← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

فالفندق مستعمرة صغيرة ينقسم أقساما قد يختلف عدد القائمين بأعماله من ١٠٠ إلى ٣٥٠ شخصاً. ومدير الفندق سواء كان مالكه أو مديره مسئول عن كل ما فيه مديره ويعنى به ويمونه ويلاحظه ويسأل عن كل غلط يأتيه رجاله العاملون بإشارته أو النازلون عنده والقانون يسأله وحده فقط عن كل ما يحدث. ولذا لا يكون صاحب الفندق ق في العبر رجلا عاديا يكتفي منه أن يكون حسن البذة عارفا بالقراءة والكتابة والحساب بشوشا مؤنسا بل هو رجل متعلم من الدرجة الأولى يحسن إدراك ألوف من التفاصيل في إدارة تحتوي غرائب معقدة بحيث يكون أهلا لان يتصرف في الحوادث اليومية التي قد تقع اضطرارا في عمل يحوي في حملته أعمالا صناعية وتجارية مختلفة وليست الأدوات التي يقوم بها الفندق ميكانيكية بل عقلية قد تتعارض فلا بدع إذا طلب هنا من صاحب الفندق أن يكون مهندساً نقاشاً سياسياً تاجراً بل طبيباً للأرواح والأشباح. عرفت الأمم المتمدنة مكانة هذه الصناعة فجعلت لها المكان الأول في حياتها الاقتصادية والتجارية والصناعية وفتحت المدارس لتعلمها كما فتحت مدارس لتدبير المنزل الذي تتوقف عليه حياة البيوت وسعادتها وغبطتها ولقد كانت النفس تحدثني وأنا أشهد من لذاذة الحياة في فنادق الغرب ومساكنه (بانسيون) وحذاقة طهاتها ونظافة خدامها وخادماتها من لي بأن يأتي أناس من الطبقة المستنيرة المثرية من أبناء بلادي ليروا شاهداً عيانياً محسوساً على ترقي الغرب وتدني الشرق ويفاضلوا إذا رجعوا إلى أهلهم بين حالنا وحال غيرنا وينقل بعض ما يمكن نقله من أسباب النظافة وحسن تحضير المأكل وتنويعها وجمال السرر وبساطتها والغرف وفرشها والمقاعد والخزائن والمغاسل والحمامات وأماكن الاطمئنان وغير ذلك من أساليب الراحة والنعيم الذي لم يظفر يبعضه أغنى الأغنياء فينا اللهم إلا بعض عقلاء الكبراء في الحواضر الكبرى وخصوصا في مصر. ولكم كنت اشتهي أن يأتي بضعة شبان ممن سبق لهم الخدمة أو النظر في فنادق مصر والشام واختلطوا بالإفرنج وعرفوا خصائصهم وتأنقهم في مطعمهم ومنامهم وملبسهم أن يقضوا ولو أشهرا في الفنادق الكبرى ويحضرون ولو سنة دروس مدروسة الفنادق وتدبير المنزل في سويسرا وأظن أن من يفتح فندقاً ويحسن النظر فيه بحيث يضاهي به أو يكاد

стр. 5777

فنادق الغرب المتوسطة ينفع نفسه وأمته في اقتصادياتها أكثر من ألف موظف في الحكومة متوسط المعارف لا يهمه إلا رضا من سبقه في الدرجة وانتظار آخر الشهر لقبض الراتب. سوريا بمناخها تشبه سويسرا ولكن هذه تأخذ في السنة من المصطافين والمشتين فيها قناطير مقنطرة من الذهب وذلك لأنها عرفت من أين تؤكل الكتف في خدمة الناس وتوفير أسباب الهناء والصفاء لهم بحيث يتأتى للمرء أن يكون في الفندق سعيداُ كما هو في بيته وزيادة وأن أتاهم بعضهم الدماشقة بأنهم لا يفكرون في غير إلا كل والنوم وان هذه العادة غالبة عليهم ولكن يشفع في ذلك حالة الغرب واهتمامه في هذه الشؤون الحيوية أيضا وأن يكن الفرق بيننا وبين غيرنا أننا نذكر التفكر في ذلك وهم يجعلون له وقتا لا يبحثون فيه بغيره والسلام. رجال الكثلكة يجدر بنا ونحن في مهد انتشار الدين المسيحي وكل ساعة يقع نظرنا على قساوته ورهبانه ونرى بيعه ونسمع أجراسه أن نحدث قومنا بعمل هؤلاء الرجال وتفانيهم في واجبهم. من يمر في شوارع رومية يجد الرهبان والقسوس سائرين زمراً زمراً ويجدهم على الجملة يحلقون شواربهم ولحاهم ويلبسون لباسا اسود في الاكثر على عاداتهم في الشرق ويختلف هذا اللباس فالألمان والمجربون منهم يلبسون أردية حمراء فقط والفرنسيس والانكليز يلبسونها سودا والايكوسيون سودا مع زنانير زرقاء وياقات سوداء والبلجيكيون يلبسون سواداً فيه شيء من الحمرة والبولونيون يكتسون السواد وغيارا اخضر البوهميون سواداً وغياراً ممزوجاً بزرقة فاتحة واليونان الروتنيون يلبسون زرقة وزنانير حمراء مبقعة بزرقة وقسوس أميركا الجنوبية يلبسون الأسود مع غيار ازرق وبطانة زرقاء الأميركان يلبسون لباساً أسود واسع الأكمام والأردان غياراً أحمر وأعضاء الدعوة إلى الدين يلبسون أردية سوداء مع غيار وبطانة هما إلى الحمرة. هذا هو الشكل الظاهر في طلاب المدارس الاكليريكية الذين يأتون من أنحاء العالم الكاثوليكي ليدرسوا ويتخرجوا بآداب دينهم ثم يعودوا إلى بلادهم أو غيرها يعلمون ويرشدون. وهم قسمان قسم القسوس وهؤلاء يتعلمون في مدارسهم وبعد الدرس يذهبون إلى منازلهم وقد يعيش بعضهم بين أهله وذوي قرباء فمن هؤلاء لا يطلب إلا أن يسيروا

стр. 5778

بموجب القواعد المقررة وهم أحرار فيما عدا ذلك أما الرهبان فدائرتهم أضيق لأنهم يعيشون في مدرسة واحدة مع أقرانهم ويطعمون طعاماً واحدا ويكون في الاكثر طعام تقشف ولا يخرجون إلا برخصة أي أن هؤلاء مقيدون كثيراً ولا قيد صغار الطلبة في المدارس الداخلية. والرهبنات أقسام منها الفرنسيسكانيون والدومنيكيون واليسوعيون واللعازريون وغيرهم ولهم أنظمة وقوانين مشوا عليها منذ قرون وأفادوا النصرانية بنشرها في البلاد التي لم تدخلها ولا سيما في الصين والهند واليابان وأواسط أفريقية وغيرها من البلاد النائية. وكان لليسوعيين يد طولى في هذا الشأن وهم بين الرهبان والقسوس أي أنهم يترفهون ويأكلون ما يشاؤن لكنهم يأوون إلى بيت خاص خلافاً للرهبان الذين يأكلون أكلاً معيناً وخلافاً للقساوسة الذين يأوون إلى بيوتهم واليسوعيون بجند منظمون على نظام غريب لم يختل على كثرة ما نالهم من اضطهاد الحكومات في الأزمان السالفة. قال الأمير بورغزه في كتابه ايطاليا الحديثة: إن تأسيس طغمة اليسوعيين المشهورة هو من غرائب النظام الحقيقي فتراها جمعية مؤلفة من عناصر مختارة تخضع على الدوام لأداة الرئيس مباشرة والداخل فيها يربى على الطاعة بالتدريج والخروج المطلق عن شخصيته وإرادته. ويتراءى للناظر في نظامهم أن واضعه جندي فإن كل شيء فيه يشعر بالنظام. وقال أن نظام هذه الرهبنة ربما جرى في وضعه أغناس لويولا مؤسس اليسوعية على قواعد بعض الجمعيات الإسلامية التي كانت مشهورة في الأندلس فبنى نظام رهبنته على طاعة لا نهاية لها فتوصل بهذه الصورة أن يؤلف جيشاً يتصرف به رؤساؤه تصرفاً مطلقاً وتفنى إرادة صغيرهم في كبيرهم. ولمعظم الرهبان والقسوس أعمال علمية وغيرها يتعاطونها ويبرزون فيها فإذا انقطعوا للتدريس تخرج بهم طلاب كانوا صورة صحيحة منهم وإذا أخذوا بالتأليف قد يعدون من كبار المؤلفين ولذا ترى الناس في ايطاليا وفي غيرها كثيراً ما يفضلون أن يربى أولادهم على أيدي القسوس وإن كان آباؤهم ملاحدة مارقين من دينهم. ترى الرهبان إذا أخذوا بالزراعة والصناعة بما سبقوا من تخرجوا فيها أعمارهم والحكومة هنا قد جعلت رواتب لقسوس الطليان كما عينت راتباً للحبر الأعظم منذ يوم أخذت حكومة

стр. 5779

الوحدة الايطالية أزمة الأمر بيدها واستولت على أموال الرهبنات وكنائسهم وأوقافهم سنة ١٨٧٠ لأن جميع مرافق البلاد المهمة كانت بأيديهم إذ ذاك فغيرت بعض المعاهد وجعلت بعضها مدارس ومتاحف ودواوين حكومة وثكناً للجند وغير ذلك وحظرت على أي جمعية دينية امتلاك ملك إلا أن لرئيس الجمعية أن يملك ما يشاء وقد عادت الملة النصرانية فأخذت تدر المال على رجال الدين بعد الوحدة الجديدة ولذا تراهم يعيشون عيشاً حسناً وأديارهم وكنائسهم منظمة وإرادتهم دارة نامية والفضل في ذلك يرجع إلى المتدينين من أغنياء الكاثوليك في العالم. قلنا أن الحكومة الايطالية عينت منذ زهاء أربعي سنة راتباً لإمام الأحبار ولكنه لم يقبله بعد أن رعت منه السلطة الزمنية وكانت بيده هي والسلطة الروحية بيد أن الحكومة وضعت المبلغ تحت أمره في المصارف وفي كل خمس سنين ترفع منه الفائدة فقط وتبقي رأس المال بحاله الذي يزيد كل سنة حتى بلغ فيما بلغني ١٨٠ مليون فرنك وحضرة البابا لا يريد أن يتناوله وهكذا عف هو وأسلافه وسيتعفف أخلافه عن أخذ مال ممن يرونهم غاصبين حقهم معتمدين على سلطتهم. إن انشقاق ألمانيا وانكلترا وغيرهما عن الكنيسة الكاثوليكية بقيام أمثال جان هوس وكلفن ولو ثيروس في أوائل القرون الحديثة وتلك الأزمة التي دخل فيها المقام البابوي إذ ذاك لم تؤثر كثيراً في سلطته على الأرواح والأشباح وكذلك تغلب الحكومة الزمنية في إيطاليا على جيش البابا يؤثر كثيراً فبقي مقام حضرته مقدساً وكذالك الكرادلة والأساقفة والقس والرهبان وذلك لأن عمل هؤلاء الرجال قائم على أنظمة وقواعد معينة لا تغيرها الطوارئ والرزايا ولأن هذه السلاسل في مراتب الكهنوت لا يصل إليها المريد إلا بالتعلم والتهذيب على الأصول المتبعة وكل ما جعلت التربية والتعلم أساسه يثبت وبعم أثره ويوفق الناهضون به. ولقد لاحظنا أن الفتن الدينية التي أثارها التعصب الديني في القرون الوسطى كانت في ايطاليا أقل مما هي في فرنسا واسبانية حتى أن الإسرائيليين في اسبانية لما ذاقوا العذاب الأليم جلوا عن بلادهم فكان من إيطاليا أن قبلتهم وهذا ناشئ من لين أخلاق الشعب هنا ويرجح أن كل ما وقع من الاضطهادات لم يكن مما وقف الرؤساء على حقيقته ولو رجعنا

стр. 5780

إلى تراجم أكثر عظماء هذه الملة من باباوات وكرادلة ورؤساء أساقفة لوجدنا كثيرين منهم خدموا المدينة والآداب خدمة تذكر فتشكر كانوا كذلك يوم كانوا ملوكاً زمنيين وروحيين ويوم أمسوا روحيين فقط حدثنا التاريخ أن الباباليون العاشر في القرن الثالث عشر للميلاد وهم من أسرة ميديسيس المفضلة على العلم قد وسع نطاق الآداب وبث كلمة العلم حتى عد قرنه القرن الذهبي وكان يبسط جناح حمايته للمصورين والنقاشين والمهندسين والأدباء ويفضل عليهم بالطبع أن من يأتي بعده في الدرجة يحاول أن يقلده في محامده. والله أعلم. العرب والطليان وصل العرب إلى بلاد الأمة التي هي وارثة الرومان منذ القدم أوائل عهد فتح افريقية وما برح العرب يطمعون في فتح جزيرة صقلية لقربها من الشاطئ المقابل لأفريقية حتى تم لأسد بن الفرات فتحها سنة ٢١٢هـ -. قال المؤرخون كان ابتداء حصار بلرم عاصمة صقلية في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين ومائتين ودام إلى شهر رجب سنة عشرين ومائتين وفتحي بالأمان وفي سنة خمس وعشرين ومائتين أستأمنت قلاع كثيرة من قلاع جزيرة صقلية منها حرصه وقلعة البلوط واللاطنوا وقلعة ماروب ومرنا وغير ذلك. وهذه القلاع ما زال بعضها إلى اليوم أسماء مدن تبدأ بلفظة قلتا أي قلعة فيقولون جيرونة زقلتا بلونة وقلتا لستا وكلها من تلك الحصون والقلاع بقيت أسماؤها كما بقيت أسماء كثيرة عربية في لغة سكان هذه الجزيرة فيقولون مثلاً منديللو للمنديل وغير ذلك مما يشهد بأن العرب حكموا هذه الجزيرة قرنين ونصفاً وأثرت في أهل مدينتهم ولسانهم وعاداتهم كما هي عاداتهم في كل ما ملكوه. راجت حضارة العرب زمناً في صقلية ومنها تسربت إلى البلاد المجاورة فكان يرشح منها شيء كثير إلى الأقرب فالأقرب من البلاد ولعل تلك الحضارة راجت أيضاً في جزيرة قورسقة وأهلاه يتكلمون الايطالية أيضاً وهم اليوم تحت حكم فرنسا وملك العرب جزائر ميورقة ومنورقة المعروفة بجزائر البالايار ويابسة وكانوا يغزون شطوط اسبانية وفرنسا ولا عجب بعد ذلك إذا دخلت كلمات عربية كثيرة في لغات الفرنسيس والطليان والاسبان والبرتغال. ومن يعلم أن تلك الجزائر مما ارتفع عليه علم الإسلام وأن أقريطش (كريت) وقبرص

