Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
فألم بأكثرها إلماما كافيا لتكون له عونا على فهم أسرار الشريعة أما وقد جمع الفضيلتين فلا تجد لكلامه مسحة من الجمود المعهود لكثيرين ممن يقتصرون على العلم والعلمين ويعدون ما عداهما لغوا. فهو عالم ديني كامل ولكنه كان يقرأ العلوم المدنية ويطالع صحفها ومجلاتها وكتبها الحديثة كما يطالعها المنقطعون إلى هذه العلوم وزيادة ولا ينكر شيئا يقال له علم أو فن ولذلك لم يمجه العصريون ولا غيرهم.
ربما قال من لم يعرف أن هذا كلام صديق فجع بصديق تسلسلت الصداقة بين بيتيهما منذ نحو ثمانين عاما وعين الحب ومداء أما أنا فلا أحيل المعترض إلا على الرجوع إلى كتب الشيخ وقراءة بعض ما طبع منها وتحكيم العقل والإنصاف وأنا الضامن بأنه لا يلبث أن يساهمني قولي ويوقن بأن المرحوم جود تآليفه التي تنم عن عقله وعلمه أكثر مما جودها كثير من متأخري المؤلفين من بعد عصر السيوطي ممن شهد لهم بالإجادة ولو سمحت له الحال أكثر مما سمحت ومتع بحرية القول والعمل أكثر مما متع لجاء منه أضعاف ما جاء ولكن ضيق العيش وضيق المضطرب لا يرجى منهما أكثر مما تم على يد فقيدنا العظيم من الأعمال والآثار وقد أغلقت دونه أبواب الدواعي والبواعث رحمة الله وبارك لنا قيمن خلف من مريديه ومعاصريه ومن ساروا بسيرته حتى لا تقع على مضمون الحديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.
وقد كتبنا في تأبين الشيخ غداة وفاته في جريدة الإصلاح ما نصه: لا تحضرني عبارة تشعر بمبلغ الحزن الذي نال دمشق بفقد عالمها الكبير وأستاذها العالم التحرير فقد كان أحد أفراد هذا العصر المعدودين في التحقق بأسرار الشريعة. وهو ولا مراء عالم الكتاب والسنة بلا مدافع خلق ليعمل على بث الدين المبين خاليا من حشو المتأخرين الجامدين وتضليل المخرفين والمعطلين.
لم يكد فقيدنا العزيز يطرق هذه الموضوعات ويهيب بالناس إلى الأخذ بمذاهب السلف ويتلطف في إبلاغها العقول المظلمة في دروسه وتآليفه حتى أخذ بعض أهل الجمود يغتابونه ويحذرون عوامهم بدون برهان من الأخذ عنه ولكن ظلمه تقليدهم ما لبثت أن انقشعت بنور اجتهاده وتراجع أمر خصومه بعد قليل وقد بهر الناس فضله وعلمه وأنشأ
стр. 5812
بعد أن كان يزيفون أقواله في مجامعهم الخاصة والعامة يتبعون أقواله المدعومة بالسنة الصحيحة ومذاهب الأئمة.
وأكبر دليل على ذلك ما شهدناه يوم مشهده الأخير من إجماع من كانوا خصومه أمس على أعظام الخطب فيه والإقرار له بفضائل كانوا يغمطونه إياها ولكن المعاصرة حرمان.
رأيت رجالا كثيرين من أهل الإسلام وغيرهم وفي مصر والشام خاصة أر همة تفوق همة صديقي الراحل ولا نفسا طويلا على العمل ودؤوباً عليه أكثر منه ولا غراما بالإفادة والاستفادة ولا حبا بالعلم للعلم فقد قضى عن٤٩ عاما وخلف ما خلف من عشرات من مصنفاته الدينية العصرية النافعة منها تفسيره الذي لم يطبع ومنها مقالاته الممتعة وأبحاثه المستوفاة وأثر في عقول كثير من الطلبة تخرجوا به وأخذوا أحكام الحلال والحرام عنه دع دروس وعظة للعامة وحلقات خاصته ومع كل هذا كان حتى الرمق الأخير أشبه بطالب يريد أن يجوز الامتحان لنيل شهادة العالمية. وكلما كان يوغل في طلب المزيد من العلم والتحقيق تراه آسفا على عدم إشباع أبحاثه حقها أحيانا من النظر البليغ.
رزق الصديق العلامة صفات إذا جمع بعضها لغيره عد قريع دهره ووحيد عصره فقد كان طلق اللسان طلق المحيا وافر المادة وافر العقل سريع الخاطر سريع الكتابة جميل اعهد جميل الود. وكان بلا جدال جمال الدين والدنيا ما اجتمع به أحد إلا وتمنى لو طال بحديثه استمتاعه ليزيد من الأخذ عنه والتشبع بفضائله والاغتراف من بحر علمه.
وبينا كنت ترى الأستاذ على قدم السلف الصالح عالما كبيرا بين الفقهاء والأصوليين والمحدثين والمفسرين إذا هو من الأفراد المختصين بالأدب وما يتعلق به وبينا تراه يؤلف ويطبع إذا بك تراه يواظب على تدريس طلبته ووعظ المستمعين في دروسه وخطبه ومع كل هذه الأعمال التي يكون منها انقباض في صدر العامل تراه يهش ويبش كل ساعة ويفسح من وقته شطرا ليغشى مجلسه أولياؤه وأخلاؤه وطلاب الفوائد منه.
فهو علامة بين العلماء منور ممدن بين المنورين بنور المدنية الصحيحة ذهب مثال الرجل الصالح عفيف الطعمة لم يسف إلى ما يسف إليه بعض من يتذوقون قليلا من المعارف وما أنكر إلا المنكر ولا أمر إلا بالمعروف ومن ضيق ذات يده كان يتصدق في السر ولا يخلو ساعة من عبادة وذكر وما فقده جلل على دمشق بل على الشام بل على أهل الإسلام
стр. 5813
وشهرته التي نالها في العالم الإسلامي في هذه السن من الكهولة هي مما استحقه أو أقل مما يستحقه لأنه حقيقة العالم العامل الذي يحبب الدين حتى لمن لم يتدين حياته فاللهم عوض المسلمين عن هذه الدرة اليتيمة التي أصيبوا بها وارحمه عداد حسناته وارزقنا الصبر عليه وجميع أسرته وأحبابه الذين فجعوا به.
قال صديقنا جرجي أفندي الحداد في رثاء الإمام فقيد الشام والإسلام:
أجمل عزاءك فالمصاب جليل ... والدمع في خطب الإمام قليل
جل الأسى يا قوم فاصطبروا له ... صبر العظام على العظيم جميل
قد كنت أول من يزيل دموعه ... لو كان يشفى بالبكاء غليل
جزعت دمشق وقد رأت علم الهدى ... يلوي به عادي الردى فيميل
وإلى ظلام القبر يحمل نعشه ... والفضل في أعواده محمول
واستشعرت أرض العراق كآبة ... والهند خامرها الأسى والنيل
وبكى أفاضلها على رجل قضى ... في أمة فيها الرجال قليل
ومجاهر بالحق ليس يصده ... قال تردده الوشاة وقيل
أين التقية من صراحة صادق ... لا الجور يرهبه ولا التنكيل
هو للحقيقة نثرة محبوكة ... وعلى الضلالة صارم مسلول
لولا مجاهرة الهداة بهديهم ... في الناس ما نفع الأنام رسول
أودى القضاء بعالم ومحدث ... يستأثر الألباب حين يقول
بين المحابر والمنابر يومه ... يفنى ويحيي ليله التحصيل
ملكت قلوب الناس منه شمائل ... رقت فتحسب أنهن شمول
وإذا جلست إليه أسفر وجهه ... وبدت عليه بشاشة وقبول
وجه يصون عن التبذل ماءه ... فيكاد من فرط الحياء يسيل
عن الفضيلة بالإمام وآسها ... فشجونها من بعده ستطول
وافى يشيد صرحها وربوعها ... لعب الفساد بهن فهي طلول
وتصدرت للعلم غير رجاله ... فاعتز غر واستطال جهول
قد حكموا أوهامهم وتحكموا ... فالعقل في ربقاتها مكبول
стр. 5814
في كفهم نعم الحياة وبؤسها ... وإليهم التحريم والتحليل
ولو أنهم عمدوا إلى التحقيق لم ... يتعارض المعقول والمنقول
جمدوا احتفاظا بالقديم وليتهم ... نجحوا فلم يعبث به التبديل
نرضى القديم لو ارتضوه كما أتى ... في الوحي لما أنزل التنزيل
والناس من نزعاتهم في ظلمة ... لم يبد فيها للصباح دليل
ضاقت مذاهبهم وضل صوابهم ... وعدت عليهم فترة وذهول
ما ضيق الدين الحنيف مذاهباً ... بل ضيق التحريف والتأويل
نهض الإمام بردعهم عن قومه ... والقوم منهم عاذر وعذول
بقريحة وقادة وعزيمة ... تمضي وفي حد الحسام فلول
واختار شأن المصلحين وأنه ... عبء تنوء به الرجال ثقيل
نم يا جمال الدين غير مروع ... إن الزمان بما ابتغيت كفيل
فستعرف الأجيال فضلك في غد ... إن كان لم يعرفه هذا الجيل
стр. 5815
أخبار وأفكار
الصناعة المصرية
أصدرت إدارة التعليم الفني والصناعي والتجاري في مصر نشرة تخص فيها على إحياء فنون الصناعة المصرية قالت فيها: من أجمل مظاهر هذا العصر في مصر هو ما يزدان به من المصنوعات اليدوية على اختلافها. فما صناعة النسيج والصياغة والحفر على الخشب وعمل الأثاث (موبيليات المنازل) وصناعة المعادن والزخرف والتطريز إلا قليل من كثير من الصنائع المهمة المنتشرة في أمهات المدن بالقطر المصري فيسهل على من يحترف بهذه الفنون الصناعية وكثير ما هم في أنحاء البلاد أن يجد مجالا للعمل في معظم القرى ولئن كانت المصنوعات التي يعملونها جميلة جدا في كثير من الأحوال إلا أن القيام بإتمامها على درجة من الإتقان والكمال ربما كان في غالب الأحيان بحالة لا يستحسنها الذوق فضلا عن أن تدرجها في مراقي النجاح سائر سيرا بطيئا يصعب معه وجود المنافسة والمزاحمة بينها وبين المصنوعات الأوربية. ويظهر أن أنواع الصور والأشكال التي تستعمل في كثير من الفنون الصناعية قاصر على أشكال خاصة بتكرر وضعها طبقا للنماذج دون ابتكار أي تغيير فيها أتحسين.
على أن نتائج الأشغال التي يقوم بها الصانع الجاهل بفن الرسم لا أثر لها سوى الانحطاط التدريجي الذي يذهب برونق الأشكال وجمالها وهذا هو السبب الحقيقي في قصور التنسيق المشاهد في أنحاء القطر المصري ورداءته.
ولقد أنشئ بمدرسة الفنون والصنائع الخديوية ببولاق قسم الصناعية والزخرف منذ أربع سنوات وذلك رجاء الحصول على الغرض المقصود وهو تحسين الصناعات الوطنية وترقيتها والغرض من هذا القسم تعليم الطالب تعليما عاما في الرسم والتلوين والتصميم ليحصل على المعلومات العملية الكافية لتعلمه صناعة يدوية خاصة ليتسنى له الوقوف على دقائقها وما شاكل ذلك فيستطيع ابتكار الأشكال الأصلية اللازمة إليها، لذلك يتلقى الطلبة فيه طرائق حسن الاستنباط بحالة أفضل وصورة أسرع ولا يستعان بالآلات الأوربية إلا حينما تدعو الضرورة فضلا عن توجيه العناية إلى تعليمهم طرق الأشغال المحلية مع الالتفات إلى جعل أساس التعليم في الرسم التطبيقي قائما عل نقل ومحاكاة صور الزخارف العربية
стр. 5816
والفارسية التي بالمساجد ودور الآثار.
ويسوغ لكل طالب حائز للشهادة الدراسية الابتدائية الالتحاق بهذا القسم. أما المصروفات المدرسية فهي ثمانية جنيهات مصرية في السنة عن التلميذ الخارجي و١٦ عن التلميذ الداخلي.
وتشتمل الدراسة التحضيرية على تعليم الأشغال اليدوية في فنون التجارة وعمل الأثاث والحفر على الخشب وأشغال التطعيم وأشغال صياغة المعادن وترصيعها بالجواهر وزخرفة المنازل والنسيج والصياغة.
ومدة التعليم سنتان يتخصص الطالب بعدهما لإتقان فن من تلك الفنون الصناعية مدة سنتين أخريين قبل دخول الامتحان لنل الدبلوم.
