← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

طربهم بما خصت به جبال الألب من المحاسن التي تخلب الألباب. اشتهر السويسريون منذ عهد غليوم تل أنهم في مقدمة الرماة في أوروبا لأن بلادهم تستلزم ذلك ولا تكون حربها بالنظر إلى جبالها إلا مناوشة وكميناً فترى في كل قرية جمعية للرمي وتقام له الأعياد وكل سويسري في سن العسكرية فلاحاً كان أو ساكن المدينة يصرف مع رفقته يوم الأحد ساعات طويلة في التدرب على الرماية وفي كل بيت بندقية أو عدة بنادق لشبان سويسرا يعدونها ليدفعوا بها عن أنفسهم وبلادهم كأنهم لا يزالون في عهد الإقطاعات يكلف فيها كل واحد بحماية نفسه وأسرته ولكن هذا شأن الأمة المسلحة بسلاحين سلاح القوة المادية وسلاح القوة المعنوية العلمية التي لم تكن في القرون الوسطى. ضباطهم يخرجون من الجيش مباشرة ثم يتعلمون التعليم الحربي وأكثره عملي في الغالب وهم في الأكثر من أبناء الفلاحين يعاشرون الأفراد ويواكلونهم وطعام الجنود من أحسن ما يعهد لهم مطابخ تنتقل معهم في المناورات فتراهم في كل وقت يتناولون الطعام الصحي الفاخر الذي لا يوجد إلا في المدن وفي حال التوطن والرفاهية وجنديهم يقبض كل يوم ٨٠ سنتيماً في المشاة وفرنكاً في الفرسان وهو أحسن راتب يقبضه جندي في جميع أمم أوروبا لأن هذه عجزت عن إطعامهم وإلباسهم لكثرتهم بدون فائدة دع إدرار النفقة عليهم ولا يبتعد عن أهله من الجند إلا من دخل في جيش الفرسان فالسويسري سعيد في كل حال من أحواله مرتب في حله وترحاله ممتع باستقلاله ناهض في عامة أعماله ولذلك لا تراه يشكو شيئاً على نحو ما يشكو ابن البلاد الراقية الأخرى الذي يرزح تحت أثقال المغارم والمظالم لينفق على بحريته وبريته قال لي كثيرون نحن سعداء في بلادنا فكنت أقول لهم بارك الله بسعادتكم التي أحرزتموها بجدكم ورزق شرقنا المسكين بعض ما أنتم فيه إنه كريم جواد. سويسرا المذاهب والقوميات واللغات الدين واللسان من جملة المظاهر المهمة التي تدل على روح شعب وقد كان لهما في الأرض السويسرية بفضل التسامح والاتحاد ومراعاة حرية الغير مشاكل في الماضي ولكنها اليوم قد انحلت صعوباتها وتعبدت عقباتها وكان الدين ثم اللسان شعار الوطن الأصغر ثم امتزج أهل كل دين وأهل كل لسان امتزاجاً في البلاد فلم ينشأ في سويسرا مشاكل تذكر كما نشأ في بعض البلاد التي تنازعتها البرتستانتية والكاثوليكية أو

стр. 6057

الأرثوذكسية والإسرائيلية أو مذهب أهل السنة والشيعة في الإسلام. المذهبان السائدان في سويسرا هما البرتستانتية والكاثوليكية ولما انتشر المذهب البروتستانتي في القرنين السادس عشر والسابع عشر على يد دعاة من أبناء البلاد أخذت كل مقاطعة تجعل مذهباً رسمياً وإجبارياً وتدعو إليه في أرضها وتحتم على الأهلين حضور الصلاة به وإن كان لا ينتحل هذا المذهب وهو شيء من الشدة نشأ للسويسريين بانتشار المذهب البرتستانتي ثم أخذت المدنية تعدل من شدته والبروتستانت أكثر عدداً من الكاثوليك بقليل. قال دوزا إذا كان الدين يؤثر احياناً أثراً ظاهراً في روح أمة فإن الشعب يكيف الدين على صورته مع توالي الأيام والأمر الثاني ظاهر في سويسرا وإن لم تكن تخلو من الأول ولا جدال بأن المقاطعات الكاثوليكية بمجموعها أكثر انحطاطاً من المقاطعات البروتستانتية والأنحاء الأقل نظافة هي كاثوليكية أيضاً والمقاطعات الكاثوليكية هي التي احتفظت بالأكثر بلهجاتها وإن فكر حرية البحث الذي دعت إليه البروتستانتية قد أثمر وأينع فإن التعليم العام في البلاد البرتستانتية أكثر انتشاراً مما هو في غيرها وأفكار التسامح مقبولة فيها بسرعة ورجال المذهب البروتستانتي قلما يعنون بالسياسة وليست هذه الفروق مهمة فإن تأثير عقل الأمة في المذهبين هو أشد ظهوراً. السويسري متدين حق التدين ولكن دينه في قلبه وهو لا يحفل على الجملة بالظواهر ولذلك ناسبت البروتستانتية مزاجه وللقيام بالفروض الدينية منزلة من حياة السويسري المنظمة كما للأعمال الدنيوية كذلك فتراه يذهب صباح الأحد إلى الكنيسة كما يذهب في المساء إلى القهوة بكل رزانة وتماسك أو كما يذهب إلى عمله خلال أيام الأسبوع والرجال والنساء يحضرون في القرى والمدن في البيع لسماع القداديس أو المواعظ وربما كان النساء أكثر عدداً في الكنائس الكاثوليكية كما لحظت من الحضور في بعض الكنائس لوزان الكبرى ولكن الكنيسة البروتستانتية مع هذا تغص بالمستمعين والعابدين الراكعين وكلهم يستمعون باحترام لما يلقى عليهم من المواعظ. ذكرت الفروض الواجبة نحو الخالق في جميع البرامج المدرسية ومعظم المدارس تقيم الصلوات وليس لرجال المذهب البروتستانتي في سويسرا ارتباط بسلطة خارجية وكذلك

стр. 6058

أهل المذهب الكاثوليكي ليس لهم أساقفة ورؤساء عظام بل إن كل واحد مرتبط بالمقام البابوي ارتباطاً خفيفاً لا يشبه ارتباط سائر البلاد الكاثوليكية في أوربا وآسيا وأميركا وأفريقية مثلاً فالسويسريون غلاة في حب الاستقلال في كل شيء حتى أن رهبانهم وقساوستهم يلبسون لباساً يخالف ألبسة غيرهم في الأمم الأخرى ونرى الكل متشابهين متقاربين مما يذكر أن سويسرا كانت في القرون الوسطى مهد التسامح وإن وقع لها في القرن التاسع عشر أن نشبت فيها حرب دينية من أجل القانون الذي وافقت عليه الأكثرية بنفي الرهبنات من سويسرا في حين لم تنشب في أوربا حرب دينية في ذاك القرن ومع ذلك تجد جنيف ببرتستانيتها وفيبورغ كذلك في تمسكها بكثلكتها كأنهما رومية بكاثوليكيتها ولم تمض على هذه الحرب خمس وعشرون سنة بفضل تلقين المدارس فكر التسامح حتى أصبحت سويسرا أكثر بلاد أوربا تعلقاً بحرية الوجدان والعبادة على صورة منظمة حرة لا مثيل لها. اعتبرت سويسرا حتى اليوم الكنيسة إدارة من إدارات الحكومة هذا مع أن الحياة الدينية فيها مادة من مواد الحياة العامة فجعل الأديان تحت سلطة الحكومة مثل المصارف والسكك الحديدية ولكل مقاطعة قانونها الأكليركي الذي تنظر فيه السلطة التشريعية وتقر عليه أو تعدل منه مطلقة الحرية تحت بعض شروط يقتضيها الدستور السويسري من مثل حرية الوجدان وحرية التدين وغير ذلك ورؤساء الدين بحسب المقاطعة بروتستانتاً كانوا أم كاثوليكاً تدفع لهم الحكومة رواتب تستوفيها من أهل هذه المذاهب وللحكومة حق التدخل في مسائل العبادة والطقوس وإذا أرادت فيكون القول الفصل في بعض المسائل لمجلس الأمة وتدخل الكنيسة البروتستانتية في أعمال الحكومة غير محسوس في سويسرا الألمانية البروتستانتية مثل ما هو في سويسرا الكاثوليكية الفرنسوية وغيرها. وبعد حرب سوند بربوند اتهم اليسوعيون بأنهم أوقدوا الفتنة الدينية في البلاد السويسرية فطردوا منها وقد حظر عليهم دستور سنة ١٧٤٨ الدخول إلى سويسرا بيد أنهم دخلوا في الحقيقة على فريبورغ بعد عشر سنين ومدرسة اللاهوت في هذ المدينة يديرها الدومنيكيون في الظاهر ولكنها بيد اليسوعيين في الواقع ولاهوتها هو اللاهوت اليسوعي دع من هناك من الرهبان الذين طردوا من فرنسا وجاؤوا فريبورغ وغيرها من بلاد الكثلكة السويسرية

стр. 6059

يعلمون ويعظون ولمعظم الكليات السويسرية صفة دينية ظاهرة عليها فإذا كانت كلية فريبورغ كاثوليكية محضة فكلية لوزان وكلية جنيف برتستانتيتان. هذا إجمال ما يقال في المذاهب في هذه البلاد أما القوميات أو الجنسيات أو العناصر المتألفة منها فإن نصف سويسرا روماني أو لاتيني والنصف الآخر جرماني وربما كان العراك بين هذين العنصرين على صورة لم يعرف بها في بلد آخر في أوربا منذ أوائل القرون الوسطى واختلط العنصر اللاتيني بالجرماني وعلى العكس اختلاطاً كبيراً ومن السويسريين الفرنسويين من تألمنوا أي أصبحوا ألماناً بلسانهم على طول الزمن ومن الألمانيين من تفرنسوا ويكاد لا يتجاوز اللاتينيون أي الفرنسيس والطليان والرومانش في سويسرا مليوناً ومائتي ألف وبقية الأربعة ملايين هم ألمان عاشوا حتى اليوم بحرية تامة في استعمال ألسنتهم بفضل استقلال المقاطعات وعدم المركزية وربما كان الألمان أكثر توسعاً في البلاد وهم الرابحون في التبسط في ربوعها على الزمن حتى أصبح اللسان الفرنساوي خاصاً بغرب البلاد والرومانشي بشرقها والإيطالي بجنوبها والألماني بشمالها ويقدرون عدد الألمان المهاجرين إلى المقاطعات الفرنساوية بمئة ألف وعدد الفرنسيس المهاجرين إلى المقاطعات الألمانية بخمسين ألفاً. ولم تعترف الحكومة رسمياً بلغة الرومانش كما اعتبرت الألمانية والإفرنسية والإيطالية وكتبت معظم الأوراق الرسمية بهذه اللغات الثلاث وذلك لأن المتكلمين بها قلائل ولأنها أشبه بلهجة خاصة لا أدبيات لها وأهلها يتزوجون بالألمان ويختلطون بهم وكل سنة يخف عدد المتكلمين بلسانهم وربما كان الرومانشيون مثال مملكة أضاعت لغتها على التدريج بدون أن تضيع استقلالها أضاعت لغتها واندمجت في غيرها على خلاف الطليان وعددهم في سويسرا اللاتينية زهاء ٢٣٠ ألفاً فإنهم احتفظوا بعنصريتهم لأنهم احتفظوا بلغتهم واحتفظوا بلغتهم لأن لها آداباً خلافاً للرومانشية. ومسألة الألسن غريبة في سويسرا لا تؤثر في الأمور الإدارية لأن حقوق الأقلية مصونة كحقوق الأكثرية ومن أعجب الأمور أن اللسان في سويسرا وإن كان من مواد الوطنية المحلية فليس شارة من شارات الوطنية الجامعة واختلاف الألسن ليس من العوائق في إدماج السويسريين في قالب الأخلاق وليس في اللسان أدنى مادة من مواد الانفصال

