Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
النواحي وجه إلى أبي غالب هذا أيام غلبته على مرسية وأبو غالب ساكن بها ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد فرد الدنانير ولم يفعل وقال: والله لو بذل لي ملا الدنيا ما فعلت ولا استجزت الكذب فاني لم اجمعه له خاصة لكن لكل طالب عامة. قال الحميدي فأعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها وأعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. قال المقري إن مجاهد ملك دالية بذل لأبي الغالب اللغوي هذا ألف دينار ومركوباً وكساء على أن يجعل الكتاب باسمه فلم يقبل ذلك أبو الغالب وقال: كتاب الفته لينتفع به الناس واخلد فيه همتي اجعل في صدره اسم غيري واصرف الفخر له لا افعل ذلك فلما بلغ هذا مجاهداً استحسن أنفته وهمته واضعف له العطاء وقال هو في حل من أن يذكرني فيه لا نصده عن غرضه.
وهكذا كنت ترى كثيرا من العلماء يأبون على ضيق ذات بدهم أن يأخذوا شيئاً على تأليفهم كما فعل أبو الريحان البيروني الفيلسوف فانه لما صنف القانون المسعودي أجازه السلطان بحمل فيل من نقده الفضي فرده إلى الخزانة بعذر الاستغناء عنه ورفض العادة في الاستغناء به. أما الشيخ الرئيس ابن سينا الفيلسوف فما كان يستنكف على جلالة قدره العلمي من أن يقدم احد كتبه لأحد أمراء عصره بل انه كان من جملة ندماء علاء الدولة صاحب همدان.
ومن العلماء من كانت تبلغ بهم العفة درجة الغلو فقد حكا بعضهم عن أبي العباس ابن الرومية النباتي الأندلسي انه كان جالساً في دكانه باشبيلية يبيع الحشائش وينسخ فاجتاز الأمير أبو عبد الله بن هود سلطان الأندلس فسلم عليه فرد ﵇ واشتغل بنسخه ولم يرفع إليه رأسه فبقى واقفاً منتظراً أن يرفع إليه رأسه ساعة طويلة فلما لم يحفل به ساق فرسه ومضى. قاله المقري في نفح الطيب.
ومثل ذلك ما وقع الفيلسوف الرياضي أبو علي ابن الهيثم فانه وزر في البصرة لأول أمره ثم أحب التجرد عن الشواغل التي تمنعه من النظر في العلم قال ابن أبي أصيبعة فاطهر خبالاً في عقله وتغيراً في تصوره وبقي كذلك مدة حتى مكن من تبطيل الخدمة وصرف من النظر الذي كان في يده ثم انه سافر إلى ديار مصر وأقام بالقاهرة في الجامع الأزهر بها وكان يكتب في كل سنة إقليدس والمجسطي ويبيعهما ويقتات من ذلك الثمن ولم تزل هذه
стр. 5847
حاله حتى توفي. وذكر يوسف الفاسي الإسرائيلي الحكيم بحلب قال: سمعت أن ابن الهيثم يقول كان ينسخ في مدة سنة ثلاثة كتب في ضمن اشتغاله وهي إقليدس والمتوسطات والمجسطي ويستكملها في مدة السنة فذا شرع في نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة وخمسين ديناراً مصرياً وصار ذلك كالرسم الذي لا يحتاج فيه إلى مواكسة ولا معاودة قول فيجعلها مؤنة لسنته.
ولقد كنت تجد في كل صقع من أصقاع العرب ملوكاً واقيالاً وأمراء ووزراء احيوا دولة العلم والأدب بحسناتهم مثل الوزيرين ابن عباد وابن العميد في بغداد وبني عباد في الأندلس الذين يقول فيهم ابن حزم أن الأيام لم تزل بهم كأعياد وكان لهم من الحنو على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب وكانوا هم ووزرائهم صدوراً في بلاغتي النظم والنثر مشاركين في فنون العلم وآثارهم مذكورة وأخبارهم مشهورة.
نعم تساوت في الرفد للعلماء دولة الشرق العباسية البغدادية ودولة الغرب الأموية الأندلسية. أراد الحكم الربضي ذات يوم في قرطبة أن يقدم شخصا من الفقهاء يختص به للشهادة فاخذ في ذلك مع يحيى بن يحيى وعبد الملك وغيرهما من أعلام العلماء فقالوا له هو أهل ولكنه شديد الفقر ومن يكون في هذه الحالة لا نؤمنه على حقوق المسلمين لا سيما وأنت تريد انتفاعه وظهوره في الدخول في المواريث والوصايا وأشباه ذلك ولما شكا إلى ولده عبد الرحمن قائلاً ألا ترى لهؤلاء الذين نقدمهم وننوه عند الناس بمكانهم حتى إذا كلفناهم ما ليس عليهم فيه شطط بل لا يعيبهم ولا هو مما يزروهم صدونا عنه وأغلقوا أبواب الشفاعة وذكر له ما كان منهم قال لوالده: يا مولاي أنت أولى الناس بالإنصاف أن هؤلاء ما قدمتهم أنت ولا نوهت بهم إنما قدمهم ونوه بهم علمهم أو كنت تأخذ قوماً جهالة فتضعهم مواضعهم قال: فأنصفهم فيما تعبوا فيه من العلم لينالوا به لذة الدنيا وراحة الآخرة قال: صدقت. فلم يجد الخليفة بداً من إعطاء ذاك الفقيه ما يؤهله لتلك المرتبة من الغنى فنبه قدره بان أعطاه من اصطبله مركوباً وكانت هذه أكرومة لإخفاء بعظمها. يفنى الزمان وما بنته مخلد.
ولو جئنا نعدد المؤلفين الذين أهدوا للعظماء تأليفهم فأجزل هؤلاء لهم العطايا لطال بنا نفس الكلام فمنهم محمد بن يوسف الوراق ألف للمستنصر في مسالك افريقية وممالكها ديواناً ضخماً ومنهم الشريف الإدريسي الذي ألف لروجار صاحب صقيلية كتابه في الجغرافية
стр. 5848
أيضا ومنهم ابن السيد البطليوسي ألف باسم عبد السلام الملقب بسحنون. وأهدى أبو علي القالي أماليه للحكم عبد الرحمن بن محمد ولي عهد المسلمين في الأندلس وأهدى ابن خلدون تاريخه إلى أبي الحسن بن مرين من ملوك الأندلس. وألف أبو منصور الثعالبي كتاب فقه اللغة باسم أبي الفضل الميكالي وأهدى أبو الحسن بن رشيق كتاب العمدة لأبي الحسن علي بن أبي الرجال الكاتب.
حكا (عن تاريخ الوزراء) محمد بن ناصح الاهوازي قال حدثني النضر بن شميل المازني قال: كنت ادخل على المأمون في سمرة فدخلت عليه ذات ليلة وعلي قميص مرقوع فقال: يا نضر ما هذا القشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحر ومر شديد فاتبرد بهذه الخلقان فقال: ولكنك قشف ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن العباس قال قال رسول الله ﷺ إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان سداد من عوز فأورده بفتح السين قال فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد (بالكسر) من عوز قال وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال: يا نضر كيف قلت سداد قلت: نعم لان السداد: هنا لحن قال: أو تلحنني قلت: إنما لحن هشيم وكان لحاناً. فتبع أمير المؤمنين لفظه قال: فما الفرق بينهما قلت: السداد بالفتح القصد في الدين والسبيل والسداد بالكسر البلغة وكلما سددت به شيئاً فهو سداد قال: أو تعرف العرب ذلك قلت: نعم هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال المأمون قبح الله تعالى من لا أدب له واطرق ملياً ثم قال: مالك يا نضر قلت: اريضة لي بمرو اتصابها واتمززها أي اشرب صبابتها قال: أفلا أفيدك مالاً معها قلت: إني إلى ذلك لمحتاج قال: فاخذ القرطاس وأنا لا ادري ما يكتب ثم قال: كيف تقول إذا أمرت من أن يترب الكتاب قلت: أتربه قال: فهو ماذا قلت: فهو مترب قال: فمن الطين قلت: طنه. قال: فما هو قلت: مطين قال: هذه أحسن من الأولى ثم قال: يا غلام أتربه وطنه ثم صلى بنا العشاء وقال: لخادمه تبلغ معه إلى الفضل بن سهل قال: فلما قرأ الفضل بن سهل
стр. 5849
الكتاب قال: يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فأخبرته ولم اكذب فقال: لحنت أمير المؤمنين قلت: كلا إنما لحن هشيم وكان فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار ثم أمر لي الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني.
قال أبو بريد الوضاحي: أمر أمير المؤمنين المأمون الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار ووكل بها جواري وخدماً للقيام بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلوات وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين فكان الوراقون يكتبون حتى صنف الحدود وأمر المأمون بكتبه في الخزائن فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ يملي كتاب المعاني وكان وراقيه سلمة وأبو نصر قال: فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني فلم تضبط فلما فرغ من إملاءه خزنه الوراقون عن الناس ليكتسبوا به وقالوا: لا تخرجه إلى احد إلا لمن أراد أن ننسخه له على أن كل خمس أوراق بدرهم فشكا الناس إلى الفراء فجعا الوراقين فقال لهم في ذلك: فقالوا: نحن إنما صحبناك لننتفع بك وكلما صنعته فليس بالناس إليه حاجة ما بهم إلى هذا الكتاب فدعنا نعيش به فقال: قاربوهم تنفعوا وتنتفعوا فأبوا عليه فقال: سأريكم وقال للناس: إني أريد أن أملي كتاب معانٍ أتم شرحاً وابسط قولاً من الذي أمليت فجلس يملي وأملى في الحمد مائة ورقة فجاء الوراقون إليه فقالوا نحن نبلغ الناس ما يحبون فنفسخ كل عشر أوراق بدرهم.
ومثل ذلك في اقتراح الملوك على العلماء تأليف يؤلفونها ما وقع لابن الصفار الأندلسي لما أراد الحكم المستنصر غزو الروم سنة ٣٥٢ فتقدم إليه وكان مشهوراً بالعلم والأدب بالكون في صحبته فاعتذر بضعف في جسمه فقال المستنصر لأحمد بن نصر قل له: إن ضمن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق وبالأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار خلفاء بني العباس أعفته من الغزاة فخرج احمد بن نصر إليه بذلك فقال: افعل ذلك يا أمير المؤمنين إن شاء الله قال فقال المستنصر: إن شاء أن يكون تأليفه في منزله فذلك إليه وإن شاء أن يكون في دار الملك المطلة على النهر فذلك له قال: فسأل أن يكون ذلك في دار الملك وقال: أنا رجل مورود في منزلي وانفرادي في دار الملك لهذه الخدمة اقطع لكل شغل
стр. 5850
فأجيب إلى ذلك وكمل الكتاب في مجلد صالح وخرج به احمد بن نصر إلى الحكم المستنصر فلقيه بالمجلد بطليطلة فسر الحكم به. والله اعلم كم أعطاه مكافأة عن تعبه.
قال ابن المعتز في طبقات الشعراء: أجود ما قاله مروان بن أبي حفصة قصيدته الغراء اللامية التي فضل بها على شعراء زمانه يمدح فيها معن بن زائدة الشيباني ويقال انه اخذ منه عليها مالاً كثيراً لا يقدر قدره ولم ينل احد من الشعراء الماضيين ما ناله مروان بشعره فمما ناله ضربة واحدة ثلاثمائة ألف درهم من بعض الخلفاء بسبب بيت واحد ويقرب من ذلك ما ناله أبو الطيب المتنبي من مكارم سيف الدولة بن حمدان فانه اغتنى بشعره ولا اغتناء زولا وروستاند وغيرهما من أدباء الفرنجة لعهدنا.
وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكن جدود وأرزاق بأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي
حكا ابن جلجل أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب صنف لمنصور بن اسحق ابن احمد بن نوح من ولد بهرام جور صاحب كرمان وخراسان كتاباً في إثبات صناعة الكيمياء وقصده به بغداد (وكان بنو سامان يحبون العلم ويكرمون العلماء) فدفع له الكتاب فأعجبه وشكره عليه وحباه بألف دينار وقال له أردت أن تخرج هذا الذي ذكرته في الكتاب إلى الفعل فقال له الرازي: إن ذلك مما يتمنون له المؤن ويحتاج إلى آلات وعقاقير صحيحة والى إحكام صنعه ذلك كله وكل ذلك كلفة فقال له منصور: كل ما احتجت إليه من الآلات ومما يليق بالصناعة احضره لك كاملاً حتى تخرج ما ضمنته كتابك إلى العمل فلما حقق عليه ذلك كاع من مباشرة ذلك وعجز عن عمله فقال المنصور: وما اعتقدت أن حكيماً يرضى بتخليد الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة يشغل قلوب الناس بها ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة ثم قال له قد كافأناك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب فجمل السوط على رأسه ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى ينقطع ثم جهزه وسير به إلى بغداد فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء في عينيه.
هذه أمثلة قليلة مما كانت عليه حالة العلماء والأدباء في عصور ارتقاء العرب على أن الحال لم تكن تخلو من بائسين ومفلوكين (راجع الفلاكة والمفلوكين للدلجي) من العالمين
стр. 5851
والمتأدبين أما اليوم فان العالم الحقيقي الذي تعزف نفسه عن الدخول في سلك عمال الحكومة كالوظائف العلمية والإدارية والجندية والمالية إما أن يهلك جوعاً أو يتكسب بقلمه ما هو سداد عوز ويرضى بميسور العيش وفي الغالب إن التأليف لا تعول صاحبها ولو مهما جودها وانفق السنين في تصنيفها ولا يرمج لجهل القوم من المصنفات إلا التافه الحقير كبعض القصص والدواوين الشعرية البذيئة وغير ذلك من المعربات فهل يأتي على الأمة العربية يوم يا ترى تكون فيها التأليف ديمقراطية صرفة لا تحتاج إلا إلى إقبال القراء عليها حتى تغني أبا عذرها وترباً بنفسه عن الإسفاف للدنايا طمعاً في المال والنوال فانا في عصر لا يصح أن يعيش العلماء والأدباء مقتراً عليهم فإنهم كلما رزقوا حظاً من الرفاهية المعتدلة تجود تأليفهم وتصوراتهم ويزيد النفع ببنات أفكارهم.
