Полный текст (6 802 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الطان فإن كتابته آية في الطلاوة والرقة ومثال في سلامة الذوق وسداد الحكم ولقد كانت الحكمة تتفجر من خلال كلماته وقد يعيد القارئ مطالعة كتاباته المرة على المرة ولا يملها من العذوبة والأدب والعلم والعقل وسبحان من خص من شاء بما شاء. وقد جرت بيني وبينه مباحثات ومراسلات هي عندي من أنفس ذخائر حياتي وكنت أناقشه على بعض أقوال له تتعلق بشريعتنا فإذا أوضحت له الوجه فيها أذعن إلى الحق ولم يكبر ذلك عليه شأن كل عالم كبير لأن العلم إذا خالط النفس صار هو ضالتها وطرد من جواره كل دعوى وصفت تلك النفس لقبول الحقائق وجدير بالبلاد التي يسوس أمورها علماؤها العاملون أن ترقى أعراف الفلاح لأن من أعظم أسباب السعادة أن يكون الفيلسوف والياً أو الوالي فيلسوفاً.
بيروت
شكيب أرسلان
стр. 597
الْخَلَنْجُ وَالْخُلَيْنِجُ
(١ تمهيد) طالع بعض القراء الأماثل من البغاددة ما جاء في المقتبس عن فوائد ورق النبات الذي ذكر هناك (ص٤٢١) باسم الاريقي. وسألوني هل له اسم في العربية وما هو وهل ذكره شعراء العرب في شعرهم وما هذا النبات وطلبوا مني أن أعرفه تعريفاً مولاً كافياً شافياً على ما جاء به العرب سابقاً والإفرنج في عهدنا هذا فلبيت طلبهم بكتابة السطور التالية
(٢ تعريف الخلنج على ما نطق به العرب) اسم الاريقي بالعربية هو الخلنج. أما الاريقي فكلمة يونانية قال ابن البيطار في تعريفه: قال أبو عبيد البكري: هذا الاسم يقع عندنا بالأندلس على الشجرة التي يصنع من أصلها فحم الحدادين ويسمى باليونانية اريقي (وبالأصل المطبوع ارتقي وهو من غلط الطبع) لها أغصان طوال مقدار قامة الإنسان ذات هدب أصفر من هدب الطرفاء بين اللدونة والخشونة وزهره صغير إلى الحمرة وفيها غبرة وهي لطيفة في شكل المحجمة في جوفها شعيرات من لوانها في رأس كل شعيرة حبة هينة لطيفة ألطف من حب الخردل فرفيرية اللون قد فرعها واحدة حتى خرجت في وسطها من كمام الزهرة (قلت أنا: وهذا النوع يسمى بالفرنسية أو
ومنه صنف آخر أبيض النور إلا أنه ألطف من نور الأول مقداراً والشكل واحد. (زدت أنا: وهذا الذي يصح أن نطلق عليه اسم الخلينج مصغر خلنج تمييزاً له عن الخلنج الأول ويقابله باليونانية لفظة موريقي وهو الذي يطلق عليه بالفرنسية اسم بدون تقييد وبلسان النبات أو
وقال في تعريفه داود الحكيم في تذكرته: خلنج شجرة بين صفرة وحمرة يكون بأطراف الهند والصين ورقة كالطرفاء وزهره أحمر وأصفر وأبيض وحبه كالخردل. وقال المجد الفيوز أبادي: الخلنج كسمد: شجر معرب. وزاد في التاج: شجر فارسي معرب (خلنك) يتخذ من خشبه الأواني.
وأما صاحب دائرة المعارف فإنه من بعد أن أورد كلام داود الحكيم من تحديد ووصف قال: وقد ذكروا (أي العرب) أنه يصنع من خشبه قصاع قال الشاعر:
يطعم الشهد في الجفان ويسقي ... لبن البخت في قصاع الخلنج
وهذا يدل على أنه شجر كبير. وقولهم يكون بأطراف الهند والصين يدل على أنه غير
стр. 598
الذي اصطلح على تسميته مؤخراً بهذا الاسم لأنه معروف في غربي آسيا وفي أوربا كثيراً أنه شجيرات أو نجوم.
قلنا أن ابن منظور عند ذكره البيت الآنف إيراده قال:. . . وقيل هو كل جفنة وصحفة وآنية صنعت من خشب ذي طرائق وأساريع موشاة. قلنا: وحينئذ يسقط اعتراض الدائرة على أن كلامها صادق إذا كان من الخلينج لا عن الخلنج لأنني رأيت في بلاد الهند ما يمكن أن يخرط من سوقه أنواع الآنية بدون أدنى مانع. لأن هذا النبات يكون أنجماً وشجيرات تكاد تكون أشجاراً ويبلغ جنسها ٤٠٠ نوع وموطن أغلبها إفريقية وليس منها في أوربا إلا عشرون وفي آسيا الغربية ثلاثة أو أربعة وفي الهند والصين وفارس نوعان فقط منهما الخلنج الكبير.
(٣ تعريف الخلنج على ما ذكره العلماء المحدثون وأنواعه) هو جن أصلي لفصيلة الخلنجية أي أنها النبتة ثنائية الفلقة وحيدة أهداب التويج ذكورها سفلية الاندغام وأغلب نباتاتها شجيرات ونجوم جميلة المنظر وأهدابها (وهي أوراقها) متعاقبة في الأغلب ويندر كونها متقابلة أو احاطية وهي بسيطة خالية من الأذينات ونورها مختلف وأجاسها أربعة أشهرها الجنس الأساسي ثم الاندروميدة ثم الاربوتس فالرودندرون. الخ. وأما أثمارها فتكون في خل كثير البزر.
وأغلب منابت الخلنج الأرضون الرملية ومن خاصيته النبتية أنه يزيد تراب الأرض التي يجيء فيها ويعلي خصبها ويجعل ذلك التراب من أحسن الأتربة لخفته وقوته ولذلك يعرف بالتراب الخلنجي.
أما اختلاف أنواعه فيأتي في العموم من هيئته الخارجية ونظام أنواره وألوانه التي لا تقف عند حد. إلا أن جميع هذه الأنواع تعرف بدوام خضرة أهدابها وطول بقاء أزهارها وخلانج إفريقية هي أجمل وأبهى وأزهى هذه الأنواع وأشدها رغبة للناس وتطلباً لها منهم إلا أنها ألطف قواماً وبقاء وهي تتكاثر بالبزر أو العكيس.
(حاشية. العكيس بلسان النباتيين: القضيب من الحبلة يعكس تحت الأرض إلى موضع آخر وقد يطلق على كل قضيب يعكس ولو لم يكن من قضبان الحبلة. قلت وهو المعروف في بعض البلاد بالدرخة عند العوام وبالفرنسية أو التعزيز (حاشية: التعزيز عند علماء النبات
стр. 599
ما يحول من فسيل النخل وغيره قال القتيبي: وسمي بذلك لأنه يحول من موضع إلى موضع فيغرز قلت وهو المعروف في بعض البلاد بالقلم عند العوام. وعند الفرنسيين بكلمة أما أشهر الأنواع المعروفة في هذه البلاد الشرقية فهو الخلنج الأرمد ويعرف بلسان علماء النبات باسم وينبت بكثرة في الحراج ولوفرة أزهاره فهو ينشر بين خضرة تلك الدكادك والألوية أعلاماً وردية ضاربة إلى البنفسجية وهو الذي قال عنه ابن البيطار أن النحل تعمل من زهراتها عسلاً ليس بمحمود. - والخلنج الصادق وهو رأس النوع المسمى بالكلونة ومشهور بتويجه المشقوق. - وخلنج المكانس وهو الذي تتخذ من أغصانه الناعمة المكانس والمنافض الخشنة (المنافض جمع منفض أو منفضة وهي المسماة بالفرشاة أو الفرشة عند البعض والمكانس الاسلامبولية والشامية تسوى من هذا النوع. وفي عدة بلاد تتخذ تلك الأغصان مع الجذور خشباً للوقود وفحمه من أحسن الفحم.
ومن أنواعه الأجنبية الخلنج ذو الأزهار الكبيرة وهو يكثر في البلاد الرأس من إفريقية ويبلغ علوه متراً ونصف متر ونوره أحمر برتقالي أو أحمر سقلاطوني. ومن تلك الأنواع الخلنج القاروري وتكون أزهاره على هيئة قوارير ولونها على بياض مؤطرة بحمرة.
(٤خواصه الطبية) قال داود الحكيم: هو حار يابس في الثانية قد جرب دهنه لإزالة الإعياء والضربان والنقرس عن برد. ونشارته إذا غسل بها البدن فعلت ذلك ومثقال من بزره بالعسل يحفظ القلب من السم والأكل في أوانيه ينفع الخفقان. وقال ابن البيطار: إذا تضمد بزهرتها أو ورقها أبرأت نهش الهوام. وقال جالينوس في ٦وقوة هذا النبات قابضة محللة لا لذع معها وأكثر ما يستعمل منه ورده وورقه فقط. وقال الشريف: زهره له قوة حارة يابسة في الثانية وإذا جمع زهره ووضع في الدهن وشمس ثلاثة أسابيع ودهن به نفع من الإعياء ومن أوجاع المفاصل ومن النقرس البارد السبب. وفي دائرة المعارف: اشتهر بتفتيت الحصا وشفاء القولنجات واستعمل منقوع أزهاره في شفاء القوباء وقيل إذا تكمد بالأزهار نفعت من النقرس. وقد تستعمل في الحمامات البخارية كذلك وقيل أيضاً أنها تنفع من حمى الربع.
(٥وروده في أشعار العرب) جاء في الأغاني ١٧: ١٦٧ قال الزبير: حدثني عمي مصعب أن عبيد الله بن قيس كان عند عبد الملك فأقبل غلمان له معهم عساس خلنج فيها لبن البخت
стр. 600
فقال عبد الملك: يا ابن قيس أين هذا من عساس مصعب التي تقول فيها:
ملكُ يطعم الطعام ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج
فقال لا. أين يا أمير المؤمنين لو طرحت عساسك هذه في عس من عساس مصعب لوسعها وتغلغلت في جوفه فضحك عبد الملك. ثم قال: قاتلك الله يا ابن قيس فإنك تأبى إلا كرماً ووفاءً.
قلت وقد اختلفت الروايات في إيراد البيت المذكور ففي الأغاني هذه الرواية. وفي دائرة المعارف الرواية التي ذكرناها في صدر هذه المقالة. وكذلك جاء في محيط المحيط.
وأما رواية التاج فهي:
تلبس الجيش بالجيوش وتسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج
وإليك الآن رواية اللسان:
يلبس الجيش بالجيوش ويسقي ... لبن البخت في عساس الخلنج
وفي مادة ب خ ت من التاج:
إن يعش مصعب فإنا بخير ... قد أتانا من عيشنا ما نرجي
يهب الألف والخيول ويسقي ... لبن البخت في قصاع الخلنج
وممن ذكر الخلنج من الشعراء هميان ابن قحافة. فقد قال:
حتى إذا ما قضت الحوائجا ... وملأت ساحلاً بها الخلانجا
منها وثموا الأوطب النواشجا (عن اللسان)
فهذا بحث علمي أدبي لغوي طبي من قديم وحديث عساه يكون كنزاً للطالب والله الموفق إلى السداد بغدادأحد قراء المقتبس
стр. 601
الضبط
جاء في تاج العروس أن الأضبط هو الذي يعمل بيديه جميعاً ويقال ضبط الرجل بالكسر يضبط وهي ضبطاء. وفي الحديث سئل النبي (ص) عن الأضبط فقال الذي يعمل بيساره كما يعمل بيمينه وكذلك كل عامل بعمل بيديه جميعاً وهو الذي يقال له أعسر يسر فإن عمل بالشمال خاصة فهو أعسر بين العسر وهي عسراء وقد عسرت بالفتح عسراً بالتحريك ويقال رجل أعسر وامرأة عسراء إذا كانت قوتهما في أشملهما ويعمل كل واحد منهما بشماله ما يعمله غيره بيمينه. ويقال للمرأة عسراء يسرة إذا كانت تعمل بيديها جميعاً ولا يقال أعسر أيسر ولا عسراء يسراء للأنثى وعلى هذا كلام العرب. والعسران جمع أعسر يقال ليس شيءٌ أشد رمياً من الأعسر ومنه حديث الزهري كان يدعم على عسرائه العسراء تأنيث الأعسر اليد العسراء ويحتمل أنه كان أعسر. وبعد فقد قرأنا في مجلة الطبيعة فصلاً تحت هذا العنوان فآثرنا تحصيله قالت: أنشئت في لندرا منذ مدة جمعية لنشر عادة العسر واليسر يقضي على أعضائها أن يدعوا الأولاد والبالغين إلى استعمال كلتا اليدين يعلمونهم ذلك بالمثل ويدربونهم عليه بالقدوة والعادة. ونحن لا نعلم لم لا ينتفع باليد اليمنى كالانتفاع باليد اليسرى على حد سواء على حين ليس هناك عائق يعوق عن ذلك فترى الرجل أو المرأة في عدة صنائع يستعملان باختيارهما إحدى اليدين من دون مشقة. وترى الضاربين بالأرغن يحذقون الضرب باليمنى واليسرى على غرار واحد. وإن كانت اليمنى تترجم عن الجزء المبهم من أنغام هذه الآلة. وضارب الكمنجة يمر أصابع يده اليسرى على درجة من السرعة لا تصدق فيمسك الآلة باليسرى ويستعمل قوس الكمنجة باليمنى.