стр. 6060

فالسويسري الفرنساوي في مقاطعتي ألفو ونوشاتل لا يريد ان يصبح فرنسياً بتابعيته وكذلك السويسري الإيطالي لا يحب بوجه من الوجوه أن ينضم إل ى إيطاليا ومثله ألماني مقاطعات شافوز وتوركوفي وسان غال لا يريد أن ينضم إلى ألمانيا. ولولا أحوال نادرة لصح أن يقال أن سويسرا في جميع أدوار التاريخ قد نالت أعظم الحرية في استعمال اللغات في جميع الأعمال الخاصة والعامة أما اليوم فإن الحرية موجودة مبدئياً ولكن احترام حقوق الأكثرية والأقلية على أسلوب معقول تحت نظارة جمعيات تتولى النظر في مسائل اللغات المحلية وانتشارها وتدافع عن حقوق الأكثرية ولا تغمط حقوق الأقلية في كل بلد يسبق غيره في عدد المتكلمين بلغة دون أخرى وكانت كتابة جميع الرسميات والعموميات بعدة لغات في القديم للإفهام والتفهيم أما اليوم فإنه يراعى بما يكتب حق السواد الأعظم. اللغة الرسمية في كل ناحية هي لغة أكثرية السكان وبهذه اللغة تكتب مداولات المجالس البلدية والأعمال الإدارية التي تعلق ليقرأها الجمهور وبها تكتب أسماء الشوارع والمصانع ويدرس في المدارس ويلقى الوعظ أو القداس في الكنائس ومن النواحي من اختارت برضاها التساهل مع أهل اللغة الأخرى في بعض هذه المسائل كأن تترك مقاطعة المدينة اللغة الإفرنسية تجعل لسان التدريس فس مدرستها أو أن سكان مقاطعة رومانشية يقدس لهم بالألمانية وللمنتخبين في المقاطعات المختلفة أن يتكلموا بإحدى اللغتين كما يشاؤن في جميع المداولات وتكتب الإعلانات وغيرها باللغتين وإذا بلغت الأقلية العدد الكافي تكون لها مدرسة بلغتها وكنيسة تعظ وتقدس بلسانها وفي الكتابات الخاصة وعناوين الدكاكين تركت للناس حريتهم وما يسري على الناحية يسري على المديرية حذو القذة بالقذة أي تكون اللغة الرسمية لغة الأكثرية والأقلية لا تحرم من حق التفاهم. ويطلب إلى الموظفين في جميع المقاطعات المختلفة معرفة لغتين وتكثر فيها الإعلانات وأسماء الأماكن باللغتين ويقبل استعمال اللغتين في المجالس وعمال السكك الحديدية يبدأون في كل مقاطعة بلغة البلاد في مخاطبة الركاب ثم يثنون ويثلثون إذا اقتضى الحال بغيرها وجميع القطارات تكتب عليها اللغات الثلاث إلا الإيطالية فإنها تنقص من بعض القطارات التي تمر قليلاً في البلاد الإيطالية والسويسرية وللغتين الألمانية والإفرنسية المساواة التامة

стр. 6061

تكتب جميع أسماء المحطات وغيرها بهما ويجعل التقدم للغة البلدة الشائعة. وفي سويسرا سبع كليات منها ما يدرس بالألمانية ومنها بالإفرنسية وفي بعضها دروس مختلفة باللغتين فكلية بال التي أنشئت سنة ١٤٦٠ تدرس بالألمانية وكذلك كلية زوريخ التي أنشئت ١٨٣٣ وكلية برن التي أنشئت سنة ١٨٣٤ أما كلية جنيف التي أسست سنة ١٨٧٣ وكلية لوزان المؤسسة سنة ١٨٩٠ وكلية نوشاتل التي تمت سنة١٩٠٩ وكلية فريبورغ التي قامت سنة ١٨٨٩ فإنها تدرس بالإفرنسية وفي كلية فريبورغ عدة دروس مختلطة بين اللغتين. أعضاء مجلس الاتحاد السويسري سبعة ومنهم رئيس الجمهورية خمسة منهم ألمان واثنان فرنسويان وقراراتهم تكتب باللغتين وفي سويسرا ثمانية فيالق اثنان فرنسويان وخمسة ألمان وواحد إيطالي ورومانشي ولغة التعليم في الفيلق الأخير الألمانية والإدارات الخاصة تتبع هذه القاعدة لإرضاء قرائها من ذلك أن نقابة أصحاب الفنادق في سويسرا الألمانية لم ترض أن تغير أسماء قوائم الطعام من الإفرنسية إلى الألمانية لأن معظم الداخلين إلى البلاد يفهمون الإفرنسية أكثر من الألمانية حتى أن الألمان أنفسهم يفضلون أن يرووا أسماء الألوان بالإفرنسية لاعتقادهم بأن المطبخ الفرنساوي هو خير المطابخ وألوانهم أجمل المآكل وكذلك ترى أصحاب الفنادق يصدرون جريدتهم باللغتين كل ذلك يدل على جوهر أخلاق السويسريين وإن المحافظة على حق أو على حرية ينبغي أن يكون على قدم المساواة. سويسرا بابل اللغات لأن فيها على صغرها منهن أربعاً وفي النمسا سبع وفي العثمانية سبع أمهات الآن ماعدا اللهجات ولكن سويسرا والنمسا حلتا هذه المسألة الحل المعقول العادل فهل نوفق نحن إلى حلها كذلك والعرب هم السواد الأعظم وقد أمرنا باتباع الأكثرية وللغتهم ميزات ليست لغيرها والأمم الدستورية تراعى فيها قبل كل شيء حقوق الأكثرية. سويسرا كيف تجلب الغريب كانت بعض البقاع في سويسرا منذ نحو ثلاثين سنة من أفقر بلاد أوربا فبفضل ما أنشئ فيها من الفنادق وبذل من المساعي لاستجلاب رضى السياح والمصطافين والمشتين اغتنت تلك الأصقاع وأصبحت سويسرا وجل اعتمادها على القادمين إليها من أقطار الأرض حتى

стр. 6062

لقبوها فندق أوربا ولكن هذا اللقب وهذه الثروة التي يبذرها فيها الأجانب لم تحصلها عن عبث فإن علم جلب الغرباء وإمساكهم وحملهم على العودة ثانية بكمية أوفر قد أصبح في سويسرا علماً حقيقياً له أساليبه وقوانينه وإحصاآته وجرائده ومنشوراته المنوعة الظريفة وكلها متناسقة متساوقة كآلة الساعة وقد علمت السويسريين التجارب أن السائح يستمال بست قواعد من أحسن استخدامها اغتنى وأفاد واستفاد. القاعدة الأولى: أن يزرع المرء كثيراً ليحصد أكثر فقد جعل السويسريون لنشر الإعلانات بالكلام والصور المقام الأول ما عدا إعلانات المحطات والمنشورات المصورة وغيرها من المقالات التي تدفع عليها الأجور الباهظة أحياناًُ في صحف سويسرا وغيرها والمقصود منها الإعلان وكل إدارة وكل نقابة توزع منشوراتها مجاناً وكثيراً ما تكون كبيرة الحجم يحتاج طبعها لمال كثير وعناية تامة من استجادة الورق والصور والجلود وفيها من كل شيء أطيبه بحيث تستدعي النظر إليها ولو بعد مدة وتنفق على ذلك كله نفقات هائلة ولكن الثمرات التي تعود منها قد قدرت بثلاثة أضعاف أو أربعة. القاعدة الثانية: جميع تراكيب هذه الآلة متضامنة ولا تنافس بينها وهذه قاعدة اقتصادية مهمة وهو أن كل صاحب فندق لا تحدثه نفسه أن يحتكر جميع السياح بل يهتم لإنجاح المدينة أولاً ثم الناحية وأرباضها أو النجاح العام وهذا لا يتم إلا بالتضامن بين أبناء هذه الحرفة فيشترك مثلاً جميع أرباب الفنادق في بقعة ليعملوا عملاً يسر جمهور النازلين في فنادقهم وإنزالهم ويجلبوا السرور والراحة لهم على السواء ومثل ذلك التضامن نراه على أتمه أيضاً بين الإدارات والشركات المختلفة لا تحاسد بينها ولا تعاير في المصلحة قد ألف معظم أرباب الفنادق نقابات لهم فتألفوا مديرية أولاً ثم تألفت المديريات كلها نقابة واحدة آخراً فأصبحت فنادق سويسرا كالبنيان المرصوص ومثل ذلك أصبحت بعض القهاوي ومحال السماع ومحال إعطاء التعليمات وشركات التضامن نقابة خاصة يأتون كل ذلك على شرط أن يرضى السائح ويرتاح. القاعدة الثالثة: أن تراعى حال جميع الطبقات بحيث يرضى كل سائح بالمعاملة التي يراها وذلك لأن سويسرا أدركت أن الرحلات اليوم قد أصبحت ديمقراطية أيضاً وإن المتوسط غناهم هم أكثر من الأغنياء أرباب اليسار بل هم أخلص وأشرف وعلموا بالإحصاء أن