стр. 5781

ورودس ومالطة كان حظها كذلك يعرف أن العرب كانوا رجالاً في البحر كما هم رجال في البر وأنه لا سبيل إلى الأمن من الداخل إذا لم يحفظ الساحل بالجزائر والمواني والفرض ولطالما كانت الحكومات تمتلك الساحل فلا تلبث أن تبسط سلطانها على الداخل. كان الأدارسة حكام تونس هم المتكلفين بغزو جزيرتي سردانيا وصقلية ففتحوا صقلية وكذلك ملوك جزائر الغرب أخذوا على عهدتهم غزو منورقة وميورقة فاستولوا عليهما وعامل العرب الايطاليين والاسبانيين بالحسنى على نحو ما يأمرهم به دينهم ولما رأى الايطاليون هذه المعاملة لم يشاؤوا أن يغيروا شيئاً من مصطلحاتهم حتى أن الملك رجار الذي عاد فاستولى على صقلية سنة ٤٨٥ كان يتكلم بالعربية وهو الذي أفضل كثيراً على الشريف الإدريسي الجغرافي الذي وضع كرة أرضية بالفضة كانت من أعاجيب القرون الوسطى دهشت لها أجيال الإفرنج كلهم كما دهشوا للساعة الدقاقة التي أهداها أمير المؤمنين الرشيد إلى شارلمان ملك فرنسا. قال الإدريسي في رجار هو الملك المعظم رجار المعتز بالله المقتدر بقدرته ملك صقلية وايطالية وانكبرود وقلورية أمام رومية الناصر للملة الناصرية إذ هو خير من ملك الروم بسطاً وقبضاً. ولقد كان أهل الشرق على صعوبة ركوب البحر في أيامهم يرحلون إلى بلاد ايطاليا كما يرحلون إلى الأندلس فيكتبون عليها في رحلاتهم ما تقع عليه أنظارهم وممن زار ايطاليا الجغرافي ابن حوقل فقد قال أن مدينة ملف ويقال لها الآن ملفي تتصل بأرض نابل وهي مدينة صالحة بحال دون ملف في كثير من الأحوال وأكثر أموال نابل من الكتان وثياب الكتان وقال أنه رأى بها ثياباً لم ير في سائر أقطار الأرض لها شبيهاً ولا يستطيعها صانع في جميع طرز الأرض وهو ثوب يعمل مائة ذراع في خمسة عشر ويباع الثوب منها بمائة وخمسين رباعي وزائد وناقص. ووصف ابن حوقل صقلية فقال أن طولها سبعة أيام في أربعة أيام والغالب عليها الجبال والقلاع والحصون وجميع أرضها مسكونة مزروعة وليس لها مدينة مشهورة معروفة غير المدينة المعروفة ببلرم وهي قصبة صقلية على نحو البحر من الشمال وهي خمس جادات محدودة غير متباينة ببعيد مسافة وإن كانت حدودها ظاهرة فمنها المدينة الكبرى التي تسمى

стр. 5782

بلرم عليها سور من حجارة مانع شامخ يسكنها التجار وفيها مسجد الجامع الأكبر وكان بيعة للروم وفيه هيكل عظيم ومدينة تعرف بالخالصة ذات سور أيضاً من حجارة وليس كالسور الأول يسكنها السلطان وأتباعه وفيها دار صناعة البحر والديوان وبعد أن وصف أسواقها وباعتها واستطرد إلى كثرة مساجدها وقال أن فيها نيفاً وثلاثمائة مسجد وفي قرية البيضاء مائتا مسجد قال ولم أر مثل هذه العدة في بلد من البلدان الكبار على ضعف مساحتها ولا سمعت به وقد رأى على مقدار رمية السهم نحو عشرة مساجد يدركها البصر ومنها شيء تجاه شيء وبينها طريق قال وسألت عن ذلك فقيل لي أن القوم لشدة انتفاخ رؤوسهم كان يحب كل واحد منهم أن يكون له مسجد مقصور عليه لا يحب أن يشركه فيه غير أهله وحاشيته وربما كان إخوان منهم متلاصقة دارهما متصافية الحيطان فعمل كل واحد منهما مسجداً لنفسه ليكون جلوسه فيه وحده وفي جملة هذه العشرة مساجد التي ذكرتها مسجد لولد وابنتاه ليتفقه فيه وغرض كل واحد منهم أن يقال مسجد قلان لا غير. قال وبها رباطات كثيرة على ساحل البحر مشحنة بالبطالين والفساق ووصف أبواب بلرمة التسعة وقال أن هذه المدينة مستطيلة ذات سوق قد أخذ من شرقيها إلى غربيها يعرف بالسماط مفروش بالحجارة عامر من أوله إلى آخره بضروب التجارة. ووصف الشريف الإدريسي جزيرة سردانية فقال أنها كبيرة القطر مثيرة الجبال قليلة المياه وطولها مائتان وثمانون ميلاً وعرضها من المغرب إلى المشرق مائة وثمانون ميلاً وطولها ماراً من الجنوب إلى الشمال مع قليل تشريق وفيها ثلاث مدن منها الفطينة وهي مما يلي في جنوبها وهي مدينة عامرة ممدنة ومنها مدينة قالمرة وهي رأس المجاز إلى جزيرة قرسقة ومدينتها الثالثة تسمى قشتالة وأهل جزيرة سردانية في الأصل روم أفارقة متبربرون متوحشون من أجناس الروم وهم أهل نجدة وحرم لا يفارقون السلاح وفي جزيرة سردانية معادن الفضة الجيدة ومنها تخرج الفضة إلى كثير من بلاد الروم وبين سردانية وجزيرة قرسقة مجاز طوله عشرون ميلاً. ثم وصف جزيرة قرسقة وجزيرة البتة وبالوسة وقبريرة وقبرة وشكلة وبيت برة ومونسة وبونسة واسترنجلو وجزيرة البركان وليبر ودندمة وفيكوذة رركذة وأشتقة وجزيرة الراهب واليابسة وغيرها وقال في وصف مدينة بلرم: وبها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر

стр. 5783

محاسنها في بناتها ودقائق صناعتها وبدائع مخترعاتها وهي على قسمين قصر وربض فالقصر هو القصر القديم المشهور فخره في كل بلد وإقليم وهو في ذاته على ثلاثة اسمطة فالسماط الأول يشتمل على قصور منيفة ومنازل شامخة شريفة وكثير من الفنادق والحمامات وحوانيت التجار الكبار والسماطان الباقيان فيهما أيضاً قصور سامية ومباني فاخرة عالية. وذكر القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات مدينة رومية فقال أنها مدينة رياسة الروم وعلمهم وهي في شمال غربي القسطنطينية وبينهما مسيرة خمسين يوماً وهي في يد الفرنج ويقال لملكهم ملك المان وبها يسكن البابا الذي تطيعه الفرنج وهم عندهم بمنزلة الإمام الذي يكون واجب الطاعة ومدينة رومية من عجائب الدنيا لمعظم عمارتها وكثرة خلقها. ذكر الوليد بن مسلم الدمشقي أن استدارة رومية أربعون ميلاً في كل ميل منها باب مفتوح فمن دخل من الباب الأول يرى سوق البياطرة ثم يصعد درجاً فيرى سوق الصيارفة والبزازين وذكر أن بين يدي السوق سوق آخر على أعمدة نحاس كل عمود منها ثلثون ذرعاً وبين هذه الأعمدة نقير من نحاس في طوق السوق من أوله إلى آخره فيه لسان من البحر تجري فيه السفن فتجيء السفينة في هذه النقرة وفيه الأمتعة حتى تجتاز على السوق بين يدي التجار فتقف على تاجر فتختار منها ما تريد ثم ترجع إلى البحر. وذكر أشياء عجيبة عن كنيستها وقال أن فيها عشرة آلاف دير للرجال والنساء وبها جامع لمن يلتمس صنوف العلم من الطب والنجوم والحكمة والهندسة وغير ذلك قالوا أنها مائة وعشرون موضعاً قال وقد مثل في الكنيسة صورة كل نبي من وقت آدم إلى عيسى ﵇ وصورة مريم ﵍ كأن الناظر إليهم يحسبهم إحياء وحكي أن أهل رومية يحلقون لحاهم ووسط هاماتهم فسآلو عن ذلك فقالوا لما جاؤوهم شمعون الصفى والحواريون دعوهم إلى النصرانية فكذبوهم وحلقوا لحاهم ورؤوسهم فلما ظهر لهم صدق قولهم ندموا على ما فعلوا وحلقوا لحى أنفسهم ورؤوسهم كفارة لذلك. وممن رحل إلى ايطاليا جمال الدين محمد بن سالم بن واصل قاضي القضاة بحماة وكان إماما مبرزا للعلوم العقلية عارفا بالمنطق والهندسة والأصول والفقه والهيئة والتاريخ توفي سنة ٦٩٧ ذهب هذا رسولا إلى صاحب صقلية من قبل الملك الظاهر بيبرس الصالحي

стр. 5784

وذكر انه أقام عنه وفي مدينة من مدائن البر الطويل المتصل بالأندلس من مدينة انبوليا واجتمع به مرارا ووجده متميزا ومحبا للعلوم العقلية يحفظ عشر مقالات من كتاب إقليدس قال وبالقرب من البلد الذي كنت فيه مدينة تسمى لو حارة أهلها كلهم مسلمون من أهل جزيرة صقلية يقام فيها الجمعة ويعلن بشعار الإسلام. وفي هذا القرن كان الايطاليون هم رجال التجارة والأساطيل في البحر المتوسط وكانت لسكان بيزاوهم من إقليم توسكانيا تجارات واسعة في الشام وقال ياقوت أن السعة ظاهرة عليهم وجمهوريات بيزا وجنوا والبندقية هي أكثر البلاد الايطالية في القديم والحديث ولما كان الطليان يأتون بلاد مصر والشام وسواحل البحر المتوسط منتجعين للزق والاتجار كانت بقية أمم أوروبة غائصة في مفاوز الجهالة. نشر المستشرق ميشيل أماري في مدينة فلورنسا الشروط والعقود السياسية بين ملوك بيشة (بيزه) وفورنتا (فلورنسا) أو فلورنسا وبين ملوك المسلمين في تونس والغرب الأقصى ومنها عقد من الملك قايتباي للفلورنتيين ذكر في شروط البنادقة ان تجار المسلمين يبتاعون من تجار البنادقة أصنافاً من متاجرهم من جوخ وصوف وغير ذلك وآخر هذه العقود سنة عشر وتسعمائة هجرية وأولها في منتصف القرن السادس. وهكذا عاد العرب فاستخلصوا بلادهم من الطليان فكان الاختلاط على اتمه بين الأمتين ولاسيما عندما تضع الحرب أو زارها وكثيرا ما كان رسل ملوك الإسلام يأتون ايطاليا فقد ذكروا أن ابن خلدون المؤرخ جاءها رسولا من قبل صاحب تونس وصورة الطليان إذ ذاك على الحجر وجاءها في القرن الحادي عشر الأمير فخر الدين المعني صاحب لبنان وأقام بها عدة سنين ملتجأ ووصف عمرانها بالضخامة وتفنن أهلها في النقش والرسم والبناء. ولا يتسع المجال هنا إلى ذكر كل من زاروا ايطاليا من العرب ومن زاروا من الطليان بلادنا إلى هذا العصر. ولقد كانت اللغة الايطالية في مصر والشام معروفة أكثر من الافرنسية والانكليزية إلى منتصف القرن الماضي ثم تراجعت وخلفتها هاتان اللغتان. هذا وكان رجال الدين من كاثوليك الشرق يختلفون إلى رومية منذ القديم ويتعلمون لغتها ويدرسون الدين فيها وهم أكثر من أن يحصوا وفي مقدمتهم السمعاني اللبناني المشهور واللبنانيون الموارنة على ما يظهر أشد الكاثوليك رغبة في المهاجرة إلى رومية وتواريخ

стр. 5785

رجال الكهنوت عندهم شاهدة بذلك. لذائذ الغريين قرأت في الصحف الباريزية أن إمبراطور ألمانيا منع ضباط مملكته من رقص التانغو وألوان ستب في الحفلات الرسمية وكذلك فعل ملك الانكليز وهما رقصتان قيل أنهما من أصل أمريكي في أقصى ما يكون من الخلاعة خلافاً للرقص الذي اعتاده الأوروبيون في حفلاتهم الراقصة خاصة كانت أو عامة. ولعل الآن بعضهم يقول وأنت الآن تحدثنا عن الرقص وأمامك محيط أوروبا وكله مما يستملي القرائح مهما كانت كليلة للكتابة والتأمل. نعم أن البحث في الرقص هو مما يجب البحث فيه أيضاً لشرقي يبحث في مدنية الغربيين. إننا بحسب عاداتنا واصطلاحنا سكان المدن العربية لا البوادي ننكر الرقص ونعده حطة ولكن الغربيين يرون غير رأينا فيه. يرونه من الحاجات الطبيعية لبسط النفس ولذلك لا تكاد ترى الكبير والصغير والرجل والمرأة إلا ويعتادون الرقص على أنواعه من غير نكير اللهم إلا رقص التانغو وألوان ستب فإن العقلاء أنكروه لأنه باعث الشهوات البهيمية ومخرج للرقص عما وضع له. والرقص في الغالب يكون على إيقاع النغمات الموسيقية على لحن متساوق وربما أشفع بغناء. فالرقص والموسيقى والغناء هي من المستحبات وربما تجوزنا وقلنا من الواجبات في بلاد الغرب لا يعد الفتى ولا الفتاة من أهل الظرف بدون الأخذ بحظ وافر منها فكأن الغربيين رجعوا في مدنيتهم إلى الفطرة الأولى وذلك لأنا نرى سكان البوادي في الشرق أيضاً يرقصون ويغنون ويضربون بطبل أو ينفخون بمزمار. أمور يأتونها على الفطرة وعلى حال أولية ولكنها على كل حال تدل على أن سكان غير المدن في شرقنا أقرب إلى الفطرة من المتحضرين. كانت الطبقة العالية من رجالنا أيام رقي العرب في الأندلس ومصر والشام والعراق والجزيرة وفارس وغيرها من البلاد التي تأصلت فيها الحضارة لا تستنكف من الضرب بالعود أو غيره من أدوات الطرب أو ترفع أصواتها بالغناء ولا ينكر عليها ذلك ولطالما كنت ترى بينهم الفقيه والمحدث والطبيب وصاحب الوقار من القضاة والعمال.