ويتوصل من يستعملون آلة الداكتيلوغراف أن يضعوا على مصفهم حروفاً باليدين متى مهروا في عملهم. ويقال مثل ذلك في صنائع وأعمال أخرى تكون فيها اليد اليسرى بالضرورة أقدر على العمل من اليد اليمنى وينتفع بكليهما معاً على حد سواء.
الناس في الغالب أياسر بمعنى أنك تجد في المائة أعسرين أو ثلاثة عسران وتجد ٩٧ أو ٩٨ أيسر وتكاد تجد فيهم الأضبط على الندر. واستعمال اليمنى قديم العهد جداً ولا يستعمل المرء كلتا يديه بالطبع بل قد سبق إليه بالدريج ولبعض أسباب. وإنا إذا فحصنا هياكل عظام القدماء نرى بالبحث فيها فروقاً في الطول والثخانة بين الذراعين واليدين مما يستدل منه على أن الناس كانوا في أوائل عهد الإنسانية يستعملون الذراع اليمنى أكثر من اليسرى
стр. 602
فزادت كثرة استعمالها في قوتها ومقاومتها للمصاعب ونمتها نمواً.
وسواءٌ ورثنا عن أجدادنا أو بالتطبع عادة استعمال اليمنى إيثاراً لها على اليسرى فإن هذا الأمر طبيعي. وإذا سألت عن السبب الذي من أجله كان الإنسان في أوائل العهد الأول أيسر فالجواب عليه أنه نشأ على ذلك بحكم الوراثة فقد عرفت أسرة كان أبوها أعسر ولم تكن الأم كذلك وربما كانت تستعمل يسراها متابعة له فجاء ابنها أعسر.
ويرى السير جايمس ساويرا أحد كبار دعاة الجمعية المشار إليها أن الإنسان لا يستعمل كلتا يديه بقطرته وإن استعمال اليمنى من القديم نشأ من عادة استعمال السلاح ونشأ في العهد الحديث من عادة الكتابة. ومن يعلم كيف كان الرجل الأول الذي رسم خطوطاً على الحجر أو على ورق البردي بإحدى يديه. ومن الواضح أن المرء بالتمرين توصل إلى استعمال اليمنى كما يستعمل اليسرى. ومجذوموا الذراع اليمنى من الأدلة في هذا الباب. ولكن إذا نظر المرء إلى الكتابة باليسرى يتجلى له بأنه قريب من كتابة المرآة.
عرفت أضبط وكان جراحاً مشهوراً في باريس وهو الدكتور كوسكو كان يجري العمليات باليسرى واليمنى معاً ولا يهمه حال المريض من هذه الوجهة وهو على منضدة العملية. فيخرج بياضة العين (كتاراكت) بكلتا يديه على حد سواء من المهارة. وكان حاذقاً في جراحته حذقه في الموسيقى والنقش والرسم ومع هذا لم أره يكتب وصفة بيده اليسرى.
وقد حاول الأستاذ مركيل الألماني أن يجلو هذا الأشكال ومن رأيه أن ليس في انتخاب إحدى اليدين صدفة وإلا لكنت ترى عند بعض الشعوب جيوشاً من العسران بدلاً من الأياسر وليس هما غير العادة والتعليم اللذين جعلا عادة استعمال اليمنى وسلسلاها فينا حتى انتهت إلينا على هذا النحو.
стр. 603
النهضة الأميركية
من مبحث في المجلة الجديدة الفرنسية
بورتوريكو هي الجزيرة الرابعة من جزائر الأرخبيل بمساحتها السطحية والأولى بكثرة السكان فإن فيها ٨٥ ساكناً في كل كيلو متر مربع على حين لا يبلغ معدل السكان في سائر جزائر الأرخبيل ١٨ نسمة في كل كيلو متر مربع وهذه الجزيرة من الخصب والأمراع بحيث يجود فيها السكر والتبغ والقهوة وتأتي بغلات وافرة. وهي على خلاف جزيرة كوبا التي لها طرق لا تسلكها الخطا ولا تهتدي إليها القطا. وتقفط بورتوريكو على قطري أسباب الحياة وهي أنموذجات الجزائر ومثال العمران في البلدان إذ لها كثير من الطرق المرصوفة الموصلة بين أمهات مدنها كما تجمع السلسلة فرائد العقد.
كل هذه الصفات في كوبا وما خصت به من المرافئ الأمينة اللائقة لإجراء التمرينات البحرية قد أهابت بمطامع الأمريكان أن يستولوا عليها ويطردوا منها الإسبانيين وحجتهم أن ثمانية أعشار مقايضات الجزيرة وتجارتها هي مع الولايات المتحدة. ولما غلبت إسبانيا سنة ١٨٩٨ كان من نتائج معاهدة باريس أن ضمنت للولايات المتحدة الأخذ بمخنق تلك الجزيرة الغناء ولم ينتطح عنزان في استيلائها عليها لأنه لم يكن في سكانها من يطالب بالحرية والاستقلال بل قد انصرفوا جملة إلى الأعمال الزراعية وتخلوا عما وراء ذلك من مطالب الحياة الاجتماعية فراحت الولايات المتحدة تنظمها بنظامها وتؤدبها بآدابها أكثر من تنظيم جزائر الفليبين حيث كان سكان هذه يقاومون لنيل الاستقلال النوعي فتحول هذه المطالبة دون إجراء ما تريد أميركا عمله في هذه الجزر. وظهرت في كوبا قوة أميركا الاستعمارية وإبداعها في طريقة الفتح والاغتناء وقد منحتها بعد شيئاً من الحكم حفظت فيه حقوقها فكانت كما قالت جريدة الطان الباريسية أشبه بأثينا أيام معاهدتها البحرية الأولى في القرن الخامس أو رومية بفتوحاتها - نواة من الحرية يحيط بها موكب من الرعايا والعبيد.
وسنة ١٩٠٣ ثار سكان برزخ بنما مطالبين بالاستقلال فإن الثلاث والخمسين ثورة وفتنة ومذبحة التي حدثت في البلاد منذ سبع وخمسين سنة كانت دون تلك الثورة بأهميتها في نظر العالم فساعدتها الولايات المتحدة في الانفصال عن كولومبيا. وقد عني رئيس الجمهورية بأمر هذا الاستقلال ليتسنى لأمته أن تشيد برزخاً يجمع بين البحرين المحيطين
стр. 604
وتكون فيه صاحبة النفوذ الأول فأبانت الولايات المتحدة هذه المرة بأنها تدوس الحق بأقدامها إذا كان فيه إسقاط نفوذها. ومن ألقى رائد الطرف في أحوال الولايات المتحدة في القرن الماضي لا يعتم أن يسجل بأن هذه الحكومة سارت كل هذه المدة ولم تفشل لها راية ولم تسقط لها كلمة بل كانت بفضل المحافظة على مبدأ مونرو صاحبة الراية العليا والكلمة الفاصلة من الأرجنتين إلى البرازيل وشيلي ومن بيرو إلى كولومبيا وفنزويلا ومن سان دومينيك إلى المكسيك مارة بكوبا فتداخلت في شؤون تلك الحكومات كافة مباشرة أو بالواسطة وإرادتها على العمل بإرادتها حتى حق أن يقال أنه لم تطر ذبابة لم تشعر بها حكومة واشنطون في أنحاء تلك القارة.
ولقد هدد ألمانيا القائد ديوي أحد رجال الولايات المتحدة بالحرب لأن بعض سفنها قامت بتمرينات في جزيرة مارغريتا على شاطئ فنزويلا سنة ١٩٠١ وكان أملها أن تقيم لها فيها محطة للفحم وزاد في استيلاء الولايات المتحدة مهاجرة ربع مليون من الجنس التوتوني الجرماني إلى جنوبي بلاد برازيل. وقد كادت الحرب تنتشب بين إنكلترا وأميركا على مسائل فنزويلا ثم انحل الأشكال صلحاً بعد أن توعد رجال أميركا إنكلترا بانفصال كندا عن نفوذها إذا هي ظلت على عنادها كما سقطت إسبانيا وهي العدوة القديمة لأميركا من حالة مجدها واضطرت إلى الإذعان للقوة. أما روسيا فتخلت عن آخر ما لها في تلك القارة الأميركية لقاء بضعة ملايين من الدولارات وقد اقترح على فرنسا أن تتخلى عن جزائر المارتينيك والكوادولوب وتبيعها بيع الرضى لا بيع غبن. أما إنكلترا وألمانيا وإيطاليا فقد عاد لهن بعض نفوذهن في فنزويلا. وهكذا تجد القارة الأمريكية وفيها نحو عشرين أمة صغيرة كلها طوع أمر الولايات المتحدة. فقد كانت المكسيك ولا تزال تحمى بمبدأ مونرو وأخذت منها التكساس. وكندا مؤتلفة مع الأميركان وهؤلاء يركنون إليها. وبورتوريكو أضيفت إليهم وانتيل الدانمرك وسان دومينيك كادا يباعان لها وكوبا أصبحت أميركية وبنما وكولومبيا وفنزويلا وكل أواسط أميركا لا تعمل إلا بالروح التي تبعثها فيها دار ندوة واشنطون. وقد سكتت برازيل في مسألة آكر المهمة وشيلي والأرجنتين وبيرو وجمهورية خط الاستواء يعترفن بمبدأ مونرو على درجات مختلفة.
ولطالما أدى الحسد المتأصل بين برازيل والأرجنتين وشيلي إلى إهراق الدماء ولذلك كان
стр. 605
بعضهم يقول أن النهضة الأميركية غير ثابتة الأساس والخطر محيق بها وأن نتائج تلك النهضة مجهولة وأن الحوادث أثبتت أن الولايات المتحدة لم تنظر في كل أحوالها إلا لمصلحتها الخاصة وأن نهضتها قامت بالقوة والحرب ومع هذا فلا يخطر ببال أن أميركا تود أن تضم إليها العالم الجديد برمته بل تريد المحافظة على الحالة الحاضرة عاملة في كل شؤونها بمبدأ مونرو الشريف المبني على قاعدة فسيولوجية.
ومن نتائج هذه النهضة أر رقيت الولايات المتحدة أرقى درجات العمران فكانت صادراتها سنة ١٨٧١ خمسمائة مليون فرنك فبلغت سنة ١٩٠٠ - ٢٣٠٠ مليون هذا مع أن جانباً كبيراً من غلاتها يصرف في البلاد. وكانت معاملها سنة ١٩٠٠ - ٤١٥ر٤٩٠ معملاً تصنع ما قيمته ٦٥ ملياراً من المصنوعات. وللولايات المتحدة المقام الأول بحاصلاتها الزراعية فإنها بلغت خمسة عشر ملياراً ونصف مليار من الفرنكات. وتحتاج أوربا مسانهة إلى ٤٨٠ مليون هكتو لتر من الحنطة تستغل أكثرها وتبقى محتاجة إلى ١٣٤ مليون من الخارج تقدم أميركا منها ٢٥ إلى ٦٠ مليون هكتو لتر بعد أن تقوم غلات البلاد بحاجات سكانها. وقد زاد عدد سكان المدن الكبرى على نسبة غريبة فكان سكان فرنسيسكو سنة ١٨٥٠ - ٨٠٠ر٣٤ فبلغوا في أيامنا ٠٠٠ر٣٥٠ وكان سكان بنتيمور ١٦٩ ألفاً فصاروا ٦٢٥ ألفاً وسكان فلادلفيا ٣٤٠ ألفاً فبلغوا مليوناً وربع مليون. وزادت نفوس شيكاغو من ٩٦٣ر١٢٩ إلى ٠٠٠ر٠٠٨ر١.