стр. 5852
في ديار الغرب
نهضة ايطاليا
ايطاليا القديمة
كنت أحب أن اسطر قبل الآن ما اعرفه وعرفته عن النهضة الايطالية إلا أنني انتطرت ريثما قضيت شهراً في هذه الشبه الجزيرة ورأيتها إجمالاً من جنوبها إلى شمالها وقد اعتمدت فيما اكتب على من وقعت لي معهم تعارف من خاصة الطليان أو ما قرأته بأقلام الطليان بالفرنسية أو ما كتبه الفرنسيين عن الطليان وهو وان لم يكن مجموعاً صحيحاً من كل الوجوه لكنه اقرب إلى الصحة من كثير من الأحكام التي يصدرها صاحبها عفو القريحة وبادئ الرأي.
وكنت أود لوسمح لي الزمان بتعلم مبادئ من لغة الطليان الرقيقة لأخاطب العامة كما أخاطب الخاصة بلغتهم نفسها واسمع تصوراتهم والقي عليهم الأسئلة وادرس أحوالهم بالنفس ولكن المدة التي قضيتها لا تكفي لان يتعلم المرء القدر الكافي للتفاهم بهذه اللغة مع قربها جداً من الفرنسية ولولا الخوف من علماء أصول اللغات لقلت أن الايطالية تحريف الفرنسية أو هذه تحريف تلك.
ثبت كل الثبوت بعد الرحلة إلى ايطاليا أن مسالة اللغة من أهم المعضلات الاجتماعية التي يصعب حلها إلا بان يتعلم المشتغل بالعلم والتجارة عدة لغات من اللغات الحية كما يفعل الغربيين اليوم وان العامة أيضاً لأغنية لهم عن تعلم مبادئ طفيفة من لغة راقية منتشرة وان من كان يبيع منا أفكاره الصائبة بان الموظف يستطيع أن يحكم في لد لا يفهم لغة أهله وان التاجر يستطيع بواسطة الترجمان أن ينفق سلعته ويربح ويستفيد من كان لم تكن أفكاره أرقى من انفه إذ لم يستند فيها إلى تجارب ولا إلى تاريخ واجتماع.
وها نحن نتكلم على نهضة ايطاليا فنقول: قضى مركز ايطاليا الجغرافي أن تكون في الأزمنة القديمة مركزاً عظيماً من مراكز المدينة لتوسطها بين الشرق والغرب وكانت رومية نقطة هذا الاتصال وواسطة هذا العقد منذ قام الرومان الأول واخذوا يدوخون الأمم والشعوب لسلطانهم. ولما وضع الشعب اللاتيني أول جسر على نهر التبر وهو نهر رومية المقدس ومن اكبر انهار ايطاليا أصبحت رومية مطمح الأنظار وصار هذا الجسر الذي كان
стр. 5853
بناؤه اقرب إلى الفطرة مما يستهوي قلوب شعوب الشمال للإغارة عليه لان منه يخلص المرء إلى ساحل البحر المتوسط على أيسر سبيل. ولما دفع اللاتينيون عن جسرهم غارات الاتروكسين واليونان أصبح مقدساً ومن ملكه كان هو الزعيم بلا مدافع.
تمثلت بالقرب من هذا النهر ثلاثة مطالب أساسية للمرء والمجتمع وهي ضمانة الحياة المادية وموافقة الحياة الأدبية والصعود إلى الحياة العقلية بمعنى أن المرء يعيش ويحب ويعرف وان يكون في المجتمع قانون ودين وعلم.
قارب الرومان القدماء هذه المظاهر الثلاثة ولكن الحياة المادية كانت أتم عندهم لأنهم محاطون بأعداء إن لم يحاربوهم بالمادة يهلكون لا محالة. وكانت الحياة العقلية في كثير من ادهارهم تامة بالنسبة لتلك الآباء ونظام الأسرة ثابت الدعائم وحب الجندية مغروساً فيهم حتى كان الوالد يقدم ولده للخدمة العسكرية في السادسة عشرة ليعفى منها في السادسة والأربعين وعلى قلة عدد السكان إذ ذاك وهو كما قال المؤرخون (١٥٠) ألف نسمة في رومية وذلك قبل المسيح بخمسة قرون في ارض ذرعها ٤٥٠ ميلاً مربعاً كان للرومان جيش مؤلف من ثلاثين إلى أربعين ألف نسمة يخرجون بهم من فتح إلى فتح.
وكان الرومان إذا فتحوا بلاداً يقبلون في الحال ما يتراءى لهم حسناً من عادات أهلها وصناعاتهم وأسلحتهم وهذا سر وضع القانون الروماني الذي هو ابن الأوضاع الكثيرة وسليل شعوب عدة ألاف في قرون وتعاورته الأيدي بالشرح والتذليل والإنقاص حتى أصبح دليل الحكمة الرومانية بل هو مجلة الحقوق الإنسانية التي لا تتغير. وكانت تلك الحروب الرومانية من مجددات حياتها وحماستها الوطنية حتى لقد قال ليكورك الخطيب الأثيني ليس أحسن عاملاً من الحرب في تقوية الشعب لأنها تعلمه احتقار الأخطار والإخلاص لسلامة غيره ولأسرته ووطنه.
ولما تخلص الرومان من السيزيلبيين كاد القرطاجنيون أن يهلكوهم فظفر الرومان بهم وورثت رومية مجد قرطاجية التي سقطت بعد الحروب البونيكية وقضت رومية على انيبال القرطاجني الذي جاء وهددها في عقر دارها وكان فتح الرومان لمصر وكثير من أقطار أسيا ومنها الشام من اكبر دواعي قوتهم فجلبوه به ثروة واعلاقاً نفيسة وكان من أكثر المشوقات للعسكر الذي أخذت رومية تستخدمه بالأجرة إن كان يعطى له شيء من الأنفال
стр. 5854
والغنائم لا كما كان في القديم يستأثر بها الزعيم أو رب الأسرة.
ولما جعلت رومية بلاد اليونان ولاية رومانية أخذت عنها الذوق في الفنون الجميلة وكلما كان الرومان يجابون من كورنت وأثينا أثراً من أثار الهندسة والنقش والجواهر كانت تتربى أذواقهم ولم يكتفوا بالآثار بل جلبوا معها مؤثريها من مثل الخطباء والسفسطائيين من الحكماء فأصبح للخطابة شان مهم في الحياة العامة وصار ملعب الفووم المشهور الباقية إلى اليوم آثاره عكاظ الرومان يخطبون فيه ويتناقشون واخذوا يبعثون بفتيانهم إلى أثينا يتعلمون على حكماء الوقت إذ ذاك ما ينفعهم ثم هاجر كثير من العلماء الاثنين إلى رومية وانشئوا يعلمون كل طالب وبلغت النهضة أشدها على عهد الإمبراطور أغسطس وسقطت بعده بقليل شان أكثر مدنيات العصور السالفة كانت من عمل حاكم أو أمير أو بضعة حكام ثم يتناسى الأمر ويزهد فيه.
جاءت أزمان ادخل فيها اليونان على الرومان أموراً أضعفت من سلطة الوالد على أولاده وتركت الحياة الجندية وأخذت الشبه والشكوك تسري إلى العقول وكثرت الموبقات بكثرة الرفاهية فكان بذلك انهيار ذاك البناء وخراب العالم الروماني فقضي على رومية وذهبت تلك المدينة كما ضعفت في النفوس آثار الوثنية واخذ الاضطراب يدخل في نظام تلك الحضارة ويبعثرها وكثر الانتحار واليأس من الحياة ومن لم يحبوا الانتحار يؤثرون العزلة وسرى اليأس من الطبقة الممتازة والأغنياء إلى البائسين والخدمة ولما كانت الحال على ذلك والنفوس تضيق من هذه المظاهر جاءت النصرانية على أنقاض المدينة الرومانية وكان لها من النساء اكبر عون على الانتشار فرأى فيها من دانوا بها عزاء لهم وسلوى. والدين وازع قوي في الدنيا والآخرة.
اضطهد القائمون بالدعوة الدينية أيضاً أمثال نيرون يظلم ولا يبقي على احد وبينما كان يحرق المتنصرين أحياء ليضيء بهم حدائق الفاتيكان كنت ترى أولئك المتنصرين يذهبون إلى الحرق باسمين لاعتقادهم بان في العالم الآخرة حياة سامية لا يخيب من قضى في سبيلها. وكلما كانت الشدة تنال أولئك المضطهدين كنت ترى أشباههم يكثرون.
وكان النزاع بين الإمبراطورية الرومانية والدين المسيحي من أعظم ما ذكره التاريخ حتى دان الإمبراطور قسطنطين بالدين الجديد فكان من انتشار الدين بعد الوثنية منافع مهمة في
стр. 5855
البلاد خصوصاً والدين اخذ يوافق ميول المتدينين به وحاجاتهم. توطد أمر ايطاليا بعد ذلك وأخذت تقطع أشواطاً في سبيل جمع شملها وتتناسى ما نالها في سبيل انتشار النصرانية التي عمت ايطاليا. وبينا الأمر على ذلك كان برابرة الشمال يتجمعون ليغزوا ايطاليا للاستفادة من مادياتها وقد أهلكهم الجوع ولم يكن لرومية طاقة بدفعهم فجاءوا يغشون العالم المتمدن ولكن من أولئك البرابرة من لم يلبثوا أن دانوا بالدين الجديد وتطوعوا بالدعوة إليه في القاصية بيد أنهم لنقص فيهم حرفوا ما تلقنوه ولم يعملوا بتعاليمه فاتوا مظالم كثيرة حتى اضطر الباباوات أن يجعلوا لهم سلطة مدنية فعمدوا إلى القوة علماً منهم بان سلطان الروح لا يؤثر كثيراً إن لم يكن وراءه سلطان القوة.
وهذا كان مبدأ مزج الدين بالسياسة خصوصاً على عهد شارلمان وليون الثالث وهما الملكان اللذان حاولا هذا المزج وحرصاً عليه ثم كثرت البدع والإلحاد وقاومها الباباوات بالشدة وان جاء من هؤلاء أنفسهم من لم تحمد سيرتهم أحياناً.
ولقد كانت ايطاليا خلال القرون الوسطى ميدان العراك بين الباباوية والإمبراطورية فنتج عن ذلك تمازج بين العناصر المختلفة في الغرب ثم جاءت الحروب الصليبية على الشرق وكان الدافع إليها دينيا ثم انتهت بالماديات وبعد ألف سنة للمسيح حدثت حوادث غيرت معالم العالم الغربي وكانت الدواعي إلى الحماسة الدينية حب الظهور والإتيان بالغرائب ولاسيما في نفوس العامة والزعماء من الأمراء. ولكن حرب المسلمين قرنين باستعادة الأرض المقدسة لم ينتج منه إلا أن جمهوريات ايطاليا أصبح لها مكاتب تجارية على شواطئ البحر المتوسط وباختلاط ايطاليا بل أوروبا بالمدينة الشرقية البديعة عاد إلى الغرب شيء من الحياة أصيبت به الصناعة والآداب وكان اثر الحروب الصليبية في ايطاليا اثر تقاليد اليونان المغلوبين على أمرهم في مدينة روميا.
ايطاليا في القرون الوسطى
جاء عهدان على روميا طمحت فيهما إلى أن تحكم العالم فالأول على عهد عظمة قياصرة الرومان وقد تم لها ذلك بعض الشيء والثاني على عهد التحمس الديني وبلوغ سلطة الباباوات حدها. وكان من اثر الحروب الصليبية ورؤية القوم للفنون القديمة البيزنطية والمغربية أن تمت لهم مقدمات النهضة الأولى. ثم إن المقاطعات تحررت من سلطة من
стр. 5856
كانوا يرهقونها من أمرها عسرا فأخذت تتنافس في إقامة الأبراج وتحب كل منها أن تكون كنيستها أوسع وأكثر بهجة واغني وخطيبها أشهر ومتفنن أشهر. وأنشأت تبحث عن الرجل الذي يكون اقدر من غيره على التغني بأمجادها في أشعاره وتعظيم أعمالها الصناعية وبدائع النقش والرسم. وبفضل هذه المباراة اغتنت المدن والقرى من معاهد البديعة فكنت ترى الكنائس الكاتدرائية في كل مكان تناطح الجوزاء والقصور تسمو من الأرض إلى الأجواء.
وانتشر في شبه جزيرة ايطاليا ميل حقيقي للجمال فحدث منه ازدهار الفنون التي لم تزل تيهرنا إلى اليوم فكان هذا العهد مناسبا لتكوين أعاظم الرجال ليستطيعوا أن يحثوا أعمالا غريبة باقية وكان للقديسة كاترين ديسين والقديس توما دي أكيك والقديس فرانسوا داسيز في القرنين الثالث عشر والرابع عشر اثر يذكر في السياسة والعلم فكانت هذه النهضة الايطالية الأولى متشبعة بالفكر الديني إلا أنها كانت تحوي في مطاويها بذورا انبتت بعد النهضة الثانية.
