← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

المسافة البعيدة والثاني ماله اهتداء ويعرف بالحمام الهدي وهو المراد هنا وقد اعتنى الناس بشأنه في القديم والحديث واهتم بأمره الخلفاء كالمهدي ثالث خلفاء بني العباس والواثق والناصر وتنافس فيه رؤساء الناس بالعراق لا سيما البصرة فقد ذكر صاحب الروض المعطار أنهم تنافسوا في اقتنائه ولهجوا بذكره وبالغوا في أثمانه حتى بلغ ثمن الفارة منه سبعمائة دينار ويقال انه بلغ ثمن طائر منها جاء من خليج القسطنطينية ألف دينار وكانت تباع بيضة الطائر المشهور بالفراهة بعشرين دينار وانه كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب وانه كان ليمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه ولا العدل من اتخاذ الحمام والمنافسة فيه والأخبار عنها والوصف لأثرها والنعت لمشهورها حتى وجه أهل البصرة إلى بكار بن كتيبة البكراني قاضي مصر وكان في فضله وعقله ودينه وورعه ما لم يكن عليه قاض بحمامات له ثقات وكتبوا إليه يسألونه أن يتولى إرسالها بنفسه وكان الحمام عندهم متجرا من المتاجر لا يرون بذلك باسا. ويطول بنا الكلام إذا أردنا إن نقتبس فصولا من الكتاب لبيان مزيته بين الأسفار الرائقة وقد دل تجويد المؤلف لتأليفه على مبلغه من العلم ووفرة ما كان لديه من كتب الأمهات فأوائل القرن التاسع للهجرة في زمن نسميه دور الفتور ولكن مصر لم تخل في عامة أدوارها بؤسها كأيام نعيمها من إجلاء حكماء تنبتهم تربة النيل وقد لا يشتهرون إلا بعد مماتهم لاتساع القطر والحدس المأثور عن بعض العلماء أحدهم للآخر ولكن العالم الحقيقي تظهر حسناته ولو بعد قرون وكم من مؤلف مثل القلقشندى رزق الحظوة في جميع ما كتب كما وقع المقريزي وياقوت والجاحظ والغزالي والماوردي وابن كتيبة والراغب والمجيدون في توليفهم من المتأخرين قلائل على كل حال بقي أن نسدي أطيب الثناء على عمدة دار الكتب الخديوية لتعهدها العلم الحين بعد الآخر بإحياء مثل هذه المصنفات التي قد يغني الكتاب منها عنه. خزانة كتب ويفيد في بث العلم في الدانية والقاصية ما لا تقوم به الخطب والمحاضرات والمقالات المقصورة على زمان معين وفئة معينة من الأرض ونخص بالشكر مديرها ووكيلها وقد أحسن الطابعون بجعل فواصل بين الفصول والأبواب وإنهاء السطر حيث تنتهي الجملة أو القطعة ووضع أدوات الفصل الجديدة المعروفة في اللغات الإفرنجية وإن كان أداة التعجب لم تجعل بعض الأحيان في أماكنها أما أغلاط الطبع فنادر

стр. 5882

في هذين الجزأين من الكبريت الأحمر، ورجاؤنا أن تزيد العناية في الأجزاء التالية ويشفع آخر الكتاب بفهرس مستوفى مثل فهرس تاريخ مصر لابن إياس طبع دار الخديوية أو أكثر توسعاً منه حتى نباهي بأن مصر فاقت أوروبا بمطبوعاتها العربية ويكون لنا هذا القليل الممتع من أمهات الكتب العملية الذي جود الطابعون طبعه ووضعه خير عزاء لما يصدر كل أسبوع من مطابع مصر التجارية ونخجل منه أمام أنفسنا دع غيرنا من علماء الأمم الراقية حتى لقد قلت ثقة علماء الشرقيات بمطبوعاتنا اللهم إلا النادر الفذ ولم يعولوا في مصنفاتهم ونقولهم إلا على ما طبع منها في بلاد الغرب خاصة. وذكر المقر الشهابي بن فضل الله في التعريفان الحمام أول ما نشا يعني في الديار المصرية والبلاد الشامية_من الموصل وان أول من اعتنى به من الملوك ونقله من الموصل الشهيد نور الدين زنكي صاحب الشام رحمه الله تعالى في سنة ٥٦٥ وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر وبالغوا حتى افرد وله ديوانا وجرائد بأنساب الحمام وقد اعتني بعض المصنفين بأمره حتى صنف فيه أبو الحسن بن ملاعب القواس البغدادي كتابا للناصر لدين الله العباسي ذكر فيه أسماء أعضاء الطائر ورياشه والوشوم التي توشم في كل عضو وألوان الطيور نوما يستحسن من صفاتها وكيفية أفرخها وبعض المسافات التي أرسلت منها وذكر شيء من نوادرها وما يجري مجرى ذلك. وذكر في التعريف أن القاضي محي الدين بن عبد الظاهر صنف فيه كتابا سماه تمائم الحمائم وقال في مسافة الطيران: ذكر ابن سعيد في كتابه جني المحل وجني النحل أن العزيز بمصر ذكر لوزيره يعقوب بن كلس انه ما رأى القراصية البعلبكية وانه يحب أنيراها وكان بدمشق أن يجمع ما بها من الحمام المصري ويعلق في قدر كثير من القراصية فطلع بها إلى العزيز من يومه وذكر أيضا في كتابه المغرب في أخبار المغرب أن الوزير اليازوري المغربي وزير المستنصر الفاطمي وجه الحمام من مدينة تونس من افريقية من بلاد المغرب إلى مصر فجاء إلى مصر وذكر أبو الحسن القواس في كتابه في الحمام أن حماما طار من عبدان إلى الكوفة وان حماما طار من الترناوذ إلى الأبله ونحو ذلك. . وذكر في جملة ما ذكره في تجويد الإنشاء خلو الفكر عن المشوش وصفاء الزمان وقال في هذا: قال أبو تمام الطائي في وصيته لأبي عبادة البحتري مرشدا له للوقت المناسب لذلك:

стр. 5883

تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء وأحفظه أن يختار وقت البحر فان النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء وصفا الدماغ من أكثر الأبخرة والأدخنة وسكنت الغماغم ورقت النسائم وتغنت الحمائم. وخالف ابن أبي الصابغ في اختيار وقت السحر وجنح إلى اختيار وسط الليل اخذ من قول أبي تمام في قصيدته البائية: خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب مفسرا للدجى بوسط الليل محتجا لذلك بأنه حينئذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة ونالت قسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء فيكون الذهن حينئذ صحيحا والصدر منشرحا والبدن نشيطا والقلب ساكنا بخلاف وقت السحر فأنه وإن كان فيه يرق النسيم وينهضهم الغذاء إلا إنه يكون قد انتبه فيه أكثر الحيوانات الناطق وغيره ويرتفع معظم الأصوات ويجري الكثير من الحركات وينقشع بعض الظلماء بطلائع أوائل الضوء وبما انهضم عن بعض الناس الغذاء فتحركت الشهوة لاختلاف ما انهضم منه وخرج من فضلاته فكان ذلك داعيا إلى شغل الخاطر وباعثا على انصراف الهمم إلى تدبير الحدث الحاضر فيتقسم الفكر ويتذبذب القلب ويتفرق جميع الهم بخلاف وسط الليل فانه خال من جميع ذلك. وقال في صفاء المكان: وذلك بان يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات عاريا من المخوفات والمهولات والطوارق وان يكون مع ذلك مكانا واثقا معجبا رقيق الحواشي فسيح الأرجاء بسيط الرحاب غير غم ولا كدر فان انضم إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر من ماء وخضرة وأشجار وإزهار وطيب رائحة كان ابسط للفكر وانجح للخاطر. وقد ذهب بعضهم إلى انه ينبغي خلو المكان من النقوش الغربية والمرائي المعجبة فإنها وان كانت مما ينشط الخاطر فان فيها شغلا للناظر فيتبعه القلب فيشتتاه. ويطول بنا الكلام إذا أردنا نقتبس فصولا من الكتاب لبيان مزيته بين الأسفار الرائقة وقد ذل تجويد المؤلف لتأليفه على مبلغه من العلم ووفرة ما كان لديه من كتب الأمهات في أوائل القرن التاسع للهجرة في زمن نسميه دور الفتور ولكن مصر لم تخل في عامة أدوارها أيام بؤسها كأيام نعيمها من إجلاء حكماء تنبتهم تربة النيل وقد لا يشتهرون إلا بعد

стр. 5884

مماتهم لاتساع القطر أو للحد المأثور عن بعض العلماء احدهم للأخر ولكن العالم الحقيقي تظهر حسناته ولو بعد قرون وكم من مؤلف صنف المائة والمائتين من المجلدات فلم يكتب لها البقاء لأنها غير نافعة وفي غيرها عنها كفاية وكم من مؤلف مثل القلقشندى رزق الحظوة في جميع ما كتب كما وقع للمفريزي وياقوت والجاحظ والغزالي والماوردي وابن كتيبة والراغب والمجيدون في توليفهم من المتأخرين قلائل على كل حال بقي إن نسدي أطيب الثناء على عمدة دار الكتب الخديوية لتعهدها العلم الحين بعد الأخر بإحياء مثل هذه المصنفات التي قد يغني الكتاب منها عن خزانة الكتب ويفيد في بث العلم في الدانية والقاصية ما لم تقوم به الخطب والمحاضرات والمقالات المقصورة على زمان معين وفئة معينة وبلد معينة من الأرض نخص بالشكر مديرها ووكيلها وقد أحسن الطابعون بجعل فواصل بين الفصول والأبواب وإنهاء السطر حيث تنتهي الجملة والقطعة ووضع أدوات الفصل الجديدة المعروفة في اللغات الإفرنجية وان كانت أداة التعجب لم تجعل بعض الأحيان في أماكنها إما أغلاط الطبع فأندر في هذين الجزأين من الكبريت الأحمر ورجاءنا إن تزيد العناية في الأجزاء التالية ويشفع أخر الكتاب بفهرس مستوفي مثل فهرس تاريخ مصر لابن إياس طبع دار الكتب الخديوية أو أكثر توسعا منه حتى نباهي بان مصر فاقت أوروبا بمطبوعاتها العربية يكونوا لنا هذا قليل الممتع من أمهات الكتب العلمية الذي جود الطابعون طبعه ووضعه خير عزاء لما يصدر كل أسبوع من مطابع مصر التجارية ونخجل منه إمام أنفسنا دع غيرنا من علماء الأمم الراقية حتى لقد قلت ثقة العلماء المشرقيان بمطبوعاتنا اللهم إلا النادر الفذ ولم يعولوا في مصنفاتهم ونقولهم إلا على ما طبع منها في بلاد الغرب خاصة.

стр. 5885

سجع العماد ذكر لنا احد الفضلاء بأننا حملنا على العماد الكاتب في الجزء عند كلامنا على سيرة صلاح الدين والاستطراد إلى تبجحه بنثره دون التوسع في حسناته في بلاغته وفصاحته وما كان كلامنا فيه إلا من قبيل الاستطراد وإلا فان سجع العماد مما سار مسير المثل في البلاد ولو كان البحث خاصا فيه وقصرنا في توفيته حقه لتم هذا الحكم من كل وجوهه. وها نحن أولاء نشفع ذاك النقد بنقل شذرات من سجعه البديع وأمامنا من كتبه الفتح القسي وزبدة النصر وهما من الكتب التي باكر المستشرقون إلى تمثيلها بالطبع منذ زمن للاستفادة من مضامينهما العماد الكاتب الاصبهاني أبو عبد الله محمد بن صفي الدين المعروف بابن أخي العزيز من طلبة المدرسة النظامية في بغداد ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير ابن هبيرة ببغداد غزلاه النظر بالبصرة ثم بواسطة فلما توفي تشتت شمل إتباعه ومنهم العماد الذي أقم مدة. كما روى ابن خالكان في عيش منكد وجفن مسهد ثم انتقل إلى دمشق سنة ٥٦٣ فاتصل بصاحبها نور الدين محمود بن زنكي وبصلاح الدين يوسف بن أيوب وأهل لكتابة الإنشاء قال العماد: فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دراية ولقد كانت مواد هذه الصناعة (أي الإنشاء) عتيدة عنده لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها واتى فيها بالغرائب وكان ينشئ الرسائل بالعجمية أيضا وبعد وفاة نور الدين اتصل بصلاح الدين فنظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم وكان القاضي الفاضل هو الواسطة في ذلك بينه وبين صلاح الدين وقال أنا لا يمكنني الملازمة الدائمة في كل سفرة وغدا يكاتبك ملوك الأعاجم ولا تستغني في الملك عن عقد الملطفات وحل التراجم والعماد يفي بذلك ولك اختاره وقد عرف في الدولة النورية مقداره واخذ للعماد خط السلطان بما قرره له من شغل. وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية والعماد ملازم للباب بشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم. قال صاحب وفيات الأعيان وصنف العماد والتصانيف الفائقة من ذلك كتاب جريدة القصر وجريدة العصر جعله ذيلا على زينة دمية الدهر تأليف الخطيري الذي جعل كتابه ذيلا