وكان لهذا الارتقاء الاقتصادي الذي لم يسمع بمثله يدٌ كبرى لأصحاب المليارات من رجال الأموال والغنى الواسع في تلك البلاد ممن أوجدوا فيها ضرباً من ضروب الملك في الأعمال والأموال إلا وهم قادة الاحتكار من التجار مثل كارنجي وفندربلت ومورغان فكانوا ملوك الأرض حقاً وقياصرة الناس بلا مراء من أجل هذا لما رحل مورغان إلى جزيرة كوبا عنيت الحكومة بأمر الطرق التي مر قطاره الخاص فيها عناية فائقة وقد قابله إمبراطور ألمانيا أحسن مقابلة وخافت بورصة مدينة نيويورك وأزعجت لزكام دماغي طفيف أصابه عرضاً منذ بضع سنين.
ضاقت أميركا بما رحبت بهؤلاء الأغنياء فلم يجدوا لأموالهم مصارف في بلادهم حتى قام في أفكارهم أن يبعثوا البعوث من مواليهم وخدامهم يلتمسون في عرض البحور والبرور
стр. 606
مناهل يردونها وخزائن يوزعون فيها كنوز أموالهم. وأنت ترى بهذا أن النهضة الأميركية كالنهضة الإنكليزية قائمة على أساس اقتصادي مغموس بحب المصلحة حتى قال أحدهم: أن سياسة التوسع الأميركية ليست في الحقيقة إلا مثالاً من أمثلة الأنانية المتوحشة التي تمليها المطامع والآمال المستحكمة في عقول شعب وجه جميع قواه الحية نحو تنمية الثروة والعروض المادية أحسن تنمية والأخذ بضبع الراحة والتبسط في مناحي الرفاهية والسعادة.
ومعلوم أن التجارة تابعة للعلم فحيثما خفق علم دولة تتحسن تجارة أبنائها. والروح الأميركية معجونة بالكبرياء طامعة بالغلبة والاستيلاء مطبوعة على الحماس والإدلال بالقوة التي تنبهت وسلكت مسلكها الطبيعي العادي بفضل مبدأ مونرو. قال الفيلسوف اميرسون الأمريكي أن الروح العامة حاضرة في كل شيء لا تعمل فيه إلا للخير والحسن ويكفي أن يقوم كل منا على قدم الصدق بما خلق له حتى تسود الألفة في العالم. وقد اتخذ هذا الحكيم المرء صورة رمزية وأكد عليه أن يعتقد بفكره ويثق بقوته ويعجب بنفسه. وهذه هي القاعدة المطردة التي انصبغ بها أبناء الأميركان وطبعوا نفوسهم عليها. ولذا أصبح كل تغلب عند الأميركان جهاداً مقدساً كما كان قديماً عند المسلمين ونفذت النهضة في عظم الأمة وجبل عليا لحمها.
زادت حركة الأفكار في العالم أواخر القرن التاسع عشر فأنشأت الأمم تجتهد في اظبان ملكاتها وما انطوت عليه من الرغبات والآراء. ويقال أنهم يحاذرن ارتباطاً هائلاً ينبغي لكل منها أن تتوقاه. فكانت نتيجة ذلك عند الأمم القوية اتخاذ سياسة عدائية في توطيد السلطة ونشر الكلمة وهذا هو معنى النهضة التي تجد أثراً من آثارها في روسيا وألمانيا وتراها على أشدها في إنكلترا والولايات المتحدة أما الأمم الضعيفة فكانت النتيجة عندها أن دافعت عن حوزتها بحد المرهفات ووقفت أبداً على رد الغارات والهجمات وهذه هي الوطنية. فإيطاليا وفرنسا خصوصاً قد أحستا بهذا النفوذ والمبدأ الذي جمعت فيه الولايات المتحدة بين الهجوم والدفاع وعاشت في ظله طامحة أن تجمع في البيت الأبيض (قصر رئيس جمهوريتها) زمام حكم العالم على نحو ما كانت رومية قديماً تجمع في قصر قياصرتها. هو مبدأ مونرو القائل أميركا للأميركيين بل أميركا لكان الشمال من أهلها فصح والأمر على ما ذكر أن تقول بعده العالم للولايات المتحدة كلمة رددتها صحفهم في الحرب
стр. 607
الإسبانية منذ بضع سنين وجهروا بأن نابليون على ما اشتهر عنه من القوة والمضاء قد جبن عن اكتساح أميركا وإدارة دفة مطامعه نحوها. ومن العبث أن يقال أن أمة ولو كان زعيمها قيصراً أو الاسكندر تفتح العالم اليوم بعد أن بلغ الثمانية أو العشرة شعوب في الأرض ما بلغوه من التمدن والتبسط في مناحي الارتقاء وأن ينقسم العالم كما كان على عهد الرومانيين إلى ولايات وقنصليات. ولو وقف الأمر عند هذه الحال لكان الخطر على العالم قليلاً من النهضة الأميركية لكن الولايات المتحدة لا تفتأ عند مسيس الحاجة أن تطيل يد التعدي على خصيماتها من الأمم وتستلب منها ما تريده من مرافئ ومراقب وقلاع ترصد بها طرق تجارة العالم. وأخذ مانيلا هو أول خطوة في هذا السبيل الطويل.
أما فتحت إنكلترا على هذا النحو جبل طارق ومالطة والسويس وكلكتا وملبورن ورأس الرجاء الصالح؟ أما أميركا فتطمح إلى أن تجعل لها مقاماً في شؤون سياسة العالم لاعتقادها بعلو كعبها وفضل تقدمها على نحو ما فعلت النمسا قديماً في أوربا وكما كان شأن فرنسا عندما نجحت سياسة ريشيليو ومازارين. وبعد أن صرح الرئيس روزفلت عام ١٩٠٣ بأن للولايات المتحدة حق التقدم الاقتصادي على البحر المحيط ومنه على العالم عاد يقول في السنة التالية من الخطأ أن يعتقد معتقد بأن أمته ظامئة إلى الفتح والاستعمار فإنه ما من أمة تخشى بأس الولايات المتحدة إذا حافظت على الراحة وقامت بوظائفها وأبانت أنها تحسن العمل في المواد السياسية والصناعية ولكن سوء الاستعمال البربري الدائم والضعف الناتج من التراخي في عامة صلات مجمع متمدن هو مما يؤدي إلى تداخل أمة متمدنة. قال هذا وهو الدليل على ما تكنه صدور تلك الأمة من المرامي البعيدة. وتداخل أميركا في شؤون يهود رومانيا ونصارى أرمينية ويهود كيشنيف بحجة الإنسانية أثر من آثار التجارب الأولى التي تريد القيام بها لتجس نبض العالم وتقدر مبلغ قوتها. وهذا تحين للفرص ما جرى مثله لألمانيا القديمة والنمسا وإسبانيا وفرنسا أيام العزة والقوة.
جرت إنكلترا على حرية المقايضة في التجارة فكان لها التقدم في أسواق التجارة في العالم أما فرنسا فقد مشت على طريقة التعريفتين في تقاضي المكوس والجمارك منذ سنة ١٨٩٢ وفي تلك السنة مشت ألمانيا على طريقة حماية التجارة على نسق أشد من نسق فرنسا وسنة ١٨٩٩ رفعت إيطاليا تعرفة جماركها وسنة ١٨٩٩ عملت إسبانيا كذلك وسنة ١٨٩٨
стр. 608
قامت بمثل ذلك نروج وروسيا وفعلت السويد مثل هذا الفعل سنة ١٨٩٢ والبلجيك سنة ١٩٠٠ وبرازيل والمكسيك وكندا سنة ١٨٩٧ والأرجنتين واليابان سنة ١٨٩٩ والهند الإنكليزية سنة ١٨٩٦. وكذلك كان شأن إنكلترا فإنها أخفت مقاصدها من حماية تجارتها بحجة تقاضي رسوم أميرية من الجعة والخمور. أما الولايات المتحدة فإنها تتطلب كسائر الشعوب بل أكثر من كل الشعوب امتداد سلطتها مع حماية تجارتها والحماية فيها أبداً على أمتنها بفضل مبدأ مونرو حتى فاقت في هذه الطريقة أمم العالم قاطبة.
الباقي للآتي
стр. 609
جوائز نوبل
يردد كل سنة اسم نوبل في الصحف ولعل كثيراً من القراء لا يعرفون من هو وما هي جوائزه فنوبل رجل أسوجي عظيم من أهل القرن الماضي خدم الإنسانية في حياته وبعد مماته خدمة يدونها له التاريخ ولم يكن من كبار العلماء ولكنه كان من كبار العاملين والمخترعين من أرباب الصنائع. هو الفرد نوبل الكيماوي ولد في استوكهلم عاصمة السويد سنة ١٨٣٣ ومات سنة ١٨٩٦. ذهب مع والده وكان مهندساً إلى بلاد الروس لإقامة معمل للنسافات في ثغر كرونستاد واشترك مع أخيه في استثمار مناجم البترول في باكو ولئن أخفق والده في الأولى فقد أفلح أخوه في الثانية. ولكن الفرد لم يرقه هذا فعاد إلى عاصمة بلاده يدرس الكيمياء فدرسها في ثلاث سنين. وقد حاول إدخال النيتروغليسيرين في المواد المنفجرة فانفجر معمله كما انفجرت معامل أخرى عملت مثل عمله في ألمانيا وأميركا حتى إذا ارتأت الحكومات أن تمنع استعمال هذه المادة وقع في نفسه سنة ١٨٦٧ أن يخفف من تأثيرها فمزجها بمادة أخرى السيليس أمورف أو الصوان المنتثر فتم له بذلك اختراع الديناميت وهي المادة المعروفة في نسف الصخور والمقالع وغيرها وحل الديناميت محل معظم المواد المنفجرة واستعيض به عن غيره في المناجم وإملاء القذائف وغيرها ولم يلبث أن صار للديناميت نحو عشرين معملاً في بلاد أوربا وأميركا الشمالية وله فيها اليوم مئات. واخترع الفرد نوبل البارود بلا دخان وأقام له عدة معامل في أوربا وقام بأعمال صناعية مهمة وأبحاث عملية نفعت العلم والصناعة.
هذا هو نوبل ونشأته على وجه الإيجاز ومن هنا جاءه المال ودرت عليه أخلاف السعادة وإذا كان سمحاً جواداً للغاية ولاسيما على ما فيه إنهاض شأن العلم العملي النافع دفع من ماله نصف ما اقتضى لحملة اندرى الرحالة الذي ذهب لاكتشاف القطب الشمالي. ولما حانت منيته أوصى بالقسم الأعظم من ثروته وقدرها خمسون مليون فرنك أن تجعل منها كل سنة خمس جوائز توزع على أهل العلم والصناعة وقدر كل جائزة ثلاثمائة ألف فرنك الثلاث الأولى لثلاثة رجال من أي الملل والنحل إحداهما لمن يكتشف أو يصلح أهم مسألة في الطبيعيات والثانية لمن يكتشف أحسن اكتشاف في الكيمياء والثالثة لمن يوفق لأحسن عمل أو اختراع في علم النفس أو فن الطب والرابعة تعطى لمن يؤلف أحسن كتاب في الآداب والخامسة لمن يعمل عملاً نافعاً لإلقاء بذور الإخاء بين أبناء البشر من مثل تنقيص
стр. 610
عدد الجيوش العاملة أو فضها إن أمكن أو تأليف مؤتمرات للسلم. وقد عهد أن تتولى المجامع العلمية في بلاده توزيع الجوائز الأربع الأولى ووكل أمر الخامسة لمجلس نواب السويد لأنها سياسية أكثر منها علمية.