وقام على الأثر الشاعر دانتي الايطالي واضع أساس اللغة الايطالية الحديثة واخذ ينادي في شعره ونثره بفصل السلطتين المدنية عن الدينية. ينطق في ذلك بلسان طبقة كبيرة في عصره فلم يكد يصرخ صرخاته حتى جاوبه على الأثر أرباب الأفكار الحديثة ممن اخذوا ينزعون ربقة الدين بل ينحون على جوهره. وكان في هذا القرن أناس من أرباب الفنون الجميلة يؤمنون بما يصورون ويريدون به خدمة الدين ومنهم من كانوا يصورون وينقشون حبا بالمجد والشرف والمال خصوصا وهم يرون كم كانت أسرة ميدسيس إذ ذاك تغدق الهبات على أرباب تلك الصنائع. حتى لقد قيل أن رافاييل المصور رفض انيكون بابا واثر العمل بالتصوير. وهذا العصر يسمونه بعصر ليون العاشر الذي كان من أكرم الباباوات وأكثرهم علما وعصره كعصر أغسطس قام فيه أرباب الأفكار الحديثة واخذوا يشرون من طرف خفي بتحكيم العقل في المسائل فأصبح أهل العلم والأدب مرغوبا فيهم أكثر مما يرغب في الأمراء. وساعدهم اختراع الطباعة إذ ذاك فاخذوا يبثون أفكارهم في روح القوم على صور مختلفة حتى غدا أمثال بوج وفيللف وارتين الحاكمين المتحكمين بالافكار في عصرهم يصرفونها كما يشاءون.
стр. 5857
في ذاك العهد أيضا نشا للطليان أمثال المؤلف لورانزو فالا فخدم الآداب والتاريخ والخطابة والفلسفة خدما تذكر له على الدهر ومثله جيوردانوبرنو الذي احرق بأفكاره الفلسفية وكان عالما كاتبا مؤثرا وبينا كانت الأفكار تتمخض على هذه الصورة قامت حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر ومنشئها من بيع الغفرانات واستئثار الباباوات بالسلطة المركزية يريدون أن يتم كل شيء في رومية في الأمر الدينية والملوك يريدون من حيث السياسة أن ينزعوا هذا العبء الثقيل عنهم والتخفيف من وطأة الارتباط بالمقام البابوي والفلاسفة والأدباء يريدون أن يحرروا العقل من قيوده وكلما كان المجتمع يدخل في طور الكمال كانت الحالة تستدعي تقسيما اكبر في العمل وتوجيه المناحي وجهاتها حتى أن أكثر من واحد من المتدينين جدا قد طلبوا التفريق بين السلطتين وبعد شؤون وشجون انفصلت ألمانيا وانجلترا عن روميا.
كان العلم في أواخر القرن السادس عشر قليلا وقام أمثال غاليلة الذي قال بدوران الشمس حول الأرض فوذي لما نادى باراه العلمية وأن التجربة هي الشرط الضروري في تحقيق المسائل العلمية وقد طبق ليونارد في عقله العجيب هذا الأسلوب على جميع المسائل المبحوث فيها واخذ مكيافيللي واضع فن سياسة الخداع يتشبع بها في كتبه السياسية وكما كان الشاعر دانتي يطالب بضرورة فصل السلطة المادية عن الدينية كان العالم غليلة يثبت بان العالم العلمي يجب أن يكون منفصلا ومستقلا على الاعتقاد الديني وهكذا لم يبرح غاليلة يؤكد مع شدة احترامه للدين أن العلم أمران مختلفان ليس بينهما تناقض ولا ارتباط. ويرى أن الكنيسة هي الحاكمة في المسائل الدينية وليس لها أجنى سلطة في المسائل العلمية وينبغي لها أن تحاذر من الحكم في مسائل هي غريبة عنها تماما.
رأت الكنيسة بعد عصر دانتي أن تحافظ على كيانها الأساسي بالقوة وأرادت ابعث غاليلة أن تحافظ على كيانها العلمي بالتعليم خصوصا يعد أن شاهدت النتائج التي تمت على أيدي اليسوعيين باتخاذهم العلم آلة للدين. واتحدت الكنيسة مع الأمراء وأخذت تلقم الناس الطاعة والخضوع فلم تحدث بعد ذلك ثورات وامن الناس ولكن ظهر بعد قرنين من انتشار الإصلاح الديني بقيام لوثيروس ونزع ألمانيا وانجلترا من الكنيسة الكاثوليكية أن الانحطاط اخذ يبدو على الشعوب التي ظلت كاثوليكية على اختلاف في عناصرهم ومناخ بلادهم
стр. 5858
وأحوالهم الاجتماعية والسياسية وذلك لان التعليم كان محدودا عند هؤلاء الشعوب ومقصورا على بعض الطبقات والعدل فيه شدة وضعف والطاعة أبدا يرغب فيه فقلت في هذه الشعوب القوة المبدعة على أن الرفاه المادي كان مضمونا بما انشأ فيها من المعاهد الخيرية ولكن كل ذلك لم يخرج الشعب عن حالة التنبيت والتراجع.
وعلى عهد مل هذه الإدارة ينزل ميزان العقل من كل وجه فقد أمست الصناعات والآداب والعلوم لا ترتقي إلا ببطء حتى أن الشاعر كيودي المتوفى سنة ١٧١٢ من أعظم شعراء ذاك القرن كان يتغنى بمدح عصره معرضا بالجفاء البربري الذي كان يشاهد من خلال إهمال قبائل رومية القديمة الذين لم يكونوا يحلمون إلا بفتح العالم. ومن حسن الحظ أن ايطاليا لم تعد في ذلك الدور أناسا ينهضون هنا وهناك يثيرون العواطف وينادون قومهم بان ما هم فيه باطل لا بد له من التجديد وان هذا العالم ليس عالم الأموات. فقام بتروميكا بالدفاع عن تورينو وقام فيليكايا يتغنى باغانيه الحربية لينبه سكان هذه الشبه الجزيرة المتخدرة ونهض الأمير اوجين دي سافوا يحمل أمجاد الحرب والسياسة واخذ كاريا يقيم الحجة على فظائع المحاكم وقام غيره بأعمال كثيرة نبهوا فيها العقول من رقادها ما أمكن.
ايطاليا في القرن الحديثة
بينا كانت ايطاليا غارقة في هذا السبات كانت أفكار غاليلة قد وصلت إلى انكلترا فتلقاها الفيلسوف باكون وعادت إلى ايطاليا منعكسة من طريق فرنسا في كتابات الفيلسوف ديدو وأخذت السلطة الدينية تضعف أمام حقوق العقل وجاء انتشار دائرة المعارف سنة (١٧٥١_١٧٧٢) فاحدث حركة في أهل الطبقة المستنيرة وساعد فيها أهل الطبقة الوسطى من لفرنسيس أملين أن يروا منها سلاحا يحاربون به رجال الكهنوت والإشراف إما العامة فقد استعملوها واسطة للإرهاب. وقد كفت فرنسا ثلاثون سنة حتى تأتي أفكار دائرة المعارف بعملها في التخريب وذلك لان فرنسا كانت مستعدة أكثر من كل امة لقبولها لان السلطة كانت فيها على اشد ما تكون ثم أن صلاتها مع الشعوب البروتستانتية كانت مستحكمة العرى أكثر من غيرها.
فكانت ألفاظ الحرية المساواة الإخاء يؤثر السياسية. الأعظم من القوم فتدفعهم إلى الإعمال الخارقة في باب الرجولية ولما ظفرت جيوش الفاتحين من لفرنسيس بفتح شبه جزيرة
стр. 5859
ايطاليا ١٧٩٦ كانت حالة الأفكار في فرنسا مخالفة كل المخالفة لحالتها في ايطاليا ففي الأولى مضاء واعتماد على النفس وفي الثانية ضعف وخضوع ولذلك كان الأمراء يهزمون من وجه الجيوش الفرنسية على صورة بشعة بل ربما ركبوا عار الفرار قبل أن تحتل بلادهم فلما استحكمت سلطة لفرنسيس في ايطاليا قلبوا كثيرا من أوضاعها باسم الحرية ووضعوا لها القانون الفرنسي لايطاليا في أوائل القرن التاسع عشر قد نبهها من ثباتها العميق وحدا بها أن تعقد مع سائر أوروبا الممدنة علائق ولم يفهم العامة من الطليان ما يراد بهم فكانوا يساقون كالأنعام ولكن الطبقة المستنيرة ورجال الإعمال بعثت هممها حالة لفرنسيس فأخذت تدرك أماكن إعادة الوطن وتأليف شمله المبدد وتبحث عن الطرق لتحقيق هذه الأمنية فلم تمض على ذلك خمسون سنة حتى أثمر جهاد أرباب الأفكار تأليف الوحدة الايطالية الحديثة. وحدة قوامها المساواة أمام القانون ومنح الحرية السياسية.
عاد رجال السياسة في مؤتمر فينا خريطة أوربا إلى ما كانت عليه قبل سنة ١٧٨٩ وعاد الباباوات والملوك والدوجات والأمراء إلى سابق أمجادهم تحميهم الحراب الأجنبية ولكن استحال الرجوع إلى الحالة الأصلية لان رجال الشعور الخارق للعادة ومن تؤهلهم الجاذبية العقلية الشديدة إلى أن يتحرروا من الوراثة والمحيط قد عدلوا في وجهة الأفكار وجددوا ميدان أعمالهم فكان الشعراء وأساتذة الكليات والقس والإشراف المتعلمون في مقدمة مكن تبدلت عقولهم بتأثير الحوادث وما تم لفرنسا من المجد قد افهمهم معنى الجمال الذي ينطوي في مدارج القوة. وتراجع الإيمان بالحق الإلهي وعادت الفلسفة فتأثرت بتأثيرات المجددين وضربت معتقد الكنيسة الرومانية ضربة قاسية وتحمس الأذكياء وأرباب القلوب لفكرة أن وطنهم سيستعيد بهائه ويعود عظيم جميل فاخذوا يعملون بمضاء وحماسة تدعوا كل من اطلع على أعمالهم أن يحترمهم ويمجدهم.
وكثر تجدد الطبقات من الشعراء أخذت على عاتقها أن تنبه بلسان الشعار والحانة الرخيمة شعبا متناغما منذ قرون فتناول الشاعر جيو ستي صوت الهباء الذي سقط من يد باريني واخذ يضرب به وتحمس الشعراء بلاليكو ومانزوني ونيكوليني حماسة الفيري المفجعة. وساعدت قصائد فوسكولو واغاني برشت الوطنية على هذا النشور.
بيد أن الدعوة الأدبية لا تستطيع أن تعمل إلا في الأفكار المستنيرة وادلو قليلا فاخذ
стр. 5860
الأشراف والطبقة الوسطى من الأحرار يدركون ضرورة نشر هذه الحركة بين العامة فانشئوا يدخلون التعليم إلى القرى. وكان تكثير سواد القائلين بفكر التجدد وضم الشمل في المدن قد تسهلت أسبابه بارتقاء مستوى العقل في الشعب واستعداده لقبول الجديد ولكن بث الدعوة كان خطرة ولطالما أعار بعض الكتيبين مؤخرة حوانيتهم لعقد الاجتماعات ليتهامس فيها المتهامسون بأفكارهم وإعمالهم وأحلامهم في المستقبل ونهضة البلاد.
ثلاثة عوامل أعانت على تخمير هذه الثورة الجديدة وتنمية بذورها كبار الضباط والموظفين على عهد نابليون والجمعيات السرية ورجال الشرطة ومعظمهم كانوا دخلوا في الجمعية الماثونية فتعلموا فيها أساليب الاجتماع وجمع الشمل وحب النظام وبالنظر لحالة البلاد إذ ذاك لم يتأتى أن تنعش من سقطتها إلا بجمعية سرية وذلك لما عرى الأخلاق من انحلال وضعف ولقلة عدد أرباب الشخصيات الراقية فكثرت الجمعيات السرية من اجل ذلك في البلاد كلها وكان أشياعا بإكثار أولا بالكليات فدخل فيها أبناء الطبقة الوسطى وكثير من أبناء الأسر الكبرى وجماع الإسرائيليين وكان أكثر الداخلين مدفوعين إلى ذلك بعامل المنفعة الشخصية الممكنة وكلهم يرمون إلى جمع شمل الوطن.
كان للإسرائيليين في هذه الحركة الكعب المعلى فإنهم وان كانوا في ايطاليا اقل حيفا من حيث مادياتهم خلافا لما كانوا عليه في سائر أوروبا لكنهم كانوا خاضعين لقانون يحرمهم من الوصول إلى المناصب التي يؤهلهم إليها ذكاؤهم وثباتهم المتواصل على العمل ولقد علمهم احتقار الناس لهم فضائل تجرد منها ظالموهم فكانوا محتقرين وسذجا في الصورة الظاهرة ويتذكرون أحيانا شيئا من الخير الذي نالهم ولكنهم لا ينسون على الدوام العار وهم على ثباتهم وحسابهم للعواقب قد أصبحوا متضامنين بداعي مقاومتهم للعدو المشترك يكتمون أمرهم ويسرون ما يجول في قلوبهم وهم قد اثروا إثراء مهما فكانت منهم قوة لا تعادلها قوة لمقاومة نظام سياسي تكرهه نفوسهم.
فلم يكونوا يعتقدون في وحدة ايطاليا قلب الأوضاع التي طالما قاسوا منها الأمرين بل كانوا يرون فيها صورة من صور الانتقام من انكلترا المسيحية في رومية الباباوات ولذا يمكن أن يقال في ذلك العهد أن جميع الماسون في ايطاليا لم يكونوا كلهم إسرائيليين فان جميع الإسرائيليين كانوا ماسوناً وإذ كانت القوانين والعادات تبعدهم عن الحياة العسكرية فقدوا
стр. 5861
الشجاعة التي تورثها صناعة حمل السلاح فكانت معاونة الإسرائيليين ما عدا بعض الشواذ مالية أكثر منها شخصية وعظمت معاونتهم المالية في هذا السبيل حتى أن الحكومة المؤقتة في ميلان بالنظر لما ادروا عليها الإسرائيليون من المال بعد مغادرة النمساويين للبلاد قد شكرتهم على إعاناتهم الكريمة في سبيل الحرية.
