← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

الأمة والتعليم نشر جبرائيل سيايل من علماء فرنسا كتاباً أسماه (التربية والثورة) تكلم فيه عن واجبات الحكومة نحو الرعية وواجبات الرعية نحو الحكومة ولاسيما عامة الشعب وسوادهم الأعظم وقع في ٢٥٠ صفحة وهاك تعريب ثلاثة فصول منه قال في حقوق الأمة في التعليم وهو مقدمة الكتاب: من راقب الأمور بنظر الناقد البصير لا يلبث أن يسجل بأن الانطباع عَلَى الديمقراطية لا يتأتى إلا إذا كان له عون من الأفراد أنفسهم فالديمقراطية هي في الحقيقة تربية وتعليم لا خلقة وملكة أرثية ولا تنشأ العبودية إلا من ضاعة النفس، ولا يتمثل الظلم إلا من لؤم الطباع من يخنعون له ويتقبلونه بقبول حسن. فينبغي الحالة هذه إبدال الأوضاع والقوانين. طرائق الاستملاك كما يقتضي قلب حالة الأفراد حتى إذا تم لهم ذلك لا يعتمون أن يقبلوا كيان المجتمع عَلَى صورتهم وأمثالهم. ولهذا اقتضى ألا تخضع الأمة خضوعاً أعمى فتكتفي بأن يكون لها رأي في انتخاب نوابها. بل كان عَلَى عامة أفرادها أن يكون لكل منهم وجدان وقوف عَلَى ما هم آخذون أنفسهم به من مؤازرة مجتمعهم وحكومتهم. وهكذا يتبدل الأشخاص إذا أبدلت الأشياء فيتعلمون بالتربية كيفية الوصول إلى معاملة حكوماتهم لهم بالعدل والقسط وينشأ لهم مجتمع مستل لا يكون الظلم حليفه ولا الإعنات رديفه. إذا قلنا أن العليم حق للجميع وأنم عَلَى العارفين المتعلمين فروضاً عينية يقومون بها لنفع الجاهلين الأميين فلا ترانا أتينا بفكر خارق للعادة لم يعهد له نظير فقد اعتقد جميع العارفين والعلمين بأنه ينبغي تصفية ينابيع المعارف والعلوم ليتيسر أن يستقي من مرودها أفراد الأمة وتعد فوائدها هذا الحيوان الناطق. ومن العبث أن نقول أن العلماء يعملون عَلَى بث فضل علومهم سعياً وراء أغراض لهم خاصة وإرضاءً لما في صدروهم من الأنانية وحب الذات وحرصاً عَلَى فائدة ينالها بعضهم أو لبلوغ مرقاة من مراقي الكمال تقتصر عنها يد المتناول وما عَلَى المدارس والكليات الجامعة إلا أن تأخذ بيد الأمة في هذا السبيل وتعرفها مصالحها وتعلمها ما يحفظ به كيانه. وحري بنا أن ندعو إلى الأفكار التي تقل العناية بها لأنها تبدو في مظهر يفهم منه أنها طبيعية عامة لا تحتمل الجدال والقيل والقال وأن تتدبرها ليتجلى لنا معناها وأصلها لآنا

стр. 5567

كثيراًُ ما نراها تحمل في مطاويها معتقدات نشكو من وجودها ومبادئ هي في الحقيقة قوة هذا العصر وشرفه الأثيل. وهذه الأفكار الجديدة الغريبة هي أن يكون لجميع الناس حق الاشتراك في درك الحقيقة وأن يكون عليهم واجبات يقضي بها عليهم واجب العلم وأن تكون بين العلماء وعامة الأمة روابط أدبية ليوحوا إليهم بما في صدورهم من علم صحيح ويشاطروهم ما حازوه من نعمة العقل الواسع والفهم الجم. وإذا استفتيت التاريخ عن هذه الطريقة التي نراها أنجع الطرق في تعليم الأمة لا تجد لها أثراً في العصور السالفة إذ لم يكن إذ ذاك رابطة روحية بين خاصة الأمة وعامتها بل كان الخاصة يحكمون والعامة يخضعون. وكنت ترى السياسة بأيدي الملك ومستشاريه وتضعف بضعفهم وتقوى بقوتهم والمملكة تفنى في شخص واحد يعمل ما يزن له هواه وحسابه عَلَى الله. وكنت تشهد تحت أيدي المفكرين والعاملين أصنافاً وأجيالاً من الخلق هم الدهماء وعامة الشعب يعملون ويشقون وقلما تتنبه أذهانهم للمطالبة بحقوقهم إلا إذا بلغت منهم الشدة والإعنات والجور مبلغاً. أما في هذا المجتمع الحديث فإن العلماء والفلاسفة - وعلماء الدين يراقبونهم - يتعرضون للبحث عن الحقيقة التي لا تخلو من خطر لما ينجم عنها من القلب والإبدل وهم يؤلفون مجتمعاً صغيراً هو إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة. مجتمعاً لا نظام له وليس له قانون مكتوب. نشأ بنفسه لنفسه تحدوه مطالب ارتقاء العلم وتسوقه ضرورة المراقبة عَلَى العقول. وهذا المجتمع الذي تتجلى فيه وحدة المجتمع البشري هو مشترك بين الأمم ينتقل من بلد إلى أخرى. وأعضاءه المتشبعون بأفكار واحدة والمتضامنون في عمل مشترك لا دخل فيه لهوى الأفراد يتراسلون ويعرضون المشاكل بعضهم عَلَى الآخر ويقترحون جلها بينهم وإذا ساحوا فإن سياحتهم ليمتعوا أبصارهم برؤية بعضهم وليتعارفوا ويتعاطفوا ويتبادلوا أفكارهم عَلَى صورة مخاطبات تكون عاقبتها بينهم كثرة المراسلة. وفي رسائل الفيلسوفين ديكارت الفرنسوي وليبنتز الألماني شهادة حية ناطقة بائتمار العلماء في مبادلة الأفكار وتوفرهم عَلَى تحرير العقول من رقها للبحث عن الحقيقة وكان من دواعي الاتصال بين العلماء اعتمادهم عَلَى اللغة اللاتينية وهي اللغة التي كان يتكلم ويكتب بها جميع المنورين.

стр. 5568

وكلما كان هذا النهج يتضح ويصير إلى المحسوسات أقرب وإلى البحث لا إلى التصور وإلى تقسيم الأعمال بين أهل الاشتغال من الرجال - كان العلماء يدركون بأن حاجتهم بعضهم إلى بعض ماسة كل المساس. إن أعمالهم ينبغي لها أن تكون متجهة إلى مركز واحد وأنهم كلما اتحدت وجهتهم نحو فكر واحد واشتركوا يداً واحدة في عمل واحد أصبحوا كأبناء الوطن الواحد الذين يسعون إلى إبلاغ بلادهم مبالغ الكمال. قام بيل الكاتب الفرنسوي (١٦٢٥ - ١٧٩٨) المبشر بدعوة الفيلسوف فولتير بالإصلاح والتجأ إلى هولاندة لأن ظلم لويس الرابع عشر جعل تلك المملكة الصغيرة أرض الأفكار الحرة وهناك اخذ بنشر كراسة عَلَى شكل مجلة تحت عنوان ينبئ بما ينطوي عليه من المعاني الحسان وهو أخبار جمهورية الآداب وهذه الجمهورية التي حد لها ولا تخوم ولا جرم تجل عن المصالح المادية والمطامع ومزاحمة الأمراء ومنها أخذت الإنسانية تدخل في طورها المعهود وعظمتها الفائقة ولكن ما الفائدة من تعارف العلماء واجتماعهم وأي خير يرجى إذا ألفوا من أفرادهم نخبة لا اتصال بينهم وبين عامة الأمة وجهلوا أحوال الأمة لأن كيانها عدن واجتماعها منحل العرى. جاء القرن الثامن عشر فامتزجت الفلسفة بالحياة وأصبحت تنطق بلسان الناس وتبدو بأشكال منوعة. فدخلت روحها في الراويات والقصص والوقائع التمثيلية والهزلية والمحاورات واستخدمت لغاياتها ما بدر عَلَى قلم الفيلسوف فولتير من قوارص الاستهزاء والتهكم ما انبعثت له قريحة الحكيم ديدرو وما تدفق من معين البلاغة عَلَى لسان جان جاك روسو. أخذت الفلسفة تحمل حملات عَلَى السلطة المطلقة وتدك معالم الأوهام وتفتح العيون لتريها سخف السخفاء وكانت تنظر إلى ذلك من قبل نظر الاستئناس لتكرره عَلَى النظر. وتنبه الأفكار التي أصيبت بها الناس في عاداتهم وأخلاقهم وتهزأ بمن لم ينطبع بطابع التسامح وبمن لا تشمئز نفسه من الظلم الفاضح وتبن مسافة الخلف الذي حدث بالتدريج بين هذه الأعمال البربرية والوجدان البشري ذلك عَلَى الرغم من أنصار التقليد والمحافظين عَلَى الأوهام الخيالات وهناك نشأت قوة جديدة وأعني قوة الرأي العام عَلَى أن هذا الرأي العام لا يزال مقصوراً عَلَى أرباب القصور وصادراً عن خاصة الناس وعلية القوم من أرباب الأموال والأملاك وقادة الأفكار من الفلاسفة وربات الأفكار من النساء وكلهم بما

стр. 5569

امتازوا به من ضروب التميز عَلَى غيرهم من عامة الشعب قد أحرزوا نعمة التميز والفكر. وقال من فصل آخر: وسعت الثورة الفرنسوية دائرة الإنسانية فأدخلت فيها الناس عَلَى اختلاف أجناسهم. عمت ولم تخصص وتوسعت في مراميها ومعانيها وراحت تعامل جماع الخلق مطبقة ما ورد في فلسفة أرسطو من تعريف الإنسان أنه حيوان عاقل قائلة بأنه إذا كان ذلك فلا يتأتى إبعاده من حيز العقل كما لا يتيسر طرده من الإنسانية. فالتعليم حق لا يفادي به المرء إلا إذا فادى بنفسه. لقد قرأت في قاعدة تمثال السياسي دانتون هذه الكلمة: التعليم أول ما تحتاجه الأمة بعد الخبز الذي تأكله وكلنا يعلم أن الديمقراطية نشأت من المعاكسات والمناهضات والمقاومات ولا تزال تسلك سبل النجاح والارتقاء. لا غنية للديمقراطية عن خيرة رجال كما لا يسعها أن تقدر الذكاء والعلم والفضيلة حق قدرها ولا مشاحة في أن الديمقراطية تأتي عَلَى الحواجز التي كانت تحول بين الطبقة العالية وجمهور الأمة فتدكها من أساسها ذلك لأن المجتمع يختار كبار الرجال من جمهور أهل البلاد ممن ينشؤن أبداً بين ظهراني عامة الناس. لا يزالون ينمون ويتحدون بما يصدر إليهم من حوض القوة والنشاط وأعني بهذا الحوض البلاد فإذا اعتزل هؤلاء الرجال واقتصروا عَلَى الاجتماع بأبناء طبقتهم محتقرين ما عداها فإنهم يقضون عَلَى أنفسهم بالضعف وعلى أمرهم بالفشل. ليس الشعب هو الجمهور بل هو الأمة وهو الحاكم المتحكم. والفكر لا يكون إلا مجردات ونظريات إذا لم يكن له كيان وحقيقة تؤثر في عقول أبناء الأمة وإرادتهم. وعلى الطبقة الخاصة من الناس وهي في الأصل ممتزجة بجهلاء الأمة وأهل الوضاعة منهم أن يكون لها اتصال بالشعب وعليها أن تعمل عَلَى إقناعه لتنال ثقته. تتصل به وتشركه في معرفة لحقيقة السامية التي تخضع لناموسها الإرادات المختارة. ولى مجموع يتألف منهم المجتمع الديمقراطي أن يشتركوا في الحياة الوطنية. مطالب الوطن بأن مطالب التمدن هي هي أعز مصالحنا التي نرمي إلى نيلها وتستلزم هذه المطالب أن لا يكون حث الأمة في التعليم من الشرائع المنسوخة فقد فرضنا آنفاً من باب التجوز أن كل امرئ هو شخص في ذاته وأن كل حي خلق عَلَى صورة البشر هو إنسان وقسمنا بينهم السلطة التي كانت في القديم محصورة في يد فرد واحد فعلينا أن لا نحجم فيما

стр. 5570

ندعو إليه وقد أوشكنا أن نفلح فيه إلا وأنه يجب إذا أرنا أن تتفق الأخلاق مع الأوضاع ولا تناقض الحقيقة مبادئ الوطنية الرئيسة أن يقدر كل فرد عَلَى القيام بالواجبات الناشئة من الحقوق التي له ومن الضروري أن يكون الإنسان خلقاً يعقل لأنا فرضنا له ذلك وبنينا قواعد كلامنا عليه. تعليم عامة الأمة هو من النتائج المعقولة في إشراكها بانتخابات ينبغي أن يكون للأمة من العقل ما تتقي به غوائل التفرق واختلاف الآراء. أن يكون لها من معدات التعليم ما تحسن معه أن تسير في الخطة المثلى وتجري مع مهيع السداد وهذا لا يصح لها إلا إذا أحرز أفرادها نصيباً من الذكاء والنظر في العواقب وثبات الجنان. الديمقراطية لا تغفل عن تعليم الأمة إلا إذا أوكلت أمرها لجماعة من المتوحشين من أجل هذا ضاعفت الجمهورية الفرنسية عدد المدارس والكتاتيب ودور المعلمين والصنائع. من أجل هذا عرف العلماء والفلاسفة ما يجب عليهم القيام به من خدمة البشر فاهتموا من وراء الغاية بكشف القناع عن محيا الحقيقة ورأوا من أقدس فروضهم أن يسعوا السعي الحثيث إلى بثها في عقول الأمة صغيرها وكبيرها. ومن أجل هذا نريد أن نجعل للعقول حظاً من إدراك القوانين الضرورية وأن يتناغى الأفراد في بلوغ أسمى الماطالب والأمة تصير إلى انحطاط إذا نزعت منها هذه الفكرة. فيتألف من ذلك المجموع أمة تعضدها إرادتها في اختيار أحسن الأمور وتوقن أن العلم يهيئ وحده حقيقة ما ينبغي وما يجب أن يكون. ومن أرباب الأفكار من يذهبون إلى أن فرنسا أخطأت القصد في ثورتها فكان عليها أن تنير عقول العامة قبل أن تسعى إلى تحريرهم من رق السياسة وأنها بعملها هذا قد حلت عرى الصلة التي كانت بين الخاصة والعامة وأصبح قبول الفصل للأكثرية الجاهلة لا الأقلية العاقلة وأن فرنسا بدأت من النهاية وهي طريقة غريبة في العمل ويقولون أننا أسأنا بتأسيس أوضاعنا عَلَى الأماني الواهين باستنادنا عَلَى العامة والغوغاء من مجموع الأمة وأخطأنا أن بنينا عَلَى خيوط العناكب هذا الشبح من هذيان الفلسفة. فلسفة المساواة بين أبناء الوطن الواحد وأسلمنا المجتمع والتمدن إلى من. إلى الرجل الفطري الذي بين أيدينا. إلى العالمي الذي يطوف الشوارع. إلى حيوان شرير مفترس فاسق. عَلَى أنني أرى عَلَى الرغم مما يقولون أولئك المتفلسفون أن من الأمور ما ينبغي أن يبدأ من غاياته وهكذا