ولكي يحصل الطالب على المعارف العملية التي تستلزمها الحرفة التي يتخذها لا بد له من أن يمضي سنة أخرى في احد المصانع خارجاً عن المدرسة لاكتساب تلك المعلومات وفاقاً لما تدعو إليه أحوال التجارة عادةً. ولا تمنح دبلوم المدرسة إلا للطالب الذي نجح في الامتحان النهائي وأمضى كذلك مدة سنة في التمرين بحالة تدل على الرضا عن عمله من قبل أصحاب المحل الذي اشتغل فيه.
وان الطلبة الذين يرغبون الدخول في معترك الحياة التجارية في أي نوع من أنواع الصناعات بالقطر المصري ليجدون في هذا القسم من مدرسة الفنون ووالصنائع الحيوية ميزة خاصة لتؤهلهم لإدخال التحسينات الصناعية واستنباط المبتكرات الجديدة في صنائعهم. هذا فضلاً عما يجدون في القسم المذكور من الفرصة التي تجعلهم على بصيرة من طرق الصناعة بحيث يتمكنون في النهار من فتح وإدارة مصانع خاصة بهم.
فالقطر المصري في حاجة شديدة إلى قادة في الصناعة والأمل وطيد في حرص الشبيبة المصرية على اغتنام الفرصة السانحة لهم بقسم الفنون الصناعية بمدرسة الصنائع ببولاق حيث يرتشفون مناهل التعليم فيه ليأخذوا على عاتقهم القيام بقسط وافر من جلائل الأعمال الشريفة التي ترتقي بها موارد الثروة في الديار المصرية ويعاونون على جعل مركزها الصناعي والمالي قائما على أساس متين.
نعم أن سعادة البلاد تتوقف في الوقت الحاضر على حالتها الزراعية ومن ثم كانت قيمة
стр. 5817
الواردات السنوية من المصنوعات الأوربية عظيمة جداً. على أنه ليس ثمة ما يمنع المصريين من القيام بصنع تلك المصنوعات تحت إشراف الماهرين من الصناع. فان النتاج الذي بدأ في الأعمال الصناعية القليلة التي كانت تصنع تحت رقابة المصريين فيما سبق من الزمان لدليل على أنهم جديرون بإخراج أحسن أنواع المصنوعات من الأثاث وشغال المعادن وعلى أنهم قادرون تماماً على مباراة المصنوعات الأوربية الواردة من الخارج ومنافستها ولذلك فليس هناك سبب يعوقهم عن بلوغ النجاح في الصناعات الأخرى كما نجحوا في غيرها.
دين مصر
نشر صندوق الدين العمومي في مصر تقريره عن عام١٩١٣ومنه يرى أن الباقي على مصر من القرض المضمون إلى أخر السنة الماضية يبلغ٧. ١٠٢. ٨٠٠ جنيه انكليزي وما استهلك منه في العام الماضي بواسطة شراء أوراقه ١١٢. ٥٠٠ جنيه انكليزي. والدين الموحد ٥٥، ٩٧١. ٩٦٠ جنيه انكليزي والجملة ٩٤، ٢٠٢، ٥٤٠ جنيهاً انكليزياً. وقد هبط سعر الدين الموحد في السنة الماضية إلى أوطأ ما بلغه في الأربع عشرة سنة الماضية فكان اقل ما بيع به ٩٦ جنيهاً وأعلى ما بلغ ١١٠ وربع جنيه في عام ١٩٠٢.
الأندية (١)
سادتي الأخوان
هذه أول مرة نحتفل فيها بافتتاح ناد من مثل هذا النوع في قاعدة الشام فشكراً للقائمين به ولا سيما رئيسه المستر ديفي قنصل انكلترا واني لأتوسم الخير والبقاء لنادينا الجديد لان رأسه من امة هي اعرق الأمم معرفة بالمنتديات وما ينبغي لها فقد حدثنا تاريخ هذه المعاهد أنهم كانوا اسبق العلمين إلى تأسيس الأندية منذ زمن طويل ولا تزال كلمة كلوب انكليزية نقلتها أكثر أمم الحضارة إلى لغاتها ويقابلها بالافرنسية على سبيل التجوز سيركل وعربها العرب بالنادي فالكلوب أو النادي هو مجمع من الطراز الأول يختلف إليه أناس متماثلون في طبقاتهم ويكونون في الغالب في سيرتهم كما يكون سراة الناس أدبا ولطف ومعاملة والكلمة المقابلة في اللغة الانكليزية هي جنتلمين ومن الصعب ترجمتها بالفرنسية ويعنى بها من بلغوا غاية الكمال في التربية والتهذيب يجتمعون للعب والتسلية وتلاوة الصحف
стр. 5818
والتحدث وغير ذلك من الأغراض.
كانت الندية عند منشئها بادئ بدء مجتمعات أصحاب متعارفين تضم شملهم ليأكلوا فيها ويشربوا في أوقات مخصوصة ولم تكن أماكنها خاصة بمن يجتمع فيها فانتظمت مع الزمن وانقلبت قصوراً فخمة محترمة ولم يكن النساء يدخلنها لأول أمرها وكان لأعضاء النادي فندق خاص بهم يحتوي على غرفة مائدة ومكتبة ومحل للتدخين وحجر للنوم بحيث يكون المرء في ناديه كأنه في بيته الذي يؤويه ثم استخدمت الأندية للأحزاب السياسية ثم انقسمت أقساماً بحسب مقاصدها لان الغرب كما تعلمون بلاد الأخصاء والتخصص ولا سيما التي هي في مقدمة الأمم في التناغي بطبقاتها لا يستطيع فيها أهل طبقة معينة أن يختلطوا بغير طبقتهم.
تعددت الأندية بتعدد المقاصد فمنها السياسي والعلمي ومنها أندية الرياضات البدنية والحمامات والصيد وأندية اللعب والشرب وأندية العزاب والممتنعين عن التدخين والشراب وهناك نواد خاصة بأبناء حرفة معينة وطبقة معينة وفكر معين حتى صارت الأندية بالمئات في بريطانيا العظمى بل في كل الممالك التي دخلت في طور المدينة وكل يوم نسمع بأندية تؤسس عندهم فمما أسسوه في الولايات المتحدة نادي الأمهات يجتمع فيه ربات البيوت ليتداولن في تربية أولادهن وانشئوا في نيويورك مؤخراًنادياًللسجناء يأوي إليه من خرج من الحبس حديثاًفيتوسل له النادي بإيجاد عمل ينصرف إليه بعد سجنه. واغرب الأندية نادي المعمرين الذي أنشئ حديثاًفي طوكيو عاصمة اليابان فان أعضاءه اثنا عشر عضواً فقط بلغ كل منهم مئة وعشر سنين من عمره ومع هذا لم يزهد احدهم في الاجتماع مع أقرانه.
ولقد كان من اخترعوا هذا النوع من المجالس في الجزائر البريطانية أكثر الأمم استمتاعا بثمرات الاجتماع مع أن المشهور من أخلاق الانكليز كما قال إميل بوتمي أنهم أكثر الناس عزوفاً عن الاختلاط بغيرهم أو كما قال اميرسون فيلسوف الأميركان: انك تحسب الانكليزي إذا اجتمع مع الأجانب اخرس فهو لا يصافحك ولا يتركك تنظر ما في عينيه في الفندق ويلفظ اسمه بحيث لا يسمع فكل واحد من هؤلاء الجزائريين جزيرة برأسها فمن ثمرات الأندية عند البريطانيين أن أهل كل حرفة وطبقة يعرفون في أنديتهم اقدر الرجال
стр. 5819
فيهم فإذا جاء وقت انتخاب مجلس النواب يكونون لمبرزيهم اعرف الدعاة لهم فيختارونهم للنيابة عن الأمة أي أن أعضاء نادي الإشراف وأعضاء نادي الحوذيين والسواقين والسكافيين والطباعين والوراقين والبزالين والفحامين بل وكل ما يخطر ببالك من أرباب الصناعات المختلفة يستعينون بالأندية على اختبار مدارك إخوانهم فينيبون عنهم أخطبهم وأعقلهم وأمنهم وأعملهم وهكذا كانت الأندية نافعة في الغرب كما نفعت في الإسلام الجوامع والمدارس فكانت أندية يتفاوض فيها أهله في شؤونهم السياسية والاجتماعية أيضا.
ومن غرائب الأندية في لندن اليوم نادي السكوت وهو للصم والبكم ليس فيه كلام يسمع ولا جرس يقرع ومن يدخل النادي من المشتركين فيه يكبس زراً كهربائياً ينير قطعة من المكان فيفتح له وغير الكهربائية أيضا اصطلحوا على إشارات للتفاهم بينهم ويدخله الرجال والنساء يلعبون بالبلياردو أو يتحادثون أحاديث صم ويغنون غناء الصم. وفي لندن ناد للمعتزلين عن الناس يدخله من ضاقت صدورهم من الوحدة والعزلة ولا يقبل فيه النساء إلا بعد سن الخامسة والعشرين وهو دولي عام ولا يؤدي المشترك فيه شيئاً وهو غريب في بابه لأنه يضم أناسا من أهل الأرض بأسرها ومن جميع الطبقات الراقية وفيه كثير من أرباب المكانة والشهرة.
وهناك ناد اسمه نادي العجل الذهبي ونادي القط الأسود ونادينا وهو نادي أعاظم الأدباء ونادي ١٠١ ونادي الست ساعات وهو ناد أعضاؤه ستة يدخلون إليه كل يوم الساعة السادسة ويخرجون الساعة الثانية عشرة ومع كل واحد منهم كتاب. والنادي الدائم وعدد أعضائه مئة يقسمون أن لا يبرحوا منازلهم مهما كلفهم الأمر من المخاطر حتى انه حدث يوماً حريق قرب ناديهم فلم يخرجوا منه إلا بقوة رجال الشرطة. وقد أسس بعض أبناء الأسر في ايرلندا سنة ١٧٦٦ ناديا لهم ليختطفوا البنات ويتزوجوا بهن قسرا فانحل هذا النادي سنة ١٨٠٢ عقيب حوادث أفاض فيها مجلس النواب الانكليزي. وفي ايرلندا أندية قلما تقبل النساء وفيها أندية للنساء العازفات عن الزواج. وسيفتح الآن ناد غريب اسمه نادي اللوبياء السوداء على مثال نادي نيويورك وهو مؤلف من أربعين عزباً يجتمعون مرة في السنة ويضع رئيسه في صندوق أربعين حبة لوبياء بيضاء ومنها سوداء ويسحب كل عضو حبة فمن سقطت السوداء في يده حكم عليه قانون النادي بان يتزوج والنادي يقوم
стр. 5820
بنفقة تزويجه كما يبتاع له أثاث بيته ونفقة سفره ثلاثة أسابيع مدة شهر العسل.
وعندهم أندية لطالبات الزواج على مثال نادي اليابان الذي يتم بواسطته كل أسبوع مئتا قران وأكثر المقترنين يتزوجون بالنظر إلى صور خطيباتهم الشمسية. وكان في لندرا نادي التقبيل ولكن حدثت منه غوائل لم تفض إلا بمعرفة المحاكم.
وفي لندرا ناد للمنتحرين شعاره بالموت شفاء الأسقام كلها ولا يقبل فيه للنساء ولا للعزاب. ولها ناد للأرواح يدخله علماء ومحامون وجراحون وباحثون ممن يهتمون بكشف الأسرار عن مخاطبة الأرواح. ولها ناد لمن لا أنوف لهم ورئيسه مصري انفه أقنى للغاية يكاد لا يظهر. ونادي مشوهي الخلقة. ونادي السوداويين يجتمعون كل أسبوع وهم عبارة عن حوذيين وسواقيين وملاحيين ليتسابوا ويشاتموا ويظهروا أفضل قرائحهم في علم الطعن والقذف ومن قصر من الأعضاء أو أبدى لطفاً في وحركاته يغرم في المرة الأولى وفي الثانية يطرد من حظيرة أقرانه. وفيها نادي العبوسين يدخله من ساءت أخلاقهم يلتزمون السكوت فيجلس الواحد منهم إلى ناحية يدخن غليونه بدون أن يتكلم. وعندهم نادي الفلس أربعة أقسام أي نادي البخلاء المقترين وفيه أناس من كبار أرباب الأملاك وأعاظم الماليين ونادي قتلة البشر وهم يؤثرون القتل على ثلم الشرف ورئيسهم قتل ٢٥ شخصاً في البراز.