وما كان القسيسين غرباء عن هذه الحركة فان أول من صاح ايطاليا واحدة وحرة كان قساً فمات في هذا السبيل وأخر من قضى في هذا المقصد هو قسيس أيضا كان في صحابة إسرائيلي. وكان هذا شأن جميع المستنيرين من عامة طبقات ايطاليا يريدون أن يحيوا وطنهم ولا يبقوه ارض الأموات. وما صادقته هذه الدعوة من العواطف في طبقة رجال الدين لا يعجب منها إذا علم أن البابا يبوس السابع كتب إلى الكونت بورو بمناسبة أعضاء جمعية الكاربوناري الثورية: أنهم يحبون ايطاليا وأنا أحبها مثلهم وكذلك كان الأشراف الذين لم تكن لهم مناصب تشغلهم في الحكومة وأقصاهم الملوك عن قربهم فإنهم شاركوا في الحركة الجديدة حق المشاركة.
قلنا الكاربوناري وهي جمعية اشتقت من الجمعية الماسونية وأعضاؤها من الجند والضباط على عهد نابليون فقامت منذ سنة ١٨٢٠ بثورات عسكرية في مملكة نابولي أولا ثم في معظم إمارات ايطاليا ولكن قلة عدد أعضائها وفقدان المرددين لأعمالها غادرت حركاتها قاصرة. ولما قام مازيني الكاتب الذي كان متأثرا يرمي إلى إنهاض ايطاليا وجد أنصارا وأعوانا وان كان العيب الوحيد انه كان يتعجل قطف الثمرة قبل نضوجها. ويضيق المجال إذا أردنا إحصاء من دعوا إلى هذه الوحدة ومنهم الراهب فنسانزو جيوبرتي الذي اغضب الكنيسة بعمله فقضى أخر أيام حياته شريدا في باريس لأنه قال بضرورة فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية ومنافع ذلك للسياسة والأخلاق.
وكانت نيران الثورة تشتعل تارة وتخمد أخرى فيظن أن البلاد عادت إلى حالتها من الأمن والطمأنينة ثم لا تلبث فوهة البركان أن تقذف حممها وقد انفجرت لأخر مرة يوم قامت فرنسا وقلبت الملكية ونادت بالجمهورية وأخذت تهتز أعصاب أوربا فتحركت ايطاليا من أقصاها كأنها متأثرة بمجرى كهربائي فقامت قيام الرجل الواحد من بلاد الألب إلى صقلية أي من الشمال إلى الجنوب وظهر أن الملوك تظاهروا بالاشتراك بالحركة والبابا كذلك وان
стр. 5862
شئت فقل انه كان أكثر من غيره وتنازل عن سلطتهم المطلقة ومنحوا دساتير لشعوبهم والكل يريدون أولا طرد النمساويين من البلاد التي كانوا احتلوها.
ولقد تمثلت الثورة العامة في سنة ١٨٤٨ في جميع الطبقة الوسطى لمناهضة السلطة المطلقة فصادقت أولا عطفاً من البابا فلما تحقق مقاصدها مزقت الدساتير المعطاة وأعيدت البلاد إلى نظامها السابق فلم يثبت من ولايات شبه الجزيرة سوى البيمون وكان لها فقط جيش يحسن الكر والفر وله نظام بزعامة الملك الجديد فيكتور عمانوئيل الثاني وما كانت المهمة التي انتدب إليها هذا الملك بالأمر السهل بل كانت تحتاج إلى سلاح ماض وطرق مواصلات منظمة ومعارف منتشرة وضم شمل أحرار الطليان وتهدئة الكاثوليك وهم كثار متحمسون في إقليم البيمون وإقناع أوربا التي لا تصدق أو هي معادية لهذا الفكر واتخاذ أنصار من حكومات أوربا ليفتوا في عضد العدو العظيم. كل هذا ولا مال لتلك المملكة الصغرى وهي مدينة بمليارين من الفرنكات هذا المركز من أحرج المراكز ولحل مشاكله يجب له نابغة من الرجال وهذا الرجل الذي تهيأ له هو كافور.
قام هذا السياسي العظيم العظيم وعرف بما خص به من حسن لانتفاع أن يستخدم أمثال غاريبالدي ومازيني للمقصد الذي ترمي إليه فكانا يريدان المناداة بالجمهورية لا بالملكية. ومن دهاء الرجل انه بعث من إقليم البيمون جنداً إلى الحرب القريم يعاون الدول الأوربية التي عاونت الدولة العلية إذ ذاك فعد العالم عمله خرقا في الرأي على الأمة صغيرة فقيرة مثقلة بالديون ولكن هذه المناداة هيأت لايطاليا بل لمملكة البيمون مركزاً بين الدول وصار لها الحق أن تبعث بمن يمثلها في مؤتمر باريس. ولا عجب فالإعمال بمقاصدها ونتائجها.
أتم النابغة كل ما كان يظن انه مستحيل ولا يعرف اليوم مذا كانت الحال ايطاليا لولا قيام هذا الرجل. وقد جبر بدهائه ما بدر من الضعف في الجمعيات السرية التي اندمجت في جمعية جيوفاني لان عملها لم يؤد إلا إلى فظائع فقام كافور يربط بحكمته القلوب حول عرش صاحب بيمون وغدت أسرة سافوا محط رحال الآمال وساعد أن كان الإمبراطور نابليون الثالث الفرنساوي من أعضاء جمعية الكارتوني منذ صباه فاضطر إلى مساعدة ايطاليا ولما أيقن الملك فيكتور عمانوئيل بمعاضدة الجيش الفرنسي نهض بالعمل بصورة أفخم وأعظم وأعلن الحرب على النمسا وقد قال لوزرائه عندما وقع على إعلان الحرب
стр. 5863
أني سأكون بعد عشرة أشهر ملك ايطاليا والمسيو سافوا.
ظفرت الجيوش الفرنسية في مونتبولو وبالسترو وماجنتا وسولفيرينو وبموجب معاهدة زوريخ تركت لومبارديا المملكة البيمون وقامت طوسقانة رويدا رويدا على دوجها الكبير وأعلنت انضمامها إلى البيمون. ونزل غار يبالدي إلى صقلية وتآخى مع سكانها وكانوا مربوطين بعهود الإخاء من قبل مع جمعية مازيني السرية ثم اجتاز المضيق ودخل ظافراً إلى نابل وكاد يزحف على رومية ليفتحها وبعد أيام أعلنت جزيرتا صقلية انضمامها إلى الوحدة الايطالية وفي ١٨ شباط ١٨٦١ اجتمع البرلمان في تورينو ونادى بالملك فيكتور عمانوئيل الثاني ملكا على ايطاليا وتوفي كافور بعد بضعة أسابيع كأنه انتظر حتى أتم عمله المجيد مخلفاً لقومه شعاره الكنيسة الحرة في المملكة الحرة.
وبقيت البندقية ورومية فقط لم تفتحا فقام أخلاف كافور وعقدوا مع بروسيا فاخذوا البندقية وسمح استدعاء الجنود الفرنسيين من ايطاليا سنة ١٨٧٠ للجيش الايطالي أن يدخل ظافراً إلى رومية مقاتلاً جيش البابا الذي قاوم بعض المقاومة ولكن ما حيلته أمام هذا التيار العظيم وإرادة الأمة في نزع السلطة المدنية من يد صاحب السلطة الدينية فحصرت سلطة البابا بعد ذلك في دائرة معينة لا تتعدى حد السلطة الروحية
ايطاليا بعد الوحدة
ها قد القينا نظرة مجملة على ماضي ايطاليا وأصول مدينتها وأمجادها ودرس الماضي عون على فهم الحاضر. ولقد ترك كل دور دخلت فيه البلاد طابعا في صورة ايطاليا الحديثة كما أثرت فيها المؤثرات الجوية والجغرافية والعنصرية ولم تقوم التربية إلا على تغيير قليل فيها ونشأت مؤثرات أخرى نفعت في نهوضها كل النفع وهي سرعة المواصلات وكثرة التنقل والصلات المتواصلة مع الأمم الأخرى وغير ذلك وبعد أن صرفت ايطاليا كل جهادها الماضي إلى سنة ١٨٧٠ في تكوين الوحدة الايطالية وإلغاء الامتيازات الأشراف ورجال الدين وتأسيس ملكية ديمقراطية وجب عليها أن تنظم هذه القوة فاختارت القانون الأساسي الذي كان معمول به في إقليم البيمون مع بعض تعديل أخذته عن القانون الفرنسي.
ولقد حق على القائمين بهذه الوحدة من أهل الطبقة الوسطى وأبناء إشراف من الدرجة
стр. 5864
الثانية والإسرائيليين والماسونيين والبيمونيتيين وكل من وجدوا مصلحته في قيام هذه الوحدة أن يرعوها فلم يجدوا أمامهم إلا العامة يتقوون بهم فانشئوا لهم مسائل الاشتراكية والنقابات الصناعية واعديهم فيها بوعود خلابة اقلها أن الجمهور يعيش بدون أن يعمل وكل ذلك بمناهضة الأشراف ورجال الكهنوت ففقدت طبقة الأشراف كل موازنة ولم تبقى لها تلك المكانة المعروفة لها قديما إما رجال الدين فاحتفظوا بمراكزهم وذلك لأنهم يمثلون شيئا لا يبرح حيا في نفوس الشعب ولان لهم قانون يضم شملهم.
التفتت الحكومة بعد الوحدة إلى تنظيم الجيش وكانت الفكر الحربي مفقودا من معظم طبقات الشعب فما برحت تزيد فيه وكان عدده على عهد أوائل الوحدة مئة ألف نسمة وأصبح ألان خمسمائة ألف نسمة منظم مدرب حين السلم وثلاثة ملايين وخمسمائة ألف جندي زمن الحرب يدخلوا فيهم البوليس وكل ايطالي بلغ سن العشرين يدخلوا الجندية فيخدموا فيها ثلاث سنين ويكاد السكر لا يعرف في الجيش وضباط يقومون على تدريب الجندي بإخلاص ويلقنوهم الفضائل الحربية ولذلك ترى مجلس النواب الايطالي يمنح ميزانية الحربية وهي ٣٦٤ مليون فرنك كل سنة دون أن ينظر فيها ثقة منه بأنها تصرف في سبيلها على أبناء الأمة. ومما يعمل لنفع الجندي بأنهم انشئوا بالقرب من بعض الثكنة في البلاد دروسا زراعية عملية يتعلموا فيها العسكر مدة خدمتهم ما ينفعكم من التعليم العسكري إذا رجعوا إلى قراهم من العمليات الزراعية.
إما البحرية وميزانيتها ١٨٦مليون فيمكن أن يقال على الجملة أن ايطاليا لما تكونت لم يكن فيها اثر في القوة البحرية فأخذت منذ سنة ١٨٧٣ تنظم بل توجد بحريتها ليكون لها شان في البحر المتوسط والبحر الادرياتيكي ورجال البحرية الذين يتخرجون من مدرسة ليفورنا يبدون كل إخلاص في تخريج الجند البحري.
وهكذا تعمل ايطاليا على تحسين بريتها وبحريتها لتستطيع بذلك أن تجد موردا لامتها التي يكثر نسلها وتريد أن تجد لها مرتزقا في الأرض ولاسيما بعد أن طلبت بعض الحكومات التي تكثر مهاجرة الطليان إلى أرضها أن يحمي العملة من غير الطليان الحماية الكافية التي تخولهم عدم منافسة العامل الايطالي وان ايطاليا المضطرة بحكم الطبيعة أن تكون امة بحرية من الدرجة الأولى لان شطوطها على البحر المتوسط تبلغ ٦٠٠٠ كم على حين
стр. 5865
ليس لفرنسا سوى ٦٠٠.
وتناسل السكان
وتناسل السكان والخوف من إغلاق أميركا ذات يوم في وجه المهاجر الايطالي دعا ايطاليا إلى إن تفكر في فتح طرابلس وبرقة حيث يجد أبنائها ولا سيما في الجنوب مناخا يشبه مناخ بلادهم ويكونون على مقربة من أرضهم أو مسقط رؤوسهم مما دعاهم إلى الغارة على شمال إفريقيا ذكرى إن أجدادهم الرومان فتحوا تلك البلاد واستعمروها أيام عزهم قد كلفت هذه الحرب ٩٢٧ مليون فرنك. ربما كان الإيطاليون من الأمم الأوربية حبا بالهجرة ذلك لان بعض الجنود من بلادهم فقير بزراعته لأنك لا تجد في ايطاليا طبقة وسطى على الأغلب فإما الفقير معدم يولد له كل سنة ولا يجد في أرضه من الموارد الاقتصادية ما يقوم بعيشه أو غني كبير وهم قلائل ولذلك لم يبق إمام الإيطاليين إلا الهجرة فقد كان عددهم سنة ١٨٦١ أي بعد الوحدة بقليل ٢١ مليون وهم اليوم ٣٥ مليون بحسب الإحصاء الأخير دع الطليان المنبثين في أقطار العالم وعدد سكان من يقطنون في كل كيلو متر مربع ١٢٢ ساكنا أي أكثر من معدل السكان في ألمانيا وفرنسا ولا يفوق ايطاليا كثرة عدد السكان بالنسبة لمساحة الأرض من الممالك الأوربية إلا البلجيك وانكلترا وبلاد القاع (هولندا).
وأكثر المهاجرين يهاجرون هجرة مؤقتة وقلائل منهم من يهاجرون هجرة قطعية بل إن المهاجرين من يقضون الشتاء في أمريكا ويأتون في الصيف يحصدون أرضهم ويقطفون ثمرات أشجارهم ولولا النقد الذي يحمله أولئك المهاجرون من أميركا يضعونه في المصارف وصناديق التوفير ربطت حركة ايطاليا الاقتصادية لان النقد قليل فيها حتى تضطر الحكومة بل الأمة إن تجري أكثر معاملتها بالورق ولا تكاد تجد الذهب إلا نادرا. وقد بلغ من هاجروا ايطاليا من أبنائها في الشهور التسعة الأولى من هذه السنة ٣٢٥، ٣٣٥ مهاجرا ولا يقل عدد المهاجرين كل سنة عن ٥٠٠ الف ومنهم من يهاجرون إلى البلاد المجاورة ولا سيما جنوبي فرنسا ومنهم إلى أمريكا.