стр. 5571

يشرع في الأعمال العظيمة كلها. فالشاعر لا ينظم قصيدة من أبيات ملتحم آخرها بأولها. والمصور يرسم التقاطيع أولاً. والصانع يرى بادئ بدءٍ ما يريد صنعه دفعة واحدة فيتصوره في مجموعه ويحصر فيه ذهنه. وهذا الباعث الداخلي هو الذي يحمله عَلَى أن يفادي بصرف عمره كله ليحكم صناعته ويشرك الناس فيما وقع في نفسه أنه جميل نافع فالفكر يخترع صوراً جديدة من الخير ليحققها ليجدر بالأمم كلها كما يجدر بالأفراد أن يجعلوا نصب أعينهم في حياتهم واجباً كبيراً لا يغفلونه. وليت شعري هل كان أرباب الإصلاح منا يحظون بالجل الرشيد لو قعدوا ويتوقعون طلعته وهل كانوا يفوزون من عملهم بطائل ويقوم بيننا داعي الحضارة ينادي حي عَلَى الفلاح. إلا أن تعليم الأمة من أعز مصالحنا لأن فيه السلامة العامة. عَلَى أني لا آسف إذا كانت المصلحة طوعاً أو كرهاً من جانب العدل والحقيقة. ولكن دعونا من التلميح فالأمور لا تسير يدون مسير وتعليمنا لا تقوم له قائمة بما تصدره نظائرنا من المنشورات وما يلقيه لعضهم من الخطب وما يصرح به آخرون - كل هذه لا تعفينا من الاعتماد والسعي في إصلاح الحال والاعتماد عَلَى أنفسنا لإصلاح المآل. لا نقعدن ونحن نتوقعه أن تجري الأمور من نفسها عَلَى محو السداد فلن يقع إلا ما نحسن إرادته ومصيرنا بيدنا وسعادتنا مناط همتنا. فعلى كل فرد منا أن تكون له إرادة ثابتة كما أن يكون كما يحق له وكما يجب أن يكون عليه. عَلَى الرجل الحر أن يتعلم ويتيقظ كل التيقظ لما فيه عظمته التي هو ضمن حارس لها وأن يثق كل الثقة أن ليس في الأعمال ما هو وضيع في ذاته وأن العظائم في هذه الدنيا هي مجموع ثمرة أعمال كثيرة فإذا عمل المرءُ لنفسه فنتيجة عمله عائدة عليه وعلى الناس أجمعين. وقال في معنى المدارس الحرة أي اللادينية ما نصه: الحنق والغضب أيها الأساتذة هو من العواطف التي لا يليق أن تسري إلى قلوبكم لأنها منافية للمهمة التي عهدت إليكم من إنارة العقول وتربية الملكات. فالمدرسة ولا أزيدكم علماً ليست لشيعة مخصوصة ولا لأهل حزب معين بل هي للأمة بمجموعها ولذلك لا ينطبق مع مصلحتها أن تكون خطتها إلقاء بذور الكراهة والتناكر لأن لأبناء البلاد عَلَى اختلاف

стр. 5572

أصولهم وأديانهم الحق أن يتبسطوا في بقاعها ورباعها وعليهم حقوق يقضونها عَلَى حد سواء. وإني لأغتبط كلمت رأيت بأن عَلَى الأستاذ ألا يدرك قواعد الأوهام والخرافات إلا بإقامة ما يخلفها من الحقائق السامية وكلما رأيته مضطراً بحكم الضرورة إلى تجنب كل مشاغبة واعتراض وأن يلقي في الأذهان ما ثبت ووقع موقع الحسن ولم يقبل النقض من حقائق العلم ولا ينكر إلا ما لا يسعنا الاعتقاد به عن إيمان وإخلاص. المدرسة الحرة التي لا تمس فيها الشعائر والعواطف ليست مما تجعل التعليم مشوشاً لا قيمة له ولا تأثير وتسلب المعلم الجرأة التي تعينه عَلَى القيام بعمله الشاق. وما معنى المدرسة الحرة الذي أقصده إلا أنها لا تنكر عَلَى معتقد اعتقاده ولا تحمل عَلَى الوجدانات وتنزع إلى ما دخل أعماق القلوب. المدرسة الحرة هي التي تهتم من وراء الغاية بمناهضة الأوهام كما تعنى بإقامة دعائم الحق بمعنى أنها تبذل جهدها فيما يجمع العقول في ظل مشرب واحد لا يوزعها ولا يهزعها. المدرسة الحرة هي التي إذا ناهضت الكاذب في كذبه والكافر في كفره والمتعصب في تعصبه فمناهضتها بأن توحي إلى القلوب حقائق أدبية لا يجسر امرؤ أن يجادل في صحتها جهاراً. ليست المدرسة سلاحاً تستخدم للحرب ولا أداة تستعمل للغلبة بين الأحزاب. وليست المدرسة الحرة من الأوضاع الصناعية العارضة بل أرى لها في الماضي أصولاً تشعبت منها وقواعد قامت عليها. إن لها من التاريخ أثراً وحكمة وهي موافقة لما تم للعلم من الارتقاء وما نشأ عليه الوجدان البشري. قام العلم المجرد منذ القرن السادس عشر مقام علم اللاهوت بفضل المذاهب الفلسفية العملية ووضعها موضع التطبيق. قام العلم المجرد يحقق نفسه ويزكيها بما عظم من أمره واتسعت به سلطته التي أمديها الإنسان وسلطة فيها عَلَى الوجود. لم تقم قط الوحدة الوطنية منذ ثار ثائر الثورة الفرنسية عَلَى وحدة الدين والمذهب. وهذا ما دعا إلى أن يكون في المجتمع المدني مبادئ تخوله البقاء والنهوض. وهكذا يرجع الحق الديني القديم القهقرى عَلَى التدريج أمام الحق البشري. وينبعث من ذلك بالتدريج فكر جديد بأن يكتفي المجتمع بما لديه من المقومات والمشخصات. وأنه بما ينشأ في وسطه من الأوضاع البشرية ثمين فقي

стр. 5573

ذاته غني باسمه وصفاته ويورث الناس قوة تبعثهم عَلَى ورود موارد الكمال. وأم لهم مهما كانت أديانهم وفلسفتهم ومزاعمهم عن العالم الثاني من المجتمع الذي يوليهم الذكاء والإرادة ما يرتفعون به إلى الإنسانية الحقيقية. والمجتمع في مكنته بل هو مضطر إلى أن يهب أعضاؤه المؤلف منهم تربية فيها جميع المواد اللازمة والحاجات المبرمة والغايات السامية. يتعذر عَلَى المدرسة الآن أن تتصبغ بصبغة الدين لأن العلم والمجتمع قد نزعا عنهما تلك الصبغة ولأن المرء أصبح له مجموعة أفكار بشأن العالم والحياة هو كان أصلاً لها وعنه انبعثت وصدرت لأن الأديان التي يزعم كل منها أن الله أوحى لها بالحقيقة المطلقة وعهد إليها بالدعوة إلى انتحالها. هذه الأفكار التي أتت من الإنسان نفسه هي التي بها تتحد الإرادات في الناس عَلَى قدر القرائح والعقول. إنا ندعو في مدرستنا الحرة إلى تحرير العقول من التشيع للمذاهب وندفع فيها التأثيرات التي لا يقول فيها العلم. نريد في هذه المدرسة أنه لا بقاء للمجتمع إلا إذا عمل بسنة العقل وتأثر بالمؤثرات الدنيوية فالعقل يعرب في كل وجدان عن نتيجة العمل الإنساني الجليل الذي يبني الفكر عَلَى أسلوبه ومباديه. وقال في المدرسة الحرة ما تعريب: أعيذك من اتخاذ الوطن موطناً للبغضاء والشخناء ومن جعل اسمه مردفاً للحرب والفتن الشعواء. علم يا هذا الأمم الكبرى الحديثة بأنها متضامنة لا غنية لإحداها عن الأخرى وأن مصالح كبار أهل الوطن الواحد متحدة فيهم يبطلون الحروب ويتوصلون إلى كبح جماح الأمم وحظر الانتقام عليها ويصنعون لها ما يجب عليها من أسباب التحكيم في مسائل الخلاف ويجيبون إلى نفوسها الإحسان والسلام إذا كنت تريد يا هذا أن تجنب بلادك إلى الناس فإياك أن تعمد إلى قلوب الناشئة الموكل إليك تهذيبهم فتغرس فيها ما يعبث بوجداناتهم بل حاول أن تطهر قلوبهم وتعرضها كما ينبغي لنا أن نراها. علم الناشئة واغرس في نفوسهم ملكة الشعور بعظمة أمنيتهم الحقيقية. اكشف لهم حجاب الماضي واعرض عَلَى أنظارهم تاريخهم ولا تنس أن تطلعهم عَلَى حاضرهم وترشدهم إلى مستقبلهم. علمهم ما يقوي إرادتهم في طلب العدل وثقتهم في الحق ولقنهم ما يستطيعون معه أن يفادوا بنفوسهم ليهيؤا مدنية أفضل من المدنية الحاضرة.

стр. 5574

ثق بأن الناس لا يتوقفون عن ورود مواد الردى مدفوعين بتوهم الكمال إذا عرفت كيف تلقي في نفوسهم أن هذا الكما لهو مادة حياتهم وبدونه لا تقوم لهم قائمة فإن صح أن هاذ التناهي في الكمال مناف للشدة وإزهاق الأرواح وجميع ضروب القتل ولا يكون إلا بتوطيد دعائم السلم بين الأمم فلا تطلب إلى ما تريد صلاحهم أن يتطاولوا فقط إلى الدفع عن حياتهم وحبها والإدلال بقدرها بل سهل في نظرهم بذل مبهجهم في سبيل حرب الوحدة وأعني بها حرب المطالبة بحقوقنا والحرب فقي الدفاع عن استقلال أمتنا. أنشئت المدارس لتخريج جميع من يخرجون فيها أحراراً وطنيين. فوظيفتكم أيها المعلمون أن تعلمون أولاد الأمة. ومن المتعذر عليكم أن لا تخلفوا بمطالبها المشروعة أو أن تعاكسوها في مقاصدها عَلَى حين أنكم تعرفون حاجاتها وآلامها نعم أنتم معلمون وظيفتكم قد هدتكم إلى ما لا يعرفه غيركم أو يعرفه وينساه. استفدتم من تجاربكم اليومية ما مكنكم من الوقوف عَلَى حالة الطبيعة البشرية وأن هذه الطبيعة وكثيراً ما نخطئ محجة الصواب وأنها في ذاتها ليست صالحة وأنه ينبغي لها أن تخضع فينا كلنا لنظام العقل والإرادة. تحظر عليكم مهمتكم أيها السادة أمراً واحداً وهو أنه لا تيسير لكم أن تعتقدوا بأنه يكفي انتظار الجنة أو الحلم بها. أنتم عارفون بأنه لا يكفي تغيير الأوضاع السياسية لتبديل الناس تبديلها وأن ضمن طرق في تربية المجتمعات أن تربي الأفراد الذين تتألف منهم العناصر التي هم في الحقيقة سداها ولحمتها. فسياستكم في تعليم الأولاد أن تعرفوهم قدر الكد والعمل وأن صلاح المجتمع بصلاحهم أنفسهم. إذا فعلتم ذلك تبدؤون بتحرير الأمة عَلَى ما ينبغي من قيودها وإذا حررتموها بقدر ما في وسعكم من عبودياتها الباطنية فإنكم تعدون المجتمع المقبل بعملكم هذا لأن يكون فيه رجال أكفاء أحرياء بتولي الأعمال والعيش في المجتمع. يتهكم خصوم المدرسة الحرة بأن مدرستكم أداة حرب يقصد بها حرب الكنيسة وأنها مخالفة لروح السلطة الروحية. ولكن فاتهم أن التعليم العلمي العلماوي هو نقيض التعليم الديني وأن من شأن المدرسة الحرة أن تبتعد عن إشهار الحرب بين العقول وأن تعمل عَلَى ربط أواخي الإخاء والسلام المتبادل بين العالمين. قال إدغار كيني سنة ١٨٤٩ في كتابه تعليم الأمة: طالما ذهبت إلى أن المجتمع الحديث قائم عَلَى مبدأ لا يستطيع القيام به غيره. وعلى هذا المبدأ قام حقه المطلق في تعليم العلوم

стр. 5575

المدنية. أساس هذا المجتمع الذي يربط بين أجزاءه ويمنعه من السقوط هو أن فيه نقطة لا يمكن تعليمها بمثل السلطة التي اتخذتها لنفسها إحدى الأديان الرسمية. هذا المجتمع يقوم عَلَى مبدأ حب أهل الوطن الواحد بعضهم بعضاً بقطع النظر عن معتقداتهم. فمن الذي يا ترى يتولى نشر هذا المذهب الذي هو في الحقيقة مادة العلم الحديث وهيولاه؟ يتولاه بالفعل لا بالقول. من يعلم الكاثوليكي أن يكون أخا اليهودي؟ هل يعلم ذلك وهو الذي من أصول دينه أن يلعن اليهودي؟ من يعلم البرتستانتي حب البابوي؟ ألوثيروس صاحب الذهب البرتستانتي؟ أم البابا إمام الأحبار. ومع هذا ينبغي أن يجتمع أهل الأديان الأربعة الذين اعتادوا أن يتبادلوا كره بعضهم بعضاً تحت لواء واحد يضم شملهم الحب المشترك؟ من يأتي بهذه الآية؟ ومن يجمع هؤلاء الأعداء الألداء؟ لا شك أنه لا يجمعهم إلا مبدأ واحد سام عام. يجمعهم مبدأ ليس لأهل بيعة خاصة. هذا هو أساس التعليم الحر اهـ. هذا الكلام عَلَى شده فيه مسلم به كله إذ أن وظيفة المدرسة تنقل تجارب الإنسانية في الأدب تنقل هذا الإرث المشترك في الحقائق المنشودة التي يهم أن يشترك فيها الناس أجمعون. يتيسر جمع الناس تحت لواء الحقائق الكبرى فمن العقل أن يتعلم أولاد الأمة الواحدة أن يتكلموا لغة أخلاقية مشتركة ويفزغوا إلى مبادئها ليتخذوها قاعدة تجري عليها أفكارهم وأعمالهم. يقولون أن من غرض المدرسة الحرة أن تدك قواعد البيعة الكاثوليكية التي تزعم أن لها عَلَى المجتمعات البشرية حق السيطرة الروحية ممنوحة لها من الخالق تعالى. ولبكن مما توصف به القرون الحديثة منذ عهد الإصلاح إلى عهد الثورة الفرنسية التي لم تنته من عملها إلى اليوم أن تكون البلاد بجميعه ما فيها من الأعمال آخذة تنصبغ بصبغة دنيوية. ليست المدرسة الحرة العامية من العوارض التي نشأت في المجتمع من ذاتها بل هي نتيجة حوادث ماضية وهي من لوازم المجتمع في فصل الشؤون الدينية عن الدنيوية. فالمدرسة الحرة ليست بهذا النظر عدوة الأديان الصحيحة بل تجهلها وترى أن في مكنتها أن تربي أبناءها عَلَى يدها وحدها. جاء زنة كانت فيه العادات والأخلاق بل الحق برمته مرتبطة بالدين فكان من الكنيسة أن توسعت في سلطتها الروحية بدون رقيب. من يقصر حقه عَلَى الظلم يضطهده والظلم