стр. 5886

على دمية القصر للباخرزي والباخرزي جعل كتابه ذيلا على يتيمة الدهر للثعالب وهذا جعل كتابه ذيلا على كتاب البارع لهرون بن علي المنجم وكتاب العماد في عشر مجلدات وصنف كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات وكتاب الفتح القسي في مجلدين وكتاب السيل على الذيل جعله ذيلا على الذيل لابن السمعاني وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات ونفسه في قصائده طويل وله ديوان صغير جميعه دونيت وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاضرات لطاف. توفي سنة ٥٩٧بدمشق. وسجع العماد الكاتب وان كتب إليه الوزير ضياء الدين بن الأثير صاحب المثل الثائر: وكيف لا يكون ذلك وقلمها هو يراع الذي نفثت الفصاحة في روعة وكمنت الشجاعة بين ضلوعه فإذا قال أراك كيف تنسق الفرائد في الأجياد وإن قال ذلك فهو كلام الأخ لأخيه والسجع كان من مألوفات تلك الأيام وابن الأثير كان مسجع أيضا فن كلام العماد لا يخلو من تخلف مهما تمثلنا قال القلشندي في صبح الأعشى فيما يكون حسن السجع وقبحه: منها إن يكون السجع بريء امن التكلف خاليا من التعسف محمولا على مايأتعي به الطبع وتبديه الغريزة ويكون اللفظ فيه تابعا للمعنى بان يقتصر من اللفظ بما يحتاج إليه في المعنى دون الإتيان بزيادة أو نقص بسبب السجع دون المعنى خرج السجع عن حيز الذم ومنها إن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة لا غثة ولا باردة مونقة المعنى حسنة التركيب غير قاصرة على صورة السجع الذي هو تواطؤ الفقر فيكون كمن نقش أثوابا من الكرفس أو نظم عقدا من الحرز الملون: قال في المثل الثائر وهذا مقام نزل عنه الأقدام ولايستطيء إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد قال ومن اجل ذلك كان أربابه قليلا ولولا ذلك كان كل أديب سجاعا إذا ما منهم من احد إلا وقد يتيسر عليه تأليف ألفاظ مسجوعة في الجملة. وها قد إن أوان نقل فصول من كلام العماد بيانا لمنزلته في النثر وتجليه في حلبة البيان قال في مقدمة الفتح القسي: هذا كتاب أسهمت فيه بين الأدباء الذين يتطلعون اللي الغرر المتجلية وبين المستخبرين الذين يستشرفون إلى السير المتحلية. يأخذ الفريقان منه على قدر القرائح والعقول. . . ويكون حظ المستخبر أن يسمع والأديب إن يقول. فان فيه من الألفاظ ما صار معدنا من معادن الجواهر التي نولدها (انظر إلى هذه الدعوى التي لا تفوقها إلا دعوى الوزير ابن الأثير

стр. 5887

صاحب المثل السائر) ومن غرائب الوقائع ما صار به لسانا من السنة العجائب التي نوردها وإنما بدأت بالتاريخ به لاستقبال سنة ثلث وثمانين وخمسمائة لان التواريخ معادها إما إن تكون مستحقة من بدء نشأة البشر الأولى راما مستحقة بمعقب من الدول الأخرى فلا امة من الأمم ذوات الملل. وذوات الدول. إلا ولهم تاريخ يرجعون إليه. ويعولون عليه. ينقله خلفها عن سلفها وحاضرها عن غابرها تقيد به شوارد الأيام وتنصب به معالم الأعلام ولولا ذلك لانقطعت الوصل وجهلت الدول ومات في أيام ذكر الأول. ولم يعلم الناس أنهم لعلاقة الثرى. وأنهم نطف في ظلمات الأصلاب طويلة الثرى. وان أعمارهم مبتداه من العهد الذي تقادم لأدم وقد اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم أراده من ظهورهم. فليعلم المرء قبل انقضاء عمره وقبل نزول قبره ما استبعده أهل الطي من حقيقة الشر. وتقبل في واحدة من الأطوار شهادة عشر. فقد قطع عمرا بعد عمر. وسار دهرا بعد دهر. وثوى والشر في ألف قبر. وإنما كان من الظهور في ليل إلى إن وصل من العيون إلى فجر ولولا التاريخ لضاعت مساعي أهل السياسات الفاضلة. ولم تكن المدائح بينهم وبين المذام هي الفاضلة. ولقد الاعتبار بمسالة العواقب وعقوبتها. وجهل ما وراء صعوبة الأيام من سهولتها وما وراء سهولتها من صعوباتها فأرخ بنو ادم بيومه. وكان أول من اشترى الموت نفسه وقاع النزع مقام سومه. ثم أرخ الأولون بالطوفان الذي بلل الأرض وأغرقها ثم بالعام الذي بلبل الألسن وفرقها وأرخت الفرس أربعة فإليه ترجع الفرس تواريخ لأربع طبقات من ملوكها أولهم كلشاه ومعنى هذا الاسم ملك الطين فإليه ترجع الفرس بأنسابها وعليه ينسق عقد حسابها وهي الآن تؤرخ بيزجرد أخر ملوكها وهو الذي بزه الإسلام تاج إيوانه وأطفئ نور الله بيت نيرانه وأرخ اليونان من فيلبس أبي لاسكندر والى قلوبطرة أخرهم وهؤلاء المسمون بالحفاء وهم الصابئون وأرخ اليهود بأنبيائهم وخلفائهم وبعمارة البيت المقدس وبخرابه على ما اقتضاه نقل أوائلهم وآبائهم وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة فكانت حمير تؤرخ بالتابعة ممن يلقب يذو ويسمى بفيل وكانت غسان تؤرخ بعام السد حين أرسل الله عرم السيل وأرخت العرب اليمانية بظهور الحبشة على اليمن ثم بغلبة الفرس عليه وأرخت معه بغلبة جرهم للعماليق وإخراجهم عن الحرم ثم أرخو بعام الفساد وهو عام وقع فيه بين قبائل العرب تنازع في الديار فنقلوا منها

стр. 5888

وافترقوا عنها ثم أرخوا بحرب بكر وتغلب ابني وائل وهي حرب البسوس وثم أرخوا بحرب عبس وذبيان ابني بغيض وهي حرب داس والغبراء وكانت قبل المبعث بستين سنة ثم أرخوا بعام الخنان قال النابغة الذبياني: فمن بك سائلا عني فإني ... من الفتيان في عام الخنان وأرخوا بعدة من مشاهير أيامهم وأعوامهم بعام المخانق وعام النائب ويوم ذي قار وبحرب الفجار وهي أربع حروب ذكرها المؤرخون وأسندها الراوون وأدنى ما أرخوا به قبل الإسلام بحلف الفضول منصرف قريش من الفجار الرابع وبحلف المطيبين وهو قبل حلف الفضول ثم بعام الفيل وهو الجار ذو القربى لتاريخ الإسلام وخرجت إمام الجمعة فطويت الصحف وجفت الأقلام واظهر الله على الأديان الدين القيم ونسخ تاريخ الهجرة كل تاريخ متقدم. وقال في مفتتح فصل في ذكر ما جرت عليه حال الفرنجة في خروجهم من القدس وشرع الإفرنج في بيع الأمتعة واستخراج ذخائرهم المودعة وباعوا بالمجان في سوق الهوان وتقاعد الناس بهم فابتاعوا بأرخص الإثمان وباعوا بأقل من دينار كل ما يساوي أكثر من عشرة. وجدوا في ضم الذهبيات والفضيات من الأواني والقناديل والحريريات والمذهبات من الستور والمناديل ونقضوا من الكنائس الكمائن واستخرجوا من الخزائن والدفائن وجمع البطرك الكبير كل ما كان على القبر من صفائح التبر ومصوغات العسجد ومصنوعات اللجين وجميع ما كان في قمامة من الجنسين والنسيجين فقلت للسلطان هذه أموال الكنائس والأديار فلا تتركها في أيدي هؤلاء الفجار فقال إذا تأولنا عليهم نسبونا إلى القدر وهم جاهلون بسر هذا الأمر فنحن نجريهم على ظاهر الأمان ولا نتركهم يرمون أهل الإيمان بنكث الإيمان بل يتحدثون بما أفضناه من الإحسان فتركوا ما ثقل وحملوا ما عز وخف وتفضوا من تراب تراثهم وقمامة قمامتهم الكف وانتقل معظمهم إلى صور وكتفوا بالديجور الديجور وبقي منهم زهاء خمسة عشر ألفا امتنعوا عن مشروع الحق فاختصوا بمشروط الرق فإما الرجال وكانوا سبعة ألاف فأنهم ألفوا ذلا لم يكونوا آه بآلاف فاقتسمتهم أيدي سبا وتفرق الغانمون بجمعهم في الزهاد والربا وأحصيت النساء والصبيان ثمانية ألاف نسمة عادت بيننا مقتسمة وأصبحت ببكائها وجوه الدولة مبتسمة.

стр. 5889

وأنت ترى انه لو رفعت بعض الأسجاع من هذا الفصل البادي التكلف عليه لأصبحت عبارة العماد من السهل الممتنع ولكنه تشبث بأذيال هذه الصناعة واثر التصنيع الصعب المنقادة على الطبع السلس. وقال من فصل أخر وسار السلطان ومعه عماد الدين زنكي وسيفه بصقله يضحك وبدم الكفر يبكي ومظفر الدين كوكبوري وهو الذي حين يواري صارمة في نجيع العدى لزند الظفر يوري وصحبه من فرسان العرب كل فارس معرب ومن شجعان الأكراد كل فاتك مخرب ومن فتاك الأتراك كل قصور قاصر ومن صيد الصناديد كل كسروي كاسر وكل كمي كميش واكديش على اكديش وقارح على قارح وخضم على سابح وجرى جار جارح وبهمة وبطل وجبل على جبل وفحل على فحل وذمر نكل وورد على ورد ومرد على جرد وحلس على حلبس وباشر بالموت معبس واهيس اليس واحمى أحمس ووغشمشم همام وأيهم مقدام وباسل ذي باس وعاسل عاس ورئبال على رئبال ومشتمل على شمال وبحر على بحر وصقر على صقر وركبوا سلالهم وجنبوا جنائنهم وجروا على الساحل سيولا وجروا بالذوابل ذيولا وطارابليس طرابلس بخوا في الخوف ودام الجوى في رعب أهلها بدم الجوف وما سار إلا من خف في نهضته ونهض بخفته وأحسن حصن الأكراد بالا كدار وصفت على صافيتا بوارق البوار وقطع عرق عرقا وعقرت وتعرت العريمة وتعرقت ومزعت تلك الأعمال ومزقت وأرهقت وأزهقت ونفرت أنفارها وبقرت أبقارها وملئت بالدوائر ديارها وسيقت مواشيها وحشيت بالنيران أوساطها وحواشيها. وفي كتاب الفتح القسي فصول اشد إيغالا من هذا التكلف الذي اقتبسنا نموذجا منه للتعريف بأسلوب هذا الكاتب وله أيضا في زبدة النصرة ونخبة العصر الذي اختصره الفتح البندري ونشه الأستاذ هو تسما الهولندي المستشرق الشهير لأول مرة في الغرب قال في بداية حال السلجوقية وهم أتراك كانت السلجوقية ذوي وعدد وأيد ويد لا يدينون لأحد ولا يدنون من بلد وميكائيل بن سلجق زعيمهم المبجل وعظيمهم المفضل وقد سكنوا من إعمال بخارا موضعاً يقال له نور بخارا وما زالوا في انصر شيعة وأنضر عيشة وهم في الرعي يكلئون الكلأ وفي الريع يملئون الملأ لا يذعر داعر ولا يردعهم رادع والسلاطين يرعونهم للملمات ولا يرعونهم ويدعونهم للمهمات ولا يدعونهم حتى عبر عب السلطان يمين الدولة محمود

стр. 5890

بن سبكتكين إلى بخارا المساعدة قدر خان فرأى مكيال مكيائيل بحصا الحصافة معيرا وصاع مصاعه بباسل البسالة موفرا فرغب في استغرابه وانجذب إلى اجتذابه وأراد إن يعبر إلى خراسان به وبأهله ويكنف أكنافها الذي الحفظ والحفيظة بنبله ونبله وامتنع ميكائيل عليه ومال عنه ولم يمل إليه فغاظ السلطان تمنعه فقبضه واعتقله وعبر به وبأصحابه إلى خراسان ونقله وقال له ارسلان الحاجب أني أرى في أعين هؤلاء عين الهول وأنهم لمعروفون بالجرأة والقوة والحول والرأي عندي إن تقطع إبهام كل من تعبره منهم ليؤمن ضره ولا يخاف شره فما قبل خطابه في هذا الخطب وقال له انك لقاسي القلب فلما أقاموا في خراسان تقربوا إلى عميدها أبي سهل احمد بن الحسن الحمدوني وأهدوا إليه ثلثه أفراس مختلية وسبعة أجمال بخطية وثلاثمائة رأس غنم تركية وهداه إقبالهم إلى قبول الهدية وكانوا سألوه إن بمرجهم في المروج ويسد بمواشيهم محارم تلك الفروج فعين لهم مروج دندلقان فقاربها وما قاربها وتحاكماها من عداهم وجانبها وتوفي محمود بن سبكتكين وهو كاره لأمرهم مثفق من وميض جمرهم مستشف ستر القضاء في قضية شرهم وجد أبو سهل الصعب فيهم سهلا. واتخذهم لارتفاقه بهم صحبا وأهلا ونفذ مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرا من غزة إلى خراسان فواقعهم وقتل منهم عدة واسر منهم جماعة حملهم إلى غزة منهم يبغوا إلى خراسان فاستعطفوه فلم يعطف واستسعفوه فلم يسعف ولما غلق رهنهم وتوثق شربوا كاس اليأس وأبدلوا إيناس الناس بايحاش الحاشية ومشى شحنة طاس لاستياق ما لهم من ماشية واستلان خشونتهم واستسهل صعوبتهم ولما ظن انه أب بالغنم والغنيمة وباء بعز العزيمة ركبوا إليه صهوات الخنق وصرفوا نحوه أعنة الخيبة والعنق حتى لقوه فتركوه لقي وتبعوا المنهزمين ودخلوا إلى طاس فملكوها وجاسوا خلال ديارها وسلكوها وتشاوروا في ما بينهم وقالوا هذا بحر خضناه وفتح ابتكرتاه وطاس مدينتنا التي تؤوينا وحصننا الذي يحمينا فلا نفرج عنها ولا نخرج منها وشرع أبو سهل الحمدوني في إدراك ما فرط واستمساك ما اخبط وكادوا يجيبونه بالجميل ويحملون في الجواب ويميلون بما لأته إلى صوب الصواب فتسرع شحنة نيسابور وتعسر وجند وعسكر وشن على سرحهم غارة على غارة ونهض لمنفعة نهضت بمضرة فركبت السلجوقية إليه والى جماعته إرسالا ونبشوا معهم وشبوا قتالا وهزموهم وكسروهم وقتلوهم وأسروهم وامتدوا

