← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يجري من ذلك في أوربا كلها وربما بلغت إفريقية. هذا ما نعربه بالحرف عن بعض المجلات العلمية فإذا صح فيكون هذا النبات من أغرب ما تم من الاكتشافات في المواليد الثلاثة حتى الآن. آلة تنفس جديدة اخترع عالمان من سان فرنسيسكو آلة للتنفس تفوق ما اخترع من نوعها حتى الآن إذ تمكن بواسطتها كل إنسان أن يدخل آمناً إلى وسط الدخان مهما كان كثيفاً والغاز مهما بلغ من خطره وقد جرب اختراعهما أمام لجنة خاصة في لندن فأسفر عن نتائج حسنة. وإذا حمل الإنسان هذه الآلة وهي عبارة عن ثلاثة اسطوانات يستطيع أن يمكث ساعة في محل فسد هواؤه بالدخان أو الغاز أو غيره. حائق العملة كتب أحدهم في إحدى المجلات الفرنسية فصلاً في الحدائق التي أنشئت لفائدة العملة وإعانتهم فقال أنها لم تكن معروفة قبل سنة ١٨٩٧ وإن يكن أول ما أسس من نوعها كان في القرن السادس عشر أيام أنشئت ٢٣ حديقة في كرافلين في فرنسا وأنه بلغ عدد تلك الحدائق اليوم في فرنسا وحدها ١١. ٥٤٣ حديقة مساحتها السطحية ٣٥٠ هكتاراً يربح منها نحو ٧٢ ألف نسمة. مدرسة الأيامى وصف أحدهم مدرسة الأيامى التي أنشأتها في الهند امرأة اسمها رامباي من دعاة الإصلاح في بلادها فعلمت بعض الأيامى من النساء التعليم اللازم وأشربتهن كره الزواج على صغر فبذلك تمكنت من تزويج مئات من بنات جنسها وجعلهن بحيث يحصلن ما يقوم بنفقاتهن. الراحة والفكر ذكر بعض الباحثين أن الحياة مقدسة وأن ما يهم منها خصوصاً حفظ العقل ولا يحفظ العقل إلا بالراحة فعلى كل امرئٍ أن ينام متى أراد ويطيل نومه ما شاء لأن الرقاد يعد في الحقيقة اقتصاداً لا تضييعاً وأحسن المحسنين لبني جنسه من يتمكن من إيجاد السبل لإنامة المرضى والموجوعين.

стр. 632

موت الأطفال رأى الدكتور هرمان لكران أن معدل من يموت من الأطفال في القاهرة من ابن يوم إلى ابن خمس سنين ١٤٥ في الألف وفي الإسكندرية ١٣٠ في الألف ومن ابن خمس سنين إلى عشر ينزل هذا العدد إلى عشرة في الألف. مادة للتطهير اخترع أحدهم مادة جديدة لاتقاء خطر الغبار في الشوارع والحارث وقد كتم مخترعه سر اختراعه إلا أنه فهم أنه عبارة عن رواسب زيت معدني وقطران ومطهرات من الفساد. ويستعمل في تطهير الطرق غير المبلطة ويكلف تطهير كيلو مترين من الأرض سبعة جنيهات وجنيهاً واحداً أجرة عجلة يمكن اقتصادها من نفقات الرش وقد سماه الباهنيت. المطالعة في أميركا بحث بعضهم في الولايات المتحدة منذ ثلاث سنين ليقف على أكثر أصقاعها ولوعاً بالمطالعة فرأى لبلوغ هذه الغاية أن يقسم في كل ولاية عدد الكتب المستعملة في المكاتب والمدارس والجمعيات العمومية على مجموع عدد السكان واستثنى من ذلك الكتب الموقوفة على المراجعة في الخزائن العامة. فأسفر بحثه عن نتائج غريبة ورأى أن القطرين اللذين تكثر فيهما المطالعة هما الواقعان على شاطئي الأتلانتيك والباسيفيك من الولايات المتحدة. ففي ولاية نيوانكلاند يستعمل كل مائة نسمة ٢٤٣ كتاباً وفي كليفرنيا ٢٠٧ وفي ولاية نيويورك ١٥٥. العمل والحياة أفاض أحد كتاب الإنكليز في العلاقة الكائنة بين العمل والحياة فقال أنه تنبغي العناية بالبالغين من الأولاد وأن يحسن تلقينهم من أساليب العلم والعمل ما يستطيعون معه أن يتعلموا بعد لأنفسهم بأنفسهم فينجزون ما تعلموه بالقراءة والتأمل. فإن العلوم الابتدائية في إنكلترا ناقصة والبلاد تدفع من النفقات على التعليم ما لا تأخذ ثمرة تقابله فلا يعلم الأطفال الإنكليز ما يجب عليهم أن يمارسوه في الحياة من الشرف والعدل والعمل النافع للمرء بذاته وللمجتمع بأسره ولا يعرفون قيمة الثروة العامة ومعناها الحقيقي.

стр. 633

إغاثة المرضى بحث أحد علماء الألمان في المعاهد التي تساعد المرضى في فرنسا وألمانيا فقال أن بافيرا تنفق في السنة ٩. ٨٩٢. ٤٤٤ ماركاً في هذا السبيل وسكانها ستة ملايين وأن لبرلين ١٢٠٠ معهد وجمعية وشركة لإغاثة المرضى وأن في باريس ١٦٠٠٠ مكتب للإحسان تغيث مليوناً وأربعمائة ألف مريض فقير وأن ثروة هذه الإدارات تبلغ ٤٤٦ مليون فرتك. هجرة الأوربيين إلى أميركا في مقالة في إحدى المجلات الألمانية إن هجرة الأوربيين إلى أميركا ما بحرت على حالها وقد هاجر منذ سنة ١٨٠٠_٢٢ مليوناً من الأوربيين على الأقل نزلوا في الولايات المتحدة. ومن سنة ١٩٠٠ إلى ١٩٠٣ هاجر من أوربا ٥. ٣٠٠. ٠٠٠ ألف نسمة منها ٣٠. ٠٠٠ من الألمان و٣١٧٠٠ من الأيرلنديين و١٤٠٠٠ من الإنكليز و١٨١٧٠٠ من الطليان و١٠٩٦٠٠ روس وبولونيين و١٦٣٧٠٠ نمساويين ومجريين. الأولاد العاملون يؤخذ من إحصاء جرى في ألمانيا سنة ١٨٩٨ أن فيها ٥٣٢٢٨٣ طفلاً مستخدماً في التجارة والصناعة وأن للنمسا من كل ٨٠. ٥٨٩ طفلاً ٢٣٠١٦ طفلاً أي زهاء ٢٨ في المائة من مجموعهم يعملون بأيديهم وأن في سويسرا ٥٣ في المائة من الأطفال يعملون بأيديهم لاكتساب قوتهم ومنهم ٤٢ بالزراعة. الكتب في إنكلترا قسم أحد مشاهير الكتبية في لندن القراء ومن يبتاعون الكتب إلى ثلاث طبقات الأولى طبقة رجال العلم ممن يؤلفون ويضطرون إلى الوقوف على ما ينشر من الكتب في العلوم التي تمحضوا لها وهذه الطبقة قليلة العدد. وطبقة المتعلمين وهي تقدر الكتب الجديدة قدرها. وطبقة الشعب عامة ممن لا يتناولون إلا ما يهمهم ويروقهم ويسليهم من الأسفار المتوسطة الاعتبار. قال ويندر أن يطبع من رواية مهما بلغ من الإقبال عليها عشرة آلاف نسخة ومتوسط ما يطبع من رواية ألف أو ألفا نسخة ونفقات الطبع غالية فألف نسخة من مجلد تكلف ٢١٢٥ فرنكاً أجرة صف حروفها وطبعها وثمن ورقها وتجليدها وتغليفها يضاف إليها

стр. 634

١٢٥٠ فرنكاً أجرة إعلانات فيأخذ المؤلف عشرة في المائة من المبيع وهي أجرة زهيدة لا تقابل تعبه ولا يتأتى الربح إلا إذا جاوز المبيع ألفي نسخة وكثيراً ما ينتهي الأمر بخسارة فيضطر الكتبي أن يبيع الكاسد من الرواية في المزاد. وبالجملة فإن صناعة الكتبية في إنكلترا كما هي في فرنسا معرضة للأخطار لأنه لا يتيسر أن يعرف ما يناله الكتاب من القبول عند صدوره. فنادق شاهقة روى اللواء الأغر أن الحكومة المصرية أذنت ببناء بعض الفنادق حوالي الأهرام وأبي الهول على الطريقة الأميركية. والبناء الذي يشاد على تلك الطريقة يبلغ ثلاثين أو أربعين طبقة وكلها من الفولاذ الصلب الذي لا تحرقه النار ولا تهزه الزلازل ويسمي الإنكليز تلك المباني ماسة السماء لعلوها وارتفاعها. ولا يخفى أن الواقف بأعلاها يستطيع أن يشاهد وادي النيل ممتداً تحت أقدامه كما يراه الناظر في خريطة ولعل الأميركان أرادوا أن يسلموا بتلك المباني الفاخرة ما بناه خوفو وخفرع ومنقرع في القرون الغابرة. أثر عربي ازدانت هذه المرة خزانة كلية هيدلبرغ الألمانية بزهاء ٢٠٠ أثر تاريخي بينها لوحة من الخشب كتب عليها جزءٌ من سورة الأعراف وكتاب كتب على عظم غنم يرد عهده إلى ٢٣٩ للهجرة وهو من أقدم الكتابات العربية القديمة المعروفة ودرج ذكرت فيه صحيفة من ابن لحية وعدد كبير من أوراق تتعلق بجباية الأموال كتبت بأجمل خط بقلم قرة بن شريك عامل مصر في النصف الثاني للقرن الأول للهجرة وقد نشر العالم الدكتور بكير صورها واستخرج بعض نموذجات منها طبق الأصل وقدم لها مقدمة مع تفسير الكلمات العربية فمتى نرى في الشرق بعض رجالنا ينقطعون للبحث في آثارنا العربية فإننا أحق بمعرفة بيوتنا من غيرنا. \

стр. 635

وفاة رياضي فقدت المدرسة الكلية الأميركية في بيروت هذا الشهر أستاذاً من أكبر أساتذتها وعالماً من جهابذة العلماء القيمين عليها نفع البلاد بفضل علمه وفنه ونعني به الأستاذ روبرت وست الأمريكي فعز نعيه على تلاميذه وأحبابه وقد ترجمته النشرة الأسبوعية بما يأتي ملخصاً. ولد في ولاية بنسلفانيا سنة ١٨٦٢ وهو ابن قسيس فاضل أحكم العلوم والفنون في كلية برنستن أم كثيرين من أساتذة المدرسة الكلية السورية وهي من أشهر كليات أميركا. ونال شهادتها سنة ١٨٨٢ ثم شغل بدرس دروس خاصة في علم الفلك والرياضيات العالية حتى اشتهر بعد قليل بأنه من كبراء الرياضيين. وأتى إلى بيروت سنة ١٨٨٣ فكان من معلمي مدرستها وكان أولاً من أساتذة اللغة الإنكليزية فيها ثم صار أستاذ الرياضيات والفلك. ومما قاله الدكتور بورتر في وصفه كان الأستاذ وست عالماً محققاً كثير التدقيق في العلوم يبذل الجهد في إدراك كنه الحقائق وكان يعلم بإحكام وإيضاح فيبلغ المسائل العويصة بعبارات بسيطة حتى يبلغ ذهن الطلبة اليقين ولهذا كانوا يثقون بعلمه كل الثقة. وقال الأستاذ بولس الخولي أن الفقيد كان أستاذاً مقتدراً ومن أدلق اقتداره ثلاثة (١) أنه كان يعلم ما يعلمه حق العلم و (٢) أن تعليمه كان على أحسن أسلوب فكان يرغب تلاميذه في البحث عن الحقائق لأنفسهم وكان في مقدمتهم في الدرس والاجتهاد والصبر و (٣) أن سجاياه كانت تؤثر في أفئدة الطلبة فإنه عرف شؤونهم وأحبهم واهتم بهم فلا بدع إذا كان الأسف عليه عظيماً.