والعامل الايطالي قنوع للغاية يقتصد جانبا من هجرته ومنهم من يعودون برؤوس أموال إلى بلادهم المتعلقون بحبها فالعامل الإيطالي يقبض دولارا ونصف في الولايات المتحدة فيصرف النصف دولار ويقتصد الباقي حتى إذا عاد إلى قريته تحدثه نفسه إن يبتاع له
стр. 5866
أرضا يبني فيها سكنه لذلك ارتفعت أسعار الأراضي في القرى أكثر من ارتفاعها في المدن الكبرى ولا سيما بعد ناشات جمعيات ومكاتب للمهاجرين ومنها ما أسسته الحكومة ومنها ما أسسه الإفراد لتسهيل المهاجرة ووقاية المهاجر من التلاعب به. وليس لايطاليا من المستعمرات ما عدا طرابلس وبرقة غير اريتريا وبنادر والصومال الايطالية وهي مجاورة فيهما لفرنسا وانكلترا وايطاليا جاءت إلى عالم الاستعمار بعد وحدتها وقد تقاسمت أوربا مغانم إفريقيا واسيا وتوزعت ممالكها بينها.
احتاجت ايطاليا بعد وحدتها وتأليف هذا الجيش الضخم البحرية القوية إلى موارد كثيرة فالتفتت فلم ترى أحسن موردا من الزراعة وثلث الايطاليين يعملون بها في ارض مزروعة تقدر بنحو ٢٠ مليون هكتار تخرج سنويا ١٠٠ مليون هيكتولتر من الحبوب حنطة وذرة وارزأ و٤٠مليون هيكتولتر من الخمور و١٠ملايين قنطار من الزيت والثمار. دع إعمال الألبان وتربية الحيوانات والحرير الخام وغيرها من الموارد التي تعد في جملة الزراعة يبلغ مجموع قيمتها نحو خمس مليارات فرنك كل سنة وزراعة الشمال راقية على الطرز الحديث قد أدهشنا ما رأيناه من بدائع في ضواحي فلورنسا وضواحي بولونيا ذلك لان إقليم طوسقانة وعاصمته فلورنسا عامر منذ القديم وهو مقر أمجاد الطليان وكذلك حال العمران من سفح جبال الألب إلى طوسقانة فان أرضها حدائق غناء وهذه البلاد الشمالية تختلط كثيرا بالأمم الراقية المجاورة لها مثل السويسريين والفرنسيين إما سكان الجنوب ولا سيما في صقلية وسردينيا وغيرها من الأقاليم الجنوبية فان المناخ مؤثر في أخلاق أهلها وليس لهم نشاط سكان الشمال ولا معارفهم وسكان الجنوب أشبه بالأمم الشرقية النازلة على الشواطئ البحر المتوسط وصناعة ايطاليا وتجارتها راقية على نسبة زراعتها فقد كان لهذه المملكة سنة١٨٦٠ - ٢١٩٨ كم من الخطوط الحديدية فبلغت سنة ١٩٠٩ - ١٨٠٠٠ كم يضاف إليها ٥٠٠٠كم من الترامويات والاتوبوس. وكانت الطرق العادية على عهد الوحدة ٤٨٠٠٠كم فتجاوزت اليوم ١٤٠٠٠٠ وكان لايطاليا سنة ١٨٦٢ - ٥٧ سفينة بخارية تجارية تحمل ١٠، ٢٢٨ طنا و٩، ٣٥٦ سفينة شراعية تحمل ٦٤٣، ٩٩٦ فأصبح لها سنة ١٩٠٨ - ٦٢٦سفينة بخارية تحمل ٥٦٦٧٣٨ و٤٧٠١سفينة شراعية محمول ٤٥٣، ٣٣٤ طنا وبلغ عدد السفن الايطالية التي خرجت ودخلت في الموانئ الطليانية ١٩٠، ٥٥٥ سنة
стр. 5867
١٨٦١ وبلغت في سنة ١٩٠٩ - ٢٤٦. ٢٤٦ وكان إذ ذاك عدد الداخل والخارج إلى الموانئ الطليانية من بواخر الأجانب ٢٣، ٨٣ فبلغ في العهد الأخير ١٧، ٤٣٤ واشتركت في ذلك جميع موانئ ايطاليا وفي مقدمتها جنوا ثم تجيء نابل وليفورنه والبندقية وبارمة. وكان لايطاليا عام ١٨٦٠ - ٨٠٠٠ كيلو متر من الأسلاك البرقية ولها الآن ٥٤ ألف كيلو متر تضف إليها الأسلاك البحرية والتلغرافات اللاسلكية مع مالها من الخطوط التلفونية ولم يكن البريد الشيء الذي يذكر في بعض أصقاع ايطاليا على عهد الوحدة فبلغ وارده سنة ١٨٨٦ - ١٦ مليونا وفي سنة ١٩٠٠ بلغ ١٠٧ ملايين فرنك.
وكانت الصناعة أيام الوحدة غير موجودة إلا في أقاليم البيمون ولومبارديا فعمت الآن أقاليم ايطاليا كلها ولا سيما في الثلاثين سنة الأخيرة فقد كان سنة ١٨٨٩ معمل واحد للسكر في جميع ايطاليا فأصبح لها ٣٢ معملا وارتقت صناعة حياكة الصوف والقطن والحرير والحديد الاتومبيلات ارتقاء هائلا.
ووجدت الكهربائية في ايطاليا محيطا حسنا للغاية بالنظر لما خضعت به هذه البلاد من الأنهار السريعة جريتها ومن هذه القوى النافعة تخدم الصناعة اجل خدمة وربما أوصلت الكهربائية إلى مسافات متناهية ولا تسل عن معامل الأسلحة وبناء السفن مثل معمل انسالدو في مقاطعة جنوه وغيره كثير. وإذا ضم ما يرد ايطاليا من صناعتها إلى ما تأتيها به زراعتها بلغ مجموع تلك الثروة ٧٥ مليارا من الفرنكات يصيب كل فرد ٣٢٠٠ فرنك.
ويستدل على الرفاهية والغنى مما يودعه الأهلون في صناديق التوفير فقد بلغ ما أودع في الصناديق العادية مليارين ونصف مليار من الفرنكات يضاف إليها ما أودع في صناديق توفير البريد وهو ١٧٠٠ مليون هذا غير ما يضعه العالم في المصارف وجمعيات التعاون مما يعد جزءا عظيما من ثروة الأمة. وما كانت البيوت المالية تعرف في ايطاليا إلا في إقليم البيمون قبل الوحدة الايطالية وقد كثر عددها اليوم وهي من الدرجة الأولى بين المصارف مثل بنك ايطاليا وبنك نابل وبنك صقلية وبنك رومية وغيرها وكلها تشغل بزهاء مليارين من الفرنكات ماعدا أموالها الاحتياطية النقدية التي تبلغ مليارا ونصف.
وفي ايطاليا مصارف زراعية ومصارف عقارية وشركات تجارية مساهمة وشركات صناعية تعاونية وغيرها وعددها يكثر كل سنة كثرة هائلة.
стр. 5868
وقد بلغت ميزانية الحكومة من كل ذلك مليارين ومائتين وستة عشر مليون فرنك في سنة ١٩١١ في قسم النفقات ومليارين وثلاثمائة وأربعة ملايين في قسم الواردات.
أصيبت ايطاليا بأزمة سياسية شديدة سنة ١٨٩٠ أثرت في ماليتها كل التأثير فكان شان المضاربين على الأراضي للبناء في المدن الكبرى شانهم في مصر منذ بضع سنين فقدوا ثرواتهم إلا قليلا بسقوط أسعار تلك الأراضي وذلك لان بعض المدن الايطالية أرادت أن تجدد أبنيتها على الطراز الحديث فأخذت طائفة كبيرة من أبناء الأسرات القديمة ومنهم من يعتقد بان له الكفاءة في كل شيء يبتاعون من تلك الأراضي والأبنية القديمة للهدم فكان بها خرابهم وخراب كثير من أرباب رؤوس الأموال الصغيرة ومن المصارف وبسبب هذه الأزمة عرض الوزير كريسبي الايطالي على البرنس بسمارك الألماني أن تكون ألمانيا وايطاليا يدا واحدة فأحست فرنسا بالمر من الغد فلم تر أحسن من إخفاق مسعى ايطاليا وأشغالها بقطع الموارد المالية عنها وكانت ايطاليا إذ ذاك لا تعتمد في افتراضها وتجارتها إلا على بيوت المال والتجارة في باريس فاخذ هؤلاء يرفعون ثقتهم من ايطاليا ويشمون عليها بالمال فحدثت تلك الأزمة التي منشأها الحقيقي من أناس ما خلقوا ماليين ولم يستعدوا لمعاناة الشؤون المالية بالعمل.
وعلى العكس كان من قانون الوراثة والمحيط أن هيا الإسرائيليين ليعملا أعمالا عظيمة في ايطاليا وللإسرائيليين اختصاص بالشؤون المالية ولا نجاح إلا بالإحصاء.
فإنهم اختصوا بالتجارة ومعاناة المال فنشأت مهارة لهم لا نظير لها وقد بقيت سلطة الأب على أولاده محترمة عندهم بخلاف القوانين الحديثة الاجتماعية التي قللتها عند غيرهم وترى النظام في بيوتهم التجارية والصناعية أتم مما هو عند غيرهم والاعتصابات قليلة وأعمالهم ناجحة أكثر مما عداهم لأنهم يحسنون الانتفاع من القوى والأشياء أكثر من كل الطوائف ومنشأ ذلك كونهم كان مضطهدين فاحظروا ببطء صفات يولدها الاضطهاد فيمن يؤخذون به. وهذه الصفات هي قوة المقاومة والشعور بالتضامن واللين والمرونة في أسباب الحياة.
وعلاوة على ما للإسرائيليين في ايطاليا من النفوذ العظيم الاقتصادي قد كان لهم في المسائل السياسية مكانة لا تنطبق مع قلة عددهم ولكن لها ما يشفع بها بما قاموا به من
стр. 5869
معاونة ايطاليا في وحدتها بالمال وما أبدوه من الصفات الحسنة التي ابانو عنها في تقلدهم إدارة المسائل العامة وطالما كان منهم رؤساء الوزارة والولاة فاظهروا من البراعة في الأمور السياسية ما يحق لهم أن يفاخروا به بل أن حاكم رومية نفسها هو اليوم إسرائيلي وكذلك أكثر الولايات التسع والستين الايطالية فان ولآتها من أبناء إسرائيل لا يأتون ما يمس عواطف الأكثرية من الكاثوليك بل كثيرا ما كان نوابهم ووزراؤهم في جانب المحافظين إذا أريد وضع قوانين واحدة وأحداث أمور جديدة من شانها إثارة الرأي العام مما دل على أن الإسرائيلي في ايطاليا خلافا لما هو عليه في سائر الممالك ايطالي أولا ثم إسرائيلي وفي غيره هذه الديار إسرائيلي قبل كل شيء وفي المظهرين تفاوت عظيم كما ليخفى.
ايطاليا وعلومها وفنونها
كان علينا وقد وصل بنا البحث إلى هذا الحد أن نتكلم على امتيازات به ايطاليا من دون سائر بلاد أوروبا من التفنين في الفنون الجميلة والتبرير في مضمارها على جميع الأمم الغربية مهما قالوا بانحطاطها عندهم بالنسبة للقرن السادس عشر والسابع عشر وذلك مثل الكلام على التصوير والنقش والهندسة والموسيقى ولكن ذلك يحتاج إلى فصول كثيرة لا تتسع لها هذه العجالة ولا تنطبق مع أذواق أكثر القراء ومع هذا فنتكلم على الآداب الطليانية في العهد الأخير من وكيف ارتقت حتى عم أهل القرى أثرها.
يعتبر تاريخ اللغة الايطالية الحديثة منذ عهد دانتي الشاعر فإنها بعده لم يعد ينقصها شيء من الألفاظ للتعبير عن التفكير ومضت القرون الثلاثة التالية يعده فأصبحت البلاد لقلة المواصلات وكلا مقاطعة لموقعها الجغرافي لا تعرف ما عند جارتها فنتج عن ذلك تعدد اللهجات وفتحت هذه صدرها لكل الألفاظ الحديثة في حين ظلت الايطالية الأدبية جامدة تقرا في المدارس كما تقرا اللاتينية واليونانية أي كأنها لغة ميتة لا حية.
ودام الحال على ذلك إلى قبل خمسين سنة وبفضل توفر المواصلات والخدمة العسكرية التي تقضي بتنقل الجنود في البلاد أخذت الايطالية الحديثة تفهم في كل مكان وبقيت اللهجات التي تعوق ولا شك دون نشر لغة عامة تفي بمطالب الفكر الحديث وأصبح عنهم لغة يتكلم بها تؤثر فيها اللهجات المحلية ولغة ايطاليا مكتوبة يحسنها الكتاب والمؤلفون.
стр. 5870
في ايطاليا نحو ١٤ لهجة لا يفهم أهل هذه لهجة أولئك وأفصح اللغات لغة طوسقانة ومنها سرت إلى رومية. ولغة ساردينا تشبه اللاتينية كثيرا وتختلف عن لغة صقلية وابن رومية لا يفهم لغة ساردينا واهم اللهجات الايطالية اللهجة البيمونتية واللومباردية والليكورية والبندقية والرومانية والنابولية والبولية والكالابرية وتعدد اللهجات مما عمت به البلوى لا في اللغة العربية فقط بل في لغات أوروبا التي يسعى أهل العلم والسياسة إلى توجيها منذ زمن طويل فمن ذلك أن في سويسرا ثماني لهجات ألمانية لا يتفاهم أهلها بعضهم مع بعض بها بل أن أهالي ألمانيا لا يفهمون لهجات سويسرا مثل لاهاي بافيرا ووتمبرغ وهيس وهكذا الحال في فرنسا وغيرها من البلاد التي يظهر إن لها لعنة واحدة والحال أنها مختلفة اللهجات لا يكاد يفهم المتناءون لغة بعضهم بعضا.