стр. 5891

إلى نيسابور فدخلوها ووجدوا في خلوها فرصة فاهتبلوها وذلك في شهر رمضان سنة ٤٢٩ وعزموا على مد يد ونهب البلد فمنعهم طغرليك محمد بن ميكائيل بن سلجق وهو أميرهم وكبيرهم وقال لهم نحن في شهر حرام لأنهتك عصمته ولا يحصل من النهب ارب وإنما يسوئنه السمعة ويشيع الشنعة فنفرت جماعته من مقاله وسخفوا رأيه في تبيين حرام الفعل وحلاله. إلى إن قال واستولوا على خراسان وتجاوزوها إلى العراق وطارا على ملك الديلى ورموه بالصليم وغلوا الأملاك وبلغوا الأفلاك واقتسموا البلاد وطرفوا إطرافها والبلاد قال وهذه السنة (٤٣٧) هي أول سنة ورد فيها الأتراك (السلجوقيين) إلى العراق وانتشروا منها في الأفاق ثم قال وأجفل الملوك من خوف إقدامهم وتنحوا من طريق ضرامهم فما جاؤوا إلى بلدة إلا ملكوا مالكها وملئوا مسالكها وأرعبوا ساكنيها واسكنوها الرعب وغلبوا ولاتها وولوها القلب وازوروا إلى الزوراء وأشاعوا مد اليد بالغارة الشعواء وقال في ظهور الإسماعيلية فنابت نوائب وظهرت العجائب وفارق الجمهور بيننا جماعة نشئوا على طباعنا وكالوا بصاعنا وكانوا معنا في المكتب واخذوا حظا وافرا من الفقه والأدب وكان منهم رجل من أهل الري وساح في العالم وكانت صناعته الكتابة فخفي أمره حتى ظهر وقام فأقام من الفتنة كل قيامه واستولى في مدة فريبة على حصون وقلاع منيعة وبدأ من القتل والفتك بأمور شنيعة وخفيت عن الناس أحوالهم ودامت حتى استتب على استتبا بسبب لن لم يكن للدولة أصحاب أخبار وكان الرسم في أيام الديلم ومن قبلهم الملوك أنهم لم يخلوا جانبا من صاحب خبر وبريد فلم تخف عنهم أخبار الأقاصي والداني وحال الطائع والعاصي حتى ولي في الدولة السلجوقية ألب ارسلان محمد بن داود ففاوضه نظام الملك في هذا الأمر فأجابه انه لا حاجة بنا إلى صاحب خبر فان الدنيا لا تخلو كل بلد فيها من أصدقاء لنا وأعداء فإذا نقل إلينا صاحب الخبر وكان له غرض اخرج الصديق في صورة العدو والعدو في صورة الصديق فاسقط السلطان هذا الرسم لأجل ما وقع لهم من الوهم فلم يشعر إلا بظهور القوم وقد استحكمت قواعدهم واستوثقت معاقدتهم وأخافوا السبل وأجالوا على الأكابر الأجل وكان الواحد منهم يهجم على كثير وهو يعلم انه يقتل فيقتله غيلة ولم يجد احد الملوك في حفظ نفسه منهم حيلة فصار الناس فيهم فريقين فمنهم من جاهرهم

стр. 5892

بالعداوة والمقارعة ومنهم من عاهدهم على المسالمة والموادعة فمن عاداهم خاف من فتكهم ومن سالمهم نسب إلى شركهم في شركهم وكان الناس منهم على خطر عظيم من الجهتين فأول ما بدؤوا بقتل نظام الملك ثم اتسع الخرق وتفاقم الفتق ولما أكنوا تجمعوا من كل صنف تطق إلى جميع أصناف الناس التهم ودب البري السقم وتوفرت على التوفي الهمم. هذه هي انموذجات من سجع العماد ولعل في ذلك فائدة لمن يحب هذه الطريقة ولكنها صعبة لا تنتج في هذا العصر الذي أصبح فيه المعاني قبل المباني.

стр. 5893

احمد فتحي باشا زغلول رزئت مصر بل البلاد العربية برجل نافع في نهضتها العلمية والاجتماعية والفضائية ونعني به المرحوم احمد فتحي باشا زغلول من رجال الفضاء في مصر رفعه عمله إلى المناصب العالية وكتب له عمله درجة سامية بين العلماء بما ألف وعرب توفاه الله عن نحو خمسين عاما في القاهرة وكان من الرجال العاملين الذين يصرفون فضل أوقاتهم في التعريب والتأليف وجميع ما عربه وألفه من الكتب الاجتماعية والحقوقية يدل بعد غوره وانه لا ينشر للناس إلا المفيد فأول كتبه التي نشرها كتاب أصول الشرائع لبنثام الانكليزي عربه عن بالافرنسية في مجلدين لطيفين ثم عرب كتاب خواطر وسوا نح في الإسلام للكونت هنري دي كاستري ثم كتاب سر تقدم الانكليز السكسونيين لادمون ديمولان وهذا اشتهر كثيرا واثر وأي اثر في نفوس كل من طالعوه وترجم أيضا كتاب روح الاجتماع للفيلسوف كوستاف لوبون صاحب كتاب حضارة العرب وكتاب سر تطور الأمم لذاك الفيلسوف أيضا وألف من الكتب كتاب المحاماة وكتاب شرح القانون المدني. احتفل رجال العلم والقضاء والحكومة في مصر في أوائل شهر حزيران من السنة الفائتة في مقر الجامعة المصرية بالعالم فتحي باشا على اثر نشره كتاب شرح القانون المدني فتليت خطب كثيرة في إعماله وقدمت له نسخة مجلدة تجليدا مذهبا من كل كتاب ألفه ورسالة شكر وقع عليها المحتفلون. وفي التاسع من أيار هذه السنة احتفل طائفة من رجال العاصمة المصرية يوم الأربعين من وفاته بتأبينه وتعداد بيض أباد به علي العلم والقضاء وذلك في الأوبرا الخديوية بحضور جمهور كبير من العلماء والفضلاء والشعراء والوزراء والوجهاء فتقدم حسين رشدي باشا رئيس النظار ورئيس لجنة الاحتفال إلى مكان الخطابة وتلا خطبة ثم قام بعده عبد الخالق باشا ثروت ناظر الحقانية والقي خطبة رنانة ثم تلاهما الشيخ محمد الخضري وكيل مدرسة القضاء الشرعي والقي خطبة بليغة عن بعض ما يعرف عن الفقيد من النبوغ فيما اشتغل معه فيه من الأمور الشرعية ثم تلاه محمود بك أبو النصر المحامي نائبا عن المحاماة فصور للناس احمد فتحي زغلول باشا وحيد زمانه في الخطابة والكتابة والتأليف والتعريب وفضائل النفس وسمو الأخلاق ثم تلاه حسن بك عبد الرزاق المحامي نائبا عن الجمعية الخيرية الإسلامية فمثله في بره بالفقراء وعطفه على المعوزين ثم قام على أثره احمد بك لطفي السيد مدير الجريدة نائبا عن الصحافة والأدب

стр. 5894

فأتى على تاريخ الفقيد وسر نبوغه وإغراضه الكامنة في صدره منذ نعومة إظفاره في المبادئ السياسية والاجتماعية والتشريعية. وبعد إن أتم الخطباء خطبهم تقدم محمود بك نبيه المصري والقي مرثيه وتلاه الشيخ عبد الوهاب النجار المدرس بمدرسة البوليس قارئا لقصيدة الشيخ عبد المحسن الكاظمي شاعر العراق التي أجمل فيها العزاء لكل مصاب بهذا الفقيد سواء في مصر أو غيرها. ثم تلاه الشيخ عبد المطلب المدرس بمدرسة القضاء الشرعي فاسترق النفوس بما أودعه في قصيدته من الحقائق عن الفقيد العزيز ثم قام بعده خليل أفندي مطران فالقي قصيدة بليغة. وبعد ذلك هم سعد زغلول باشا شقيق الفقيد ومن كبار رجال مصر إلى مكان الخطباء ليقدم بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن عائلته الحزينة شكره للأمة المصرية على ماجبرت من خاطرهم فخانته قواه وارتج عليه باب القول ففاضت عبراته وقال كلمة متقطعة في ذلك. فما قاله رئيس النظار وهو من نبغاء مصر في العلم والقضاء أيضا: فان كنتم قد اجتمعتم اليوم مدفوعين بما عليكم الوجدان بتمجيد ذكراه وتعداد مناقبه ومآثره فإنما انتم تدلون بعلمكم هذا على ما كان للفقيد من المكانة الرفيعة في نفوسكم وعلى إنكم تعرفون أقدار الرجال. اشتغلت أنا والفقيد في نظارة الحقانية زمانا طويلا كان فيه ساعدي اليمين، وكان لي نعم المعين. واليتني كنت افتتح اليوم هذه الحفلة لا لتأبينه بل لتكريمه حيا ومستمرا على تأدية خدمة الجليلة لوطنه فانه والحق يقال كان من اكبر مظاهر الرقي العقلي في وادي النيل. وقال ناظر الحقانية وهو من رجال العلم والقضاء أيضا: إلا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل باطل هذه الدنيا بما فيها واكبر باطل فيها الحياة كالبرق خلاب بشدة السنا فإذا الظلام في عقبه أو ادني. وقلما يفكر الأحياء في هذه الحقائق الوهاجة أو يتدبرها إلا إذا مضى رجل منهم كبير بعمله كبير بآثاره. لمثل ذلك اجتمع هذا الجمع. اجتمع بذكر رجلا كبيرا قضى نخبه لا حتف انفه ولكن في جهاد عظيم وقتال كبير وليس لعمري دمه إلا ذلك المداد الغزير الذي أجراه سيف القلم على صفحات المصنفات التي أفاء الله بها عليه من المعرب والمنشأ أريد المرحوم احمد فتحي زغلول. ليس أدل على إن هذا الرجل نابغة من اعتراف فضلاء الأمة له بالفضل ولا تزال

стр. 5895

وأصواتهم ترن في أذاننا لقرب عهدنا باجتماعهم تكريما له وإجلالا لإعماله. احتفلوا بالأمس بفضله واجتمعنا اليوم لتأبينه لا غرابة فالعواصف لا تصيب إلا الأشجار الباسقة والصواعق لا تنقض إلا على ما تسامى فوق الناس إلى السماء والموت نقاد على كفه ... جواهر يختار منها الحسان توفي المرحوم فتحي باشا ولو إن للهمة شفاعة أو لو إن العزيمة تقبل عدلا لكان أول الخالدين ولكن هذا أمر الله ولا راد لما قضى. لو أردت إن أو في الرجل حقه من الوصف لما وسعني وقت ولما استغنيت بقلمي ولساني وحسبه ﵀ السنة الخلق وأقلام الحق فقد وضعوه الموضع الذي هو به جدير. لقد كان في كل ميدان فرس رهان - كان كما يقولون رجلا جامعا رجلا عموميا نبغ في المعقول والمنقول معا ومعه الأدب الجم تزينه البلاغة ويزنه المنطق الصحيح إلى العلم الغزير تثبته الحنكة وتؤيده قوة العارضة إلى صفات نادرة في تصريف الأمور. كان كاتبا يرقص الأرواح بكتابته طربا وخطيبا لو قام بين وحوش علم الضاريات بر النقاد. كانت له باع طولي وذوق سليم في كل شيء يجمع إلى هذا كله شغفا غريبا بحسن التنسيق والتنظيم وليس على الله بمستنكر ... إن يجمع العالم في واحد ليس من قصدي إن اشرح حياة الرجل كلها فهذا ما ليس لي فيه مطمع وإنما أردت إن اذكر ما يحتمله المقام من ذلك. أردت إن يعرض قومه جنوده التي جاهد بها وعدد التي اعتد بها - كما تعرض الجيوش في لحظة ليتعرفوا. لم؟ لان لقوته صلب المعضلات واستقامت لغمزته قناة المشكلات. . . وبعد إن أجمل حياته القضائية حتى أصبح وكيلا لنظارة الحقانية وكانت هذه أخر عهد له بالوظائف قال: لست أبالغ إذا قلت إن جهاده في عام من أعوامها يقصر دونه جهاد رجال في أعوام. لم يقتصر همته على أعمالها الكثيرة العظيمة بل كنت تجده عاملا في كل شان من الشؤون العامة. له في نظارة الحقانية فضل المشاركة والمعاونة في وضع كل القوانين التي وضعت في عهده وهي كثيرة وفي الدرجة الأولى من المكانة واليه وحده يرجع الفضل كله في وضع