стр. 636

العدد ١٢ - بتاريخ: ١٥ - ١ - ١٩٠٧

стр. 637

صدور المشارقة والمغاربة شيلر ١٧٥٩_١٨٠٥ المؤثرات في أخلاق الرجال كثيرة وأهمها التربية والمحيط فكلما حسن هذان العاملان جاءت منهما نفوس مجردة عن الشرور نازعة إلى خير الأمور وأكثر العلماء على أن من الأخلاق ما هو طبيعي ومنها ما هو كسبي يستفاد بالعادة والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقاً. قال بعضهم ليس شيءٌ من الأخلاق طبيعياً للإنسان ولا نقول أنه غير طبيعي وذلك أنا مطبوعون على قبول الخلق بل ننتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعاً أو بطيئاً. وهذا الرأي الأخير هو الذي اختاره العلماء المتأخرون وأكثر فلاسفة الإسلام ومنهم ابن مسكويه وأحسن ما جاء في تربية النفس والأخلاق قوله تعالى ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. هذه القاعدة الكلية في التربية لا تكاد تتخلف ويشتد ظهورها في كبار رجال الخليقة مثل مترجمنا اليوم شيلر الألماني رافع علم الحرية والنهضة الأدبية في أمته والساعي إلى إعلاء شأنها وإبلاغها درجات الكمال فقد أثرت في التربية الأولى التي ينشأ عليها كل سليم الفطرة في الغالب من حب الخير المحض وكره الشر فاشمأز من أعمال البشر وسيئات الحياة ثم لما قذفت به أدوار الحياة إلى المدرسة الحقيقية وأعني بها مدرسة العالم وأخذ في مثافنة كبار أرباب العقول وحملة العلم المقرون بالعمل تحلى له الراجح من المرجوح وصرح له الحق عن محضه وكشف له أصحابه وجه الحقيقة في أمور كثيرة. وكل قرين بالمقارن يقتدي. لم يكن شيلر كصاحبه كيتي رجلاً خدمه السعد وحالفه الرغد بل كان من شقاء الحياة وقلة ذات اليد المثل المضروب والرجل المحروب المحزوب. عزم والده أن يعلمه اللاهوت من أول أمره ليكون له مورد رزق في حياته ويعيش عيش الواعظين والمرشدين وإن شئت فقل عيش الزاهدين والمزهدين إلا أن الدوق شارل وجين دي ورتمبرغ أشار على والديه أن يبعثا به إلى مدرسة شارل لتي أسسها في استوتكارت وفيها درس الحقوق والطب

стр. 638

وانصرف مدة الدراسة إلى مطالعة الكتب المحظور تلاوتها على التلاميذ سراً وقراءة جانب من أسفار الأدب من سنة ١٧٧٣ إلى سنة ١٧٨٠. ولما خرج من المدرسة عين جراحا في الجيش براتب ١٨ فلوريني في الشهر فضاقت به الدنيا بما رحبت إذ كان يقضي عليه أن يخضع لنظام الجندية وينثني صاغراً لأوامر أمير نكاد مستبد ولعة بكشف رعاياه عن أسرارهم الخالصة ومراقبة سيرهم عن أمم. فلم تمض عليه سنتان في خدمة الدوق دي ورتمبرغ حتى ضاق صدره بما يلقاه من جور القوانين النابية في الأغلب عن طور العقل فخاصمه لأنه كان يمنعه من نشر شيء من قلمه في الأدب وحبسه مرة خمسة عشر يوماً لأنه ذهب لحضور رواية تمثيلية بدون إذن فاضطر شيلر أن يفر بنفسه ليتمتع بحريته فتوارى مدة عن الأنظار مخافة أن يقبض عليه ويسلم للدوق في ورتمبرغ وظل سنتين بعد ترك الخدمة يقاسي صروف الحدثان لا ملجأ ولا مورد ولا مال ولا فراغ بال. أجول من قطرب وأفلس من ابن المذلق وأهون من قعيس على عمته يقذف به نجد إلى سهل وسهل إلى حزن وبؤسه متصل كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها إن راح ذات اليمين تطوح به الطوائح ذات الشمال وإن اتجه نحو الشرق صاح به صائح عليه بالغرب وكأن الطبيعة عاندته في جسمه وصحته كما عاندته في وفره وماله. فقد كان نحيفاً ضئيلاً يمشي كاللقلق حرم الذوق حتى يكاد يضحك منه من يراه ولطالما سخر منه أصحابه عند تمثيل رواياته إذ لم يكن يعتني بهندامه ولا بملابسه فكنت تراه رث الهيئة والسربال وبيل المسكن تنبعث من غرفته رائحة الدخان الذي يدخنه وتراها غاية في التشويش فمن سخ من مصنفاته مطروحة في كل ناحية ومن بطاطا ملقاة مبعثرة في الزوايا ومن صحاف فارغة وزجاجات وأوان وغيرها تجدها هنا وهناك. وكثيراً ما كان صديقه كيتي يضجر من مجالسته في غرفته على عهد صداقته الأولى ولما بحث عن سر النتانة تبين له أن شيلر يحفظ التفاح العفن في جرار مائدته. وهكذا كانت فاتحة حياة شيلر بؤساً وشقاءً وعناءً. روح ملتهبة متحمسة محصورة في جسم سريع العطب لها اتصال بالعالم الخارجي ولكن على أردأ الوجوه والصور وحالته الداخلية مقيدة بأمور خارجية لا ترضيك بوادرها فكادت تكون تربيته وحشية تقتل فيه روح الاستقلال وذلك لما يعانيه من الشقاء الذي يكرهه على الجهاد المتواصل لتحصيل رزقه كل

стр. 639

يوم وكاد ما يلقاه من الألاقي في صباه يقضي عليه بالتأخر في سبيل العلم وهو أبداً يتقاذفه عاملان أفكاره الفلسفية الخيالية وميله إلى الآراء الثورية. وبالجملة فقد كان على فقره وضعفه لا يرضيك ظاهره لأنه لم يخلق ليعجب الناس ويذهب بفضل الشهرة بينهم مثل كيتي صديقه ولا ليعيش في العالم عيش السعداء ويستمتع بطيبات الحياة الاجتماعية ولذلك تخلى شيلر وهو في سن الفتوة عن العالم الخارجي وعمد إلى الغوص في عالم الفكر والخيال وقد ذكر أحد واصفيه الأدوار التي تغلبت عليه فقال: إنه كان لأول عهده بعيداً كل البعد عن العالم الحقيقي يشتعل ذكاءً ممزوجاً بالعجب وقد أثرت فيه كتابات جان جاك روسوا الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي وغيره من شعراء ألمانيا فأصبح عدو المجتمع اللدود وخصيم التمدن الحديث والقديم. عرف بالاشمئزاز من أحوال البشر وبسوء النظر في مستقبل العالم وبسلامة النية في دعوة الخلق إلى الكمال على ما تجلى ذلك في كتاباته التي نشرها في صباه ثم بدلته التربية وأثر فيه صحابه وعشراؤه فأخذ يحسن ظنه بالمدنية الحاضرة وارتأى أن يخرج الإنسان من طور الطبيعة أولاً ويدخل في ميدان الجهاد بعمله مقاماً أدبياً محموداً فيكون من ذلك سعادة الإنسانية. وقالوا في وصف شيلر أيضاً إنه لم يكن يعشق الطبيعة مثل صاحبه كيتي وما كان ينظر للعالم والناس مثل هذا نظر الصبور الذي لا غرض له ولا هوى بل كان يهتم بحالته الداخلية أولاً ثم بأفكاره وما شعر بأنه كان يتخمر في نفسه ويغلو في صدره من الإحساس والشعور فما ذكره في شعره وألم به في نثره من أحوال العالم هو ما وقع في قلبه وقاسى منه بذاته واقتنع به اقتناع فيلسوف وأخلاقي. ومن أهم ما شعر به ميله إلى الحرية ولكنه كان ميلاً مجرداً ليس فيه أثر للعمل إذ١ لم تخلق مع شيلر تلك الخاصية من إثارة النفوس وإهاجة العواطف وقد منحته فرنسا عام ١٧٩٢حق الوطنية الفرنسية لحريته وتحمسه. ولقد أشرب قلبه حب الحرية فيه من فطرة سليمة تأبى الظلم ولا تميل إلى الصغار. وكان هذا الاستعداد فيه رد فعل طبيعي لما قاساه من الضغط منذ دخل المدرسة بل إنه حجة له لنقض أساس الاستبداد الذي عرف به صغار أمراء ألمانيا ممن لقي منهم الشدائد. جاء في موسوعات العلوم الفرنسية: وفي سنة ١٧٨٧ ذهب شيلر إلى مدينة ويمار رجاء نيل الزلفى من ثلاثة كتاب وهم ويلاند الشاعر الأديب وهردير الكاتب الفيلسوف وكبتي العالم

стр. 640

الفيلسوف وكان الدوق شارل أغست قد استدعاهم إلى حماه وجعلهم من رجال قصره فأراد شيلر من تقربه منهم أن يسلك سبيلهم في تقوية جميع قواه مطلقة حرة بدون أن يهتم لغير ذلك من أسباب النجاح فخاب سعيه أولاً مكن الانضمام إليهم وتكثير سوادهم ولكنه بقي مقيماً في ويمار وإن كان بعيداً عنهم رغم إخفاق ما قصد له وانتهت به الحال بعد بضع سنين قضاها في أشق أنواع الصبر المحزن إن نال مرتبة ثابتة فعين أستاذاً في كلية اينا سنة ١٧٨٩ وفي السنة التالية تزوج بشارلوت دي لانجلفلد فرأى منها رفيقة تفهم مغازيه ومراميه وتحبه وتعنى بأمره وتخلص في خدمته خصوصاً في أوقات مرضه. فساعده حب زوجته له وإعجاب تلاميذه وأصحابه بمواهبه واحترامهم له على التفرغ للعمل براحة بال أكثر من ذي قبل فأخذ يتغير شيئاً فشيئاً وأخذت تهدأ أفكاره من اضطرابها وتلين نفسه بعد شموسها وتجلت له الغاية التي يرمي إليها ويقضي عليه بعد ذلك أن يقتحمها بعزم ومضاءٍ. فراح يبذل أقصى مجهوده في التأليف وكثيراً ما كان يفرط في النظر ويعمل في الكتابة عملاً يجاوز الطوق ثم دعته الحال أن يتوفر على دراسة التاريخ دراسة الخبير البصير ليزيد به خبرة ويلقح به شعره. وكان يكتب في صغره كيفما اتفق فرأى من الضروري أن يستكثر من المعارف التاريخية الثابتة المحسوسة وأيقن أن مادته لا تغزر وأفكاره لا تنضج إلا بالتخلي عن الشعر زمناً والانقطاع إلى درس التاريخ وأن يتعلم كما قال عن نفسه أموراً كثيراً هو في حاجة إليها ويزرع قبل أن يحصد. ثم درس العلم الإلهي وأمور الآخرة أي درس الفلسفة في كتب فلاسفة اليونان الأقدمين ويتحر في فلسفة كانت الحكيم الألماني الشهير فاستفاد من دراسته فلاسفة اليونان لطف الأداء وجلاء المعاني ووضوحها وسهولة المأخذ مما لم يكن له أثر في منظومه ومنثوره ورأى في كانت أعظم ممثل للأفكار الحديثة وراقه منه حكمه السامية التي ذهب بها مذهب زينون الفيلسوف اليوناني كما راقه بأفكاره في الجمال والفنون. وقد دفع المترجم به إلى درس كتب الفلسفة اليونانية ويلاند المشار إليه كما دفعه إلى التبحر في مصنفات كانت رينهولد الفيلسوف حتى أصبحت تآليفه التي صدرت عنه في تلك الحقبة من حياته كأنها توفيق من الفلسفة اليونانية والكانتية أي بين الفلسفة القديمة والفلسفة الحديثة. وفي سنة ١٧٩٤ استحكمت صلات الود بين شيلر وكيتي وكانا تعارفا سنة ١٧٨٨ تعارفاً

