكينيون يفادون بأرواحهم ويصبرون عَلَى ضروب العذاب في سبيل دعوة الشعوب الإسلامية في أفريقية الشمالية إلى الدين المسيحي وكانت الطرق التي عمدوا إليها عَلَى تحمس فيها ممزوجة بكثير من الجهل فشعروا في الحال أن الضرورة تقضي عَلَى من يريد دعوة أحد إلى دينه أن يتكلم بلغته عَلَى الأقل ليتفاهم الداعي والمدعو فنادا القوم في كل مكان بضرورة إنشاء مدارس لتعليم اللغات كان رايموند لول داعيتها الذي لم ينله تعب ولا نصب.
فقضى مجمع فينا سنة ١٣١١ الذي كان يرأسه أكلمنتس الخامس لأن يؤسس في باريز وأكسفورد وبولون وسلمنكة دروساً عربية وعبرانية وكلدانية من شأنها تخريج وعاظ وأهل جدل أشد لتنصير المسلمين واليهود وأنشأ الفرنسيسكانيون والدومنيكينيون في ايدارهم دروساً من هذا القبيل ليعدوا رهبانهم لنشر الإنجيل ومنذ ذاك العهد أصبحت إيطاليا مهد حركة بالمشرقيات وأخذوا بنوع خاص يدرسون العبرية لفهم أسرار التوراة لتنصير اليهود واللغة العربية لتنصير المسلمين وكان أساتذة العبرية يتخرجون بأعلم العلماء الربانيين
стр. 5430
وأساتذة العربية كانوا ممن رحلوا إلى البلاد اللغة التي أخذوا يدرسونها ويصحبهم بصفة معيدين أناس من المسلمين أو من السوريين الموارنة ممن كانوا يعلمونهم العربية بالعمل ورأى هؤلاء القسس بحكم الضرورة أن يتقنوا من اللغة العامية إلى الفصحى ليشتد ساعدهم في فهم المسائل الفلسفية ورد حجج المخالفين بأسلوب فسلفي أدبي.
ومن أجل هذه الغابة اهتموا أيضاً بمصر والحبشة ومن مدارسهم نشأ العلماء الأول من الأقباط والحبش والأمحريين ولكن دراسة اللغة العربية بقيت الحاكمة المتحكمة في شبه جزيرة إيطاليا فكان ينظر إلى تعلمها أنه من الحاجات الماسة لكل تجار المدن البحرية. فقد وضع أحدهم سنة ١٢٦٥ باللغة العربية كتاب المعاهدة التجارية بين تونس وجمهورية بيزا وظلت العربية مألوفة في عدة أماكن من إيطاليا الجنوبية عقيب احتلال العرب صقلية فكانت في بلاط ملوك نورمانديا وهوهانستوفين وفريدريك الثاني ودي منفروا لغة العلم العالي والشعر والأدب. وما كانت العربية عَلَى ما فيها من القصائد المقيمة المقعدة والعواطف المؤثرة لتحمل أمثال شارل دانحو عَلَى تحمسه لدينه أن يخاف عاديتها بل كان الطباء والطبيعيون في قصره إما من الإسرائيليين أو من المسلمين المنحلين في عقائدهم وكان الطب هو الجواز التي سارت به الفلسفة العربية عندما قام جيرارددي كرمون الشهير في أوائل القرن الثالث عشر في ظل دولة فريدريك الثاني يترجم بعض كتابات ابن سينا الفيلسوف.
وفي القرن الثالث عشر ترجم المعلم موسى من أهل بلرمة من اللاتينية إلى العربية كتاب أبقراط في أمراض الخيل فتسربت فلسفة ابن رشد من أمثال هذه الطرق ولم تلبث أن صادفت قبولاً بين ناشئة إيطاليا حتى شكا من ذلك جهاراً بترارك في القرن الخامس عشر إذ رأى في تلقف فلسفة ابن رشد الإلحاد والازدراء باليونانية واللاتينية. وكثير من العلماء والأدباء من غير طبقة الرهبنان كانوا يرون في موجبات الفخر في القرن التالي أن يعرفوا العربية سائرين عَلَى سنة بيك دي لاميراندول.
وعلى توفر بعضهم عَلَى نشر كتب في الجدل مع المسلمين حتى قبل أن يترجم القرآن بإحدى اللغات الغربية فإن عشاق العربية كانوا يرون من الحيطة ودواعي الغيرة أن يمرنوا أنفسهم عَلَى ترجمة رسائل في الطب ينقلونها عن العربية إذ لم يكن أحد يجهل مكانة
следующие страницы →