اقتضت وحدة الروح الايطالية أن يكون لايطاليا لغة كتوبة واحدة فقام بهذا الغرض من الشعراء والكتاب في أوائل القرن التاسع عشر أمثال مانزوني وبلليكو وكاردوشي فأفادوا على اختلاف في طرق الأداء في بث اللغة الصحيحة في الشعب.
ومن الشعراء الكتاب العاصرين الذين اشتهروا في الأفاق دانونسيو وباسكولي وفوكازاروودي سانكتيس وفريرو ومن النساء اللاتي نافسن الرجال في صناعة الأدب سيرا رو وواساني ودللادا ومنهن من تفردن في القصص التمثيلية وأخريات في القصص الروائية وغيرها في الصحافة.
كان من توفر أسباب الرفاهية في الشعب الايطالي أن اخذ عدد المختلفين إلى المسارح الخاصة بالتمثيل يزيد اليوم بعد الأخر ومن نشر العلم وقلة عدد الأميين سنة بعد سنة أن كثر عدد الصحف وقراؤها وكان ذلك من مواد ثمينة لتعجيل كمال اللغة المحلية لان التمثيل كالصحافة إذا أراد القائمون بها أن يفهموا وجب عليهم أن يتكلموا بلغة تتناولها عقول الكافة وإذ بعض من هذه الجوقات التمثيلية تطوف بلاد الأقاليم اقتضى لها إن تعدل من لهجتها في كل محل بحيث تتناولها الأذهان على أيسر سبل. وعند الطليان مؤلفون كثيرون للروايات التمثيلية لا يقلون عن غيرهم من الأمم الراقية كالفرنسيس والألمان.
إما الصحافة فهي تشبه صحافة فرنسا وغيرها من الممالك في الصورة والشكل وكل يوم نزيد العناية فيها بالخيار المنوعة المؤثرة وثقل مادتها من الانتقاد الجدي والموضوعات
стр. 5871
الأدبية فالصحافيون هنا مثل غيرهم في البلاد الأخرى يبيعون من الجمهور ما ينفق عليه ويروج عنده. وقال في صفاء المكان وذلك بان يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات عاريا عن المخوفات والمهولات والطوارق وان يكون مع ذلك مكانا رائقا معجبا رقيق الحواشي فسيح الأرجاء بسيط الرحاب غير هم ولا كدر فإن الضم إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر من ماء وخضرة وأشجار وإزهار وطيب رائحة كان ابسط للفكر وانجح للخاطر وقد ذهب بعضهم إلى انه ينبغي خلو المكان من النقوش الغربية والمرائي المعجبة فإنها وان كانت مما ينشط الخاطر فان فيها شغلا للناظر فيتبعه القلب فيشتت له.
وليس للصحف الكاثوليكية رواج كثير كالصحف غيلار الكاثوليكية وأعظم صحف ايطاليا وأهمها جريدة كورريه دلاسييرا أي بريد المساء وهي تصدر في ميلانو من عواصم العلم القديمة أو العاصمة الأدبية كما يسمونها وتجيء بعدها جريدة التربيونا أي المنبر وهي نصف رسمية. ومن خبرة جرائدهم جريدة ايديا ناسيونالي أي الفكر الوطني وهي تمثل الفكر الوطني. وقد سارت صحافتهم كما هو شان الصحافة في كل مكان على توحيد الفكر واللغة كان السبب الرئيس في كل ما تقدم من ذرائع الارتقاء نشر التعليم بين جميع طبقات الشعب فقد كانت الحكومة الايطالية خصصت سنة ١٨٦١ مليون فرنك للمعارف العمومية وهاهي الآن تنفق مثله مليون لهذا الغرض كل سنة وأرقاء كهذا في البذل على المعارف تنشا منه تلك الوطنية والوحدة دع المدارس المنوعة التي أنشاها الجمعيات الدينية أو الإفراد وزاد عدد الطلاب ضعفي ما كان عليه عام ١٨٦١ فبلغ في السنة الماضية زهاء ثلاثة ملايين ومع هذا ايطاليا من أكثر البلاد الأوروبية أميين بعد روسيا ولاسيما في القرى وان كان التعليم لابتدائي إجباريا إلا انه لا يعمل به كثيرا وبالنظر لما وقع بالنزاع بين الحكومة والاكليروس انتهت الحال بان المدارس لا تعلم التعليم الديني إلا لولد يطلب ابوه ذلك والإباء قلما يحفلون بهذا الطلب. وقد تعطي الحكومة أحيانا إعانات للمدارس والأخويات الدينية ماله صفوف عالية وله الحق بان يكون لتلاميذه بالامتحان حقوق تلامذة مدارس الحكومة ومن المدارس ما يريه اليسوعيون وان ألغيت مدارسهم في ايطاليا منذ زمن طويل. ومدارس الجمعيات الدينية خاضعة إجمالا لتفتيش الحكومة وتترفع عن البحث في السياسة.
стр. 5872
بعد كناية ما تقدم اطلعنا على خطاب ناظر المالية الايطالي وقد جاء فيه أن ايطاليا ستصرف هذا العام على المعارف ١٤٨ مليون فرنك وتفيض المال الكثير على معارف الولايات ليطبق بالفعل قانون التعلم الإجباري في البلاد وقد بلغت الحركة الدولية في المقايضات خلال الأحد عشر شهرا من السنة الماضية ١٩١٣ ٥٥١٦ مليونا أي زيادة بمقدار ٤٤ مليونا عن مثلها في السنة الماضية وقلت الواردات ٤٨ مليونا وزادت الصادرات ٩٢ مليونا وزادت السفن التجارية الداخلة إلى موانئ ايطاليا وزادت كمية المعادن ومداخيل الضريبة على السكر والحديد والتبغ ودخل السكك وكثر الإنفاق على المصارف وإعمال الري والأسباب الصحية كثيرا والحكومة الايطالية ستزيد ميزانيتها البحرية والبرية وكل هذا بدون أن تستدين وتبادل الدخل والخرج على طريقة ماهرة في الأمور المالية يقسم التعليم الأوسط في ايطاليا إلى فرعين مختلفين. الفرع المدرسي وهي دروس المدارس المعروفة بالجمباز والتعليم العملي وهو يدرس في المدارس والجمعيات الفنية وقد كان عدد تلامذة الفروع الأولى على عهد الوحدة ١٢ ألفا فأصبحت في السنة الماضية ٤١ ألفا والدروس العملية التي يتخرج منها الشبان والذين يتمحضون لفروع الصناعات الكثيرة قد بلغوا سنة ١٩١١ - ١٠٠٠٠٠ وما كانوا منذ خمسين سنة أكثر من ٦٠٠٠ وفي الفرع المدرسي من تعلم اللغتان اليونانية واللاتينية وفي الفرع العملي تعلم اللغات الحية إما عدد تلامذة المدارس الوسطى للمدارس الخاصة فلا يقل عن ستين ألفا ويؤكد بعضهم أن المدارس التي يعلم فيها الرهبان والقسيسون أكثر نجاحا من التي يعلم فيها العلمانيون لان فتيان القس ممتازون بإنكار الذات والتشبع بالروح الدينية أكثر من غيرهم من الأساتذة.
إما التعليم العالي فان ايطاليا منه سبع عشر كلية تتنافس فيها بلاد الأقاليم ولمن معظم هذه الكليات لا تخرج رجال عمل بل أكثرهم خيالون من أرباب النظر ويضاف إلى هذه الكليات مجامع العلم العالي الكثيرة لتدريس الآداب والعلوم في كل مدينة عظمى والحكومة تمدها بالمال. والمدارس العليا على كثرة ما تستلزمه من النفقات لا تتناول من مال الأمة أكثر من أربعة ملايين فرنك مساهمة مما يستبان منه أن الحكومة توفر العناية بالتعليم الأوسط والابتدائي أكثر مما عداهما. وعدد تلامذة الكليات والمجامع العلمية العليا نحو سبعة
стр. 5873
عشرين ألفا وكان الطلاب المدارس العليا في القرن التاسع عشر يصرفون أوقاتهم في الأعمال الوطنية أكثر من العلم إما الآن وقد استقرت حالة البلاد السياسية فإنهم اخذوا ينصرفون إلى أبحاثهم ودروسهم ليكون لبلادهم ما حرزته ألمانيا وانكلترا وفرنسا في مضمار العلوم والآداب.
هذا جمال ما يقال في التعليم إما الاختراعات والاكتشافات فلم يقصر فيها علماء ايطاليا أسوة غيرهم من أمم الحضارة الحديثة فقد اكتشف لامي طبيعة الأمراض الميكروبية وهي النظرية التي خلصت الجراحة والمداواة من الأوهام التي كانت تعوقها. وكذلك كان شأنها في الكهربائية وساعدها على ذلك كثرة شلالاتها وتيسير إرسال الحرارة والنور والأعمال الكيماوية والميكانيكية إلى أبعاد شاسعة ومن مخترعيهم باشنتوفي وماركوني مخترع التلغراف اللاسلكي وغيرهم من الذين شاركوا في الأعمال العلمية فاختلط الأمر وأصبح من الصعب التمييز بين المتقدم والمتأخر من مكتشفي العلماء في أميركا وانكلترا وألمانيا وفرنسا والنمسا والبلجيك وهولندا وسويسرا وروسيا وغيرها من ممالك المدينة
والنجاح كما قال الأمير جيوفاتي بور غزة في كتابه إيطاليا الحديثة واعتمال عقلي. بعض ما تقدم من هذا البحث إعلاء الوسط على الدوام ليتأتى للكائنات العليا أن تظهر بمظهرها وتثير الجموع بكلامها ومثالها وإعلاء الوسط يكون بتنشيط الشبيبة على القيم بجميع الأعمال الشريفة التي يخولهم ظغياها مظهرهم.
ومن الخطأ العظيم في عصرنا أن تجعل قيمة الشعب على نسبة ما أحرز من الارتقاء العقلي.
إن التعليم على اختلاف ضروبه يساعد على ظهور المدارك الاجتماعية وفي الكتابة والقراءة معنى جديد يجعل بيننا وبين الفكر العام صلة ولكن التعليم بدون تنظيم طبيعي من جهة وتربية أخلاقية من أخرى لا يتولد منه إنشاء رجال تامة أدواتهم في جمل لتنشأ على أيديهم عظمة مملكة وإذا نظرنا إلى ارتقاء إيطاليا نراها دخلت في ثلاثة أدوار هي أدوار النشوء الشخصي فالدور الأول الدور المادي والثاني النفسي والثالث العلمي وكان بدء الدور الأول على أوائل تأسيس روميا وفي سنة ٧٠٠ قبل المسيح أي بعد ٧ قرون كان عصر أغسطس وهو عصر مجدها وبعد ذلك ب٣ قرون عندما نقلت عاصمة المملكة
стр. 5874
الرومانية إلى القسطنطينية تراجع أمر الدور المادي والنفسي والروحي هو دور ظهور النصرانية التي توفر الإمبراطور قسطنطين على نشرها وجعل عاصمة بلاده القسطنطينية فمضى ٧ قرون على ذاك العهد تنصرت أوروبا وتم عمل الدين إلى أواخر القرن العاشر للميلاد.
وفيا ١٤ بدأت تظهر تباشير دور النهضة التي أريد بها تحرير العقل الإنساني من قيوده. والدور الثالث هو الذي نحن فيه والقرن الأخير كان أرفا أيامه وبه ظهرت إيطاليا بمظهر الدول العظمى واستقامت لها حياتها السياسية وتبعتها ثائر الأشياء ولا تستقيم حياة أمة بدون أن تستقيم حياتها السياسية واستقامة السياسة نتيجة ارتقاء العقول وارتقاء العقول لا يكون بغير قبول المدينة الحديثة والأخذ بأساليب التي اتخذها السابقون في مضمار التحضر.
ومن أمعن النظر في هذه النبذة يدرك أن كل نهضة غير متعذرة وأن أمم بلغت من الشقاء مبلغا كبيرا وتيسر لها بقوة الإرادة وإخلاص المستنيرين من الوطنيين أن تغلبت على جميع العوائق وكونت مجموعا يفتخر به وحررته من قيوده الثقيلة ومن رأى إيطاليا أمس يجوس النمساويون أو الفرنسي خلال دياره أو يستعبدون أبنائها ويرى الطليان اليوم وقد آلفو مجموعا حيا ودولة قوية وهم في حكومتهم الملكية أكثر حرية من الفرنسيين في حكومتهم الجمهورية على رأي بعضهم - من رأى ذلك لا يقول بان في العالم شيئا مستحيلا. وان قوة العقل والثبات على العمل تفعلان أكثر من كل قوة في الأرض.
في ايطاليا الحديثة عيوب كما في سائر الممالك وهذا يتعذر على السائح الشرقي في بلادها أن يدركه ولا يحل له أن يخط فيه حرفا لأنه لا يرى إلا الظواهر خصوصا ما عدم معرفته لغة البلاد فانه يبقى كالأصم الأخرس وليس ارتقاء الطبقة المستنيرة هو الميزان الوحيد في معرفة أقدار امة وكم عند الطبقة الوسطى والدنيا من الفضائل ونقيضها ما تؤخذ منه حقيقية شعب وذلك لا يتيسر إلا لمن عاشر الطبقات كلها وصرف زمنا طويلا في أصقاعهم المختلفة وحكم العقل والإنصاف في ما يكتبوا بعد درس العادات والأخلاق والتنظير بينهما وبين ما يماثلهما من الشعوب الأخرى.