стр. 5576

يقضي بأن تكون القوة تحت أمره ويدير دفة الشؤون الدنيوية ويقمع العصاة ولكن المجتمع المدني بعد أن قاسى كثيراً من الظلم قد تخلص منه ورأى أن يحسن القيام بإدارة نفسه بنفسه. وتاريخ الفرنسويين لو نظرنا فيه مناف للكهنوتية ولطالما حاول أجدادنا أن ينزعوا ربقة الخضوع للكنيسة. فصل الكنائس عن الحكومات بعقبه جعل المدارس حرة هو تنفيذ لمبدأ واحد هو لا يترجم بالفعل إلا عما هو مغروس في طبائعنا وقوانيننا وأفكارنا وأعني بذلك فصل الحياة السياسية عن الحياة الدينية وأن تقول في ذلك الخصوم ما تقولوا. إلا أننا لقوم لا نريد الانحناء عَلَى الأديان ونزعها من النفوس ليدين الناس بالعدم بل نريد أن لا تكون عَلَى أعمالنا وعمالنا وحكومتنا ومجتمعنا مسحة دينية. نريد أن يكون الدين كما هو حقيقة. نريد أن تفي عنه ما ليس له. نروم أن يكون الدين لله وللمرء بينه وبينه نفسه لا علاقة بينه وبين الحكومة ونحن بعملنا هذا لا نشهر حرباً بل نلقي سلاماً. وقال أيضاً في المدرسة الحرة: أيها السادة: إننا لم نتخلص من سلطة الكنيسة لنبدلها بظلم طائفة الموظفين المنافقين. نحن لا نقول بالإلحاد الرسمي ولا ندعو إلى الاعتقاد بالدين بحجة شرعية وضمان الحكومة. فالإلحاد الرسمي هو أبشع مظاهر التعصب وعدم التسامح. إن الحكومات الجديدة تقصد إلى إلباس العامية التدريجية فلا علاقة للقانون أصلاً بالمذاهب والنحل بل إن له من الأوضاع البشرية ضماناً ومن المصلحة العامة ما يقوم عَلَى أساسه. فليس الزواج سراً من الأسرار الدينية بل هو عقد مدني وليس الملك كما قيل تعضده قوة سماوية ويسمح المسحة المقدسة ويستمد حقه الإلهي من السموات العلي بل هو من الشعب وهو ممثل إرادة مجموع الأمة. وسوف يكون بعد الآن كل ما هو ديني لا علاقة له بالاجتماع: الدين من خصوصيات النفس لا اتصال له بالوجدان الشخصي. ألقت اختلافاتنا الدينية بيننا العداوة والبغضاء فانقسمنا بها عَلَى أنفسنا ولا يتأتي أن يحف السلام أرضنا والائتلاف ديارنا ولا أن يكون لنا منها أدب مشترك. لا يسوغ ن تكون المدرسة العامة إلا كما تكون الحكومة مصبوغة بغير الصبغة الدينية فإذا استوفت هذا الشرط وجحده تصبح ما يجب أن تكون وتقوم بما هو دعامتها ومادة حياتها. إن جمهوريتنا

стр. 5577

لا تبحث عن مبدأ وحدتها في التعليم الديني بل هي تعن باستقلالها عن كلب سلطة روحية وترى أن لها من نفسها ما يرفع بنيانها وأن لها من مراميها الخاصة جميع ما هو قوام حياتها وبقائها. وفي وسع جمهوريتنا أيها السادة أن تنفح أبنائها كلهم تربية أساسها ما يجمع شملهم لا ما يشتت جامعتهم. وبدون الاتحاد في الأفكار والمقاصد لا سيكون المجتمع الإنساني إلا موطن مكره وتشتيت حقيقي. وبدون التربية المشتركة والتعليم الأخلاقي العامي لا وطن ولا جامعة. فالتربية الوطنية ي الحكومات التي تدعي أنها تملك رقاب الناس بحق سماوي هي من توابع التربية الدينية. ووجود القس فيها ضروري ليدعو إلى الطاعة العمياء ويؤله الشخص الحاكم الذي يحكم المملكة بأسرها. أما الديمقراطية فلا تخرج عن حدودها ولا تخضع المرء إلى إرادة عرفية بل تطلب إلى أفرادها أن يخضعوا للقانون ليس هو إلا ما يرضي الجميع عَلَى شروط تضمن فيه السلام والبقاء. ترى الجمهورية أن تقبض عَلَى عنان التربية. ولكن أي تربية وماذا يكون نوعها وكيف يلتئم هذا النوع من التربية مع احترام الحرية والوجدان الشخصي. إننا نحصر أنفسنا في أمور تافهة ونقتصر عَلَى تعداد الواجبات بدون أن نعد لها أسبابها فيتعلم أولادنا هذه القواعد المزوقة المتسلسلة بدون أن يفهمها فالطفل يتعلمها ولكنه لا يفهمها. إن كنتم أيها الأساتذة تريدون أن تعدوا أفكار حرية قوية فعليكم أن تخففوا من الإكثار عَلَى الذاكرة وتستعيضوا عن ذلك بتمرين العقل. ينبغي لكم إذا رغبتم في أن تجعلوا التعليم الأخلاقي تربية للضمائر أن تقوموا مع من عهد إليكم أمرها من الأطفال بما يتجلي لأعينهم معه الق وتذكروا لهم قواعد التربية عَلَى اختلاف ضروبها هي نتائج مبدأ يفهمه الفكر وترضية الإرادة ويحييه الشعور. وبهذه الشروط فقد تصبح الحقائق التي تعلمونا حقيقة حية مرتبطة بأعمال الفكر الذي يوليها عَلَى الدوام ما يكشف القناع عنها ويظهرها في مظهر الحق كلما جد تطبيقها. وما دمت يا هذا تعدد الواجبات العامة وتأمر بالنظافة والاعتدال والشجاعة فالعالم يوافقونك عَلَى ما تقول ومتى حاولت أن ترجع هذه الأمور إلى مبدأ عام وصرحت بفكر عام في الحياة وقيمتها ومعناها فهناك تختلف الأفكار وتتعارض.

стр. 5578

لا تعملوا عَلَى ما فيه هضم حقوق الوجدانات واستعبادها بل تلقونها اعتقادات لا تحلم النفوس أن تدافع عنها بحجة أنكم تريدون أن تعدوا عقولاً حرة ذات كفؤ للعمل. الحكومة الجمهورية لها الحق في البقاؤ بل يجب عليها أن تحرص عليه وتحتاط لنفسها وتدافع عن حوزتها. فهي قائمة عَلَى محض احترام الحريات المتبادلة ومن حقها بل من واجبها أن تعد جيلاً من الناس يكون منه ضمان بقائها وارتقاء قوانينها. يعتقد بعضهم في جمهوريتنا بأنها جعلت للفرد مكياناً فراح يتخيل إليه بأنه عنصر من المجتمع لا يقوم بغيره. نعم إن أفراد جمهورية حرة لا يتأتى إلا أن يكونوا رجالاً فيحب أن يكون لهم من أنفسهم ما يعلي مقامهم في عيونهم وما يرفع من دركات البهيمية لتكون لهم إرادة وحرية فيفهمون معاني الاعتدال والحكمة والمفاسد والخرافات. فالمرء إذا انقسم عَلَى نفسه واستعبد لشهواته لا يكون إلا متعدداً مشتتاً له علاقة بكل شيء إلا نفسه. وأول ما يفرض عَلَى الإنسان أن يجعل لنفسه كياناً في أفكاره وأعماله ومضاء نفسه. لا يعد الإنسان إنساناً إلا بين الناس وكل ما يحرره من عبوديته القديمة ويعلي مقامه عن دركات البهيمية ويصفه بالأوصاف الجميلة ويحدد له عمله (سواء كان بالعلم أو بالصنائع أو بالأخلاق) ينشأ من مساعدة الأفكار بعضها لبعض ومن مشاركة الإرادات والمقاصد. أنا لست إنساناً حقيقياً إلا إذا ارتضيت بقانونه الاشتراك والتضامن بحيث أكون مديناً للمجتمع ومساعداً لجميع أخواني فغي البشرية ولهم علي من الحقوق مثل مالي عليهم اهـ. هذه شذرات من هذا الكتاب النافع ولو اتسع لنا المجال أكثر من الآن لاقتبسنا منه فوائد كثيرة وهو كلمة عَلَى سق واحد ولا حشو فيه ولا لغو فمن فصوله الممتعة الفصل الذي عنوانه تعاون الأفكار وكليات الشعب وفصل التعليم العالي عند الشعب وفصل التربية والثورة أو الانقلاب وفصل قصر الشعب وفصل كلية الشعب وأعمال العملة وكليات الشعب وفلسفة الشعب والتعليم الثانوي والفلسفة وغير ذلك من الممتع الرائق فيا حبذا لو صحت عزائم من يحسنون التعريب عن اللغات الإفرنجية إلى ترجمة مثل هذه الأسفار النافعة باللغة العربية فيبثوا فيها روحاً عالية جديدة وذلك أفيد للناس من مشاغب السياسة والأحزاب لأنه هو الأساس ولا بناء بدون أُس قوي.

стр. 5579

أخبار وأفكار حفظ المكاتب يحسن أصحاب المكاتب صنعاً إذا أرادوا بقاء كتبهم سالمة أن يقوموا باحتياطات الآتية: يقون أولاً استعمال الخزائن ذات الزجاج ما عاد بعض الكتب الثمينة جداً التي تنفض عَلَى الدوام وذلك لأن الهواء لا يتخللها ويبقى جوها محصوراً مما يساعد الحشرات الضارة كالأرضة عَلَى الإضرار بها وتكون مستوبلاً للعفن والجراثيم. ثم أنه يجدر وضع وراء الكتب بعض قطع من الجوخ أو الصوف مغموسة بروح صمغ البطم التربنتين والبنزين وحامض الفنيك أو عصير التبغ بحسب ما يتيسر للإنسان. وهذا الاحتياط إذا جدد من حين إلى آخر يعطي نتائج حسنة. أوائل المعادن نشرت المجلة الأسبوعية مقالة في أول استعمال للمعادن قالت فيه ما ترجمته: يجب الرجوع إلى ما قبل التاريخ أيام استخرج الإنسان من الحجر والقرن والعظام مواد صناعته واكتشف اكتشافاً رنَّ في العالم صداه ونعني به المعادن فكان باكتشافه إياها كأنه ظفر بالطبيعة واتجهت أعمال البشر بعد إلى وجهة لا تزال إلى اليوم تتكاثر فوائدها فقد بدأ عصر المعادن حوالي نحو العشرين قرناً من الميلاد ولا تبرح سلسلته آخذة بالتسلسل حتى يأتي العلم عَلَى تسجيل موارد الأرض. فيطلق الكيماويون اسم معدن عَلَى جسم بسيط قابل للتأكسد إذا أصابه الأوكسجين ويرى الاقتصاديون في المعدن أداة نقدية غلاؤها ناشئ من ندرتها ويرى أرباب الصنائع الاختراعات المتنوعة التي ظهرت من مادة مختلفة كان حسن استعمالاتها عَلَى الدوام أن تكثر الغنى وتدمث العناصر وتستخدمها. كان الذهب أول معدن استعمل في حين أن الفضة عَلَى كثرتها في أيامنا لم تستخدم إلا مؤخراً وآخر معدن اكتشف هو الراديوم وبين المعدن الأول والمعدن الأخير زهاء خمسة وخمسين معدناً منوعاً دخلت في الاستعمال وأصبحت مساعدة عَلَى المدنية عَلَى اختلاف الأعصار. إننا إذا أردنا الوقوف عَلَى تاريخ المعادن مدققاً يجب علينا الرجوع إلى العهد الذي كان الناس يعملون من الحجر سلاحهم وهذا لا يقل عن خمسة آلاف سنة وبفضل بحث العلماء

стр. 5580

تبين أن الذهب كان يستعمله القدماء إذ وجد في مقابرهم مطرقاً عَلَى صورة حلي وبالنزر لندرة الذهب في الجملة لم يدخل في استعمال الأدوات العادية بل اقتصروا عَلَى جعله صلة بين العصرين العظيمين العصر الحجري الذي انقضى والعصر النحاسي (البرونزي) الذي أدى الإنسان إلى اكتشاف الحديد أي إلى أبواب الأزمان التاريخية. ثم ظهر النحاس وعم استعماله في أشياء كثيرة ولكنه قليل البقاء فقد اعترف مطرقوه بادئ بدء بينه فمزجوه بغيره ليقوى فخلطوه بالزرنيخ والأنتيمون أولاً ثم بالقصدير. عَلَى أن ظهور المعادن في العمل يوافق بحسب ما يظهر أول عهد عدنت فيه المعادن وليس الأمر كذلك لأن المناجم سابقة ذاك الحادث المهم فإن البشر مذ عرفوا يصقلون الحجر قبل أن يعرفوا المعادن بأزمان بحثوا في الأرض وكان من المعدنين الأولين أن استثمروا أولاً حجر الصوان فكانوا يحفرون الآبار والدهاليز برؤوس الأيائل ليستخرجوا منها المعادن وكان من الحركات الجيولوجية التي ساعدت عَلَى تأليف الكرة الأرضية غنية برؤوس عروق المعادن فظهرت عَلَى سطحا وأخذت المياه الغزيرة الجارية إلى قرارة الأنهار تلقي عَلَى الضفاف أجزاء معدنية فلم يكن المعدنون بل الباحثون الذين حملوا إلى بوتقة الإنسان الأول المعادن الأصلية المخلوطة بالأتربة وغيرها. ومنذ ألوف من السنين جرى تعجين كثير من المعادن في طور سيناء بالشرق وفي كونرال في إنكلترا وفي مورييهان وإليه والبكرزو في فرنسا بلا كما جاء في كتاب علم الآثار قبل التاريخ أنه انتشرت من البحر المتوسط الشرقي معرفة مزج المعادن في بلاد الغرب بواسطة الطرق التجارية التي فتحت في العصر النحاسي وأحدث العصور قبل العصر الحجري الصنائع في أوربا الجنوبية وانتقلت تجارة المعادن من قبيلة إلى أخرى عَلَى شواطئ الأتلانتيك حتى بلغت الجزائر البريطانية وفي هذا أيضاً اكتشفت مناجم غزيرة نفق ما استخرج منها في أسواق الشمال والغرب بل والجنوب. وقد انتقل تطريق المعادن من الشرق إلى الغرب ودلت بعض الآثار التي وجدت مصورة في صورة تصفية بارزة من عهد الدولة الخامسة المصرية وبعض ما وجد من الأثقال الحديدية في سويسرا بأنه كان في ذاك العهد مقاييس قابلة للوزن وأن التجارة كانت تربط إذ ذاك جمعاً من البشر أو من الأجناس.