وقد نال هذه الجوائز حتى الآن كثيرون من رجال العلم والاختراع والآداب والسياسة من أمم الغرب وكانت هذه السنة من حظ المسيو هنري مواسان الفرنسي فإنه نال جائزة الكيمياء لأنه مخترع الأفران الكهربائية المستعملة في تسييح المعادن. ونال جائزة الطبيعيات المستر جون طومسون الإنكليزي المتوفر على درس الكهربائية التحليلية والحسابية والمكتشف لأسرار عظيمة فيها. ونال جائزة الطب كل من المسيو سانتياغورامون الإسباني والمسيو كاميل كولجي الإيطالي وهما من أعظم المشتغلين بالأمراض العصبية وقد ظهرت لهما حقائق كانت من قبل غير معروفة. ونال جائزة الآداب المسيو جاردوسي الإيطالي المتفاني في خدمة أمته من طريق التآلف الأدبية والقصصية. ونال جائزة السلام المستر روزفلت رئيس جمهورية الولايات المتحدة لأنه سعى فعقد الصلح بين الروس واليابانيين في السنة الماضية. فليتأمل أغنياؤنا ومن اعتادوا أن يوصلوا بعد موتهم في عمل نوبل ولينظر علماؤنا أن صح أن يسموا علماء.
стр. 611
إمارة الأفغان
نشر الدكتور هاميلتون طبيب أمير الأفغان سابقاً مقالة في مجلة المجلات الإنكليزية وصف فيها حال هذه الإمارة قال فيها: مركز أفغانستان خطير من حيث علاقتها بالهند فهي في أواسط آسيا واقعة بين أملاك إنكلترا وروسيا يحدها من الشمال نهر الأكسوس وتركستان الروسية ومن الجنوب بلاد الهند ومن الغرب إيران ومن الشرق جبال البامير مستقلة في شؤونها استقلالاً تاماً وهي خمس أميالات كبرى كابل وهرات وقندهار وأفغان تركستان وبادكشان ومقاطعتان وهما كفرستان وآخان وتبلغ مساحتها السطحية ثلاثمائة ألف ميل مربع وسكانها زهاء ستة ملايين نسمة ويختلف دخل حكومتها من مليون جنيه إلى مليونين. وجيشها أيام السلم مائة وخمسون ألفاً.
ولما شاع سنة ١٨٠٩ أن نابليون الأول والإمبراطور إسكندر الأول أزمعا أن يهاجما الهند بادرت إنكلترا إلى إنفاذ سفير إلى حاكم كابل فعقد محالفة مع حاكمها شان شوجاء ولما دفعت روسيا حكومة إيران سنة ١٨٣٦ إلى الاستيلاء على هرات رأت بريطانيا أن الحكمة تقضي بتجديد المحالفة مع حاكم الأفغان وكان إذ ذاك دوست محمد في دست الإمارة وذلك لتكون الأفغان حاجزاً في الشمال الغربي من الهند يحول دون المطامع الروسية وإذ كان نفوذ روسيا يزداد استحكاماً في كابل انفصمت عرى تلك المحالفة فسيرت إنكلترا حملة على كابل سنة ١٨٣٨ لتقليص ظل روسيا من تلك الحاضرة ودامت الحرب الأفغانية الأولى من هذه السنة إلى سنة ١٨٤٢ واحتلت كابل وقندهار وأعاد الإنكليز إلى سرير الإمارة شاه شوجاء ثم خلعوه ونصبوا دوست محمد وبعد ذلك انجلى الجيش الإنكليزي.
وفي سنة ١٨٥٥ عقدت محالفة بين بريطانيا وأفغانستان وفرضت الأولى للثانية مليون روبية إتاوة سنوية وأن تقيم لها سفيراً في كابل. وتوفي دوست محمد سنة ١٨٦٣ فحدث بين أخلافه فتن أهلية على الإمارة دامت خمس سنين ثم تمت الغلبة لشير علي فبعث إنكلترا إليه بالذخائر الحربية ولما طلب إليها أن تعترف لأبنه عبد الله بولاية العهد أبت عليه ذلك فنادى به خليفته من بعده على الرغم منها واذرأت إنكلترا جفاء منه احتلت كويتا سنة ١٨٧٦ فلم يسعه إلا أن يلجأ إلى روسيا وبقي معاهدها ومشاكساً لإنكلترا.
فسيرت عليه هذه حملة ثانية احتلت قندهار وهرب شير علي وقضى نحبه عقيب ذلك وتولى بعده يعقوب خان الإمارة أربعة أشهر فحدثت الحرب الأفغانية الثالثة سنة ١٨٧٩.
стр. 612
وانتخب أمراء القبائل الأمير عبد الرحمن سنة ١٨٨٠ حاكماً لأفغان واشتغل لأول أمره بإطفاء الفتن الداخلية ثلاث سنين. ولما تفرغ لتنظيم الجيش أمدته إنكلترا بستين ألف جنيه لتعزيز الحدود من جهة روسيا وبعشرين ألف بندقية من الطراز الحديث وبكثير من المدافع والذخائر فتعهد لها بأن يكون أبداً وقفاً على كل خدمة تطلبها إليه.
ثم أخذ ينظم الجيش على الطريقة الجديدة فزادت إنكلترا أتاوته إلى نحو مائة ألف جنيه فأنشأ المعامل ودور الصناعة وأخذ يصنع العدد ويحشد العدد وكان ينوي أن يجيش حين الحاجة مليون جندي. والتفت إلى الإدارة فنظمها ومع أنه وضع القوانين الإدارية وعمل بها لم يدخل تعديلاً في قانون الجنايات ولم يبطل الفظائع التي يعامل بها الجناة وغيرهم من مثل وضع الجاني في فوهة المدفع وإطلاقه عليه ووضع اللصوص أو غيرهم في مكان عال منعزل عن الناس حتى يموتوا صبراً كما فعل الأمير عبد الرحمن بأحد الموظفين لما قال أن روسيا ستزحف على أفغانستان فأنفذه الأمير إلى جبل شاهق قائلاً ستمكث هناك ريثما يزحف الروس.
وكاد يخشى من تكدير صفو العلائق بين الأمير عبد الرحمن وحكومة إنكلترا لو لم يعالجه الموت فخلفه ابنه حبيب الله وكان تمرن في زمن والده على تولي الشؤون وحافظ على تقاليد أبيه ومنازعه السياسية مع الهند والاحتفاظ باستقلاله فارتأت أن تدفع إليه حكومة الهند المتأخر من الإتاوة وهي أربعمائة ألف جنيه وأن تهيئ له السبل لاستجلاب السلاح من الخارج ولإنكلترا مطالب تريد الآن نيلها من الأمير مثل إنشاء خطوط حديدية وأسلاك برقية تربط عاصمة الإمارة الأفغانية ببلاد الهند. أما الأمير الحالي فلا يماثل والده في الذكاء ونفوذ البصيرة ومن أخلاقه أنه رأى ذات يوم عقرباً في حذائه فأمر حافظ ثيابه أن يلبسه لأنه ضيق ليتسع فلبسه فلدغته العقرب فعاقبه بذلك على إهماله.
ومن الإصلاحات التي أتاها الأمير الحالي إلغاء بعض الضرائب وتحسين طريقة الجباية وقد أذن للتجار أن يقترضوا من الحكومة مالاً ينتفعون به في متاجرهم بدلاً من أن يقترضوا من المرابين بربا فاحش. وأذن لجميع رؤساء القبائل وكانوا نزحوا من البلاد خوفاً من أبيه أن يرجعوا إلى بلادهم وألف مجلساً من أعاظم الموظفين وجمعية تبحث في القوانين الملكية أعضاؤها ينتخبون من قواد الأسرة المالكة ومن الخانات نواب الأمة ومن
стр. 613
الموالي أي العلماء وينظر الأمير في أمور الإدارة والقضاء جميع أيام الأسبوع ويقضي الجمعة في العبادة والراحة والأحد في التفتيش. والسلطة في يد العلماء وأكثر سكان البلاد من أهل السنة.
стр. 614
صحف منسية
رأي الجاحظ في التعريب
قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له أن الترجمان لا يؤدي أبداً ما قال الحكيم على خصائص معانيه وحقائق مذاهبه ودقائق اختصاراته وخفيات حدوده ولا يقدر أن يوفيها حقوقها ويؤدي الأمانة فيها ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب على المجرى وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقها وصدقها إلا أن يكون في العلم بمعانيها واستعمال تصاريف ألفاظها وتأويلات مخارجها مثل مؤلف الكتاب وواضعه. فمتى كان رحمه الله تعالى ابن البطريق وابن ناعمة وأبو قرة وابن فهر وابن وهيلي وابن المقفع مثل ارسطا طاليس ومتى كان خالد مثل أفلاطون ولابد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها حتى يكون فيها سواء وغاية. ومتى وجدناه أيضاً قد تكلم بلسانين علمنا أنه قد أدخل الضيم عليها لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها وتعترض عليها وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه كتمكنه إذا انفرد بالواحدة وإنما له قوة واحدة فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليها وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق والعلماء به أقل كان أشد على المترجم وأجدر أن يخطئ فيه ولن تجد مترجماً يفي بواحد من هؤلاء العلماء هذا قولنا في كتب الهندسة والتنجيم والحساب واللحون فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله .
نصيحة الجاحظ للمؤلف
ينبغي لمن كتب كتاباً أن لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء وكلهم عالم بالأمور وكلهم متفرغ له ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتبه غفلاً ولا يرضى بالرأي الفطير فإن لابتداء الكتاب فتنة وعجباً فإذا سكنت الطبيعة وهدأت الحركة وتراجعت الأخلاط وعادت النفس وافرة أعاد النظر فيه فتوقف عد فصوله توقف من يكون وزن طبعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب ويتفهم معنى قول الشاعر
إن الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يلج بهم عيٌ وإكثار
стр. 615
ويقف عند قولهم في المثل كل مجر في الخلاء يسر فيخاف أن يعتريه ما اعترى من أجرى فرسه وحده أو خلا بعمله عند فقد خصومه وأهل المنزلة من أهل صناعته ليعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع فأراه السكون أن الصواب في الإقلال فلما ضرب تحرك دمه فأشاع فيه الحرارة فزاد في غضبه فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار. وكذلك صاحب القلم فما أكثر من يبتدي الكتاب وهو يريد مقدار سطرين ويكتب عشرة والحفظ مع الإقلال أمكن وهو مع الإكثار أبعد.
واعلم أن العاقل إن لم يكن بالمتتبع فكثيراً ما يعتريه من ولده أن يحسن في عينه منه المقبح في عين غيره فليعلم أن لفظه أقرب نسباً منه من ابنه وحركته أمس به رحماً من ولده لأن حركته شيءٌ أحدثه من نفسه وبداءته من عين جوهره فصلت ومن نفسه كانت وإنما الولد كالمخطة يتمخطها والنخامة يقذفها. ولا سواء إحراجك من جزئك شيئاً لم يكن منك وإظهارك حركة لم تكن حتى كانت منك. ولذلك تجد فتنة الرجل بشعره وفتنة بكلامه وكتبه فوق فتنته بجميع نعمته. وليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه حتى لا يحتاج السامع لما فيه من الروية ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به ن ألفاظ السفلة والحشوة ويحطه من غريب الأعراب ووحشي الكلام وليس له أن يهذبه جداً وينقحه ويصفيه ويروقه حتى لا ينطق إلا بلب اللب وباللفظ الذي قد حذف فصوله وتعرفه وأسقط زوائده حتى عاد خالصاً لا شوب فيه فإنه إن فعل ذلك لم يفهم عنه إلا بأن يجدد لهم إفهاماً مراراً وتكراراً لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام وصارت أفهامهم لا تزيد عن عاداتهم إلا بأن يعكس عليها ويؤخذ بها ألا ترى أن كتاب المنطق الذي قد وسم بهذا الاسم لو قرأته على جميع خطباء الأمصار وبلغاء الأعراب لما فهموا أكثره وفي كتاب اقليدس كلام يدور وهو عربي وقد صفي ولو سمعه بعض الخطباء لما فهمه ولا يمكن أن يفهمه من يريد تعليمه لأنه يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر وتعود للفظ المنطقي الذي استخرج من جميع الكلام.
стр. 616
التربية والتعليم
انتظام الأوقات
من مقالة للدكتور تولوز نشرت في الجورنال
من بورك له بساعات عمره لا يقضيها إلا في النافع ولا يبارك له فيها إلا إذا عرف فيمتها ولم يؤخر عمل اليوم للغد. فإن التسويف والإرجاء من الآفات التي تضيع فيها الأعمار سدى. وكم ارجأ ناس عملاً اقتضى عليهم أن يقوموا بأعبائه لساعته فضاعت الشهور بل السنون ولم يتمكنوا من معاودته. ومن الفتيان الأغمار من يذهبون إلى أن تمام الحرية الخلاص من كل قيد وسلطة ونزع كل ربقة من الرقبة يعدون ذلك غاية الغايات في السعادة وما أضمن الطرق لسعادة المرء ونجاحه إلا أن يلزم نفسه قاعدة لا يتعداها في عمله مهما جاءت قاسية عليه بادئ الرأي.