стр. 5786

انحطت الحضارة عندنا والفنون الجميلة آخر ما تستعيده الأمة الناهضة وأول ما تفتقده المنحطة وما الغناء والموسيقى إلا من الفنون الجميلة فارتقاء صناعة الغناء والموسيقى في الأمة دليل ارتقائها فهما محركان عظيمان لأرواح أبنائها ومهمازان قويان لترقية شعورهم وتحسين عواطفهم يصرفون فيهما آونات الفراغ فيدخل بهما السرور على القلوب. تصدر هذه العجالة من بلاد هي مهد الرقص والغناء والموسيقى من أرض أين اتجهت في حواضرها وبواديها تجدها تطرب وتتغنى من بلد قام فيها من الموسيقيين القدماء أمثال روسيني وبلليني ودونيزيتي ومن المحدثين أمثال فردي وبوتنشيني وما سكانية وليون كافاللو ومن المغنيين في المحدثين بونشي وماركوني وكاروسو ود يللوكا وباتستيني وغيرهم من المغنيات والموسيقيات ممن أعظمت الأمة واحاتهم في منزلة علمائها وفلاسفتها ورجال نهضتها. وكل ما نراه من الموسيقى ونسمعه من الغناء يكون على ضرب النوتة بأدوار وتقاطيع مخصوصة وهو ما لم يتم حتى الآن عند العرب اللهم إلا الموسيقى الوترية في مصر ولما يعم استعمالها فإذا أصبحت موسيقانا وغنانا ضمن دائرة القانون يكون قد وضع الحجر الأول في أساس نهضة هذه الفنون الجميلة في شرقنا العربي على نحو ما جرى عليه سكان الأستانة وأفلحوا فيه من تقليد الأوروبيين في موسيقاهم وغنائهم. الموسيقى والغناء هما مثال من حالة النفس ومن لا يريد أن تكون نفسه شفافه براقة حساسة ولكل أمة غناؤها قد تتبرم به الأمة الأخرى وتعد منكراً ولكنه يفيدها ويلذها كما ذكر ابن زندقة الاسكندري من سياح القرون الوسطى في وصف أهل شلشويق (أي أهل شلزويك هولستايين في شمال ألمانيا) وقال أن لهم نوعاً من الغناء يشبه عواء الكلاب ولو فهم معناها لما حكم هذا الحكم الذي يقوله اليوم أيضاً كل من لا يعرف لغة غيره ولا تأثير موسيقاه وغناءه ومراميها. اللذائذ الثلاث هما من أول ما تدور عليها الحياة الغربية اليوم ولا تضر بالوقار بل تعد من أدوات الظرف والكمال ولعل شرقنا يحتذى في الموسيقى والغناء حذو الغرب مع تعديل تقتضيه طبيعته وعاداته واشتغال البيوت أو لأصحاب آونة الفراغ بضرب من ضروب الموسيقى والغناء أنفع ألف مرة من لغو الحديث وانتقاض بعضهم بعضاً والحط من أقدار

стр. 5787

أنفسهم والسلام.

стр. 5788

التبدل المادي في الحياة السياسية أوردنا في الجزء الأول نموذجات من كتاب تاريخ السياسة الأوروبية الحاضرة وها نحن نشفعه بفصل ضاف عقده في معنى التبدل المادي الذي حدث في الحياة السياسية قال ما ترجمته: الاختراعات المادية - لم يأت زمن في تاريخ البشر تبدلت فيه الأسباب المادية في الحياة بسرعة كما تبدلت فيه في القرن التاسع عشر في أوروبا فإن الصناعات العملية التي تكملت منذ العهد القديم بما نالها من الارتقاء الطبي في مجموعها قد انقلبت انقلاباً أصليلاً ظهراً لبطن بحيث كانت المسافة كبيرة جداً بين الطرق العلمية التي كان الناس يجرون عليها في القرن الثامن عشر والصناعة الحديثة وبين الطرق التي اتخذت في القرن الثامن عشر وصناعات الأقدمين ومنها الصناعة المصرية. وهذا الانقلاب هو نتيجة الاختراعات التي قامت بالتجربة فقط أو بتطبيق أساليب العلوم العلمية وكثير منها ينتهي إلى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر بيد أن نتائجها العملية لم يشعر بها في جمهور الشعوب في أوروبا قبل أواخر حرب الإمبراطورية الفرنسوية فتغير الحياة المادية لم يبدأ إلا بعد سنة ١٨١٤ فهو أعظم حادث عصري بل هو حادث دولي لأن تلك الاختراعات أوجدتها عقول العلماء والمخترعين من كل الأمم وهي مشتركة بينهم بحيث يتعذر كل حين تمييز من له الحظ الأوفر من الأمم في هذه الخدمة فقد انتقلت من أمة إلى أخرى مفيدة لها كلها على السواء. امتزجت أساليب الحياة المادية الجديدة في عاداتنا بحيث يصعب علينا أن نتمثل كيف كانت أوروبا سنة ١٨١٤ على قربها من زمننا واختلاطنا معها في طرز الحياة ولا يخلو من فائدة التذكير بالمخترعات الرئيسية التي جعلت بيننا وبين أجدادنا في ثلاثة أرباع قرن هذا الاختلاف العظيم وأني لأحاول أن أقص هنا تاريخ ما حدث فإنها قامت كلها في أدوار مختلفة على أساليب مختلفة من التكمل المتواتر مما يصعب به نظمها بحسب السنين بل أريد هنا أن أحصيها جامعاً على طبقات المعارف التي هي عملياتها في الحقيقة. فإن الاختراعات الميكانيكية التي تمت كلها في إنكلترا خلال القرن الثامن عشر كانت أولاً أدوات تدار بالأيدي مثل أدوات نسج القطن ونسج الصوف وخياطة الصوف وحياكة القطن وحياكة الصوف وخياطة أقمشة الصوف وصنع الجوارب (أما آلة الخياطة فلم تحدث إلا

стр. 5789

في القرن التاسع عشر) ثم جرى العمل باستعمال القوى الطبيعية المنبعثة من شلالات الماء لإدارة آلات النسيج والحياكة (وذلك في إنكلترا من سنة ١٧٩٠ إلى ١٨١٥) أما البخار فلم يستعمل إلا بعد ذلك العهد ويلحق بالميكانيكيات الآلات الزراعية التي جاء استعمالها متأخراً وآت صنع الورق وقد نشأ من ارتقاء الميكانيكيات انقلاب في طرق المواصلات وذلك باختراع الطرق المحجرة (المكادام) سنة ١٨٢٠ والطرق ذات الانحدار القليل والافريز التي قامت مقام الطرق المعبدة (الشوسة) بالحجر فقط الباهظة الثمن المشوشة النظام والطرق المستقيمة ذات الانحدار الصعب بإنشاء الجسور المعلقة والقناطر وأنفاق السكك الحديدية. ولقد استفادت الميكانيكيات بتبديل صناعة الاستخراج فأوجدت المواد الضرورية للصناعات الأخرى بكميات وافرة مثل الفحم الحجري والمعادن والبترول (زيت الكاز) وبتغير صناعة المعادن باستعمال الفحم الحجري وإنشاء المعامل والمطارق كثر الحديد والفولاذ والحديد المصبوب فأصبحوا المادة الأولى في أدوات الصناعة الحديثة كالآلات والأسلحة والخطوط والأدوات والجسور. وباستخراج مناجم الذهب والفضة بالآلات والطرق الكيماوية الحديثة تضاعفت كمية النقود. وقد أوجد علماء الطبيعيات القوتين الموصفتين لو كان تاريخ العرب يدرس في مدارسنا على أصوله لوجب أن تدرس سيرة السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب صاحب مصر والشام واليمن والجزيرة كما تدرس سيرة الخلفاء الراشدين فقد مضت القرون بعد الخليفة المأمون العباسي ولم ينشأ للعرب ملك كصلاح الدين بعقله وعدله وحلمه وحسن بلائه وقد دونت سيرته في عهده فكان عند المشارفة والمغاربة أنموذج الملك الحازم العاقل وأحق ما يرجع إليه في سيرته ﵀ من الكتب كتاب النوادر السلطانية والمحاسن لبهاء الدين بن شداد من قضاة الملك الناصر وكتاب الفتح القسي في الفتح القدسي لعماد الدين الكاتب أحد كتاب ديوانه ثم يؤخذ عمن كان في عصره أو قريبا منه أمثال ابن الأثير صاحب الكامل وتاج الدين شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة أو عن صاحب تاريخ الروضتين في أخبار الضوء الكهربائي والفونوغراف والتصفيح. ومن الكيمياء تشعبت معظم الاختراعات الثانوية فإن الثقاب (عيدان الكبريت المعمول

стр. 5790

بالفوسفور قام مقام القداحة البطيئة الصعبة الاستعمال ونشأت الأسمدة الكيمياوية التي أخذت تبدل الزراعة من حال إلى حال واستخرج السكر من الشمندر وأصبح الغاز أعظم واسطة لإنارة الأماكن العامة والألوان المستخرجة من الفحم الحجري والبنزين والكريزيوت مادة مستخرجة من القطران والتصوير الشمسي والتصوير النوري والمواد المنفجرة الجديدة والأدوية الكيماوية والغسل في الكلور والدباغة والمربيات من المأكولات واستخراج الألمنيوم والورق المعمول من الخشب الخ. وتقدمت العلوم الحيوية بعض الشيء فحدثت منها المخدرات (مثل الكوروفورم والاتير) التي سهلت الجراحة والمضادات للتعفن التي غيرت الطب. ويضاف إلى ذلك تحسن البذور وأجناس الحيوانات الأهلية وهذا من نتائج التجارب المنبعثة من العلوم الطبيعية. وبعد فإن هذه النظرة الموجزة في أهم الاختراعات تكفي في التذكار بعظمة التبدل الذي وقع في الحياة وسنبحث هنا في كيفية هذا التبدل المادي كيف فعل في الحياة السياسية في أوروبا وذلك مباشرة يتغير الأساليب العملية في الحكومات وبالواسطة بتحويل تركيب المجتمع أساليب التدمير الحديثة - ظل الاعتماد على المواد المنفجرة القديمة إلى منتصف القرن على نحو ما كان عليه في أواخر القرون الوسطى فما كان عند الجيش سنة ١٨١٤ سوى البارود والبنادق التي تحشى حجارة والمدافع القليلة النظام التي تدك من فوهتها فكانت أسلحة ضعيفة الشأن تدك ببطء وتطلق طلقات رديئة وما كانت تحول دون المتحاربين إلا بتأثيرات معنوية ولم تكن تمنع جيشاً منظماً أن يتجمع ويداهم العدو بالحراب وكان يكفي لمن يريد العصيان إذ ذاك أن تكون عنده بندقية صيد وبارود وكرات فكان الفرق في السلاح بين الجندي والعاصي الثائر لا يعتد به بل أنه إذا وقع القتال في شارع يكون الثائر في مأمن فيتحصن وتكون له الميزة على الجندي فنشأت للحكومات من المواد الملتهبة الجديدة قوة في التدمير جددت علم قمع الثائرين فكان من الزئبق الملتهب أن اخترع الكابسول ثم اكتشف اكتشاف أهم من المواد الملتهبة من مركبات ماء الفضة فاكتشف أولاً النيروغليسيرين (١٨٤٧) الذي يمزج بمواد صلبة فيتكون منه الديناميت (١٨٦٤) وللمواد الملتهبة المحطة المؤلفة من مركبات ملح البارود التي يحدث منها الانفجار بواسطة ترتيب

стр. 5791

كيماوي آني قوة في التدمير أرقى من قوة البارود لأن التهاب هذا لا يكون إلا بالحرارة فهو أكثر بطئاً وقد استعيض عن بارود المناجم بالديناميت (لا في حفر الخنادق والنشافات البحرية فقط بل في معظم أعمال البناء في الطرق) فإن بارود الحرب الذي احتفظ به استعيض عنه بالبنادق تحشى ببارود جديد لا دخان له اخترع سنة ١٨٧٠ في عدة ممالك على حدة واتخذت في المدافع مركبات من حامض ملح البارود أو حامض البيكريك (هو حامض يؤلف بعمل حامض ملح البارود على النيلة وعود الند) كماد الميلتيت الملتهبة ومادة الروبيريت الخ. ولقد حدث على ذلك العهد تبديل في استعمال الأسلحة فاخترعت البنادق ذات الطلق الأوسط تجعل فيها خرطوشة مهيأة تدخل في مؤخر البندقية مما زاد كثيراً في السرعة وقليلاً في تنظيم الرماية وكان أول تطبيق لهذه الطريقة بندقية الإبرة (دربس) التي اعتمد عليها المشاة في الجيش الروسي منذ سنة ١٨٤٧ ولم تهب سائر البلاد إلى الاقتداء بها وظلت فرنسا مكتفية ببندقية الصيد (لوفوشو) وبعد أن أحرز الألمان الظفر سنة ١٨٦٦ تنوعت البندقية التي كانت تحشى من مؤخرها مثل (شاسبوت وماوزر ومارتيني) أنواعاً كثيرة وأصبحت سلاح أورباكلها ومثل هذا الارتقاء حدث في المدفعية فبعد المدفع ذي الخطوط الداخلية ظهرت المدافع التي تملأ من مؤخرها (ارمسترونغ منذ سنة ١٨٥٤) ثم جرى تحسينها في ألمانيا (معمل كروب) ثم أنشئت المدافع من الفولاذ وأخذت تلك المرامي تقذف قنابل من الميلنيت وانتظم هذا الانقلاب في الأسلحة بالاكتشافات الكيماوية وكان من أثر البارود بلا دخان أن زاد قوة الالتهاب وخفف من ثقل البندقية وأن جعل القذيفة أصغر حجماً وأعظم جرماً وهذه البندقية هي التي دعيت بندقيه لبل. ولقد حولت هذه الأدوات الحديثة في التدمير بما تم لها من الأثر الذي فاق القديم منها أسباب الحروب ففقدت المدن القديمة القوية بضعفها عن المقاومة ما كان لها من الحصانة الحربية في الدفاع عن التخوم ولم يعد المدافعون يعتمدون على ما سوى إقامة المعسكرات المحصنة بالخنادق ومراكز للذخائر تحميها سلاسل من الحصون المنفصلة وأصبحت تعبئة الجيش الكثيف متعذرة بالبنادق ذات الطابع السريع والقذائف وحلت محل عمل المدفعين المنفردين اللذين يعمدون إلى شجون الأرض فيتحصنون وراءها.