وغاية ما يستطيع المفكر أن يقول به إذا رأى ايطاليا أن بينها وبين الشرق القريب من الفروق أكثر مابين مصر أو الشام أو السنغال أو بلاد نيامنيام يشهد هنا بكل شيء قياما
стр. 5875
وقانونا من خرج عنه ضل واهتدى ويجد نشاط الإفراد على أتمه ليس له ما يعوقه من سلطة جائرة وقانون غير معقول فالشقي يشقى بصنعه والسعيد يسعد كذلك ولكن السعادة أوفر مما يناقضها بدرجات السرور تقراه في الوجوه والبسطة في الغنى والرفاهية تشهده على الأكثر في سكان الأقاليم الوسطى والشمالية ولكل صقع من الأصقاع خاصية لا يكاد يشركه فيها الصقع الأخر فهذا اشتهر بعاداته وأثاره وذاك بحدائقه وأنهاره وهذا بتجارته وذاك بصناعته وأخر بزراعته وغيره بسكونه وأخر بحركته وتكاد ترى المواهب مقسمة بين البلاد. فلفرنسا مدينة الزهور وعاصمة طوسقانا وأثينا القرون الوسطى ومسقط رأس دانتي وتبرراك وبوكاس وغاليلة ومايكل أنجلو وليوناردو دافنشي وغيرهم من نوابغ الطليان في الشعر والموسيقى والنقش والتصوير والهندسة والعلم من المزايا ما ليس لرومية وذلك لأسباب تاريخية واجتماعية كثيرة فان جمهوريات طوصقنا بينما كانت في القرون الوسطى تحسن الاندفاع من جميع العناصر الحيوية في الشعب كانت رومية تمحل بما قام فيها مكن المنازعات من الأسر الكبرى والذهاب في الدجالات المذهبية مذاهب. ولذلك كان المجد كله لمدينة فلورنسا التي هي اليوم إحدى الولايات الإيطالية.
هذا شأن المدن الداخلية وكذلك الحال في المدن الساحلية فإنك تجد مثلا للبندقية من المزايا مالا تجده لجنوى ونابل كلها مما يستجدي الغريب ويستهويه لنزول هذه الديار ودرس آثارها الكثيرة بل التي لا تدخل في عد لكثرتها وقد اتخذ ت الحكومة الجديدة أنواع الراحة لجلب سياح الأرض لغشيان بلادها وفي ذلك من الفوائد المادية ما لا يقدر فلو انقطع سياح الغرب سنتين عن زيارة إيطاليا لأحست بفقر شديد وذلك لما يبزره أولائك السياح من الأوائل في جميع فروع الإنفاق. ولها أمثال في تاريخ إيطاليا وقد نشأ حين إذ وقوف تجارها عن طريق البر التي كانت تعمل الجمهوريات حتى إذا قام الإصلاح الديني في أوروبا وفصل جزء عظيم في هذه القارة عن البابوية كل ما كان يرد مدة زمن طويل إلى إيطاليا من الأموال بالطبيعة فافتقرت.
إن كل كنيسة من كنائس إيطاليا حرة بأن يقصدها السائح للفرجة من القاصية وقد وقع ألي من الدهشة عندما رأيت كنيسة الدوم في فلورنسا مثلما وقع لي من الدهشة عندما زرت كنيسة القديس بطرس في روميا مقر البابوية وهوى أفئدة البابويين في الأرض ولكل مكان
стр. 5876
ميزته.
امتازت روميا بكثرة كنائسها العجيبة كما امتازت بكثرة عيونها وكثرة تماثيلها في كل جادة مما يستهوي الغريب ويستدعي دهشته كما امتازت جنوا بمقبرتها لتفنن الجنوبيين منذ القديم لتصوير الأموات على الرخام وهم بين أهلهم وفي آخر ساعات حياتهم والمقبرة هناك ٣ طبقات كما أن أكثر الأبنية هي الآن في إيطاليا ٦ طبقات ويضيق المقام لو أردت فقط الألم لما في روميا وحدها من العاديات والقصور ولا سيما حديقة بنشيو العامة فإنها خصت لكل أنواع الملاحة والراحة وهي مجمع الحسان الرومانيات كل عشية وفيها تتجلى عظمة الطليان وتتبدى طبقاتهم الاجتماعية وكل ما يقع نظرك عليه في هذه المدينة الأزلية صاحبة المدينتين الرومانية والنصراني تقرأ فيه روح التفنن وتقدير العلم والنشاط وحب التسامح إلا قليلا دخلت مع أحد إخواني من مستشرقي الطليان لازور كنيسة البانتويون فدهشت لما رأيت واليك البيان: كنيسة البانتويون هي الكنيسة الوحيدة الباقية من عهد روميا القديمة بنيت معبدا في سنة ٢٧ قبل المسيح ولما رسخت قدم النصرانية في رومية جعلت كنيسة وكان يشترط على كل شيخ في مجلس الشيوخ في القرن الثامن للميلاد من جملة ما ينبغي له الاحتفاظ به كنيسة البانتويون. وكان يدفن بها بعض قديسيهم وأعاظم رجال الدين عندهم وماراعني إلا وقد رأيت إلى جانب أضرحة رافاييل المصور النقاش التوفي سنة ١٥٢٠ والمصور دانيال كاراشي المتوفى سنة ١٦٠٩ وغيرهما من كبار المهندسين والمصورين الطليان ضريح الملك فيكتور عما نوبل الثاني المدعو أبو الوطن لأنه أقام الوحدة الايطالية وخلف لذريته من بعده التاج الايطالي بعد أن كانت أسرته لا تحكم على غير إقليم البيمون فقط وضريح ابنه همبرت الأول والد الملك الحالي الذي اغتيل سنة ١٩٠٠
نعم أعجبت لضريح المهندس والنقاش ويكون في مقام التكريم إلى جنب القديسين والشهداء وهذا في تلك القرون التي كنا نظن فيها أوروبا متوحشة وراقني أن يجيء ملوك ايطاليا اليوم ويحبون أن يدفنوا إلى جنب أولئك الصناع النوابغ. أن لحد بولس هو اكبر دليل على حب الباباوات لرجال الفنون الجميلة ولحد ملكين عظيمين إلى جنبهم هو أيضا مما يدل على روح التسامح الحديث وعلى أن لرافاييل ليس في مكانته في خدمة أمته ليس اقل من فيكتور.
стр. 5877
فان كانت باريس قد أقامت كنيسة البانتويون لتفن فيها رفات العظماء في العلم والسياسة في أوائل القرن الماضي فان رومية تفاخر بأنها خصت بانتونها لهذا الغرض منذ زهاء أربعة قرون. بانتيون باريس يضم رفات ميرابو وفنيلون وكوفيه وفولتيرو وروسو ونابليون وبانتيون رومية يحوي أمثالهم من إبطال الطليان. فمتى ترى يقوم ف الشرق القريب أعاظم من أبناء هذه الأجيال الحديثة يكونون في عقولهم وإعمالهم على مستوى أولئك الأبطال لتقوم بهم مدينتنا على أحسن الدعائم كما قامت مدينة الطليان في هذه الأزمان.
стр. 5878
صبح الأعشى للقشقلندي
الكتب كالأشخاص فيها النافع وفيها الضار وفيها مالا يضر وما لا ينفع والنافع قليل على كل حال. واو تهيأ لمصر منذ طبع أول كتاب عربي في روما في العقد الثاني من القرن الخامس عشر للميلاد رجال يعرفون من أين تؤكل الكتف في العلم ليطبعوا حتى الآن جميع ما عرف للسلف من الكتب الممتعة ولكان ما طبع في ديار الغرب من نوادر الأسفار العربية متمما لما طبع في مصر كهف العرب والعربية ولكن مصر لم تنتبه لهذا الأمر إلا على عهد محمد عيي فطبعت في الطبعة الأميرية بعض النوادر وكثرت المطابع في مصر وفي غير ومصر فطبع الجود والجيد ومجموع ما طبع حتى الآن لا يبلغ نصف ما خلفه السلف من تركهم الثمينة وبعثره الجهل والخمول.
وآخر ما احيي بالطبع من ذخائر العلم كتاب صبح الأعشى في كتابه النشا طبعته دار الكتب الخديوية بالقاهرة في المطبعة الأميرية وأخرجت للناس منه الجزأين الأول والثاني وكانت منذ بضع سنين طبعت الجزء الأول منه فأعادت طبعه ف المطبعة الأميرية لتتمه بحرف طريف ظريف وهو مقصد جميل يضاف لما لهذه الدار من المقاصد الحسنة في نشر الكتب النادرة على نفقتها خصوصا ما له علاقة بمصر مثل تاريخ مصر لابن إياس والانتصار لابن دقماق في وصف مصر وتاريخ الفيوم لأبي عثمان النابلسي وغير ذلك الكثير.
وكتاب صبح الأعشى للقشقلندي هذا سيكون في بضعة أجزاء وقد وقع الجزآن الأولان منه في نحو ألف صفحة والقشقلندي نسبة لقلقشندة قال الزبيدي: قد تبدل اللام راء وهو المشهور بلدة بمصر من إعمال قليوب وفيها ولد الإمام الليث بن سعد لرضي الله عنه وخرج منها كبار العلماء والمحدثين منهم العشرة من أصحاب الحافظ ابن حجر وهذه القرية قد وردت عليها مرات يتولاها أمراء الحاج قال ابن خلكان وهي على ثلاثة فراسخ من القاهرة وهي بلدة حسنة المظهر كثيرة البساتين.
هذه القرية هي مسقط رأس مؤلفنا كما قال السخاوي في الضوء اللامع وهو احمد بن علي بن احمد بن عبد الله الشهاب ابن الجمال أبي اليمن الفزاري القلقشندى ثم القاهري الشافعي والد النجم ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة واشتغل بالفقه وغيره وسمع علي ابن الشيخ ومن في وقته وكان احمد الفضلاء وممن برع في الفقه والأدب وكتب في الإنشاء وناب في
стр. 5879
الحكم وشرح قطعا من جامع المختصرات بل شرع فنظمه وعمل صبح الأعشى في قوانين الإنسان في أربع مجلدات وكان ستضر أكثر ذلك من جامع المختصرات والحاوي وكتابا في الأنساب للعرب.
هذا ما قاله السخاوي وأنت ترى أن هذه الترجمة المختصرة ادني إلى أن تكون ترجمة ففيه ذكي في الحماة لا ترجمة علامة من جملة كتبه هذا الكتاب صبح الأعشى الذي هو دائرة معارف كبرى أكثر ما عرف من العلوم ذاك الزمن مما فيه فائدة للمنشئ الذي يريد أن ينشئ عن علم وفهم.
إليك طرفا من حال المؤلف إما تأليفه فكما قال عنه مبسوط يشتمل على أصول كتابه الإنشاء وقواعدها متوعيا من المصطلح ما اشتمل عليه التعريف والتثقيف موضحا لما افهماه بتبيين الأمثلة مع قرب المأخذ وحسن التأليف أتيا من معالم الكتابة بكل معنى غريب ناقلا الناظر في هذا المصنف عن رتبة أن يسال فلا يجاب إلى رتبة أن يسال فيجاب منبها على ما يحتاج إليه الكاتب من الفنون التي يخرج بمعرفتها عن عهدة الكتابة وردها ذاكرا من أحوال الممالك الكتابية عن هذه المملكة ما يعرف به قدر كل مملكة وملكها مبين الجهة قاعدتها معرفا الطريق الموصل إليها برا وبحرا. ذاكرا مع كل قاعدة مشاهير بلدانها إكمال للتعريف ضابطا لأسمائها بالحروف كي لا يدخلها التبديل والتحريف.
إما أبواب الكتاب فكثيرة ترجع كلها إلى مقدمة وعشر مقالات وهي في فضل الكتابة ومدح فضلاء أهلها وذم حماهم وذكر مدلول الكتابة وتفضيل كتابة الإنشاء على سائر أنواع الكتابة وترجيح النثر على الشعر وصفات الكتاب والتعريف بحقيقة دور الإنشاء واصل وضعه في الإسلام وتفرقة بعد ذلك في الممالك وقوانين ديوان الإنشاء وترتيب أحواله وآداب أهله. الثانية في المسالك والممالك والخلافة ومن وليها من الخلفاء في القديم وما انطوت عليه ممالكهم من الأقطار المصرية ومصافاتها من البلاد الشامية وما يتصل بها من الممالك والبلدان المحيطة بمصر من الجهات الأربع. الثالثة في ذكر الأمور التي تشترك فيها أنوع المكتبات والولايات وغيرهما من ذكر الأسماء والألقاب وكتابة الملخصات وبيان الفواتح والخواتم. الربعة في أمور كلية تتعلق بالمكاتبات مثل مصطلح المكاتبات الدائرة بين كتاب الإسلام في كل زمن من الصدر الأول إلى زمن المؤلف. الخامسة في الولايات
стр. 5880
وكيف يكتب لكل منها والمبيعات والعهود. السادسة في الوصايا الدينية والمسامحات والطلاقات وتحويل السنين والتذاكر. السابعة في المقاطعات. الثامنة في الإيمان. التاسعة في عقود الصلح والمفسوخ. العاشرة في فنون من الكتابة بتداولها الكتاب ويتنافسون في عملها.
وفي كل مقالة من هذه المقالات العشر أبواب كلها منسقة أحسن تنسيق مثل موانئ الفرنسي لعهدنا مع وفرة مادة الألمان في تأليفهم وانه إذا وقع للمؤلف شيء قليل في كل مئات من الصفحات مما لا ينطبق مع ذوق العصر الحاضر أو يخالف أصول العلم الحديث فالذنب في ذلك لأعلى المصنف بل على عصره الذي كتب ارق ما عهد فيه ومحصه تمحيص عاقل حكيم.
وهناك أنموذجات من الكتاب الأول: من كان فردا في زمانه بحيث يضري به المثل في أمثاله: كان لاسكندر في طوفان الأرض وكسرى انوشروان في العدل وحاتم الطائي في الكرم وأبو قراط في الطب وأبو بكر الصديق ﵁ في معرفة الأنساب وعمر بن الخطاب ﵁ في قوة الهيبة وعثمان بن عفان ﵁ في التلاوة وعلي بن أبي طالب ﵁ في القضاء وأبو عبيدة بن الجراح في الأمانة وأبي ذر في صدق اللهجة وأبي بن كعب في القران وزيد بن ثابت في الفرائض ونافع في القراءة وأبو الحسن المدائني في الأخبار ومالك بن انس في العلم والشافعي في الحديث وأبو الحسن الأشعري في علم الكلام وابن حزم في مذهب الظاهر وسيبويه في النحو وأبو الحسن البكري السيرى في الكذب وإياس بن معاوية في الذكاء والتفرس وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني في المحاضرة والرازي في الطب وابن القرية في البلاغة والجاحظ في الأدب والبين والحرير في المقامات والبديع الهمداني في الحفظ والزمخشري في تعاطي العربية وجرير الشاعر في الهجاء والقاضي الفضل في الترسل والعماد الكتب في الجناس وحنين بن اسحق في ترجمة اليوناني إلى العربي وابن سينا في الفلسفة وابن الهيثم في الرياضي ونجم الدين الكتابي في المنطق والقاضي احمد في الروية والصولي في الشطرنج وجابر بن حيان في علم الكيمياء.