стр. 6063

واحداًً فقط في المائة من السياح الذين يصطافون أو يشتون في بلادهم يركب في الدرجة الأولى في السكك الحديدية و٨٥ في الدرجة الثالثة ولركاب هذه الدرجة ميزانية مقررة إذا فصدوا كثيراً في مادياتهم لا يعاودون رؤية تلك البلاد وفي سويسرا فنادق وإنزال على اختلاف أذواق الناس واقتدارهم فمن أراد الرفاهية يدفع ثمنها في قصور هي أحسن من قصور الملوك ومن أحب التوسط كان له ما أراد وكذلك من أحب أقل من التوسط وإني لم أسمع بأن إنساناً يمكن في أوربا أن يأكل ويشرب وينام بفرنكين وهذا ما أعلن عنه مؤخراً إحدى البيوت التي تنزل الأضياف عليها في لوزان القاعدة الرابعة: النظر أبداً إلى راحة السائح وإظهار العناية بأمره فقد عني السويسريون أن يسهلوا جميع مصاعب السفر على المسافر فيرى هذا أهم اللغات الأوربية الرئيسية يتكلم بها في المحطات والفنادق والمخازن الخ والبريد من أسهل ما يمكن وفي زهاء ١٠٧ مدينة وبلد من سويسرا مكاتب للاستعلامات للغريب والقريب يسأل الإنسان فيها عما يشاء مجاناً وقد نظمت بمعرفة الشركات المحلية ولا عمل لعمال هذه المكاتب إلا أن يجيبوا الناس عما يسألون من الصباح وإلى المساء والشعب يبدي العطف على الغريب والعناية بأمره فالسويسريون إذا لم يكونوا في رقة الطليان بالاحتفال بالغريب والأخذ بيده فيما لا يعلم ومرافقته مئات من الأمتار أحياناً لدلالته على طريق أو غيره فهم وسط في ذلك فإن الواحد منهم يشرح لك محل مقصدك بأوضح عبارة ممكنة وإذا شكرته لا يرى أنه يستحق الشكر. القاعدة الخامسة: أن يعرض كل شيء أمام السائح من دوت أن يعجز بمطالب مبرمة وذلك أن تصل إلى المحطة فلا تجد حمالاً بل أنت تصرخ حمال فيجيبك ولا تجد عاملاً من عمال الفنادق بل تجد لوحة موضوعة في مخرج المحطة فيها أسماء الفنادق في البلدة على اختلاف درجاتها ولا تجد حوذياً يريد أن يركبك في مركبته ولا سائقاً يريد أن يستاقك في سيارته بل أنت إذا طلبت واحداً منهم أتاك سريعاً بأدب أما وجود الشحاذين الذين يطلبون صدقة كما تشاهد في إيطاليا فهذا لا أثر له لأن الشحاذة ممنوعة هنا أكثر من فرنسا ولا تجد أحداً يتعرض لك لابتياع شيء منه وتحسين بضاعته بل تراها على اختلاف أنواعها معروضة في الزجاج وقد كتبت عليها أسعارها وهذه أخصر طريقة وأشرفها في قاعدة العرض والطلب وهكذا بائع المرطبات والمشروبات يكتب عليها أسعارها ويجلس في

стр. 6064

المحطات بحيث تراه ولا يسألك شيئاً. القاعدة السادسة: إرضاء جميع الأذواق والحاجات حتى الغريب منها واجتناب ما يكدر وإذا وقع خلاف فيراعى ذوق الأكثرية. ولأجل استمالة قلوب السياح عني السويسريون بحسن الانتفاع من بلادهم من كل وجه وضاعفوا المسليات والمفرحات فتقرأ في نشراتهم التي يستولون بها على عقل الغريب ما يشير إلى أن في بقعتهم ما يرضي جميع المشارب والأمزجة من أرباب الصفاء إلى طلاب الخلاء إلى المولعين بالألعاب الرياضية إلى الراغبين في التصعيد في جبال الألب إلى من يريدون التسلي إلى من يرغبون في التعليم إلى من يؤثرون الوحدة إلى المصورين والطبيعيين والأثريين وكل واحد يخاطبونه بما يشتهي ويدلونه على ما يهمه. نعم وفروا الراحة لجميع الأذواق وقاموا بما يرضي الأرواح والأشباح فترى أوقات الأطباء معينة مذكوراً إلى جانبها أوقات القداديس والمواعظ وعنوان الطبيب مع عنوان الكاهن أو الواعظ. ولا يأتون ما تشمئز منه نفس السائح حتى إن دفن الموتى لا يجري في أوقات الصيف إلا قبل الشمس حتى لا يقع نظر السائح على مار بما تشمئز منه نفسه فيذكر الموت في بلاد لا يجب أن يكون فيها إلا الصفاء والرخاء. وكثير من هذه الأعمال تقوم بها شركات لان فكر الاشتراك منتشر للغاية عند السويسريين فمن شركاتهم شركة المنتدى الأدبي السويسري وهذه عنيت بتربية الأدلة وتعليمهم يصعدوا مع السياح في جبال الألب وقد فتحت لتعليمهم ثلاث مدارس في أهم البلاد الجبلية وضمنت لهم حياتهم بمبلغ يربو على ثلاثة مليارات وربع من الفرنكات وعددهم نحو ٩٠٠ يدفع لهم المنتدى في السنة نحو نصف التقاسيط وهناك شركات لا تحصى في كل مديرية لتحبيب البلاد إلى الأمم ونشر ما ينبغي عنها من مالهم وربما أهان بعضها المجالس البلدية على تحسين حالة البلد أو القرية إذا كان هناك نقص يجب تداركه لاستجلاب رضا الغريب فكان من اثر هذه الجمعيات تكثير سواد القادمين على السويسريين سنة عن سنة. والحكومة لم تدخر وسعاً في هذا السبيل فبذلت الأموال عن سعة في المدن والدساكر فتحت الشوارع الجميلة وجملت الأرض وعبدت الأرصفة الفسيحة وأنشأت المتنزهات الظليلة والحدائق العامة وأقامت فيها المقاعد الكثيرة ليجلس عليها من أحب وأدخلت الكم باء إلى كل مكان وكذلك التلفون والمياه الطاهرة النقية وأقيمت القهاوي المهمة في جميع المحال

стр. 6065

التي يلحظ إن المسافر يقصدها. قد اعد السويسريون جميع الألعاب الرياضية التي يحبها الانكليز كالتينس والفوت بول وغيرها دع أيام الشتاء التزحلق والتدحرج في الثلج (لالوج والسكي والباتناج). عادات أولع الغربيون بها تقليداً للانكليز وكل سنة يموت في خلالها من المرتاضين المئة والمئتان ومع هذا ترى النساء والرجال يرتاضون هذه الرياضة الخطرة ويزيد عددهم سنة عن أخرى. وبذلك كثر ترداد الناس إلى سويسرا في الشتاء ولا سيما الانكليز والاميركان. ويقدر عدد من يقصد سويسرا كل سنة بزهاء مليوني نسمة فإذا فرض أن كل واحد ينفق عشرين ليرة فيكون المجموع أربعين مليوناً تأخذها سويسرا في أشهر معدودة من السنة من الألماني والانكليزي والروسي والنمساوي والمجري والفرنساوي والايطالي والاسبانيولي والبرتغالي واليوناني والمصري والهولندي والأميركاني والبلجيكي والسكاندينافي وغيره وللألمان المقام الأول في كثرة العدد وهم يؤثرون النزول في البيوت لرخص العيش فيها. ويقدرون عدد الفنادق الكبرى بزهاء ألفي فندق في سويسرا كلها من الطراز الأول والثاني أما الفنادق البسيطة والبيوت فهذه أكثر من إن تعد وما وصلت هذه الصناعة في إقراء الضيوف إلى هذا من الارتقاء إلا بالثبات والعمل والتفنن والعلم حتى أصبح السويسري معلماً للأمم في صناعة الفنادق وكثير من مدن أوروبا وحماماتها المدنية ومتنزهاتها البحرية بيد أناس من السويسريين. ويقدرون عدد السرر الموجودة على الدوام في هذه الفنادق بنحو مئة وثلاثين ألف سرير وعشرة آلاف سرير احتياطية وما برحت شركة الفنادق السويسرية منذ أسست سنة ١٨٨٢ وهي تتفنن في خدمة الفنادق والإنزال واستجلاب أنظار العالم المتمدن ولها جريدتان لبث أفكارها توزعها مجاناً دع المنشورات والكراسات والكتب التي لا تقصر في توزيعها ومما أنشأته مدرسة لتعليم صناعة الفنادق يتعلم فيها مدير الفندق تعليماً على أسلوب معقول وذلك لان ضرورة المباراة وحاجات الزبن وصعوبة الحياة الحديثة تجعل صناعته مشكلة يوماً بعد آخر ولذلك أحدثوا مدرسة داخلية في ضواحي لوزان واسعة الأطراف مطلة على البحيرة وفيها مجال للألعاب الرياضية وجعلتها داخلية وشددت قانونها فقضت بان ينام طلبتها في الساعة العاشرة وتطفأ المصابيح ويمتنع فيها جميع أنواع اللعب بالورق والقمار ومنعت التدخين والخروج بدون رخصة وان يذهب

стр. 6066

الواحد إلى غرفته حتى في النهار بدون ترخيص وان يختلف إلى الأماكن العامة وأجرة المدرسة أو ثمن الأكل فيها فقط ١٣٠ فرنكاً في الشهر لابن سويسرا و١٥٠ للغريب. ومدة الدراسة ثمانية أشهر ويسأل فيها الطالب في الأكثر في اللغات الحية ويجب أن يكون سنه من ١٦ إلى ١٨ وتدرس في هذه المدرسة الفرنسوية والانكليزية والألمانية والايطالية والحساب والجغرافيا (الجغرافيا العامة وجغرافيا طرق المواصلات) وتاريخ سويسرا والتعليم الوطني وحسن الخط والحساب (أصول معاملة الفنادق والمعاملات التجارية على أصول الدفاتر) ومعرفة الحاصلات ونظريات في الخدمة ودروس في التنظيم وحسن الهندام وتقديم الطعام وحفظ الصحة والرياضة البدنية والألعاب والرقص وبعد أن ظهرت فوائد هذه المدرسة أنشئت عدة مدارس في سويسرا كلها للوفاء بهذا الغرض ولكن الظاهر أن مدرسة لوزان ارقأها. وأنشأت شركة الفنادق تعلم أناساً فن الطبخ وعهدت إلى الخبراء يمتحنون من يريد الدخول في هذه الصناعة بعد أن ينال شهادة منهم بتقدمه فيها. ويقدرون رؤوس الأموال التي وضعتها الفنادق نحو ثمانمائة مليون فرنك وما برحت على ازدياد وأرباحها كذلك في اعتدال لان السويسري يرضى بالربح القليل جرياً على ما تستلزمه القاعدة الاقتصادية. وتختلف أجور الفنادق فمنها ما يدفع فيه الواحد في اليوم مائتي فرنك منها ما يأكل فيه وينام كل يوم بأربعة فرنكات وكل على حسبه ويقدرون عدد المستخدمين في الفنادق بزهاء خمسة وثلاثين ألفاً معظمهم من النساء وفيهم الغرباء يدفع إليهم ١٦ مليون فرنك عدا الحلاوين التي تقدر بثلاثة أضعاف هذا المبلغ ومن الصعب تقدير ما تربحه البلاد كلها من السياح والمعروف أن أرباحها من ذلك تجيء بعد أرباحها من صناعة الحرير والتطريز والساعات اللهم إلا إذا حسب من ينتفعون من الغريب بالواسطة فإن أرباح السياح يكون لها المنزلة الأولى وبها اغتنت سويسرا بعد أن كانت فقيرة. طول الخطوط الحديدية في سويسرا نحو خمسة آلاف كيلو متراي ١٣ كيلو متر في كل عشرة آلاف متر مربع وقدر ب ٩٥ مليوناً عدد من يتنقلون كل سنة على خطوطها ولها طريقة جميلة في إعطاء أوراق اشتراك فيدفع الواحد ٤٥ فرنكاً يأخذ بها ورقة في الدرجة الثالثة يركب بها أي قطار أحب مدة خمسة عشر يوماً ويدفع ٦٥ في الدرجة الثانية و٩٠ للدرجة الأولى. هذا عدا الخطوط الكهربائية والخطوط الحديدية الجبلية والحوافل.