والتوقيت في المدارس وساعات الصفوف والدروس هو من أحسن القواعد التي تنشئ التلميذ على حب النظام وإلا لرغب عما لا يحبه من الدروس إلى ما يحبه وفي ذلك يضيع عليه فوائد من اعلم. كما تقدم الطالب في سني الدراسة قلت عنايته بتحديد معلوماته فيقل حفظه ويكثر فكره وبهذا ترى الطالب لا يستقر في ذهنه إلا ما استظهره في سنيه الأولى من الكتاب أو المدرسة الابتدائية. وسببه ما كان يقضى عليه مراعاته من التوقيت والتحديد ودوران اليد العليا فوق رأسه. ولكل صناعة قواعد خاصة بها. وهيهات أن تستقيم أعمال إدارة إلا إذا روعيت فيها هذه القواعد كل المراعاة. فإن أحب الناس المخازن الكبرى فذلك لأن كل من فيها من المستخدمين يدققون في تعاطي وظائفهم. ولقد أجمع العالم على الاعتراف بأن مشروعاً تجارياً هو أرقى في شؤونه من إدارة عامة إذ يحاول القائمون بأعباء ذاك المشروع أن يرضوا زبنهم ما أمكن ففي البيوت التجارية يجيبون على الرسائل يوم وصولها والبريد هو المهيمن على الرؤساء والموظفين. أما في الإدارات فإن الرسائل تطرح جانباً وتظل أياماً طويلة في قماطر الكتاب دون أن يجاب عليها ولا يسأل أحدهم عنها مسؤولية فعلية.
ولا يكفي اعتراف النفس بالواجب ليحسن المرء القيام به بل أن التصديق على عمل العامل ضروري في كل فرع من فروع الأعمال وإذا ترك العامل في أي شركة أو إدارة كانت ولم
стр. 617
تراقب أعماله بعمل في عشر سنين ما كانت الشركة تعمله في سنة. ومن اللازم اللازب تمشية القواعد على الكبار قبل الصغار وإلا ساءت الحال. وبحق ما يذهب إليه العقلاء من أنه يعد من سيئات النظام الاجتماعي أن يعفى الكبراء من كل قيد ويرهق الصغار بأثقال القيود والقواعد فلقد حدث عن ذلك كثير من الأدواء الحاضرة.
ومما يصاب به ضعاف القلوب والإرادة أن يكونوا أحراراً في أعمالهم. ولقد عرفت موظفاً كان مثال الغيرة والمواظبة على العمل أيام كان في وظائف صغيرة فلما تدرج في المناسب وعد في مصاف الرؤساء أصيب بالانحلال في كل أعماله وصار يمشي مع هواه غير مراقب لأمس واليوم حساباً. ولعل بعضهم يعترض على كلامي هذا ويقول أن هذا الموظف كان منحطاً في أخلاقه أما أنا فلا أجيب من يلومونه إلا بأنهم كانوا يسيرون كما سار لو صاروا إلى مثل ما صار إليه. وإني لأرثي لحال من يقول أن منصبي حسن وعملي سهل وأنا حر لا يراقبني مراقب فلا يد فوق يدي ولا إرادة تحول دون إرادتي إذ القائل ذلك هو حقاً عبد نفسه وأهوائه ورذائله. ومما طوح بإمبراطرة الرومان فأفرطوا في الشهوات واسترسلوا في الموبقات أنهم كانوا يتمتعون بسلطة كبرى ولو حرم نيرون الظالم ما كان حصل له من السلطة لعاش ولا جرم عيش الأشراف بلا دبدبة بعيداً عن المفاسد والشرور.
وإني لموقن بأن القواعد التي تصد من يعمل بها عن الوفاء هي التي تسهل أمامه عقبات الأشغال وتجعلها في عينه هينة لينة. ومتى يا هذا حتمت على نفسك أن تنام كل ليلة الساعة العاشرة تشعر من نفسك بعد اعتيادك ذلك بغاية الانبساط الحقيقي.
لا يتأتى بلا قاعدة لأسرع الناس على العمل أن يقوم بأسباب حياته على ما ينبغي فيتعب أبداً في تنكبه العمل الذي لا يروقه إلى ما يروقه. من أجل هذا رأينا العاملين من الناس يبطئون في الجواب على الرسائل الواردة إليهم ونرى بعضهم لا يتسع لهم الوقت للمطالعة اللازمة وآخرين لا يعبئون بالأمور الخارجية. وكل ذلك فيه ما فيه من الأسباب المضرة في المجتمع. فالقاعدة النافعة هي التي تنادي العامل بها: ها قد آن وقت المراسلات. ها قد آن لك أن تكتسب معارف جديدة. ها قد حق عليك أن تزور أصحابك وتغشى خاصتك. وأرى أن السير على مقياس الزمن (كرونومتر) يصعب على المتفننين وعلى كل من يستهويهم الشعور ويسيرون بحسب الإحساس ولكني على يقين من أنه لا شيء أجدى نفعاً
стр. 618
في العلم والسياسة من التوقيت والانتظام.
هذه القاعدة واجبة حتماً على كل امرئ في العالم ولكنها أشد جواباً على ضعاف الإرادة والمترددين في نياتهم وأعمالهم ممن يقتضي أن يكون لهم أبداً وصي أو مسيطر ينفخ فيهم الروح التي بها يعملون. ولقد عالجت أحدهم بلغ به الضيق أن انقطع عن كل عمل فصرت أصف له كل يوم كيف يسير وكيف يقطع النهر ويصعد الشارع المؤدي إلى ساحة المريخ ويدخل المخزن الفلاني ويبتاع ربطة لرقبته ويذهب إلى محل التمثيل يشهد رواية ويبقى في مكانه إلى انتهاء المشهد فنجح علاجي وانتهى ضعفه وصار بعد يؤقت لنفسه ولا يجري على هوى إرادته.
стр. 619
مطبوعات ومخطوطات
كتاب الحيوان
تقدم لنا في صدر هذا الجزء أن للجاحظ كتاباً كثيرة في معظم العلوم. وكتابه الحيوان هو أم كتبه ومن أحسن ما خط بنانه بدليل أن كثيراً من العلماء فيما مضى خدموه وعنوا به فالأديب منهم اقتصر على ما ورد فيه من الفوائد الأدبية واللغوية والعالم جرده من الأدبيات واقتصر فيه على العمليات وممن اختصره عبد اللطيف البغدادي العالم الحكيم المشهور والقاضي السعيد بن سناء الملك الشاعر المصري المشهور وسمى المختصر روح الحيوان وقد قال فيه صاحب وفيات الأعيان: ومن أحسن تصانيفه وأمتعها كتاب الحيوان فلقد جمع فيه كل غريب وكذلك كتاب البيان والتبيين ضبع البيان والتبيين منذ بضع سنين إلا أن نفوس العالمين والمتأدبين ما برحت مشتاقة للانتفاع أيضاً من كتاب الحيوان الذي ورد ذكره على كل لسان واشتهر أمره على كر الدهور والأزمان.
وقد أحياه بالطبع هذه الآونة الفاضل محمد أفندي السامي المغربي فطبع منه إلى الآن أربعة أجزاء وبقي منه ثلاثة وذلك على نسخة مخطوطة في دار الكتب الخديوية مقابلاً على نسخة في مكتبة الأزهر وذلك بحرف واضح وشكل بديع وورق جيد مثل جميع ما طبع حتى الآن.
وأنا لا تحضرنا عبارة في بيان فضل هذا الكتاب فإن ما صدر منه لم نتمكن من مطالعته كله ولو طالعناه مرة ما اكتفينا به لأن كلام الجاحظ كلما كرر حلا وحسن به النفع. الكتاب تتمثل في كل صفحة من صفحاته عقل الجاحظ وفضل علمه وسعة مداركه واطلاعه في فنون الأدب والشعر ولو اعتمدته المدارس في دهرنا لتدريس فن الأدب لجاء من قارئيه ومتدارسيه كتاب يعيدون العربية إلى سابق حياتها والأدب إلى نضرته المعروف بها في عصور الحضارة الإسلامية الأولى. وكنا نود لابتهاجنا بإحياء كتب الجاحظ اليوم أن نخص هذا الجزء برمته بالكلام على الجاحظ ومصنفاته بالتفصيل لولا أن رأينا أننا لو وقفنا على ذلك مجلد سنة ما وفيناه ووفيناها ما يجب من الإفاضة ولذلك فإنا نتقدم إلى كل أديب ومحب للمطالعة أن لا يخلي خزانة كتبه من كتاب للجاحظ وإن كتبه إذا جمعت كلها لتغني عن عشرات من المجلدات في الأدب والتاريخ والشعر والعلم.
стр. 620
ويا حبذا لو وفق الطابع الموما إليه إلى تصحيح الأصل على عدة نسخ فإن منه نسخاً مخطوطة في بعض مكاتب الأستانة. ولو صرفت العناية إلى ضبط بعض حركاته وشرح العويص من معانيه ومفرداته لزاد النفع بالكتاب. وكيفما كانت الحال فإنه يحمد قصد الطابع مادام يبذل المجهود وسيجيء يوم يعيد طبعه على هذا الوضع والطبع ولكن ببعض الشكل والتدقيق في التصحيح.
كتاب البخلاء
أهدانا الطابع المنوه به هذا الكتاب النفيس من مؤلفات الجاحظ أيضاً وهو السفر الذي جمع فيه من قصص البخلاء ونوادرهم واستقصى في ذلك بحيث لم يترك لهم شاردة إلا ألم بها وإن تردادها ليمكن الفصاحة من النفس ويسري عنها همومها فقد نقرأ بعض نوادرهم وتستغرب في الضحك أي استغراب ولا تكاد تأتي على آخر الكتاب حتى يقنعك الجاحظ ببلاغته بأن البخل من أحسن الأخلاق فلله ما يفعل البيان. وهو في مائتي صفحة منصفة الحجم.
مجموع رسائل الجاحظ
هي أيضاً من مطبوعات حضرة السامي أفندي الموما إليه الأولى في الحاسد والمحسود والثانية في مناقب الترك وعامة جند الخلافة والثالثة في فخر السودان على البيضان والرابعة في التربيع والتدوير والخامسة في تفضيل النطق على الصمت والسادسة في مدح التجار وذم عمل السلطان والسابعة في العشق والنساء والثامنة في الوكلاء والتاسعة في استنجاز الوعد والعاشرة في بيان مذاهب الشيعة والحادية عشرة طبقات المغنين. وقد وقعت كلها في ١٩٠ صفحة منصفة القطع جيدة الطبع وتطلب من طابعها بمصر.
المحاسن والأضداد
طبع الأديب محمد أمين أفندي الخانجي وشركاؤه هذا الكتاب النافع للجاحظ أيضاً على أجمل شكل وأحسن طبع. وقد عني بتصحيحه وقراءته على الأستاذ اللغوي الشيخ أحمد ابن الأمين الشنقيطي وحرر جميع الأبيات الواردة في الكتاب بالشكل الكامل وهو في ٢٥٦ صفحة. وموضوع الكتاب يعرف من اسمه فإن الجاحظ يصف لك محاسن الدهاء والحيل حتى تكاد تذعن ثم يأتيك بضد ذلك ويصف لك محاسن وفاء النساء وضده ومحاسن مكرهن
стр. 621
ومساوئ مكرهن وهكذا كلما قرأت الشيء يخيل لك أن الأمر تم ولم يبق كلام لقائل فيجئك الجاحظ بأسلوبه المدهش ومادته الغزيرة بضد الفصل الذي سبق لك ويتلاعب بالألفاظ والمعاني. والكتاب يطلب من طابعه بمصر.