стр. 5581

المالوش قرأت أخيراً في مجلة المقتبس ما كتبه البحاثة اللغوي ساتسنا في العنجوس فازددت بفضله معرفة وبأبحاثه العديدة شغفاً منها بحثه في تلك الحشرة الفاتكة مما شف عن تفانيه في خدمة لغتنا العربية ونهضتنا الحديثة. وفي بحث العنجوس اللغوي حقه فوفر عَلَى طلاب الزراعة عناء تنقيب كثير ثم وصف خلق العنجوس جيداً وذكر بعض طرق إتلافه وما يتعلق من البحث بالزراعة العملية وجيزاً. لذلك أحببت تفصيل ما أجمل في ذلك ملماً بأطراف الموضوع، ذاكراً أصدق الوسائل المتخذة في ديار الغرب لمحاربة ذلك العدو ليعجب الزراع ويفيد البقاع إن شاء الله فأقول: المالوش أو العنجوس أو الشبث أو الكاروب أو ما يسمى في الشام بالحالوش حشرة من رتبة المستقيمات الأجنحة من جنس الجداجد (الصراصير) تسميه عامة الفرنسويين تارة بالحراثة وطوراً بسرطان الأرض وأخرى بالخلد الجدجد. واسمه العلمي الخلد الجدجد العام لأن يدي هذه الدويبة القبيحة عريضتان مفلطحتان قويتان جداً تشبهان دي الخلد ويقيم الخلد بالأراضي المزروعة ضيفاً كريماً ويفضل حدائق البقول والمغارس الشجرية والحقول الخفيفة التربة والأماكن الرملية الرطبة كالأباطح والمنخفضات فيحقر ليلاً سراديب سطحية عديدة يطول بعضها كثيراً ويسير عَلَى الدوام في تلك الدهاليز المحددة للأمام ولا يلوي عَلَى شيء فيمزق بفكيه الجذور الدرنية كالبطاطة والجزر والشمندر فتكون له تلك السراديب ميادين يطارد فيها مختلف الحشرات. أما المواضع التي خددها المالوش فتعرف باصفرارها وذبول نباتاتها. اختلف علماء الحشرات كثيراً في مأكول هاته الحشرة فقال بعضهم: أنها من آكلات النبات والحيوان معاً ومنهم المهندس العالم الزراعي غينو أحد مؤلفي دائرة المعارف الزراعية الكبرى. وقال آخرون: أنها من آكلات الحشرات فقط ولكنه قد يأكل بقايا النبات والحشرات المخلوطة وفرقة ذهبت إلى أنها لا تأكل سوى الحشرات والديدان منها الأستاذ بيكار فقد برهن عَلَى قوله بعدة تجارب ناطقة بفساد مذاهب الآخرين وقد امتحنت هذه الحشرة في عطلتي الصيفية الحاضرة بأن وضعت مالوشين في إناء وتركتهما في الجوع الشديد ثلاثة

стр. 5582

أيام مع النبات الأخضر ثم بعد ذلك فحصت النبات فإذا هو كما وضعته لم يتغير ثم أتيت للمالوش الكبير ببعض ديدان التفاح فكان يلتهمها بنهم وسرعة. كذلك اختلف علماء الحشرات والزراعة في ضرر المالوش ونفعه والمذهب المعتدل أن العناجيس نافعة في الأرض المزروعة حبوباً لا يأكلها الديدان والحشرات الضارة وعد إضرارها بالحبوب ضرراً يذكر ولكنها ضارة جداً فيما إذا كانت كثيرة في بساتين الخضر فقد تتلف الزرع برمته إذا كانت قليلة في الأرض فتستوي كفة نفعها مع كفة ضررها ثم لنفرض أنها مفقودة فإن الدويبات الضارة التي كانت تلتهمها في وجودها تتسلط عَلَى النباتات في غيابها ولربما كان مما تفترس ما هو أضر في بعض البلاد منها فتنتفع الأراضي كثيراً ولما كانت بلادنا العربية لم تعتد بعد محاربة هذه الحشرات الفتاكة اعتيادها الحروب الدينية التي أخرتنا قروناً كثيرة. باضت الحشرات لا تبالي، وفرخت خالية الهم والبال حتى صارت من ألد أعداء الفلاحة الشرقية وأكبر مصائب الزارعين ولذلك وجب علي أن أشرح أصدق الحيل المتخذة في ديار الغرب لإتلافها وهي: ١ً - أن تسقي الأرض قليلاً لإخراج الحشرات منها عند الهجيرة لأن هذه المواليش تعشق الماء والرطوبة ومتى صارت عَلَى سطح الأرض سهل التقاطها وإهلاكها وقد ذكر لي رفيقي في درس الزراعة هاشم أفندي البهلوان المعري من أبناء طرابلس الشام أن فلاحي القرى الطرابلسية كالمنية وغيرها يتخذون هذه الطريقة في قتل المواليش. ٢ً - أن تصب في ثقوب سراديب المواليش الخارجية بعض السوائل الخاصة كالزيت وكبريت الفحم أو مستحلب البترول والصابون وتستحضر المستحلب بأخذ ٤٠ جزءاً من البترول وجزءٍ من الصابون و٢٠ جزءاً من الماء والصابون يقطع قطعاً صغيرة ويغلى في الماء حتى يذوب فيرفع عن النار ويزاد عليه البترول ويحرك جيداً وهو سحن حتى يختلط البترول بمذوب الصابون وعند الاستعمال يمزج الرطل بعشرة أرطال ماء ويصب في ثقوب المواليش ويعد هذا المستحلب من قاتلات الحشرات بأنواعها فليستعمل لضربة الليمون برش الأشجار بالمضخة. ٣ً - يهلكون كل سنة في الأراضي الرملية حوالي برلين أكثر من مئة ألف من هذه المخربات وذلك أنهم يملئون قصريات (شقفات الفخار للزهور) ماء يصبون عليه أربعين

стр. 5583

نقطة من زيت النفط (خلاصة التمر تينا) ويدفنون هذه القصريات في عمق خمسة سنتيمترات في الأرض فتتباهت المواليش لتموت في مائها غرقاً وقد ذكر هذه الطريقة الألمانية الأستاذ لاربالترية مدير دار الاستحضار الزراعية في مقاطعة الألب المنخفضة وأحد أساتذة مدرستنا. ٤ً - أما في الأراضي المزروعة تبغاً (توتون) فقد ظفر المفتش الزراعي العثماني في ولاية آيدين بطريقة نجح بها كل النجاح في إبادة المواليش وهي: أن تسلق عرانيس الدرة وترفعها من المرجل والقدر قبيل النضج وبعد تجفيف الذرة تطحن حبوبها مع حامض الزرنيخوس وتذر الدقيق عَلَى الأرض ثم يدفن فيها بواسطة المشط قبل الزراعة الدخان بعشرة أيام وعندئذ يجب إبعاد الطيور الداجنة عن تلك الأرض المسمومة. وإني أوصي أهالي جبل عامل ولواء اللاذقية بهذه الطريقة الناجحة الفعالة. ٥ً - أن لا تهمل التفتيش عن أوكار المواليش في أشهر أيار وحزيران وتموز تظهر مثل كتل من التراب مرتفعة محاطة ببعض النباتات الجافة وحينئذ تحفر في هذه الكتل مقدار ٦٥ سنتيمتراً فتجد فليجة (شرنقة) من التراب يابسة فتأخذها بعناية واحتياط لئلا تكسر الفليجة فيقع بيض المالوش عَلَى الأرض ثم تسحق الفليجة كل السحق والأحسن أن تطرحها في النار. ٦ً - ذكر بعض كبار المزارعين في فرنسا حيلة تتمكن بها من إتلاف هذه المواليش من الأرض بتاتاً في مدة سنتين أو ثلاث وأرى طريقته هذه أنفع الحيل المتخذة في حين أنها قليلة النفقات ولا تضايق المزروعات وهي أن تحفر في الأرض قنوات معوجة يكون بين القناة والأخرى ثلاثة أو أربعة أمتار وعمقها يختلف من ٢٥ إلى ٣٠ سنتمتراً. ثم يمل تلك الأقنية سرقيناً زبلاً خالطه قش ويعمره سواء كان سرقين خيل أو بقر ثم تغطي الجميع بالتراب فإن سرف المواليش تهرع للقنوات كي تدفأ في السرقين وتتخذه لها مشتى حيث تدخل في دور النطور والاستحالة وينبغي فتح القنوات في شهر أيار المقبل برفع السرقين بالتدريج فتجد أن تلك المواليش بالغة والسرفات التي لم يتم بعد تطويرها فتبيدها عن آخرها. وفي الأرض كثير من الحشرات تأكل بيوض المواليش. والبيض ينقف بعد ثلاثة أسابيع أو

стр. 5584

أشهر عن فراخ بيضاء صغيرة. وقد زعم بعض علماء الحيوان أن المالوشة تأكل جزءاً من فراخها وأثبت قوم أنها تدافع بالعكس عنها وتفتش لها عَلَى ما يغذيها والغالب أن المالوشة تموت بعد ما تبيض كأكثر الحشرات المنظورة. أما البيضة فصفراء بحجم بزرة القنب (القنبزة) وقشرتها متينة جداً توجد متلاصقة مع أخواتها. أما الفراخ فإنها تعيش العيشة الاشتراكية مدة شهر ثم تتفرق فتتطور إلى ثلاثة أطوار إلى آخر تشرين الأول وحينئذ يكون طول الذويبة سنتمتراً ونصفاً فإما أن تحفر لها حفرة أو أن تلتجئ للمزابل لقضاء فصل الشتاء في حالة التخدر والسبات الطويل فتبقى كذلك للربيع القادم وفيه تتطور أيضاً طورين ثم تبلغ في أيار أو حزيران وفيها ترتكب هذه المواليش أكبر فظائع التخريبات في المزروعات. أوريزون (فرنسا) // عز الدين شيخ السروجية. اليابان والأفيون ذكرت الصحف الأوربية عام ١٨٥٣ مع الأسف أن عادة تدخين الأفيون لم تقتصر عَلَى بلاد الصين بل تعدتها إلى إنكلترا تقل إليها استعمالها أناس من البحارة الصينيين كانوا مستخدمين في إخراج شحن البواخر أما اليوم فقد اختلفت الأحوال كل الاختلاف فما من بلد في الغرب إلا سرى إليها استعمال هذا المخدر المضر فسرت إلى أوربا عدوى فاحشة إذ ثبت في أحوال مدهشة أن المواني الغربية تؤدي أموالاً طائلة في سبيل الحصول عَلَى الأفيون الذي انتشر في مواني ألمانيا بواسطة بحريتها كما سرى إلى مواني فرنسا. وأميركا الشمالية مصابة به كثيراً حتى ثبت الدكتور ورخت بالإحصاء أن ٥٨٠٠ رجل من البيض في نيويورك يستعملون الأفيون وزهاء ٨٠٠٠ في شيكاغو يستعملونه عَلَى الرغم مما يبذلونه في محاربة هذا المخدر المضر. ولم تنتج سوى مملكة واحدة من هذا الخطر. ومن الغريب أنها اقرب جارة للصين ونعني بها اليابان المتصلة معها عَلَى الدوام مباشرة. وقد ألف المسيو مرابن كتباً ممتعاً يفهمه العامة ولا ينفر منه الخاصة يقصد به إثارة حرب صالحة صحية عَلَى الأفيون أبان فيه أن الياباني الذكي العفيف لاحظ بادئ بدء السقوط الشخصي وضعف الجنس الناشئين من هاتين الرذيلتين: الأفيون والألكحول. ولذا عفت نفس الياباني عن أن يكون حشاشاً

стр. 5585

وسكيراً. ولم يخطئ حكام تلك البلاد الاهتداء للجادة المثلى في اتقاء هذا السم الهائل ومنعه من التسرب إلى بلادهم بل صدرت الأوامر لأول العهد بأن يعاقب بالقتل كل متعاط للأفيون وإلى اليوم يجازى شاربه بالأشغال الشاقة وضربت عقوبات وغرامات شديدة عَلَى من يهرب الأفيون حتى لم يعد يجرأ صاحب سفينة أن يحمله. والأحسن من ذلك أن يابان لما ملكت بلاد فورموز وكوريه شرعن في العمل لما من شأنه إبطال استعمال الأفيون فيهما عَلَى أسلوب بطئ ينقذ السكان من تلك المفسدة فجعلت التدخين بالأفيون عَلَى المصابين به من قبل متوقفاً عَلَى رخصة ينالونها ليستطيعوا الجري مع شهواتهم وهذه الرخصة تحدد الكمية التي يسمح لهم بأخذها. واحتكرت الحكومة عمل الأفيون وبيعه وهي لا تبيعه لغير من ألف شربه وثبت في لجنة خاصة أنهم مبتلون به وذلك بأثمان فاحشة تضطرهم إلى إبطال استعماله. قالت الطان الباريزية بعد إيراد ما تقدم: وهذا خير مثال في الوقاية الاجتماعية قامت به مملكة الشمس المشرقة عَلَى ما رأيت. أنا نحن فنقول أن الحكومة المصرية عَلَى محاربتها في الظاهر لاستعمال الحشيش ما برح شائعاً في أهلها ويا للأسف عَلَى اختلاف طبقاتهم أما فتح العثمانية والمصرية صدر بلادهما لما يرد من بلاد الغرب من المشروبات الروحية المختلفة الصنع والاسم فإنه مما نسأل الله منه السلامة عَلَى صحة السكان وعقولهم وآدابهم وبينا نرى عجائب في الشرق الأقصى من سهر حكومته عَلَى كمال سكانه نشهد العكس من حكومات الشرق الأدنى بتساهل فقيما يورث أهله النقص والانحلال. عصابة ضد الجنون الجنون من أعظم النوائب التي اشتدت وطأتها عَلَى الجنس البشري فقد أثبت الإحصاء في جميع البلدان أن معدل المختل شعورهم أخذ بالتضاعف إلى حد يدهش المفكرين وجميع طبقات المجتمع يصاب منها أفراد وكثير من الناس يعلمون أسبابه ولا يتقونها. يعلم الشبان والشيوخ والكهول أن كثرة التأثر ومجارات الشهوات من أعظم العوامل في الجنون ومع هذا تراهم لا يتوقفون عن إتيان الرذائل التي تقودهم إلى المستشفيات فالموت الزؤام. وما من أحد لا يعلم أن الإفراط في استعمال الألكحول والمشروبات مدرجة إلى اختلال الشعور