стр. 641

لم يؤد إلى إحكام علاقات القلوب فانتفع المترجم من صاحبه كثيراً وأقل ما استفاد منه أنه أراده على الرجوع إلى حظيرة الشعر وكان زهد فيه زمناً على ما تقدم وانصرف إلى التاريخ والفلسفة. عاد إليه بنشاط غريب بعد انقطاعه عنه ست سنين. ثم مرض سنة ١٧٩١ مرضاً كاد يودي بحياته فلما ابل آلى أن يغتنم الساعات الباقية من حياته ليبقي له آثاراً تنفع الناس فألف في مدة عشر سنين وهي المدة التي قضاها في عشرة كيتي تآليف كثيرة كأنه كان يسارق بها المنون وأكثرها في الشعر والأدب والنقل عن اللغات. وقصارى القول فإن شيلر الأديب الشاعر المؤرخ الحكيم المفكر هو بعد كيتي أكبر رجل من أهل الأدب في ألمانيا وربما كان مشتهراً لدى الخاصة والعامة أكثر من صديقه. وقد حسده معاصروه ولم يعترفوا به حتى أن المحدثين من أهل الأدب الساعين إلى نزع قيود الإنشاء القديم ومنهم الفيلسوف نيتتش الألماني حمل عليه حملات منكرة ولعل حملات هذا الفيلسوف كانت على شيلر في الزمن الذي جن فيه وهو لا يقل عن عشر سنين وهذي بالفلسفة هذيان المحموم. وامتاز شعر كيتي على شعر شيلر بأنك تقرأ في الأول النبالة والترف وشعر الثاني يطرب به الشعب فكأن الأول لزعماء الأمة والثاني للأمة نفسها وإن شئت فسمهما شاعر الأغنياء وشاعر الفقراء. وقد وصفت صاحب هذه الترجمة العقيلة دي ستايل الكاتبة الفرنسية في كتابها ألمانيا بما يأتي معرباً بقلم أحد أصدقائنا: كان شيلر عظيم الذكاء ثابت الاعتقاد وهما خلتان قل أن يجتمعا في رجال الأدب. تقرأ بين عينيه ما يسري بين جنبيه وترى شخصه مصوراً في كتابته يوحي إليك ذلك الأدب الوافر والعلم والفضيلة النادرة. وما كان شيلر ممن يغيرون اعتقادهم تمويهاً وتضليلاً لغيرهم. بلى كان يحب الشرف ويشغف بالمجد فيسعى إليهما من كل سبيل. وما أجمل الذكاء الذي سرى في أعطافه الشرف وقوة النفس إذا امتزجت بصفاء السريرة. فقد كان شيلر صديقاً وفياً وأباً رحيماً وزوجاً باراً يحترم النساء ويعجب بالفنون الجميلة ويعبد البارئ تعالى على ما وهبه من ذكاءٍ نادر على ما ترى ذلك ماثلاً في مصنفاته لو قلبت تضاعيفها وحدقت في سطورها. ولقد لقيت شيلر لأول مرة في قصر الدوق دي ويمار في مجلس حافل بأهل العلم فإذا هو

стр. 642

يتوقد ذكاءً وبعد نظر. وكان يجيد قراءة الفرنسية وإن لم يتكلم بها وقد ناظرته في أفضلية طريقة التمثيل عندنا فقام يعارضني على ما يجد في لسانه من حبسة وعجز عن التكلم بالفرنسية وإبان عن فضل جم وعلم واسع فانقلبت من المجلس وأنا احترمه وأبجله.

стр. 643

النقل والنقلة ليس العلم وقفاً على أمة معينة ولا على أهل دين خاص ولغة خاصة بل العلم مشاع بين سكان الأرض يقتبسه الراغبون فيه ممن عرفوا غناءه لهم وفائدته لقيام جامعتهم وإعلاء كلمتهم كما أن الحضارة تنتقل من يد إلى يد وتأخذها الأمة المتحضرة عن جارتها أو ترثها عن أختها الذاهبة. ولذلك لم تستغن أمة في النقل عن غيرها ما يعوزها من علوم البشر على اختلاف أنواعها نقلاً ينتفع به أهل جيلها وقبيلها ويؤثر الأثر المطلوب في العقول. فقد نقل الفرس علومهم عن جيرانهم الهنود ونقل الرومان عن اليونان ونقل اليونان عن المصريين ونقل العرب عن اليونان والفرس ونقل الإفرنج عن العرب واليونان والرومان وغيرهم من أمم الخليقة. وقد مست الحاجة في هذا النقل إلى ترجمة أهم كتب أولئك الأقوام في الصناعات والديانات وعلوم الحكمة والطب والرياضيات والشرائع والتاريخ والأدب. هذا الكثير من العلوم التي نراها لعهدنا وكتبها التي لا تحصى في كل ضرب من ضروب المعرفة النافعة لسعادة الخلق هي ولا جرم من عمل القرون المتطاولة هي زبدة تجارب صفوة بني آدم وأغض ثمرات عقولهم منذ ألوف من السنين تكونت فيها أمم كثيرة ثم بادت وقامت مدنيات تذكر ثم سقطت منها ما نقل إلينا ومنها ما لم ينقل. فكما أن اللغات والشعوب ترجع إلى أصول قليلة تفرع عنها هذا العدد الدثر من الأجيال المعروفة في قارات الكرة الأرضية الخمس فكذلك كانت العلوم قليلة وما برحت تنمو بنمو الأيام والأزمان. وحال النقل من حيث القلة والكثرة حال العلوم والأمم حذو القذة بالقذة. ولما تم للعرب النصر وتبسطوا في مناحي الملك والسلطان وانتشرت لغتهم في معظم الأصقاع التي افتتحوها انصرفت عنايتهم إلى تنظيم بلادهم بنظام الأمم التي سلفتهم إذ أيقنوا أن ليس كالعلم كفيلاً ببقاء أمة وضامناً لها سعادتها والعلم لا يتم إلا بالنقل عن أمة أخرى. وقد أمر الرسول ﷺ أحد أصحابه بتعلم لغة اليهود كما تعلم بعض الصحابة لغة الحبشة لما هاجروا إليها في بدء الدعوة الإسلامية. دع عنك من دخلوا في الإسلام من الفرس ومن تعلم من العرب لغة فارس. وهذا كان مبدأ النقل والتعريب وإن لم يؤثر عن هذا الدور كتاب ولا رسالة لأن الأمة كانت أمية ولم تكن دونت بعد أهم علم عندها إلا وهو علم الدين فأحر بها أن لا تنقل عن غيرها علوماً هي بالنسبة إليها ثانوية. وأول كتاب نقل إلى العربية كتاب أهرن بن أعين وجده عمر بن عبد العزيز في خزائن

стр. 644

الكتب فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه واستخار الله في إخراجه إلى المسلمين للانتفاع به فلما تم له في ذلك أربعون صباحاً أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم وكان المنصور أول من عني من العباسيين بنقل شيءٍ من علوم الأوائل ثم مشى على أثره جعفر البرمكي وجماعة من صنائع الدولة إلا أن غرام المأمون بذلك كان من وراء الغاية. قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي أن العرب في صدر الإسلام لم تعن بشيءٍ من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم غير منكورة عند جماهيرهم لحاجة الناس طراً إليها فهذه كانت حال العرب في الدولة الأموية فلما أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم ثبت الهمم من غفلتها وهبت الفطن من ميتتها وكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور وكان مع براعته في الفقه كلفاً في علم الفلسفة وخاصة في علم النجوم. قال ولما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هرون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم في مواضعه وداخل ملك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة فبعثوا إليه منها ما حضرهم فاستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم أحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حرض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها فكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكرتهم علماً منه بأن أهل العلم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده. نعم بلغت عناية المأمون بالعلم والنقل التي لا فوقها وقد ادعى بعضهم أن عدد المترجمين والناقلين والمصححين الذين حشرهم إليه من أطراف مملكته كانوا ثلاثمائة رجل من مختلف الأديان والمذاهب أمرهم أن لا يجعلوا للتعصب عليهم سبيلاً وإن ينبذوا الجدالات الدينية ظهرياً لتكون اجتماعاتهم علمية صرفة. وقيل أنهم كانوا يجتمعون مرة في الأسبوع فتعرض المترجمات على أناس من أهل العلم والبصر بالعربية فيقرون سليمها وينبذون سقيمها. وعلى عهده كثر الاعتماد على النحت والاشتقاق والوضع لترجمة المصطلحات الطبية وغيرها من العلوم المادية وكان المأمون ينفق على المترجمين أكثر مما يصرفه غيره على ملاذه في بضع عشرات من السنين. وبعد فإن الناس من لا يعدون من المؤلفين غير من يأتون بشيءٍ من عندهم ولو غثاً تافهاً

стр. 645

أو ينقلون كلاماً لغيرهم وينسقونه ويضيفون إليه ما يشاءون على أن من عنوا بإجادة النقل والترجمة من لغات الأعاجم إلى لغتهم هم في الأكثر ليسوا في فضلهم وأفضالهم دون أولئك المؤلفين بل أن من ينقل علماً لا عهد لأمته به أفضل من أكثر أرباب التواليف والمصنفات. ولذلك تقاضانا عرفان الجميل لبيض أيادي أولئك التراجمة في الإسلام أن نذكر أسماء من عثرنا عليهم منهم وندل على الجهابذة المهرة فيهم. ولابد من الإشارة إلى أن معظم التراجمة قديماً وحديثاً كانوا من غير أهل الإسلام لحكمة ربما كان فيها معنى من معاني ما قبل من أن العلم لو نزل من السماء لتلقاه قوم من أهل فارس. ولعل تقسيم الأعمال قضى على المسلمين أن ينقطع علماؤهم إلى تدوين العلوم الدينية واللسانية وتركوا غيرها من الأشغال العلمية لمن يحسنها أو يخلق وقد لقنها من صغره من أهل ذمتهم أو غير أرباب نحلتهم. نقل اصطفان القديم الكيمياء لخالد بن يزيد الأموي في القرن الأول كما تعلمها هذا من مريانوس الراهب الرومي فكان هذا أول كتاب نقل. ونقل ماسر جويه السرياني كتاب أهرن بن أعين بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وكان البطريق في أيام المنصور وأمره بنقل أشياء من الكتب القديمة وابنه أبو زكريا يحيى ابن البطريق وكان في جملة الحسن بن سهل. وكان حنين بن اسحق أول من نقل شيئاً من علوم الروم إلى السرياني ثم إلى العربي وكان هذا الرجل يحسن السريانية والعربية والرومية والفارسية بل يعرف غريبها ومستعملها وهو الذي اختار له المتوكل لما أتمنه على الترجمة كتاباً نحارير وكانوا يترجمون ويتصفح ما ترجموا كاصطفين بن بسيل وموسى بن خالد الترجمان وقيضا الرهاوي وسيرجس الراسي. وما أنا بمبالغ لو قلت أن حنيناً نقل ربع ما ترجم إلى العربية من علوم الأوائل أيام التمدن الإسلامي وكان ربعه الجيد الذي لا غبار عليه وذلك لأنه كان زيادة على إحكامه لتلك اللغات الأربع عالماً بالعلوم التي ينقلها من طبها وفلسفتها. ولحنين ولدان داود واسحق صنف لهما كتباً طبية في المبادئ والتعليم ونقل لهما كتباً كثيرة من كتب جالينوس واشتهر اسحق وتميز في صناعة الطب وله تصانيف كثيرة إلا أن جل عنايته كانت مصروفة إلى نقل الكتب الحكمية وكان اسحق يحسن اللغات التي يحسنها أبوه وقلد هارون الرشيد يوحنا بن ماسويه ترجمة الكتب القديمة مما وجد بأنقرة وعمورية