ترجمة المستظرف
أهدانا حضرة المسيو را من علماء المشرقيات من الفرنسيين نسخة من ترجمته الفرنسية لكتاب المستظرف في كل فن مستطرف لمؤلفه شهاب الدين أحمد الابشيهي من أهل القرن التاسع للهجرة وكان من المعلمين في مصر. والمستظرف من الكتب المعتمدة كثيراً عند أهل العلم من المشارفة ولذلك فلما تجد لمؤلفه ترجمة تدل على فضله ولكن المترجم المشار إليه نقله إلى لغته حباً بإحياء فوائده بين أهلها فجاء في مجلدين وقعا في زهاء ألف وستمائة صفحة كبيرة يكاد لا يخرج عن الأصل في ترجمتها ولو أدى به ذلك إلى بعض تحريف لا يذكر في جنب الحسنات التي أتاها في ترجمته وهو يطلب من مؤلفه الفاضل في طولون. وقد بعث إلينا العالم المنوه به كراسة في نقد الترجمات الفرنسية والطبعات التي ظهرت بالعربية من كتاب ألف ليلة وليلة يقول فيها أنه شرع في نقلها إلى الفرنسية طبق الأصل الصحيح فنثني على غيرته وثباته وفضله بما هو أهله.
مجلة العالم الإسلامي
٢٨
انتهى إلينا العدد الأول من هذه المجلة الحديثة التي تصدرها باللغة الفرنسية في باريس البعثة العلمية المراكشية وبعبارة أوضح جماعة من علماء المشرقيات من الفرنسيين. والغرض الذي ترمي إليه هذه المجلة البحث في تاريخ النظام الاجتماعي في العالم الإسلامي وحاله الحاضرة أي تنتقل أبداً من الكلام على ماضي الإسلام إلى حاضره وتلم بحركة الحوادث والأفكار وتبين الوجهة للمستقبل. وهي لا تدخل في غمار السياسة فلا تخدم سياسة خاصة بل تجعل وكدها في خدمة ذاك التمدن الإسلامي الذي هب من رقدته وأخذ ينادي من عليكرة إلى فازان ومن زنجبار إلى خربين بالدعوة إلى العلم والمعارف
стр. 622
والتهذيب والتعليم والتربية والمدارس. قالت أن تأسيس جامع في خربين لا يحتقر أمره كما لا يحتقر إنشاء مدرسة إسلامية للبنات في جوهانسبورغ. وقالت أنه يسهل ائتلاف الأمم بعضها مع بعض متى زالت الأوهام من بينهم فإنها سبب سوء التفاهم وإنه يسهل التئام الشرق مع الغرب أو الإفرنج مع المسلمين إذا تعارفوا حق المعرفة. وقد تلونا فيها عدة أبحاث ممتعة منها تعليم المسلمين الابتدائي في الجزائر والحركة السياسية في الهند ومفكرات على الإسلام في الهند الصينية الفرنسية ومنها مقالة علي آغا خان في الهند فأخرى على العجم والدستور فثانية في اليابان والإسلام ثم أخبار متفرقة عن جميع البلاد الإسلامية وباباً خاصاً بما كتب عن الإسلام والمسلمين من الأسفار والرسائل. وإنا لنرحب بهذه المجلة النافعة ونود أن تظل على الخطة التي رسمتها لنفسها فلا يكون للسياسة إلى أبحاثها سبيل. والسياسة ما دخلت في أمر إلا وأفسدته. ونحث كل من يفهم الفرنسية في هذه الديار أن يبادر إلى الاشتراك بها فهي من أنفع ما يكتب عن أهل الإسلام في تلك الديار وقيمة اشتراكها خارج فرنسا ٣٥ فرنكاً. فنثني على القائمين بهذا المشروع النافع أجمل الثناء ونسأل لهم التوفيق إلى ما يقصدون إليه من خير البشر والسعي في النافع العلمية العامة جزاهم الله خيراً.
نادي اللغات الشرقية البلجيكي
بعث إلينا العالم المستشرق المسيو راول بوانتو في بروكسل رئيس مجمع اللغات الشرقية في البلجيك كراسين ذكر فيهما مادار من الخطب بين أعضاء المجمع في السنتين الماضيتين الأولى لتأسيس مدرسة في البلجيك لتعليم اللغة الصينية حباً بنشر تجارتها في مملكة ابن السماء والثانية لتأسيس مدرسة لتعليم اللغة الفارسية وقد أسست أيضاً فمما قاله الرئيس المشار إليه إن ما قامت به البلجيك اليوم من تأسيس مدارس لتعليم اللغات الآسيوية ليس بالأمر الجديد فإن الدول الغربية التي كان لها صلات مع الشرق شعرت بوجوب تعلم لغاته منذ القديم ولذلك أسست لها مدارس خاصة فأقامت النمسا سنة ١٧٥٣ على عهد ماري تريز مدرسة للغات الشرقية في فينا وما كانت الغاية منها تخريج القناصل والوكلاء السياسيين بل تخريج التجار العارفين فعاد ذلك عليها بمنافع عظيمة. وكذلك فعلت فرنسا
стр. 623
فأسست مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس سنة ١٧٩٥ افتتحت منها فوائد سياسية وتجارية وأنشأ بسمارك في برلين مدرسة لمثل هذا الغرض سنة ١٨٨٧ وكذلك روسيا أنشأت مدرسة عالية لتعليم اللغات الشرقية في بطرسبرج وذلك ما عدا المجامع العلمية الشرقية في موسكو وفلاديفوستك. وحذت البلجيك هذا الحذو وهي تنشئ هذه السنة مدرسة لتعليم اللغة العربية. بارك الله بكل من يخدم العلم تحت أي ستار ولأي غرض كان.
خمس رسائل نادرة
طبع الأديب النشيط الشيخ عبد المجيد زكريا على نفقته خمس رسائل لأربعة من كبار رجال العلم الأقدمين وحملة لواء الشريعة والدين. اثنتان منها لشيخ الإسلام ابن تيمية إحداهما في شرح حديث أبي ذر والأخرى فتواه في قول النبي ﷺ أنزل القرآن على سبعة أحرف وما المراد بهذه السبعة وهاتان الرسالتان هما كسائر ما كتبه شيخ الإسلام من الكتب والرسائل والفتاوى النافعة. والثالثة كتاب الأدب الصغير لابن المقفع منقولة عن المقتبس. والرابعة في الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم للحافظ الذهبي وهي مفيدة جداً في بابها فما قاله فيها: وقد كتبت في مصنفي الميزان عدداً كبيراً من الثقات الذين احتج البخاري أو مسلم أو غيرهما بهم لكون الرجل منهم قد دون اسمه في مصنفات الجرح وما أوردتهم لضعف فيهم عندي بل ليعرف ذلك ومازال يمر بي الرجل التبت وفيه مقال من لا يعبأ به ولو فتحنا هذا الباث على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والأئمة فبعض الصحابة كفر بعضهم بتأويل ما والله يرضى عن الكل ويغفر لهم فما هم بمعصومين. قال وهكذا كثير من كلام الأقران بعضهم في بعض ينبغي أن يطوى ولا يروى ويطرح ولا يجعل طعناً ويعامل الرجل بالعدل والقسط. فأما الصحابة فبساطهم مطويٌ وإن جرى ما جرى وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات فما يكاد يسلم أحد من الغلط لكنه غلط نادر لا يضر أبداً إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل وبه ندين الله تعالى. وأما التابعون فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمداً ولكن لهم غلط وأوها فمن ندر غلطه في جنب ما قد حمل احتمل ومن تعدد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضاً ونقلا حديثه وعمل به على تردد بين الأئمة الإثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته. . . ومن فحش خطأه وكثر تفرده لم يحتج بحديثه ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الأولين ويوجد ذلك
стр. 624
في صغار التابعين فمن بعدهم. وأما أصحاب التابعين فعلى المراتب المذكورة ووجد في عصرهم من يتعمد الكذب أو من كثر غلطه وغلظ تخبيطه فترك حديثه. وهكذا أورد مشاهير المحدثين وذكر عن كل فرد منهم بإيجاز ما قيل فيه. وحبذا لو صرفت العناية إلى إحياء كتب الجاحظ الذهبي في هذه الديار فإنها كلها عقود منظومة نافعة ولا نذكر أنه طبع له سوى ثلاثة كتب جليلة الأول تذكرة الحفاظ طبع في حيدر آباد الدكن من الأصقاع الهندية والثاني كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال طبع في الهند أيضاً والثالث المشتبه في أسماء الرجال طبع في ليدن. وحبذا يوم يطبع كتابه تاريخ الإسلام.
والرسالة الخامسة رسالة في حكمة الله ﵎ في خلق العالم وخصوصاً الإنسان وتكليف الناس للعبادات وهي لحجة الحق عمر الخيام. وهذه الرسالة فيما نحسب أول ما طبع بالعربية لهذا الفيلسوف الشرقي الكبير الذي ترجم ديوانه الفارسي إلى الإنكليزية فأقامت معانيه أدباء الإفرنج وأقعدتهم وأحلوا محل الاعتبار العظيم لعلو فلسفته ما أحلوا شعر حافظ الشيرازي وأبي العلاء المعري عندما ترجم إلى لغاتهم. ولما لم يشتهر الخيام بين قراء العربية رأينا أن ننقل الترجمة الموجزة التي ذكرها له صاحب تراجم الحكماء وما لا يدرك كله لا يترك كله. قال القفطي في الخيام: أمام خراسان. وعلامة الزمان. يعلم علم يونان. ويحث على طلب الديان. بتطهير الحركات البدنية: لتنزيه النفس الإنسانية. ويأمر بالتزام السياسة المدنية. حسب القواعد اليونانية. وقد وقف متأخرو المتصوفة مع شيء من ظواهر شعره فنقلوه إلى طريقتهم. وتحاضروا بها في مجالساتهم وخلوتهم. وبواطنها حيات للشريعة لواسع (في الأصل لوامع) ومجامع للأغلال (لعله الإصلاح) جوامع. ولما قدح أهل زمانه في دينه. وأظهروا ما أسره من مكنونة. خشي على دمه. وأمسك من عنان لسانه وقلمه. وحج متأقاة لا تقية. وأبدى أسراراً من السرائر غير نقية. ولما حصل ببغداد سعى إليه أهل طريقته في العلم القديم. فسد دونهم الباب سد النادم لا سد النديم. ورجع من جده. إلى بلده يروح إلى محل العبادة ويغدو ويكتم أسراره ولابد أن تبدو. وكان عديم القرين في علم النجوم والحكمة. وبه يضرب المثل في هذه الأنواع لو رزق العصمة. وله شعر طائر تظهر خفياته على خوافيه. ويكدر عرف قصده كدر خافية فمنه:
إذا رضيت نفسي بميسور بلغة ... يحصلها بالكاد كفي وساعدي
стр. 625
أمنت تصاريف الحوادث كلها ... فكن يا زماني موعدي أو مواعدي
أليس قضى الأفلاك في دورها بأن ... تعيد إلى نحس جميع المساعد
فيا نفس صبراً في مقيلك إنما ... تخر ذراه بأنقاض القواعد
والرسالة جيدة الطبع والورق وتطلب من مؤلفها في دمشق ومن المكاتب الشهيرة في القاهرة بثلاثة قروش أميرية فنحث على اقتنائها.
стр. 626
سير العلم
مالية القطر المصري
نشرت الحكومة المصرية ميزانيتها الجديدة عن سنة ١٩٠٧ المقبلة فكانت الإيرادات ١٤. ٧٤٠. ٠٠٠ جنيه مصري والمصروفات العادية والخصوصية ١٤. ٢٤٠. ٠٠٠ ج. م ومما جاء فيها أن القطر المصري بلاد زراعية محضة تابعة لأحوال النيل والنيل نفسه تابع للأحوال الجوية التي لا يمكن معرفتها قبل وقوعها ثم أن أسعار محصولات القطر المهمة تتوقف على الأخذ والعطاء في أسواق العالم وأن حاجة مصر ماسة أبداً إلى صرف مبالغ عظيمة على المشاريع ذات الإيراد كالري والسكك الحديد وأعمال المواني ففي كل البلاد الأخرى تقوم الحكومة بهذه المصاريف بقروض تعقدها ولكن هذه الطريقة تصادف صعوبات كبيرة إذا أريد اتباعها في القطر المصري بالنظر إلى الأحوال الخصوصية الموجودة فيها هذه البلاد. ولقد تم بناء خزان أسوان بمبلغ جسيم جداً ورغم هذه الصعوبات لم يتيسر صرف أموال أخرى على المشاريع المفيدة إلا بتكوين مال احتياطي جمع بصعوبة من سنة إلى أخرى من زيادة الإيرادات عن المصروفات ومع أن مقدار هذا المال يبلغ اسماً نحو تسعة ملايين ج. م في الوقت الحاضر إلا أن معظمه مخصص لأعمال ضرورية سيتم إجراؤها في السنين المقبلة.