стр. 5586

ومع هذا ترى السكارى مدمنين عَلَى أقداحهم وأهل الشهوات في مسراتهم وأفراحهم وهذا ما حدا القائمين عَلَى الصحة والآداب في الغرب أن يحابوا تعاطي المسكرات بكل ما في وسعهم وأنشأوا لذلك النقابات والجمعيات فانتفع من ذلك كل من إنكلترا وإيرلاندا وفرنسا ورأت جمعية التعاون الأميركية أن نشر التعليم العلمي النفسي بين العامة أنجع الذرائع في القضاء عَلَى الجنون أو عَلَى الأقل في تخفيف ويلاته وذلك لأن الإنسان إذا لم يكن أبله يؤثر الصحة عَلَى المرض والحرية عَلَى السجن في ملجأ فعمدت إلى استعمال الطريقة التي كانت استعملت في نشر التوراة بين الخاصة والعامة. وقد ترأس تلك الجمعية مديرو المستشفيات والمصالح وأشهر أطباء العته وأخذت تنشر بمئات الملايين نشرات فيها بيان ما يصيب المرء بتسامحه في تعاطي المسكر الذي يؤدي إلى الجنون فتتداولها الأيدي ويقراها بإمعان الشبان والأطفال والبالغون والبنات والنساء والأمهات فتتم ثل لأعينهم هذه البلية وتنهال أمثال هذه النشرات عَلَى الأطباء ونظار المدارس ورجال الكنائس ومديري المعامل والمصانع والنجار الذين يستخدمون الرجال والنساء وأرباب المطاعم والفندق وباعة المسكرات والمرتزقة مشفوعة بالرجاء إليهم أن يساعدوا تلك العصابة الشريفة عَلَى بث دعوتها في العامة وقد ثبت مؤخراً أن معدل الداخلين الشهري إلى المستشفيات من المعتوهين والمعتوهات قد نزل عن ذي قبل. قلنا ألا يليق بمن عدوا أنفسهم منا في زمرة الخاصة القائلين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يفكروا في مثل هذه الإصلاحات الاجتماعية ومداواة العلل التي حدثت فينا من انتشار الو بقات والمسكرات بدلاً من أن يكثر بعضهم عَلَى بعض عَلَى غير طائل ويسعوا للشهرة من غير أبوابها ناسين بأعمالهم هدي كتابهم وسنة رسولهم وهيهات أن يرزق العقل السليم من حاد عن سنن الشرع السمح والمدنية الصحيحة. جيش السلام مات في إنكلترا رجل غريب الشأن من رجالها وهو القائد نوت مؤسس جيش السلام توفي عن ٨١ سنة قضاها في خدمة الإنسانية وكان أجير خياط في السنة الخامسة عشرة من عمره ثم بلغ به تقواه وحنانه الغريب عَلَى نحو ما يكون عليه بعض أهالي مذهبه فقام في ذهنه أن يدعو قومه وأبناء نحلته خاصة إلى العطف عَلَى البائسين ومواساة المنكوبين

стр. 5587

ووعظ السكيرين والفاسدين واللاعبين وغذ كان هو من أسرة فقيرة وعرف معنى الفقر بالعمل جاء لندن سنة ١٨٤٨ وتوطن في أفقر أحيائها بين المحاويج من أبنائها وبدأ يعظهم بعملهم ويبث دعوة الإنجيل فيهم فاستمال ببلاغته قلوب الشعب وتعدى من الوعظ الخاص لأبناء مذهبه إلى الوعظ العام فاخذ يطوف إنكلترا وينشر الكلم الطيب ويؤاسي من أخنى عليهم الدهر ويدخل أناساً في جمعيته ولم يلبث أن خرج عن أهل مذهبه وأسس له مذهباً جديداً وذلك عقيب زواجه فنشر في الناس تعلماً مسيحياً كان أيضاً نظاماً عسكرياً فكسا رجاله كسوة الجند وأوجد رتباً ووزع مناصب وأدخل في جيشه الرجال والنساء ثم أنشأ عدة جوقات موسيقية وجريدة وأخذ ينشر الإعلانات الكثيرة عن مذهبه. ولقد سخر القوم بصاحب هذا المشروع لأول مرة ولكنه ثبت عليه فأخذ ينمو السنة بعد الأخرى وكثر أشياعه وجيشه في أقطار الأرض ودخل فيه حتى الزنوج وقد اضطرت فيكتوريا ملكة إنكلترا أيام ملكها أن تستدعي إلى قصرها القائد بوت وتلتمس معونته في الهند وأوستراليا فقام في هذا السبيل بأعظم الخدم للأمة الإنكليزية. هذا ما قرأناه في الصحف الإفرنجية وقد ذكرت مجلة التواريخ السياسية والأدبية نبذة في وصف جيش السلام بقلم أحد أعضاء المجمع العلمي الكونت دوسونفيل قال فيها: إن هذا الجيش كان سبب السخرية منه لأول مرة وإنك لا تتمالك من الضحك عندما ترى ضباطه يلبسون في رؤوسهم قبعات من القش صغيرة سوداء تحيط بها شريطة حمراء ومنذ تأسيس هذا الجيش سنة ١٨٧٨ عَلَى يد القائد بوت ما يزال عرضة للمعارضة الشديدة الوحشية بل بالاضطهاد ولاسيما في البلاد البرتستانتية من إنكلترا فتغلب هذا القائد عَلَى جميع هذه المصاعب بنشاط غريب وحقق جزءاً عظيماً من نياته التي ألم بها في كتابه الشقاء ببلاد إنكلترا وهو كتاب يبين ما في مطاوي المدنية الإنكليزية من الجروح النغارة وما في نظامها السياسي المدهش من النواقص فتمكن بذلك أن يجعل من جيش السلام جمعية زاهرة غنية يلجأ إليها الناس من حكومات وبلديات وجمعيات. والذي يزيد قوة جيش السلام في لندرا وغيرها هو أنها تجمع في إدارة واحدة الأعمال المختلفة التي يتمم أحدها الآخر ولها الآن في عاصمة إنكلترا نحو خمسين معهداً مختلفة المقاصد منها ما يؤوي الأمهات ومنها ملاجئ للبائسين يبيتون فيها ومنها مخابز ومعامل

стр. 5588

للمعاونة بالعمل وملاجئ للنساء وللأولاد والغاية الأساسية التي يرمي إليها هذا الجيش أن يقوي ملكة الأخلاق في أفراده ويرى والحق معه فيما يراه أن المرء الذي صار إلى البؤس بصنعه أو بتأثير الأحوال فيه فعاش فقيراً يتكفف الأيدي لا يعود إلى حالة حسنة إلا بالعمل فإيجاد عمل للداخلين في جيش السلام هو أعظم هم الجمعية لأنها ترى أن العمل يرفع الإنسان ويساعده عَلَى التخلق بالأخلاق الفاضلة. ولهذه الجمعية في لندرا سبعة معامل للمعاونة بالعمل في الصناعات المختلفة وفي تنوع الأعمال مجال للانتفاع لكفاآت البائسين عَلَى اختلاف ضروبهم ممن لا عمل لهم فلهم معمل نجارة عظيم لا يعمل إلا بتوصية ما يطلب منه من الأعمال وجميع مصنوعاته حسنة وله معمل كبير يجمع فيه الخرق البالية من شوارع لندرا فتسير كل صباح ٢١ عربة إلى جهات مختلفة تحمل قمامات المدينة ولاسيما الورق القديم والمقوى العتيق والجرائد البالية والخرق والكساحة عَلَى أنواعها فتحملها إلى فناء المحل فتوزع عَلَى غرف تنقيها ثم تجعل أكداساً ترسل إلى فرنسا والولايات المتحدة تباع من معامل الورق. ويعمل في هذا المعمل ثلثمائة نسمة يعيشون من حاصلات عملهم. ولهذا الجيش معامل للنساء كما له معامل للرجال وهي معامل المعونة بالعمل وملاجئ الليل ومعامل النساء للخياطة وغسيل الثياب. ويستخدم في إدارة هذه المعامل ستمائة امرأة ولكل منها رتبة من رتب الجندية ففيه كما في الرجال قائدة عشرة وأخرى قائدة مائة وأخرى قائدة ألف وغير ذلك مما قالوا ن السبب في إطلاقه عَلَى أفرادهم وأفرادهن حفظ النظام والطاعة وهذا القانون يشبه قانون الجمعيات الدينية عند الكاثوليك ولكنه جاء في صورة أخرى والجميع يعلمون الإحسان والشفقة عَلَى بني الإنسان ومن النساء الداخلات في الجمعية من هن من بنات الطبقة الأولى طبقة الأشراف وفيهن من أهل الطبقة الوسطى يتأدبن كلهن بآداب الإنجيل عَلَى مذهب مؤسس طريقتهن القائد بوت. الشعب الإنكليزي في المدينة الغربية رذائل وفضائل ومن الأسف إننا أخذنا في الشرق رذائلها قبل فضائلها فتسربت إلى أبنائنا وكادت تقوض أركان مجتمعنا وكل يوم نحن منها في شأن ولكن الحضارة في العادة تدخل ويدخل معها كل شيء فإذا ارتقى فرع من فروعها يتبعه الفرع

стр. 5589

الآخر وإن كان لا علاقة له به أو هو يخالفه من كل الوجوه والفرق بيننا وبين الأمم الغربية أن خاصيتهم هناك يحاربون تلك الجراحات بمواعظهم وأقلامهم وجمعياتهم وحكوماتهم ونحن معها سكوت لا نتكلم كالبله المتناومين ومن نسميهم منا الخاصة لا يحلمون بغير منافعهم ومظاهرهم. الشعب الإنكليزي باتفاق الآراء أرقى شعوب الأرض أخلاقاً وأكثرهم حرية واستقلال أفكار ومع هذا ترى الجنون يزيد معدله فيهم بهذه الحضارة وتكثر أمراضهم من آثارها وذلك لانتشار المسكرات بينهم وشدة الجهال في الحياة ثم أن العهر يزيد عَلَى معدل ذلك الشقاء المستحوذ وقلة الاحتفال بالدين مع أن الشعب الإنكليزي من أكثر الشعوب تمسكاً بالأديان. ظهر في باريز تاريخ الشعب الإنكليزي في القرن التاسع عشر للمسيو هالفي من علماء الفرنسيس وفيه العجب العجاب من أحوال البريطانيين قال فيه أن أخلاق هذه الأمة غريبة الشكل في المحاكم فإن منظر الجلسات في المسائل الجنائية يدهش به الغريب وذلك ترى أن مكتب القاضي غاصاً بالزهور وكذلك مكتب كاتب المحكمة ويحمل الضباط المحضرون باقات الزهور أيضاً ويجعل القاضي عَلَى رأسه شعراً مستعاراً فإذا أراد إصدار حكمه يخلي سبيله للناس فيسمح بدخولهم وفيهم كثير من الجميلات المعشوقات من بنات الولاية أو المقاطعة فيقفن فيستمعن للأحكام ومنها ما يكون الإعدام شنقاً فيتظاهرون بالتأثر ثم يخرجن من هناك ولا يلبثن أن يرقصن رقصهن اللطيف والمحكوم عليه يفكر في صدور الحكم عليه وهو بين ذاك الجمع من ربات الدلال والظرف. وكذلك ترى الغرابة في الانتخاب لمجلس العموم فإنها تدوم خمسة عشر يوماً ويدفع المترشحون جميع نفقات الناخبين ومن انبسطت يده بالعطاء أكثر ورد أطعمته وأشربته فاستطابها منتخبوه كانت غلبته للنيابة مضمونة ويكفي أن يقال أن ثلاثة مرشحين عن يوركشير سنة ١٨٠٧ أنفقوا لنيل كرسيين في مجلس النواب خمسمائة ألف ليرة إنكليزية حتى إذا ظفر اثنان منهم لم يسلما من إهانة الأمة التي كانت تلقى عليها الأوساخ والأوحال فكان الإنكليز بذلك يقتدون بإجراء طرق الرومان في رومية ممن لم يكونوا يصعدون القلعة يوم مبايعتهم قبل أن ينالهم خصومهم بأنواع السخرية والشتائم. وليس تاريخ الإنكليز غريب فقط بل هو معلم أيضاً وفيه مثال واضح من تغالي القوم في

стр. 5590

الأمور الاقتصادية حتى أدى ذلك إلى مفاسد لم تحمد مغبتها وهو أنهم يريدون أن تخرج من معملهم أعمال مهمة بقليل من الوقت والنفقة ولذلك اضطر أربابها إلى استخدام النساء بدل الرجال لخضوعهن أكثر من الرجال ولقلة أجورهن قال المؤلف وهناك فوائد أخرى وهو أن النساء قد يستخدمن في جلب رضا أرباب المعمل والزائرين له والأخذ في عنان الشهوات ثم أن المعامل ما يستخدم صغار الأولاد في الأعمال الخفيفة فيدخلون تلك الأماكن الرطبة يعملون خمسة عشرة ساعة فتتأثر صحتهم وأناملهم ويصابون بعاهات تشوه وجوههم وتضر عقولهم. ولقد كاد حب الذات في أرباب الأعمال الاقتصادية يزيد في المعامل عدد المشوهة أجسامهم الفاسدة أخلاقهم لو لم يفكر القوم باتخاذ الدواء الناجع فلما رأوا ما حل بتلك الطبقات مما وصف أعراضه الشعراء والأدباء والصحافيون ورجال السياسة ووعاظ الدين عَلَى اختلاف مذاهبهم قاموا كلهم يداً واحدة ليزيفوا هذا الضرب من العبودية وخف بعض أباب المعامل العاقلين فقللوا من ساعات العمل وأكثروا من أجور العمال مع مراعاة النسبة بين دخلهم وخرجهم وبذلك وجد الإنكليز بعض المسكنات لتلك الأدواء ولعل عقول خاصتهم تهديهم إلى معالجة غيرها وإلا فتوشك أن تصاب المدنية الإنكليزية بما أصيبت به المدنية الرومانية وغيرها. الخوف خطب إرنست لفيس علامة الفرنسيس خطاباً في الخوف في مدرسة نوفيون ىن تيراش (فرنسا) قال فيه أن من النقائص التي يجب أن تتغلب عليها التربية نقصاً تتساهل فيه المدرسة والأسرة معاً وذلك لأن المدرسة لا يبدو فيها هذا النقص خصوصاً وأن غير المطيع والطائش من التلامذة يلقي الاضطراب في نظام المدرسة أكثر من الجبان فهذا وديع والمعلمون يقدرون وداعة التلامذة قدرها أما الأسرة فغالباً قد ترتكب غلطاً كبيراً باعتمادها عَلَى الخوف أداة من أدوات التربية ولقد نشأت من الخوف شرور كثيرة لأن صاحبه يخشى الألم والموت بل إن حياته كلها معذبة بنتائجه وليس الذنب عَلَى الأولاد بل عَلَى من ربوهم وأورثوهم خلة الخوف فإن لقانون الوراثة تأثيراً كبيراً في الخوف سواءٌ كان فيلا الإنسان أو في الحيوان والخوف قديم كقدم الإنسان وليس فيه عار عليكم معشر الطلبة.