ولا اعرف فيما اطلعت عليه من كتب العرب في التاريخ والشعر والخطب والمحاضرات أنه عهد لبغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق والقيروان أيام عزها معهد يماثل هذه الأندية الحديثة وغاية ما تبين أن المتماثلين كانوا يجتمعون في بيوتهم وحلقاتهم الخاصة فمنهم من يجتمع للمباحثة في العلم كاجتماع إخوان الصفا ومن يروي عنهم التوحيدي في مقابساته كانوا من نحل مختلفة لم تمنعهم مذاهبهم في تلك العصور من الاجتماع على مقصد واحد وكان الشراب الذي يتعاطونه في الأكثر نبيذ التمر وهو أشبه بالصليبية عندنا أو الشيرا يجتمعون لتعاطيه كما يجتمع المحدثون على القهوة والشاي وغيرهما من المشروبات فيغذون باجتماعهم أرواحهم كما يفكهون بما يتعاطونه أجسادهم وما كانت الطبقة العالية من أهل الشرف والعلم والفقه ترى من الغضاضة أن ترفع أصواتها بالغناء أو تأخذ بالعزف والإيقاع في مجالسها وأنديتها لأنهم علموا قبل أهل المدينة الحديثة أن المرء قد يستغني عن القراءة والكتابة ولا يستغني عن رفع صوته ليتغنى فيطرب نفسه وجلاسه وكتاب الأغاني
стр. 5821
لأبي الفرج الأصفهاني مملوء بأخبار أهل هذه الطبقة.
حكا صاحب اليتيمة انه كان في جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على التبسط في القصف واللهو ابن قريعة وابن معروف والقاضي التنوخي وغيرهم وما منهم إلا أبيض الحية طويلها وكذلك كان الوزير المهلبي. فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذ السماع واخذ الطرب منهم مأخذه وضع في يد كل واحد منهم كاس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوءاً شرابا قطربلياً أو عكبرياً فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ويرش بها بعضهم غلى بعض ويرقصون اجمعهم (كذا) وعليهم المصبغات ومخانق البرم والمنثور ويقولون كلما يكثر شربهم هرهر (والهر هر صوت جري الماء).
قال: فإذا أصلحوا عادوا لعادتهم في الرمث والوقر والتحفظ بأبهة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء. والرمث في اللغة الإصلاح والمسح باليد أي ما يعرف اليوم بالتولت وهذه القصة وان كان فيها نظر لما فيها من التبذل المذموم فإنها تدل على شيء من الدعابة والظرف.
وبعد فان أسفار امتنا طافحة بأحاديث المترفين وأرباب القصف واللهو والإنشاد مما ينم عن ذوقهم ومدينتهم وتفننهم في مذاهب اللذائذ المشروعة في الغالب وتقلبهم في أعطاف الدعة والأنس وحسن العشرة وجمال العهد واختلاف كل قوم إلى أندية القوم الأخر. روى الصابئ في تاريخ الوزراء قال حدث أبو القاسم الزنجي قال: رسم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات في وزارته الثانية أن يدعى أبو الحسن موسى بن خلف وأبو علي محمد بن علي بن مقلة وأبو الطيب محمد بن احمد الكلوذاني وأبو عبد الله محمد بن صالح وأبو عبد الله والدي وأبو بشر عبد الله بن الفرخان النصراني وأبو الحسن سعيد بن إبراهيم التستري النصراني وأبو منصور عبد الله بن جبير النصراني وأبو عمرو سعيد بن الفرخان النصراني في كل يوم إلى إطعامه فكانوا يحضرون مجلسه في وقته ويقعدون من جانبيه وبين يديه ويقدم كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في الوقت من خير شيء ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف طبق فيه سكين يقطع بها صاحبه ما يحتاج إلى قطعه من سفرجل وخوخ وكمثرى ومعه طست زجاج يرمي فيه الثفل فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم شيلت الأطباق وقدمت الطست والأباريق
стр. 5822
فغسلوا أيديهم وأحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيارز ومن تحتها سفرة ادم فاضلة غليها وحواليها مناديل الغمر من الثياب المقصور فإذا وضعت رفعت المكبة والأغشية واخذ القوم في الأكل وأبو الحسن بن الفرات يحدثهم ويباسطهم ويؤنسهم فلا يزال على ذلك والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه ويغسلون أيديهم والفراشون قيام يصبون الماء عليهم والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبيقة ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم وصبه على وجوههم فمن كانت له من الكتاب حاجة قام إليه وخاطبه فيها وسأله إياها ومن أراد اطلاعه على سر يجب الانفراد معه فيه فعل مثل ذلك.
ونتم ترون بهذا الوصف أن القوم لم يكونوا دون أهل هذا العصر في مجالسهم ورفاهيتهم ومسلياتهم وتسامحهم فان أرقى قصر من قصور الملوك والأمراء في الشرق والغرب لعهدنا ليس فيه من الاستعداد والتأنق في العيش والنظام في الطعام أكثر مما كان لابن الفرات وجماعته.
فعسانا نقتدي بالنافع من مظاهر أجدادنا في أوقات العمل والفراغ كما نأخذ عن الغرب كل ما ينفعنا في خلوتنا وجلوتنا وترقية اجتماعنا وشعورنا وشممنا وعقولنا وهذا لا يقوم إلا إذا راعينا النظير في الداخلين فقربنا كل سري عرف بحسن السيرة والسريرة ونبذنا كل معربد طائش لم يبلغ بتهذيبه مستوى أقرانه وان كان يحمل ذهباً كثيراً.
نعم نبعد السكيرين والمقامرين ليكون النادي لائقا بان يغشاه النبلاء لا حانة يضم جدرانها السفهاء وبذلك يصبح أحسن واسطة لتعارف الشرقي بالغربي فكما أن أهل المذاهب المختلفة لا تقوم لهم وطنية بدون تعارفهم وتعاطفهم هكذا المدينة لا تقوم على أصولها إلا بمناصرة الشرقي للغربي والغربي للشرقي. مدينة القرن العشرين تقوم بتبادل المنافع والأفكار أكثر من قيامها بالتقاطع والشجار فالله اسأل إن يعلمنا من مدينة الغرب ومدينة العرب ما تنبسط له النفس ويطيب له القلب فان سرعة ائتلاف قلوب الأبرار_كما قال احد الحكماء_كسرعة اختلاط قطر المطر بماء الأنهار وبعد قلوب الفجار من الائتلاف كبعد البهائم من التعاطف نكون على حد قول الشاعر:
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كان به عن كل فاحشة وقراً
стр. 5823
سليم دواعي الصدر لا باسطاً أذى ... ولا مانعاً خيراًولا ناطقاً هجراً
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... ففك أنت محتالاً لزلته عذراً
المرأة في القديم والحديث
خطبت الآنسة مي في حفلة النادي في القاهرة مساء ٢٣ ابريل ١٩١٤ ومما قالته:
طافت المدينة أنحاء العالم ولكن ما حالنا بها؟ لقد ظهرت معجزاتها في اكتشافات البشر وعلومهم وفنونهم وأساليبهم وكيفية معيشتهم إلا أن الشقاء مازال شقاء! مازلنا نشاهد حولنا الحرب والفقر والمرض والقتل والانحطاط النفسي والعاهات الأخلاقية على تعدد أنواعها وما برحت الشعوب تشكو حكوماتها والأوطان تشقى بأبنائها والعائلات تتعذب بأفرادها والأفراد تتوجع بميولها وتشقى بغرائزها المتناسخة عن وراثات بعيدة وقريبة! كلا! إن المدينة لم تأت بتمام واجبها بعدو لم تصلح من الأحوال إلا البعض اليسير أو المتوسط. وانتم أيها السادة والسيدات تعلمون سبب ذلك النقص وتعرفون موضع الضعف من مدينة القرون المنصرمة. ذلك الضعف التائن والنقص الهائل ليس إلا تقهقر نصف الإنسانية هو جهل المرأة!
قال هوجو: ليس الرجل وحده الإنسان ولا هو المرأة وحدها بل هما الإنسان والإنسان هما كل جنس دون أخيه نصف فقط ولا يصير عدداًكاملاً إلا إذا أضيف إليه النصف الأخر لا صحة للمرء إلا بسلامة دماغه وقلبه ولا سعادة للرجل إلا بسعادة المرأة.
سل عنها الدهور المتدحرجة في هاوية الزمان لو كان للدهور لسان لأنبأتك بما يدمي الفؤاد المرأة! لقد جعلتها الهمجية حيواناً بيتياً وحسبها الجهل متاعاً ممتلكاً للرجل يستعمله كيفما شاء ويهجره إذا أراد ويحطمه إذا خطر له في تحطيمه خاطر. كانت بعد ذلك عبدة شقية وأسيرة ذليلة ثم ارتقت مع مرور الأجيال إلى درجة طفلة قاصرة إلى لعبة يلهو بها السيد في ساعات الفراغ إلى تمثال بهرجة تتراكم عليه الأثواب والجواهر الثمينة ومن منا يدري بما كانت تستر الأثواب الحريرية والجواهر الثمينة من قرح القلب الدامية التي لم يضمدها بشر؟
تاريخ المرأة استشهاد طويل أليم ومن أغرب الغرائب أنها لم تجد لها في القدم صديقاً ولا نصيراً. كانت عامة الشعب تكرهها وتحتقرها وليس ذلك بكثير على قوم جاهلين تحجرت
стр. 5824
منهم القلوب وصمت الإفهام فهم لا يدركون شيئا مما يتجاوز دائرة شخصهم الصغير لكني أرى الأمر عجباً بل فظيعا من رجال نحسبهم نوابغ زمانهم وقادة أفكار العالم. لم يذكر شعراء اللاتين من المرأة إلا جمال جسدها وليس في قصائدهم ما يدل على تلمس آثار النفس وراء ظواهر الجسد وجميعهم متفق على تسميتها الشيطان الجميل أو ينبوع المسرات السامة وشعراء اليونان اسخيلوس واوربيدس وغيرهما يسمونها - ببساطة كلية! - بلية العالم. أما الفلاسفة فاكتفي بان اذكر هنا أفلاطون، أفلاطون الإلهي الذي يعتبره تاريخ الفكر امة بأسرها أفلاطون ذا الأحلام الغامضة والمبادئ السامية الذي لم يترك موضوع إصلاحي سياسي أو أدبي إلا عالجه رغبة في إسعاد العالم - أفلاطون لم يفكر قط في تحسين حالة المرأة ولم يهتم في درس أخلاقها واستكشاف درجتها العقلية والاستعدادية. ماذا قال! إن أفلاطون هذا قضى حياته آسفا لأنه ابن امرأة وكان يصرح بذلك تصريحاً بازدرائه بأمه ويعتقد أن من كان جبان من الرجال في هذا العالم فمنذ ولادته في عالم أخر تتقمص روحه في جسد حيوان أو في جسد امرأة.
وما علم أفلاطون أن امرأة ستتعلم فلسفته في (مدرسة الإسكندرية) وان تلك المرأة لا يمنعها شبابها الغض وجمالها الرائع أن تكون اعلم علماء عصرها. تلك هي الفتاة هيباثيا ابنة ثيونوس الرياضي الشهير التي قتلت رجماً في شوارع الإسكندرية في أوائل القرن الرابع فذهبت شهيدة علمها وإخلاصها ورغبتها في إشهار التعاليم الأفلاطونية.
أول من عطف على المرأة واسمعها كلمات الإشفاق والغفران هو يسوع الناصري. وهو أول من سوى بينها وبين الرجل إذ جعل لهما خطة واحدة تفضي إلى ثواب واحد وإلا فللضالين عقاب واحد. على أن النصرانية حرمتها من وظائف الكهنوت وما برح طائفة اللاهوتيين يعتبرونها قارورة الخطايا والآثام!
ثم جاء نبي الإسلام فرفع شانها أي رفعة في بلاد العرب إذ حرم واد الفتيات وسواها بالرجل في جميع الحقوق والواجبات إلا في الشهادة والميراث فان امرأتين اثنتين تساويان رجلاً - وفي ما عدا ذلك فهي والرجل سواء في جميع الحقوق المدنية ويقول العارفون أن لها الحقوق السياسية أيضاً. والمسلمات لهن إن يكن فقيهات وكانت أول فقيهة منهن عائشة زوجة صاحب الشريعة الإسلامية الذي قال لقومه: خذوا دينكم عنها!.