وكان الوارد من البضائع سنة ١٩٠٦_٢٣. ٧٠٠. ٠٠٠ ج. م ومن النقود ٨. ٢٠٠. ٠٠٠ ج. م والصادر في نفس هذه السنة ٢٣. ٨٠٠. ٠٠٠ ج. م من البضائع و٢. ١٠٠. ٠٠٠ ج. م من النقود وكان الوارد سنة ١٩٠٠_١٤. ١١٢. ٣٧٠ ج. م من البضائع و٤. ١١٤. ٦١٢ من النقود والصادر من البضائع ١٧. ١٢. ٣٧٠ ج. م ومن النقود ٢. ٦٠٢. ٧٩٠ ج. م ولجودة محصول القطن زادت قيمة الواردات هذه السنة بمعدل ١٠ في المائة تقريباً عن واردات سنة ١٩٠٥ وكان لجميع فروع تجارة الوارد تقريباً نصيب من هذا التقدم الحسن ولكن التقدم الأهم كان في نوع المعادن والآلات وكان ارتفاع أسعار الأقطان مع زيادة المحصول سبباً في ربح القطر خمسة أو ستة ملايين زيادة عن السنة السالفة. وكان موسم القطن سنة ١٩٠٦_٦٧. ٥٠٠. ٠٠٠ قنطار على حين كان سنة ١٨٩٧_٦. ٥٤٣. ١٢٨ على وجه التقريب.
стр. 627
وقدرت مصروفات نظارة المعارف العمومية لسنة ١٩٠٧_٤٥٧. ٣٥١ ج. م منهم المصروفات الاعتيادية ٣٧٤. ٠٠٠ ج. م يقابلها ١٦٩. ٣٠٠ ج. م سنة ١٩٠٦ فتكون الزيادة الظاهرية ٢٠٤٧٠٠ ج. م منها ١٦٠. ٠٠٠ ج. م ناشئة عن درج مصروفات المدارس الأهلية والكتاتيب لأول مرة في ميزانية المعارف و١١٢٠٠ ج. م ناشئة عن إلحاق (الورش) الصناعية بنظارة المعارف فتكون الزيادة الحقيقية ٣٢. ٥٠٠ ومنحت نظارة المعارف اعتمادات خصوصية بمبلغ ٨٣. ٣٥٠ ج. م لإتمام إنشاء بعض المدارس في العاصمة وبعض مدن الأقاليم وتقرر من سنة ١٩٠٧ فصاعداً أن تضاف جميع إيرادات المعارف العمومية إلى إيرادات الحكومة العمومية وتقوم الحكومة في نظير ذلك بجميع مصروفات المدارس. والكتاتيب الموضوعة تحت مراقبتها. وبقي الخراج الذي يدفع للدولة العليا وقدره ٦٦٥٠٤١ ج. م كما كان عليه وكذلك الإعانة السنوية التي تصرف للسودان وقدرها ٣٧٩. ٧٦٣ ج. م وقد بقي من المال الاحتياطي الذي تحت تصرف الحكومة ١٠. ٨٠٠. ٠٠٠ ج. م.
هجرة الأوربيين
ألف المسيو ريني كونار من علماء فرنسا كتاباً في الهجرة عند الأوربيين في القرن التاسع عشر بحث فيه فيما إذا كانت الهجرة دليل صحة الأمة أو سقمها ومما استنتجه أن الأقطار التي يخفق عليها العلم البريطاني لا تبقى كلها على شكل واحد إرثاً لإنكلترا أو أبنائها إن لم يكن من الوجهة السياسية فمن الوجهة الاستعمارية. ذلك لأن عدد المواليد يقل في الجنس الإنكليزي السكسوني ولأن سائر الأمم الأوربية أخذت ترغب في الهجرة كثيراً وتنازع هذا الجنس فيها. . قال إن هجرة الألمان خفت عن ذي قبل وأن التولد قل في ألمانيا أو أوشك أن يقل وأنها ستصبح بعد أن كانت بلاداً زراعية زمناً طويلاً يتناسل أبناؤها كثيراً ويكثرون من المهاجرة بلاداً كثيفة السكان ضعيفة الهجرة وإن إيطاليا وهي فقيرة بما لها غنية بكثرة مواليدها سيكون لها فضل التقدم على جميع الأمم الأوربية بكثرة النازحين منها والمتولدين فيها فتؤسس لذلك ممالك ومستعمرات وتحكمها ولكن بدون أن يخفق عليها العلم الإيطالي.
الخطوط الحديدية تحت الأرض
стр. 628
رأت حكومة نيويورك أن تؤلف لجنة للبحث في تركيب الهواء في الأنفاق التي تسير فيها الخطوط الحديدية تحت الأرض وتنظر في درجة الحرارة والرطوبة والروائح المنبعثة منها والجراثيم الخاصة بها لأنه ثبت أنه ينال بعض الركاب أخطار صحية من السير تحت الأرض وقد تبين لهذه اللجنة أن الحرارة مرتفعة تحت الأرض أكثر من سطحها وربما كانت فاحشة الارتفاع وأن ما يتخلل تلك الأنفاق من الهواء بواسطة الدهاليز والأدراج لا يكفي لدفع الأخطار ويضر بصحة الركاب وأنه من اللازم إقامة منافذ للهواء تحت الأرض ليتخللها بواسطة آلات تستعمل للتروح وقد عددت مضار الأنفاق وعللتها ورأت أن تطهر الخطوط وما يحيط بها في الأنفاق وأن تزال منها كل مادة تلقى فيها ويرفع منها الغبار وأن يغمس بالملاط جزءٌ عظيم منها إن أمكن.
مقاومة البعوض
هجمت جيوش البعوض على جزيرة ستاتين ايلاد على مقربة من نيويورك فأذاقت السكان أنواع العذاب والأمراض وبعد أن نظر رجال الصحة في الأمر رأوا أنه متولد من بطائح كثيرة كانت هناك فأخذوا في تجفيفها وشرعت الحكومة تنفق عليها فخفت وطأته ثم حذت هذا الحذو كثير من ولايات أمريكا الشمالية فأسفر تجفيف البطائح وردمها عن نتائج حسنة قال الدكتور دوتي إذا توفرت جميع الولايات المتحدة على مثل هذا العمل يصبح البعوض لا أثر له في أميركا إلا إذا ورد في بعض الكتب على سبيل الحكاية والرواية.
العصر الجليدي
تخوفت بعض الصحف العلمية مما يؤكده بعضهم من أن العصر الجليدي قد آن وقته بحيث تصبح بعض البقاع الصالحة الآن لسكنى البشر غير صالحة لذلك دفعة واحدة. إذ ثبت في النصف الأول من القرن التاسع عشر أن أصقاعاً من الأرض كان ينحسر الثلج عنها مدة من السنة فأصبحت اليوم في نفس تلك المدة تعمم بالثلج من يناير إلى ديسمبر ويعلو بضعة أقدام فغدت المناطق الباردة تتقدم وتضم إليها أرضاً من المناطق الحارة فما هو إلا بضعة قرون حتى ينقص سطح الأرض الصالحة لسكنى البشر فيقضي على الولايات المتحدة أن تجد لها ملجأً في أمريكا الجنوبية كما يقضي مثل ذلك على كثير من الممالك الباردة. وقد ادعى العلماء القائلون بذلك أن دعواهم مبنية على حسابات مدققة لا مرية فيها.
стр. 629
تطبيب النباتات
أسسوا في ظاهر مدينة واشنطن مستشفى لمداواة الأشجار وتخليصها مما يطرأ عليها من الأدواء والعاهات مثل الكرمة والبطاطا والدردار والصفصاف والزهور كالقرنفل ونحوه. ذلك لأن عند القوم مستشفيات للإنسان والحيوان فليس من الإنصاف أن يحرم النبات من مستشفيات أيضاً وسيعنى القائمون بأمر المستشفى الجديد بدراسة أحسن طرق الوقاية وأنفع الأدوية في هذا الباب. ورجال العلم يعلقون على ما سيجري فيه من التجارب آمالاً كبيرة.
اكتشاف مدينة
ابتاع المسيو وهيتاكر نزيل جزيرة صقلية جزيرة سان بانتاليون وهي موضع مدينة فينيقية قديمة غابت عن الأنظار منذ إعصار ولم يعد يظهر منها غير رؤوس أبراجها وقد بدءوا يحفرونها وعلماء الآثار تتلمظ شفاههم مذ الآن ويؤكدون أنهم سيعثرون فيها على عاديات نافعة لهم.
التصوير عن بعد
أثبت المسيو كورن أنه وفق إلى أخذ الصور الشمسية عن بعد وذلك عقيب أن صرف أربع سنين في البحث عن ذلك فاخترع آلات تنقل في عشرين دقيقة إلى أي مسافة كانت زجاجة الصورة الشمسية بواسطة الأسلاك البرقية والتلفونية.
الجنون والعمل
رأى أحد علماء الروس أن أحسن طريقة للتخلص من الجنون إذا وجد في أحد من الأسرة فكان في المرء استعداد له أن يعمد إلى العمل ولا ينقطع عنه بتة وبذلك يحفظ صحته ولا يأخذه قانون الوراثة فيصاب بما أصيب به أحد آبائه أو أمهاته قال أن من عادتهم البطالة لا يصابون بالجنون بل أن الجنون يعرو العقول إذا كان أربابها يألفون البطالة فينمو بذلك فيهم كسل القوى ويكون منه الجنون لا محالة.
الأسلاك البحرية
بلغ طول الأسلاك البحرية في العالم أجمع ٤٥ ألف كيلو متر منها ستون في المائة لإنكلترا و١٨ في المائة للولايات المتحدة وتسعة في المائة لفرنسا وستة ونصف في المائة لألمانيا
стр. 630
وما زالت تكثر هذه الأسلاك كما تكثر الخطوط البرقية.
الجامعات
تكلم أحد علماء الأمريكان على الجامعات في الأرض مثل الجامعة الأمريكية والجرمانية والجامعة السلافية والجامعة الإسلامية والجامعة البوذية والجامعة اليونانية وغيرها ونظر في كل جامعة على حدتها ودل على طريقة قيامها وانتقدها وأشار إلى ما ترمي إليه وإلى إمكان نجاحها وقال أن الجامعة بين أمة هي كالشجرة تنبت فيها على الدوام أغصان جديدة فلا يبعد بعد هذا إذا قامت جامعة لاتينية وجامعة مسيحية وجامعة أوربية.
نبات يتنبأ
مازال علم الطوارئ الجوية قاصراً عن الإحاطة بتقلباتها على كثرة ما أحدث من المراصد في أنحاء العالم. فمن المتعذر اليوم أن نقول متى تطرأ وكيف تطرأ الظواهر الفلانية على أرضنا ولا يمكن معرفتها قبل وقوعها. وقد اكتشف عرضاً أحد علماء الأحداث الجوية في النمسا المسيو نوفاك اكتشافاً مهماً ينحل به هذا الإشكال بعض الحل. ذلك أنه بينا كان منذ عشرين سنة يسيح في الهند الغربية وقع نظره على الشجرة المعروفة عند علماء النبات باسم التي تنبت في مصر وغابون من إفريقيا وغيرها من البلاد الحارة وهي شجرة دقيقة الساق صغيرة الأوراق الوردية أو البيضاء. فشاهد أوراق هذا النبات تذبل في بعض الساعات ثم تعود إلى حالتها السابقة. والغريب أن هذه الظاهرة لم تنشأ من تبدل النور ولا من رطوبة الهواء بل أنها دلت على وقوع عاصفة شديدة وقعت بعد ثلاثة أيام. فأخذ العالم المشار إليه منذ ذاك يجرب هذا النبات في عدة حائق وأصقاع ولاسيما في كيف فرأى أن وريقاتها تنخفض إذا ارتفع ميزان الحرارة وتعود فتنتصب متى نزل وإن حركات هذا النبات إذا نظر إليها نظراً بليغاً تدل على قوة الأحداث الجوية وطبيعتها ودقتها واتجاهها قبل حدوث شيءٍ من ذلك بيومين أو ثلاثة في محيط يختلف من ٧٥ إلى ١٠٠ كيلو متر وربما تنبأت بالمطر عن بعد ثلاثة آلاف كيلو متر. ويعرف من حركات أضلاع وريقاتها وتغير شكلها فيما إذا كان سيحدث زلزال أرضي أو انفجار بركاني أو انفجار مواد مدمرة في المناجم قبل وقوعها بأربع وعشرين ساعة إلى بعد سبعة آلاف كيلو متر فإذا اتخذت برلين مثلاً مقراً لرصد الأحداث الجوية والطوارئ الأرضية يتيسر لك أن تقف على ما
стр. 631
يجري من ذلك في أوربا كلها وربما بلغت إفريقية. هذا ما نعربه بالحرف عن بعض المجلات العلمية فإذا صح فيكون هذا النبات من أغرب ما تم من الاكتشافات في المواليد الثلاثة حتى الآن.