стр. 646

وسائر بلاد الروم ووضعه أميناً على الترجمة. وكان جرجس ابن جبرائيل أول من ابتدأ في نقل الكتب الطبية إلى العربية عندما استدعاه المنصور. وحبيش الأعسم بن أخت حنين بن اسحق وتلميذه ناقل مجود يلحق بحنين واسحق. وعيسى بن يحيى بن إبراهيم كان أيضاً تلميذاً لحنين بن اسحق وكان فاضلاً أثنى عليه حنين ورضي نقله وقلده فيه. وقسطا بن لوقا البعلبكي كان ناقلاً خبيراً باللغات فاضلاً في العلوم الحكمية وغيرها. وما نقله أيوب المعروف بالأبرش في آخر عمره يضاهي نقل حنين. وسلام الأبرش من النقلة القدماء في أيام البرامكة ويوجد بنقله السماع الطبيعي. وأبو النصر بداري بن أيوب وابن رابطة وتيوفبلي وشملي وعيسى بن نوح وقويري وداريع الراهب وهيابثيون وصليبا وثابت بن قمع وأيوب وسمعان فسرازيج بطليموس لمحمد بن برمك. وأبو عمرو يوحنا بن يوسف الكاتب. وترجم آل نوبخت إلى الفارسية وترجموا منها ولابن نوبخت الفضل بن نوبخت نقل حنين في النجوم ومنهم موسى ويوسف ابنا خالد. ومن النقلة من الفارسي إلى العربي علي بن زياد التميمي ويكنى أبا الحسن وسهل بن هارون والبلاذري أحمد بن يحيى وجبلة بن سالم كاتب هشام واسحق بن يزيد ومحمد بن بهرام بن ميطار الأصفهاني والفتح بن علي البنداري وعبد الله بن علي وأبو حاتم البلخي ومحمد بن الجهم وهشام بن القاسم وموسى بن عيسى الكردي وزادوية ابن شاهويه الأصفهاني وبهرام بن مرداشان وعمر بن الفرخان. وابن الفرخان هذا هو أحد حذاق التراجمة في الإسلام وهم كما قال أبو معشر في كتاب المذاكرات حنين بن اسحق ويعقوب بن اسحق الكندي وثابت بن قرة الحراني وعمر بن الفرخان الطبري. ونقل من السريانية الحديثي الكاتب والحسن بن البهلول الأواني الطبرهاني وأبو البشر متى والتفليسي ومرلاحي نقل بين يدي علي بن إبراهيم الدهكي وداريشوع كان يفسر لاسحق بن سليمان بن علي الهاشمي وكذلك إبراهيم بن بكسن وعلي بن إبراهيم بن بكسن وأيوب بن قاسم الرقي ومن نقله كتاب الايساغوجي. ونقل من الهندية أو السنسكريتية إلى العربية منكة الهندي وأبو الريحان البيروني وابن دهن ومن الكلدانية أو النبطية ابن وحشية ونقل سعيد الفيومي عن العبرانية. وكان أبو علي عيسى بن زرعة اليعقوبي المنطقي أحد النقلة المجودين وله تصانيف مذكورة. ونقل من السرياني إلى العربي ونقل عيسى الرقي من

стр. 647

أطباء سيف الدولة ابن حمدان من السريانية أيضاً ونقل منها أيضاً ماسرجيس الطبيب وعيسى بن ماسرجيس كان يلحق بأبيه وكذلك شهدي الكرخي وابن شهدي وكانا متوسطين وفاق الابن أباه في آخره عمره ومن المعروفين بالترجمة ابن جلجل وأبو عبد الله الصقلي. ونقل الحجاج بن مطر للمأمون كتباً منها كتاب إقليدس والمجسطي ثم أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قرة الحراني ونقل للمأمون أيضاً عدة كتب حبيب بن بهريز مطران الموصل وممن نقل عن السريانية كثيراً أبو الخير الحسن بن سوار المعروف وابن الخمار وأبو الفرج الملطي ويحيى بن عدي اليعقوبي. ونقل عن الفارسية عبد الله بن علي الفارسي وعبد بن المقفع نقل عن البهلولية أي الفارسية واليونانية كثيراً من كتب الحكمة وممن أجاد النقل من السريانية وغيرها الحسن بن ثابت بن قرة الصابئ ومن تلاميذه عيسى بن أسيد وكان يقدمه ويفضله. ونقل من اليونانية نظيف القس الرومي. وكان عبد المسيح بن عبد الله الناعمي الحمصي المعروف بابن ناعمة متوسط النقل وهو إلى الجودة أميل وفي درجته زروبابن مانحوه (ماجوه) الناعمي الحمصي. وكان هلال بن أبي هلال الحمصي صحيح النقل ولفظه مبتذل وكذلك كان فثيون الترجمان يلحن ولا علم له بالعربية وكان أبو نصر بن ناري بن أيوب قليل النقل لا يعتد بما نقل ويفوقه بسيل المطران وكان إلى الجودة أميل. ومن المتوسطين في نقلهم أسطاث وحيرون بن رابطة وإبراهيم بن الصلت وثابت الناقل ويوسف الناقل تلميذ عيسى بن صهربخت وأيوب الرهاوي وأبو يوسف الكاتب ويحيى بن البطريق وتدرس السنقل وأبو سعيد عثمان الدمشقي ومصور بن باناس وعبد يشوع بن بهريز وإبراهيم بن بكس. هؤلاء التراجمة الذين عرفناهم في الإسلام وأكثرهم كانوا يرزقون من نقلهم ويعملون مدفوعين بتنشيط الملوك والأمراء والحريصين على خدمة العلم إلا يعقوب بن اسحق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها فإنه كان ينقل لنفسه ولم يرتزق بما كتب. وليس فضل من نشطوا التراجمة دون فضل من ذكرنا من المترجمين كما أن الأفراد الذين نشطوا النقل ورزقوا أناساً عليه يذكرون بالرحمة كما يذكر عمر بن عبد العزيز وخالد الأموي والمنصور والرشيد والمأمون والمتوكل. فقد كان جعفر البرمكي وجماعة من أهل بيته يعنون بأمر النقل والتعريب. وكان منكة

стр. 648

الهندي في جملة اسحق بن سليمان بن علي الهاشمي وكان ينقل من اللغة الهندية إلى اللغة الفارسية وكان شير شوع بن قطرب من أهل جندي سابوريبر النقلة ويهاديهم ويتقرب إلى تحصيل الكتب منهم بما يمكنه من المال. ومنهم محمد بن موسى المنجم وهو أحد بني موسى بن شاكر الحساب المشهورين والرياضيين المذكورين وكان محمد هذا أبر الناس بحنين بن اسحق نقل له هذا كثيراً من الكتب الطبية. قال أبو سليمان المنطقي السجستاني أن بني شاكر وهم محمد وأحمد والحسن كانوا يرزقون جماعة من النقلة منهم حنين بن اسحق وحبيش بن الحسن وثابت بن قرة وغيرهم في الشهر نحو خمسمائة دينار. ومنهم علي بن يحيى المعروف بأن المنجم أحد كتاب المأمون وكان نديماً له وعنده فضل ومال إلى الطب فنقلوا له منه كتباً كثيرة ومنهم تادرس الأسقف كان أسقفاً في الكرخ وكان حريصاً على طلب الكتب متقرباً إلى قلوب نقلتها فحصل منها شيئاً كثيراً وصنف له قوم من الأطباء كتباً لها قدر وجعلوها باسمه. ومنهم محمد بن موسى بن عبد الملك نقلت له كتب طبية وكان من جملة العلماء الفضلاء يلخص الكتب ويعتبر جيد الكلام فيها من رديئه. ومنهم عيسى بن يونس الكاتب الحاسب من جملة الفضلاء بالعراق وكان كثير العناية بتحصيل الكتب القديمة والعلوم اليونانية. ومنهم علي المعروف بالفيوم اشتهر باسم المدينة التي كان عاملها وكان النقلة يحصلون من جانبه ويمتازون من فضله. ومنهم أحمد بن محمد المعروف بابن المدبر الكاتب وكان يصل إلى النقلة من ماله وأفضاله شيءٌ كثير. ومنهم إبراهيم بن محمد ابن موسى الكاتب وكان حريصاً على نقل كتب اليونان ومشتملاً على أهل العلم والفضل وعلى النقلة خاصة. ومنهم عبد الله بن اسحق وكان أيضاً حريصاً على نقل الكتب وتحصيلها. ومنهم محمد بن عبد الملك الزيات وكان يقارب عطاؤه للنقلة والنساخ في كل شهر ألفي دينار ونقل باسمه كتب عدة وكان أيضاً ممن نقلت له الكتب اليونانية وترجمت باسم جماعة من أكابر الأطباء مثل يوحنا بن ماسويه وجبرائيل بن بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع وداود بن سرابيون وسلمويه بن بنان واليسع وإسرائيل بن زكريا بن الطيفوري وحبيش بن الحسن. هذا ما وقفت عليه من حال المتوفرين على النقل والمرغبين فيه قديماً وقد فقدت ملكته من الأمة مدة تربو على خمسة قرون حتى إذا كان أواسط القرن الثالث عشر للهجرة عادت إلى

стр. 649

الترجمة بعض حياتها السالفة بفضل النابغين من مدارس الإفرنج في البلاد العربية أو بالمتخرجين على أساتذة بعض المدارس الوطنية ممن تشبعوا بآداب الأمم الراقية وقلدوهم في ممارسة الأعمال العلمية فنقلوا وما برحوا ينقلون أثابهم الله بعض ما تمس إليه الحاجة من علوم الأمم الغربية على قلة نصيرهم وفقدان البواعث والدواعي مدفوعين إلى ذلك بعاملين ألا وهما إحياء لغة عذبة وخدمة العلم الصحيح ولا أمة إذا فقدت لغتها ولا مدنية إذا لم يأخذ الخلف عن السلف والمتأخر عن المتقدم والجاهل عن العالم.