стр. 5825
وعلي أن اذكر هنا اسمي بلوتارك ودانتي وهما أول من تلمس نفس المرأة من طغمة الشعراء والمفكرين. لقد جعلا لقصائدهما عرائس شعر تتجلى فيهن ملكات الجمال الأدبي: وهما اللذان ترنما للمرة الأولى بذكر المرأة ذات النفس السامية والذكاء الوقاد ومقدمة عثرات الجنس القوي. من منا لا يعرف لورا وبياتريس؟ إن هذين الاسمين لا يفترقان عن اسمي بلوتارك ودانتي وسيكونان أبداً المثل الجميل الذي مر في مخيلة دانتي فصوره في شعره الساحر قد اخترق ظلمات القرون الوسطى كبرق ساطع ثم جاء كبير شعراء العالم شكسبير فجعل أبطال أكثر رواياته من النساء الجميلات ذوات النفوس الكبيرة تتلامس في قلوبهن بلطف يشبه تموجات النور في الهواء أقوى وأعذب شعائر المحبة بأسمى وأوجع عواطف التضحية وكذلك كانت النساء في روايات كورنايل وكلكم ذاكر بلا ريب بولين وكاميل وشيمان. . . ألا تذكرون؟
لم يكن مفكري القرون الوسطى من رأي شكسبير وكورنايل بل كان معظمهم مبغضاً للمرأة ساخراً بها لم يكن طاعناً فيها. ولقد اختصر بوسيه أسقف مو وأفكار معاصريه وأوردها في جملة واحدة. قال بجديته الحبرية المشهورة: المرأة خلقت من ضلع زائد في جنب الرجل فلهذا السبب هي عقيمة لا ذكاء في عقلها ولا إدراك في نفسها. رحمة الله عليك يا بوسيه! انك لم تكن نبيهاً! أما كون المرأة مخلوقة من ضلع الرجل فهذا أمر لا رأي لي فيه - غير أني أفضل أن تكون مخلوقة من عصير قلبه وعواطفه بدلاً من أن تكون - كوتلياً - مصورة! وأما كون الضلع زائدة فهذه مسالة فيها نظر وعلى كل حال فاني لا اخذ على نفسي إثبات هذه الحقيقة التشريحية. . . أو اللاتشريحية.
أيها السادة! لننس هذه الأقوال العتيقة ولننظر إلى أحوال الحاضر. إن النهضة النسائية تمتد يوميا في أقاصي المسكون. إنها لنهضة عجيبة تبشر بخير عظيم وتنبئ بان مدينة الأمس العرجاء التي لم تتكئ إلا على ذراع جنس من الجنسين هي غير مدينة الغد الممتعة بتحقيق أجمل الأماني الجائلة في قلب الإنسان. ليست مدينة الغد مدينة الرجل وحده بل هي مدينة الإنسانية لان المرأة آخذة بالصعود إلى مركزها الحقيقي بقرب الرجل. إن موجة النور نور الارتقاء النسائي تزداد ارتفاعاً واتساعاً مع الأيام. في فرنسا وانكلترا وأميركا وألمانيا وايطاليا تجاهد المرأة جهاد الأبطال في سبيل ترقية جنسها وترقية النوع البشري معها.
стр. 5826
ولقد نالت جميع حقوقها في اسوج ونروج وفنلندا وزيلاندا الجديدة وفي بعض الولايات المتحدة فهي الآن والرجل سواء أدبياً ومدنياً وسياسياً أيضاً. وفي كل من هذه البلاد كان تأثيرها نافعاً جميلاً وحيث تقلدت المرأة الوظائف العمومية قد قلت الجرائم وخفت وطأة السكر وظهر تحسن محسوس يكاد يكون ملموساً في مستوى أخلاق الأمة وفي حالتها الصحية جميعاً.
هذه هي المرأة الجديدة ومستودع آمال المستقبل.
كم قالوا فيها أنها لا تصلح إلا للخدمة البيتية والزينة الجسدية وها هي مصلحة كبيرة ومفكرة عاملة! وكم قالوا أنها حيوان جميل وشيطان لطيف وها هي ملك كريم يحاول إفهام الرجل أن في الحياة عنصراً سامياً هو كل الحياة! وكم قالوا أنها كاذبة خبيثة وان الصدق والإخلاص بعيدان عنها بعد الشمال عن الجنوب وها هي آخذة في تهذيب نفسها وملا شاة العاهات التي شوهتها في أزمنة العبودية! وكم قالوا أنها مترددة حائرة ذليلة لا تقوى على توليد فكر ولا تتحمل المسؤولية وها هي عزيزة النفس شديدة الحرص على الاستقلال منحنية بحرقة على الحياة العميقة! وكم قال فولتر أن فكرها سريع العطب وانه يتحطم تحطيماً إذا حاول استفهام ناموس علمي غريب أن يقول فولتر هذا القول لأنه لم يفهم كتابات نيوتن إلا بواسطة امرأة هي صديقته مدام شاتليه ومعربة كتاب نيوتن في ناموس الجاذبية ثم اذكروا مدموازل لابلاس وماري كوالسكي ومدام كوري وملايين من النساء المشتغلات في العلوم الطبيعية والعلو المجردة والفنون والصنائع والحرف المختلفة. في فرنسا خمسة ملايين من النساء تشتغلن حاملات في قلوبهن التبعة العائلية والهموم الكثيرة. يخترقن سبل الحياة المحفوفة بالكوارث والأوجاع داميات القلب ولكن شريفات النفس شريفات المقاصد. ومثل ذلك في انكلترا والولايات المتحدة حيث عدد المعلمات فقط يكاد يبلغ الأربع مائة ألف. . . ويقول الأحصائيون أن في مصر نحو مليون ونصف من السيدات المتعاطيات الأشغال العمومية.
وكم قالوا إن المعارف لم تخلق للمرأة وان العلم يذهب بجمالها وتواضعها ولطفها وانه يجعلها متكبرة جافة ومحتقرة العائلة هازئة بالرجل وها نحن نراها إذا تعلمت زادت جمالاً وحناناً أكيداً واحتراماً للعائلة ووإجلالاً للرجل. أنها الآن تفهم معاني الحياة وتريد بكل قواها
стр. 5827
ترقية نفسها وإعلاء مداركها وتربية شخصيتها الجميلة واستخدام ملكاتها في بث الخير والسعادة حولها وعلى كل ما يحيط بها. المرأة الراقية وحدها تعرف إن لها فخراً رئيساً واحداً وهو أن تكون (أماً) وهي وحدها تعرف أنها كانت إلى اليوم أم الجسد فقط وتحاول أن تصبح أم الروح أيضاً أم العواطف وأم الأفكار وأم الميول والمهذبة الكبرى والصديقة العظمى!
وكم قالوا أنها لا عقل لها وان حياتها سلسلة أهواء متتابعة وتقلبات صبيانية تافهة وها أننا نراها بعيدة النظر ثابتة المقاصد مفرقة منفعتها الشخصية في بحر المنفعة العامة! انظروا إلى روسيا حيث النساء تتألم تألم الرجال وأكثر. روسيا حيث الثورة الفكرية تهيئ حتماً الثورة السياسية كم من فتاة حسناء قد ضمت خطيبها ومستقبلها وهناءها حباً بمصلحة وطنها واشتركت في جمعيات تظن أن في تأييدها خيراً للبلاد.
المتهكمون على المرأة كثيرون في العصر الفوضوي ولكن أنصارها أكثر وهم من ذوي النفوس الكبيرة والرؤوس المفكرة بل هم أسمى واشرف رجال زماننا. أنهم يحترمون جهادها ويعترفون بحقوقها ويقرون بما تأتيه من الإصلاحات الباهرة ويعجبون بإقدامها وثباتها ويرون في نهضتها أيدي جديدة عاملة لخير الإنسانية وتخفيف الويلات عنها. أليس فيكتور هوجو هو القائل أن تحرير المرأة يحل أكثر المشاكل المدنية وانه ينتظر منها وحدها إلغاء الحرب في العالم؟
وهو القائل أيضاً إن القرن العشرين هو عصر المرأة. ولقد صدق في نبؤته! في كل مكان تفتح المرأة عينها لنور الحياة حتى في أطراف الشرق الأقصى في الصين بأمرهن. وفي تركيا. وها أني أرى شرارة الحياة تشتعل في مصر، أيضاً حيث الرجال يساعدوننا بأقلامهم وبألسنتهم وبمثلهم وجل ما يتمنون هو أن تستحق النساء عنايتهم واهتمامهم بأمرهن. أجل في مصر تتكسر القيود الدهرية التي طالما عذبت فكر المرأة ونحن اليوم عند عتبة مستقبل باهر. في مصر تشتعل شرارة الحياة. . .
الآثار العربية في أسبانيا
عهدت حكومة أسبانيا إلى مدير مدرسة الهندسة العليا في مدريد بتجديد كنيسة قرطبة الكاتدرائية وكانت من قبل جامعاً على عهد العرب هناك فقام بأعمال الحفر في المكان الذي
стр. 5828
اعتقد انه كان في القديم قصر الزهراء وذلك للبحث عن هندسة جامع قرطبة على ما يجب إذ تبين أن هذا المعهد قد امتزجت فيه الهندسة الإسلامية الصرفة مع الهندسة الأسبانية المسيحية فقال على ما نقلت عنه مجلة العالم الإسلامي الفرنسية أن الهندسة الإسلامية لا تختلف فقط بين بلد وبلد وبين عصر وأخر بل يجب أن يلاحظ أن المهندسين المسلمين قد اقتبسوا أموراً جديدة من البلاد التي افتتحها قومهم وأضافوا إلى هندستهم. قال المهندس الأسباني أن من بحثوا في الهندسة الإسلامية لم ينظروا نظراً بليغاً إلى المؤثرات الأجنبية في هندستهم. فانك ترى مثلاً جامع ابن طولون في القاهرة وهو مما بني في سنة ٢٦٥هـ - (٨٧٩م) زيادات ترد أصل هندسة هذا المعهد المشهور إلى بين النهرين ومن جهة أخرى كأنه من هندسة المغرب والأندلس وذلك لان فتح الفاطميين لمصر وهم من القيروان قد اثر في الهندسة المصرية لعهدهم. واستند الباحث الأسباني على ما قاله صاحب تاريخ البيان من الأندلسيين فتبين بعبارته مساحة الجامع واستخرج منه عدة قطع من أحجار وكتابات واوان خزفية ساعدته على تأييد فكرة من أن الهندسة الإسلامية الأندلسية قد اقتبست أشياء كثيرة من غيرها واستنتج من بحثه في طرق نحت الأحجار وهي طريقة قديمة جداً استعملها الأشوريون واحتفظ بها المسلمون أن لا اختلاف بين ما يرى منها في الأندلس وما يرى في غيرها واستعمال الكلس والملاط للجمع بين الأحجار المرصوصة في البناء والبلاط والرخام الأبيض والأحمر النوع كل ذلك من أسلوب الهندسة القرطبية الأندلسية. وكانوا يستخدمون من النقوش أشكالا منها ما هو من أصل بيزنطي رومي ومنها ويزيغوتي ومنها طليطلي ويعدلونها على هواهم. ومن الغريب أن المسلمين في قرطبة وغرناطة وسائر المدن الأندلسية لم يكونوا يحجمون عن تمثيل المخلوقات الحية وهمية كانت أو حقيقية فترى في نقوشهم طيوراً ورؤوس اسود وتنانين.
وصف المؤلفون من العرب قصر الزهراء أحسن وصف وقصور الخلفاء هناك قال العالم الأسباني أن مسجد قرطبة وتلك القصور الزاهرة وما حوت من النقوش المرمر والذهب تفوق ببنائها كل ما يتصوره العقل ولم يبق من آثار تلك القصور سوى عمودين من الرخام وذلك لان قرطبة كانت ميداناً للفتن منذ عصور فذهبت في جملة ما ذهب من عادياتها كنوز خلفاء المغرب ونهبت خرائب قصورهم عدة مرات واستعملت أحجارها في إقامة بنايات
стр. 5829
جديدة. وقد أشار إلى ما وجده من الكؤوس والأواني من القيشاني المصور عليها بالحروف الكوفية نباتات أو صور إنسانية واستدل منه إن هذه الصناعة أي صناعة الخزف المزين بالمينا هو من عمل الأندلسيين.