آلة تنفس جديدة
اخترع عالمان من سان فرنسيسكو آلة للتنفس تفوق ما اخترع من نوعها حتى الآن إذ تمكن بواسطتها كل إنسان أن يدخل آمناً إلى وسط الدخان مهما كان كثيفاً والغاز مهما بلغ من خطره وقد جرب اختراعهما أمام لجنة خاصة في لندن فأسفر عن نتائج حسنة. وإذا حمل الإنسان هذه الآلة وهي عبارة عن ثلاثة اسطوانات يستطيع أن يمكث ساعة في محل فسد هواؤه بالدخان أو الغاز أو غيره.
حائق العملة
كتب أحدهم في إحدى المجلات الفرنسية فصلاً في الحدائق التي أنشئت لفائدة العملة وإعانتهم فقال أنها لم تكن معروفة قبل سنة ١٨٩٧ وإن يكن أول ما أسس من نوعها كان في القرن السادس عشر أيام أنشئت ٢٣ حديقة في كرافلين في فرنسا وأنه بلغ عدد تلك الحدائق اليوم في فرنسا وحدها ١١. ٥٤٣ حديقة مساحتها السطحية ٣٥٠ هكتاراً يربح منها نحو ٧٢ ألف نسمة.
مدرسة الأيامى
وصف أحدهم مدرسة الأيامى التي أنشأتها في الهند امرأة اسمها رامباي من دعاة الإصلاح في بلادها فعلمت بعض الأيامى من النساء التعليم اللازم وأشربتهن كره الزواج على صغر فبذلك تمكنت من تزويج مئات من بنات جنسها وجعلهن بحيث يحصلن ما يقوم بنفقاتهن.
الراحة والفكر
ذكر بعض الباحثين أن الحياة مقدسة وأن ما يهم منها خصوصاً حفظ العقل ولا يحفظ العقل إلا بالراحة فعلى كل امرئٍ أن ينام متى أراد ويطيل نومه ما شاء لأن الرقاد يعد في الحقيقة اقتصاداً لا تضييعاً وأحسن المحسنين لبني جنسه من يتمكن من إيجاد السبل لإنامة المرضى والموجوعين.
стр. 632
موت الأطفال
رأى الدكتور هرمان لكران أن معدل من يموت من الأطفال في القاهرة من ابن يوم إلى ابن خمس سنين ١٤٥ في الألف وفي الإسكندرية ١٣٠ في الألف ومن ابن خمس سنين إلى عشر ينزل هذا العدد إلى عشرة في الألف.
مادة للتطهير
اخترع أحدهم مادة جديدة لاتقاء خطر الغبار في الشوارع والحارث وقد كتم مخترعه سر اختراعه إلا أنه فهم أنه عبارة عن رواسب زيت معدني وقطران ومطهرات من الفساد. ويستعمل في تطهير الطرق غير المبلطة ويكلف تطهير كيلو مترين من الأرض سبعة جنيهات وجنيهاً واحداً أجرة عجلة يمكن اقتصادها من نفقات الرش وقد سماه الباهنيت.
المطالعة في أميركا
بحث بعضهم في الولايات المتحدة منذ ثلاث سنين ليقف على أكثر أصقاعها ولوعاً بالمطالعة فرأى لبلوغ هذه الغاية أن يقسم في كل ولاية عدد الكتب المستعملة في المكاتب والمدارس والجمعيات العمومية على مجموع عدد السكان واستثنى من ذلك الكتب الموقوفة على المراجعة في الخزائن العامة. فأسفر بحثه عن نتائج غريبة ورأى أن القطرين اللذين تكثر فيهما المطالعة هما الواقعان على شاطئي الأتلانتيك والباسيفيك من الولايات المتحدة. ففي ولاية نيوانكلاند يستعمل كل مائة نسمة ٢٤٣ كتاباً وفي كليفرنيا ٢٠٧ وفي ولاية نيويورك ١٥٥.
العمل والحياة
أفاض أحد كتاب الإنكليز في العلاقة الكائنة بين العمل والحياة فقال أنه تنبغي العناية بالبالغين من الأولاد وأن يحسن تلقينهم من أساليب العلم والعمل ما يستطيعون معه أن يتعلموا بعد لأنفسهم بأنفسهم فينجزون ما تعلموه بالقراءة والتأمل. فإن العلوم الابتدائية في إنكلترا ناقصة والبلاد تدفع من النفقات على التعليم ما لا تأخذ ثمرة تقابله فلا يعلم الأطفال الإنكليز ما يجب عليهم أن يمارسوه في الحياة من الشرف والعدل والعمل النافع للمرء بذاته وللمجتمع بأسره ولا يعرفون قيمة الثروة العامة ومعناها الحقيقي.
стр. 633
إغاثة المرضى
بحث أحد علماء الألمان في المعاهد التي تساعد المرضى في فرنسا وألمانيا فقال أن بافيرا تنفق في السنة ٩. ٨٩٢. ٤٤٤ ماركاً في هذا السبيل وسكانها ستة ملايين وأن لبرلين ١٢٠٠ معهد وجمعية وشركة لإغاثة المرضى وأن في باريس ١٦٠٠٠ مكتب للإحسان تغيث مليوناً وأربعمائة ألف مريض فقير وأن ثروة هذه الإدارات تبلغ ٤٤٦ مليون فرتك.
هجرة الأوربيين إلى أميركا
في مقالة في إحدى المجلات الألمانية إن هجرة الأوربيين إلى أميركا ما بحرت على حالها وقد هاجر منذ سنة ١٨٠٠_٢٢ مليوناً من الأوربيين على الأقل نزلوا في الولايات المتحدة. ومن سنة ١٩٠٠ إلى ١٩٠٣ هاجر من أوربا ٥. ٣٠٠. ٠٠٠ ألف نسمة منها ٣٠. ٠٠٠ من الألمان و٣١٧٠٠ من الأيرلنديين و١٤٠٠٠ من الإنكليز و١٨١٧٠٠ من الطليان و١٠٩٦٠٠ روس وبولونيين و١٦٣٧٠٠ نمساويين ومجريين.
الأولاد العاملون
يؤخذ من إحصاء جرى في ألمانيا سنة ١٨٩٨ أن فيها ٥٣٢٢٨٣ طفلاً مستخدماً في التجارة والصناعة وأن للنمسا من كل ٨٠. ٥٨٩ طفلاً ٢٣٠١٦ طفلاً أي زهاء ٢٨ في المائة من مجموعهم يعملون بأيديهم وأن في سويسرا ٥٣ في المائة من الأطفال يعملون بأيديهم لاكتساب قوتهم ومنهم ٤٢ بالزراعة.
الكتب في إنكلترا
قسم أحد مشاهير الكتبية في لندن القراء ومن يبتاعون الكتب إلى ثلاث طبقات الأولى طبقة رجال العلم ممن يؤلفون ويضطرون إلى الوقوف على ما ينشر من الكتب في العلوم التي تمحضوا لها وهذه الطبقة قليلة العدد. وطبقة المتعلمين وهي تقدر الكتب الجديدة قدرها. وطبقة الشعب عامة ممن لا يتناولون إلا ما يهمهم ويروقهم ويسليهم من الأسفار المتوسطة الاعتبار. قال ويندر أن يطبع من رواية مهما بلغ من الإقبال عليها عشرة آلاف نسخة ومتوسط ما يطبع من رواية ألف أو ألفا نسخة ونفقات الطبع غالية فألف نسخة من مجلد تكلف ٢١٢٥ فرنكاً أجرة صف حروفها وطبعها وثمن ورقها وتجليدها وتغليفها يضاف إليها
стр. 634
١٢٥٠ فرنكاً أجرة إعلانات فيأخذ المؤلف عشرة في المائة من المبيع وهي أجرة زهيدة لا تقابل تعبه ولا يتأتى الربح إلا إذا جاوز المبيع ألفي نسخة وكثيراً ما ينتهي الأمر بخسارة فيضطر الكتبي أن يبيع الكاسد من الرواية في المزاد. وبالجملة فإن صناعة الكتبية في إنكلترا كما هي في فرنسا معرضة للأخطار لأنه لا يتيسر أن يعرف ما يناله الكتاب من القبول عند صدوره.
فنادق شاهقة
روى اللواء الأغر أن الحكومة المصرية أذنت ببناء بعض الفنادق حوالي الأهرام وأبي الهول على الطريقة الأميركية. والبناء الذي يشاد على تلك الطريقة يبلغ ثلاثين أو أربعين طبقة وكلها من الفولاذ الصلب الذي لا تحرقه النار ولا تهزه الزلازل ويسمي الإنكليز تلك المباني ماسة السماء لعلوها وارتفاعها. ولا يخفى أن الواقف بأعلاها يستطيع أن يشاهد وادي النيل ممتداً تحت أقدامه كما يراه الناظر في خريطة ولعل الأميركان أرادوا أن يسلموا بتلك المباني الفاخرة ما بناه خوفو وخفرع ومنقرع في القرون الغابرة.
أثر عربي
ازدانت هذه المرة خزانة كلية هيدلبرغ الألمانية بزهاء ٢٠٠ أثر تاريخي بينها لوحة من الخشب كتب عليها جزءٌ من سورة الأعراف وكتاب كتب على عظم غنم يرد عهده إلى ٢٣٩ للهجرة وهو من أقدم الكتابات العربية القديمة المعروفة ودرج ذكرت فيه صحيفة من ابن لحية وعدد كبير من أوراق تتعلق بجباية الأموال كتبت بأجمل خط بقلم قرة بن شريك عامل مصر في النصف الثاني للقرن الأول للهجرة وقد نشر العالم الدكتور بكير صورها واستخرج بعض نموذجات منها طبق الأصل وقدم لها مقدمة مع تفسير الكلمات العربية فمتى نرى في الشرق بعض رجالنا ينقطعون للبحث في آثارنا العربية فإننا أحق بمعرفة بيوتنا من غيرنا. \
стр. 635
وفاة رياضي
فقدت المدرسة الكلية الأميركية في بيروت هذا الشهر أستاذاً من أكبر أساتذتها وعالماً من جهابذة العلماء القيمين عليها نفع البلاد بفضل علمه وفنه ونعني به الأستاذ روبرت وست الأمريكي فعز نعيه على تلاميذه وأحبابه وقد ترجمته النشرة الأسبوعية بما يأتي ملخصاً.
ولد في ولاية بنسلفانيا سنة ١٨٦٢ وهو ابن قسيس فاضل أحكم العلوم والفنون في كلية برنستن أم كثيرين من أساتذة المدرسة الكلية السورية وهي من أشهر كليات أميركا. ونال شهادتها سنة ١٨٨٢ ثم شغل بدرس دروس خاصة في علم الفلك والرياضيات العالية حتى اشتهر بعد قليل بأنه من كبراء الرياضيين. وأتى إلى بيروت سنة ١٨٨٣ فكان من معلمي مدرستها وكان أولاً من أساتذة اللغة الإنكليزية فيها ثم صار أستاذ الرياضيات والفلك.
ومما قاله الدكتور بورتر في وصفه كان الأستاذ وست عالماً محققاً كثير التدقيق في العلوم يبذل الجهد في إدراك كنه الحقائق وكان يعلم بإحكام وإيضاح فيبلغ المسائل العويصة بعبارات بسيطة حتى يبلغ ذهن الطلبة اليقين ولهذا كانوا يثقون بعلمه كل الثقة.
وقال الأستاذ بولس الخولي أن الفقيد كان أستاذاً مقتدراً ومن أدلق اقتداره ثلاثة (١) أنه كان يعلم ما يعلمه حق العلم و (٢) أن تعليمه كان على أحسن أسلوب فكان يرغب تلاميذه في البحث عن الحقائق لأنفسهم وكان في مقدمتهم في الدرس والاجتهاد والصبر و (٣) أن سجاياه كانت تؤثر في أفئدة الطلبة فإنه عرف شؤونهم وأحبهم واهتم بهم فلا بدع إذا كان الأسف عليه عظيماً.
следующие страницы →