стр. 5591

ولقد قال ديكارت الفيلسوف العظيم: لا تكفي الإرادة لبث الشجاعة من مرقدها ونزع الخوف من أصوله بل تجب العناية في النظر إلى المعقولات والمحسوسات والأمثولات التي تقنع المرء بأن الخطر غير عظيم وأن الأمن يكون في الدفاع أكثر منه في الفرار وأن المجد والسرور في الظفر في حين لا يتوقع الأسف والعار من الفرار. إنكم يا هؤلاء تخافون في العادة من البر والصاعقة والقعقعة المسموعة والأشباح المرئية في الظلمة والكلب الذي تصادفونه في الشارع والبقرة التي تحدق النظر فيكم بينا أنتم تجتازون إحدى المراعي ولكن قولوا لي كم بقرة نطحتكم وكم عدد الكلاب التي عضتكم فإن الأشباح التي ترونها في ظلام الليل الدامس قد لا تكون إذا وقدتم النور + + فسطانكم أو سراويلكم وكم من قعقعة سمعتموها ونشأ عنها ظهور لص أمامكم والرعد كم من مرة أهلككم. لا جدال بأنه قد تحدث صواعق وسرقات واعتداآت ولكنها لا تخرج عن كونها حوادث تحصى وتنشر في الصحف إذا عراكم الخوف فاذكروا بأنكم شعرتم به أكثر من مرة ولم يصيبكم منه شيء فهو إذاً قد هزأ بكم فقولوا له: يا هذا أنا عارف بك فدعني مستريحاً. إذا فعلتم ذلك فأنتم ولا شك سائرون في طريق الشجاعة. أريد أن أقنعكم الآن بالقاعدة التي سنها ديكارت بأن الأمن قد يكون مع الدفاع أكثر مما يكون في الهرب. وهذا الكلام مؤيد بالمثل القائل بالخوف لا يتوقى الخطر (العرب يقولون من التوقي عدم الإفراط في التوقي) بل إن الخوف كثيراً ما يحدث الخطر. الكلب دائماً ينتصب عَلَى رجليه لأنه اعتاد ذلك فإذا وضع أنفه في الأرض وشم حيواناً يسرع في العدو والبقرة إذا خلصت من رعيتها تنظر بعينيها أمامها فيظن الولد أن الكلب يتأثره والبقرة تريد أن تبطش به من عدا أمام الكلب والبقرة كان أقرب إلى الخطر عَلَى نفسه. ولعل الوقت قد حان لأن يدرس الأولاد في المدارس الابتدائية دروساً في الشجاعة يكون أول عمل لها التغلب عَلَى الخوف والدهشة. ولكن كل تربية لا تأثير لها إذا لم تؤازروها أنتم أنفسكم يجب عليكم أن تقنعوا أنفسكم بالجرأة أنكم إذا قستم أنفسكم بأناس من أترابكم لا يرون إلا ما يقع نظرهم عليه مباشرة ولا يحاولون الهروب تؤكدون أنكم دونهم في القدرة عَلَى السير وضعاف في النظر وإياكم أن

стр. 5592

تفوتكم وسيلة لغرس الشجاعة في نفوسكم. إنكم لا تتمكنون من التغلب كل التغلب عَلَى الخوف بل تتخلصون منه بعض الشيء وإني طالما كنت في طفولتي وإلى الآن أخاف الرعد لأنني رأيت صاعقة انقضت عَلَى بضعة أمتار مني وأخشى الفئران إلى اليوم وقرضها الخفيف وإن قيل لي عندما كبرت أن الحيوانات الصغيرة لا تأكل الكبيرة. فما يطلب منكم اليوم هو أن لا تخافوا بتة بل أن لا تخافوا من خوفكم وأن تحاربوه وتغلبوه وبعد ذلك تحرزون مكافأة حسنة. تحرزون المجد والسرور كما قال ديكارت والمجد من شأن الكبار أما أنتم معاشر الصغار فالسرور خاص بكم لاسيما إذا وقعت أبصاركم عَلَى الشجعان فإن نفوسكم تحدثكم بأنكم لا تغارون منهم لأنكم صرتم شجعاناً بصنيعكم وأصبحتم معجبين بعملكم إعجاباً لا يمازجه هزؤ أبناء هذا الزمان بل إعجاباً يستحثكم في الأوقات الضنكة بمجرد الاعتماد عَلَى نفوسكم. إذا اهتزت عظام أرجلكم وسوقكم خوفاً وهلعاً فخاطبوا ما علا فوقها من جثمانكم خاطبوا العقل وقولوا له أن له هيكلاً عظمياً إذا اضطرب فإن جزءنا الأعلى مأوى العجب بأنفسنا ومقر الشعور بالواجب ومنهما بلغ من حالتنا في حياتنا فقد تعرض لنا أحوال تدعونا إلى أن نختار طريق الشرف أو غيره فلنبتعد عن الجبن يسير في طريقه ولنسر في طريق السلامة. أيها الأطفال الأعزة إن هذا هو شعور عظمتنا الشخصية وشرفنا وواجبنا الذي يحدث الشجاعة في كل فرد منا ويقويها هذا هو الشعور نفسه الذي يمازجه حب الوطن فيدعو إلى الشجاعة الوطنية. للأمم ساعات من الخطر. فإنكم تسمعون الحين بعد الآخر أنه ستنشب الحرب غداً نعم إن الحرب حادث عظيم مدهش إن فرنسا التي غلبت وهي تشكو من جرح لا يزال فيها نغاراً تعرفه حق المعرفة ولكنها مع ذلك لا تبدي حراكاً هي ليست دون سائر المم في إعجابها بنفسها واحتقارها لها ولكنها في الباطن تعرف قيمة نفسها تشعر بأن فيها فضائل وقوى أخرجتها عن ما مر في القرون لماضية من الهوى التي ظن بأنها تدهورت فيها تاريخها عظيم مجيد بسلاحها محيد بعقلها. إنها كسائر الأمم قد أتت شيئاً من الشر فاستحقت عليه بعض الأحايين اللعنات ولكنها كفرت عن سيئاتها بحسنات كثيرة فقد حررت شعوباً من رقهم لا يزالون يذكرون لها يدها عليهم وأوحى عليها عقلها السمح

стр. 5593

المستنير فلقنت أناساًَ من بلاد مختلفة قيمة الإنسان ولم يبرحوا يذكرونها بعملها فهي تعرف نفسها شريفة بين الأمم معم إن العالم حولها قد تغير كثيراً من نصف قرن فقام شعب بالقرب منا يذكرنا كل حين بلسان البغضاء والقحة بأنه عظيم قوي. ومع أن هذا الشعب عظيم وقوي فإن فرنسا التي تهدد أحداً لا تخاف أحداً بتاتاً بل تعلم إنها فرنسا عَلَى كل حال. الإفرنج والنزهات لا تكاد تطلع عَلَى صحيفة سياسية وعلمية من صحف الإفرنج في الصيف غلا وتجدها ملأى بوصف المنتزهات والحمامات والجبال والبحيرات والغابات وأخبار الرحلات الخاصة منهم إلى الأصقاع ذات البهجة والرياض الممرعة الخصيبة فمن قائل مثلاً أن جان جاك روسو الفيلسوف هو الذي سن للفرنسيس سنة التنقل في البلاد وحبب إليهم عيش الخلاء وعشق الطبيعة ومن مدع أن برناردين دي سان بيير هو داعية ذلك ومن زاعم أن شاتو بريان كان أمتن وأحكم في دعوته ومن قائل أن من حبب الحمامات البحرية إلى الناس هما الأب بوهورس ومامونتل ومن حبب التصعيد في الجبال هو لاروشفو كولد الحكيم والخلاصة فإن للغربيين غراماً في الطبيعة يريدون أن يرجعوا إليها في مآكلهم وملابسهم وأجسامهم ومنامهم ورياضتهم. وكل واحد من خاصتهم يبحث في فرع من هذه الفروع ويتفانى في حث قومه عَلَى جلب المصالح ورد المفاسد والأخذ بحظ وافر من هذا الوجود اغتناماً للصحة قبل المرض واستدامة للنعمة والرخاء والرفاهية وحباً بصد الناس عن غشيان المدن الكبرى مخافة أن تفرغ الحقول والقرى لأن سكنى العواصم مضر بالصحة مضعف للأبدان مقصر للأعمار وعمران هذا العصر في عواصمه عَلَى كثرة ما فيها من أنواع الراحة والرفاهية أقرب إلى إفساد الصحة وإنهاك القوى مما كان في العصور السالفة ومكيف يطيب الهواء في مدينة كباريز سكانها ثلاثة ملايين ولندرا سكانها سلعة ملايين هذا ما يخوض أدباء الغرب وعلماؤه عبابه فما قول سادتنا الخاصة في مصر والشام والعراق وتونس فمن منهم خاض في مثل هذه الموضوعات وحبب إلى الناس النزهات والرحلات عَلَى طريقة الغربيين ليحبب إليهم أوطانهم ويعرفهم رجالهم ويبحث عن أمور لا يتيسر لكل إنسان أن يحصل عليها ويتعب المفكرون في جمعها ونشرها

стр. 5594

فيأخذها جمهور القراء هينة لينة. الحج المشوق الإفرنج عَلَى تغاليهم بالبحث عن شؤونهم الداخلية وعاداتهم ورجالهم وأعمالهم وبلادهم لا يغفلون عن شؤون غيرهم وقد أصاب بلادنا حظ وافر من عنايتهم فكانت بلاد العرب أو مصر والسام والجزيرة والعراق واليمن والحجاز ومراكش والجزائر وتونس وطرابلس وبرقة موضوع أبحاثهم العلمية والأثرية والتاريخية والاقتصادية مما نخجل من كثرته إذا سمعنا بأسمائه ولا نكاد نجد الفرد والفردين منا يتوفرون عَلَى البحث في النافع من حالات بلادنا وآخر ما كتب عن الأرض المقدسة رحلة للمسيو كومز كاريللو ذكر البلاد التي نشأ منها عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وزارها وكان زار من قبل بلاد اليونان والصين واليابان وكتب فيها رحلات كثيرة وقد وصف مسيره من دمشق وما رآه من جلالة موكب الحجاج القاصدين إلى بيت الله الحرام فوصف الأماكن التي حط فيها رحاله حتى بلغ القدس وقال أنه لم يبق من طبرية عاصمة الأردن غير خرائب وقصور هيرودوت والبحيرة المقدسة ووصف قنا والناصرة وما يتخلل تلك الربوع من الجلال والجمال الروحاني وذكر في رحلته ما تهم معرفته من أحوال البلاد ولم يكثر من التفاصيل المملة وقال أنه بات في قصر أحد باشاوات سورية واستغرب من عظمة ذاك القصر كيف لم تكن فيه امرأة تؤنس ربعه وتدخل السرور عَلَى ساكنيه. وقد وصف مواكب الحجاج من دمشق وقال أنهم مجموعة منوعة من العادات واللغات والقوميات وأن التركي يريد العثماني - والعثمانيون كما قال أكثر المسلمين تأثراً بالمدنية الغربية - يضع عَلَى رأسه منديلاً أبيض مزيناً بالزهور يجعله عَلَى طربوشه ثم وصف الفارسي والعربي وعبابه وأبناء جبل طوروس والتتر من أهل تفليس وأزوف وسباستابول وغيرهم وقال لابد أن يكون بينهم من يملك القصور الفخمة والحدائق الغناء ويعيش عيش الكبراء في الرخاء ومع هذا إذا قصدوا إلى الأماكن الطاهرة يتناسون كل هذا العيش الخضال ويساوون الفقراء من الحجاج في مآكلهم التي لا يوجد منها إلا الجشب الغليظ في البادية وينامون في العراء لا يبالون بحماوة القيظ ولا صبارة القر وعجب الرحالة من قوم لا تربطهم جامعة غير رابطة الإيمان وقال ما أعجب صفوفهم وكتائبهم وهي تسير عَلَى

стр. 5595

هذا النحو وعجب من وساخة الآسياويين من الحجاج وكيف يتواكلون من صفحة واحدة وفيهم ذو العاهة ولا يأنف الباقون ولا ينكر المنكرون وقال أنه لو كان بعض لك في الغرب لقامت القيامة فالشرقي في نظره لا يحسن النظافة وقال أنه علم من بعض علماء دمشق أن المسلمين لا يحجون كلهم فلو كان من كتب عليهم الحج ستين مليوناً مدة خمس عشرة سنة لاقتضى أن يحج كل سنة أربعة ملايين في حين لا يجتمع في عرفات أكثر من مائة ألف وقال إن إخلاص المسلمين في العبادة يوم يقصدون الحج لم ير مثله في كنيسة القديس بطرس في رومية يوم يحضر المسيحيون من أقطار الأرض في الحفلات العامة ولا في البيع الكبرى القديمة في ساجان دي كومو بوستل أمام ضريح الرسول (الحواري) ولا في لورد من أعالي جبال البيرنيه وهي محج كثيرين ولا في أشبيلية في الجمعة المقدسة ولا في روسيا يوم يأتي فلاحوها المتعصبون يضربون رؤوسهم وجباههم عَلَى بلاط المعابد ولا في أية مدينة مسيحية. وهكذا استرسل في وصف تقوى المسلمين وتفانيهم في إقامة شعائر دينهم نقل بعضه عن أحد علماء دمشق وبعضه مما عليقه عنده وقال أن المسلمين مولعون بلقب حاج أكثر مما أولع أهل المملكة العثمانية بلقب بك أو باشا وفي الكتب أمور حرية بالتدبر فكأن كاتبه مغرم بإظهار فكره في شأن البلاد التي دخلها والمعاهد التي زارها وقد حمد مقامه في فلسطين في أديار الفرنسيسكان ووصفهم بالطبع أجمل وصف. حياة بابل ذكرت بعض الصحف العلمية أن التوراة ترجع تاريخ بابل إلى أكثر من سبعة وثلاثين قرناً قبل المسيح وكانت عَلَى عهد ملكها العظيم بختنصر أي قبل الميلاد بستة قرون عاصمة العالم بأجمعه وسكانها خمسة وعشرين مليوناً وهي من الارتقاء عَلَى جانب عظيم جداً وموقع بابل عَلَى الفرات وقد اشتق اسمها حديقة الحدائق من خصبها وأمراعها. دمرها الفرس عَلَى عهد قورش وخلفائه وتركوها أنقاضاً ينعق فيها غراب الدمار وها هي اليوم منذ أكثر من ألفي سنة عبارة عن قفر يجيء بعض العلماء فيستنطقون آثاره ويتعرفون أخباره. وسكان هذا المكان الذي طالما بكى في أرجائه أبناء صهيون الإسرائيليون هم أناس من العرب الرحالة ولكن ذلك لم يطمس من ذكرى حضارتها معلماً فقد ذكر هيرودوتس المؤرخ