стр. 650

المجرة ماذا برقراق السحائب ... ضمن المجرة من كواكب ليست كمزعم بعضهم ... نهراً يفيض على الجوانب كلا ولا هي لو تعي ... زبدٌ بوجه السيل ذائب كلا ولا وادٍ على ... طرفيه قد صفت كتائب حيث الأسنة داخل الم ... هبوات تضحك والقواضب أهناك جيشٌ لا أبا ... لك حذوه جيشٌ محارب فلننتظر حتى نرى ... من ذا من الجيشين غالب كلا ولا سدمٌ حوت ... غازاً فهذا الظن كاذب لكن شموسٌ جاريا ... تٌ ضمن هاتيك السحائب بل أن هاتيك السحا ... ئب ذات أنجمها الثولقب أجرامها يسبحن في ... بحر الأثير لكل جانب الكل يذهب في الفضا ... ء على اختلاف في المذاهب وعلى ارتباطٍ بينها ... بقوى جواهرها الجواذب يا أيهذا العالم الن ... جمي كم بك من عجائب كم زار منك مظامنا ... جرمٌ يجد السير دائب جرم بديعٌ شكله ... جرم يعد من الغرائب فله نواة ذات نو ... ر مشرقٍ وله ذوائب ويضيء حتى تستض ... يء به المشارق والمغارب ويزيد إشراقاً على ... إشراقه مهما يقارب حتى إذا ما دار حو ... ل الشمس سافر وهو آيب فكأنه متحملٌ ... في زوره كتباً لغائب أمخبرٌ أحد النج ... وم لشمسنا بعض المطالب يا عالماً يحوي عوا ... لم سائرات في مواكب كم من شموس فيك أك ... ثرها عن الأبصار عازب شسعت فأسفر بعدها ... عن مثل أنوار الحباحب

стр. 651

وهناك لولا أبعد الأ ... بعاد نيران لواهب تجلو أشعتها المني ... رة ما هناك من الغياهب وتوازنت أجرامها ... فالكل مجذوب وجاذب ولها توابع في تنق ... لها السريع لها تصاحب تحكي توابع شمسنا ... فتطوف منها في الجوانب وعلى توابعها تدو ... ر توابعٌ أخرى صواحب العلم هذا رأيه ... فيها ورأي العلم صائب يرضى به من كان ذا ... نظر بعين العقل ثاقب لكن من جهل الحقا ... ئق من سماعته مغاضب ومن المصائب أن تخا ... طب جاهلاً ومن المصائب أما الحياة فإن ظ ... ن العقل فيها غير خائب أيجوز أن الأرض تس ... كن وحدها بين الكواكب وتكون غير الأرض خا ... لية كأمثال الخرائب هذا لعمري أن يصح ... فإنه لمن العجائب إن الحياة تبين حي ... ث ترى لها وسطاً يناسب ما أوحش الأجرام لم ... تمرح بها بيض كواكب وترق كأحسنها العيو ... ن النجل فيها والحواجب يا ساكني تلك النجو ... م على اختلافٍ في المراتب إني مخاطبكم فلا ... تلووا الوجوه عن المخاطب بالله قولوا لي أأن ... تم مثلنا غرض النوائب إنا نعاتبكم إذا ... لم تفحصوا إنا نعاتب أحياتكم كحياتنا ... لا تكتموا عنا متاعب أم هل هناك حياتكم ... صفو فليس بها شوائب إنا لنفزع من مصا ... ئب لاجئين إلى مصائب إنا بظاهر أرضنا ... قسمان مغصوب وغاصب

стр. 652

الظلم ضيق في وجو ... هـ رجائنا طرق المكاسب والعلم مغلوبٌ فلا ... يعلى به والجهل غالب إنا بحالٍ لو علمتم ... غير محمود العواقب نسعى لنفع الآخري ... ن من الذين لهم مناصب ونعيش في حال التعا ... سة بالأماني الكواذب لهفي على الشبان قد ... سلكوا سبيلاً للمعاطب غيلوا بكل قساوة ... فبكتهمو حتى الأجانب ويلي على بيض نشر ... ن من الأسى سود الذوائب يخمشن حر وجوهه ... ن ويلتمن على الترائب يبكين فقد أعزةٍ ... ماتوا فهن لهم نوادب بغداد ج. . .

стр. 653

القسوة في المدارس أسست المدارس لإنماء القوة العاقلة في الإنسان ولتوسيع المدارك وتنوير العقول وتهذيب النفوس وتدميث الأخلاق وترقية الأفكار ولبث الألفة والإخاء والحب وحقائق الحرية والمساواة ونشر مبادئ الحق والخير والجمال والشرف والشهامة والجرأة ونزاهة القلب. ومن أخص واجباتها أيضاً الاعتناء بالصحة من وراء الغاية وتقوية الجسم تقوية للعقل وكبح جماح الأهواء وإنهاض الهمم ونقض كل وهم وضلال وتمويه وخرافة وتقويم كل اعوجاج وغرس صفات الإنسانية الصرفة وما طاب من العلوم الضرورية للمرء ضرورة الطعام والشراب واللباس. وبالجملة فقد أنشئت المدارس لتقود الإنسان وتدفعه في سبيل الكمال الإنساني. قال كانت الفيلسوف الألماني: سرار تقاء الإنسانية في المدارس. وقال جول سيمون فيلسوف الفرنسيين ليس من واجبات المدارس تعليم العلوم فقط فإن من أخص واجباتها بث الفضيلة والإقدام. وقد اتفق العلماء على الإقرار بوجوب تهذيب النفوس قبل تعليم الرؤوس وتفضيل المبادئ الأدبية على الأصول العلمية ونزع كل غلظة وفظاظة وسيئة باللين والرفق والإقناع. فليست الغاية إذن من إنشاء المدارس اعتقال الأولاد وإملاء الذاكرة فيهم من قواعد الكتب اللغوية والعلمية والرياضية والطبيعية وتحقيرهم وإرهابهم وإهانة نفوسهم وجرح عواطفهم وإيجاعهم بقسوة الشتم والضرب كما يخيل للمعلمين الذين يتوهمون أنهم لا يستطيعون أن يعلموا ويهذبوا إلا بالشتم والضرب. الشتم والضرب في المدارس أثران من آثار الهمجية والتوحش يمثلان كل التمثيل في مدارس القرن العشرين على ما فيه من دلائل التقدم العلمي وعلائم الارتقاء الأدبي. فيعيدان ذكرى أقبح صفحات العصور الغابرة أيام سادت الخشونة والقسوة ولم يكن حد اعتبار الحيوان الناطق فيها يتعدى حد اعتبار رفيقه الحيوان الأبكم إلا بشيء لا يذكر. وهما من أكبر العوامل الحائلة دون إقبال الأولاد على المدارس برغبة داخلية وشوق طبيعي كما أنها من أهم البواعث التي تمثل لهم المدارس سجوناً مظلمة ومحال أسر ومطابق عذاب وشقاء. نحن في زمن لا غنى لنا فيه عن العلم وقد أصبحت المدارس من حاجاتنا الأولية ومن الضروريات التي يجب الاعتماد عليها بعد اعتماد الأمهات والآباء في إعداد رجال

стр. 654

المستقبل فنحن إذاً في أشد حاجة إلى ترغيب أحداثنا في المعارف وتحبيب المدارس إلى نفوسهم وجعلها في عيونهم أماكن سرور مقدسة تترفع عن كل ما يمثل الحيوانية ودور استفادة تتعالى عما يشين الإنسانية. ومن الأسف أن القسوة مازالت شعار المدارس والشتم ما انفك لسان حال المعلم والضرب سلاحه وعدته ومع كل ما وصف من أضرار هذين الأثرين القبيحين وقيل في لزوم إبادتهما ومع كل ما صدر من نواهي ذوي النفوذ وأوامر الحكومات في وجوب منعهما ما برح المعلمون قساة القلوب يشتمون الطلبة لأقل الأسباب وينهالون عليهم بالضرب لأدنى الهفوات. مضت قرون كثيرة والقسوة ساعد المربي وعضد المعلم المتين والشتم والضرب رائجان في المدارس حتى أن سليمان الحكيم قد أشار باستعمال القضيب في تهذيب البنين. وكان الاسبرطيون يتركون الأولاد في المدرسة جياعاً ويضربونهم كثيراً تشجيعاً لهم على مشاق الحياة وعندما يعجز الولد عن التجلد ويرفع صوته من الألم تتلطخ حياته بالعار. وكان قدماء المصريين يعاقبون التلاميذ بالضرب بالعصي متمثلين بقول القائل_إن آذان التلاميذ في ظهورهم فهم لا يسمعون إلا إذا ضربوا. ولقد بلغ من اعتقاد الناس قبلاً بفائدة القسوة في المدارس أن صار العامة يمازحون التلاميذ بقولهم راح العيد وفرحاته وجاء المعلم وقتلاته وأمسى الوالدون يخوفون الأطفال من المعلمين كما يخوفونهم من المارد والجن والغول. وكان الرجل يقتاد ابنه إلى المدرسة ويقول للمعلم لك اللحم ولي الجلد والعظم فلا تبخل بالفلق أو تتوانى بالضرب. وخير هدية كانت تسر المعلم هي حزمة قضبان وخصوصاً إن كانت أغصان رمان. وجل وصية كان يوصي بها هي الشتم بفظاظة والضرب بقسوة وكان يلام إذا تبسم وبش في وجه الأولاد وتهاون بالعقوبات الشديدة ولم يستعمل وظيفة المنتقم لا وظيفة المهذب. هكذا كانت المدارس سابقاً بؤرة القسوة والجور ومستوبل الشتم والضرب على أن تلك الأيام لم يتجاوز فيها العلم حد الظنون ولم تكن المعارف غير قواعد لغات ولم يكن المعلمون أفضل من رعاة المواشي. وعلماء الأخلاق والنفوس كانوا قلائل نادرين والغرور والتقليد واتباع الأهواء والادعاء والتمويه والتظاهر أمور كانت من أخص صفات

стр. 655

المدرسين. أما الآن فما عذرنا وقد تغيرت الأحوال وتبدلت المدارس بفضل العلم الصحيح المؤيد بالتجربة والبرهان والاستقراء والإحصاء وظهرت لدى الناس أضرار التربية القاسية المذلة الموجعة فعمل الفضلاء على استبدال التربية اللطيفة المعزة المقنعة وبها سعوا جهدهم حتى استتب لهم الأمر في أكثر البلدان. وأول من سعى في ذلك في بلاد المشرق علي باشا مبارك أحد وزراء المعارف في مصر والدكتور دانيال بلس رئيس الكلية السورية السابق في بيروت. جعلا التعليم مقروناً بكرامة النفس وأبطلا الشتم والضرب بتاتاً واكتفيا بالقول والقدوة. ومنذ ثلاث سنين صدر أمر نظارة المعارف العثمانية بمعاقبة المعلم الذي يضرب تلاميذه وبمنعه من التعليم إذا عاد لضربهم مرة أخرى وقد حظرت جمعية فلسطين الروسية على معلمي مدارسها ضرب التلاميذ وجعلت من أهم قوانينها طرد كل معلم يقسو ويتصلف. إلا وأن صفات الإنسانية ترتقي في الكون العاقل بواسطة التربية الحسنة والتعليم الجيد. وأهم مقتضيات التربية والتعليم الضرورية جداً هي أن يكون المربي والمعلم قادراً على إقناع التلميذ بأن ما ينهاه عنه مضر حقاً وما يدفعه إليه نافع لا محالة وأن ما يلقنه إياه من الآداب والعلوم ليس إلا مصابيح بين طريق حياته وعوامل تقوده في سبيل الكمال الإنساني دون أن يتعدى حد العقل والضمير فيضغط على الأول ويضعف الثاني أو بالحري يميته وكذلك إقناع التلميذ بحسن نيات المعلم بما يبديه نحوه من الرقة واللطف ودلائل الحب والإكرام. فالمعلم الذي يقسو على التلاميذ ويعاملهم بالشتم والضرب بحجة أنه يروم نفعهم يضر من حيث يقصد الإفادة وبدلاً من نزع السيئات من أخلاقهم نزعاً باتاً كما يخال يزيدها تمكيناً فيهم. لأن الولد الذي يحسن سلوكه خشية الشتم لا حباً بالآداب ويتقن دروسه رهبة الضرب لا رغبة في النجاح يقيم في أعماق نفسه أماكن حصينة للسيئات حتى إذا لاحت لها الفرص وخلت من الرقباء وأمنت العقاب تظهر من مكانها بادية للعيان وهكذا يتعلم الكذب والخداع والرياء ويشب على الجبن واللؤم والحقد وغير ذلك من نتائج القسوة والضغط وتتأصل فيه كراهة المعلم ويخاله عدواً لدوداً. هذا عدا ما يقتبسه من قسوته ويعيه في دماغه من كلماته الفظة الغليظة الدنيئة وعدا ما يتشربه من شراسته وعناده واستبداده.