стр. 5896

قوانين المحاكم الشرعية التي يدعم عليها نظامها الحالي ولولا همته التي لا يعتريها الإكلال لما كانت الآن تلك المحاكم إلا كما كانت عليه قبل نظامها الحالي وكذلك كانت له اليد البيضاء والفضل الأول في النظام الحالي للمعاهد الدينية فان الجناب العالي لما توجهت أنظاره الكريمة إلى إصلاح تلك المعاهد عهد في وضع نظام جديد لها إلى لجنة الفت تحت رئاسة الفقيد ومعه زميلي صدقي باشا ناظر الزراعة ومنى واني لأؤدي دينا علي وعلى زميلي باعترافي الآن على هذا الملأ بان فتحي باشا ﵀ هو وحده صاحب الفضل في كل ما وضع من النظامان الجارية عليها الآن هذه المعاهد لم تنته تلك الأعمال الكثيرة والمشاغل الجمة وقد أضنت جسمه وأضعفت قوته عما عود عليه أمته من خدمتها بالتأليف والتعريب وكان عهدها نفث هذا القلم القادر البليغ هذا المصنف الجليل الذي وضعه في شرح القانون المدني. حياة كلها جهاد وعمل لم يؤت فيها عقله وجسمه قسطهما من الراحة مدفوعا إلى ذلك بعوامل فطرته مغالبا نواميس الطبيعة. وخطب احمد لطفي بك السيد قال: إن شدة الذكاء وقوة النفس وحسن الإخلاص تلك الصفات التي ظهرت أثارها على فتحي باشا منذ شبابه الغض راجع معظمها إلى التأثير الوراثي من أبوابه وعلى الأخص والدته التي أفاضت عليه من صفاتها بما يفيض الأصل على الفرع وبما تعهدت أمره في التربية الأولى وما غرست فيه من المبادئ الصالحة مما جعل لفتحي شخصية ممتازة منذ صباه. لا يأخذكم العجب من قولي فان من أمهاتنا نحن القرويون من هن مع بساطة في المدارك العقلية وبعد عن المغلوب والمعارف على جانب عظيم من الذكاء الفطري ورفعة الأخلاق وعزة النفس وذوق الرفيع في الحكم وطيبة وتقوى في المعاملات ينقلن هذه الصفات لأبنائهن بحكم القانون الانتقال الوراثي فتكون لهم رأس مال في الحياة العملية ولولا هذه الصفات لهلك القرويون غير المتعلمين بما هم فيه من جهل عميق وما عانوا من استبداد طويل ولكن هذه الصفات الأولية قد قامت في نجاحهم مقام المعارف زمنا طويلا ولا يزال الاتكال عليها وحدها يؤدي إلى الآن نتائجه المتعارف في بلادنا فإذا جاءت العلوم والمعارف على هذه الصفات الأولية ظهر النبوغ قلة وكثرة تبعا لقوة الاستعداد أي لقوة تلك

стр. 5897

الصفات الوراثية فللأمهات القرويات إن يقبلن أيضا شكر الجيل الحاضر علينا إن نعترف علنا ومن غير تردد بما للأمهات من المكانة العظمى من حيث توريث البنين والقيام على تربيتهم الأولى وأمامنا المثل الحسي أن والدة فتحي باشا ينسب إليها الفضل الأكبر في أن أخرجت لمصر نابغين نرجو له العمر الطويل ونابغة فقدناه إسفين فقدناه ونقدم اليوم للتاريخ منه صورة هي أقوم صور نوابغنا حجة لحسن الاستعداد وعلو الكفاءة العلمية والعملية جميعا. قال: أن فتحي باشا كان رجل ارتقاء لا رجل ثورة - أنه كان يكره الثورة - بعد سن الرجولة بالضرورة يكرهها بكل مظاهرها حتى الفكرية منها فكما انه كان يرى إن الخير القوانين ليس هو القانون الحسن في ذاته ولكنه القانون الذي يحتمل الشعب تطبيقه كذلك كان يرى إن خير المبادئ الاجتماعية والسياسية هو ما كان بينه وبين طبائع الشعب وعاداته نسب تكمل ما فيها من اعوجاج. ويكتب ينالا يكاد يفارقه حتى يناديه الصبح من كثب لا ملل ولا سأم، تلك لذته ربها غرامه لا يزيده عذل العاذلين فيها إلا ولوعاً وربما أدرك سماره الإكلال وتشابهت عليهم وجوه الكلام وهو حديد الذهن كبير النفس ماضي العزيمة. ولم يكن سمره ولا عمله إلا فيما يرضي ضميره من كتاب يؤلف أو يترجم أو عمل صالح يقدم للجمهور من أمته. وقد ظهر لنا علو كعبه في حب الخير بما قام به في شأن الأزهر المعمور تلك المدرسة العظيمة التي بصلاحها يصلح عالم كبير من هذه الأمة إلى أن قال: ثم وضع بعد ذلك مشروع القانون الأخير ونماذج التعليم في العلوم المختلفة وقد كان عند وضعه واسع الأمل يريد للأزهر أن يكون فوق هامة المدارس وأن تكون مصر به فوق هامة البلاد الإسلامية كافة كما كان لها ذلك فيما مضى من الأزمان. وقد حاز هذا التقرير قبولاً لدى الجناب العالي الخديوي فصدر أمره الكريم أن يجري العمل به. ألف مجلس الأزهر الأعلى من ستة تعينهم وظائفهم ومن ثلاثة اختيروا الصلاح. أمر التعليم ومارس تشريع القوانين وتنفيذها وكان الفقيد أحد هؤلاء الثلاثة فسار في أمره سيرة رجل ينشد الإصلاح ويحث عليه فكنا نراه مهتماً بإنفاذ هذا القانون باذلاً جهده في علو شأن الأزهر والأزهريين كما يبذل الرجل جهده في تثقيف ولده وتقويم أوده يحب العامل ويثني عليه ويكره الكسول وينفر منه، يسوس النافر ويستجلب الشارد حتى لان له الأبي ورضي

стр. 5898

عنه الناس بعد أن علموا إخلاصه وتفانيه فيما يصلح شأنهم ويرقي جامعتهم. وقد سار الأزهر بتلك الهمة الشماء شوطاً بعيداً في طريق السداد والصلاح. وكما يتوجب الوفاء علينا أن نذكر لفقيدنا هذا الأثر الخالد نذكر له مواقفه في إصلاح المحاكم الشرعية فما من قانون أو لائحة وضعت لنظام هذه المحاكم وانتشالها من وهدتها إلا كانت له اليد الطولي في وضعها وإنفاذها، كان ينظر نظراً دقيقاً إلى ما هذه المحاكم من التأثير في حال الأسر المصرية الإسلامية والوصول بها إلى شيء مما تطلبه لها من النظام والاستناد على دعامة متينة وكان يرى والحق ما يرى أن الأمة لا يتم تكونها ولا ترتقي جماعتها إلا إذا اطمأنت الأسرة وأمن القرينان اللذان هما عمادها خطر الظلم وامتداد الآجال عند التقاضي إذا لم يكن منه بد تأصل هذا في نفسه فكان يرى صلاح هذه المحاكم من أول واجبات المفكرين والعاملين المخلصين فكان ينتهز الفرصة السانحة لإدخال كل نظام يسهل على المتقاضين حاجتهم وقد نجح في كثير مما أراد نجاحا عظيما وإن لم يكن كل ما أراد، وكانت الرابطة متينة في نفسه بين العملين إصلاح المعاهد الدينية وإصلاح المحاكم الشرعية لذلك كان مجهوده العظيم مبذولاً نحو الإصلاحيين على السواء.

стр. 5899

تسمية أبطال العرب وقاتليهم في الإسلام (١) الطبقة الأولى الذين أدركوا الجاهلية والإسلام حمزة بن عبد المطلب - أسد الله قتل في غزوة أحد رماه وحشيٌ مولى جبير بن مطعم بحربة نذر النبي ﷺ أن يقتل به سبعين رجلاً من قريش وكبر عليه في الصلاة سبعين تكبيرة. أمير المؤمنين علي ﵇ قتله عبد الرحمن بن ملجم الأيادي وهو في صلاة الصبح وقيل كان داخلاً إلى المسجد بالكوفة. الزبير بن العوام - حواري رسول الله ﷺ قتله عمر بن جرموز. خالد بن الوليد - هو صاحب أهل الروم وخالد الذي فتح دمشق وأكثر بلاد الشام وله واقعة عظيمة في الروم ووقعة مسيلمة ولم يلق المسلمون مثلها وقتل مسيلمة. مات خالد على فراشه وكان يقول لقد شهدت كذا وكذا - قولهم كذا وكذا من تعبير المؤرخين - وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة أو ضربة أو رمية وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء ويروى أن وجد بجسده ثمانون مابين ضربة وطعنة فأما السهام فلم تكن تحصى وهو صاحب وقعة اليرموك في ثلاثمائة ألف. عمرو بن معدي كرب - فارس من فرسان الجاهلية ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام شهد حروب الفرس وكان له فيها أثر وعمر حتى ضعف وارتعش وهو أشهر الفرسان ذكراً طليحة الأسدي - من أكبر الشجعان جاهلية وإسلاماً ارتد وتنبئ وجمع جمعاً عظيماً وأغواهم وكان يتكهن ففل الجميع خالد وعاد طليحة إلى الإسلام وشهد حرب القادسية وغيرها من الفتوح وكانت له فيها آثار ومواقف المقداد - كان فارساً بطلاً رامياً وهو أول من رمى في سبيل الله ولما تخير عمر من يؤمن على قتال الفرس واستشار فيه قيل له هو الليث عادياً فبعثه حتى فتح العراق ولما قتل عثمان اعتزل ولم يشهد الحرب بعده ومات حتف أنفه. أبو دجانة الأنصاري - الذي أخذ سيف رسول الله لما عرضه على الجماعة وخرج أبو دجانة يتبختر بين الصفين فقال ﷺ إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع. مسعود الثقفي - قتل الفيل

стр. 5900

عمار بن ياسر - صاحب رسول الله قال فيه لا تؤذوني في عمار فعمار جلدة بين عيني وأخبر أنه تقتله الفئة الباغية قتل بصفين مع علي ﵇. هاشم بن عتبة - من أكابر الشجعان صاحب راية علي بصفين وله فتح جلولاء وهي الواقعة المشهورة مع الفرس. مالك النخعي الأشتر - مات مسموماً في شربة من عسل فقال معاوية أن لله جنوداً من جملتها العسل. القعقاع بن عمرو - طاعن الفيل في عشية القادسية. أيام بنية أمية الطبقة الثانية عبد الله بن الزبير بن العوام - قاتل جرجير ملك افريقية قتله الحجاج بعد أن حوصر بمكة وأسلمه أصحابه وعشيرته ومثل به. أبو هاشم بن الحنفية - مات حتف أنفه. عبد الله بن حازم السلمي - والي خراسان كبش مصر قتله وقيع بن الأسود. وكيع بن أبي سويد - ولي خراسان بعد ابن حازم فلم يضبط الأمر لهوجه مات حتف أنفه. مصعب بن الزبير - جاد بماله وبنفسه عرض عليه الأمان وولاية العراقيين وقد خذله أصحابه وبقي في نفر فأبى أن يمضي حميداً كريماً قتله عبيد الله بن زياد - هذا غير ابن زياد الدعي - في الحرب التي كانت بينه وبين عبد الملك بن مروان. ابن مليك التغلبي - قتله عمير بن الحباب إبراهيم بن الأشتر - الآخأنفه. الحسين بن علي لقي عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف وعبد الله في سبعين ألفاً فقتله بيده وهزم جيشه وحارب مع مصعب حتى لم يبق سواهما وبذل له الأمان والولاية على أي بلد شاء فلزم الوفاء لمصعب وقتل أمامه. مسلمة بن عبد الملك - فحل بني أمية وفارسها ووالي حروبها مات حتف أنفه قتل. ر قريش - شاعر شجاع فاتك كان لا يعطي الأمراء طاعة له وقائع عظيمقتل. . جدر بن ربيعة - لص فاتك شاعر أعي الحجاجومحك. حتال عليه فحصله وحبسه ثم اصطاد سبعاً ضارياً وجعله في حفيرة وألقي جحدر عليه مقيداً وبيده سيف فقتل الأسد

стр. 5901

وقال: ليث وليث في مجال ضنك ... كلاهما ذو أنف ومحك. فأطلقه الحجاج ومات حتف أنفه. المهلب بن أبي صفرة وأولاده - كلهم أنجاد وكان المهلب يجمع إلى النجدة الرأي والحزم وله في الحرب مكايد مشهورة ووقائعه في الخوارج أبادتهم مات حتف أنفه وكذلك ابنه المغيرة وفيه يقول زياد الأعجم: مات المغيرة بعد طول تعرض ... للموت بين أسنة وصفاح القتال الكلابي - جنى جناية فخافها فأقام في جبل عشر سنين يأكل من صيده. أبو بلال - خرج في أربعين فهزم ألفين شبيب الخارجي - الذي غرق في الفرالمؤمنين. لا يبلغون ألفاً نذرت امرأته غزالة تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ في إحداهما (البقرة) وفي الثانية (آل عمران) فعبر بها جسر الفرات وأدخلها الجامع ووقف على بابه يحميها حتى وفت بنذرها والحجاج في الكوفة في خمسين ألفاً. قطري - قتل في بعض الوقائع مع المهلب وكان رأس الخوارج خاطبوه بأمير المؤمنين. الدولة الهاشمية الطبقة الثالثة معن بن زائدة الشيباني - قتله الخوارج في أيام المهدي. الوليد بن طريف الشيباني - هكذا في الأصل. عمر بن حفص - أخو المهلب قيل أنه كان يتصيد فتبع حمار وحش ومازال يركض إلى أن حاذاه فجمع جراميزه ووثب على ظهره ومازال يجز عنقه بسيف أو بسكين في يده حتى قتله. أبو دلف القاسم العجلي - فارس بطل شاعر مغن نديم جامع لما تفرق في غيره طعن فارسين رد بفين فأنفذهما. المعتصم - كان يشد يده على كتابة الدينار فيمحوها ويأخذ العمود الحديد فيلويه حتى يصير طوقاً في العنق وهمته في فتوحه تناسب شدته في جبلته.