تجارة المواني العثمانية
نشرت الصحف الايطالية للملق التجاري في سفارة الأستانة تقريراً مسهباً عن تجارة السلطنة العثمانية في سنة١٩١١ - ١٩١٢ استنتج منه أن التجارة العثمانية لم تخسر بما فقدته السلطنة في الحروب الأخيرة من الأملاك في أوروبا وإفريقيا إلا ٢٢ في المائة فقط. وهذه خلاصة التقرير:
الواردات: بلغت قيمة ما استوردته السلطنة من البلاد الخارجية في السنة المذكورة مبلغ٣٧، ٦٠٠، ٠٠٠ ليرة دخل منها بطريق الأستانة (مع جمارك اسطنبول وغلطة حيدر باشا وأزمير وكملك ومودانيا وبندرمه والدردنيل وغليبوني ورودستو وزنجلداك) ٣٤، ٧٨ في المائة وبطريق بيروت (مع سائر المواني السورية) ١٣، ٧٩ في المائة. وبطريق أزمير (مع جمارك أيولي ومدللي وصاقس ورودس وسائر جزر الأرخبيل) ١٢، ٨٨ بالمائة. وبطريق سيلانيك (مع جمارك قوله واسكوب وبربوي والسونا والحدود اليونانية الصربية) ١٢، ٨٥ في المائة. وبطريق طرابزون (مع جمارك قرة صند وسمسون واينة بولي وارضوم والحدود الروسية الإيرانية) ٦، ١٤ في المائة. وبطريق بغداد ٥، ٢٠ في المائة. وبطريق الإسكندرية (مع جمارك مرسين واضالية والمواني المجاورة لهما) ٣، ٨٢ في المائة. وبطريق دده اغاج (مع جمارك جسر مصطفى باشا وادرنة وبورتولاغوس والحدود البلغارية والسواحل الأوربية على البحر الأسود) ٣. ٦٧ في المائة. وبطريق بروزة (مع جمارك الونية وسانتي كوارنتا وسلاهو فوودراج واشقودة وحدود الجبل الأسود) ٢، ١٩ في المائة. وبطريق جدة ١. ٨٢ في المائة. وبطريق مدينة طرابلس الغرب ١، ٤٦ في المائة. وبطريق الحديدة ١. ٣٠ في المائة.
أما الصادرات فقد بلغت قيمتها كلها ١٩، ٤١٤، ٠٦٨ ليرة. وفقد اصدر منها بطريق أزمير ٢٨، ٧٣ في المائة. وبطريق الاستانة١٩، ٣٨ في المائة. وبطريق سلانيك ١٢، ٣٨ في المائة. وبطريق طرابزون ١٠، ٤٢ في المائة. وبطريق بيروت ٩، ٢٩ في المائة.
стр. 5830
وبطريق الإسكندرية ٦، ٣٩ في المائة. وبطريق بغداد ٤، ١٤ في المائة. وبطريق دده اغاج ٣، ٥٣ في المائة. وبطريق بروزة ٢، ٢٧ في المائة. وبطريق طرابلس الغرب ١، ٦٧ في المائة. وبطريق الحديدة ١، ٦١ في المائة. وبطريق جدة ٠، ١٩ في المائة.
وإذا وزعنا مجموع الصادرات والواردات على الأملاك العثمانية في أسيا وأوربا وإفريقيا كان نصيب كل منها كما يلي:
الأستانة وداخلتيها: ٣٤، ٧٨ في المائة من الواردات و١٩، ٣٨ في المائة من الصادرات. الولايات الأوربية: ١٨، ٧١ في المائة من الواردات و١٨، ١٨ في المائة من الصادرات. الولايات الأسيوية: ٤٤، ٩٥ في المائة من الواردات و٦٠، ٧٧ في المائة من الصادرات. الولايات الإفريقية: ١، ٥٦ في المائة من الواردات و١، ٦٧ في المائة من الصادرات.
شعر الشهر
تحت هذا العنوان ننشر في كل جزء ما نعثر عليه من شعر الشعراء في مصر والشام والعراق والجزيرة والحجاز واليمن ونجد وتونس وبرقة والجزائر ومراكش ليقف القارئ على أطيب ما قيل وعلى درجة رقي الأدب العربي وإنا نخص هذا الجزء بنموذج من شعر الحكمة والاجتماع قال إبراهيم منيب أفندي الباجه جي.
(مجلة لغة العرب البغدادية م٣ص٥٣٦)
يحصد الإنسان ما قد زرعا ... فازرع الخير وكن منتفعا
والى الشر فلا تركن وكن ... حذراً في فخه أن تقعا
كم وكم صانع للشر قد ... خطفته كف ما قد صنعا
وعظ الناس بما تدري وان ... كنت لا تدري فكن متبعا
تبق ما عشت وان مت على ... ألسن الأيام ذكراً أرفعا
وعلى الدنيا فلا تعتب إذا ... لم تجد من رزقها متسعا
إن في الدنيا اتساعاً للفتى ... في طلاب الرزق لو كان وعى
فاسع في دنياك إن رمت المنى ... سعي مقدام تجده طيعا
حصة العاجز حرمان وان ... ليس للإنسان إلا ما سعى
وقال محمد أفندي الهاشمي في ص ٥٠٨ أيضاً:
стр. 5831
كم من شقي في الحياة ... يعد في أهل القبور
الجهل ريح عاصف ... ترمي الشعوب بكل بور
وتظل تعبث بالبلا ... د وبالعواصم والثغور
مهلا بني أمي فلس ... ت على التأخر بالصبور
فلقد نفرت على العرا ... ق وأهله كل النفور
فعثرت والأدبار قد ... يهدي إلى الجد العثور
لا تنذروني يا بني ... أمي بقاصمة الظهور
ما حدت عن قصد الطري ... ق ولا جنحت إلى نفور
وجاء في جريدة اللاذقية (عدد ٢٨٨) قصيدة تحت عنوان خطرات يعرب بإمضاء (ع. ز) في المعرة منها:
أولاد يعرب أين همة جدكم ... وخلوصه والصدق في العزمات
أين الحمية والمرؤة أين من ... كشفوا ظلام الظلم بالصدمات
سكن الخراب دياركم وبلادكم ... والخزي طاف بكم بست جهات
ونساؤكم هدم التبرج خدرها ... وشبابكم عكفوا على اللذات
وشيوخكم ارسوا سفينة وهمهم ... في أبحر التضليل والترهات
ومدارس كانت مصادر حكمة ... ومساجد بنيت لفعل صلات
بدلت بحانات ودور فواحش ... ومقامر ومراسح القينات
ومنها: والحج يقصده الغبي وجاهل ... وتردد النغمات للجمعات
وارى المدرس كالمدلس ينثني ... متسرعا للخوض في الشبهات
جهل على جهل تركب فانزوى ... دين النبي وبات في غمرات
أيضيع شرع الله بين ظهوركم ... يا أمة خضعت لفتك طغاة
وقال احمد أفندي نسيم في المؤبد (٧٢٦٧) من قصيدة:
لو تعدل الأيام في أبنائها ... ما كان منهم مسعد وفقير
ساء الزمان فليس فيه منعم ... أو مطمئن الجانبين قرير
وإذا تفكر في الحياة اخو نهى ... كره الحياة رساءه التفكير
стр. 5832
ما زينة الدنيا وزخرف عيشها ... إلا متاع زائل وغرور
وكأن أحداث الزمان إذا طغت ... بحر وأمال النفوس جور
يمسي الجهول مقدراً أرزاقه ... ولدى الإله الرزق والتقدير
ويدبر الدنيا ليسبر غورها ... ولربه في أمره تدبير
وأحب من مثر يجمله الغني ... عاف لآلاء الإله شكور
وتجارة أدنى معارضها التقى ... لتجارة في الله ليس تبور
من يتخذ غير الإله وليجة ... بعدت طرائقه وساء مصير
وقال عبد الحليم أفندي حلمي في العدد نفسه من قصيدة:
من يطلب الخلد فليعمل لسيرته ... يفنى الوجود ولكن تخلد السير
عقائد الشعب أساس فان ضعفت ... هدت ذراه فأمسى وهو منعفر
والناس في العيش أنصاب محركة ... تظل معبودة من حسنها الصور
كأن أرواحهم طير محلقة ... على الرؤوس متى تسنح لهم زجروا
نظل نذكر موتانا بما صنعوا ... إن يذكر الحي موتاه فقد نشروا
وقال الشيخ مصطفى الغلاييني من قصيدة في الإصلاح:
ما يفعل الخلق الكريم تحوطه ... من لؤم أخلاق الملا آجام
بل ما يفيد العلم عند معاشر ... ما في رؤوس عظامهم أحلام
أو ما ينال اخو العلى في بيئة ... للجهل فيها النقض والإبرام؟
وأبو الفضائل روضة حفت بها ... جدر السفاء كأنها آكام
يا للرزيئة من بلاد ضيعت ... أشبالها فاستأسد الأغنام
لم ترع فيها ذمة لرجالها ... والمكرمون بهائم وسوام
ما يبتغي راعي العلى من امة ... للافن فيها حرمة وذمام؟
أسف على وطن اسود عرينه ... هلكت فحلت ربعه الأنعام
تكسى الحقائق فيه ثوب مهانة ... وتسود في أرجائه الأوهام
أبناؤه نبذوا الفضيلة جانباً ... فحياتهم ابد الزمان آثام
إن ينشدوا للمجد أو يتهيئوا ... لملمة فجاهدهم إلمام
стр. 5833
أو يعزموا أمراً نسوه في غد ... فكأن ما قصدوا له أحلام
أو يدعهم داعي مجانبة العلى ... هبوا إليه وطيشهم زحام
يتسابقون إلى السفاهة شرعاً ... ولهم من الرأي السقيم إمام
стр. 5834
مخطوطات ومطبوعات
محمد والآخرة
تأليف بول كازنوفا طبع على نفقة بول غوتنر في بالريس سنة ١٩١١
هو كراسة بالفرنسية وقعت في ٨٣ صفحة زعم فيها مؤلفها إن القرآن الكريم تطالت إلى تحريف أشياء منه جماعة من الصحابة بعد وفاة الرسول ﵊ مؤيداً أقواله بمزاعم غيره من الأوربيين الذين نظروا إلى الإسلام شزراً وتكلموا فيه كلام أهل القرون الوسطى.
انتقاد كتب زيدان بك
أحسنت إدارة المنار في مصر بطبع هذه الانتقادات على بعض كتب رصيفنا جرجي بك زيدان صاحب الهلال فان النقد مفيد في كل موضوع بكر به تنجلي الحقيقة ويدمث المسلك الوعر والأول من هذه الانتقادات بقلم شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني من أساتذة الهند في كتاب تاريخ التمدن الإسلامي ويليه ثان في انتقادات تاريخ آداب اللغة العربية بقلم الشيخ احمد عمر الإسكندري من أساتذة مصر والثالث في انتقاد تاريخ آداب اللغة العربية أيضاً وكتاب طبقات الأمم بقلم الأب لويس شيخو صاحب مجلة المشرق في بيروت والرابع في انتقاد تاريخ العرب قبل الإسلام بقلم الشيخ احمد عمر الإسكندري أيضاً.
الحالة الاقتصادية
في أصقاع حيفا وعكا
هو تقرير للمسيو ارتوركي احد رجال المشرقيات عند الفرنسيين وقنصل فرنسا في بغداد الآن وضعه باللغة الفرنسية عن حالة تلك الأصقاع في اقتصادياتها وقد وقع في ١٢٣ صفحة وفيه أمور نافعة وإحصائيات مدققة في الجملة تدل على مبلغ عناية المؤلف يدرس موضوعه.
تلخيص التاريخ العثماني المصور
تعريب شاكر بك الحنبلي طبع على نفقة المكتبة الهاشمية بدمشق في مطبعة الترقي أجاد
стр. 5835
المعرب في تعريب هذا المختصر عن التركية في تاريخ ملوك العثمانيين والأحداث التي وقعت في أيامهم وقد حلاه بصور الملوك وخرائط منوعة وهو في ١٥٢ صفحة.
إرشاد الناشئين
لنعمان أفندي الأعظمي طبع على نفقة الأمير مبدر الفرعون آل فتلة في مطبعة الآداب ببغداد.
هي دروس دينية علمية أدبية ألقاها الأستاذ الأعظمي على تلاميذه دلت على فضل وأدب وقعت في ٦٥ صفحة.
خطبة نادي الشرق
في مطبعة سرسم في الموصل ١٣٣١هـ -
هي خطب ألقاها في الموصل السيد محمد حبيب العبيدي من أساتذة الحدباء إبان الحرب العثمانية البلقانية وفيها ما يحرك الأشجان ويثير العواطف بعبارات عذبة تدل على فرط غيرة وطنية وحمية عربية عثمانية.
الجغرافية العمومية
تأليف احمد جودت أفندي المارديني وعلى نفقة المكتبة الهاشمية بمطبعة الترقي.
هي الحلقة الأولى من علم تقويم البلدان جعلت لها أسئلة في أخر كل درس وقد حوت هذه السلسلة ٢٨ شكلاً و٨خرائط وقعت في ٧٦صفحة فعسى أن يوفق المؤلف إلى إتمامها لفائدة النشء الجديد.