стр. 656

فالقسوة في المدارس من أكبر آفاتها ومن أسوأ سباتها لأنها تخمل عقول الأحداث وتحط نفوسهم وتفقدهم الشعور الأدبي وقوة الإرادة والاعتماد على النفس وصحة الحكم على الأمور والتمييز بين الحسن والقبيح إذ يستسلمون للمعلمين بعقولهم وقلوبهم وينقادون إلى أهوائهم (أي أهواء المعلمين) انقياداً أعمى يصدهم عن إطلاق مجاري العقل والابتكار والاستنباط والاستنتاج ويزيدهم شراً على شر والفرق بين آداب تلاميذ المعلم المستبد القاسي الفظ المهين الضراب ونجاحهم وبين آداب تلاميذ المعلم اللطيف المحب المكرم المقنع بين ظاهر. قال الأستاذ الحكيم الشيخ محمد عبده: جعل التعليم مقروناً بكرامة النفس هو قوام التربية فإن المعاقبة على الذنب بالإهانة والقسوة لا تؤدب النفس لأنها تخفي الأخلاق الذميمة ولكنها لا تمحوها بل تزيدها وتقويها فتكون كامنة حتى إذا تسنى لها الظهور تظهر في أقبح الصور. وأما الذي يمحو الأخلاق الذميمة فهو الإقناع بقبحها وضررها وحسن المعاملة وتكريم النفس حتى تتكرم من الشوائن وتأنف من كل ما ينافي الشرف. وقال ابن خلدون أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم ذلك أن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم سيما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالاً على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف. واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة لكافلة له رفيقة به وتجد ذلك فيهم استقراءً وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى أنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالحرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب. ومن كلام عمر من لم يؤدبه الشرع لا

стр. 657

أدبه الله حرصاً على صون النفوس عن مذلة التأديب وعلماً بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلحته ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة وكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه وامنعه من الضحك إلا في أوقاته وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. هذان رأيان لحكيمين كبيرين من آراء الحكماء التي لا تحصى في هذا الشأن دلهم عليها العلم والاختبار والاستقراء والزمان ويضيق بنا المقام إذا أردنا إحصاء الحوادث المحزنة التي جرت وتجري في المدارس المعروفة بالقسوة. كم من أمهات ثكلن بنيهن لشراسة المعلمين ولكم غض آباءٌ الطرف عن قسوة المدرسين ففقدوا أحداثهم وكم من أولاد ضاع مستقبلهم من غلظة المعلمين. سلوا المستشفيات والبيمارسانات سلوا الكهنة والمشايخ والمشعوذين والأطباء والإحصائيين علهم ينبئونكم صريخاً عن شهداء القسوة في المدارس. ولرب معترض من مزاولي حرفة التعليم الجالسين على كراسي أفلاطون وجول سيمون ومكس ملر وابن رشد المنتحلين لقب السيد المسيح ينتقد بعض كلامي ويرشقني بأسهم من ملام ويتخذ وصية حكيم الإسرائيليين حجة علي وما جوابي إلا أن القسوة في المدارس لا تفيد إلا في البلاد المتوحشة فقط حيث لا أم تهذب الأطفال ولا أب يحسن القدوة ولا هيئة مرتقية تساعد المعلم في نياته ولا قدوة خير تمنع الشر. ومع ذلك فيقتضي حينئذ لمستعمل العصا (في التربية والتعليم) حكمة سليمان وصبر أيوب ورقة السيد المسيح وبحث دروين واستقراء سبينوزا وإلا فالقسوة في المدارس مضرة على كل حال. بيروت جرجي نقولا باز

стр. 658

النهضة الأميركية خاتمة بحث معرب عن المجلة الجديدة زادت الهجرة إلى الولايات المتحدة منذ سنة ١٨٧٠ وكانت ألمانيا وإنكلترا من البلاد التي هاجر منها الناس زرافات وبعثت كل من النمسا والنروج والسويد وإيطاليا وفرنسا والصين واليابان عصابات من المهاجرين يغشون البلاد الجديدة ويحملون إليها برؤوس أموال كبيرة وأسست ألمانيا وغيرها مراكز للاستعمار في أميركا الجنوبية. ونظمت إنكلترا لها مملكة استعمارية يبلغ عدد رجالها من مائتي مليون إلى ثلاثمائة منتشرين في أصقاع الأرض ومدت روسيا سلطتها على سيبيريا والأقاليم التي وراء بلاد القوقاز وحلت فرنسا في الهند الصينية ومدغسكر وألمانيا في بحار المحيط وأميركا الجنوبية ونثرت إيطاليا أرجاء بلاد الحبشة بأشلاء أبنائها واليابان تحارب روسيا للاستيلاء على كوريا. أما الولايات المتحدة فلم تنو اتخاذ مثال الأمم المتحدة إلا سنة ١٨٩٨ فدخلت إلى جزائر الهافاي وساموا والفيلبين وكوبا وبورتوريكو وباناما وأخذت تضع العقبات فس سبيل المهاجرين من أوربا والشرق الأقصى وراحت تبعث بجمهور من مهاجرة أبنائها مع رؤوس أموال ضخمة إلى المحال التي بسطت ظل نفوذها عليها. وعقدت المعاهدات التجارية الخاصة مع جمهوريات الجنوب وبعض الممالك الأوربية جاعلة لحماية تجارتها القول والفصل. ومما يدل على بسط سلطة الأميركيين وتوفيقاتهم الاستعمارية استشارهم بجزائر الهافاي سنة ١٩٠٠ تلك الجزائر التي تأخذ منها الولايات المتحدة سبعين ألف طن من السكر وفيها من ضروب الثمار والزهور ما تحار له الألباب وجميع أهلها يقرؤون ويكتبون وقد نالوا الجائزة الأولى في انتشار التعليم الابتدائي بينهم في معرض باريس سنة ١٨٧٨ والعيش فيها من حيث الرغد والرفاهية لا يشبهه إلا المقام في جزائر كناريا. وقد نالت أميركا سنة ٩٩ معظم جزائر ساموا ثم حولت وجهتها نحو استراليا واليابان والصين لما في البلاد الأولى من الخصب والغنى وفي الثانية من الطموح إلى الترقي وفي الثالثة من الضعف والاستسلام. جعل الأميركان قبلتهم تلك الممالك والتجارة مقصدهم الأول نعم بعثوا بدعاة الدين ولكن دعاتهم لم يشبهوا دعاة الكثلكة بحال فهم يبتعدون عن المشاغب والمتاعب ويجعلون التجارة

стр. 659

أخص آمالهم ولذلك كان لهم في الصين المقام الأعلى فاستفادت منه أميركا فائدة مذكورة وساعدهم على ذلك مضاهاتهم للأوربيين في متاجرهم في أقصى آسيا كون مدينتهم سان فرنسيسكو أقرب إلى شنغاي وهوكنغ ويوكوها من هامبورغ والهافر ومرسيليا إليها. وقد كان للأمريكان اليد الطولى في إطفاء فتنة البوكسر في الصين سنة ١٩٠٠ وإنقاذ السفارات الأجنبية من الحصار وفتح أبواب الصين للتجارة العامة على قدم المساواة بين الدول. وسياسة الباب المفتوح أمرضتهن كافة ولم تتألم أميركا بمحالفة اليابان وإنكلترا سنة ١٩٠٢ تلك المعاهدة التي أدت في الأحايين إلى خرق سياج هذا الباب في بعض أحوال مخصوصة. ولم يكتف أرباب الأموال من الأميركان أمثال فندربلت وجاي كود وركفلر بتأليف شركات كبيرة للاتجار في الصين بل قامت زمرة من أصحاب الملايين منهم ترى احتكار المشاريع الإفرادية في إحدى الصناعات غاية في البساطة فاحتكر المثري كارنجي الحديد ثم تألفت شركة من كل من كارنجي ومور ومورغان احتكرت الفولاذ في بلاد أميركا وهو من الاحتكارات التي لم يسمع لها مثيل وقد ساعد هؤلاء المحتكرين الثلاثة على احتكار الفولاذ إن كانت لهم الخطوط الحديدية. وبعد أن تم لهم ذلك أنشئوا شركة بحرية تمخر سفنها عباب البحر المحيط ليتمكنوا بواسطة سفنها من الاستيلاء على تجارة الأسواق الخارجية كما تمكنوا من الأخذ بناصية الأسواق الداخلية. ثم أسس المثري مورغان دار صناعة يصنع فيها أرخص السفن وأجودها حتى لا يتيسر لشركة في العالم مهما بلغت من القوة بأن تضاهيه وشركاءه في احتكارهم. غلبت أميركا حكومة إسبانيا منذ سبع سنين فرغب كثير من الدول الأوربية في مسالمة أميركا وأصبحت كل من إنكلترا وألمانيا لا تخاف على نهضتيها إلا من سطوات الأميركان. وحاولت ألمانيا القرب من الولايات المتحدة ولكن هذه لا ترضى عن تلك وهي ترى أبناءها ينزلون في أميركا ويستنزفون أموالها بالإتجار وغيره من الأعمال. أما إنكلترا فحالها مع الولايات المتحدة تختلف عن حال غيرها ذللت لأنها غذت أميركا بأجود لبنها فلما انفصلت عنها عرفت قدر حماية التجارة وتمكنت بهذا المبدأ من التغلب وإحراز قصب السبق لأن تينك الأمتين على طرفي نقيض في صلاتهما التجارية. فأميركا تقول بحماية

стр. 660

التجارة وإنكلترا تقول بحريتها. ولقد خيف على مستقبل التجارة الإنكليزية حتى قال غلادستون: مهما كان من سرعة سيرنا معاشر الإنكليز فإن سير الولايات المتحدة قد جعلنا وراءها بمراحل وستكسف تلك البنت أمها وتشل المقام الأول الذي نشغله اليوم فلا نستطيع إذ ذاك أن نصدها عنه إلا كما صدت البندقية وجنوة وهولندا عظمتنا المأثورة. قال الكاتب هذا القول سنة ١٨٧٠ ولم يكد يتم القرن التاسع عشر حتى صارت إنكلترا من هذه الوجهة دولة ثانوية ولأميركا المقام المحمود وحق التصدر والأولية وأمست إنكلترا لا يهمها سبق أميركا وحدها بل قام لها من دول الأرض من حذون حذو الأميركان في مباراتهم التجارية مثل الألمان واليابان والروس. وغير خاف أن العنصر السكسوني من أعظم العناصر إدلالاً بعظمته حتى لقد صرح يوماً سسل رودس الغني المشهور الملقب بنابليون الكاب بأن الله اختار العنصر الذي يتكلم الإنكليزية ليكون أداة يقام بها مجتمع أسس على العدل والحرية والسلام ولطالما صرح نبلاء الأمة الإنكليزية بمثل هذه الأفكار وأظهروا من الفرح بنهضة الأميركيين وأن نجاحهم كيف كان يعد نعمة على البريطانيين لا نقمة. قال بعضهم سئل إسكندر دوماس القصصي الفرنسي ذات يوم أي تأليفه أحب إليه وكان ابنه جالساً بالقرب منه فأشار بيده إلى ابنه وقال هذا. ولذلك أقول أي حسنة تعد لإنكلترا الولايات المتحدة رأس حسناتها أهلها أهل العزائم وهم أجدر منا بالقيام بالعظائم. ومن جملة ما أوصى به سسل رودس من الأعمال الخيرية أن يصرف من ماله على الدهر أجرة تعليم تلميذين من كل ولاية من الولايات المتحدة يجيئون مدرسة اكسفورد الجامعة في بلاده ليتعلموا فيها على نفقته ويعودوا إلى أميركا لتنتفع بهم أمته. قالت إحدى الجرائد ولو كان عكس الأمر بأن أوصى أن يعلم بعض أبناء بلاده في أميركا للوقوف على أحوال الأميركان لعمل خيراً كبيراً. حتى أن القاعدة الشائعة في مدرسة هارفرد الجامعة الأميركية التي سنها الفيلسوف أميرسون الأمريكي هي: أن السكسونيين كانوا وعليهم أن يكونوا العنصر الحاكم المتسلط وما يطمحون إليه هو أبسط النفوذ والقدرة على الاضطلاع بالأعمال.