стр. 5596

أن بابل أخصب البلاد بحنطتها تأتي حبتها مئة وزيادة بيد أن العلم الحديث حل هذا المعمى في خصب بلاد تلك الأصقاع وهو أنه كانت تروى كلها فلو تهيأت لها خزانات وسدود كما كان لها عَلَى عهد سعادتها كما تهيأ لمصر خزان أسوان فروى النيل عشرات الألوف من الأفدنة التي كانت محرومة من السقيا لعاد إلى بابل خصبها المدهش وأتت السنبلة مئة سنبلة وزيادة. ولقد وقع في ذهن الإسكندر الكبير في آخر عهده أن يعيد إلى ذلك الصقيع بهاءه القديم فأنشأ ترعتي بالأكوبوس والنهروان وطول الواحدة ٤٨٠ كيلومتراً وطول الثانية ٢٥٦ كيلومتراً ليجلب مياه دجلة إلى داخل المدينة إلا أن أخلافه غفلوا عما بدأ بعمله فعادت البلاد باهتة خربة وهاان السير ويليام ويلكوكس الإنكليزي قام في ذهنه منذ سنين أن يعيد ما كان بدأ به الإسكندر المقدوني فوضع مشروعاً في الري عَلَى صورة أوفق من المشروع القديم وهو يكلف ٧٥٠ مليون فرنك ويقسم تلك البقعة إلى ست مناطق تحيا الأولى بعد الثانية وكل ما تم لإحداها أمر سقياها تقوم بنفقات ما صرفته عَلَى أعمال الري فيها وبذلك تحيا الراضي الواقعة عَلَى شاطئ دجلة والفرات فالبذار يزرع في الخريف فترويه الأمطار حتى إذا جاء آذار ونيسان وفاض الرافدان دجلة والفرات تسقى تلك الأراضي بمياههما الصيف كله فهل تتحقق يا ترى هذه الأحلام ويعود لبابل عزها في سالف الأيام أم يبقى أنر ري العراق في عالم الخيال أو كلاماً في كلام. خمر الشام اكتشف بالقرب من مدينة بوردو الفرنسية ناووس من القرن الأول للميلاد وشوهدت عَلَى مقربة من هيكل العظام رجاجة مستطيلة وشكلها يخالف شكل الزجاج المعمول في بلاد غاليا وقد حلل العلماء ما فيها فرأوه خمراً واستدل الباحثون أن هذا الخمر من صنع سورية إذ كانت خمرها تحمل إلى جنوبي فرنسا كثيراً ويستطيبها الناس كل الاستطابة وذلك بفضل ما كان من الصلات التجارية المستحكمة القديمة بين بلاد الشام وفرنسا. المدنية كتب أحد علماء فرنسة في المجلة الباريزية مقال تحت عنوان هل المنية في ارتقاء أو انحطاط قال فيها: إن الناظرين إلى المدنية فريقان فريق يرى ما فيها من العظمة والمنافع

стр. 5597

المادية التي سخرها الإنسان لأمره وآخر يذهب إلى أن الارتقاء عَلَى عمومه لا يتأتى له إلا أن يسير عَلَى الدوام سيراً سريعاً. ويرى هذا الفريق الأخير أن كل شيء ينمو من حسن إلى أحسن وأن البشر يبذلون الجهد للوصول إلى هذه الغاية النافعة ويقولون أن العالم ارتقى في مدارج النشوء والنمو حتى صار الإنسان إلى ما صار إليه فورث قوى عاملة وما نشوء نظام الكون إلا نشوء العقل البشري والانقلابات الشديدة تحث اضطراباً مؤقتاً ولكن ينشأ عنها ما يبعث الكفاءات من مرقدها ويضم القوى المبعثرة ويحملها عَلَى أن تتجه وجهة جديدة يستقيم جريها وبالإجمال فالمدنية لا تعود القهقرى ولا تقف في مركز واحد بل هي سائرة عَلَى الدوام بيد أن التاريخ علمنا أن الأعالي تسفل والاستعباد يزول وفكر العظمة والانحطاط متلازمان تلازم الجبال والأودية والليل والنهر والشباب والهرم والحياة والموت. إنه من المتعذر الوقوف فإما الارتقاء متواصل أو سقوط تام وبقدر الصعود يكون النزول فالولد الذي يكذب مرة يقوى في المرة الثانية أكثر عَلَى التفوه بالأكاذيب فتضعفه أخلاقه عَلَى تلك النسبة ويعود ويرتكب أفظع من ذلك وكذلك الحال في الاجتماعات فإن من يغوي فتاة يغوي فتى وهذان يغويان آخرين ومن تسومح في عقابه من المجرمين يعود فيبث دعوته في العقول ويكثر سواد أصحابه فيكثر في المجتمع الفاسدون. الرجل المتحضر لا يقابل الرجل المتوحش أي الذي يعيش وحده بعيداً عن المجتمع نعم إن المدنية لا أثر لها إذا فقدت الصلات الاجتماعية ولكن الحياة الاجتماعية تستلزم عادات كثيرة وأشكالاً منوعة من الحياة وأساليب منوعة الصفات والحالات فقد قال اللغويون أن اللغويون أن المدنية هي مجموعة آراء وأخلاق تنشأ من الهمل المتبادل في الصناعات والديانات والفنون النفيسة والعلوم. وزاد بعضهم عَلَى هذا التعريف ما يلحق ذلك من المناحي العديدة في الصلات الاجتماعية كتبادل المحاصيل وتبادل العواطف والأفكار. بل أن هذا التحديد لا يشعر بأن المدنية كذا كاملة فرب شعب ذي مدنية ولكنها جميلة أو قبيحة رائقة أو غير رائقة إنسانية أو ظالمة عَلَى نحو ما يكون للمرء خلق حسن أو رديء فالصناعات قد تكون جميلة أو رديئة والأديان سليمة أو خرافية والعلوم نافعة أو ضارة. كل شيء يرتقي مع هذه المدنية في مآكلها ومشاربها وملابسها وسائر حالاتها وما ننس لا

стр. 5598

ننس أن ألفاً وستمائة شخص غرقوا في باخرة واحدة (تيتانيك) وكان منهم من دفع ٢٢٠٠٠ فرنك أجرة سفره خمسة أيام ونصف يوم ليركب في حال من الكبر والتفخل ليس بعدها غاية. إن الحرص عَلَى هذه المدنية هو الذي أورث أمراضاً وهموماً وأفقد العالم الحياة الطبيعية فكثرت الأمراض العصبية وداء المفاصل والبول السكري وضعف المجموع العصبي بل لقد كثر الجنون حتى أكد أحد العارفين من أطباء الإنكليز وقد هاله تكاثر عدد المختل شعورهم من أمته في العهد الأخير أن إنكلترا سيعادل عقلاؤها مجانينها بعد ثلثمائة سنة. إن المدنية أتت عَلَى الكثير من محسنات الطبيعة وعادات الأجداد الفاضلة فانتزعت من النفوس وفي هذه الحركة الاجتماعية يقول بعضهم كلما كثر عدد الناهضين يزيد عدد الساقطين. لا جرم أن التجارة ول لم توجد لما عرف الإفلاس ولو لم تنشأ السكة الحديدية لما وقعت هذه الوقائع المزعجة في المصادمات وغيرها ولكن الشعب الأعرق في المدنية هو الذي يقلل من الإفلاس بين التجار وبين المصادمات في الخطوط الحديدية بدون أن يوقف حركة التجارة ولا حركة القطارات بل يفعل ما بينهما ويجعل أعمالهما في مأمن. ومثل ذلك يقال في كل شيء. يقال في التعليم والصحافة وحقوق الانتخاب والمضاربات والأدب والصناعة بل ينطبق عَلَى كل ما في حركة المدنية من قمح وزوان ونظام خلل وجرأة وجبن. إن تغلب الأجسام عَلَى العقول هو انحطاط في المدنية. إن ضعف نظام الأسرة وروابطها واحتقار الخيار والتنصل من التبعات والزهد في التقاليد والخلاص من كل شكيمة ووازع هو دليل انحطاط المدنية. إننا إلى نظرنا إلى المتمدنين وهم الأقلية في العالم نراهم فيلا معاملة المتوحشين هم دونهم عَلَى ثلاثة ضروب فمنهم من يعاملون من هو الأحط منهم باستثمارهم ومنهم باستعمارهم ومنهم بتمدينهم وهم قلائل جداً فالمستثمرون يبحثون عن مورد ثروة عند الأمم التي يبيعونها مصنوعاتهم والمستعمرون ينقبون عن زيادة ثروة ونفوذ بأن يحملوا بالتدريج الأمم لمنفردة عَلَى الاشتراك بالحياة الاقتصادية والتشبه بالنازلين عليهم وهؤلاء يدوم لهم استعمار الأرض طويلاً بالنسبة لغيرهم. أما الساعون في تمدين أمة فهم الذين يلقنوها معنى الحياة السامية والعمل لما فيه نشر الفضائل والسلام في الأسر وبث الوطنية والدين عَلَى نحو ما

стр. 5599

كانت تعمل الأمم القديمة في أيام عزها. ولقد قيل أن فرنسا لم تحسن استثمار من وضعت أيديهم عليهم من الأمم وهذا مما يدعوا إلى مدحها لا إلى القدح فيها وذلك لأن فرنسا ليست من الطمع عَلَى جانب عظيم غيرها وهي رحيمة بمن تغلبهم عَلَى أمرهم. ويقولون أيضاً أنها لا تحسن الاستعمار وفي هذا الكلام شيء من الحق وذلك لأن أولادها ليسوا كثاراً فلا تستطيع أن تبعث إلى القاصية منهم بمن يستحقون اسم المستعمرين الحقيقيين وإنها في البلاد التي أرسلت غليها أبناءها كما هو الحال في الجزائر وتونس قد عملت والثقة ملء صدرها ما تستطيع أن تري أعدائها وأحبابها النقاط الضعيفة منه ومم لا ينكر عَلَى لغتنا أنها كانت ولا تزال في مقدمة من يحمل علم المدنية والتمدين وذلك لأن أبائها يستهينون بالأتعاب ويبذلون قلوبهم وحياتهم لنشر ما يعتقدونه. إن مستعمرينا يعلمون من يستعمرونهم الذوق عَلَى العمل واحترام المرأة والبعد عن المسكرات (؟) ومرسلينا يعلمون السود والصفر تعاليم التوراة يضاف إليها تلقينهم الاعتدال والفضائل البيتية ومثال الإحسان لأنهم يجمعون أيتامهم ويعنون بمرضاهم ويلقنون معنى التوفر عَلَى الزراعة وتربية الحيوانات والبناء ويمهدون السبيل للعاملين. فالمدنية إذا لم تمدن أبداً فإن لها بانتشارها عَلَى هذه الصورة المقام الأول بين وسائطنا في الحضارة فإن من لا يمدن يستعمر استعماراً رديئاً ومن لا يستعمر لا يأمن أن تكون له قدرة عَلَى الاستثمار طويلاً وبالجملة فإن كل أمة لا تحتفظ بسلسلة المراتب في طريق العمل والنفوذ عَلَى أساليبها الثلاثة بل إن لكل أمة تلقي الاضطراب في ذلك تدخل عليها جراثيم من الانحطاط تنمو اليوم بعد اليوم. ها قد انقضى الزمن الذي كان يعتقد فيه المعتقدون أن لا سبيل إلى الكسب من شعب إلا بإفقاره للمنافسة بين المعطي والآخذ وهذه القاعدة منافية للحقيقة لأن من يفقر رعاياه والتابعين له ومستعمريه بل وجيرانه يفتقر هو أيضاً وما يغني التاجرين في المقايضات يغني المتقاضيين في المدنيات والاستعمار الذي يذل البعض يفسد الآخرين وكلاهما يتأثران منه. شعرت بذلك الممالك الكبرى في القديم وكذلك كان الحال في إسبانيا والبرتقال: نعم إننا نعرف اليوم كيف تضاعف المقايضات والتجارات ولا نطلب أكثر من أن نرى الزنوج يغلون من نبات المطاط لنربح منه ما نبتاع به قطناً كثيراً وأدوات نشغلها. لا نطلب أكثر

стр. 5600

من أن نرى شواطئ دجلة والفرات وقد أصبحت من الخصب بما تستطيع معه أن توصل في بلادنا عَلَى خطوط حديدية وقاطرات. ويا ليت شعري هل يجد أولئك الشعوب أسباباً تمكنهم من بناء عاصمة كبابل التي كان محيطها المسور يستغرق محيط مدينة باريز وسان ديني وسان جرمان وإذا وفقوا لذلك حفظها زمناً من الانحطاط كما احتفظ بها أسلافهم. إن أول قدم يخطوها السائر نحو المدنية هو إصلاح الأسرة وإعداد طبقة مختارة من الأمة وتكثير عددها وتجديد أعمالها وما السلام إلا في البيوت والمدن والمعابد وعند الأمم ومتى أثبتت الأفعال أننا بلغنا الغاية فيها يتيسر لنا أن نقول أن من ينشأُ في ارتقاءٍ. جراثيم البيض يقول العارفون أن البيض النظيف عقيم لا ينقف وأن البكتريا لا تدخل إلا في البيض المشقوق أو المكسور الذي تكون قشرته ملوثة بالأوساخ ممسوسة بالأيدي وبفتح البيضة يدخلها الهواءُ وقد تدخله الجراثيم الضارة فالأجدر بربات المنازل أن تتحامى استعمال البيض المكسر ولو كانت طرية لأن من استعمالها قد تنشأُ مضار ولا يخشى البيض إذا كان خارجه سليماً من الوسخ والماء الغالي. فالبيضة التي تؤكل نصف مسلوقة عَلَى الصورة المذكورة لا يخشى من تناولها. نبات السود خاضت المجلات العلمية بالنبات البديع الذي يكثر في النيل الأزرق والنيل البيض ويسمى السود ولم يعرف أحد يحسن الانتفاع من هذا النبات حتى الآن حتى قام عالمان ألمانيان وأثبتا أنه ينفع للوقود بدل الفحم وذلك بأن يقصل ويجمع كالقش حزماً ويحمل في النيل ولا يلبث أن ينشف ويقطع ثمن كل طن ثمانية وعشرين فرنكاً في حين تباع مثل هذه الكمية من الفحم بمائة وأربع فرنكات ويرجي باستنبات هذا النبات والاستكثار منه أن يكون ثمنه أرخص من ذلك وقد أُنشئ في الخرطوم عاصمة السودان أول معمل لإحضار هذا النبات الذي يخدم الصناعة خدماً كثيرة. أضخم الكتب قالت المجلة تملك المكتبة الملوكية في استوكهلم كتاباً مخطوطاً عرف باسم توراة الشيطان ويدعى أيضاً مارد الكتب بسبب حجمه العظيم فإن طوله ٩٠ سنتمتراً وعرضه ٥٠