стр. 5902

قوميتنا ولغتنا مسألة القوميات من مسائل القرن التاسع عشر ولدت فيه ونشأت وترعرعت وربما كان الفرنسي أسبق غيرهم من الشعوب المتحضرة إلى إنشاء القومية والتناغي بها منذ قيامهم بثورتهم الأولى وقد قام اليونان في سنة ١٨٢١ - ١٨٣٠وخلعواالطاعة العثمانية باسم القومية وقام البلجيكيون وانفصلوا في سنة ١٨٣٠ - ١٨٣١ عن الهولنديين بهذا الاسم أيضاً وثارا لبولونيون في سنة ١٨٣٠ - ١٨٣١والمجرفي سنة ١٨٤٨مدفوعين أيضا بعامل القومية والجنسية وساعد نابولي الثالث على إنشاء القومية الإيطالية أو الوحدة الإيطالية في سنة ١٨٥٩وسها عن تأليف الوحدة الألمانية في سنة ١٨٦٦ - ١٨٧٠وكثيرمن الدول العظمى تتخذ من تشابه اللغات حجة لتوحيد الجنسيات والقوميات وضم من تراهم أهلاً لذلك مثل الجامعة الجرمانية والجامعة السلفية وفي البلقان تجري اليوم قاعدة الجنسية على أصولها يريد الروماني والبلغاري والصربي والرومي أن ينشئوا لهم من الضعف قوة ويوحدوا ألسن من ينضمون تحت لوائهم وتجنسوهم بجنسياتهم خلافاً لما جرت عليه الحكومة العثمانية في الروم أيلي مدة خمسة قرون. وقد أنشأ بعض أتراك الأستانة يؤسسون منذ مدة لنشر لغتهم وإقامة دعائم قوميتهم أندية كثيرة مثل ترك يوردي وترك درنكي وترك أوجاعي وغير ذلك وإليك مقالتين لنا في هذا المعنى كنا نشرناهما في جريدة المقتبس (عدد ١٢٣٠ - ١٢٤٦ ٢٥رجب ١٣٣١و١٣شعبان هـ ١٣٣١ حزيران وتموز١٩١٣) فان فيهما الماعاً كبيراً إلى هذا الموضوع الخطير ولعل الطبقة المفكرة العالمة تعاود البحث فيه بحثاً علميا مجردا عن الشعوبية والعصبية. ذكر علي كمال بك من كبار أدباء الأتراك في إحدى افتتاحياته الأخيرة في إقدام: مبحثاً في أن القومية هي قوة فقط ورد بالبراهين التاريخية على من قاموا يؤسسون أندية تركية صرفة فقال أن ألمانيا حاولت بما فيها من قوة منذ ثلاث وأربعين سنة وقد استولت على ولايتي الألزاس واللورين من فرنسا أن تجعل أهلها ألماناً في لغتهم ومناحيهم فنوعت الأساليب بين الشدة والرخاء فلم توفق إلى إخراجهم عن فرنساويتهم وإن كانت أصولهم جرمانية في القديم ولكنهم تفرنسوا بعد ونشأ لهم رجال فرنسيون في فروع العلم والإدارة والجندية خدموا فرنسا أصدق خدمة وكذلك فعلت ألمانيا من قبل باستيلائها على مقاطعة

стр. 5903

شلزويق الدانمركية فظل أهلها دانمركيين على الرغم من كل تضييق ومثل هذا يقال عن القسم الذي اقتطعته من أرض بولونيا فإن أهله بقوا على بولونيتهم ومن طاف أوروبا وقضى زمناً في ربوعها يعرف تأثير القومية في الأمم الراقية فالألماني لا يحب أن يتخذ عن ألمانيته بديلاً وكذلك الفرنسي والانكليزي والايطالي وغيرهم من الأمم الراقية يتناغى الفرد منهم بجنسيته ويقدسها ويفادي بكل شيء في سبيل الاحتفاظ بها. قال وأنا معاشر الأتراك نزلنا هذه الديار منذ ستمائة سنة فأنشأنا بقوة فطرتنا وماضينا وتاريخنا دولة وسلطة وقومية ثم بالرابطة الدينية واشتراك المنافع واتحاد المنازع تجلت القومية العثمانية في مظهر آخر وإن الشعوب التي يتألف منها هذا المجموع العثماني مهما ذهبت من المذاهب في أمانيها لا ترى بداً من احترام العثمانية محبتها فعلينا نحن الأتراك أن نعمل على تأييد هذه الرابطة بقوة الخلافة والسلطنة واللسان وما لنا من الأنسال المتفرقة في قسم من قارة آسيا فنجعل العثمانية مستندنا لا التركية وحدها لأن هذه إذا اتبعنا في الدعوة إليها خطة الشدة لا تلبث أن تزول وتنطفي جذوتها ولقد أخذنا منذ عصور نقرب إلينا الشعوب العثمانية الأخرى ولاسيما من تربطنا بهم جامعة الدين مثل الأكراد والجركس واللاكز وغيرهم حتى كاد يظن أنهم امتزجوا بنا فكبرت بهم قوميتنا التركية من حيث الكيفية والكمية والمادة والمعنى ولكن أخذ بعضهم آخراً يفرطون في الدعوة التركية فكان من أثر ذلك أن أصبح أولئك الشعوب يبتعدون منا فتنبهت فيهم فكرة قوميتهم الأصلية وانشئوا يعملون على إعادة مجدها مما يورث الدولة ضعفاً فيقل عددنا كثيراً من حيث القومية في حين أننا أسسنا هذه السلطة بالتكاتف يداً واحدة مع هاته الشعوب فإذا افترقنا عنهم نكون قد عبثنا بكياننا. وكم تركي صرف يبقى يا ترى من الرعيل الذي بيض وجوهنا من الأسلاف والمعاصرين الذين اشتهروا بفضلهم وكمالهم وعقلهم. وعجيب كيف لم نعتبر بما أتى علينا من المهالك ونحن نريد أن نقوم اليوم بما يعرض حياتنا للخطر غير معتبرين بما جرى. هذا محصل ما قاله صديقنا وقبيل أن أحصله للقراء اطلعت في طنين على مقال بتوقيع أحمد توفيق ذكر فيه رحلته إلى بيروت فقال أن ستين في المائة من سكان الأستانة من أصل تركي ومع هذا نرى ثمانين في المائة من مشاريعها وأعمالها غريباً عن التركية والحال ليس كذلك في بيروت فإن كل ما أنشئ فيها من الأعمال قد

стр. 5904

تعرب وأنت لا تحتاج لمعرفة غير العربية في المرفأ والترام والسكة الحديدية والمخازن لأن بيروت قد عربت كل ما دخل عليها ولم تبعد من العربية كل ما صدر عنها فإنا نرى العرب الذين تفرقوا في أقطار المعمور مهما طالت غربتهم عن ديارهم لا ينسون قوميتهم فلا تسمع في أحياء العرب في نيويورك وبوني أيرس غير اللسان العربي وبواسطتهم دخلت عادات العرب وأخلاقهم إلى تلك القارات الواسعة ولا مناص لمن ينزل هذه الديار بضعة أشهر من أن يستعرب فيندمج في العرب للحاجة الماسة في حين نرى التركي الذي يقيم بضع سنين في فرنسا ينسى لغته أو يتناساها أو يصبح على الأقل وهو يمزج في حديثه ألفاظاً إفرنجية وهذا وإن كان من أسباب فقر اللسان لكن السبب الرئيسي فيه فقدان فكر الوطنية من النفوس. وإنك لتجد في بيروت حتى المدارس الأمريكانية وبالافرنسية التي تبث الأفكار الأجنبية لم يكتب لها البقاء إلا عندما تعربت. والكليتان الأمريكية والفرنسية قد جعلا للعربية مقاماً جليلاً والمعلمون كلهم محيطون باللغة العربية ومنهم المؤلف والأديب والكاتب على حين نرى أمثال هذه المدارس في الأستانة لا يكاد يوجد فيها من يكلمك بغير اللسان الإفرنجي ومهما افتخر الفرنسي بكليتهم البيروتية وقالت جريدة الظان عن سورية أنها القطر الذي فتحناه بلساننا فإن الحقيقة الراهنة أن هذه المدرسة لم تفتح البلاد بلسانها بل لأن المملكة قد أرجعتها إلى قوميتها الخاصة ولسانها الخاص أي أن العرب لم تأسرهم هذه المدرسة بلغتها بل أسروها بلغتهم. إليك زبدة المقالتين والأولى ترمي إلى التخفيف من التحمس إلى التركية لئلا يقل عدد الأتراك الحقيقيين والثانية تدعو قراءها إلى التشبه بالعرب في قوميتهم والتحمس لها حتى يبتلعوا غيرهم ولا يبتلعهم غيرهم. وكلا المقالين صحيح فإن الشعوب لا تقهر على الأخذ بلسان غيرها مهما كثرت عليها عوامل الضغط والإرهاق وحالة التركستان التاتارية وبولونيا الروسية أعظم شاهد من هذا القبيل فإن روسيا تسعى بكل ما لديها من قوة حتى تجعل سكانها روساً فلم يتيسر لها ذلك حتى الآن وإنما الناس يتعلمون لسان قوم ويتجنسون بجنسياتهم إذا وجدوا فيهما مصلحة كما وقع لكثير من الروس والطليان والمجر والألمان والبولونيين والتشيك والبوهميين في أمريكا الشمالية فإن البلاد قد جذبتهم إليها بسائق طلب المعاش أولاً ثم حببت نفسها إليهم بنظامها وعاداتها وغناها فنسوا على التدريج ألسنتهم بعض الشيء

стр. 5905

واندمجوا في غيرهم فتأمركوا وإذ كانت الولايات المتحدة حتى اليوم مجموعة جنسيات ولغات مختلفة لأن الهجرة إليها لم تنقطع بعد فإن الجيل القادم أو الذي بعده يصبح أميركياً لا محالة بعاداته وأخلاقه ولغته والتعريب أيضاً يقاس على هذا المقياس فقد انتشرت العربية من أقصى الشمال الغربي من أفريقية إلى أوسطها إلى تخوم فارس بقوتين قوة الدين الذي يقضي على من يدين به أن يتعلم اللسان العربي لأن صلاته ومناسكه كلها عربية والقوة الثانية قوة المصلحة لأن الأمم المغلوبة وجدت مصلحتها في الأخذ بلسان الفاتحين ومهما حافظ القليل وسط الكثير على إرثه الطبيعي من حب قوميته ولغته فإن هذا الحب يضعف فيه مع الزمن ولذلك لامناص من تأمرك عرب نيويورك وبونس ايرس مهما طال عليهم الزمن وكذلك الحال في بقايا من العرب المصريين انقطعوا من جيش إبراهيم باشا المصري لما أوغل في صميم آسيا الصغرى فاتحاً فمنهم لا يزالون إلى اليوم في لواء أنطاكية من أعمال قومية عرباً ومع هذا فالأمل ضعيف جداً في بقائهم على عربتيهم فأما أن يصبحوا أرواماً بلغتهم كما أصبح مسلمو كريت أو أتراكاً. والتركية والرومية تنازعانهم هناك. ومثل ذلك يقال في المهاجرين الجركس والششن والطاغستانيين والأتراك الذين نزلوا ولايات سورية وبيروت وحلب واستوطنوها فأنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بقوميتهم ولسانهم أكثر من خمسين سنة وأخذنا نرى أولادهم وقد تعربوا مختارين أو مضطرين وهذا لما وقر في صدر كل مسلم من وجوب تعلم العربية ومن تنازل عن جنسيته ليتخذ العرب قومه لا يرى غضاضة عليه فيما أتى لأنه يكون خرج من شعب ليس له تاريخ مجيد كالعرب ولا لسان فيه كل أسباب المدنية كلسان العرب. العربية مرنة للغاية على الرغم مما يدعي صعوبتها بعض من لا يحبون أن يتعبون أنفسهم ولو أشهراً في تعليمها ولذلك يندمج فيها أهل العناصر الشرقية الأخرى أكثر مما يندمج أهلها في أهل تلك العناصر. وحال مصرفي هذا الشأن أدهش الأغرب أنك ترى الرومي والايطالي والنمساوي والمجري والأسباني والإنكليزي يكلمون المصريين بلهجتهم مع أنه ندر في الطبقة المستنيرة من المصريين من لا يحسن التكلم بلغة أوروبية مشتركة ولا سيما بالافرنسية والانكليزية كل هذا لأن المصلحة تقضي بأن يتعلم نزيل المصريين لسانهم يكلمهم على اختلاف طبقاتهم حتى أن انكلترا وضعت شرطاً على كل من يحب تقلد الوظائف في مصر والسودان من