стр. 6067

ولسويسرا ١٢٠ سفينة تجارية في ١٧ بحيرة كبرى من بحيراتها تغدو وتروح في نقل الركاب تنقل زهاء ثمانية ملايين راكب في السنة وهي دائماً تنتظر القاطرات والقطارات تنتظرها. والبرد متصلة علائقها مع السكك الحديدية وفيها جميع أنواع الراحة للقريب ومراكز البرد وصناديقها كثيرة حتى لقد ذكرت أحدث الصحف مؤخراً ما مثاله: ينم عن ارتقاء الشعب كثرة مواصلاته البريدية وكثرة ما يبتاعه من الصابون وقد امتازت الدانيمرك بكثرة بردها فإن لكل ٢٣٤ ساكناً فيها صندوق بريد وفي سويسرا لكل ٢٨٦ نسمة صندوق ولكل ٣٢٠ في لوكسمبورغ صندوق ولكل ٤٢٤ ألمانياً صندوق ولكل ٤٧٢ فرنساوياً صندوق ثم تجيء النمسا فانكلترا فالبرتغال أما العثمانية فقد أحرزت الدرجة الأخيرة إذ ليس عندها غير صندوق واحد لكل ٦٩، ٣٠٠ عثماني!. هذا بعض ما عرفته عن سويسرا وما يأتيه الأفراد والحكومة لجلب السياح إليها حتى أصبحت فندق أوربا حقاً وصدقاً. سويسرا: تفننها في الإعلانات لا ترى في مدينة سويسرا نقصاً في فرع من فروعها وعمل من أعمالها فكل مخزن وكل دكان وكل إدارة وكل معمل وكل شارع وكل حي وكل دار وكل منزل صغير وكل دائرة وكل مدرسة بل وكل مستراح وكل شيء كتب عليه اسمه وعمله وما يجب للداخل إليه والمعاملة معه بحيث لا يحتاج الإنسان أن يسأل أحداً وربما إذا ترويت قليلاً بالنظر لوضوح هذه الكتابات تطوف سويسرا كلها وقلما تطلب من يدلك على من تقصده إذا كانت نمرة محله واسم شارعه في جيبك. خاصية غريبة قلما تجد مثلها حتى في كثير من البلدان الراقية. بل قد كتب على الأبواب الخاصة والعامة ادفع أو اقفل وكتب على المراحيض ارفع أو اخفض لتطهير المكان وكتب على بلاس الباب الرجاء مسح رجليك وكتب في المدارس إياك وإدخال عصاك أو مظلتك إلى الداخل وكتب على الصور والتماثيل ممنوع مس شيء وكتب على صناديق البريد تفتح ساعة كذا ودقيقة كذا ولو أردنا تعداد مثل ذلك لطال بنا المطال وسئم القراء تفاصيل لم يسمعوا بها ولا تخطر لهم في عالم الخيال. ومن يظن أن في دور البريد صناديق تدفع إليها ثمن الطابع كما هو في بعض بلاد أوربا الراقية فينزل إليك فتلصقه على كتابك وفي صناديق البيوت التي تعلق في دهليز الدار

стр. 6068

وتكون هذه مؤلفة على الأكثر من خمس أو ست طبقات كل طبقة شقتان أو مسكنان فيجيء الساعي ويضع كتب وجرائد كل منزل في صندوقه حتى إذا وضعها يطن جرس من داخل الصندوق فيسمع أهل المنزل فينزلون ويأخذون بريدهم كل ذلك تخفيفاً على من الحركة بدون لزوم وفي المخازن والمحال العامة صناديق للقبض والصرف لا تغلط في العد وتحصي على العامل ما أباعه في اليومه. ذكرنا هذا وإن كان بعضه لا يدخل في باب الإعلان الذي هو المقصود بهذه الجملة فقد بلغ التفنن بالإعلان في الغرب حداً من الارتقاء لا يكاد يوصف وأظن سويسرا إن لم تكن أرقى الغربيين في التفنن بعلانها فهي من أرقاهم بلا جدال وكفاها فخراً إنها لولا الإعلان عن بلادها ما استطاعت أن يكون لها هذا الغنى الدثر والسعادة الشاملة فعرفت الناس بقدر بلادها وجمال أصقاعها وربما أفرطت في ذلك أحياناً لمقتضى الوصف الشعري ولقد أطلعت على كثير من الكراسات التي توزعها مكاتب الاستعلانات مجاناً على طالبيها فما رأيت أكثر من مهارتهم في إيجاد المزايا لكل مدينة ولكل قرية ولكل طريق ولكل غابة في أرض سويسرا. وكل شيء هنا بالإعلانات إذا لم تقرأ صحفها لا تهتدي إلى ما تريد ابتياعه أو عمله وقد يكون لها جرائد خاصة بها اسمها جريدة إعلانات مقاطعة كذا ومنها ما يطبع الثلاثين والأربعين ألفاً في اليوم لا تكاد تخلو منها دار واشتراكها عشرة فرنكات في السنة تصدر في ثماني أو عشر ورقات من حجم جريدة المقتبس وكلها إعلانات إلا الصحيفة الأخيرة أو الصفحتان الأخريان ففيهما حوادث ونكات قد يكتفي الواحد بهما للوقوف على حركة بلاده على الأقل. وكل جريدة مرتبطة مع شركة إعلانات تبتاع منها قدراً معيناً من الصحيفة وهي تفتش لها على إعلانات تناسب سعة انتشارها ومكانتها. كنت أتلهى في الأحايين بقراءة بعض الإعلانات في الصحف لأعرف منها روح الشعب وحركة تجارته وعمله فكنت استغرب في الضحك عندما أقرأ السذاجة تغلب على إعلاناتهم والتفنن فيها اخذ آخذه من النيقة والعناية. فمنهم من يعلن عن ١٠٠ كيلو من الجبن من جنس كذا بثمن كذا ومنهم من يقول أن عنده رأسين من البقر عمرها كذا وهما يصلحان للذبح ومنهم من يقول يحب أن يبيع خمس نعاج عجفاء وآخر عشرين رأساً من الغنم وبعضهم يعلن عن لبنه وآخر عن زبته وآخر عن بيع

стр. 6069

عربته أو دراجته أو دثاره أو صندوقه أو ثيابه وآخر عن خنزيره الذي علفه وغيره عن حذائه الذي ما أتلفه. وتجد آخر خزانته وبعضهم عن سريره وبعضهم عن آلة موسيقاه أو محراثه أو منكاشه أو مجرفته أو حصادته وعصارته ومذراته وآلة تصويره وآلة خياطته وآلة حياكته وآخر عن كلبه. والصدق يغلب عليهم في إعلانهم عن متاعهم وآنيتهم وأدواتهم. أما التفنن في الإعلان عن الاستخدام وطلب عمل في مخزن أو حقل أو إدارة أو منزل ذكوراً كانوا أم إناثاً صغاراً أم كباراً فهذا مما بلغ الغاية التي لم يبق وراءها وراء فكل طالب وكل طالبة يضع شروطه ومزاياه وعمله وربما الأجرة التي يريدها بأخصر عبارة تستهوي القارئ وتستدعي الراغب فيه إلى مفاوضته ومخابرته على أسرع ما يمكن وكل يوم تقرأ إعلانات كثيرة في طلب حالب بقرات تبلغ عدد كذا في محل كذا بغجرة كذا ومستخدم لمخزن يعرف كذا وطاهية تحسن إدارة بيت فيه كذا من الأنفس وبواب لمحل كذا وسائس باجرة كذا وحوذي وسائق وراع كذلك وحراث ومجلد ووراق وسكاف ومطرزة وعاملة في معمل إلى غي ذلك من الأساليب التي لم يسمع بها الشرق وهي من اختراع الغرب لان الإعلان نشأ فيها ومنه نشأت الجرائد. الإعلان عن الحاجيات والكماليات لطيف ونافع ولكن ما كان يظن أن الغربيين أيضاً تساوى في طلب ذلك الرجال والنساء لأنهم يعتبرون الزواج وما يشبهه من الحاجات الطبيعية التي لا عيب فيها الأمر أنهم يعلنون عن ذلك بدون تسمية أسم الطالب والطالبة. وهذه الطريقة كانت البادئة بها فيما أظن جريدة الجورنال الباريزية ثم تبتعها على الأثر جرائد العالم وكان للسويسريين حظ وافر منها وإن كان عدد الطالبين والطالبات أقل من عددهم في باريز. وذلك بان يطلب أحدهم خادمة تستخدم لكل شيء بأجرة كذا على أن تقوم بعمل كذا وأن يكون عمرها كذا من السنيين أو أن الخادمة تطلب ذلك ولا تتوقف عن أن تصف صفاتها وجمالها وسنها وتصف رزانتها ووقارها. أكتب هذا وأمامي صحيفة إعلانات لوزان وفيها كثير من هذا القبيل منها أن امرأة إسرائيلية تريد التعرف إلى زوج عمره بين الخامسة والعشرين والثلاثين وأن تكون له ثروة ثم وصفت عمرها وما تملكه ومنها أن عقائل وأوانس يردن أن يتعرفن إلى خواجات تكون لهم مراكز طبية ومنها أن شاباً في الثالثة والثلاثين لا يتناول المسكرات حسن الخلقة والخلق من كل وجه له منصب

стр. 6070

حسن في الأرياف يريد أن يتعرف إلى فتاة في الخامسة والعشرين إلى الثلاثين ويؤثر أن تكون مسيحية ومعودة النظام ويقبل بأن تكون حاملة شيئاً من النقود وأنه رزين لا يفشي سراً وإذا أرسلت إليه الصورة الفوتوغرافية يعيدها في الحال والرجاء أن يكتب في ذلك بنمرة كذا لإدارة جريدة لوزان. والقوم هنا لا يكتفون بتعليق إعلاناتهم على الحوائط والمركبات في السكك الحديدية والكهربائية وعجلات النقل وفي الصحف والمنشورات والكراسات وعلى الأبواب والنوافذ ورؤوس الأبنية بل إن التاجر يعلن عن محله حتى في الورق الذي يصر به لك قميصاً أو بدلة أو كتاباً أو حذاءً أو منديلاً أو ورقاً أو أي شيء تبتاعه بل إن الخيط الذي يربط به الاضبارة أو الرزمة قد كتب عليه أسم محله وما فيه وهكذا في جميع ما يخطر ببال. وتعتقد جميع المحال التجارية والشركات الصناعية والمدارس وغيرها أنها إذا لم تكثر من الإعلان عنها يتناساها الناس وتقل أرباحها وهذه لوزان لولا ما تفنن أهلها في الإعلان ما أصبحت عاصمة العلم في سويسرا الفرنساوية وبلغ طلبة كليتها ألفاً وأربعمائة منهم نحو ألف غريب من غير السويسريين وهكذا المدارس الخاصة التي يعيش بالتعلم فيها أناس لا يستقل بعددهم ومنها ما يدرس فن تدبير المنزل وآخر الفنون الجميلة وغيرها التجارة وبعضها اللغات وبعضها الألعاب الرياضية إلى آخر ما تفننوا فيه فجاء الغريب يستفيد منه فكان للوزان فصلان فصل الصيف يكثر فيه السائحون للنزهة وفصل الشتاء يكون خاصاً بالطلاب والمتعلمين ويستفيد من ذلك أهل البلاد مئات الألوف من الليرات. وبلغ من تفنن القوم بالإعلانات أن أحدهم ألف كتاباً في فن الطبخ فكسد كساد بضاعة العلم في بلاد العرب ففكر فلم يجد أحسن من أن يعلن أن الفتاة التي تراجعه مرسلة إليه ثلاثة فرنكات يقدم لها خير نصيحة قبل زواجها تكفيها غوائل الدهر وحوادث الأيام فكان يبعث لكل مرسلة بالمبلغ المطلوب بنسخة من كتابه ويقول لها تعلمي هذا فباع من كتابه ثلاثة ألاف نسخة. وكتب بعضهم إذا أردت أن تغتني فأعمل عملي وأنا لا أعلمك ما عملت إلا إذا بعثت بكذا فرنك حوالة. فكان جواب هذا الشاطر لمن طلب إليه النصيحة أن يقول له أعما عملي فتغتني لا أي أكتب في إعلانك كما كتبت وهناك المال يقبض عليك. ولكن هذه الطرق نادرة جداً والصدق هو الغالب على الإعلانات كما قلنا ولذلك اعتمد الناس عليها