стр. 5792

ولقد صعب أن يتمثل الناس نتائج هذا الانقلاب في الفن العسكري حتى أن أهل الصناعة أنفسهم لم يتصورا معنى الحرب بين أمتين أوربيتين ولكن الصورة التي صنعوها هي من الدهشة بحيث تكفي لمنع جميع الحكومات أن يأخذوا على أنفسهم تبعتها وكان من ارتقاء فن الحرب أن أصبحت الحرب مستكرهة للغاية حتى أنه لا يجسر امرؤٌ على إيقاد نيرانها وكان من ارتقاء الكيمياء في القذائف أن توطد السلام. فضمت الأسلحة الجديدة للحكومات قوة لا تقاوم في السياسة الداخلية وأصبح من المتعذر ثورة بما يتهيأ لها من الأسلحة أو بنهب الثائرين أسلحة من باعتها بل أنه لا يتيسر القتال بين بنادق الصيد وبنادق الحرب وما من متراس يقاوم المدافع الجديدة. فليس من الاتفاقات البسيطة أن تضع الثورات والانتفاضات أوزارها منذ سنة ١٨٤٨ وكانت من قبل في أوربا مألوفة وما ذلك إلا بتبديل الأسلحة وقع علل بيل أحد الاشتراكيين الألمان هذا التبدل بقوله سنة ١٨٩٠: لقد سبقت فقلت أن ما سينشأ من ثورة يقوم بها على الأكثر مائتا ألف رجل لا شأن له فإننا في هذا الزمن الذي شاعت فيه البنادق الشريعة الطلقات ومدافع مكسيم نضرب بالرصاص ضرب الأذلة ونتق كما تقتل العصافير. ولم يعد في الإمكان قلب حكومة مشروعة ولا الدفاع عن الدستور من القوة الإجرائية وأوضاع الناس الطريقة الوحيدة الفعالة في مقاومة سوء استعمال الحكومة القوة التي تملك زمامها. واستحال الاعتداء الثوري إلى لقاء قذائف وأبدلت الآلة الجهنمية القديمة التي استعملت ضد لويز فيليب بالقذائف أورسيني سنة ١٨٥٨ والديناميت وآلات الدمار. وهذه الطرق المفزعة قد هيأت لبعض الأشخاص المنفردين أسباب إكراه الرأي العام وأن تبدو في مظهر حزب فلم تفد في قوة الأحزاب الثورية حقيقة بل ربما أنقصتها بإثارة الغضب عليهم بإلقاء القذائف التي ارتعدت منها الفرائص وأصبح الناس متضامنين. أساليب الانتقال الجديدة - أبدل انقلاب طرق المواصلات الحياة السياسية بثلاث طرق مباشرة: التلغراف والسكك الحديدية والصحافة. فإن من أصعب الصعوبات التي كانت الحكومة تتعثر بأذيالها في كل زمن بطء المواصلات فلا بلاغ أمر من السلعة المركزية ولأخذ معلومات من العمال المحليين كان يصرف وقت طويل أحياناً في طرق النقل القديمة برداً كانت أو سفناً وذلك حباً بإيصال الأمر في وقته مما كان يدخل البطء على عمل

стр. 5793

الحكومة المركزية أو يجعله مستحيلاً فاقتضى من ثم أن تترك للعمال المحليين سلطة سيئة التحديد وكذلك للوكلاء السياسيين في البلاد الشاسعة سلطة الحل والعقد إلا قليلاً واستدعى ذلك التخلي عن قبول الاستعلامات عن سلوك الوكلاء لإجراء المراقبة عليهم مباشرة. وقد عد التلغراف الهوائي من اختراع من اختراع شوب من الارتقاء العظيم ولكنه لم يكن يستطيع سوى نقل برقيات نادرة في أوقات الصحو ثم وضع التلغراف الكهربائي بعد سنة ١٨٥٠ فتمكنت به الحكومات من الاستعلام والعمل في الحال في كل الأبعاد فشعر العالم في الحال بنتائج ذلك في المخابرات السياسية فاستلمت الحكومات بوقوفها على أقل حادث زمام المسائل الخارجية بأجمعها وأصبح وكلاؤها في الخارج أدوات نقل. أما في السياسة الداخلية فإن التلغراف قد أكثر الصلات بين الحكومة وعمالها وإن لم يحذف في الأمور الإدارية ما بقي من الأدوار الماضية للتلغراف في صورة كتابة أصبحت لغواً ونسي المخترعون حذفها. فإن التلغراف بتقويته عمل السلطة المركزية زاد المركز قوة. أما السكة الحديدية فقد قلبت البريد وهو من الأوضاع القديمة محدود بضعف أسباب السحب وذلك بأعدادها قوة للنقل تزيد عدد المراسلات وتنزل قيمتها على نسبة لم تكن تصدق فقد كان في أوربا بحسب إحصاء مكتب البريد الدولي سنة ١٨٩٠ - تسعون ألف مكتب بريد أرسل منها عشرة مليارات إرسالية. وعليه فإن السكك والطرق والبرد بتسهيلها حركة الناس والرسائل قد نشطت جميع الأعمال العامة والحياة السياسية نشاطاً كثيراً فتيسر بفضلها وضع إدارة بعملها المنظم المتواصل أصابت سكان القرى القاصية وأتت على مواطن متوحشة كانت باقية في أوربا وسط البلاد التي هي أكثر عراقة في المدنية. ونظمت الشرطة البوليس في كل مكان على مثال الدرك (الجندرمة) الفرنسوي فقضت في أوبا على أرباب الدعارة والشقاوة حتى في الغابات وفي الجبال. ودخل جميع السكان في الحياة السياسية بوسائطهم المنظمة مع عمل القضاء والجباية والجندية والإدارة. وطرق المواصلات الحديثة قربت بين رجال السلطة العامة وبين المتقاضين والمكلفين (بالخراج) والمرؤوسين وبذلك أصبحت الصلاة أشد تأثيراً وأقل كلفة وبهذه الوسائط أيضاً أتيح للأحزاب السياسية أن يبثوا دعوتهم ويعقدوا اجتماعاتهم على أيسر سبيل.

стр. 5794

وانقلب الصحافة ظهراً لبطن بما اخترع من الآلات فإن الآلة الطابعة بالبخار اخترعت سنة ١٨١٤ على يد إدارة الجريدة الإنكليزية التيمس ثم اخترعت آلة تنضيد الحروف ثم آلة الروتاتيف التي اقتصدت من الوقت اللازم للطبع وقللت من اليد العاملة ومكنت من طبع عدد كبير من النسخ في وقت قصير ونفقة قليلة جداً. فانتشرت الصحف اليومية السياسية بين طبقات الشعب فأخذوا يبتاعونها بالمفرد. وكانت من قبل مقصورة على مشتركين من أهل الطبقة الوسطى وتعد من علائم الظرف والزينة. ولقد حاولت الحكومات أن تحظر على الصحف الانتشار بين جمهور الناس فوضعت ضريبة الطوابع عليها أولاً (وهي الطريقة التي تصورتها إنكلترا منذ القرن الثامن عشر) ثم بإكراه أصحاب الصحف على وضع ضمان (وهي طريقة حدثت في فرنسا سنة ١٨١٩) أو بوضع ضريبة على الورق. دع القضايا التي كانت تقام على الصحف وما ينالها من الإلغاء بالطرق الإدارية (التي أحدثت ضعفاً محسوساً في بياعات الصحف عقيب الارتجاع الذي قام ضد ثورة سنة ١٨١٤) بيد أن الصحف الرخيصة على الرغم من عداوة الحكومات انتهى أمرها بأن تدخل دخولاً قطعياً في أخلاق أوربا بأسرها. وبعد فإن الجريدة اليومية بقوة انتشارها الذي لا يفوقه انتشار قد أصبحت في المجتمعات الحديثة إدارة للاشتهار لا في التجارة فقط بل في السياسة واستعيض عن الطرق في نشر أعمال الحكومة (كالقوانين والأوامر والأحكام) بإذاعتها والإعلان عنها والمناداة بها بنشرها في الصحف وقد جعلت الجرائد من الباطل منع نشر أعمال رجال الدين وكذلك حق كتابة المعاريض التي جعلت قديماً من جملة الحريات الأساسية وللجرائد تأثير في الرأي العام بواسطتين فإنها لا تبين فقط أعمال الحكومة بل عمالها وتناقش فيها فهي الذريعة الوحيدة المؤثرة في مراقبة سوء استعمال السلطة وتعرض الآراء وتنشرها وذلك من الشروط الضرورية في إنشاء الأحزاب السياسية. أتى زمن على الصحف عدت فيه من أدوات الظرف بين الطبقات الموسرة واحتكرت فيه الطبقة الوسطى الحياة السياسية والمراقبة والمعارضة وما كان سائر الشعب يتدخل في الحياة العامة إلا بما يقوم به من الثورات والفتن. فأدخلت الرخيصة الثمن في هذه الطبقة الجامدة تياراً من الدعوة المعارضة بدأ بالتهذيب السياسي في الشعب وبنشوة الحياة

стр. 5795

السياسية نحو الديمقراطية. يضاف إلى ذلك ما حدث من التبدل مباشرة في الحياة السياسية من المنافع الفعلية التي نفعت الأمن الما. وذلك بإنارة الشوارع وأخذ صور الأشخاص بالتصوير الشمسي ممن هو فيما أرى قائمة تامة من التغيرات في شروط الحياة العامة أما التبدلات التي كانت بالواسطة فهي أكثر عدداً وأقل جلاءً فليس في الإمكان بيان غير الأهم منها وأقلها اختلافاً فيه. تحول الشعب - أحدث ارتقاء علوم الحياة المادية نمواً في وسائط البقاء ساعدت على نمو الشعوب في أوربا كلها نمواً سريعاً وإن الإحصائيات التي قامت بها الحكومات في الجملة لتدل على مبلغ ما حدث من هذا القبيل فإن سكان أوربا قد قدروا سنة ١٨٠٠ بنحو مائة وثمانين مليوناً فبلغوا اليوم زهاء ٣٥٠ مليوناً وقد كانت الزيادة على الأكثر في بلاد الشمال لا جرم أن تزايد عدد السكان لم يعمل بالضرورة بذاته في الحياة السياسية ففي الشرق وربما كان في القرون الوسطى جماهير من الشعوب كثيرة التناسل وكثيرة الجمود وللولايات المتحدة سبعة سكان في الكيلو متر الواحد ولهم حياة سياسية أهم مما للهند الإنكليزية بكثرة نفوسها البالغ ٨٠ في المئة وأن المكانة السياسية في نمو السكان في القرن التاسع عشر لغريبة في بابها فما كانت المدن سنة ١٨١٤ سوى مركز للتمدن والإدارة يتخذها أرباب الأملاك وفلاحو الناحية نقراً لهذا الشأن ومعظمها عبارة عن جماعات من الموظفين وأرباب الصناعات والتجارة يسكنون متباعدين بين شعب يتوفر على زراعة الحقول وقليل من المدن ما كان يتجاوز نفوسها الخمسين ألفاً وإن الصناعات الحديثة بجمعها العملة بالألوف والتنقل بواسطة البخار قد زاد الحركة التجارية الدولية زيادة ضخمة مع جميع أنحاء العالم وقد أنشأت شعباً جديداً من العملة والمستخدمين في التجارة فاتسعت المدن القديمة اتساعاً سريعاً لم يعهد له نظير وغدت القرى الصناعية مدناً عظمى وبلغ من ازدحام الأقدام في بعض الأصقاع الصناعية (ولا سيما في إنكلترا وألمانيا والبلجيك) أن عمت البلاد بحيث تكاد تغطي سطحها. وزاد معدل سكان المدن بالنسبة لمجموع السكان في فرنسا من ٢٤ في المئة سنة ١٩٤٦ إلى ٣٦ في المئة سنة ١٨٨٦ وكانت في إنكلترا وهي أول بلاد دخلت في هذا الارتقاء ٥١ في المائة من مجموع سكانها أهل مدن سنة ١٨٥١ فبلغوا سنة ١٨٩٠، ٨٩ في المئة. ويؤخذ من تاريخ القرن التاسع عشر أن المدن الكبرى