وقال من فصل في الحمام: ثم هو على قسمين احدهما ما ليس له اهتداء في الطيران من
стр. 5881
المسافة البعيدة والثاني ماله اهتداء ويعرف بالحمام الهدي وهو المراد هنا وقد اعتنى الناس بشأنه في القديم والحديث واهتم بأمره الخلفاء كالمهدي ثالث خلفاء بني العباس والواثق والناصر وتنافس فيه رؤساء الناس بالعراق لا سيما البصرة فقد ذكر صاحب الروض المعطار أنهم تنافسوا في اقتنائه ولهجوا بذكره وبالغوا في أثمانه حتى بلغ ثمن الفارة منه سبعمائة دينار ويقال انه بلغ ثمن طائر منها جاء من خليج القسطنطينية ألف دينار وكانت تباع بيضة الطائر المشهور بالفراهة بعشرين دينار وانه كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب وانه كان ليمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه ولا العدل من اتخاذ الحمام والمنافسة فيه والأخبار عنها والوصف لأثرها والنعت لمشهورها حتى وجه أهل البصرة إلى بكار بن كتيبة البكراني قاضي مصر وكان في فضله وعقله ودينه وورعه ما لم يكن عليه قاض بحمامات له ثقات وكتبوا إليه يسألونه أن يتولى إرسالها بنفسه وكان الحمام عندهم متجرا من المتاجر لا يرون بذلك باسا.
ويطول بنا الكلام إذا أردنا إن نقتبس فصولا من الكتاب لبيان مزيته بين الأسفار الرائقة وقد دل تجويد المؤلف لتأليفه على مبلغه من العلم ووفرة ما كان لديه من كتب الأمهات فأوائل القرن التاسع للهجرة في زمن نسميه دور الفتور ولكن مصر لم تخل في عامة أدوارها بؤسها كأيام نعيمها من إجلاء حكماء تنبتهم تربة النيل وقد لا يشتهرون إلا بعد مماتهم لاتساع القطر والحدس المأثور عن بعض العلماء أحدهم للآخر ولكن العالم الحقيقي تظهر حسناته ولو بعد قرون وكم من مؤلف مثل القلقشندى رزق الحظوة في جميع ما كتب كما وقع المقريزي وياقوت والجاحظ والغزالي والماوردي وابن كتيبة والراغب والمجيدون في توليفهم من المتأخرين قلائل على كل حال بقي أن نسدي أطيب الثناء على عمدة دار الكتب الخديوية لتعهدها العلم الحين بعد الآخر بإحياء مثل هذه المصنفات التي قد يغني الكتاب منها عنه. خزانة كتب ويفيد في بث العلم في الدانية والقاصية ما لا تقوم به الخطب والمحاضرات والمقالات المقصورة على زمان معين وفئة معينة من الأرض ونخص بالشكر مديرها ووكيلها وقد أحسن الطابعون بجعل فواصل بين الفصول والأبواب وإنهاء السطر حيث تنتهي الجملة أو القطعة ووضع أدوات الفصل الجديدة المعروفة في اللغات الإفرنجية وإن كان أداة التعجب لم تجعل بعض الأحيان في أماكنها أما أغلاط الطبع فنادر
стр. 5882
في هذين الجزأين من الكبريت الأحمر، ورجاؤنا أن تزيد العناية في الأجزاء التالية ويشفع آخر الكتاب بفهرس مستوفى مثل فهرس تاريخ مصر لابن إياس طبع دار الخديوية أو أكثر توسعاً منه حتى نباهي بأن مصر فاقت أوروبا بمطبوعاتها العربية ويكون لنا هذا القليل الممتع من أمهات الكتب العملية الذي جود الطابعون طبعه ووضعه خير عزاء لما يصدر كل أسبوع من مطابع مصر التجارية ونخجل منه أمام أنفسنا دع غيرنا من علماء الأمم الراقية حتى لقد قلت ثقة علماء الشرقيات بمطبوعاتنا اللهم إلا النادر الفذ ولم يعولوا في مصنفاتهم ونقولهم إلا على ما طبع منها في بلاد الغرب خاصة.
وذكر المقر الشهابي بن فضل الله في التعريفان الحمام أول ما نشا يعني في الديار المصرية والبلاد الشامية_من الموصل وان أول من اعتنى به من الملوك ونقله من الموصل الشهيد نور الدين زنكي صاحب الشام رحمه الله تعالى في سنة ٥٦٥ وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر وبالغوا حتى افرد وله ديوانا وجرائد بأنساب الحمام وقد اعتني بعض المصنفين بأمره حتى صنف فيه أبو الحسن بن ملاعب القواس البغدادي كتابا للناصر لدين الله العباسي ذكر فيه أسماء أعضاء الطائر ورياشه والوشوم التي توشم في كل عضو وألوان الطيور نوما يستحسن من صفاتها وكيفية أفرخها وبعض المسافات التي أرسلت منها وذكر شيء من نوادرها وما يجري مجرى ذلك. وذكر في التعريف أن القاضي محي الدين بن عبد الظاهر صنف فيه كتابا سماه تمائم الحمائم وقال في مسافة الطيران: ذكر ابن سعيد في كتابه جني المحل وجني النحل أن العزيز بمصر ذكر لوزيره يعقوب بن كلس انه ما رأى القراصية البعلبكية وانه يحب أنيراها وكان بدمشق أن يجمع ما بها من الحمام المصري ويعلق في قدر كثير من القراصية فطلع بها إلى العزيز من يومه وذكر أيضا في كتابه المغرب في أخبار المغرب أن الوزير اليازوري المغربي وزير المستنصر الفاطمي وجه الحمام من مدينة تونس من افريقية من بلاد المغرب إلى مصر فجاء إلى مصر وذكر أبو الحسن القواس في كتابه في الحمام أن حماما طار من عبدان إلى الكوفة وان حماما طار من الترناوذ إلى الأبله ونحو ذلك. .
وذكر في جملة ما ذكره في تجويد الإنشاء خلو الفكر عن المشوش وصفاء الزمان وقال في هذا: قال أبو تمام الطائي في وصيته لأبي عبادة البحتري مرشدا له للوقت المناسب لذلك:
стр. 5883
تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء وأحفظه أن يختار وقت البحر فان النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء وصفا الدماغ من أكثر الأبخرة والأدخنة وسكنت الغماغم ورقت النسائم وتغنت الحمائم. وخالف ابن أبي الصابغ في اختيار وقت السحر وجنح إلى اختيار وسط الليل اخذ من قول أبي تمام في قصيدته البائية:
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب
مفسرا للدجى بوسط الليل محتجا لذلك بأنه حينئذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة ونالت قسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء فيكون الذهن حينئذ صحيحا والصدر منشرحا والبدن نشيطا والقلب ساكنا بخلاف وقت السحر فأنه وإن كان فيه يرق النسيم وينهضهم الغذاء إلا إنه يكون قد انتبه فيه أكثر الحيوانات الناطق وغيره ويرتفع معظم الأصوات ويجري الكثير من الحركات وينقشع بعض الظلماء بطلائع أوائل الضوء وبما انهضم عن بعض الناس الغذاء فتحركت الشهوة لاختلاف ما انهضم منه وخرج من فضلاته فكان ذلك داعيا إلى شغل الخاطر وباعثا على انصراف الهمم إلى تدبير الحدث الحاضر فيتقسم الفكر ويتذبذب القلب ويتفرق جميع الهم بخلاف وسط الليل فانه خال من جميع ذلك.
وقال في صفاء المكان: وذلك بان يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات عاريا من المخوفات والمهولات والطوارق وان يكون مع ذلك مكانا واثقا معجبا رقيق الحواشي فسيح الأرجاء بسيط الرحاب غير غم ولا كدر فان انضم إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر من ماء وخضرة وأشجار وإزهار وطيب رائحة كان ابسط للفكر وانجح للخاطر. وقد ذهب بعضهم إلى انه ينبغي خلو المكان من النقوش الغربية والمرائي المعجبة فإنها وان كانت مما ينشط الخاطر فان فيها شغلا للناظر فيتبعه القلب فيشتتاه.
ويطول بنا الكلام إذا أردنا نقتبس فصولا من الكتاب لبيان مزيته بين الأسفار الرائقة وقد ذل تجويد المؤلف لتأليفه على مبلغه من العلم ووفرة ما كان لديه من كتب الأمهات في أوائل القرن التاسع للهجرة في زمن نسميه دور الفتور ولكن مصر لم تخل في عامة أدوارها أيام بؤسها كأيام نعيمها من إجلاء حكماء تنبتهم تربة النيل وقد لا يشتهرون إلا بعد
стр. 5884
مماتهم لاتساع القطر أو للحد المأثور عن بعض العلماء احدهم للأخر ولكن العالم الحقيقي تظهر حسناته ولو بعد قرون وكم من مؤلف صنف المائة والمائتين من المجلدات فلم يكتب لها البقاء لأنها غير نافعة وفي غيرها عنها كفاية وكم من مؤلف مثل القلقشندى رزق الحظوة في جميع ما كتب كما وقع للمفريزي وياقوت والجاحظ والغزالي والماوردي وابن كتيبة والراغب والمجيدون في توليفهم من المتأخرين قلائل على كل حال بقي إن نسدي أطيب الثناء على عمدة دار الكتب الخديوية لتعهدها العلم الحين بعد الأخر بإحياء مثل هذه المصنفات التي قد يغني الكتاب منها عن خزانة الكتب ويفيد في بث العلم في الدانية والقاصية ما لم تقوم به الخطب والمحاضرات والمقالات المقصورة على زمان معين وفئة معينة وبلد معينة من الأرض نخص بالشكر مديرها ووكيلها وقد أحسن الطابعون بجعل فواصل بين الفصول والأبواب وإنهاء السطر حيث تنتهي الجملة والقطعة ووضع أدوات الفصل الجديدة المعروفة في اللغات الإفرنجية وان كانت أداة التعجب لم تجعل بعض الأحيان في أماكنها إما أغلاط الطبع فأندر في هذين الجزأين من الكبريت الأحمر ورجاءنا إن تزيد العناية في الأجزاء التالية ويشفع أخر الكتاب بفهرس مستوفي مثل فهرس تاريخ مصر لابن إياس طبع دار الكتب الخديوية أو أكثر توسعا منه حتى نباهي بان مصر فاقت أوروبا بمطبوعاتها العربية يكونوا لنا هذا قليل الممتع من أمهات الكتب العلمية الذي جود الطابعون طبعه ووضعه خير عزاء لما يصدر كل أسبوع من مطابع مصر التجارية ونخجل منه إمام أنفسنا دع غيرنا من علماء الأمم الراقية حتى لقد قلت ثقة العلماء المشرقيان بمطبوعاتنا اللهم إلا النادر الفذ ولم يعولوا في مصنفاتهم ونقولهم إلا على ما طبع منها في بلاد الغرب خاصة.
стр. 5885
سجع العماد
ذكر لنا احد الفضلاء بأننا حملنا على العماد الكاتب في الجزء عند كلامنا على سيرة صلاح الدين والاستطراد إلى تبجحه بنثره دون التوسع في حسناته في بلاغته وفصاحته وما كان كلامنا فيه إلا من قبيل الاستطراد وإلا فان سجع العماد مما سار مسير المثل في البلاد ولو كان البحث خاصا فيه وقصرنا في توفيته حقه لتم هذا الحكم من كل وجوهه. وها نحن أولاء نشفع ذاك النقد بنقل شذرات من سجعه البديع وأمامنا من كتبه الفتح القسي وزبدة النصر وهما من الكتب التي باكر المستشرقون إلى تمثيلها بالطبع منذ زمن للاستفادة من مضامينهما العماد الكاتب الاصبهاني أبو عبد الله محمد بن صفي الدين المعروف بابن أخي العزيز من طلبة المدرسة النظامية في بغداد ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير ابن هبيرة ببغداد غزلاه النظر بالبصرة ثم بواسطة فلما توفي تشتت شمل إتباعه ومنهم العماد الذي أقم مدة. كما روى ابن خالكان في عيش منكد وجفن مسهد ثم انتقل إلى دمشق سنة ٥٦٣ فاتصل بصاحبها نور الدين محمود بن زنكي وبصلاح الدين يوسف بن
أيوب وأهل لكتابة الإنشاء قال العماد: فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دراية ولقد كانت مواد هذه الصناعة (أي الإنشاء) عتيدة عنده لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها واتى فيها بالغرائب وكان ينشئ الرسائل
بالعجمية أيضا وبعد وفاة نور الدين اتصل بصلاح الدين فنظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم وكان القاضي الفاضل هو الواسطة في ذلك بينه وبين صلاح الدين وقال أنا لا يمكنني الملازمة الدائمة في كل سفرة وغدا يكاتبك ملوك الأعاجم ولا تستغني في الملك عن عقد الملطفات وحل التراجم والعماد يفي بذلك ولك اختاره وقد عرف في الدولة النورية مقداره واخذ للعماد خط السلطان بما قرره له من شغل. وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية والعماد ملازم للباب بشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم.
قال صاحب وفيات الأعيان وصنف العماد والتصانيف الفائقة من ذلك كتاب جريدة القصر وجريدة العصر جعله ذيلا على زينة دمية الدهر تأليف الخطيري الذي جعل كتابه ذيلا
следующие страницы →