стр. 6071

وزادت عنايتهم بأمرها وأسست لها البيوت والشركات المهمة التي تدخلها فتظن نفسك في مصرف كبير أو معمل خطير. والإعلانات مادة الصحف في الغرب وكثير من أمهات جرائدها لا تصدر يوماً واحداً لولا الإعلانات لأن ما تأخذه من القراء والمشتركين لا يبلغ ثمن الورق مع أنها تطبع بمئات الألوف فتأمل يا تاجر بلادنا سويسرا: التربية العملية من أعظم أسرار امتياز الغربي عن الشرقي إن الفرد عندهم يعيش بنفسه لنفسه ونحن نتكل في عيشنا في الأغلب على الوالد والوالدة والقريب والحكومة ويقل جداً فيهم من اغتنى من غير المذاهب الطبيعية في المعاش من صناعة وزراعة وتجارة واقل منه فتى أو فتاة في مقتبل العمر تقعد به همته عن اتخاذ أسباب الكسب انتظاراً لأرث ربما يورثه إياه أبوه أو أمه أو لوظيفة تليق بعظمته يتناول راتبها الباهظ بعمل ضئيل قليل. حالة تدهش في الغرب من عيش الاستقلال ونحن حالنا على ما تعهد من عيش الاتكال الذي انقض عدد العاملين والعاملات وقذف بنا من حالق مجد وسعة إلى دركات ذلة وفاقة. كلما ذكرنا وأيم الحق أن في دمشق نحو ثلاثة عشر ألف شحاذ أكثرهم أصحاء أقوياء نقضي المجب من حالنا ونسجل بأننا سواء وحكومتنا في هذا النوم أو التناوم عن السعي في مداواة أمراضنا الاجتماعية وبدون ذلك لا تقوم لنا قائمة ولا نتحرر من قيودنا السياسية والاقتصادية. وأني آسف وأبكي لمئات من الشبان في سورية ولا سيما في دمشق وحلب وحماة وطرابلس والقدس سئموا الحياة لبطالتهم وهم يعيشون عالة على أهلهم ومنهم الموسع عليه في رزقه لا يتنزلون للاحتراف بحرفة ولا يرون أنه يليق بهم إلا أن يتصدروا على مقاعد الحكم آمرين ناهين يؤثرون البطالة منتظرين أن يموت أولياؤهم ليستولوا على أموالهم وفي الغالب أن يموت الموسر عندنا وهو موسر بالنسبة لمحيطه ويخلف أولاداً كثاراً تقسم بينهم الثروة فينال الواحد جزءاً قليلاً لا يستطيع إنماءه ولا يقوم بتفخله وبذخه هذا إذا لم يكن فاسد الأخلاق ولم يصرف دخل سنة في شهر وهناك بشع بالفقر إلى أرذل العمر. أما الغرب فحاله غير حالنا إذا تعلم الولد التعليم الابتدائي غالباً يبدأ أهله يقطعون عنه راتبه ويطالبونه باجرة الدار وثمن الطعام ليلقي نفسه في معمعان الحياة ويعلم أنه فرد مسؤول

стр. 6072

عن نفسه لا يقوم بإعالته غير عمله ولهذا مئات الألوف من الأمثلة ولقد قلنا في مقالة سبقت أن ليس في الأرض امرأة ضاهت الرجل في عمله كالمرأة السويسرية فلا تكاد تجد في النساء من لا يحترفن في هذه الجمهورية السعيدة غنيات كنا أو فقيرات ولذلك تزيد ثروة البلاد يوماً بعد آخر وترتقي في كل فرع من فروعها المدنية الحيوية. وحال معظم أمم الحضارة كذلك. أكتب هذا وأمامي أربع فتيات في المنزل الذي أويت إليه في لوزان لا أطاب لوطني إلا أن يكون رجاله دع نساءه في درجتين من التفاني في الحياة العملية والتناغي بحب الاستقلال في الأعمال. الفتاة الأولى انكليزية والثانية ألمانية والثالثة سويسرية فرنساوية والرابعة سويسرية ألمانية وكلهن سواء في كره الاتكال ومثال صالح غريب المثال قالت لي الفرنساوية السويسرية وهي في الحادية والعشرين من عمرها تعطي دروساً في الموسيقى وقد سألتها عن والدها وحالته في الدنيا: إنه متعهد أبنية ولنا بيتان يحتويان على زهاء عشرين مسكناً نؤجرهما في شالي من ضواحي لوزان وشقيقي الواحد صاحب نزل في نيس والآخر معلم بستاني في لندرا فقلت لها مثلك في الشرق يستريح ولا يعرف إلا الأزياء والرفاهية فقالت إن الناس كلهم في سويسرا يعملون وكل واحد يعيش لنفسه فليس من العدل أن أعيش عالة على والدي أو والدتي ولا على أحد أشقائي بل أعمل وأجمع ثروة لنفسي عملاً بسنة العاملين والعاملات أما الفتاة الانكليزية وهي في الحادية والعشرين أيضاً فقد هجرت بلادها وجاءت لوزان تدخل في إحدى البيوت الخاصة التي توفرت على تعليم الفتيات اللائي تخرجن من المدارس العليا في انكلترا وألمانيا وروسيا أو غيرها وأردن أن يتقدمن في معرفة الفرنساوية وآدابها والرياضيات البدنية والرقص والغناء وغير ذلك من لوازم المرأة الأوروبية الراقية التي تليق لترأس المجتمعات العالية والتصدر في الردهات والقاعات. قالت إنها تعلم الانكليزية وهي لا تتناول مالاً وإنما تعيش مع الفتيات في مدرسة وتتعلم الافرنسية بهذه الواسطة. وقد ذهب الفتيات خلال عطلة رأس السنة إلى الجبال للتزحلق والتدحرج والتسلق على الثلج فاقفل باب النزل فعرض عليها هي ورفيقتها الفتاة الألمانية أن يذهبا مع الفتيات فأثرتا البقاء في لوزان فجعلتهما مديرة تلك المدرسة في النزل الذي نحن فيه مدة العطلة تنفق عليهما ريثما تفتح أبواب منزلها أو مدرستها. أما الفتاة

стр. 6073

الألمانية رفيقة الانكليزية فهي في الثالثة والعشرين وحالها أيضاً حال رفيقتها تعلم الألمانية وتتعلم الافرنسية وتزيد عليها بان تعطي دروساً خارج المدرسة وأهلها أصحاب يسار في الجملة ولكنها تحتاج لتعلم الافرنسية وهذه هي الواسطة التي رأت إن تعمد إليها في إتقان لغة هوغو وموسيه لتضمها في صدرها إلى لغة كيتي وشيلر. أما الرابعة وهي ألمانية سويسرية فحالها أدهش من حال الثلاث وذلك لان والدها صاحب مخزنين في لوسرن وانترلاكون لو حسب ما يملكه على حساب بلادنا لعدد من الأغنياء عندنا على انه لا يعد في المحاويج بل المتوسطين هنا فأراد إن يعلم ابنه وابنته الافرنسية لمسيس الحاجة إليها في تجارته وحتى يكونا على أتم الاستعداد لتلقي مصاعب الحياة فجاء بالوالد وهو في السابعة عشرة يجعله في نزل في ارباض لوزان خادماً يأكل وينام ويتناول راتباً قليلاً ويتعلم الافرنسية ويتمرن عليها بالعمل وكان تعلم مبادئها بالنظر في المدرسة وشقيقه هذا الفتى في التاسعة عشرة من عمرها شأن شقيقها تحب إن تتعلم الافرنسية وتدبير المنزل وتعيش مستقلة فجعلها أبوها خادمة براتب٢٥ فرنكاً في الشهر في النزل الذي نحن فيه وهي وحدها تتولى جميع أعمال المنزل إلا ملاحظة الطبخ فان صاحبة الدار تنظر فيه بنفسها فترى تلك الفتاة من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة ليلاً تعمل بكد لم أر مثله وتقوم بجميع أنواع الخدمة على صورة مدهشة فبينما تراها تكنس بضع غرف في الدار وترتب فرشها وتصلح أدواتها الكثيرة أو تفرك الدهليز والممشى والزجاج والدرفات والأبواب إذا هي تتعهد المطبخ أو تخرج كالبرق في جلب حاجة من السوق أو تقدم الطعام على المائدة وترتب السفرة أو تجلو الطباق والصحون أو غير ذلك مما يكثر عدده في البيوت الأوربية تعمل كل ذلك ومنه الشاق الوسخ ومع هذا لا تراها إلا باسمة في حين حرمت من رفاهيتها في دار أبيها وعند الخادمات والخدمة. هذا مثال ما رأيته بالذات من أمثلة التربية الاستقلالية في البنات هنا وبعدها هل يعجب المرء من غنى هؤلاء الأوربيين بعد أن عدوا كل عمل شريفاً اللهم إلا ما يثلم العرض ويعبث بالمروءة وهذا لا تكاد تخلو منه أمة مهما أدعت أنها أمة أخلاق وتدين وشرف. كل فتاة من هاته الفتيات وفرت على أهلها بعملها مئة أو مئة وخمسين ليرة في السنة وربحت التعلم العملي والتدرب على الحياة الاقتصادية الاستقلالية فبالله عليك