стр. 5906

أبنائها أن يحسن اللسان العربي وجعلت جائزة مهمة لمن يكتب له إحراز قصبات السبق بين أقرانه ويستعرب كل من يرى مصلحته من أهل هذه العناصر البقاء في مصر ولو بعد حين مهما حافظ على قوميته ولغته لأن الجوار يعد على نحو ما نرى بلاد القوميات المجسمة كالفرنسيس والطليان والألمان مثلاً يتكلم سكان الحدود لغتين لغة البلاد التي هم منها ولغة المملكة المجاورة وهذا كثير في الشرق أيضاً فإن بعض أهل الجزيرة لمتاخمتهم لبلاد فارس والأكراد يتكلمون مع العربية بالفارسية والكردية وأحيانا بالتركية وهكذا سكان تخوم الهند من الأفغانيين والإيرانيين. نعم إن العربية تعرب كل ما يدخل إليها من الأوضاع لأن في العرب خاصية التقليد والإقدام على أمور المعاش من مذاهبه الطبيعية ولذا ترى أكثر العمال في السكك الحديد الفرنسية وشركات الترامواي في بيروت ودمشق عرباً لأن تلك الشركات لا تجد في أبناء جنسها من يضاهيهم في عملهم ومعارفهم بمثل الرواتب التي تؤديها إليهم وهكذا قل عن مصر ولكن الأتراك لا يتعلمون مبادئ اللغات أو العلوم إلا ليوظفوا في خدمة الحكومة وهذا هو السر في قلة مثول التركية في المشاريع والشركات في الأستانة مثولها في بلادنا. وهنا سؤال وهو هل تستطيع فرنسا بعد استيلائها على مراكش كما استولت على الجزائر والتونس أن تجعل أهلها فرنسيا مع الزمن وهل يكون نصيب طرابلس وبرقة مع الطليان ومصر مع الانكليز كذلك أما جزيرة العرب وما تاخمها من الأقطار العربية اللسان فإنها تبقى عربية صرفة كمصر لأن بعض أجزائها أخذت من الحضارة الغربية حظاً وأنشأت تدمجه في لغتها وأبدت من المرونة ما قربها من مناحي الممدنين فتعلم بعض أهلها شيئاً من ألسن الأجانب ولم ينسوا لغتهم أما الجامدون كبعض أهل الغرب الأقصى والأوسط فإنهم إذا ظلوا على تعصبهم على اللغة الفرنسية يضيعون اللغتين معاً خصوصاً وولاة أمرهم الفرنسي أشد الأمم تناغياً بحب لغتهم ومناحيهم حتى يقال أنهم أقل الأمم تعلماً للغات الأخرى في حين عدوا نحو ثلث سكان بريطانيا العظمى يعرف أهله اللغة واللغتين والثلاث الغربية عنه ومن أراد منا الاحتفاظ بقوميته ولغته على وجه الدهر فعليه إلا يحتقر قومية غيره ولا لغته وأن يداوي معرفته بتعلم لغة أو لغتين من لغات السياسة والتجارة وبذلك تسلم له لغته ويعرف كيف يحتفظ بها. في ساعة واحدة تناولت كتابين غريبين في بابهما احدهما من ليبسيك إحدى قواعد

стр. 5907

الإمبراطورية الألمانية والثاني من دمشق قاعدة البلاد العربية. الأول كتب باللغة العربية وهو صادر عن أشهر باعة الكتب هناك يريدنا إن نبتاع منه كمية من المصاحف الشريفة التي جود طبعها في ألمانيا بمعرفة زمرة من أهل العلم وبعث إلينا بنموذج منها وقد رجانا في آخر كتابه أن نجيبه إن استحسنا باللغة الألمانية أو الانكليزية أو بالافرنسية لأنه يحسنها. إما الكتاب الثاني فهو من دمشقي نشأ في دمشق وتخرج من المدارس العليا وتعلم إحدى الصناعات الحرة وله غرض بإدارتنا فكتب إلينا كتاباً باللغة التركية فلما فضضناه أسفنا جداً ودفعناه لأول نظر إلى حامله وقلنا لصاحبك إن يكتب إلينا إن أحب لغتنا ولغته فإن وقتنا لا يتسع أن نترجم أفكار كل من يريد نشر شيء من اللغة التي يستحسنها أو يحسنها أو يزين له عقله التفاصح بها وجه الغرابة في الكتابين ظاهر لأدنى تأمل وهو أن رجلاً ألمانياً يريد أن يبيع نسخاً من الكتاب العزيز من مسلم في بلاد الإسلام فيخاطبه بلغته على بعد الديار وقلة من يكتب له بالعربية في بلاده والثاني مسلم عربي يكتب لعربي في صميم بلاد العرب باللغة التركية. فما هذه العناية من الأول وقلتها من الثاني: غربي يستعرب في الغرب وعربي يترك في بلاد العرب! من أضحك الأطوار أن تشاهد عربياً يكلم ابن جنسه أو يكاتبه بغير لغته لغير داع فكأن المتخاطبين يشيران بلسان الحال إلى إن اللسان الذي نتخاطب به أرقى من لساننا وأدل على علو كعبنا واستبطاننا أسرار المعارف في حين نرى أبناء المدينة الحديثة مهما بلغ من انحطاط أممهم وصغر عددها وقلة شأن تاريخها إذا خلوا بعضهم إلى بعض لا يتكلمون بغير لغتهم ولا يتكاتبون بسواها. وكم روى لنا السائحون إلى ديار الغرب منا أنهم كانوا يكلمون الانكليزي بالافرنسية وهم في غير الديار الانكليزية فإذا ما بلغت بهم السفينة إحدى مواني الجزائر البريطانية لا يعود ذاك الانكليزي ينطق بكلمة فرنسية. وقد سئل بعضهم في ذلك فقال نحن الآن في بريطانيا العظمى فلا يسوغ لنا أن نتكلم بغير لغتها وكذلك الألماني مع اللغة الانكليزية والفرنسية فإن معظم رجال التجارة والعلم في ألمانيا يحسنون إحدى هاتين اللغتين أو كليهما معاً فإذا دخلت عليهم في بلادهم يتجاهلونهما ليضطروك إلى التفاهم معهم بلغتهم ويحملوك على تعلم الألمانية من حيث تشاء أو لا تشاء. ولا نزال نعجب بصنيع علماء الشرقيات في هولا نده فإنهم طبعوا بضع مئات من كتب العرب في مطبعة ليدن الهولندية وجعلوا جميع حواشيها

стр. 5908

ومقدماتها باللغة الهولندية مع أنه قل جداً من يعرف هذه اللغة من أهل أوروبا المجاورين لبلاد القاع. هذا والطابعون والناشرون موقنون بأن كتبهم لا تباع في هولندا فقط بل إنها تروج في ألمانيا وايطاليا والنمسا والمجر وإنكلترا وأميركا وفرنسا وروسيا وأسبانيا بل وفي غيرها من بلاد الشرق ولاسيما في بلاد العرب فلولا حبهم للسانهم لما رأيت تلك المقدمات والشروح إلا باللغة المشتركة بين الأمم في الغرب كالفرنسية مثلاً أوالغة العربية التي نشرا لكتاب برمته فيها والناشرون لأمثال هذه الكتب يكتبون بهاتين اللغتين على التحقيق أو بإحداهما قطعاً. إننا بزهدنا بلغتنا نزهد في قوميتنا وتاريخنا ومن لا ينتسب إلى أصله ينكره الفرع الذي يحاول أن يتقرب منه. إن عظمة العرب وعظمة مدينتهم وحسن بيانهم دع ما هناك من الروابط الدينية مما يدعونا إلى التناغي بلساننا والحرص على تعلمه وإيجاده التخاطب والتكاتب به غير مخلين بأصل من أصوله ما أمكننا ذلك لأن من المحمود. لى مشخصاته كان حرياً بأن لا يغار على أي عزيز ويستحق احتقار غيره. إننا نحبذ كل من يتقن منا لساناً أجنبياً حتى ولو حذق لغة مالطة لما في ذلك من الفائدة فكيف باللسان العثماني وحاجتنا إليه أمس ولكننا نحب أن تكون الميزة للساننا الشريف لأن الله جعل له هذا المقام المحمود. ومدنيتنا وتاريخنا ومجدنا أعظم باعث لكل من ضعفت فيهم أعصاب العصبية القومية أن ينزعوا من نفوسهم تلك المؤثرات التي فيها من الصغار والذل مالا يرضاه من عرف أمته ويريد أن يحيا بها. إن في تاريخ لغات الأمم المتمدنة لعهدنا أعظم محرض لنا على الاحتفاظ بلغتنا مهما كلفنا ذلك فقد رأينا الفلامندي في البلجيك يتفانى في بث لغته حتى جعل لها أدبيات وأقام لها شأناً في جنب اللغة بالافرنسية التي يتكلم بها نحو نصف أهالي بلجيكا وكذلك رأينا الهولندي والدانيماركي والسويدي والفنلندي من صغار شعوب الشمال في أوروبا يحتفظون بألسنهم ولم تكن منذ مائتي أو ثلاثمائة سنة بالتي يعرف لها شأن بين اللغات وأعظم معلم لنا في هذا الباب أهل بوهيميا من مملكة النمسا والمجر فإن لغتهم وهي لغة التشيك كادت تندثر من ألسن أهلها في القرن السابع عشر بما تغلب عليها من اللسان الجرماني فعاد أستاذان من أساتذة كلية براغ إلى أحيائها بنشرهما مخطوطاً في آدابها زعما أنه قديم وقيل أنهما واضعاه فبعد أن كان البوهيمي يكتب بالألمانية ويؤلف ويخطب بها والألمانية عنده لغة الصنائع والتجارة والأدب والتمثيل

стр. 5909

والصحف عادت فانبثقت لغة التشيك في نفوس أبنائها حتى أصبح المتكلمون بها في بوهيميا وحدها الآن زهاء تسعة ملايين وبهيمي أتشيكي ومليوني نسمة من المورافيين وزهاء ثلاث ملايين السلوفاك في هنغاريا وأصبحت الآداب التشكيلية مما يتنافس فيه كما يتنافس فيه في مدنية البوهيميين وصناعاتهم وصارت كلية براغ أخت كلية برلين وفرانكفورت وميونخ وفيينا من عواصم البلاد الجرمانية وربما فاقت كثيراً من كليات أوروبا. لغة مجهولة أحياها بضع من أهلها بعد دثورها ونحن نرى بعض المستنيرين منا يضيعون بتهاملهم لساناً كالعربية يفاخر الغربي قبل الشرقي بتلقفه وبعد تحصيل ملكته من النعم. إن البوهيميين أعظم مثال في تناغي الأمم بألسنتها ولا تنسى سكان الألزاس واللورين الفرنسيين ولا سكان شلزويك هولستاين الدنمركيين من المانيلولا البولونيين مع روسيا ولا غيرهم مع غيرهم فكلها عبر لنا معاشر العرب لسان يتكلم به سبعون مليون من الناس ويتعبد به زهاء مائتي وخمسين مليون من أهل الإسلام وأهله لا يهتمون به واللسان العبراني والروماني والبلغاري والأرميني على قلة الناطقين به مثلا يتخذ أهلها كل ذريعة لنشرها ويستميتون بالأخذ بناظرها فتأمل الفرق بين كثرتنا وقلتهم وغنانا بلغتنا وفقرهم بألسنتهم وانحلالنا في وطنيتنا واستبسالهم في الحرص عليها.