стр. 5796

والأصقاع الصناعية كانت في أوربا بأجمعها مراكز للانقلابات ومعارضة للحكومات ورجال الدين وفي هذه المراكز خاصة تجندت الأحزاب السياسية وكانت زيادة سكان المدن إحدى الشروط المادية في سير أوربا نحو الديمقراطية. نمو الثروة - كان من الآلات التي جعلت عوناً للصناعة باستخدامه قوى طبيعية لا حد لها أن أنتجت كميات أكبر من المصنوعات في وقت أقصر من ذي قبل وأن تباع هذه بأثمان أرخص. وكان من فوائد المواصلات البخارية أن صارت تجلب المواد الأولية إلى أوربا بأسعار رخيصة جداً وكذلك الحاصلات الزراعية في العلم أجمع زاد على ذلك ارتقاء الزراعة في أوربا فإنها أصبحت أكثر نماءً بما تهيأ لها من إحياء الأرض الموات وتقسيمها أقساماً تزرع بالتعاقب والأسمدة الكيماوية والزراعة الراقية وقد أوقف نمو محصول الذهب والفضة نزول الأسعار زمناً ولكن نمو المحصول ونمو النقد قد ساعدا في مساعدة زائدة في المصنوعات النافعة وفي سهولة اقتنائها مما ظهرت طلائعه في حالتين نمو المستهلك وزيادة رأس المال. وكان نمو المستهلك على غاية من السرعة فغير العادات بسرعة مما يقتضي لنا أن نجهد قوانا لنتمثل كيف كانت الحياة ساذجة في أوائل القرن فكثرت نعمة الأغنياء وأي كثرة وتعدت إلى الشعب وأنعشته من فاقته وعم الناس ما كان مقصوراً من الأشياء على أهل الرفاهية قديماً وذلك كاستعمال السكر والشوكولاتا والثياب وأقمشة القطن والحرير والورق المصور والألبسة الجاهزة والأثاث والزجاج وآنية المطبخ والشموع والمصابيح والكتب والصحف والموسيقى والتمثيل والصور. وقد ارتقى مع ذلك نظام الصحة فكانت القذارة عامة في القرن الثامن عشر في جماع البلاد وعند جميع الطبقات فأصبحت مما يعد عاراً عند الأمم الممدنة ولا أثر لها في أوربا إلا في بلاد الجنوب والشرق أو بين الطبقات الفقيرة من الشعب وأخذت نظافة الجسم والثواب والدار والغذاء من الضروريات الأخلاقية وعم الناس استعمالها بواسطة المدارس وتنتشر منها إلى القرى ونشأت النظافة العامة من النظافة الخاصة مثل كنس الطرق وكسح المجاري والقمامات وكانت لا تعرف قبل سنة ١٨١٤ غدا كل ذلك اليوم في جميع المدن

стр. 5797

من الأوضاع الضرورية وانتشر الإحساس العام من الخجل والقرف فاضطر إلى قطع المساكن الضيقة الرجسة والأزقة القذرة حيث كان يزدحم الشعب الفقير في المدن العظمى. وللعامل بيده اليوم كثير من الأساليب المادية كما أن له كثيراً من أسباب التنعم والتربية العقلية وهو يبالغ بالعناية بهيئته كأهل الطبقة الوسطى عام ١٨١٤ ولذلك تيسر إدخاله إلى الحياة السياسية بدون أن ينشأ عن ذلك أثر من آثار التوحش الذي كان يظن وقوعه أرباب التجارب وكان يتراءى أنه حجة لا تغلب ضد التصويت العام. وإن جزءاً مما حدث من السعة بواسطة الصناعة الحديثة قد استهلك وقسماً آخر نفع في الاقتصاد ومن الصعب أن يستدل بالأرقام على الوفر الذي تراكم منذ سنة ١٨١٤ حتى في مملكة واحدة وتقدير مستند إلى أي اعتبارات شخصية يختلف اختلافاً كثيراً. ومن المحقق أنها تمثل رأس مال يبلغ على الأقل ضعف مبلغ رؤوس الأموال التي تركتها القرون الماضية. ومن هذا الرأس المال الجديد استخدم جزء لإحداث الآلات والأدوات الجديدة في الصناعة والتجارة فأنشئت المعامل والسكك الحديدية وإقراض الباقي للحكومات فاستخدمت في الحروب وفي التسليح خاصة ويمثلها واردات الدول. وهذا المجموع الضخم من رؤوس الأموال المجهزة قد غير الأسباب المالية في الحكومات فتهيأ بها زيادة الضرائب والميزانيات والديون على معدل كامل لا يسمح بمثله في سالف الأيام وسهل المباشرة بحرب بالنسبة على أن تتحمل نفقاتها الأجيال القادمة وهكذا زادت القوة الاقتصادية في الحكومة وعمل المجالس النيابية الموكل إليها إدارة هذه الميزانية الباهظة. تحول الحياة الاقتصادية - أحدث إنشاء الثروة المنقولة انقلاباً في إدارة الحياة الاقتصادية في الشعوب الممدنة فكان العاملون في القديم قلما ينتجون غير ما يستهلكون أو يستهلك في السوق المحلي فالفلاحون يبيعون قليلاً ولا يبتاعون كبير أمر وأرباب الصناعات يعملون لزبن وطنيين فالصناعة بالجملة والتجارة في القاصية انحصرت في مصنوعات الزينة المصنوعة في بعض المعامل وفي نواتج المستعمرات المجلوبة من وراء البحر فانتهت الحال بالعاملين بل بالزراعيين في القرن التاسع عشر بما نشأ من الانقلاب الذي حدث أولاً في إنكلترا بين سنتي ١٧٨٩ - ١٨١٤ أن لا يعملوا مصنوعات لأنفسهم ولا لزبنهم المعروفين بل للسوق فقط لا للسوق المحلية بل للسوق العامة.

стр. 5798

وانتشرت طريقة الشركات المغفلة من الاسم ذات الأسهم بسرعة غريبة واستخدمت في المشاريع الصناعية الكبرى على حين كان يزيد دخل الدول بنمو القروض السريع وهكذا أحدثت كميات ضخمة من الأوراق المالية جعلت قيد المضاربات وانتقلت إدارة المحاصيل إذ ذاك إلى سلطة جماعات المضاربين الذين يديرون سوق العالم ويحددون الأسعار ويستصنعون ما يشاؤون في المعامل ويعينون أسعار الأسهام وأوراق الحكومات فأصبحت بورصة التجارة ولا سيما بورصة الأوراق مركز لإدارة الحياة الاقتصادية في الأمم. فمن ثم غيرت هذه القوة الجديدة في أسباب الحياة السياسية تغييراً محسوساً وتم لطبقة الأشراف الجديدة من أصحاب الغنى المنقول كالصيارف وكبار الصناع وكبار التجار ما أرادوه من جعل طبقة الأشراف القديمة أصحاب العقارات والأملاك في معزل فجعلت لها مركزاً في السياسة بأن وضعت نظام الأحزاب الحرة التي دخل فيها سواد الديمقراطيين من الأمة وغدت المشاريع الرابحة في الصناعة والمضاربات الكبرى منوطة مباشرة بالحكومات بما تسنه من قوانين الكمارك وتعقده من القروض وتمنحه من امتيازات في الأعمال وللصحافة يد طولى في ذلك بالعرض بفضل ما تنشره من الفصول. فالطبقة العالية من الماليين قد عملت والحالة هذه على أن تجعل تحت جناحها الحكومة والمجالس والجرائد. أما كيفية الطرق التي بها نجحت في الممالك الأوربية المختلفة فهو من التواريخ التي لم تبرح غامضة فلم أحاول سردها بيد أن قوة المضاربة على إدارة سياسة الممالك كانت ولا جرم إحدى صفات الحياة السياسية في القرن التاسع عشر.

стр. 5799

البلقان وحربها المشؤومة إذا ألقى المتأمل نظرة على مصوَّر قارة أوربا يجد في الجنوب الشرقي منها قطعة كبرى تحدها من الشمال النمسا وروسيا ومن الشرق البحر الأسود وبحر مرمرة وجزء من البحر الأبيض الرومي ومن الجنوب البحر الأبيض ومن الغرب البحر الأدرياتيكي وإذا كانت مجموعة هذه البلاد لا تتصل مع البر الآن إلا من جهة واحدة ساغ في عرف الجغرافيين أن يُقال لها شبه جزيرة كما يقال ذلك لجزيرة العرب. وهذه بلاد البلقان. وتشتمل بلاد البلقان ومساحتها خمسمائة وسبعون ألف كيلو متر مربع على بلاد اليونان وبلغاريا والروم إيلي الشرقي والبوسنة والهرسك ورومانية والصرب والجبل الأسود والروم إيلي اوالأملاك العثمانية في أوربا وكانت سبع ولايات وهي الأستانة وأدرنة وسلانيك ومناستر وقوصوه وأشقودرة ويانية ولواء جتالجة المستقل وطول البلاد العثمانية الشرقي ١٥٢٠ كيلو متراً أي من الأستانة إلى منتهى البوسنة وعرضها من بلغاريا إلى حدود ساحل بلاد اليونان ٩٣٠ كيلو متراً ومساحتها السطحية ٣٢٥. ٧٦٦ كيلو متراً مربعاً وسكانها لا يقلون عن سبعة ملايين. وكانت مساحة يونان منها قبل الحرب ٦٥ ألف كيلو متراً مربع أي نحو ثلثي مساحة ولاية سوريا وسكانها نحو ثلاثة ملايين على الأكثر ومساحة رومانية ١٣١ ألف كيلو متر مربع وسكانها ستة ملايين ومساحة بلغاريا ٩٦. ٦٦٠ وسكانها نحو خمسة ملايين ومساحة الصرب ٤٨٣٠٠ كيلو متر مربع وسكانها مليونان ونصف ومساحة الجبل الأسود ٩٠٨٠ كيلو متراً وسكانها ٢٤٠ ألفاً والبوسنة والهرسك ونفوسهما أقل من مليونين ولا تكاد توجد بقعة واحدة من هذه البلاد يتكلم أهلها بلسان واحد ويدينون بمذهب واحد وغالبية السكان في البلاد المستقلة عن العثمانية هم من أصل صقلبي (سلافي). تعد البلقان من البلاد الفقيرة القليلة الساكن وقد كانت منذ أواخر الإمبراطورية الرومانية ميداناً للقتل والقتال وأخلص العناصر منذ القديم للعثمانية الفلاخيون سكان رومانيا والأرناؤود سكان مقدونية ولطالما حاربوا في هذا السبيل وقد احتلت النمسا البوسنة والهرسك احتلالا عسكريا سنة١٨٧٨ ثم أعلنت ضمها إليها عقيب إعلان الحكم العثماني في السلطنة العثمانية واستقلت الصرب عنا سنة١٨٧٨ - ١٨٨٢ والجبل الأسود سنة١٨٧٨ واستقلت بلغاريا سنة ١٨٧٨ - ٨١ - ٨٥ - ١٩٨٩ واستولت على الروم إيلي

стр. 5800

الشرقي سنة١٨٨٦ واستقلت اليونان سنة١٨٣٠ بعد أن حكمها العثمانيون نحو أربعة قرون وذلك بتدخل فرنسا وانكلترا وروسيا إذ ذاك وبعد تحطيم أسطولنا في وقعة نافارين سنة١٨٢٧ وفي معاهدة برلين أصلحت التخوم اليونانية من جهة الشمال. هذه هي البلاد التي نشبت فيها الحرب البلقانية الأخيرة وبينا كانت أنظار العثمانيين متجهة إلى إفريقية في الخريف الماضي (١٣٣٠هـ - و١٩١٢م) ليروا ماذا يكون مصير طرابلس وبرقة أو ليبيا التي داهمت إيطاليا سواحلها بأساطيلها ورجالها واستولت عليها وأرادت أن تتوغل في داخلية البلاد فأخذ العرب من أهلها والنزر القليل من الحامية العثمانية فيها يناوشون العسكر الإيطالي القتال والعالم الإسلامي متأثر لهذا الاعتداء والعارفون موقنون بأن سهم القضاء نافذ في ذاك الإقليم العظيم لا محالة (المقتبس م٦ ص٦٧٢) أعلنت الحكومات البلقانية على العثمانية الحرب في الروم إيلي فقطع الجبل الأسود علائقه مع دولتنا في ٨ تشرين الأول وعملت بلغاريا كذلك في ١٤ منه وفي١٧ أعلن الحرب علينا كل من حكومتي الصرب واليونان فأصبحت بلاد الروم إيلي محصورة من الشمال والجنوب ومن البر والبحر ولم يبق للحكومة العثمانية صلة بها إلا من الشرق فقطع البلغار هذا الطريق أيضا باستيلائهم على جسر مصطفى باشا وقرق كليسا ولولو برغاس ودده اغاج على ساحل البحر الأبيض واضطرت جيوشنا إلى التقهقر إلى حصون جتالجة من ضواحي الأستانة واستولى اليونان على يانيا وسلانيك والصرب على مناستر وقصوصوة والجبل الأسود على ايبك. فلما رأى رجال الارناؤد أو الألبان هذه الانتصارات أبوا أن يقاتل قومهم ورأوا أن استقلالهم ببلادهم والتزامهم الحياد ريثما تنفرج الأزمة أسلم لهم فامتنعوا عن الاشتراك مع العثمانيين في قتال البلقانيين بل أن الجند من أبنائهم الذي كان مع جال حاميتنا ركن إلى الفرار في وقت واحد يحمل أسلحته وذخائره. وكان من أثر ذلك فشل العثمانيين في الروم ايلي فشلا لم يصابوا بمثله في تاريخهم ولو عاون الألبان جيوش الدولة من الشمال بقتالهم الصرب والجبل الأسود ومن الجنوب بكف عادية اليونان لما وفق الحلفاء البلقانيون الأربعة إلى نزع خمس ولايات من أهم ولايات السلطنة في الروم ايلي.