стр. 6074

أيستطيع احد أبناء الطبقة الوسطى عندنا وهي تعد من الفقراء في الغرب أن يقول لابنه اذهب إلى بلد كذا واخدم وتعلم فضلاً عن أن يقول لابنته علمتك القراءة والكتابة والحساب فعلميها لمن الطبخ وتدبير المنزل والخياطة والتفصيل. رآنا في مصر والشام أناساً من المسلتير لم يعقهم عن تعليم أولادهم التعليم المطلوب الأضيق ذات يدهم وكثرة أولادهم لأنهم كلهم يريدون أن يعيشوا مرفهين ابن الحراث كابن الغني صاحب المزارع والعقارات. ورأينا أناساً فادوا بالمال واقتطعوا جانباً من رؤوس أموالهم ليعملوا به أولادهم على أمل أن يعينوهم في أيامهم السود فكان من أولادهم من تعلموا تعليماً ناقصاً ولم يكن منهم إلا أن عظمت نفوسهم وظنوا أنفسهم شيئاً مذكوراً وشمخت أنوفهم عن العمل إلا في الأعمال التي يصورها لهم الخبال أنها نافعة شريفة وذهب ما صرفه أولياؤهم من الذهب عبثاً الأولاد إذا ربوا كما يربي السويسري والألماني والانكليزي بناته جاء منهم محنكون يعرفون قدر المال والعمال ويدخلون في الحياة من الصغير فيرتقون إلى الكبير. يتهمون الألمان بالشح والفرنسيس بالاقتصاد الزائد والانكليز بقسوة القلب والحقيقة أن البشر كله من طينة واحدة يحن إلى أولاده ويستميت في ترفيههم ولكن الفرق بيننا وبينهم إنهم يلقنون أولادهم معنى الحياة المستقلة ونحن ننشئهم على حياة الاتكال والرضا بالقلة. أيأتي يا ترى على الشرق الأقرب يوم نرى فيه الرجال والنساء صغارهم وكبارهم يعملون لنشهد أو أبناؤنا وأحفادنا مثالاً من الأمم التي تود البقاء لا الدثور والفناء أم نبقى هكذا يسرق بعضنا بعضاً ونعد عمله مهارة أو ينتظر صغيرنا كبيرنا ليموت فيرثه ونحسبه من الموفقين أم تضعف وطنيتنا وحبنا لبلادنا فنتركها تنعي من بناها إلى بلاد أخرى حيث الحياة سهلة والعيش خضال طف المدينة والمزرعة وادخل المعمل والمخزن وانظر الباعة والإشراف في سويسرا تجدهم كلهم لا يستنكفون عن العمل. في لوزان سوق تقام مرتين في الأسبوع على عادة معظم المدن الأوربية مثل سوق الأحد وسوق الجمعة في دمشق تباع في ذاك السوق جميع أنواع المأكول والملبوس والمنظور فترى فيه نموذجاً صالحاً من حاصلات البلاد وصناعتها وأكثرها رخيص قصدته عدة مرات للفرجة وابتياع بعض اللوازم فدهشت وقد رأيت بعض النساء الغنيات والفتيات البارعات الجمال يبتعن بأنفسهن

стр. 6075

حاجات بيوتهن يجعلنها في كيس براق من المطراز ويحملنها إلى مساكنهن وقد تكون بعيدة وعند أكثرهم على ما بلغني الخادمات والطباخات والوصيفات قلما يعهدن إليهن بشراء حاجة ولو طفيفة ويذهبن بأنفسهن لابتياعها وهكذا تجد الديمقراطية تشربتها نفوس الكبير والصغير فلا يجد احد من المعيب أن يخدم نفسه وداره وأهله وسواء في الشرف من يكسح القمامات والثلج من الشارع ويرزق خمسة فرنكات في النهار ومن يملك مصرفاً كبيراً يعد ما يربحه كل يوم بمئات من الفرنكات ما دام كلاهما يعمل في دائرته بقدر طاقته ولا يتعلق بأحد وأول ما يسأل الزوج عن فتاة يخطبها قبلان يسأل عن جمالها ما هي معارفها وما تسطيع عمله. فاللهم علمنا علماً ينفعنا في نهوضنا حتى لا نخجل من انحطاطنا في أنفسنا دع خجالتنا أمام غيرنا فان الفرق بين بلادنا وبلادهم أصبح كالفرق بين النور والظلمة والجنة والنار وما راء كمن سمعنا.

стр. 6076

معجم البلدان أفضنا في الجزء السالف في الكلام على هذا المعجم الجليل ونقلنا شذرات لطيفة منه بياناً لمنزلته بين المصنفات وها نحن نعاود البحث فيه فنقول: إن معجم ياقوت في البلدان هو من امثل ما طبع أيضا من كتب الخطط وتاريخ العمران وكوارث البلدان ووصفها تستخرج منه عدة أبحاث ولذلك ساغ أن يقال أن هذا المعجم عبارة عن كتب حواها كتاب أو هو دائرة معارف أو موسوعات العلوم العمرانية فما نقله في عمران البلدان فيالشاذباخ قال أنها مدينة نيسابور أم بلاد خراسان في عصرنا وكانت قديماً بستاناً لعبد الله بن طاهر بن الحسين ملاصق مدينة نيسابور فذكر الحاكم أبو عبد الله بن البيع في آخر كتابه في تاريخ نيسابور أن عبد الله بن طاهر لما قدم نيسابور والياً على خرسان ونزل بها ضاقت مساكنها من جنده فنزلوا على الناس في دورهم غضباً فلقي الناس منهم شدة فاتفق أن بعض أجناده نزل في دار رجل ولصاحب الدار زوجة حسنة وكان غيوراً فلزم البيت لا يفارقه غيرةً على زوجته فقال له الجندي يوماً: اذهب واسق فسقي ماء فلم يجسر على خلاف ولا استطاع مفارقه أهله فقال لزوجته: اذهبي أنت واسقي فرسه لأحفظ أنا أمتعتنا في المنزل فمضت المرأة وكانت وضيئة حسنة. واتفق ركوب عبد الله بن طاهر فرأى المرأة فاستحسنها وعجب من تبذلها فاستدعى بها وقال لها: صورتك وهيئتك لا يليق بهما أن تقودي فرساً وتسقيه فما خبرك فقالت: هذا فعل عبد الله بن طاهر بنا قاتله الله ثم أخبرته الخبر فغضب وحوقل وقال: لقد لقي منك يا عبد الله أهل نيسابور شراً ثم أمر العرفاء أن ينادوا في عسكره من بات نيسابور حل ماله ودمه وسار إلى الشاذياخ وبنى فيه داراً له وأمر الجند ببناء الدور حوله فعمرت وصارت محلة كبيرة واتصلت بالمدينة فصارت من جملة محالها ثم بنى أهلها بها دوراً وقصوراً. قال ياقوت هذا معنى قول الحاكم فإنني كتبته من حفظي إذا لم يحضرني أصله ولذلك قال الشاعر يخاطب عبد الله بن طاهر: فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... بالشاذياخ ودع غمدان لليمن فأنت أولى بتاج الملك تلبسه ... من ابن هوذة يوماً وابن ذي يزن ثم انقضت دولة آل طاهر وخربت تلك القصور فمر بها بعض الشعراء فقال: وكان الشاذياخ مناخ ملك ... فزال الملك عن ذاك المناخ وكانت دورهم للهو وقفاً ... فصارت للنوائح والصراخ

стр. 6077

فعين الشرق باكية عليهم ... وعين الغرب تسعد بانتضاح ومثل ذلك ما ذكره التاج وهو اسم لدار مشهورة جليلة المقدار واسعة الأقطار ببغداد وكانت من دور الخلافة وكان بناه جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أولا ليخلو فيه بندمائه وقيانه فلما أوقع الرشيد بالبرامكة وكان القصر إلى ذلك الوقت يسمى القصر الجعفري انتقل إلى المأمون فكان من أحب المواضع إليه وأشهاها لديه واقتطع جملة من البرية عملها ميداناً لركض الخيل واللعب بالصوالجة وحيزاً لجميع الوحوش (حديقة حيوانات) وفتح له باباً شرقياً إلى جانب البرية وأجرى فيه نهراً قال ثم نزل القصر الحسن بن سهل والد بوران زوج المأمون ولما طوت العصور ملك المأمون والقصور وصار الحسن بن سهل من أهل القبور بقي القصر لابنته بوران إلى أيام المعتمد على الله فاستنزلها المعتمد عنه وأمر بتعويضها منه فاستمهلته ريثما تفرغ من شغلها وتنقل مالها وأهلها وأخذت في إصلاحه وتجديده ورمه وأعادت ما دثر منه وفرشته بالفرش المذهبة والنمارق المقصبة وزخرفت أبوابه بالستور وملأت خزائنه بأنواع الطرف مما يحسن موقعه عند الخلفاء ورتبت في خزائنه ما يحتاج إليه من الجواري والخدم الخصيان ثم انتقلت غالى غيره وأرسلت المعتمد باعتماد أمره فاتاه فرأى ما أعجبه وأرضاه واستحسنه واشتهاه وصار من أحب البقاع إليه وكان يتردد فيما بينه وبين سر من رأى فيقيم هنا تارة وهناك أخرى ثم تولاه المعتضد وابتدأ في بناء التاج وجمع الرجال لحفر الأساسات ثم مات ولما تولى ابنه المكتفي بالله آت عمارة التاج الذي كان المعتضد وضع أسساه بما نقضه من القصر المعروف بالكامل ومن القصر الأبيض الكسروي الذي لم يبق منه الآن بالمدائن سوى الإيوان فكان الآجر ينقض من شرف قصر كسرى وحيطانه فيوضع في مسناة التاج وهي طاعنة إلى وسط دجلة وفي قرارها ثم حمل ما كان في أسست قصور كسرى فبنى به أعالي التاج وشرفاته قال وما صفة التاج فكان وجهه مبنياً على خمسة عقود كل عقد على عشرة أساطين خمسة أذرع ووقعت في أيام القتفي سنة ٥٤٩ صاعقة فتأججت فيها وفي القبة وفي دارها التي كانت القبة إحدى مرافقها وبقيت النار تعمل فيه تسعة أيام ثم أطفئت وقد صيرته كالفحمة وكانت آية عظيمة ثم أعاد المقتفي بناء القبة على الصورة الأولى ولكن بالجص والآجر دون الأساطين الرخام وأهمل إتمامه حتى مات وبقي كذلك إلى سنة ٥٧٤ فتقدم أمير المؤمنين