стр. 5910

الحركة العلمية في البلاد العربية العثمانية مضت ست سنين على إعادة انتشار القانون الأساسي في المملكة العثمانية ربحت البلاد العربية من نعمته بعض الربح من حيث النور والعلم لأنه بفضل الصحف والمجلات والأندية والجمعيات التي أنشأت في العراق والشام وغيرهما من الأقطار انتبهت العقول قليلاً من رقدتها وشعر العرب بأن هناك حياة ثانية أرقى مما هم فيه بكثير ولا يتيسر لهم الاستمتاع بها إلا بالأخذ بحظ وافر من التعليم والتربية. لو لم يكن من فضل حرية القول والاجتماع في العهد الأخير على ما فيها من القيود إلا لإدراك الناس لهذه الحقيقة لكفى بها منقبة تؤدي إلى أحسن مغبة فإن كل نهضة لا تقوم على أصولها إلا إذا جعلت لها من التعليم العصري أساسا وهذا ما كاد اليوم يشعر به ابن البادية والدساس كردع ابن المدن والحواضر من كل من كثر اختلاطه بالغريب واعتبر بما شاهد من حوادث الأيام حتى أن جميع الأقطار التي سقطت في أيدي حكومات الاستعمار كان السبب الرئيسي في استصفائها جهل بنيها الذي فتح الأبواب للعدو فاستباح حماها وقبض بعلمه على قيادها عفواً صفواً كذا كان شأن جاوة مع هولندة والهند ومصر مع انكلترا وطرابلس مع ايطاليا وتونس والجزائر مع فرنسا ومراكش مع أسبانيا وفرنسا والروم أيلي مع حكومات البلقان فبالعلم كان قليل من العدو كثيراً وبالجهل كان كثير تلك البلاد قليلاً. وإنا إذا أطلقنا العلم هنا فلا نعني به علوم الآخرة فقط بيد إن هذه إذا درست على أصولها نفعت أيضا الدنيا ولكن علوم العالم هي كل ما يعمره ويعرف الأمم طبائعه وإسرار بقائه وفنائه. نريد بالعلم العلوم التي بها فتحت أوروبا العالم واستعمرته فأصبحت كلمتها هي العليا وتراجع أمر الشرق إلى ما نراه عليه من الانحطاط المادي والسياسي والأدبي بل السقوط المؤسف في عوامل الحياة الفاضلة السعيدة. كان جمهور المسلمين في هذه الديار العربية إلى عهد قريب يرون السعادة في اتخاذ صناعتين تعلم الفقه لتولي مناصب القضاء والإفتاء والتدريس أو تعلم شيء من العلوم التي تؤهل الطالب إلى تولي الأعمال الجندية والإدارية والكتابية فالمحور يدور على التماس الشرف من مناصب الحكومة وسبيل ذلك درس فروع قليلة مما يقتضي لهذا الشأن ومنها ما هو قشور لا لباب فيها. وبينما كان إخوانهم المسيحيون والإسرائيليون يتعلمون في

стр. 5911

مدارسهم الطربه. ومدارس المرسلين الأمريكان والانكليز والألمان والفرنسي والطليان والروس وغيرهم ما يؤهلهم إلى التجارة والصناعات الحرة في الجملة مثل الطب والهندسة والحقوق كان المسلمون تتلمظ شفاههم بحلواء التوظف والاعتماد على الأوقاف والرواتب جمدوا عليها فتأخروا في ثرواتهم وقل الهناء في بيوتهم وضعف مستوى العقول حتى أمسوا وكثيرون يغبطون السارق والمرتشي والمزور من الموظفين والمستخدمين ويعدون عمله مهارة وتوفيقاً لأنه اكتسب من الحرام مالاً وتأثر وارتاش وأضاع حقوقاً ليملأ كرشه وجيبه ومن الغريب في نظام هذا الاجتماع أن يحبس من يسرق ديناراً يأكل به وعياله خبزاً ولا يعاقب بل يمدح السارق الكبير الذي يعرق اللحم عن العظم ويخرب قرية أو بلدة برمتها ليشتري بما يسرق دكاناً أو بستاناً أو يعمر قصراً وداراً. نعم إن الدستور عرف الناس نقصهم وإن كانوا لم يبرحوا في معظم البلدان العربية في دور الأقوال ولكن القول بدرجة العمل كما أن الشك أول مراتب اليقين. ومن النعم العظمى إن يعرف الإنسان مجال الضعف منه ومن عرف نفسه عرف ربه. عرفوا نقصهم فأخذوا يفكرون في تعلم الصناعات الحرة التي قوامها الاعتماد على النفس والخروج عن قيود الاتكال إلى باحات الاستقلال وقد زاد الإقبال على ذلك في الشام والعراق خاصة لما أيقن الناس بأن خزانة الدولة تضيق على إعاشة كل طلاب الوظائف بعد أن انسلخت ليبيا ومقدونية وتركيا وألبانيا عن جسم المملكة العثمانية. لم تكن قبل هذا الدور تسمع بأن من المسلمين في مدارس الغرب طلاب هندسة وزراعة وحقوق وكيمياء وسياسة وفلسفة واليوم تجد منها عشرات من أبناء الشام والعراق خاصة وهذا العدد وإن كان قليلاً بالنسبة لكثرة سوادهم لكن الرجاء معقود بزيادته كلما سدت في وجوه الناس طرق الاستخدام في الوظائف واقتنع القوم بأن مذاهب المعاش في العالم ثلاثة الزراعة والصناعة والتجارة وأن الاستخدام ليس مذهباً طبيعياً من مذاهب المعاش التعليم العالي هو الذي يكون أمة ولا فائدة بتعلم أفراد هذا الضرب من التعليم إلا إذا عمت المعارف سواد العامة. وهذا أخذت تتكفل به المدارس الابتدائية والوسطى التي أنشئت مؤخراً مثل المدرستين العلمية والعثمانية في دمشق والكلية الإسلامية العثمانية ودار العلوم في بيروت والمدرسة التي أنشئت في صيدا وطرابلس وحلب وحيفا ويافا والقدس ونابلس وكلها قامت بهمم الأفراد من أهل الطبقة الوسطى

стр. 5912

والأغنياء كانوا في الجملة بمعزل عن المعاونة ولو كان جمهور أرباب الأموال والأملاك متعلماً لقامت حتى الآن ألوف من المدارس والكتاتيب في الولايات العربية لا تزال تشتد حاجة البلاد إليها ولاسيما في غير المدن بل لإنشاء كل قطر من الأقطار العربية مدرسة كلية أو جامعة فأصبحنا نقول جامعة الشام وجامعة العراق وجامعة الجزيرة وجامعة اليمن وجامعة الحجاز كما نقول الآن الجامعة المصرية وكلية الأمريكان وكلية القديس يوسف. وفي العهد الأخير أنشئت جمعيات خيرية تعليمية ولاسيما في بيروت ودمشق وحمص توفر العناية بتعليم أبناء الفقراء وفي دمشق منها الآن خمس جمعيات تعلم زهاء أربعمائة طالب على نفقتها ومنها التي أنشأت لها مدارس خاصة مثل جمعية الإسعاف الخيري وجمعية المقاصد الحسنة والجمعية الخيرية الإسلامية في حمص تعلم نحو ألفي فقير، وهذه الجمعيات تقوم بمعاونة المحسنين من أهل الطبقة الوسطى ومن دونهم أيضاً كما أن جمعية المقاصد الخيرية في بيروت والمقاصد الخيرية في صيدا تقومان بريع أملاكهما لأنهما أمستا منذ زمن ونمتا معه بفضل العقلاء منا لوطنين. كثرت الصحف في السنين الست الأخيرة ولا سيما في حواضر الشام والعراق وأنشأت صحف في الموصل مابرحت ضئيلة تغلب عليها العجمية بخلاف الصحف الشامية والعراقية التي أخذت تكتب بلغة سلسة متينة الجملة ولغة صحف الشام أرقى من لغة صحف العراق وإن كانت هذه قطعت شوطاً محموداً في هذه الأعوام القليلة حشا مجلة لغة العرب البغدادية ومن يؤازر فيها من المنشئين والباحثين فإنها على أسلوب المجلات الإفرنجية الأخصائية سدت فراغاً في تاريخ العراق والبحث في أثاره. أنشأت مطابع كثيرة على عهد الدستور في بلاد الشام وفي بغداد والبصرة والموصل ولكن مطبوعاتها مابرحت قليلة نادرة لأن المؤلفين المجيدين قلائل والناس مابرحوا يقبلون على المطبوعات المصرية لأن صادرة من بلاد هي أعرف الأقطار العربية في العلم على اختلاف ضروبه وأهلها أرقى العرب بل المسلمين ولعله لا يتم هذا العقد من عقود الحرية حتى تبدأ المصنفات العصية والقديمة تصدر من هذه المطابع فقد أنشأ بعض شبان المؤلفين يؤلفون في بيروت ودمشق وبغداد في العلوم الطبيعية والجغرافية والتاريخية كتب مدرسية خصوصاً بعد أن رأوا إقبال المدارس الأهلية على التعليم بالعربية وأنشأت الحكومة مدرسة

стр. 5913

سلطانية عربية في بيروت ومثلها في دمشق تعلم العلوم كلها باللغة العربية. وهاتان المدرستان إذا أنشئت خمس مثلها في بغداد والبصرة وصنعاء ومكة والموصل توشك أن يكون من أثر مهما كانت درجة تعليمها الرسمي منافع للناس فتفيدهم في تهذيبهم وتكون لكثير من الطلبة مدارس إعدادية تهيئهم للدخول في الجامعات الكبرى واتخاذ الأعمال الاستقلالية ومن هذه الطبقة ينشأ العلماء والمفكرون والباحثون. ثلاثة عوامل أنشأت هذه النهضة: المدارس الأهلية وما يلحقها من إقبال أرباب اليسار على تخريج أبنائهم من مدارس الغرب العليا. والجمعيات الخيرية التعليمية وتعددها. والصحف والمجلات والكتب وكثرة انتشارها لرخص أثمانها، ولو ضم إليها عامل رابع آخر هو ارتقاء فن التمثيل وتسهيل غشيان دوره على طبقات جميع الشعب كافة لتمت الأمنية من إنهاض هذه الولايات من كبوتها ولما انقضت ثلاثون سنة إلا وهي على مستوى مصر برقيها الأدبي. وبعد فإن ما يبلغنا عن قطري اليمن والحجاز لا يصح أن يكون من مجموعة ما يستدل منه على أنه حدث فيهما شيء في العهد الأخير من حيث النهوض العلمي الحديث والغالب أن للفتن والتعصب يداً طولى في هذا التنبت ولعل الحوادث تعلم المستنيرين من أهلهما ما يجب عليهم القيام به وتدفعهم إلى العمل بالعهد الذي أخذه الله على العلماء في تعليم الجهلاء.

стр. 5914

مخطوطات ومطبوعات ثلاث مجلات جديدة الأولى المرأة وهي أسبوعية مصورة تصدر الآن مرتين في الشهر ورئيس تحريرها وصاحبها خليل أفندي زينيه وهو من كتاب الطبقة الأولى وقدماء رجال الصحافة العربية تصدر في مدينة بيروت وفيها مقالات منوعة عصرية فكاهية وأدبية وتاريخية وصور منوعة شرقية وغربية وإنما ما عرف به صاحبها من الخبرة الواسعة في صناعة التحرير والتحبير ليدعونا إلى الرجاء بنجاح صحيفته الجديدة وقيمة اشتراكها في الولايات العثمانية عشرون فرنكا وخارج السلطنة خمسة وعشرون. الثانية مجلة المنتدى الأدبي تصدر بإدارة احمد عزت أفندي العظمي وعاصم أفندي بسيسو في مدينة الاسيتانة مصورة وسنتها عشرة أشهر في ٤٨ صفحة كل شهر وهي خلف لمجلة لسان العرب التي صدرت في السنة الفائتة حولا كاملا ويحرر هذه المجلة زمرة من رجال العرب في عاصمة السلطنة وخارجها وفي العدد الأول صور بعض المشاهير ومقالات منوعة في الاجتماعيات والأدبيات وغيرها مما يرقي العقول ويهذب النفوس وهذه المجلة هي إحدى حسنات المنتدى الأدبي الذي هو أجمل اثر قام لطلبة المدارس العليا من أبناء العرب في عاصمة آل عثمان. فنرجو لها النجاح الذي تستحقه وقيمة اشتراكها ثلاثة ريالات في البلاد العثمانية وستة عشرة فرنكا في الخارج وللتلامذة ريال والثالثة المستقبل مجلة علمية أدبية عمرانية أسبوعية تصدر في القاهرة في عشرين صفحة لصاحبها ومحررها سلامة أفندي موسى من أفاضل المفكرين في وادي النيل معروف بين المؤلفين والعالمين والمتأدبين بما نشره من مقالاته وتصوراته في المجلات المصرية ولاسيما المقتطف وقد تصفحنا الأجزاء الأولى من هذه المجلة فرأيناها توخت أولا جمع وتنسيق المعارف العلمية والعمرانية التي يشتغل بها العلماء الأوربيون ونشرها لقراء العالم العربي حتى يعتاد كتبته ومؤلفوه طريقة التفكير العلمي الصحيح ويقلعوا عن التقليد في النظر للمسائل العمرانية فنتحرر بذلك من القيود التي وضعها إسلافنا وننظر لمستقبلنا كصحيفة بيضاء نكتب فيها ما نشاء. وثانيا: توجيه الأدب العربي الحديث في الوجهات التي يتنبه الأدب الأوربي وتسييره على المبادئ التي يرسمها كبار الأدباء في أوربا. وذلك اعتقادا بان