стр. 661

وبعد فإن النهضة الأميركية أحدث من النهضة الإنكليزية وأقوى من النهضة الألمانية والروسية وأحسن انتظاماً من النهضة اليابانية ومنها الخوف القريب على مستقبل العالم. وأن مبدأ مونرو مضافاً إلى نهضتها الزراعية والصناعية والتجارية هو ما يطوي الأحشاء منها وجل أبداً من حيث الأمور السياسية. ولقد كان للنساء اليد الطولى في هذا الارتقاء فإنك ترى للمرأة في الولايات المتحدة من الاعتبار والمقام مالا تراه لها في بلاد أخرى من ممالك الأرض. فالمرأة هناك تؤسس البيوت على التقوى والحب لا على المصلحة والمنفعة وتنفخ في ذويها النشاط الذي يعلى منزلة الإنسان وتحببه إلى النفوس. فمن أجل المرأة قام الأميركان بأعمال عظيمة في حروب الرقيق المدعوة بحروب الانشقاق ومن أجل المرأة ترى الأميركي معجباً بنهضته وساهراً أبداً على دفعها إلى أقصى غايات الكمال على أن في الولايات المتحدة من المسائل السياسية الداخلية ما لم توفق بعد إلى حله مثل مسألة الرقيق والمسألة المالية ومسألة الجيش ومسألة البحرية ولا ينبغي لمن يرغب في العمل من الدول أن ينتظر ريثما تنحل هذه المشاكل لئلا تفوته الفرصة وتنادي محبة المباراة منهن الصيف ضيعت اللبن. أما المسائل العسكرية والبحرية فالولايات المتحدة تحلها أي حل ناهيك بأمة لم يكن لها سنة ١٨٩١ من السفن الحربية ما يستحق الذكر وصار لها اليوم المقام الثاني بين الدول البحرية وتطمح إلى إحراز المقام الأول مما يتأتى لها في القريب العاجل. وإني لآمل أن لا يذهب كلامي في الهواء إذ أن نهضة الأميركان تستحق أن تستدعي أنظار الأوروبيين ما دامت تسوي كل مسائلهم ويمتلئ الفراغ وتصلح النواقص ولم يبق في الولايات المتحدة في الحقيقة غير مسألة السود التي تنحل بطبعها يوماً عن آخر. وما برح إخلاف عبيد إفريقية ينمون منذ حرب الرقيق وكانوا إذ ذاك أربعة ملايين فغدوا اليوم من اثني عشر إلى ثلاثة عشر مليوناً على أن السواد الأعظم منهم ما برحوا في ذهول وخمول وما فتئ الأميركيون يكرهونهم كثيراً وإن حرروا من رقهم فقد لا تجد فتاة أميركية تزوجت بزنجي ولطالما عوقب بعض الزنوج على إن أطالوا يد تعديهم على النساء البيض ومزقوهن إرباً إربا وهذا ناتج عن البغض القديم المتأصل بين العنصرين ويزيد فيه الصفات السيئة التي اختص بها الزنوج بيد أن العقول ما برحت تفكر في تلك البلاد بإيجاد

стр. 662

حل لهذا الإشكال ووضع دواء لهذا الداء وذلك من طريق العلم والتربية. قام العمراني الأسود كوكر واشنطون وأنشأ مدرسة جامعة عظمى للسود في مدينة توسكيكو وأسست فيها مدارس خاصة بالزنوج تكون تحت مناظرة العقلاء من الأميركيين. وقد عني رجال الأميركان ومنهم الرئيس روزفلت اليوم بتحرير الجنس الأسود من رقه الأدبي فدعا إلى تناول الطعام على مائدته كوكر واشنطون المشار إليه ولم تخش الآنسة ابنته على سواد بشرتها من التنزه مع النساء البيض. ولا يلبث السود أن يتعلموا لترتفع مداركهم عن التسفل والفظاظة وليفنوا في كيان الأميركيين كما يفنى غيرهم من المهاجرين. وإني أعود فأقول أن نهضة الأميركيين جديرة أن تدرس حق دراستها وإلا ساءت مغبة أوروبا وباءت بالخسران العظيم وخصوصاً إذا تمت الأمنية بعقد تحالف إنكليزي أميركي. وليعلم الدول كلهن مع هذه القوة الهائلة أن للجميع_كما قال الفيلسوف سبينوزا_محل من بيت الرب أي مجال لكل الرجال في هذه لحياة الدنيا ليعلموا والله يعلم السر وأخفى.

стр. 663

أكلة التراب معربة عن مجلة الطبيعة الفرنسية أكلة التراب من العادات المشاهدة في جميع أطراف العالم فلا يتناوله المتناولون أجزاءً صغيرة كما تؤخذ التوابل بل يكثرون من تناوله بكميات وافرة. وقد قال بلين أن بعض الرومانيين كانوا يمزجون الحنطة بالطباشير المستخرج من ضواحي بوزليس إحدى مدن إيطاليا اليوم. وكان التراب المختوم المجلوب من جزيرة لمنوس وأرمينية يستعمل في الطب. ويأكل بعضهم الطين في أميركا الجنوبية في خلال الفيضانات كما يتخذون التراب إداماً في المعجنات في بورتو والهند والصين ويقوم الصلصال الأبيض مقام صحفة من الحلواء في شاطئ الذهب بإفريقية. ويتخذ من الحجر الرخص الأبيض طعمٌ لقنص الثعالب والوعول وغيرهم من الحيوانات الكاسرة. وسمن الحجر معروف عند العملة الألمان. وقد شاع استعمال تراب صالح في بلاد فارس. وأهل السنغال يمزجون تراب المغرة (طين أحمر) بالأرز فيأكلونه. وثبت في الهند خاصة منذ عهد طويل أن أكل التراب ينتهي بصاحبه إلى الموت. ويظهر أن القوم في أمريكا الجنوبية يضعون في الليل على عيون الأطفال أوجهاً مستعارة لمنعهم من قلع الجبس عن الحيطان وأكله. وكثيراً ما شوهد أن أناساً في بعض الأصقاع يتناولون كمية من التراب أو الخزف المكرر فقد ثبت أن العثماني (كذا) يتناول نصف رطل مصري في النهار وأن الفرد في إقليم البنغال من بلاد الهند يتناول ستة أواق. ويجعل التراب أو الخزف بعض الأحيان تماثيل صغيرة وغيرها كما نجعل السكر والحلويات وأقراص الطحين والعسل والتوابل. فيستخدمون في البنغال وبوليفيا صور قديسين من الطين والخزف كما يتخذون منها في جاوة صور آدميين وحيوانات. والتراب أكثر شيوعاً من الخزف. ولقد أدى البحث عن أسباب مرض آكل التراب ليوم إلى أنه ينبغي التمييز بين ما استعمله بعض الشعوب في كل زمن من مزج طعامهم بمواد حديدية مختلفة وبين المرض الذي يصاب به بعضهم في الأصقاع معينة وهو عبارة عن ابتلاع كمية عظيمة من التراب. فإن من الأمراض ما ينشأ عنه ميل إلى تناول التراب مثل بعض أمراض الهستريا والجنون

стр. 664

والخبل. وكذلك بعض النساء في حال الحبل. ويكثر الميل إلى ذلك بالأكثر في الأمراض التي تحدث عنها اضطراب في المعدة ويشكو أربابها بضيق وجوع واحتراق في القسم الشراسيفي فيتوهمون أنهم إذا ابتلعوا جسماً ثقيلاً تسكن آلامهم وهذا ضرب خاص من ضروب الطوى الشديد وجوع البقر ومن جملة الأمراض الشائعة في أقطارنا ما ينجم عنه حالياً إفراط في اشتهاء الطعام وميل إلى ابتلاع ماد صلبة ولو لم تكن مغذية هو مرض الأنيميا المصرية داءٌ عني بالنظر فيه بعض أهل العلم منذ بضع سنين فثبت الهم أنه يحدث من ديدان صغيرة قليلة كانت أو كثيرة تعلق في الغشاء المخاطي المعدي على مساواة الإثني عشري (أي القسم الأول منت المعي الرقيق) ولا يصاب به في البلاد الأوروبية غير عملة المناجم ولذلك يدعى أيضاً هزال المعدنين. كما يصاب به العملة الذين يشتغلون في الأنفاق ومعامل الخزف والقرميد. والحرارة والرطوبة هي من الأسباب الجوهرية في نمو هذه الديدان. فتعيش الدودة وتبيض في معي المرء كما تنمو في الطين الذي هو إلى الحرارة وتدخل الجسم عن طريق الجلد أو عن طريق الفم وبهذا عرفت أن دودة الأحشاء هذه التي يقل نموها في البلاد الباردة للأسباب المقدمة آنفاً يكثر نموها في الأصقاع الحارة والرطبة. وبعد فقد ثبت وجود الأنيميا المصرية مثلاً في مصر وعلى ساحل إفريقية تقريباً وإنه يصاب بها الزنوج أحياناً بصورة شديدة للغاية. وقد وجد الباحثون بين المصابين بها أناساً من أكلة التراب كانوا يحملون داء الأنيميا في أحشائهم. ومن السهل أن نتصور مبلغ ما يتعرض له أكلة التراب من الأخطار إذا عرفنا أنه مملوءٌ بالدويبات والجراثيم. ولا يعد أن ينجلي البحث في المستقبل عما إذا كانت نسبة بين الأصقاع التي ينتشر فيها مرض الأنيميا المصرية وبين الأصقاع التي يؤثر عن أهلها أكل التراب. وإنا لنرى أكلة التراب على كثرة في الهند كما نجد مرض الأنيميا. وكذلك الحال في الصين والهند الصينية وسيام واليابان. وقد بحث سنتيل في مرض الأنيميا في أمريكا فثبت له أنها منتشرة في الأرجاء التي شوهد فيها أكلة التراب وأنه لا يصاب بها الهنود فقط تتناول الزنوج والبيض أيضاً. ويروى أن أكلة التراب يموتون في أمريكا شر ميتة فتبدو عليهم أعراض الهزال فيهلكون.

стр. 665

هذا وقد ثبت أن الأنيميا تسبق في الغالب عادة أكل التراب وقيل أنه سبب الأنيميا ولا يدرك ذلك في الأنيميا البسيطة وتظهر كل الظهور إذا كانت الأنيميا ناشئة عن ديدان.