стр. 6078

المستضيء بنقصه وإبراز المسناة التي بين يديه إلى أن تحاذي به مسناة التاج فشق رأسها ووضع البناء فيه على خط مستقيم من مسناة التاج واستعملت أنقاض التاج مع ما كان اعد من الآلات من عمل هذه المسناة ووضع موضع الصحن الذي فيه الأئمة وهو الذي يدعى اليوم بالتاج ومن عجائب ما ذكره في القصور العربيةدار الشجرة قال هي دار بالدار المعظمة الخليفية ببغداد من أبنية المقتدر بالله وكانت داراً فسيحة ذات بساتين مونقة وإنما سميت بذلك لشجرة كانت هناك من الذهب والفضة في وسط بركة كبيرة مدورة أمام إيوانها وبين شجر بستانها ولها من الذهب والفضة ثمانية عشر غصناً لكل غصن منها فروع كثيرة مكللة بأنواع الجواهر على شكل الثمار وعلى أغصانها أنواع الطيور من الذهب والفضة إذا مر الهواء عليها أبانت عن عجائب من أنواع الفير والهدير وفي جانب الدار عن يمين البركة تمثال خمسة عشر فرساً ومثله عن يسار البركة قد البسوا أنواع الحرير المديح مقلدين بالسيوف وفي أيديهم المطارد يتحركون على خط واحد فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد. وكثيراً ما يتوسع ياقوت في الكلام على تاريخ المدن ولا سيما مدن العرب (المقتبس م ٧ص ٤٠١) مثل كلامه على واسط قال ورأيت أنا واسطاً مراراً فوجدتها بلدة عظيمة ذات رساتيق وقرى كثيرة وبساتين ونخيلاً يفوت الحصر وكان الرخص موجوداً فيها من جميع الأشياء ما لا يوصف بحيث أني رأيت فيها كوز زبد بدرهمين واثنتي عشرة دجاجة بدرهم وأربعة وعشرين فروجاً بدرهم والثمن اثنتا عشر رطلاً بدرهم والخبز أربعون رطلاً بدرهم واللبن مائة وخمسون رطلاً بدرهم والسمك مائة رطل بدرهم وجميع ما فيها بهذه النسبة. وواسط هي التي بناها الحجاج وكانت لرجل من الدهاقين يقال له داوردان فساومه عامل الحجاج فقال له الدهقان: ما يصلح هذا الموضع للأمير فقال: لم فقال: أخبرك عنه بثلاث خصال تخبره بها ثم الأمر إليه قال: وما هي قال: هذه بلاد سبخة البناء لا يلبث فيها وهي شديدة الحر والسموم وان الطائر لا يطير في الجو إلا ويسقط لشدة الحر ميتاً وهي بلاد أعمار أهلها قليلة قال: فكتب بذلك الحجاج فقال هذا رجل يكره مجاورتنا فاعلمه أنا سنحفر بها الأنهار ونكثر من البناء والغرس فيها ومن الزرع حتى تعدو وتطيب وأما قوله أنها سبخة وان البناء لا يثبت فيها فسنحكمه ثم نرحل عنه فيصير لغيرنا وأما قلة أعمار أهلها

стр. 6079

فهذا شيء إلى الله تعالى لا إلينا فاعلمه أننا نحسن مجاورتنا له ونقضي زمامه بإحساننا إليه. قال فابتاع الموضع من الدهقان وابتدأ في البناء في أول سنة٨٣ واستتمه في سنة ٨٦ إلى آخر ما قال وفيه من كبر عقل الحجاج ما لا يقدر على الإجابة بأحسن منه اكبر ساسة العصر وأرقاهم بعلوم هذه الأيام ولا عجب فالعرب كانوا ينظرون في مسائل الصحة نظراً بليغاً. ذكر ياقوت في مادة حضوة انه شكا قوم من أهلها إلى عمر بن الخطاب ﵁ وباء أرضهم فقال لو تركتموها فقالوا معاشنا ومعاش إبلنا وطننا فقال عمر للحارث بن كلدة (طبيب العرب): ما عندك في هذا فقال الحارث البلاد الوبئة ذات الأدغال والبعوض وهو عش الوباء ولكن ليخرج أهلها إلى ما يقاربها من الأرض العذبة إلى تربيع النجم وليأكلوا البصل والكراث ويباكروا السمن العربي فليشربوه وليمسكوا الطيب ولا يمشوا حفاة ولا يناموا بالنهار فاني أرجو إن يسموا فأمرهم عمر بذلك ولذلك قال عمر وقد ذكرت له الشام ووباؤها: لبيت بركبة (أحب إلي من عشرة أبيات وقال في سيراف ما ملخصه: ذكر الفرس في كتابهم المسمى بالابستاق وهو عندهم بمثابة التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى إن كيكاوس لما حدث نفسه بصعود السماء صعد فلما غاب عن عيون الناس أمر الله الريح بخذلانه فسقط بسيراف فقال اسقوني ماءً ولبناً فسقوه ذلك بذلك المكان فسمي بذلك لان شير هو اللبن وآب هو الماء ثم عربت الشين إلى السين والباء إلى الفاء فقيل سيراف وهي على ساحل بحر فارس كانت قديماً فرضة الهند رأيتها وبها آثار عمارة حسنة وجامع مليح على سواري ساج وهي في لحف جبل عال جداً وليس للمراكب فيها مينا فالمراكب إذا قدمت إليها كانت على خطر إلى إن تقرب منها إلى نحو فرسخين موضع يسمى نابذ هو خليج ضارب بين جبلين وهو مينا جيد غاية وإذا حصلت المراكب فيه امتنعت جميع أنواع الرياح وبين سيراف والبصرة إذا طاب الهواء سبعة أيام. ووصفها أبو زيد حسب ما كانت في أيامه فقال أنها الفرصة العظيمة لفارس وهي مدينة عظيمة ليس بها سوى الأبنية حتى يجاوز على نظر عملها وليس بها شيء من مأكول ولا مشروب ولا ملبوس إلا ما يحمل إليها من البلدان ولا بها زرع ولا ضرع ومع ذلك فهي أغنى بلاد فارس قلت (أي ياقوت) كذا كانت في أيامه فمنذ عمر ابن عميرة جزيرة قيس صارت فرضة الهند واليها منقلب التجار خربت سيراف وغيرها ولقد رأيتها وليس بها قوم إلا

стр. 6080

صعاليك ما اوجب لهم المقام بها إلا حب الوطن ووصفها الاصطنحري إن بناءها بالسلج وخشب يحمل من بلاد الزنج وأبنيتهم طبقات وهي على شفير البحر مشتبكة البناء كثيرة الأهل يبالغون في نفقات الأبنية حتى أن الرجل من التجار لينفق على داره زيادة على ثلاثين ألف دينار ويعملون فيها بساتين. وكثيراً ما يستطرد ياقوت إلى ذكر واردات المدن وصنائعها كما فعل في نشر ميزانية الحكومة في حلب لعهده وكما فعل في وصف صنائع سلجماسة من بلاد السودان قال ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف فهن يعملن منه كل حسن عجيب بديع من الإزار تفوق القصب الذي بمصر يبلغ ثمن الإزار خمسة وثلاثين ديناراً وأكثر كأرفع ما يكون من القصب الذي بمصر ويعملون منه غفارات يبلغ ثمنها مثل ذلك ويصبغونها بأنواع الأصباغ. وقال فيكاكدم مدينة بأقصى المغرب جنوبي البحر: وبأرضهم حيوان يقال له اللمط من جنس الظباء إلا انه أعظم خلقاً ابيض اللون يتخذ من جلده الدرق اللمطية قطر الدرقة منها عشرة أشبار لم يتحصن المحاربون قط بأوقى منها يكون ثمن الجيد منها بالمغرب ثلاثين ديناراً مؤمنية تدبغ في بلادهم باللبن وقشر بيض النعام وقال في شاطبة في شرقي الأندلس انه يعمل الكاغد الجيد فيها ويحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس وقال في دمياط: ومن ظريف أمر دمياط في قبليها على الخليج مستعمل فيه غرف تعرف بالمعامل يستأجرها الحاكة لعمل الثياب الشرب فلا تكاد تنجب إلا بها فإن عمل بها ثوب وبقي منه شبرا ونقل إلى هذه المعامل علم بذلك السمسار المبتاع للثوب فينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب عليه وقال ابن زولاق يعمل بدمياط القصب البلخي من كل فن والشرب لا يشارك تنيس في شيء من عملها وبينهما مسيرة نصف نهار ويبلغ الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا بتنيس ابيض وهما حاضرتا البحر وبهما من صيد السمك والطير والحيتان ما ليس في بلد - واخبرني بعض وجوه التجار وثقافتهم انه في بلد. وبها الفرش القلموني من كل لون العلم والمطرز ومناشف الأبدان والأرجل وتتحف بها جميع ملوك الأرض. ومن هذا المصنف البديع تفهم مبالغ الثروات في حكومات عصره وقبلة ودرجة تأنقهم ورفاهيتهم من ذلك ما رواه في سامراء من أن المتوكل انفق سبعمائة ألف دينار على

стр. 6081

نهرين. . . . . . . . . . . من دجلة تدخلان الجامع وتتخللان شوارع سامراء ولم يبن احد من الخلفاء بسر من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل وعدد ياقوت ما أنفقه من مئات الألوف من الدنانير والدراهم على القصر المعروف بالعروس والقصر المختار والوحيد والجعفري والغريب والشيدان والبرج والصبح والمليح وبستان الابتاخية والتل والجوسق والمسجد الجامع والغرد والمتوكلية والبهو واللؤلؤة. بدائع لم تراها فارس ... ولا الروم في طول أعمارها وللروم ما شيد الأولون ... وللفرس آثار أحرارها ولا عجب في غنى الخلفاء فقد كان الوزراء أيضاً على هذه النسبة فقد ذكر ياقوت عن السلفى عمن حدثه قال كان لأبي غانم القصري أربعمائة غلام يركبون بركوبه وكان يدخل الحمام ليلاً فيكون بين يديه شمع معمول من العود والعنبر وأنواع الطيب إلى أن يخرج ولم يحك عن احد من الوزراء ما حكي عنه من التنعم. وذكر في مادة دور الراسبي وكان الراسبي من عظماء العمال وأفراد الرجال توفي سنة ٣٠١ في أيام المقتدر ووزراء علي بن عيسى وكان يتقلد من حد واسط إلى حد شهرزور وكورتين من كورة الأهواز وكان مبلغ ضمانه ألف ألف وأربعمائة ألف دينار في كل سنة ولم يكن للسلطان معه عامل غير صاحب البريد لان الحرث والخرج والضياع والشجر وسائر الأعمال كان داخلاً في ضمانه فكان ضابطاً لأعماله شديد الحماية لها من الأكراد والأعراب واللصوص وخلف مالاً عظيماً وحمل من تركته إلى بغداد. ما هذه نسخته: العين. أربعمائة ألف وخمسة وأربعون ألفاً وخمسمائة وسبعة وسبعة وسبعون ديناراً. الورق ثلاثمائة ألف وعشرون ألفاً ومائتان وسبعة وثلاثون درهماً. وزن الأواني الذهبية ثلاثة وأربعون ألفاً وتسعمائة وسبعون مثقالاً. آنية الفضة ألف وتسعمائة وخمسة وسبعون رطلاً. ومما وزن بالشاهين من آنية الفضة ثلاثة عشر ألف وستمائة وخمسة وسبعون درهماً. ومن الند المعمول سبعة ألاف وأربعمائة مثقال ومن العود المطرا أربعة ألاف وأربعمائة وعشرون مثقالاً. ومن العنبر خمسة آلاف وعشرون مثقالاً ومن نوافج المسك ثمانمائة وستون نافجة. ومن المسك المنثور ألف وستمائة مثقال ومن السك ألفا ألف وستة وأربعون مثقالاً. ومن البرمكية ألف وثلاثمائة وتسعة وتسعون مثقالاً. ومن الغاليه ثلاثمائة وستة وستون مثقالاً ومن الثياب المنسوجة