стр. 5801

انتهز الألبان هذه الفرصة وكان بعض المنورين من سكان جنوب ألبانيا يتناغون بالاستقلال سرا حتى أن حكم العثمانيين كان اسميا على معظم ألبانيا وأرباب الزعامة يتولون أمرها في الحقيقة فإنه منذ حارب اسكندر بك أحد قدماء زعمائهم جيوش الدولة أربعين سنة ما برحت الفتن تنشب بين الألبان والأتراك وآخرها عصيان لهم سببه استئثار علي باشا التبه دلتلي والي يانيا المتوفي سنة١٨٢٢ ثم حرب سنة١٨٣٠ فسنة١٨٤٣ فسنة١٨٧٩ فسنة١٨٨٧. يقول أحد من شهدوا الوقائع من الضباط أنه لما بدأت الحرب كان الأرناؤد يحاربون الأعداء باستبسال عظيم في برشتنة ومترويجة وايبك وغوسينة وبلاوة وأول معركة نشبت في بلاج وكانت قوة الأعداء هناك مؤلفة من فرقتين صربيتين وخمس بطاريات وقوتنا المقابلة لها طابوران من النظامي وطابوران من رديف الأرناؤد وهما من كيلان وبرشوة وبطارية واحدة سريعة الطلق وقد برهن هؤلاء الجنود على شجاعة واستبسال يعليان شرف العثمانية لأنهم ثبتوا أياما أمام قوة بلغ عددها أربعة أمثال عددهم حتى فني جنود طابوري كيلان وبرشوة عن آخرهم وعسكر الأرناؤد الذين يؤلف منهم طابور كيلان كان عددهم ألف وخمسمائة جندي لم يبق منهم غير خمسة عشر جنديا انقطع عنهم المدد ومع ذلك لم يحولوا وجوههم عن مقابلة الأعداء وحاربوا الصرب إلى أن فنوا عن آخرهم وظلوا في أيانيا واشقودرة يدافعون عن الراية العثمانية حتى الرمق الأخير. كانت حجة البلقانيين في هذه الحرب إصلاح حال إخوانهم في مكدونية وتراكيا من البلغار والصرب واليونان ورفع المظالم والمغارم عنهم. وشعر الكنت برختولد وزير النمسا والمجر بما تم من اتحاد هذه الحكومات الأربع على العثمانية فنصح للدولة قبل الحرب بستة أشهر أن تبادر بمنح اللامركزية الإدارية للروم ايلي لئلا تكون حجة لحكومات البلقان وبنا كانت الحكومة العثمانية تفكر في إعطاء ما يشبه هذه الصورة في الحكم للولايات العثمانية جمعاء انقض البلقانيون على بلادنا الروملية واستباحوا حماها واستصفوها وعبثا قاتل جنودنا في الذب عن ذمارهم حتى إن أدرنة التي قاومت البلغار والصرب أشهرا لمناعة حصونها عادت فسقطت في أيدي البلغاريين وكل محصور مأخوذ.

стр. 5802

نسي الصربيون واليونان والبلغار ما كان بينهم من الأحقاد القديمة التي يرد عهدها إلى الدولة البيزنطية ولطالما كان يلقى الشقاق بينهم وكذلك تفعل النمسا مخافة أن تتحد كلمتهم علينا ومن لا يذكر أن البلغاريين والصربيين تقاتلوا قتالا شديدا سنة ١٨٨٥ وأن الأحقاد والثارات كانت دائمة متبادلة بين البلغار واليونان في مكدونيا والاختلاف بين الصرب والجبل الأسود كل يوم في شأن ولطالما كان البلغاريون والصربيون على الحياد عندما يحارب العثمانيون اليونانيون. من يذكر هذا يستعظم تحالفهم الذي تم على يد فرديناند ملك بلغاريا وباشيش وزير الصرب وفنزيلوس وزير اليونانية وكانت بلغاريا منذ سنة١٩٠٧ والصرب منذ سنة١٩٠٨ عام ضمت النمسا ولايتي البوسنة والهرسك نهائيا إلى ملكها واليونان منذ سنة١٩٠٩ تبالغ في ابتياع الأسلحة والبارود والذخائر مبالغة لم تعهد. بينا كان البلقانيون يعدون كل ذلك كانت الحكومة العثمانية مستغرقة بالفتن الداخلية كاليمن وألبانيا وحوران والكرك أولا ومسألة طرابلس الغرب مؤخرا وضباط الجيش إلا قليلا يتركون تمرين الأجناد ويصرفون أوقاتهم في الأندية السياسية فصادف أن الطابور المؤلف من ثمانمائة جندي ليس فيه أكثر من خمسة ضباط يقضون أكثر أوقاتهم في غير وظائفهم على حين كان فيه قبل أن تجري الحكومة تقاعد كثير من قدماء ضباط الجيش نحو ثمانية عشر ضابطا مدربا في الجملة ومن أسباب الفشل قلة الطعام والبرد القارس وبعد البلاد عنا وانقطاع مواصلاتها باستيلاء العدو على الخطوط الحديدية وأهم المراكز الحصينة كما صرح بذلك أحد كبار رجال الجندية في الدولة والسبب الرئيسي في الحقيقة وأن جنديا في الغالب لا يعرف السبب الذي يقاتل من أجله والجند الصربي والبلغاري واليوناني والجبلي متعلم مستنير بفهم معنى الوطنية في الجملة ومن لم يفهمها منهم يأتيه رجال الدين فيلقون في روعه ذروا من الحماسة الدينية فيستميت في القتال. نعم كان لدعاة الدين في تراكيا ومكدونية يد طولى في بث الدعوة السياسية كما أن كهنة الطليان بثوا دعوتهم في بعض الولايات المتاخمة لبلادهم من بلاد الأرناؤد وسعى مثل هذا السعي البلغار والصرب فجاءوا من طريق التعليم كما هي عادة الفاتحين من الغربيين اليوم يرسلون المعلمين مبشرين ومنذرين أولا ثم يبعثون بالبعوث ويكتبون الكتائب. وكان لاستقلال بطريرك اليونان عن بطريرك القسطنطينية وبطريرك البلغار عنه أيضا دخل

стр. 5803

كبير في نشر كلمة الاختلاف وتقوية البغض للدولة العلية ولذا كانت حالة المسلمين في بلاد رومانيا والبوسنة والهرسك أقرب إلى الراحة منها في بلاد البلغار واليونان والصرب الذين ينام أهلها ويستيقظون في كراهة العثمانيين منذ القديم. صرفت الدولة نحو خمسين سنة في فتح الروم ايلي وحكمته نحو خمسمائة سنة ومع هذا لم توفق في نشراتها ولا دينها على ما يجب وظل الألباني على ألبانيته والبوشناقي على بوشناقيته والبلغاري على بلغاريته والصربي على صربيته واليوناني على يونانيته والروماني على رومانيته وكل شعب يعتصم في جباله وقيعانه وينازع الحكومة السلطة وهذا هو عين الغلط في الاستيلاء على بلاد والاكتفاء منها بالخضوع الظاهري وعدم السعي في تمدينها وتعليمها التعليم النافع ولطالما كانت بلاد البلقان ميدانا للقتل والقتال تباع فيها الأرواح كما تباع السماح وأن سهل قوصوة على حدود بلغاريا والصرب والبوسنة ليجأر إلى السماء شاكيا من الدماء التي طالت فيه مرتين بين العثمانيين والبلقانيين ولطالما كانت أسوار بلغراد وفينا واقية لأواسط قارة أوربا من هجمات المهاجمين من العثمانيين. نشبت الحرب بين الجيوش العثمانية وجيوش الحكومات المتحالفة في ١٧ تشرين الأول ١٩١٢ وعقد الصلح في ٢٩ أيلول ١٩١٣ وهلك في الوقائع من الطرفين عشرات الألوف وأنفقوا من الأموال مئات الألوف من الدنانير وقدر بعض الإحصائيين أن ما خسرته العثمانية من جيشها يبلغ نحو مئة ألف بين قتيل وجريح وأنفقت ثمن ذخائر ومعدات وغيرها نحو ثمانين مليون جنيه وأن بلغاريا فقدت م جيشها ١٤٠ ألف بين قتيل وجريح و٩٠ مليون من الجنيهات والصرب٧٠ ألفا من النفوس و٥٠ مليونا من الجنيهات واليونان٣٠ ألفا و٢٥ مليونا والجبل الأسود ثمانية آلاف نفس ومليون جنيه ولا يدخل في هذا الإحصاء ما فقده السكان في البلاد التي كانت ميدان الوغى حولا من الزمن وقد قام البلغار بفظائع مع أهل تركيا ومكدونية من المسلمين واليونان اشمأزت منها الإنسانية والمدنية وذلك عندما تراجعت صفوفها يوم أرادت عقيب النجاح الباهر الذي صادفته في الحرب الأولى عندما كانت تحارب العثمانيين من جهة ويحاربهم من أخرى اليونان والصرب والجبل الأسود ولما طمعت في الاستئثار بالغنيمة أو بأطايبها عادت حليفاتها فأنفقت عليها مع رومانيا واصلتها حربا عوانا سلبتها به قسما من البلاد التي كانت كانت

стр. 5804

لها واستعاد العثمانيون منها مدينة أدرنة وكان باسترجاع العثمانيين لهذه الحاضرة وقرق كليسا أن ربحوا أرضا واسعة لا يقل عرضها عن٤٥ كيلو مترا ولا يقل طولها عن١٢٠ كيلو مترا وأهم من ذلك امتلاك الخط الحديدي من أدرنة إلى ديموتقة وإبعاد الحدود عن العاصمة واستبقاء بعض المواقع الحصينة في يد الدولة ولا يكلفها تحصينها كثيراً. ولكن خرج معظم المسلمين في الروم ايلي من الحكم العثماني وانتقلوا إلى الحكومات الأخرى البلقانية وكان ند الصرب كمية من المسلمين حوالي نيش وعند اليونان حفنة من إقليم تساليا وعند رومانيا في إقليم دوبريجه فأخذت رومانيا من بلغاريا في حربها الأخيرة على ما ورد في معاهدة بكرش بين البلقانيين كمية وافرة من المسلمين البلغاريين فاجتمعت لرومانيا كتلة عظيمة من المسلمين في بقعة واحدة. وقسمت بعض الصحف الإنكليزية الخطيرة عناصر سكان الولايات الخمس التي خرجت عن الحكم العثماني وأديان أهلها كما يلي: (١) ولاية قوصوة: عدد سكانها ٩٠٨٩١٥ منهم ٨٩٣٥٠ مسلماً تركياً و١٣٦٨٠ مسلماً بلغارياً و٢٥١٨٠٠ أرثوذكسي بلغاري و١١٢٨٧٠ أرثوذكسياً صربياً و١٥٠ أرثوذكسياً يونانياً و٩١٠ أرثوذكس رومان و٤١٨٢٥٠ مسلماً ألبانياً و٢١٩٠٥ لاتينياً يهودياً. (٢) ولاية أشقودرة: عدد سكانها ٣٢٢٠٠٠ منهم ١٢٠٠٠ مسلماً تركياً و٨٠٠٠٠ مسلم ألباني و٤٠٠٠٠ مسلم صربي و١٤٠٠٠٠ كاثوليكي ألباني و٣٠٠٠٠ أرثوذكسي صربي و١٠٠٠٠ أرثوذكسي روماني و١٠٠٠٠ إسرائيلي. (٣) ولاية يانيا: عدد سكانها٦٤١٠٠٠ منهم١٨٠٠٠٠ مسلم ألباني و١١٠٠٠٠ أرثوذكسي ألباني و١٢٠٠٠٠ أرثوذكسي بلغاري و١١٠٠٠٠ أرثوذكسي يوناني و١٨٠٠٠٠ أرثوذكسي روماني و١١٠٠٠٠ كاثوليكي ألباني و١٣٠٠٠ يهودي. (٤) ولاية مناستر: عدد سكانها ٨٤٦٠٠٠ منهم١١١٥٠٠ مسلماً تركياً و٢٥٩٠٠ مسلم بلغاري و٢١٨٦٥٠ مسلم ألباني و٣٣٠٨٠٠ أرثوذكسي بلغاري و٦١٩٣٠ أرثوذكسياً يونانياً و٢٤٧٠٠ من أديان مختلفة. (٥) ولاية سلانيك: عدد سكانها ١١٦٥٣٩ منهم٣٣٣٤٤٠ مسلما تركيا و٩٨٥٩٠ مسلما بلغاريا و٤٤٦٠٥٠ أرثوذكسيا بلغاريا و١٦٨٥٠٠ أرثوذكسيا يونانيا و٢٤٩٧٠ أرثوذكسيا