стр. 666

تراسل الأفكار حدث مرةً أن أميراً شهيراً من أمراء بلاد بعث بنفر من أخص اتباعه إلى إيالة يتولى أمرها رجل وافر الثروة عظيم الجاه نافذ الكلمة حتى صبح نداً للأمير المشار إليه يخشى بأسه ويحذر جانبه فلم ير الأمير من وسيلة للتفرد بالحكم والسلطان سوى التخلص من ذلك الند بطريقة من الطرق وبعد التروي في الأمر عول على اغتياله فأسر ذلك إلى الأتباع المنوه عنهم وبقي سراً مدفوناً في قلوبهم لا يعلم به أحد من البشر. وبينما الأتباع سائرون لقضاء مهمتهم في وسط واد وإذا برجل واقف على صخر شاهق يناديهم قائلاً أيها القوم ألا يكفي اثنان منكم لقتل فلان وذكر اسم الرجل فعرتهم الدهشة وتولاهم الهلع والذهول لأن رجلاً آخر في العالم وقف على سر الدسيسة وهم على يقين أنه لم يعلم أحد سواهم به إلا الأمير. وهذه الحقيقة وأمثالها التي كان يسخر منها العلماء منذ بضع سنين وينسبونها إلى الصدفة أو الأوهام قد أصبحت شغلاً شاغلاً لعلماء ما وراء المادة وسيكون لها شأن خطير في رفع ستار الإبهام عن حقيقة القوى العقلية التي لا نعلم من أمرها حتى الآن سوى النزر اليسير. الطريقة التي جرى عليها البشر في نقل الأفكار من دماغ إلى دماغ أو من عقل إلى عقل هي واحدة من اثنتين وهما اللفظ والكتابة ففي الأولى يكون عضو السمع هو الواسطة في نقل الفكر إلى الدماغ وفي الثانية يكون الواسطة عضو البصر إلا أنه قد تبين الآن بعد طول البحث والاختبار أن هنالك طريقة ثالثة ينتقل بها الفكر من دماغ إلى آخر في الفضاء على مسافة ألوف من الأميال دون وسيلة من الوسائل المادية وهذه الظاهرة الغريبة من ظواهر علم ما وراء المادة التي لم يتفق العلماء حتى الآن على وضع لفظ لها في اللغات الأجنبية يقع عليه الإجماع قد أطلقنا عليها في العربية لفظ تراسل الأفكار وهي الغرض من هذه المقالة. والمراد بتراسل الأفكار انتقال فكر من دماغ إلى دماغ دون توسط إحدى آلات الحس المعروفة فقد يتفق أن ينقل شاب في القاهرة وهو في حال النزع شعوره في لحظة حدوث تلك الأعراض لوالدة له قد تكون في باريس مثلاً فتشعر بنزع ابنها في تلك اللحظة عينها وليس فقط بل قد يتاح له أن ينقل إليها في تلك اللحظة أيضاً وصيته وأمانيه الأخيرة بحيث تتجلى لوالدته واضحة كل الوضوح وليس هذا من باب التخرصات والأوهام ولكنه حقيقة

стр. 667

علمية أجمع جلة الفلاسفة على الإقرار بصحتها ولكنهم اختلفوا في تعليلها وهم في ذلك فريقان فريق الماديين وفريق الروحيين. والشواهد على صحة ما تقدم كثيرة تعد بالألوف نجتزئ هنا بذكر واحدة منها يكون بمثابة أنموذج للمطالع اللبيب وهو أن شقيقة أحد الجنود الذين توجهوا إلى الترنسفال أثناء حرب البوير شعرت فجأة في لندرا أن أخاها أصيب برصاصة في صدره والدم ينزف غزيراً من جرحه وأفادها في تلك اللحظة عينها أنه عندما سقط جريحاً في ميدان الوغى عاونه رفيقان احتملاه من موضعه وأغاثاه جهد الطاقة وذكر اسميهما لها دون أن تكون قد سمعت بهما قبلاً على الإطلاق وأوصاها أن تخصهما بهبات مخصوصة من ملكه عينها لها تكون بمثابة تذكار منه إليهما اعترافاً بشهامتها فدونت الشقيقة هذا الشعور والتاريخ بالدقة ولم يكن سوى بضعة أسابيع حتى وردتها التفاصيل مؤيدة لما تقدم كل التأييد. وليس من داع إلى الأغراب في إيراد الأدلة والشواهد فقد جرى في نفس القاهرة منذ عام أو عامين ما هو بمثابة ثبت لما تقدم إذ جاء رجل وامرأة وأظهرا من البراعة في قراءة الأفكار ما حير الحاضرين وأدهشهم ولقد تفنن الحضور في الإضمار تفنناً حتى أن أحدهم أخذ دبوساً ووضعه ضمن لفافة وضعها مع لفائف أخرى في علبة جعلها في جيبه فلما اقتربت المرأة من الرجل اعترتها هزة عصبية كمن هو في حيرة ثم ما لبثت أن وضعت يدها في جيب الرجل وأخرجت منها اللفافة فقطعتها قطعاً وأخرجت من وسطها الدبوس وهي تنتفض انتفاضاً. ومن أهم شروط قراءة الأفكار أن يكون القارئ معصوب العينين لكي لا يستعين بقوة فراسته والاستدلال بملامح الوجه على ما يدور في خلد من أمامه وليتمكن من جمع قوى الذهن حتى تكون أشد تأثيراً وانفعالاً إذا كان مفتوح العينين وقد جلس مشاهير قراء الأفكار في حضرة أعظم ملوك العالم والقابضين على أعنة أحكامه فأدهشوا الحضور بما كانوا يأتونه من الإصابة في الحكم وكشف مخبآت الأفكار. غير أن هنالك فرقاً جوهرياً بين قراءة الأفكار وتراسلها إذ أنه لابد في الحالة الأولى للقارئ من لمس أطراف أنامل الشخص أو جبهته أما في الحالة الثانية فلا شيءٌ من الملامسة بل تنتقل الأفكار من دماغ إلى دماغ آخر على بعد ألوف من الأميال دون توسط

стр. 668

آلة من آلات الحواس المعروفة على ما مر بيانه وهو العقدة التي وقفت عندها الباب علماء ما وراء المادة حيارى يتلمسون لها حلاً ينطبق على شرائع الطبيعة ونواميسها. إذا رميت حجراً في بركة ماء ساكن تكونت نقطة الوقوع في دوائر لا تحصى من التموجات تزيد كل منها عن التي ضمنها حتى تتلاشى في المحيط وذلك لأن دقائق السوائل سهلة الحركة فتفعل فيها القوة فعلاً متساوياً إلى كل الجهات وهذا هو السبب في تكون الحركة الناشئة من سقوط الحجر على شكل دوائر مختلفة الحجم لها مركز واحد وهو نقطة الوقوع ونفس هذه التموجات التي تحدث في الماء تحدث أيضاً في الهواء الذي هو في عرف علماء الطبيعة سائل لطيف فإذا صفقت كفاً بكف أحدث الصفق تموجات في الهواء إلى سائر الجهات فتقع على الأذن فتهتز طبلتها اهتزازاً يختلف باختلاف شدة الصفق وتنتقل الاهتزازات المذكورة على طرق لا مجال لتفصيلها إلى العصب السمعي الذي ينقلها إلى حاسة السمع في الدماغ فيشعر بالصوت. إلا أن هناك سائلاً آخر في غاية اللطافة يملأ جوانب الفضاء ويتخلل إبعاد الأجرام السماوية ومسافات الكون لم تشاهده عين ولم تسمعه إذن ولم يخطر على قلب بشر في العصور السالفة أطلق عليه العلماء اسم الأثير واستدلوا على وجوده بأدلة ليس هنا محل شرحها فإذا تموجت دقائق هذا السائل تموجات خصوصية أحدثت الظاهرة الطبيعية التي نسميها بالنور وما اختلاف ألوان النور التي نشاهدها في قوس قزح سوى اختلاف تموجات الأثير فإذا انخفضت إلى درجة معلومة أصبحت حرارة أي أمواجاً لا تدرك بالعين بل يشعر بها بأعصاب الحس فالنور والحرارة إذاً صنوان إنما يدرك أحدهما بحاسة البصر والآخر بحاسة اللمس تبعاً لتموجات هذا الوسط اللطيف المسمى بالأثير. واعتقاد الفريق الأكبر من العلماء الآن هو أن الفكر الذي يتولد في الدماغ يحدث أمواجاً خصوصية في الأثير شبيهة بأمواج النور التي مر بك بيانها ولكل فكر تموجه الخاص كما أن للأزرق من النور تموجات خصوصية في الأثير وللأحمر مثلها فكذلك لكل نوع من الأفكار تموجه الخصوصي في الوسط المشار إليه وكما أن النور يسير بسرعة مدهشة تبلغ نحواً من مائتي ألف ميل في الثانية حتى يتاح لنا إبصاره لحظة حدوثه فكذلك يتاح للفكر أن يحدث تموجاته الخصوصية في الأثير سائراً بمثل هذه السرعة العجيبة وكما يتأتى للقوة

стр. 669

الباصرة في الدماغ أن تشعر بالنور على مثل هذه المسافة فكذلك يتأتى للدماغ أن يشعر بتموجات الفكر الصادر إليه من دماغ آخر لحظة حدوثها ولو كان أحدهما في جانب من الكرة الأرضية والآخر في الجانب المقابل. فإذا أدركت ذلك هان عليك أن تقفه كيف تنتقل الأفكار لحظة حدوثها من دماغ إلى دماغ على مسافات شاسعة وكيف يمكن لقريب أن يشعر بما يجول في دماغ قريب له يقضي نحبه غير أن ذلك لا يتأتى لكل فرد الحصول عليه إذ لابد هنالك من استعداد خاص في الدماغ يؤهله لهذا الشعور البالغ منتهى الرقة ولولا ذلك لكان كل فرد من البشر قارئ أفكار والواقع يدلنا على أن ذلك محصور بفئة قليلة جداً ثم إن هذا الشعور دليل على وجود نفس للإنسان تتجلى لقريبها لحظة انفصالها عن الجسد أو هو ظاهرة طبيعية محضة يكفي التعليل عنها بما تقدم فهو مما لم يقطع به العلماء حتى الآن وليس من راضنا الخوض به في هذه المقالة فلكل فريق أدلته ولكل عالم دينه. القاهرة الدكتورخليل سعادة

стр. 670

شاه إيران فقدت بلاد فارس صاحبها الحكيم ومدبرها العظيم وأباها البر الرحيم الطيب الذكر مظفر الدين شاه. توفاه الله في الشهر الماضي عقيب مرض طالت به برحاؤه واشتدت عليه بلواؤه. داء النقرس والكليتين. فشق نعيه على كل من عرف ما لاقته أمته في عهده من صلاح الحال وحسن المآل. ولد في ١٤ جمادى الثانية سنة ١٢٦٩ وأمه أميرة من الأسرة المالكة ولما شب أخذ في تلقينه العلوم الابتدائية ثم نصب وهو يافع ولياً للعهد وجعل والياً على أذربيجان وأقام في قاعدتها مدينة تبريز معهد أولياء العهد في الحكومة الفارسية وهناك أخذ يتلقى اللغات والعلوم فاحكم منها الفارسية والعربية والتركية والفرنسية وحذق الرياضيات والعقليات والتاريخ والجغرافيا وفن المدفعية وبقي يمارس أعمال الإدارة تسعاً وثلاثين سنة كان في خلالها مظهر العطف والرأفة ومثال العدل والحكمة حتى يروى أنه كان يقول لا وليت ملكا أبناؤه فيه عبيد. تولى عرش السلطة في ٢٣ ذي القعدة سنة ١٣١٣ وإبان فيها عن دراية واسعة ولقد حاول لأول أمره أن يدخل إلى بلاده من الإصلاحات ما تأمن به عوادي الأغيار ويعيش أهلها في نعيم وغبطة لكنه حاذر من نفوذ رجال الدين والإشراف في مملكته وتعصبهم الذي يمازحه جهل بالحديث وجمود على القديم فعزم أن يمهد لذلك بأن يرحل إلى أوربا ويصحب معه زمرة من رجال قصره وأكابر دولته ليروا بأعينهم ما في الغرب من حضارة رافعة وانتظام شامل فيعودوا وقد تشبعوا بفكر الإصلاح ويكونون يده اليمنى في العون عليه ولكن لم يجد منهم في رحلاته الثلاث ما كان يتوقعه وانصرف هناك معظمهم إلى شهواتهم وما خصوا للنظر فيما يقصد إليه مولاهم ولا نزراً من أوقاتهم ولا أعاروه نظرة من التفاتهم. حتى إذا كانت هذه السنة نزع جماعة من الأمة في طهران إلى الثورة ولجأ قسم منهم إلى السفارة الإنكليزية وهاجر قسم إلى الأماكن الطاهرة في العراق أو يدخل الشاه الإصلاح المطلوب وعندها وجد وسيلة إلى منح الأمة ما كان يجول في صدره منذ سنين فمنحها الدستور وشرع لها قاعدة الشورى الإسلامية ولقد خاف أن يدركه الأجل ولم تستحكم من مجلس الأمة قواعده ولما اشتد عليه المرض دعا إليه ولي عهده وأمره بأن يوقع على ورقة كان ألقاها إليه فوقع عليها بدون أن يراها تأدباً وقال له هذا هو الدستور الذي منحناه للأمة.
следующие страницы →