стр. 5601

ويقتضي ثلاثة رجال لحمله ويحتوي عَلَى ٣٩٠ صفحات ينقصها ٧ صفحات وفي كل صفحة عمودان وقد حسبوا ما اقتضى لهذا المخطوط من الرق فكان جلد ٤٦٠ حماراً. وجلده من البلوط الفارغ سمكه أربعة سنتمترات ونصف وله لسان من المعدن. وفي سان فرنسيسكو بأميركا كتاب يعد من مردة الكتب أيضاً وهو الذي عرضته تلك المدينة أيام معروضات كليفورنيا ليكون سجلاً توضع عليه أسماء الزائرين الذين بلغوا ١٣٥ ألفاً وضعوا تواقيعهم عَلَى سبعة آلاف صفحة. وطول كل صفحة ٧٧٥ سنتمتراً ووزنه ٢٥٠ كيلوغراماً. نفقات حرب عامة حسب الأستاذ شارل ريشه ما تكلفه حرب عامة إذا نشبت في أوربة فكانت كل يوم ٢٧٤ مليوناً ونصف مليون من الفرنكات تنفقها الدول العظمى فقط. نجاح أميركا كانت رؤوس الأموال التي وضعتها الولايات المتحدة منذ سنة ١٩٠٠ إلى ١٩١٠ في الأعمال الزراعية فقط ٢٠٤٣٩٠٠٠ دولار فبلغت ٤٠٩٩١٠٠٠ دولار أي أنها تضاعفت وتجاوزت رؤوس الأموال التي وضعت في المشاريع الزراعية في العشر سنين المذكورة من ٨٩٧٥٠٠٠ دولار إلى ١٨٤٢٩٠٠٠ دولار أي زادت عن الضعف أما الأموال التي استخدمت في السكك الحديدية فكانت سنة ١٩٠٠ ١٢٦٣٠٠٠ دولار فأصبحت سنة ١٩١٠ ١٤٣٧٠٠٠ فتأمل. جرحى الحروب قالوا أن الخرطوش في العهد الجديد يقل القتل به أكثر من الخرطوش قديماً ولكن الإحصاء دل عَلَى خلاف ذلك فقد قتل في حرب ألمانيا سنة ١٨٧٠ واحد من كل خمسة أشخاص واليابان في منشوريا قتل لهم واحد من كل ثلاثة فقد كان المحاربون الألمان عَلَى ذلك العهد ٦٥٠ ألفاً فبلغ مجموع جرحاهم ١١٦ ألفاً ومجوع محاربي الروس ٥٩٠ ألفاهم فبلغ جرحاهم ١٧٠٦٠٠ واليابان في منشوريا ٥٤٠ ألفاً جرح منهم ٢٢٠ ألفاً. مالية الدولة العثمانية

стр. 5602

ها قد مضى زهاء نصف قرن عَلَى عقد الدولة العثمانية قرضاً لها وذلك عَلَى عهد حرب القريم فكثرت سنداتها في العشرين سنة التالية في أسواق الشرق ولما بهظتها ديونها توقفت سنة ١٨٧٦ عن الدفع خمس سنين تألفت إدارة الديون العمومية فكان أول حجر أساس المالية العثمانية. وبمناسبة الحرب بين الدولة وحكومات البلقان الأربع كثر تحدث الاقتصاديين في مالية دولتنا وهاك خلاصة ما قالوه مؤخراً قال بعضهم: لا تزال مواد القراطيس العثمانية في أسواق غريزة ويؤخذ من الخزينة العثمانية الأخيرة أن الدين العثماني الموحد كان في أول آذار الماضي ١٢٦ مليوناً و٩٣٩١ ليرة يضاف إليها مليون ليرة اقترضته بلدية الآستانة والشطر الرابع من قرض ولاية بغداد وهذا بيانه: ٥٠. ١٤٦. ٧٥٧ الدين الموحد والسندات ١٨. ٢٧٥. ٦٢٠ دين مضمون بجزية مصر وقبرص ٢. ٣١٩. ٩٤٤ قرض تتناول ضمانته مباشرة ٣٠. ٧٦٣. ٤١٤ قرض مضمون بدخل صندوق الدين ٢٤. ٦٠٣. ٦٥٦ قروض تديرها الحكومة. وينبغي أن يحذف من هذه القروض قرض سنة ١٨٥٥ وفائدته ٤ في المئة وقرض ٩١ وفائدته ٤ بالمئة أيضاً وقرض ٩٤ وفائدته ٣ ونصف بالمئة لأن هذه مضمونة بجزية مصر وزيادة دخل جزيرة قبرص وهي من أضمن القروض في نظر حملة القراطيس. ثم أن قروض ٩٣ و٩٤ تدفع شركة حصر التنباك وشركة السكك الحديدية الشرقية ضمانتها للمصارف مباشرة وعليه يكون الباقي قرض الموحد العثماني وقروض سندات اليانصيب العثماني وهذا قد خص بهما بموجب أمر سلطاني بعض الموارد كالثمغة ورسوم الكحول والحرير والملح والدخان يتولى إدارتها صندوق الديون العمومية وقد أربى الدخل كثيراً عَلَى النفقة اللازمة للصندوق والأسهم. ففي سنة ١٩١٠ إلى ١٩١١ بلغ دخل صندوق الدين ٥ ملايين و٦١. ٣٣٥ ليرة أخذ منها لنفقات الإدارة ٩٦٤. ٢٣٧ ليرة وبقي ٤ ملايين و٩٧. ٠٩١ ليرة يؤخذ منها لاستهلاك الأسهم المخصصة بهذه الموارد ولدفع سندات اليانصيب مليونان و١٥٧. ٣٧٥ ليرة فتكون زيادة الدخل مليوناً و٩٣٩. ٧٢٣ تعطي الحكومة الثلاثة الأرباع والربع الآخر يعطى لخزانة صندوق الدين. هذا ويظل الدخل أكثر من النفقة ولو حذفنا نقص دخل الصندوق من الولايات التي احتلتاه

стр. 5603

الحكومات البلقانية فقد جاء في الكتاب الذي قدم للسفراء في شهر ك١ الماضي أن معدل دخل تلك الولايات في العام ٧١٣٠٥١ ليرة يضاف إليه مبلغ ٤٨٩٩٠ ليرة من أثمان الملح فيكون المجموع ٧٦٢٠٠٥ ليرات أي عبارة عن ٢٢ بالمئة من مجموع الدخل وإذا افترضنا نقص الدخان من هذه النسبة كان مجموع النقص مليوناً و٤٨٣٠٥ ليرات وقد ذكرنا قبلاً أن زيادة دخل الدين الصافية هي مليون و٩٣٩٧٢٣ ليرة وعليه تكون الزيادة الباقية حتى بعذ حذف دخل الولايات التي يحتلها البلقان ٨٦٥٤١٨ ليرة. وقال بعضهم: لا ينكر أن الدولة العلية بفقدها الولايات الأوربية قد خسرت ٢٠ في المئة من دخلها لكن من عرف أن هذه الولايات كانت تستهلك في السنوات الثلاث الأخيرة ٢٣ في المئة من مجموع نفقات السلطنة يرى أن خسارة مدخولها لا تؤثر في حال الخزينة. ثم أن الحرب الأخيرة لم تضطر العثمانية إلى أن تنفق أكثر مما كانت تنفقه عندما كان لها ٦٠ ألفاً من الجنود في ألبانيا لإخماد ثورتها و٥٠ ألفاً في أزمير ومن ٦٠ إلى ٧٠ ألفاً في طرابلس الغرب ومثلهم في اليمن ولم يتأخر رعايا الدولة عن دفع الأموال المفروضة عليهم حتى أن زيادة الدخل في بيان نظارة المالية الأخيرة بلغ ٢. ٥٠٩. ٧٣١ ليرة عثمانية وبلغ مجموع ضريبة الحرب في شهر واحد ٤٢٢. ٤٩٥ ليرة عثمانية. وعليه إن الحكومة العثمانية تحتاج إلى المال فما ذلك إلا لسد العجز السابق. مدارس الفلاحة في الدانيمرك نشرت المجلة الفرنسوية مبحثاً مهماً تحت هذا العنوان بقلم العقيلة لونر كروبي فآثرنا ليضم إلى ما سبق لنا نشره من نوعه في سني المقتبس السابقة قالت الكاتبة: عَلَى شاطئ بحر البلطيق بلاد صغيرة سعيدة وأعني بها الدانيمرك التي تضاعفت تجارتها الخارجية في الخمس عشرة سنة الأخيرة لتوفرها عَلَى استثمار أرضها وقيامها عَلَى تربية الماشية حتى أصبح لديها الألبان دافقة كالسيل المنهمر وجمعت بواسطة معامل اللبن منها ما تجعله جبالاً من الزبدة والسمون ترسله إلى إنكلترا فتتناول أثمانه ذهباً وهاجاً. تقسمت في هذه البلاد الثروة تقسيماً كثيراً ومع هذا لا ترى الفلاح يعجز عن القيام بالأعمال الكبرى التي يقتضي لها رؤوس أموال عظيمة قد تألفت شركة تعاون ضمت إليها نحو تسعة أعشار أرباب الأراضي وغدت البلاد تستثمر بأدق قواعد العلم الحديث فيحلل اللبن مرتين في الشهر في

стр. 5604

معامل التحليل التي تشعر صاحب الملك بأقل تغيير يحدث في حالته وتبين له ما يجب إدخاله من التعديل في تغذية الماشية. وبهذه العناية والحذق في اختيار أجناس البهائم أصبح معدل السنوي للبقرة الدانيمركية يزيد عن واحد من خمسة في خلال العشر سنين الأخيرة. وهكذا تفحص التربة أيضاً فحصاً في المعامل ويجري إصلاحها عَلَى هذا النحو والفلاحون هم الذين يتولون أعمال هذه الشركات بأنفسهم يحاسبون أربب الأملاك ولا يقع حيف عَلَى أحد ولذلك لا تقام دعوى ولا يحد خصام بينهم. وهؤلاء الفلاحون العاملون عَلَى غاية الأخلاق يرأسون بيوتاً وأسرات وكل ولد يولد لهم يكون مادة رزق جديدة ودرجة تعلمهم أرقى من عملة المدن بل أرقى من أهل الطبقة الوسطى. فتجد لكل قرية حتى الصغرى منها قاعة لإلقاء المحاضرات يتباحث فيها الفلاحون عَلَى الدوام في المسائل الاجتماعية والزراعية السياسة والدينية وأحياناً تجد لكل قرية قاعة للاستحمام وداخل بيوتهم عَلَى غاية من الذوق والنظافة. والفلاح الدانيمركي المتعلم يفهم المصالح الاقتصادية فيدل عَلَى ذكاء وبعد نظر في مستقبل بلاده الذي هو في الألبان والسمون والبيض. وقد استطاع الفلاحون الدانيمركيون الذين يؤلفون السواد الأعظم من الأغنياء وأرباب الأملاك أن يقبضوا بذكائهم عَلَى قياد بلادهم وأن يكون لهم في مجلس النواب الأكثرية المطلقة التي تتصرف بالبلاد كما تريد وتتولى مناصب الحكومة وكم من فلاح يبحث في أعوص المسائل فيحلها في حقل عقل وتجارب. فالفلاح الدانيمركي وحيد في هذا الباب في أوربا بفضل التربية التي ربيها أولئك الفلاحون في المدارس العليا فدخل فيها ٤٧ في المئة من مجموع السكان وتلقنوا التربية العقلية والأخلاقية اللازمة للحقول. وما القائمون بالشركات الزراعية إلا تلامذة تلك المدارس التي بنيت بأموال الفلاحين فهي مدارس خاصة يبذل لها الفلاحون عن سعة مع ما عرف به الفلاح من الاقتصاد في كل هذه البلاد. ولذا ترى كل كورة من كور الدانيمرك أن من موجبات شرفها أن يكون لها مدرسة عليا ومن لم يدخلها في عرف الفلاحين يكون من الطبقة الدنيا ليس له من أسباب الشرف لا قليل ولا كثير. أنشئت المدرسة العليا في الدانيمرك ممثلة لأفكار ممثلها غروندفيج الذي عاش من سنة ١٧٨٣ إلى ١٨٧٢ ولقب بنبي الشمال وبروحه قامت وارتقت وإنك لترى إلى اليوم في المدارس التي أحدثها خطبه وأشعاره وكتاباته تقرأ وتشرح باحترام يوازي ما تقرأ به

стр. 5605

التوراة وتفسر به. حتى أن الأساتذة يرون أن من الواجب الاحتفاظ بتعاليمه وإنك لترى صورته معلقة في كل قاعة من تلك المدارس وهو شيخ يجري أبيض اللحية كبيرة السحنة تظهر عليه الشهامة والنشاط. وكان هذا الرجل من بيت أدب وعلم وكتب في التاريخ والأساطير والشعر القديم والتراجم ما بلغ ثلاثين ألف صفحة وهو عمل عظيم حتى عَلَى من عاش ٩١ سنة مثله ممتعاً بصحته وتقواه. وكانت أمه من بيت علم وأبوه واعظاً دينياً فتعلم من والدته في صباه حب القديم والميل إلى القصص ولطالما غنت له الأغاني الوطنية والأناشيد الدينية التي كان بها في حياته الفرد المقدم فأصبح شاعراً بما لقنته إياه أمه من الشعور وبواسطة الأناشيد الدينية التي ينشدها الفلاحون كل يوم أثر في أفكار فلاحي بلاده وتعلم اللاتينية وكان يحمله معلمه عَلَى الاختلاف إلى بيوت الفلاحين فاستفاد من هذه الزيارات أكثر مما استفاد من دروس النحو والصرف فتعلم كيف يحب الفلاح وكان إذ ذاك عَلَى غاية الفقر وشعر بتنمية حبه للطبيعة والخلاء مما كان أحد مصادر شعره. لبس ثياب الوعظ وانخرط في سلك المبشرين وبعد سنين خلع ثيابه وذهب إلى لندرا فأثرت هذه الرحلة تأثيراً شديداً فيه إذ لم يكن قبلها يعيش إلا عيش الكتب والدفاتر فأخذت نفسه بما رآه في الإنكليز من الحياة العملية والنشيطة وما خصوا به من الذوق في الرياضات الطبيعية وتأصل فيهم حب الاستقلال الشخصي ولاسيما ما عرف عن مدارسهم من حيث إعداد الخلاق شبانهم ورجع من هذه السياحة والشمس في عينه وعالم جديد في قلبه وأخذ ينسج في أشعاره باللغة الدانيمركية الدارجة عَلَى مثال قدماء شعراء الإنكليز وهي ترمي إلى أنه ليس من شعور وطني بدون شعور ديني وأن الأدوار التاريخية التي خلت من الإيمان هي أدوار لا مجد لها وكل يقظة مسيحية هي يقظة وطنية وعلى هذا المحور يدور المترجم به في أشعاره وكتاباته كلها وأعماله الاجتماعية ولقد صرح في إحدى المجتمعات أنه من العبث أخذ السلاح للدفاع عن الوطن إذا لم يكن المرء متشبعاً بالشعور الديني. فمن ثم كان يرى إثارة الشعور الوطني والإيمان في مدارسه الجديدة. وفي سنة ١٨٣٢ نشر لأول مرة في مقدم كتابه الميثولوجيا الكبرى فكرة مدرسته وفي سنة ١٨٤٤ في اجتمع حضره بضعة ألوف من الفلاحين الوطنيين خطب القوم فأثرت خطبته
следующие страницы →