стр. 5805

رومانيا و٥٥٣٢٠ يهوديا و٣٨٥٨٠ من أديان منوعة. وهذا الإحصاء قبل الحرب أو في خلالها ولكن الحرب حصدت كثيرا من السكان وشتت شمل الآخر ولاسيما من المسلمين الأتراك ويؤخذ من أحداث الإحصائيات التي نشرت عن تصفية حساب حروب البلقان في السنتين الماضيتين أن اليونان نالت النصيب الأكبر من الغنيمة وتلتها في ذلك الصرب فبلغاريا فرومانيا فالجبل الأسود فقد كانت مساحة اليونان قبل الحرب٦٤٦٥٧ كيلو متر مربعا وعدد سكانها٢٧٣٢٩٥٢ نفسا فربحت في التصفية النهائية أملاكا مساحتها٥٦٦١١ كيلو مترا مربعا وسكانها١٦٢٠٠٠٠ نفس فصارت مساحتها كلها الآن١٢١٢٦٨ كيلو مترا مربعا وعدد سكانها٤٣٥٢٩٥٢ نفساٍ. وكانت مساحة الصرب قبل الحرب٤٨٣٠٣ كيلو مترا مربعا وعدد سكانها٢٩٥٧٢٠٧ أنفس فربحت في التصفية النهائية أملاكا مساحتها٣٩٠٤٧ كيلو مترا مربعا وسكانها١٢١٠٠٠٠ نفس فصارت مساحتها كلها الآن٨٧٣٥٠ كيلو مترا مربعا وسكانها٤١٦٧٢٠٧. أما بلغاريا فكانت مساحتها قبل الحرب ٩٦٣٤٥ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٤٣٢٩١٠٨ أنفس فخسرت في التصفية النهائية أملاكا مساحتها ٧٥٢٥ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٢٨٥٧٥٧ نفسا وربحت أملاكا مساحتها ٢٦٢٥٧ كيلو متر مربعاً وسكانها ٧٠٩٦٤٦ نفساً فصارت مساحتها كلها الآن١١٢٠٧٧ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٤٧٥٢٩٩٧ نفساً. وكانت مساحة رومانيا قبل الحرب ١٣١٣٥٣ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٧٢٤٨٠٦١ نفسا فربحت في التصفية النهائية أملاكا من بلغاريا مساحتها ٧٥٢٥ كيلو متراً مربعاً وعدد سكانها ٢٨٥٧٥٧ نفسا فصارت مساحتها الآن ١٣٨٨٧٨ كيلو مترا مربعا وعدد سكانها ٧٥٣٣٨١٨ نفساً. وكانت مساحة الجبل الأسود قبل الحرب ٩٠٨٠ كيلو مترا مربعا وسكانه٢٨٥ ألف نفس فربح في التصفية النهائية أملاكا مساحتها ٥٨٧٦ كيلو متراً مربعاً وسكانها٢٣٠ ألف نفس فصارت مساحته الآن ١٤٩٥٦ كيلو متراً مربعاً وسكانه ٥١٥ ألف نفس. وتبلغ مساحة ألبانيا المستقلة الآن ٣٢ ألف كيلو مترا مربعا وعدد سكانها ٨٨٠ ألف نفس. الدولية العلية - كانت مساحة أملاك الدولة العلية في أوربا قبل الحرب ١٨٥١٦٠ كيلو

стр. 5806

متراً مربعاً وسكانها ٦٩٩٧٦٤٦ نفساً فبقي لها منها بعد الحرب الأولى بموجب معاهدة لندن ٩١٦٨ كيلو متراً مربعاً سكانها ١٦٢٣٠٠٠ نفس ولكنها عادت فاستردت في الحب الثانية أملاكا مساحتها ١٦٢٠١ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٧٢٥٠٠٠ نفس فصارت مساحتها الآن ٢٥٣٦٩ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٢٣٤٨٠٠٠ ألف نفس. وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية في الأملاك التي ربحتها كل مملكة من ممالك البلقان كالتالي: ٦٣١٣٦٦ فدانا في بلغاريا و٦٩١٩٠٨٠ فدانا في اليونان و٤٩٤٢٢٠ فداناً في الجبل الأسود و١٥٩٣٨٥٩ فداناً في رومانيا و٣٧٠٦٦٥٠ فداناً في صربيا و٣٨٣٥٧٦٠ فدانا في العثمانية. ولكن جملة الأراضي الزراعية التي كانت في بلغاريا الأصلية وما أضيف إليها من الأراضي الزراعية في الأملاك التي ربحتها في الحرب نقصت نحو٧٦٠ ألف فدان عما كانت عليه أولا وذلك لأن الأملاك التي اقتطعتها منها رومانيا كلها أراض زراعية والأملاك التي ربحتها هي في الحرب معظمها أراض بور. على أن عدد السكان في تلك الأملاك لا يثبت على ما ذكرناه آنفاً لأن كثيرين من البلغاريين في مكدونيا الصربية واليونانية هجروا أوطانهم إلى الأملاك البلغارية في تركيا وبلغاريا نفسها ولا يزالون يهاجرونها إلى الآن وسيستمرون على ذلك في المستقبل أيضاً على ما يظهر. وكذلك اليونانيين الذين في الأملاك الثمانية في تراكيا فإنهم يهاجرونها إلى الأملاك اليونانية الجديدة. والمسلمون في الأملاك الصربية واليونانية في مكدونيا فغنهم يهاجرونها إلى الأناضول. فلا يلبث والحالة هذه أن يحصل تغيير كبير في عدد سكان تلك الأملاك فينقص في بعضها ويزيد في بعضها الآخر، والمظنون أن معظم الزيادة سيقع في الأملاك البلغارية لكثرة البلغاريين الذين يهاجرون إليها من الأملاك المصرية واليونانية في مكدونيا. أما الأموال التي أنفقتها بلغاريا على حربها مع الدولة العلية أولاً ومع حليفاتها ثانياً فقد قدرها أحد أساتذة جامعة صوفيا كالتالي ١٢٤٠٠٠٠٠ جنيه اعتمادات أصلية وستة ملايين جنيه تجهيزات ومليون جنيهاً عجز في الإيرادات بسبب الحرب وستة ملايين جنيه لأجل مون وأجرة نقل و٧٢٠٠٠٠٠ جنيه لأجل سكك حديد حربية وشؤون أخرى تختص بالتحصين و١٦ مليون جنيه رأس مال لرواتب الجنود الذين أصيبوا في الحرب بعاهات

стр. 5807

أقعدتهم عن العمل وتحصيل رواتبهم و٦٠ مليون جنيه ثمن الأراضي التي اضطرت بلغاريا أن تتنازل عنها لرومانيا وجملة ذلك ١٠٩٦٠٠٠٠٠ جنيه. رأى القارئ مما سلف أن مساحة البلاد التي استقلت وسميت ألبانيا قد بلغت ٣٢ ألف كيلو متر مربع ولا يبلغ سكانها أكثر من٨٨٠ ألفا ولا تزال الفتن قائمة على ساق وقدم بين الأرناؤود واليونان يريد الأولون أن يستخلصوا من مقاطعة أبيروس من بقي من أبناء عنصرهم وإلى كتابة هذه السطور لم يتم شيء بين الفريقين وغاية ما جرى أن أوربا عينت لألبانيا حاكما مسيحيا هو الأمير فيد من أصل ألماني وأهم البلدان التي وقعت في حصة ألبانيا الحديثة هي دراج وايلبصان وأشقوردة وتيران وأولونية وبرات واركري وكوريجة وياقوة وبرزرين. إن الجزر العثمانية التي استولت عليها إيطاليا واليونان خلال الحرب الطرابلسية والبلقانية فلا يزال أمرها مجهولا والمفاوضة دائرة بشأنها والغالب أننا نستعيد بعضها خصوصا ما كان بيد إيطاليا فإن المعاهدة التي جرت بينها وبين الدولة العثمانية على طرابلس وبرقة تقضي بجلاء الطليان عن هذه الجزر وربما تستريح البلاد التي أخذتها من الفتن وتستدعي العثمانية آخر من لها من الجند والمقاتلة هناك وكذلك الجزر التي وقعت في قبضة اليونان فإنه يرد علينا منها ما كان ضروريا للدفاع عن شواطئنا ولاسيما عن خليج الأستانة. هذه بلاد البلقان وسكانها وأديانها وحربها والباعث إليها ونتيجتها استندنا في كتابتها على مصادر كثيرة ليرجع إليها عند الحاجة وتفيد في التاريخ الحديث فإن حربها الشؤمة الأخيرة من أفظع ما عهد من الحروب الحديثة التي تخرب العامر والغامر وتضر بالمغلوب والغالب بما تجلب من الولايات على الأسرات فيتراجع العمران ويقل نسل الإنسان.

стр. 5808

السيد جمال الدين القاسمي تلد الولادات كل يوم أولادا وتطوي الأرض أناسا لا يحصي عددهم غير خالقهم ولكن من يؤثرون الأثر النافع فيذكرون في حياتهم وبعد مماتهم أقل من القليل وأقل منهم في أهل هذا الشرق التعس وفي أهل الإسلام خاصة وذلك لأن العلم الإسلامي بعد أن هبت أعاصير الاختلافات في القرون الوسطى وحاربت حكومات تلك الأيام رجالات المعقولات وأحرار الأفكار ضعف مستوى العقول لأنها لم تطلق لها العنان وتقاصرت الهمم لأنها لم تجد منشطا فقل جدا النابغون النابهون. وما ننس لا ننس ما وقع لشيخ الإسلام بل لعالم السنة وإمام الأئمة ومجدد شباب الحنيفية السمحاء تقي الدين بن تيمية فقد عذب في القرن الثامن سنين كثيرة في سجون القاهرة والإسكندرية ودمشق وناله من أذى أدعياء العلم في عصره حسدا منهم لمكانته ما يبكي تذكره المقل ويهون بعده كل اعتداء على العلماء ينالهم من أهل الحشو والجمود. ومن قرأ تاريخ رجالنا في القرون الثلاثة التالية أي في القرن الثامن والتاسع والعاشر أو القرون الثلاثة التي سبقتها أي الخامس والسادس والسابع يعرف أن كثيرين قضوا شهداء أفكارهم وعذبوا وأوذوا في سبيلها لأنهم رأوا غير ما رآه العلماء الرسميون ومن الأهم من أرباب الزعامات في أيامهم. ومنذ اضطر مثل حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في القرن الخامس أيهجر العراق تخلصا من حاسديه الذين لا يعدمون عندما تصح إرادتهم حجة للاستعانة بالسلطة الزمنية للنيل ممن أربى عليهم وإيقاف نيار أفكاره إلى عصر ابن تيمية الذي ناله ما ناله في مصر والشام حتى قضى في سجن دمشق شهيد الإصلاح إلى أن جاء القرن العاشر والذي يليه من القرون وقد أصبحت العلوم رسمية والمدارس صورية والأوقاف المحبوسة على العلماء مأكولة مهضومة - منذ جرى كل هذا والأمة لا تكاد تفرح لها بعالم حقيقي يكسر قيود التقليد ويقول بالأخذ من كل علم فندر النبوغ لأنه ندر أن يلقى العالم ما ينشط عزيمته وكان قصارى من تسمو به الهمة إلى أخذ نفسه بمذاهب التعلم والتعليم أن يقتبس من كتب الفروع ما لا يخرج به عن مألوف معاصر به ومن حكم عقله في بعض المسائل كان اتهامه بأمانته من أيسر الأشياء وطرده من حظيرة الحظرة لدى العامة ومن سموا أنفسهم بالخاصة من الأمور المتعارفة أما التضليل والتفكير والتبديع والتنسيق فهذا لا يخلو منه عالم يريد أن

стр. 5809

يخرج بالناس من الظلمات إلى النور. ولكن إرادة المولى سبحانه قضت بأن لا تحرم هذه الأمة من أعلام يصدعون بالحق فيجددون لها أمر دينها ويستطيبون الأذي في إنارة العقول والرجوع بالشرع إلى الحد الذي رسمه الشارع وأصحابه والتابعون والأئمة الهاديون المهديون ومن هؤلاء المجددين نابغة دمشق فقيدنا العزيز السيد جمال الدين القاسمي الذي يعرفه قراء هذه المجلة بما نشره في سنيها الماضية من آثار علمه وأدبه فقد قضى حياة طيبة ولم يعقه عن الاشتغال ما لقيه من تثبيط المثبطين في أول أمره وتنغيص الحاسدين في أواسط عمره ممن لا يخلو نمهم مصر ولا عصر خصوصا في بلاد يستمد منها كل شيء من ولاة أمرها. نشأ السيد القاسمي من بيت فضل وفضيلة وكان والده وجده من المعروفين بالأدب ومكارم الأخلاق وهذا من النوادر في عصر لا يكبر رجاله في العيون إلا على مقدار عدهم في صفوف أهل الرسم وفي دور قل أن ينجب فيه ولد لنجيب فصم أو تصامم منذ أوائل سن التحصيل عن كل ما يقف عثرة في سبيل الطالب فكان منذ وعى على نفسه يعمل على تهذيبها ولا يكاد يمضي عليه يوم لم يستفد منه فائدة ولم يقيد شاردة فظهرت عليه مخايل النبوغ ولما يبلغ العشرين فما بالك به وقد نيف على الأربعين وقارب أن يتم العقد الخمسين. جماع الأسباب التي نجح بها فقيدنا طهارة نفسه من المطامع الأشعبية وشغفه بالعلم للذته ونفعه في إنارة القلوب واعتقاد أنه منج في الدنيا والآخرة فهو لم يجعل الدين سلما إلى الدنيا وجسرا مؤقتا يجتاز عليه لحيازة مظهر خلاب والتصدر في المجالس بفاخر الهندام وبراق الثياب بل فرغ قلبه ووقته للعمل النافع فبورك له بساعات عمره القصير ويا للأسف. ولو عددنا ما كتبه من مصنفاته وقسناه بالنسبة لهذا العصر الذي أضحت فيه بضاعة العلم مزجاة بائرة لما قل عن اللحاق بالمكثرين من التأليف في المتأخرين أمثال العيوطي وابن السبكي وإضرابهما مع ملاحظة ما بين العصور والبيئات من الفوارق. تذرع الفقيد بعامة ذرائع النفع لهذه الأمة فكان إماما في تآلفه الوفيرة إماما في دروسه الكثيرة إماما في محرابه ومنبره ومصلاه رأسا في مضاء العزيمة رأسا في العفة وهذه الصفة هي السر الأعظم الذي دار عليه محور نبوغه لأنه لو صانع طمعا في حطام الدنيا