стр. 5915

الأدب الافرنسي قد فات الأدب العربي بمسافات بعيدة. وكما ارتقى الإفرنج في الصناعة والزراعة والطب والهندسة الخ وتأخرنا نحن عن اللحاق بهم فكذلك ارتقى أدبهم وتأخر أدبنا وأصبح من الضروري إن نحتذ بهم في طرائقه وأساليبه حتى نلحق بهم. وفي المجلة شذرات ومقالات وقصص ونوادر في هذا المطلب الذي وضعته وتوخت فيه تقليد المجلات الانكليزية فجاءت هذه الصحيفة بأسلوبها وصراحتها في أفكارها مثال الصحف المفكرة التي ترمي إلى غرض مهما كان الباعث إليه فهو شريف لأنه يراد منه إنارة العقول وتنقيتها من الشوائب والفضول فنرجو لهذه المجلة الثبات ليطرد صدورها ويكون من أثرها عموم النفع في العالم العربي وقيمة اشتراكها في مصر ٣٢ قرشا صحيحا وفي الخارج ٩ فرنكات. تاريخ صيدا تأليف الشيخ احمد عارف الزين صاحب مجلة العرفان طبع في مطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ ص ١٧٦. لصديقنا مؤلف هذا الكتاب صاحب مجلة العرفان همة شماء ونظر بعيد في كل ما يعلي شان الآداب ويؤيد كلمة الحق وأخر ما أصدره من تأليفه هذا التاريخ الذي افرده لمدينة صيدا وحدها مستندا فيه إلى مظان كثيرة عربية وإفرنجية وتركية فجاء منسق الأسلوب سلس الإنشاء يحوي عمران ذاك الثغر البديع وتاريخه منذ عرف إلى وقتنا الحاضر لا يستغني عنه كل من يريد الإلمام بحال هذه المدينة وجميع ما يتعلق بها من المعلومات بل إن كل من ينزل صيدا مقيما كان أو ظاعنا لابد له من الأخذ عن هذا السفر البديع الذي جمع مؤلفه أثابه الله في ورقات ما تفرق في بطون عشرات من المجلدات وفيه فوائد في زراعة البرتقال وبكي دنيا وغير ذلك لا يستغني عنها كل من يحب الاطلاع على هاتين الشجرتين اللتين كانتا سبب غنى صيدا في عهد الحديث فانعم بهذا العمل ولو كان كل عالم يخدم بلده وشعبه خدمة صديقنا لهما لكانت سورية في مقدمة أقطار الشرق في العلم والعمل ولاشك إن كتابه سيصادف الإقبال الذي يستحقه فضله ووطنيته. العراقيات

стр. 5916

الجزء الأول لجامعه رضى وظاهر وزين طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ ص٢٠٩ ثلاثة رجال يفاخر بهم جبل عامل لطول صبرهم على خدمة العلم والأدب ونعني بهم الشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والشيخ احمد عارف زين وقد جمعوا في هذا السفر ما تفرق من شعر العراقيين فاتوا في هذا الجزء على ترجمة عشرة من شعرائهم ولباب أشعارهم وهم السيد محمد سعيد حبوبي والسيد إبراهيم الطباطبائي والسيد حيدر الحلي والشيخ جواد شبيب والشيخ ملا كاظم الازري والشيخ عباس بن ملا علي النجفي والسيد جعفر الحلي والشيخ عبد الباقي الفاروقي والشيخ عبد المحسن الكاظمي والشيخ الأخرس البغدادي وترجموهم ترجمة صورتهم للقارئ أحسن تصوير ومنها ما هو بقلم الشيخ محمد رضا الشبيبي النجفي العالم الباحث المشهور وفيها ما هو بقلم جامعي الكتاب الثلاثة وفي شعر العراقيين روح غريبة لا تكاد تعرف لشعراء الشام بل ولا لشعراء مصر على ارتقاء دولة الشعر في مصر هذا العصر ولذا كان جمعه على هذه الصورة من اكبر المعونات على الأدب وإخراج درر الشعر الغوال على هذا المنوال جزى الله جامعيه أفضل ما يجازى الغيور على أدب العرب المتفاني في خدمة الحق. نقد عين الميزان تأليف الشيخ محمد بهجت البيطار طبع في مطبعة الترقي في دمشق سنة ١٣٣١ ص٥٩ مؤلف هذه الرسالة من ناشئة دمشق الأدباء جعل رسالته هذه ردا على الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء الذي نقد بعض المواضع من كتاب ألفه فقيد العلم الشيخ جمال الدين القاسمي وسماه ميزان الجرح والتعديل الذي بين فيه منشأ النبذ بالابتداع ومضاره فعمد الأول إلى التطرف في بعض أبحاثه للتكفير أو التفسيق فرأى المؤلف إن ينقد النقد متلطفا فيه موردا بعض الشواهد على صحة دعواه. وقد قال في صفحة ٣١ ردا على من قام من أحداث الأسنان سفهاء الأحلام الذين زعموا أنهم مصلحون ممن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وقصروا همتهم على دراسة الكتب

стр. 5917

الغريبة ونسوا ما لسلفنا من العلوم العربية وهم الضاربون بأوفر سهم في كل فن وعلم عاشق الغرب وأولعوا بلغته وصبغوا بصبغته ففسدت أخلاقهم وساءت آدابهم وصارت التفرنج لهم عادة وذكر أوروبا لهم عبادة وليت هؤلاء خفاف العقول قلد الأوروبيين بالشيء النافع والعمل الرافع لكنهم يقلدونهم بالأزياء واستحسان تبرج النساء وإذا نشر الواحد منهم مقالة في صحيفة توهم نفسه انه صار بها المفرد العلم واسترسل في بيان مضار هذه الفئة والغالب انه يتكلم في أناس مخصوصين وقال إن الله لا ينصرهم على عدوهم ما لم يقلع عن غيهم ويرجعوا إلى شريعتهم ويسلكوا سبيل السلف الصالح ويرحموا الله القائل لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وكل هذه الجمل حسنة في بالها لكنها تحتاج إلى تفصيل وان لم يكن الكتاب من موضوعها فان التفرنج مضر والاقتداء بالسلف وحده لا ينجينا من شرور هذا التيار المنهال علينا من مدينة الغرب الحديثة فإننا لو تلونا جميع ما خلفه الأجداد من إسفارهم وعملنا به لتستقيم لنا حال إلا إذا أخذنا منهم ما يفرض أخذه واقتبسنا من معلمينا الغربيين علومهم ولذلك نرى من درسوا في الغرب وكانوا على شيء من أدب النفس اعرف بما ينشل هذه الأمة من سقوطها من الذين يخاطبونها الحين بعد الأخر بالجمل الخطابية ويلبون على طريق النجاة ولا يهتدون ولو كتب لبلادنا إن تكون في أوضاعها إلى الجد لما شكا العالم الديني ولا العالم المدني من انحطاط الأخلاق والإيغال في المفاسد ولكن هذه الموبقات نراه منتشرة في الفئتين على السواء فئة المجددين وخصومها وبودقة المدنية تمحص وتنفي كما ينفي الكبر خبث الحديد إما الزبد فيذهب جفاء وإما ينفع الناس فيمكث في الأرض. شرح قصيدة ابن عبدون لما اختلت بني أمية بالأندلس سنة ٤٢٧ وتفرق أهلها شيعا وتغلب في كل ناحية متغلب وتقيم المتغلبون ألقاب الخلافة من معتضد ومعتمد ومأمون ومستعين ومقتدر ومعتصم وموفق ومتوكل ألقاب وصفها الحسن ابن رشيق بقوله: مما يزهدني في ارض اندلس ... سماع مقتدر فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد وصار الأمر كما قال في المعجب في غاية الاخلوقة والفضيحة أربعة كلهم يتسمى بأمير

стр. 5918

المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا في مثلها فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا بن دارا. لما جرى كل هذا وقويت شوكة دولة المرابطين أصحاب يوسف بن ناشفين فقتلوا سنة ٤٨٥ بني المظفر ملوك مغرب الأندلس وكان ملجأ للآداب وقبلة أمال العلماء والكتاب نظم أبو محمد عبد المجيد بن عبدون من وزراء الأندلس قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها: الدهر مفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور أنهاك أنهاك لا ألوك موعظة ... عن نومه بين ناب الليث والظفر فالدهر حرب وأنا لبدي مسالمة ... والبيض والسود مثل البيض والسمر ولا هوادة بين الرأس تأخذه ... يد الضاربة بين الصارم الذكر فلا تغرك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر ما لليال أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد الغير في كل حين لها في كل جارحة ... منا جراح وان زاغت عن النظر تسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالا يم ثار إلى الجاني من الزهر والقصيدة في خمس وسبعين بيتا عدد فيها بعد هذه المقدمة ما لقي أبناء الزمان وبعض أمراء الأيام من بوائق الحدثان وقد شرحها شرحا مستوفي ابن بدرون الأندلسي وطبعت في أوربا في جملة ما طبع من كتب الأندلسيين نشرها دوزي المستشرق الهولندي. مجموع رسائل في أصول التفسير وأصول الفقه جمعها وعلق حواشيها المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي طبعت بمطبعة الفيحاء في دمشق سنة ١٣٣١ ص٦٣ هي ثلاث رسائل الأولى في أصول التفسير للإمام جلال الدين السيوطي وهي أهمها لأنه لم يسبق إلى الآن في الأيدي متن أو رسالة يحوي لباب ما يبحث في النفسي إلا هذا الذي انتخبه ناشر الرسائل من نقابة السيوطي. والرسالة الثانية في أصول الفقه لابن حزم والثالثة مجمع الأصول ليوسف بن عبد الهادي وعليها كلها حواش تبين غوامضها. تاريخ الجهمي والمعتزلة

стр. 5919

تأليف المرحوم جمال الدين القاسمي نشر في مجلة المنار أولا وطبع بمطبعتها بمصر سنة ١٣٣١ هـ. ق وسنة ١٢٩٢ هـ. ش هذه الرسالة مستوفاة للشيخ القاسمي أيضا تدل على بعد غوره وتحقيقه لعيون المسائل التي كان يخوض فيها ﵀. والجهمية فرقة من فرق المسلمين انتحلت مذهب الجهم ابن صفوان من أهل خراسان ينسب إلى سمرقند وترمز ومحتدي الكوفة وكان مولى لبني راسب من الازد اخذ الكلام عن الجعدي بن درهم وكان فصيحا اتخذه الحرث ابن سريج التميمي أيام قيامه بخراسان كاتبا له وكان يقص في بيت الحارث في عسكره وكان يخطب بدعوته وسيرته فيجذب الناس إليه وكان يحمل السلاح ويقاتل معه وكان صاحب مجادلات ومخاصمات في مسائل الكلام التي يدعو إليها وكان أكثر كلامه في الإلهيات قتل سنة ١٢٨ في خراسان ومرجع فلسفة جهم تأويل آيات الصفات كلها والجنوح إلى التنزيه البحت وبه نفى إن يكون لله صفات غير ذاته وان يكون مرئيا في الآخرة وان يتكلم حقيقة واثبت إن القران مخلوق إما المعتزلة فقد نشرنا مبحثا فيهم في المجلد الثالث ص١٦٣ من هذه المجلة ففيها حقيقة حال المعتزلة ومذهبهم ورجالهم وتأثيراتهم قاموس القضاء العثماني لسليمان أفندي مصوبع طبع في مطبعة العرفان في صيدا صدر الجزء الرابع من هذا المعجم المفيد في القضاء العثماني وفيه كالأجزاء السابقة فوائد لايستغنى عنها كل من يعيش في هذه السلطنة من أبناء العرب الذين لا يعرفون اللغة العثمانية فعساهم يقبلون عليه لتصح عزيمة مؤلفه على إتمامه فان كتب الحقوق الحديثة عزيزة في لغتنا وحاجتنا كل ساعة ماسة إليها. دفع الهجنة في اتضاح اللكنة لمعروف أفندي الرصافي طبع على نفقة مجلة لسان العرب في الأستانة سنة ١٣٣١ ص١١١ ألف صديقنا هذه الرسالة منبها فيها على الألفاظ التي استعملها الأتراك العثمانيون في غير معناه العربي وعلى ما لم يكن عربي وهم يحسبونه عربيا وأخذها العرب منهم فاستعملوها

стр. 5920

استعمالهم وأورد على ذلك الأمثلة التي تدل على بعد غوره وتحقيقه في هذه المسالة اللغوية. التحفة الايقاظية في الرحلة الحجازية لسليمان أفندي فيضي الموصلي طبعت في المطبعة المحمودية في البصرة سنة ١٣٣١ ص٣١٠ هو كتاب لطيف وصف فيه المؤلف رحلته في ذهابه وإيابه من البصرة إلى الحجاز مارا بسورية وأزمير وسيسام والاسيتانة وحلب وبغداد وقد ذكر المشاهد والأحوال وما تأثرت به نفسه ووصلت إليه يده من الإيضاحات وكلها نافعة وقد جعل في مقدمة الكتاب التقاريظ النثرية والشعرية التي كتب له بها بعض أدباء العصر وهي في ٩١ ص جعلها مفصولة عن الكتاب ونعما فعل فنشكر للمؤلف الفاضل هذه العناية. تاريخ حرب البلقان تأليف يوسف أفندي البستاني بمصر أجاد مؤلف هذا الكتاب الذي وقع في ٣٢٧ صفحة فذكر فيه الحرب البلقانية الأولى والثانية وحلاه بنحو ٤٠ رسما وخريطتين ونقل ما قاله المكاتبون الحربيون وغيرهم في هذه الحرب المشأمة متحريا ما التجرد عن الغرض على ما يجب على المؤرخ وفي الكتاب من المستندات التاريخية الحقيقية ما تقر به العين ويدل على أدب الكاتب. الهدى إلى دين المصطفى الجزء الأول طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ تأليف كاتب الهدى النجفي ص (٣٩٣) هو كناب في الجدل الديني إلفه مؤلفه جوابا على مقالة في الإسلام لجرجس صال الانكليزي أو رسايل وكتاب الهداية في الرد على كتابي إظهار الحق والسيف الحميدي لأنه وجدهما على طريقة ينكرها شرع التحقيق في البحث والأدب في الكلام والأمانة في البيان ولا يرتضيها خدام المعارف وذلك بلسان هو إلى الأدب والحجاج الديني المعتدل وينم عن الاطلاع على الدينين السماويين الإسلام والنصرانية فلمؤلفه الشكر على عنايته وأنصافه
следующие страницы →