الوقاية الصحية
من الأمراض المعدية
هي رسالة صحية للدكتور سليمان الحاج في صور طبعها في مطبعة العرفان لينفق ثمنها في بناء الجامع الجديد في بلده فنال مؤلفها اجرين اجر تعليم واجر عبادة.
مجلة العلوم الاجتماعية
يسرنا صدور مثل هذه المجلة النافعة في هذا القطر وهي تبحث في الحقوق والاقتصاد والاجتماع ومعظم أبحاثها جديد وهي لمنشئها توفيق أفندي الناطور المحامي ومدير
стр. 5836
تحريرها الشيخ محمد منيب الناطور وقد عهد بتحريرها للجنة من الحقوقيين والاقتصاديين والاجتماعيين وهي تصدر مرة في الشهر في مدينة بيروت وعدد صفحاتها ٣٢. وقد طالعنا في أعدادها الأولى مقالات نافعة وأبحاثاً معربة عن الإفرنجية تنير الشبهات فنحث على اقتنائها فهي من أجمل الكتب العصرية وما المجلات إلا كتب حديثة ممتعة.
إرشاد الأديب
إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الرومي طبع بمطبعة هندية بمصر.
لصديقنا الأستاذ مرجليوت احد علماء المشرقيات من الانكليز همة لا تكل في نشر آثار سلفنا وقد نشر بواسطة لجنة تذكار حبيب حتى الآن عدة كتب مفيدة ومنها هذا السفر النفيس لصاحب معجم البلدان وقد صدر في العهد الأخير الجزء الخامس والجزء السادس والأول في ٥٢٠ صفحة والثاني في ٥٣١ صفحة الأول في تراجم من يبتدئ أسماؤهم بحرف العين وفيه من المشاهير ترجمة ابن حزم وابن سيده والكسائي والأخفش والأصبهاني والتوحيدي وابن العميد والماوردي وابن القفطي وابن عساكر وفي الثاني وهو بقية من أول اسمه عين وغين وفاء وقاف وكاف ولام وميم وفيه من المشاهير ترجمة الجاحظ والقاسم بن سلام والحريري وقدامة بن جعفر والبيروني والشافعي والطبري وأمثالهم من الأعلام والكتاب في طبعه وتصحيحه وتعليق حواشيه كسائر الأجزاء السابقة فشكراً للناشر ورحمة لمن وقف المال لإحياء آثار الشرقيين عربهم وفرسهم وتركهم.
الإدارة في فارس
هي دروس بالفرنسية ألقاها المسيو دمورني في أصول الإدارة الفارسية على تلميذه الشاه احمد شاه فارس الحالي وعلى طلاب مدرسة العلوم السياسية في طهران دلت على أحكامه لهذا الموضوع وانه في الحقوق مبرز تحرير والكتاب في ٢١٦ صفحة طبعه ارنست لرو الطابع في باريس سنة ١٩١٣.
كتاب الطواسين
стр. 5837
أبو الغيث الحسين بن منصور الحلاج البيضاوي البغدادي هو من المتكلمين والنظار قتل في بغداد سنة ٣٠٩ بفتوى من بعض علمائها لأنه تكلم فيما يقال بما يخالف الشريعة واستهوى الناس وترجمته حافلة في تاريخ ابن الأثير وغيره وقد عثر له المسيو لويس ماسنيون من مستشرقي فرنسا بكتاب الطواسين فنشره بالعربية وترجمته بالفارسية وعلق عليه شروحاً وحواشي ترفع الغامض عن مذهب الحلاج وسهل على عارفي اللغة الفرنسية الوقوف على حقيقة كلام هذا المتكلم إن صح أن كتاب الطاسين من تأليفه لان العبارات أكثرها إلى العجمية لا يفهم لها معنى كبير ولا تنطبق مع شهرة الحلاج ولعل بعض الملاحدة دس عليه هذا الكتاب ولطالما دست الرسائل ونسبت الآراء لأناس من الأعاظم وهم لم يقولوها. معنى الطواسين جمع طاسين وقد جعلها أقساماً منها طاسين السراج وطاسين الفهم وطاسين الصفاء وطاسين الدائرة الخ وكلها معميات وألفاظها غير منتقاة ومعانيها غير محررة. ويشكر ناشرها ومعلق حواشيها على كل حال وقد طبعت على نفقة الكتبي بول غوتنر في باريس سنة ١٩١٣ في ٢٢٢ صفحة فنشكر للمهدي هديته.
١٩١٢
تقرير المجمع السميثوني
اعتاد هذا المجمع الأميركي أن يصدر كل سنة تقريراً مستوفي في مئات من الصفحات حاوية أبحاث الباحثين من العلماء وتقريره عن السنة الماضية قد وقع في ٧٨٠ صفحة وفيه رسوم تنير النصوص.
عزة الأمس ذلة اليوم
خطاب للميرزا محمد رحيم بالفارسية تعريب الشيخ محمد الكاظمي طبع بمطبعة ولاية بغداد ١٣٣١ ص٥٣.
عدد صاحب هذا الخطاب البلاد والممالك التي دخلها المسلمون وحكموها من سور الصين شرقاً إلى البحر الاتلانتيقي غرباً إلى نهر السين شمالاً إلى بحر عمان وعدن وجزائر مدغشقر جنوباً فاستولوا في البر على ما يساوي أكثر من ضعفي أوربا من المعمورة وعدد الدول المعظمة في الإسلام وعدد منها الدولة الأموية الشرقية، العباسية الأموية الغربية، الادريسية، الأغلبية، الطاهرية، العلوية، الصفارية، الطولونية، السامانية، المسافرية،
стр. 5838
الفاطمية، المكناسية، الزبادية، البويهية، الإخشيدية، الادريسية الثانية، الكلبية، الشاهينية، الحسينية (إحداها في كردستان انقرضت والثانية في تونس لا تزال) الغزنوية، الصنهاجية، المروانية، المعزاوية، الايليكية، المرابطية، المزيدية، الزيرية، الحمودية، الهودية، العامرية، المرداسية، العبادية، الافطسية، الجهورية، ذي النونية، السلجوقية، البورية، الارتقية، الشاهية، الموحدية، الزنكية، الخوارزمية، الغورية، الأيوبية، التاتارية، الحفصية، المرينية، النصرية، الزيانية، الممالكية، العثمانية، الوطاسية، الصفوية، السعدية، الغيلالية، الفلجائية، الحسينية، النادرية، الابدالية، الزندية، القاجارية، المحمدية العلوية، الباركزائية.
وتكلم عن الثروة والمالية فقال انه كان يدخل بيت مال المسلمين زمن المأمون من المال ما يساوي ثلاثمائة وخمسين مليون فرنك بعد طرح جميع نفقات الدولة في حين نرى انكلترا وهي أغنى دول الأرض وعليها من الديون ما يقرب مليار ليرة وروسيا وعليها مثل ما على انكلترا. وتوسع في الكلام عن العلماء والعلوم والمكتبات والمساجد وقصور الملوك في الشرق والغرب ومنها ما كلف الملايين من الجنيهات. وألم باهتمام السلف في تعمير الأراضي وتوسيع البلاد فقال كانت مساحة مدينة قرطبة في الأصل ٣٣ ألف ذراع فاهتموا في توسيعها فبلغت طولاً ٢٤ وعرضا ستة أميال فصار المجموع ١٤٤ ميلاً مربعاً وهذه مدينة لندن أوسع بلاد العالم تشتمل على ما يقرب من سبعة ملايين من النفوس مساحتها ١١٧ ميلاً مربعاً وكان سكان مدينة بغداد مليوناً ونصفا وعدد شوارعها ٦٤ ألفا وأنهارها ١٥٠ ألفاً ودورها ٢٤٠ ألفاً ونفوس بغداد اليوم لا تبلغ ١٥٠ ألفاً وكانت انهار البصرة في عهد بلال بن أبي درة ١٠٠ ألف نهراً تجري فيها السفن الصغار ومن هنا يمكنك أن تقيس عدد نفوسها وبلغت مساحة البصرة ٣٩ ميلاً مربعاً وكان عرض الشارع العام فيها ٦٠ ذراعاً وسائر الشوارع ٢٠ ذراعاً ونفوس البصرة اليوم ٣٠ ألفاً وكان عدد رجال مصر بعد الفتح ثمانية ملايين فإذا أضفنا إلى ذلك الأطفال والشيوخ والنساء يبلغ عدد نفوسها ثلاثين مليوناً وكانت مساحة أرضها الزراعية في زمان هشام بن عبد الملك ثلاثين مليوناً من الأفدنة وقيل انه كانت الفسطاس في الاتساع بحيث اشتملت على ٣٦ ألف مسجد وثمانية ألاف شارع عام و١١٧٠ حماماً وبلغت طبقات دورها سبع طبقات لشدة الازدحام وكان كثير من دورها يشتمل على مائتي نفس وصرفوا على بعض أبنيتها مثل دار الحرم
стр. 5839
بحمارويه ٣٥٠ ألف جنيه.
وأفاض في المستشفيات ودور العجزة والطب والأطباء والمراصد الفلكية والسفن والمواني والصناعات وسخاء الأمراء والأغنياء بما لا يكاد يصدق لولا أن ذكره ثقات الرواة وقال أنهم حيروا العالم بثروتهم الشخصية فبلغت غلة الخيزران أم الرشيد في السنة ١٦٠ مليون فرنك وبلغت غلة يحيى وابنه جعفر في كل سنة ١٠٠ مليون جنيه وكانت تركة المنصور بعد موته ٦٠٠ مليون فرنك من الفضة وسبعة ملايين جنيه من الذهب وكانت تركة يعقوب بن ليث الصفار خمسين مليون فرنك من الفضة ومليوني جنيه من الذهب وقدرت تركة المستكفي بخمسين مليوناً من الجنيهات وكانت تركة إبراهيم الموصلي مغني الرشيد ٢٤ مليون فرنك وأوصى الرشيد إلى المأمون بألف مليون فرنك وكانت ٦٠٠ بعير تحمل مطبخ عمرو بن ليث الصفار و٨٠٠ بعير تحمل الماء كل يوم إلى طعام عائلة المقتفي العباسي من دجلة وكان لام المستعين فراش صرف عليه ٦٠ مليوناً من الجنيهات عليه نقوش على شكل الحيوانات والطيور أبدانها من الذهب وعيونها من الجوهر وقد فاقت الدولة الإسلامية دول الأرض في الثروة وكانوا يظهرون أثار ذلك لسفراء الأجانب وهؤلاء كثيراً ما يستنصرون بدول الإسلام واخذوا الخراج من دول الروم والصين والنمسا والروس ولطالما كانت دول الإفرنج تتقرب بإرسال الهدايا والتحف إلى مقام الخلافة وأورد بعض الأمثلة التاريخية على كل ذلك. ثم أفاض في الذلة التي لحقت الإخلاف فرده إلى البطالة والتسامح وقلة عنايتنا بالعلم والدين مما عرفه الخاص والعام.
كتاب الشيعة وفنون الإسلام
تأليف السيد حسن الصدر طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ ص١٥٠ مؤلف هذا الكتاب من كبار فقهاء الشيعة في العراق واحد مؤلفيهم ذكر فيه العلوم التي تقدمت الشيعة في وضعها وأول من وضع ذلك العلم ومن صنف فيه أو اخترع علماً من فروع ذلك العلم وصنف فيه أول من ابتكر معنى اتبع فيه وأول من افرد نوعاً من العلم في التصنيف إلى غير ذلك مما دل على بعد غور المؤلف وسعة مادته ولطف أسلوبه وإنا مع إجلالنا لعمله وتقدير التاريخ للخدم الجليلة التي قام بها علماء مذهبه في خدمة العلم والأدب لا نرى بداًً من إبداء ملاحظة عساها تقع من المؤلف وغيره في المحل الذي يجب أن توضع فيه وهو
стр. 5840
أن هذا الكتاب يحوي أماكن لا يقرها التاريخ الصحيح مثل نسبة التشيع إلى كثير من علماء الصدر الأول فان كان كل من يحب علياً كرم الله وجهه يعد في نظر المؤلف شيعياً فان جمهور المسلمين شيعة إلا قليلاً.
كنا نحب أن لا يشار إلى ذلك في هذا المكان ولكن المؤلف تحامل أيضا على عظماء في العلم والحكم كقوله في تقدم الشيعة في فن الجغرافيا في صدر الإسلام أن هشام بن محمد الكلبي صنف فيه عدة كتب ولم يذكر الحموي في معجم البلدان إلا كتاب سماه اشتقاق البلدان فقال أن ياقوتاً اغفل جملة من مصنفات علماء الشيعة في ذلك لو تعصب عليهم مع انه يستحيل التعصب على مثل صاحب معجم البلدان وان اتهم بأنه من النواصب ومصنفه في الجغرافيا لا في المذهب ولو ظفر ببقية كتب الكلبي ما تأخر ساعة عن الاقتباس منها والتنويه بفضل واضعها.