стр. 5810

لما خرج عن صفوف أهل محيطه ولكان عالم وسطا يشتغل بالتافهات ويعيش في تقية ويموت كذلك. كان أجذل الله ثوابه إذا لقيه المماحك في أحد المجامع عرضا أو غشيه في درسه وبيته ناقدا أو ناقما علمه م حيث لا يشعر وهداه إلى المحبة بلين القول فإذا أيقن أنه من المكابرين المموهين أعرض عنه وقال سلاما ولذلك لم يلق ما لقيه أشداء العلماء والفلاسفة في العصور الماضية مت الإرهاق والإعنات أمثال ابن حزم الأندلسي والشهاب السهروردي لأنه كان يتلطف في المناظرة وإقناع المخالف فإذا رأى المناقش بمعزل عن الفهم سكت عنه. نعم كان مثال التلطف في بث الفكر فلم يصك به - كما قيل - معارضة صك الجندل وينشقه متلقنه انتشاق الخردل. قام الأستاذ في دور زهد الناس فيه في العلوم الدينية إلا قليلا فأعاد إليها في هذه الديار بنور عقله شيئا م بهائها السابق ولقد كان يجتمع به الموافق والمخالف فما كانا يصدران عنه إلا معجبين بعقله مقرين بفضله معترفين بقصور كثير حتى من المشاهير عن إدراك شأوه: يخلب الألباب ويستميل العقول فكأنه خلق من معدن اللطف ورقة الثمائل. لم تجد الغلظة سبيلا إلى قلبه ولا الفظاظة أثرا في كلامه وقلمه ولا عجب إذا كثر في آخر أمره أنصاره وعشقته النفوس فأكبرت الخلب فيه. جاء في الأثر لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه. دخل عبد اللطيف البغدادي فيلسوف الإسلام على القاضي الفاضل فقال: رأيت شيخا ضئيلا كله رأس وقلب وهو يكتب ويملي على اثنين ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه في إخراج الكلام وكأنه يكتب بجملة أعضائه. وهذا التعريف يصدق من أكثر وجوهه على الشيخ القاسمي فإنه كان نحيل الجسم كبير الروح ولو تهيأ لجمال الدين مثل صلاح الدين لسرت أفكاره أكثر مما سرت وراقت أسفاره أكثر مما وفق إليه ولكن إذا عظم المطلوب قل المساعد. وقديما زكا غرس العلم في الشرق في ظل الملوك والأمراء واليوم يزكو في الغرب في حمى الجامعات والمجامع والجمعيات. والعلم مذ كان محتاج إلى العلم. برز الفقيد الراحل وأي تبريز في علوم الشرع وما إليها ولم يفته النظر في علوم المدينة

стр. 5811

فألم بأكثرها إلماما كافيا لتكون له عونا على فهم أسرار الشريعة أما وقد جمع الفضيلتين فلا تجد لكلامه مسحة من الجمود المعهود لكثيرين ممن يقتصرون على العلم والعلمين ويعدون ما عداهما لغوا. فهو عالم ديني كامل ولكنه كان يقرأ العلوم المدنية ويطالع صحفها ومجلاتها وكتبها الحديثة كما يطالعها المنقطعون إلى هذه العلوم وزيادة ولا ينكر شيئا يقال له علم أو فن ولذلك لم يمجه العصريون ولا غيرهم. ربما قال من لم يعرف أن هذا كلام صديق فجع بصديق تسلسلت الصداقة بين بيتيهما منذ نحو ثمانين عاما وعين الحب ومداء أما أنا فلا أحيل المعترض إلا على الرجوع إلى كتب الشيخ وقراءة بعض ما طبع منها وتحكيم العقل والإنصاف وأنا الضامن بأنه لا يلبث أن يساهمني قولي ويوقن بأن المرحوم جود تآليفه التي تنم عن عقله وعلمه أكثر مما جودها كثير من متأخري المؤلفين من بعد عصر السيوطي ممن شهد لهم بالإجادة ولو سمحت له الحال أكثر مما سمحت ومتع بحرية القول والعمل أكثر مما متع لجاء منه أضعاف ما جاء ولكن ضيق العيش وضيق المضطرب لا يرجى منهما أكثر مما تم على يد فقيدنا العظيم من الأعمال والآثار وقد أغلقت دونه أبواب الدواعي والبواعث رحمة الله وبارك لنا قيمن خلف من مريديه ومعاصريه ومن ساروا بسيرته حتى لا تقع على مضمون الحديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وقد كتبنا في تأبين الشيخ غداة وفاته في جريدة الإصلاح ما نصه: لا تحضرني عبارة تشعر بمبلغ الحزن الذي نال دمشق بفقد عالمها الكبير وأستاذها العالم التحرير فقد كان أحد أفراد هذا العصر المعدودين في التحقق بأسرار الشريعة. وهو ولا مراء عالم الكتاب والسنة بلا مدافع خلق ليعمل على بث الدين المبين خاليا من حشو المتأخرين الجامدين وتضليل المخرفين والمعطلين. لم يكد فقيدنا العزيز يطرق هذه الموضوعات ويهيب بالناس إلى الأخذ بمذاهب السلف ويتلطف في إبلاغها العقول المظلمة في دروسه وتآليفه حتى أخذ بعض أهل الجمود يغتابونه ويحذرون عوامهم بدون برهان من الأخذ عنه ولكن ظلمه تقليدهم ما لبثت أن انقشعت بنور اجتهاده وتراجع أمر خصومه بعد قليل وقد بهر الناس فضله وعلمه وأنشأ

стр. 5812

بعد أن كان يزيفون أقواله في مجامعهم الخاصة والعامة يتبعون أقواله المدعومة بالسنة الصحيحة ومذاهب الأئمة. وأكبر دليل على ذلك ما شهدناه يوم مشهده الأخير من إجماع من كانوا خصومه أمس على أعظام الخطب فيه والإقرار له بفضائل كانوا يغمطونه إياها ولكن المعاصرة حرمان. رأيت رجالا كثيرين من أهل الإسلام وغيرهم وفي مصر والشام خاصة أر همة تفوق همة صديقي الراحل ولا نفسا طويلا على العمل ودؤوباً عليه أكثر منه ولا غراما بالإفادة والاستفادة ولا حبا بالعلم للعلم فقد قضى عن٤٩ عاما وخلف ما خلف من عشرات من مصنفاته الدينية العصرية النافعة منها تفسيره الذي لم يطبع ومنها مقالاته الممتعة وأبحاثه المستوفاة وأثر في عقول كثير من الطلبة تخرجوا به وأخذوا أحكام الحلال والحرام عنه دع دروس وعظة للعامة وحلقات خاصته ومع كل هذا كان حتى الرمق الأخير أشبه بطالب يريد أن يجوز الامتحان لنيل شهادة العالمية. وكلما كان يوغل في طلب المزيد من العلم والتحقيق تراه آسفا على عدم إشباع أبحاثه حقها أحيانا من النظر البليغ. رزق الصديق العلامة صفات إذا جمع بعضها لغيره عد قريع دهره ووحيد عصره فقد كان طلق اللسان طلق المحيا وافر المادة وافر العقل سريع الخاطر سريع الكتابة جميل اعهد جميل الود. وكان بلا جدال جمال الدين والدنيا ما اجتمع به أحد إلا وتمنى لو طال بحديثه استمتاعه ليزيد من الأخذ عنه والتشبع بفضائله والاغتراف من بحر علمه. وبينا كنت ترى الأستاذ على قدم السلف الصالح عالما كبيرا بين الفقهاء والأصوليين والمحدثين والمفسرين إذا هو من الأفراد المختصين بالأدب وما يتعلق به وبينا تراه يؤلف ويطبع إذا بك تراه يواظب على تدريس طلبته ووعظ المستمعين في دروسه وخطبه ومع كل هذه الأعمال التي يكون منها انقباض في صدر العامل تراه يهش ويبش كل ساعة ويفسح من وقته شطرا ليغشى مجلسه أولياؤه وأخلاؤه وطلاب الفوائد منه. فهو علامة بين العلماء منور ممدن بين المنورين بنور المدنية الصحيحة ذهب مثال الرجل الصالح عفيف الطعمة لم يسف إلى ما يسف إليه بعض من يتذوقون قليلا من المعارف وما أنكر إلا المنكر ولا أمر إلا بالمعروف ومن ضيق ذات يده كان يتصدق في السر ولا يخلو ساعة من عبادة وذكر وما فقده جلل على دمشق بل على الشام بل على أهل الإسلام

стр. 5813

وشهرته التي نالها في العالم الإسلامي في هذه السن من الكهولة هي مما استحقه أو أقل مما يستحقه لأنه حقيقة العالم العامل الذي يحبب الدين حتى لمن لم يتدين حياته فاللهم عوض المسلمين عن هذه الدرة اليتيمة التي أصيبوا بها وارحمه عداد حسناته وارزقنا الصبر عليه وجميع أسرته وأحبابه الذين فجعوا به. قال صديقنا جرجي أفندي الحداد في رثاء الإمام فقيد الشام والإسلام: أجمل عزاءك فالمصاب جليل ... والدمع في خطب الإمام قليل جل الأسى يا قوم فاصطبروا له ... صبر العظام على العظيم جميل قد كنت أول من يزيل دموعه ... لو كان يشفى بالبكاء غليل جزعت دمشق وقد رأت علم الهدى ... يلوي به عادي الردى فيميل وإلى ظلام القبر يحمل نعشه ... والفضل في أعواده محمول واستشعرت أرض العراق كآبة ... والهند خامرها الأسى والنيل وبكى أفاضلها على رجل قضى ... في أمة فيها الرجال قليل ومجاهر بالحق ليس يصده ... قال تردده الوشاة وقيل أين التقية من صراحة صادق ... لا الجور يرهبه ولا التنكيل هو للحقيقة نثرة محبوكة ... وعلى الضلالة صارم مسلول لولا مجاهرة الهداة بهديهم ... في الناس ما نفع الأنام رسول أودى القضاء بعالم ومحدث ... يستأثر الألباب حين يقول بين المحابر والمنابر يومه ... يفنى ويحيي ليله التحصيل ملكت قلوب الناس منه شمائل ... رقت فتحسب أنهن شمول وإذا جلست إليه أسفر وجهه ... وبدت عليه بشاشة وقبول وجه يصون عن التبذل ماءه ... فيكاد من فرط الحياء يسيل عن الفضيلة بالإمام وآسها ... فشجونها من بعده ستطول وافى يشيد صرحها وربوعها ... لعب الفساد بهن فهي طلول وتصدرت للعلم غير رجاله ... فاعتز غر واستطال جهول قد حكموا أوهامهم وتحكموا ... فالعقل في ربقاتها مكبول

стр. 5814

في كفهم نعم الحياة وبؤسها ... وإليهم التحريم والتحليل ولو أنهم عمدوا إلى التحقيق لم ... يتعارض المعقول والمنقول جمدوا احتفاظا بالقديم وليتهم ... نجحوا فلم يعبث به التبديل نرضى القديم لو ارتضوه كما أتى ... في الوحي لما أنزل التنزيل والناس من نزعاتهم في ظلمة ... لم يبد فيها للصباح دليل ضاقت مذاهبهم وضل صوابهم ... وعدت عليهم فترة وذهول ما ضيق الدين الحنيف مذاهباً ... بل ضيق التحريف والتأويل نهض الإمام بردعهم عن قومه ... والقوم منهم عاذر وعذول بقريحة وقادة وعزيمة ... تمضي وفي حد الحسام فلول واختار شأن المصلحين وأنه ... عبء تنوء به الرجال ثقيل نم يا جمال الدين غير مروع ... إن الزمان بما ابتغيت كفيل فستعرف الأجيال فضلك في غد ... إن كان لم يعرفه هذا الجيل

стр. 5815

أخبار وأفكار الصناعة المصرية أصدرت إدارة التعليم الفني والصناعي والتجاري في مصر نشرة تخص فيها على إحياء فنون الصناعة المصرية قالت فيها: من أجمل مظاهر هذا العصر في مصر هو ما يزدان به من المصنوعات اليدوية على اختلافها. فما صناعة النسيج والصياغة والحفر على الخشب وعمل الأثاث (موبيليات المنازل) وصناعة المعادن والزخرف والتطريز إلا قليل من كثير من الصنائع المهمة المنتشرة في أمهات المدن بالقطر المصري فيسهل على من يحترف بهذه الفنون الصناعية وكثير ما هم في أنحاء البلاد أن يجد مجالا للعمل في معظم القرى ولئن كانت المصنوعات التي يعملونها جميلة جدا في كثير من الأحوال إلا أن القيام بإتمامها على درجة من الإتقان والكمال ربما كان في غالب الأحيان بحالة لا يستحسنها الذوق فضلا عن أن تدرجها في مراقي النجاح سائر سيرا بطيئا يصعب معه وجود المنافسة والمزاحمة بينها وبين المصنوعات الأوربية. ويظهر أن أنواع الصور والأشكال التي تستعمل في كثير من الفنون الصناعية قاصر على أشكال خاصة بتكرر وضعها طبقا للنماذج دون ابتكار أي تغيير فيها أتحسين. على أن نتائج الأشغال التي يقوم بها الصانع الجاهل بفن الرسم لا أثر لها سوى الانحطاط التدريجي الذي يذهب برونق الأشكال وجمالها وهذا هو السبب الحقيقي في قصور التنسيق المشاهد في أنحاء القطر المصري ورداءته. ولقد أنشئ بمدرسة الفنون والصنائع الخديوية ببولاق قسم الصناعية والزخرف منذ أربع سنوات وذلك رجاء الحصول على الغرض المقصود وهو تحسين الصناعات الوطنية وترقيتها والغرض من هذا القسم تعليم الطالب تعليما عاما في الرسم والتلوين والتصميم ليحصل على المعلومات العملية الكافية لتعلمه صناعة يدوية خاصة ليتسنى له الوقوف على دقائقها وما شاكل ذلك فيستطيع ابتكار الأشكال الأصلية اللازمة إليها، لذلك يتلقى الطلبة فيه طرائق حسن الاستنباط بحالة أفضل وصورة أسرع ولا يستعان بالآلات الأوربية إلا حينما تدعو الضرورة فضلا عن توجيه العناية إلى تعليمهم طرق الأشغال المحلية مع الالتفات إلى جعل أساس التعليم في الرسم التطبيقي قائما عل نقل ومحاكاة صور الزخارف العربية
следующие страницы →