وقد تابع المؤلف مؤرخي الشيعة في اتهام المأمون رضي الله بقتل الفضل بن سهل وعلي بن موسى الرضا ﵁ فقال: ولما نقل المأمون الخلافة إلى بني علي كان الفضل بن سهل هو القائم بهذا الأمر والمحسن له ولما رأى المأمون إنكار العباسيين لبغداد لذلك حتى خلعوه وبايعوا إبراهيم عمه قام وقعد ودس جماعة على الفضل بن سهل فقتلوه في الحمام ثم قتل الإمام الرضا (ع) بالسم وكتب إلى بغداد أن الذي أنكرتموه من أمر علي بن موسى قد زال وكان ذلك سنة ٢٠٤هـ -.
والعجب أن هذه القصة التي ما تزال يرددها بعضهم ليس لها اثر في كتب ثقات المؤرخين بل مؤرخي الأمة فكأنها من موضوعات القرون المتأخرة تتناقل لا يغار الصدور على المأمون ودولته مع انه لم يحسن احد للطالبين إحسان الخليفة المأمون ولم تتجرد نفس خليفة من الجمود المذهبي تجرده منه كما ذكر ذلك الثقات الذين يعتد بأقوالهم ويكاد يقع الإجماع على تصحيح رواياتهم. وكنا نود لو خلت الكتب العلمية العصرية على الأقل من هذه النزعات لتقريب ما بين القلوب.
الوساطة بين المتنبي وخصومه
لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الشهير بالقاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٦هـ - عني بنشره وشرحه الشيخ احمد عارف الزين طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١
стр. 5841
ص٤١٦.
لم يرزق شاعر عربي من الخطوة ما ناله أبو الطيب المتنبي بشعره ولم تتناول الأقلام شعر شاعر بالمدح والقدح مثله. وهذا الكتاب هو من الأمهات التي كتبت في ذاك العصر وعدل مؤلفها في حكمه على المتنبي وناهيك بمن يحكم له وعليه أمثال القاضي الجرجاني إنسان حدقة العلم ودرة تاج الأدب وفارس عسكر الشعب كما قال الثعالبي.
ولقد أجاد صديقنا صاحب العرفان بنشر هذا السفر النفيس كل الإجادة فإحياءه بالطبع منقولاً عن نسختين إحداهما عراقية والثانية مصرية وعلق عليه شروحا خفيفة تبين بعض الغوامض اللغوية منه وأتبعه بفهارس لأسماء الأعلام وللأبيات الشعرية وجود طبعه حتى جاء كأنه طبع على يد احد علماء المشرقيات من الغربيين ولم ينقص هذا العمل سوى الشكل فلو كان شكل محل الأشكال لجاء كتاباً تاماً من كل وجه وانتفع به الطلاب كما انتفع الأساتذة.
الكتاب مجموعة فوائد لغوية وأدبية وهو غاية الغايات في تعليم النقد ويكفي في الدلالة على مكانته من الدب ما قاله صاحب اليتيمة: ولما عمل صاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوئ المتنبي عمل القاضي أبو الحسن كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه في شعره فأحسن وأبدع وأطال وأطاب وأصاب شاكلة الصواب واستولى على الأمد في فصل الخطاب وأعرب عن تبحره في الأدب وعلم العرب وتمكنه من جودة الحفظ وقوة النقد فسار الكتاب مسير الرياح وطار في البلاد بغيرناح.
стр. 5842
العدد ٨٦ - بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٤
стр. 5843
جزاء العلماء والأدباء
البشر سائر نحو الديمقراطية اليوم بعد اليوم في جميع ما فيه قوام الحياة المادية والمعنوية والعلم اليوم من جملة ما يخرج من قيود الارستقراطية والتيوقراطية والالغارشية إلى ساحة الديمقراطية الفسيحة لأنه أحق كل الأوضاع بان لا يكون عبداً أو مستعبداً لأحد.
كانت العرب على عهد حكوماتهم الراقية تحسن إلى العلماء والأدباء إحساناً لا يحتاج معه العالم والأديب إلى بذل ماء الوجه ليعيش فالوظائف كانت للعلماء وكم من قاضٍ أو عامل أو وزير خلف وهو في وظيفته مصنفات كثيرة ساعدته على البحث فيها وتوفير المواد النافعة لها ومنهم من لم يحبوا أن يشغلوا أوقاتهم في النظر في شؤون الناس وأحبوا الانقطاع إلى العلم بتة ومع هذا لم تفتأ الأمة تتعهدهم بما يصلح من شانهم ليتوفروا على الانصراف إلى ما اخذوا النفس به وما تقرؤوه في تضاعيف الكتب من أفضال بعض الملوك والأمراء والأغنياء على الشعراء ليس الباعث إليه حب المديح فقط بل تشجيع الأدب والأدباء ولذلك نرى كثيرين وقفوا في أبواب الكبراء ولكن لم نسمع بالعطايا الباهظة تقدم إلا للمجيدين في شعرهم المبرزين بأدبهم على الأغلب أما المتوسطون من العلماء والأدباء فكانوا يرزقون على نسبة عقولهم رجاء أن يكون من صفوفهم نوابغ يخلفون السابقين المبرزين.
اختلفت طرق إكرام العلماء فكان العظيم في دولة بني العباس يعطي العظيم من العلماء مبلغاً قد يستغني به أو يمنحه ضيعة أو يقوم بجميع نفقته طول العمر ويغنيه عن السؤال من احد أو يرزقه من عدة طرق كما وقع للزجاج وقد طلب منه المعتضد شرح كتاب جامع المنطق فعمل البتاني فاستحسنه المعتضد وأمر له بثلاثمائة دينار قال ابن النديم وتقدم إليه بتفسيره كله ولم يخرج لما عمله الزجاج نسخة إلى احد إلا إلى خزانة المعتضد وصار للزجاج بهذا السبب منزلة عظيمة وجعل له رزق في الندماء ورزق في الفقهاء ورزق في العلماء ثلاثمائة دينار. قلنا ومن العلماء من كانوا يرزقون عدة أرزاق لعلمهم ولإرادة الملوك ترفيههم وغناهم أي أن يأخذ رزقا أو راتباً في المهندسين ورزقا مع الفقهاء وأخر مع الأطباء وأخر مع الندماء.
ولما أنشأت المدرستان النظامية ثم المستنصرية (المقتبس م١ص٢٦٨و٥٧١) في بغداد وكثرت المدارس في مصر والشام على عهد الدولتين الأيوبية والجركسية اخذ الواقفون
стр. 5844
يجعلون على تدريس تلك المدارس طبقة مختارة في الجملة من العلماء.
ومن العلماء من كانوا قيمين على المدارس ومنهم القيمون على خزائن الكتب ومنهم على المستشفيات والزوايا والمساجد والأوقاف والضياع السلطانية ومنهم القائمون على الأرصاد والمراصد والسفراء إلى الملوك المجاورة وكل هؤلاء كان يوسع عليهم في مشاهرتهم وإداراتهم.
أما الإفرنج في القرون الوسطى فكان المفضل على علمائهم باباواتهم وكرادلتهم وبطارقتهم وأسقافهم وقسوسهم ثم بعض المنورين من ملوكهم وأعيانهم فلما جاء الدور الحديث وأنشئت في الغرب المجامع العلمية والجمعيات المنوعة والكليات والمدارس العليا أصبح العلماء يأملون الرز من اللحاق ببعض هذه الأوضاع وكثير من جمعياتهم جعلت لها مبلغاً سنوياً خصته بمكافأة المجيد في فنه والواضع فيه كتاباً أو المخترع فيه اختراعاً وبعد أن كان أهل الخير في القرون الماضية يحبسون الأموال ويقفون الضياع والعقار على إقامة البيع والكنائس أصبحوا الآن يجعلونها على الجمعيات والنقابات والجامعات وقد كان لأغنياء أميركا الشمالية في ذلك القدح المعلى فأنشئوا بثرواتهم الطائلة يفضلون على المعاهد الخيرية لتتعهد هي الأفراد المستحقين من العلماء والباحثين المخترعين.
ومعظم العلماء والأدباء اليوم في الغرب يتكلمون في جلب معاشهم على قوتين ديمقراطيتين التأليف والتمثيل ساعد عليهما قوتان مهمتان انتشار الطباعة وكثرة المسارح ٠وهاتان القوتان قائمتان ولا شك بإقبال الجمهور المتعلم فمن وفق إلى أن يصادف كتابه ومقالته أو قصيدته أو قصته إقبالاً من الناس يشتهر ومتى اشتهر فهناك المجد الأثيل والمال الجزيل وأنت ترى أن المجتمع العربي كان محروما من قوتين الطباعة والتمثيل ولذلك كان المتعلمون فيه أقل مما هم في المجتمع الغربي لعهدنا وكانت قوة الظهر عند العلماء الأمراء والأغنياء والنابغة منهم كان على ثقة من أنه يحيا بتأليفه في حياته ومماته حياة مادية ومعنوية.
قال ميمون بن هارون: قلت للجاحظ إلك بالبصرة ضيعة فتبسم وقال: (إنما أنا وجارية وجارية تخدمها وخادم وحمار. أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك الزيات). فأعطاني خمسة ألاف دينار وأهديت كتاب البيان والتبيين إلى ابن أبي داؤد فأعطاني خمسة
стр. 5845
ألاف دينار وأهديت كتاب الزرع والنخل إلى إبراهيم بن العباس الصولي فأعطاني خمسة ألاف دينار فانصرفت إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد وكان أبو عبيد القاسم بن سلام إذا ألف كتابا حمله إلى عبد الله بن طاهر فيعطيه مالاً خطيراً فلما صنف غريب الحديث إهداء إليه فقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب لتحقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش وأجرى له في ك شهر عشرة ألاف درهم. وروى انه قال عملت كتاب غريب المصنف في ثلاثين سنة وجئت به إلى عبد الله بن طاهر فأمر لي بألف دينار. وسير أبو دلف القاسم بن عيسى إلى عبد الله ابن طاهر يستهدي منه أبا عبيد مدة شهرين فأنفذه فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل لا يحوجني إلى غيره فلما عاد أمر له ابن طاهر بثلاثين ألف دينار فاشترى بها سلاحاً وجعله للثغر.
قال أبو العباس احمد بن يحيى قدم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان وهو حدث في حياة أبيه يريد الحج فنزل في دار اسحق بن إبراهيم فوجه اسحق إلى العلماء فأحضرهم ليراهم طاهر ويقرأ عليهم فحضر أصحاب الحديث والفقه واحضر ابن الإعرابي وأبو نصر صاحب الأصمعي ووجه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام في الحضور فأبى أن يحضر وقال: العلم يقصد فغضب اسحق من قوله ورسالته وكان عبد الله بن طاهر يجري له في الشهر ألفي درهم فقطع عنه الرزق وكتب إلى عبد الله بالخبر فكتب إليه عبد الله قد صدق أبو عبيد في قوله وقد أضعفت له الرزق من اجل فعله فأعطه فائته وادر عليه بعد ذلك ما يستحقه.
ولقد نزل أبو الجيش الموفق مولى عبد الرحمن الناصر بن المنصور محمد بن أبي عامر أمير الأندلس بعد الفتنة الجزائر التي شرقي الأندلس وهي دانية ومنورقة فغلب عليها وحماها وقصد سردانية وكان من الكرماء على العلماء كما قال ياقوت يبذل لهم الرغائب خصوصاً على القراء حتى صارت دانية معدن القراء بالغرب وهو الذي بذل لأبي غالب تمام بن غالب ألف دينار ليزيد اسمه في ديباجة كتابه فلم يفعل. قال ياقوت (معجم الأدباء) ولتمام تلقيح كتاب العين في اللغة لم يؤلف مثله اختصاراً وإكثاراً وله فيه قصة تدل على فضله وذلك أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري وهو احد المتغلبين على تلك
стр. 5846
النواحي وجه إلى أبي غالب هذا أيام غلبته على مرسية وأبو غالب ساكن بها ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد فرد الدنانير ولم يفعل وقال: والله لو بذل لي ملا الدنيا ما فعلت ولا استجزت الكذب فاني لم اجمعه له خاصة لكن لكل طالب عامة. قال الحميدي فأعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها وأعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. قال المقري إن مجاهد ملك دالية بذل لأبي الغالب اللغوي هذا ألف دينار ومركوباً وكساء على أن يجعل الكتاب باسمه فلم يقبل ذلك أبو الغالب وقال: كتاب الفته لينتفع به الناس واخلد فيه همتي اجعل في صدره اسم غيري واصرف الفخر له لا افعل ذلك فلما بلغ هذا مجاهداً استحسن أنفته وهمته واضعف له العطاء وقال هو في حل من أن يذكرني فيه لا نصده عن غرضه.
وهكذا كنت ترى كثيرا من العلماء يأبون على ضيق ذات بدهم أن يأخذوا شيئاً على تأليفهم كما فعل أبو الريحان البيروني الفيلسوف فانه لما صنف القانون المسعودي أجازه السلطان بحمل فيل من نقده الفضي فرده إلى الخزانة بعذر الاستغناء عنه ورفض العادة في الاستغناء به. أما الشيخ الرئيس ابن سينا الفيلسوف فما كان يستنكف على جلالة قدره العلمي من أن يقدم احد كتبه لأحد أمراء عصره بل انه كان من جملة ندماء علاء الدولة صاحب همدان.
ومن العلماء من كانت تبلغ بهم العفة درجة الغلو فقد حكا بعضهم عن أبي العباس ابن الرومية النباتي الأندلسي انه كان جالساً في دكانه باشبيلية يبيع الحشائش وينسخ فاجتاز الأمير أبو عبد الله بن هود سلطان الأندلس فسلم عليه فرد ﵇ واشتغل بنسخه ولم يرفع إليه رأسه فبقى واقفاً منتظراً أن يرفع إليه رأسه ساعة طويلة فلما لم يحفل به ساق فرسه ومضى. قاله المقري في نفح الطيب.
ومثل ذلك ما وقع الفيلسوف الرياضي أبو علي ابن الهيثم فانه وزر في البصرة لأول أمره ثم أحب التجرد عن الشواغل التي تمنعه من النظر في العلم قال ابن أبي أصيبعة فاطهر خبالاً في عقله وتغيراً في تصوره وبقي كذلك مدة حتى مكن من تبطيل الخدمة وصرف من النظر الذي كان في يده ثم انه سافر إلى ديار مصر وأقام بالقاهرة في الجامع الأزهر بها وكان يكتب في كل سنة إقليدس والمجسطي ويبيعهما ويقتات من ذلك الثمن ولم تزل هذه
стр. 5847
حاله حتى توفي. وذكر يوسف الفاسي الإسرائيلي الحكيم بحلب قال: سمعت أن ابن الهيثم يقول كان ينسخ في مدة سنة ثلاثة كتب في ضمن اشتغاله وهي إقليدس والمتوسطات والمجسطي ويستكملها في مدة السنة فذا شرع في نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة وخمسين ديناراً مصرياً وصار ذلك كالرسم الذي لا يحتاج فيه إلى مواكسة ولا معاودة قول فيجعلها مؤنة لسنته.
ولقد كنت تجد في كل صقع من أصقاع العرب ملوكاً واقيالاً وأمراء ووزراء احيوا دولة العلم والأدب بحسناتهم مثل الوزيرين ابن عباد وابن العميد في بغداد وبني عباد في الأندلس الذين يقول فيهم ابن حزم أن الأيام لم تزل بهم كأعياد وكان لهم من الحنو على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب وكانوا هم ووزرائهم صدوراً في بلاغتي النظم والنثر مشاركين في فنون العلم وآثارهم مذكورة وأخبارهم مشهورة.
نعم تساوت في الرفد للعلماء دولة الشرق العباسية البغدادية ودولة الغرب الأموية الأندلسية. أراد الحكم الربضي ذات يوم في قرطبة أن يقدم شخصا من الفقهاء يختص به للشهادة فاخذ في ذلك مع يحيى بن يحيى وعبد الملك وغيرهما من أعلام العلماء فقالوا له هو أهل ولكنه شديد الفقر ومن يكون في هذه الحالة لا نؤمنه على حقوق المسلمين لا سيما وأنت تريد انتفاعه وظهوره في الدخول في المواريث والوصايا وأشباه ذلك ولما شكا إلى ولده عبد الرحمن قائلاً ألا ترى لهؤلاء الذين نقدمهم وننوه عند الناس بمكانهم حتى إذا كلفناهم ما ليس عليهم فيه شطط بل لا يعيبهم ولا هو مما يزروهم صدونا عنه وأغلقوا أبواب الشفاعة وذكر له ما كان منهم قال لوالده: يا مولاي أنت أولى الناس بالإنصاف أن هؤلاء ما قدمتهم أنت ولا نوهت بهم إنما قدمهم ونوه بهم علمهم أو كنت تأخذ قوماً جهالة فتضعهم مواضعهم قال: فأنصفهم فيما تعبوا فيه من العلم لينالوا به لذة الدنيا وراحة الآخرة قال: صدقت. فلم يجد الخليفة بداً من إعطاء ذاك الفقيه ما يؤهله لتلك المرتبة من الغنى فنبه قدره بان أعطاه من اصطبله مركوباً وكانت هذه أكرومة لإخفاء بعظمها. يفنى الزمان وما بنته مخلد.
ولو جئنا نعدد المؤلفين الذين أهدوا للعظماء تأليفهم فأجزل هؤلاء لهم العطايا لطال بنا نفس الكلام فمنهم محمد بن يوسف الوراق ألف للمستنصر في مسالك افريقية وممالكها ديواناً ضخماً ومنهم الشريف الإدريسي الذي ألف لروجار صاحب صقيلية كتابه في الجغرافية
стр. 5848
أيضا ومنهم ابن السيد البطليوسي ألف باسم عبد السلام الملقب بسحنون. وأهدى أبو علي القالي أماليه للحكم عبد الرحمن بن محمد ولي عهد المسلمين في الأندلس وأهدى ابن خلدون تاريخه إلى أبي الحسن بن مرين من ملوك الأندلس. وألف أبو منصور الثعالبي كتاب فقه اللغة باسم أبي الفضل الميكالي وأهدى أبو الحسن بن رشيق كتاب العمدة لأبي الحسن علي بن أبي الرجال الكاتب.
حكا (عن تاريخ الوزراء) محمد بن ناصح الاهوازي قال حدثني النضر بن شميل المازني قال: كنت ادخل على المأمون في سمرة فدخلت عليه ذات ليلة وعلي قميص مرقوع فقال: يا نضر ما هذا القشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحر ومر شديد فاتبرد بهذه الخلقان فقال: ولكنك قشف ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن العباس قال قال رسول الله ﷺ إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان سداد من عوز فأورده بفتح السين قال فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد (بالكسر) من عوز قال وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال: يا نضر كيف قلت سداد قلت: نعم لان السداد: هنا لحن قال: أو تلحنني قلت: إنما لحن هشيم وكان لحاناً. فتبع أمير المؤمنين لفظه قال: فما الفرق بينهما قلت: السداد بالفتح القصد في الدين والسبيل والسداد بالكسر البلغة وكلما سددت به شيئاً فهو سداد قال: أو تعرف العرب ذلك قلت: نعم هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال المأمون قبح الله تعالى من لا أدب له واطرق ملياً ثم قال: مالك يا نضر قلت: اريضة لي بمرو اتصابها واتمززها أي اشرب صبابتها قال: أفلا أفيدك مالاً معها قلت: إني إلى ذلك لمحتاج قال: فاخذ القرطاس وأنا لا ادري ما يكتب ثم قال: كيف تقول إذا أمرت من أن يترب الكتاب قلت: أتربه قال: فهو ماذا قلت: فهو مترب قال: فمن الطين قلت: طنه. قال: فما هو قلت: مطين قال: هذه أحسن من الأولى ثم قال: يا غلام أتربه وطنه ثم صلى بنا العشاء وقال: لخادمه تبلغ معه إلى الفضل بن سهل قال: فلما قرأ الفضل بن سهل
стр. 5849
الكتاب قال: يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فأخبرته ولم اكذب فقال: لحنت أمير المؤمنين قلت: كلا إنما لحن هشيم وكان فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار ثم أمر لي الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني.
قال أبو بريد الوضاحي: أمر أمير المؤمنين المأمون الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار ووكل بها جواري وخدماً للقيام بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلوات وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين فكان الوراقون يكتبون حتى صنف الحدود وأمر المأمون بكتبه في الخزائن فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ يملي كتاب المعاني وكان وراقيه سلمة وأبو نصر قال: فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني فلم تضبط فلما فرغ من إملاءه خزنه الوراقون عن الناس ليكتسبوا به وقالوا: لا تخرجه إلى احد إلا لمن أراد أن ننسخه له على أن كل خمس أوراق بدرهم فشكا الناس إلى الفراء فجعا الوراقين فقال لهم في ذلك: فقالوا: نحن إنما صحبناك لننتفع بك وكلما صنعته فليس بالناس إليه حاجة ما بهم إلى هذا الكتاب فدعنا نعيش به فقال: قاربوهم تنفعوا وتنتفعوا فأبوا عليه فقال: سأريكم وقال للناس: إني أريد أن أملي كتاب معانٍ أتم شرحاً وابسط قولاً من الذي أمليت فجلس يملي وأملى في الحمد مائة ورقة فجاء الوراقون إليه فقالوا نحن نبلغ الناس ما يحبون فنفسخ كل عشر أوراق بدرهم.
ومثل ذلك في اقتراح الملوك على العلماء تأليف يؤلفونها ما وقع لابن الصفار الأندلسي لما أراد الحكم المستنصر غزو الروم سنة ٣٥٢ فتقدم إليه وكان مشهوراً بالعلم والأدب بالكون في صحبته فاعتذر بضعف في جسمه فقال المستنصر لأحمد بن نصر قل له: إن ضمن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق وبالأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار خلفاء بني العباس أعفته من الغزاة فخرج احمد بن نصر إليه بذلك فقال: افعل ذلك يا أمير المؤمنين إن شاء الله قال فقال المستنصر: إن شاء أن يكون تأليفه في منزله فذلك إليه وإن شاء أن يكون في دار الملك المطلة على النهر فذلك له قال: فسأل أن يكون ذلك في دار الملك وقال: أنا رجل مورود في منزلي وانفرادي في دار الملك لهذه الخدمة اقطع لكل شغل
стр. 5850
فأجيب إلى ذلك وكمل الكتاب في مجلد صالح وخرج به احمد بن نصر إلى الحكم المستنصر فلقيه بالمجلد بطليطلة فسر الحكم به. والله اعلم كم أعطاه مكافأة عن تعبه.
قال ابن المعتز في طبقات الشعراء: أجود ما قاله مروان بن أبي حفصة قصيدته الغراء اللامية التي فضل بها على شعراء زمانه يمدح فيها معن بن زائدة الشيباني ويقال انه اخذ منه عليها مالاً كثيراً لا يقدر قدره ولم ينل احد من الشعراء الماضيين ما ناله مروان بشعره فمما ناله ضربة واحدة ثلاثمائة ألف درهم من بعض الخلفاء بسبب بيت واحد ويقرب من ذلك ما ناله أبو الطيب المتنبي من مكارم سيف الدولة بن حمدان فانه اغتنى بشعره ولا اغتناء زولا وروستاند وغيرهما من أدباء الفرنجة لعهدنا.
وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكن جدود وأرزاق بأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي
حكا ابن جلجل أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب صنف لمنصور بن اسحق ابن احمد بن نوح من ولد بهرام جور صاحب كرمان وخراسان كتاباً في إثبات صناعة الكيمياء وقصده به بغداد (وكان بنو سامان يحبون العلم ويكرمون العلماء) فدفع له الكتاب فأعجبه وشكره عليه وحباه بألف دينار وقال له أردت أن تخرج هذا الذي ذكرته في الكتاب إلى الفعل فقال له الرازي: إن ذلك مما يتمنون له المؤن ويحتاج إلى آلات وعقاقير صحيحة والى إحكام صنعه ذلك كله وكل ذلك كلفة فقال له منصور: كل ما احتجت إليه من الآلات ومما يليق بالصناعة احضره لك كاملاً حتى تخرج ما ضمنته كتابك إلى العمل فلما حقق عليه ذلك كاع من مباشرة ذلك وعجز عن عمله فقال المنصور: وما اعتقدت أن حكيماً يرضى بتخليد الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة يشغل قلوب الناس بها ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة ثم قال له قد كافأناك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب فجمل السوط على رأسه ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى ينقطع ثم جهزه وسير به إلى بغداد فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء في عينيه.
هذه أمثلة قليلة مما كانت عليه حالة العلماء والأدباء في عصور ارتقاء العرب على أن الحال لم تكن تخلو من بائسين ومفلوكين (راجع الفلاكة والمفلوكين للدلجي) من العالمين
следующие страницы →