стр. 6082

بالذهب ثمانية عشر ثوباً قيمة كل واحد ثلاثمائة دينار. ومن السروج ثلاثة عشر سرجاً. ومن الجواهر حجران ياقوت. ومن الخواتم الياقوتية خمسة عشر خاتماً. خاتم فضة زبرجد. ومن حب اللؤلؤ سبعون حبة وزنها تسعة عشر مثقالاً ونصف ومن الخيل الفحول والإناث مائة وخمسة وسبعون رأساً. ومن الخدم السودان مائة وأربعة عشر خادماً ومن الغلمان البيض مائة وثمانية وعشرون غلاماً. ومن خدم الصقالبة والروم تسعة عشر خادماً. ومن الغلمان الأكابر أربعون غلاماً بآلاتهم وسلاحهم ودوابهم. ومن أصناف الكسوة ما قيمته عشرون ألف دينار. ومن أصناف الفرش ما قيمته عشرة آلاف دينار. ومن الدواب المهاري والبغال مائة وثمانية وعشرون رأساً. ومن الجماز والجمازات تسع وتسعون رأساً. ومن الحمير النقالة الكبار تسعون رأساً. ومن قباب الخيام الكبار مائة وخمس وعشرون خيمة. ومن الهوادج والسروج أربعة عشر هودجاً. ومن الغضائر الصيني والزجاج المحكم الفاخر أربعة عشر صندوقاً. قلنا ولا عجب أن يختلف احد العمال مثل هذه الثروة والبلاد عامرة على ذاك العهد أكثر من اليوم ولم تكن الدولة تحتاج كما هي حال الدول اليوم أن تنفق على بحريتها وبريتها هذه النفقات المضنية الفاحشة ذكر ياقوت في مادة السواد أن الخليفة الثاني أمر بمسح السواد سواد العراق فكان بعد أن اخرج عنه الجبال والأودية والأنهار ومواضع المدن والقرى ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب الكرم والشجر ستة دراهم وحتم الجزية على ستمائة ألف إنسان وجعلها طبقات الطبقة العالية ثمانية وأربعون درهماً والوسطى أربعة وعشرون درهماً والسفلي اثنا عشر درهماً فجي السواد مائة ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. قال عمر بن عبد العزيز لعن الله الحجاج فإنه ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة فإن عمر بن الخطاب رضي الله عمه جبى العراق بالعدل والنصفة مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم وجباه زيادة مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف درهم وجباه ابن عبيد الله أكثر منه بعشرة آلاف ألف درهم ثم جباه الحجاج بعسفه وظلمه وجبروته ثمانية وعشرون ألف ألف درهم فقط وأسلف الفلاحين للعمارة ألفي ألف فحصل له ستة عشر ألف ألف قال عمر بن عبد العزيز وها أنا قد رجع

стр. 6083

إلي على خرابة فجبيته مائة ألف ألف وأربعمائة وعشرين ألف ألف درهم بالعدل والنصفة وأن عشت له لأزيدن على جباية عمر بن الخطاب ﵁. وشبيه بهذا ما وراء ياقوت في مادة مصر عن احمد بن المدير من انه لو عمرت مصر كلها لوفت بالدنيا وقال: أن مساحة مصر ثمانية وعشرون ألف ألف فدان وإنما يعمل فيها في ألف ألف فدان. جبى عمرو بن العاص مصر لعمر بن الخطاب ﵁ اثني عشر ألف ألف دينار فصرفه وقلدها عبد الله بن أبي سرح فجباها أربعة عشر ألف ألف فقال عمر لعمرو يا أبا عبد الله أعلمت أن اللقحة بعدك درت فقال: نعم ولكنها أجاعت أولادها. وقال لنا أبو حازم: أن هذا الذي رفعه عمرو بن العاص وابن أبي سرح إنما كان عن الجماجم خاصة دون الخراج وغيره. . ولا عجب فإن عمران مصر في القديم كعمران العراق أو هو أكثر روى ياقوت في مادة حرجة قال: حدثني الثقة أن شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخا الملك الصالح الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب كان يقول: ما اعرف في الدنيا أرضاً طولها شوط فرس في مثله يستغل ثلاثين ألف دينار غير الحرجة. يفيض ياقوت في كلامه على البلدان بذكر أسماء من خرج منها من الأعيان ولا سيما المحدثون بحيث ربما ادخل الملل على بعض المطالعين لأنه يورث الكلام طولاً ولكن منهم من هو المهم في فنه. ويستشهد بأقوال الشعراء في البلاد وربما استشهد بالشعر لجودته أو للتنويه بقائله بالمناسبة مثال ذلك ما قاله في طرطوشة في ترجمة ابن أبي رندفة الطرطوشي المتوفى ٥٢٠ وكانت له نفس أبيه أخبرت انه كان في بيت المقدس بطبخ في شقف وكان مجانباً للسلطان استدعاه فلم يجبه وراموه الغض من حاله فلم ينقصوه قلامة ظفر وله تأليف وشعر فمن شعره في بر الوالدين: لو كان يدري الابن أية غصة ... يتجرع الأبوان عند فراقه أم تهيج بوجده حيرانة ... وأب يسخ الدمع من آماقه يتجرعان لبينه غصص الردى ... ويبوح ما كتماه من أشواقه لرثى لأم سل من أحشائها ... وبكى لشيخ هام في آفاقه ولبدل الخلق الأبي بعطفه ... وجزاهما بالعذاب من أخلاقه. وقال في صيمرة ومنها أبو العنبس الصيمري المتوفى سنة ٢٧٥ وكان شاعراً أدبياً مطبوعاً

стр. 6084

ذا ترهات وله تصانيف هزلية نحو الثلاثين منها تأخير المعرفة وغير ذلك ومن شعره: كم مريض قد عاش من بعد يأس ... بعد موت الطبيب والعواد قد يصاد القطا فينجو سليماً ... ويحل القضا بالصياد ومثال الإشعار التي أوردها في البلدان قول أحيحة بن الجلاح في أرضه الزوراء: استغن أو مت ولا يغررك ذو نسب ... من ابن عم ولا عم ولا خال يلوون ما عندهم عن حق جارهم ... وعن عشيرتهم والمال بالوالي فاجمع ولا تحقرن شيئاً تجمعه ... ولا تضيعنه يوماً على حال أني أقيم على الزوراء أعمرها ... أن الحبيب إلى الإخوان ذو المال بها ثلاث بناء في جوانبها ... فكلها عقب تسقى بإقبال كل النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا ندائي إذا ناديت يا مالي ما أن أقول لشيء حين افعله ... لا استطيع ولا ينبو على حال ومثله ما أورد في مادة يميم بفتح أوله وثانيه وميم ساكنة وباء موحدة أخرى وميم اسم موضع قرب تبالة عند بيشه وترج والتلفظ به عسر لقرب مخارج حروفه قال حميد بن ثور وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وتأوما من الورق حما العلاطين باكرت ... عسيب أشاء مطلع الشمس مبسما اذا زعزعته الريح أو لعبت به ... أرنت عليه مائلاً ومقوماً تنادي حمام الجهلتين ونرعوب ... إلى ابن ثلاث بين عودين أعجما مطوق طوق لم يكن عن تميمة ... ولا ضرب صواغ بكفيه درهما تقبض عنه غرقي البيض واكتسى ... أنابيب من مستعجل الريش أقتما يمد إليها خشية الموت جيده ... كمدك بالكف البري المقدما فلما اكتسى الريش السخام ولم يجده ... لها معه في باحة العش مجثما اتيح لها صقر منيف فلم يدع ... لها ولداً إلا رماماً وأعظما فأرقت على غصن ضحياً فلم تدع ... لباكية في شجوها متلوما فهاج حمام الجهلتين نواحها ... كما هيجت ثكلى علي الموت مأتما

стр. 6085

اذا شئت غنتني باجزاع بيشة ... أو النخل من تثليث أو من يميما عجبت لها أنى يكون بكاؤها ... فصيحاً ولم تغفر بمنطقها فما فلم ار مخزوناً له مثل صوتها ... أحر وانكي في الفؤاد واكلما ولم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربياً شاقه صوت أعجما.

стр. 6086

أخبار وأفكار التلغراف اللاسلكي أخذ هذا السلك يرتقي ويكثر ويقدرون الآن عدد محطاته بمائتين وثلاثين محطة على سطح الكرة منها ٣٢ في كندا و٢٥ في انكلترا و٢٣ في روسيا و٢٠ في ألمانيا و٢٠ في ايطاليا و١٥ في البرازيل و١١في الهند و٩ في اسبانيا و٨ في فرنسا ويبلغ عدد البواخر التجارية التي تمخر عباب جميع البحار التي ارتبطت بالتلغراف اللاسلكي ١٢٠٠ باخرة منها ٥٩٠ لانكلترا و١٥٣ لألمانيا و٩٠ لفرنسا وهذه الطريقة من المواصلات تنمو سنة عن سنة. لغة الاسبرانتو الشيء لأنها سهلة مؤلفة من ابسط الكلمات اللاتينية ويرجو ناشروها اليوم أن تعم العالم كله فتصبح لغة الأمم لتزول الخلافات بين الشعوب التي تتقاتل كل يوم ولا تفكر إلا في أن ينقض بعضها على الآخر وينهب احدها ملك الآخر. قال احدهم إذا كان بعضهم يرون أن من الخيال أن تكون اليوم للبشر لغة عامة مشتركة فإنه لا يبعد أن تحقق هذه الأمنية غداً فإن المستقبل للمتخيلين. واكبر دليل على أن البشر يستطيعون أن يتعلموا لغتين تكونان لهم بمثابة لغة واحدة أن شعوباً برمتها لهذا العهد تتكلم بلغتين وتعتبرها لغة واحدة. فإن الشعب في إقليم البروفانس يتكلم باللغة البروفانسية ومع هذا يتكلمون بالافرنسية بسهولة وفي بلاد الباسك يتكلمون الفرنسية وباللغة الباسكية وفي إقليم برتانيا يتكلمون بلغة البروتون وبالافرنسية وفي بلاد الغال بالغالية والانكليزية وفي سويسرا يتكلم نصف مليون من أهلها باللغتين الافرنسية والألمانية وأهل فلندا يتكلمون باللغة الفلاندية وبالسويدية وأهل صقلية والبيمون في ايطاليا يتكلمون باللغة الايطالية ولهم لهجة خاصة مختلفة أحداها عن الأخرى تختلف عن الايطالية الحقيقية التي يتكلم بها في فلورنسة ورومية. فإذا صحت عزائم الصناع والعملة والفلاحين على تعلم هذه اللغة لا يضطرون في دراستها إلى مدارسة النحو والصرف بل يتعلمونها لاهون سبب وتنفعهم في جميع أرجاء العالم لسهولتها وهذه اللغة كما قالوا هي أشبه بالأخوة المسيحية لأن المتكلمين بها يتكلمون كما يتكلم الأخوة إذ لا اختلاف بينهم. أما الشرقيون فإن تعلم لغة الاسبرانتو يقرب في صعوبته عليهم من تعلم لغة من لغات المدنية الحديثة ولذلك كانت الاسبرانتو لغة للغربيين. والشرقيون ولا سيما في

стр. 6087

تركستان والصين وافغانستان وبلوجستان وإيران وجاوره ومعظم أقطار افريقية اقرب إلى أن يتفاهموا باللغة العربية لأنها سهلة وكثير من خاصتها يحسنونها ولا سيما أهل الإسلام منهم. الطيور اللامعة كان القدماء يعتقدون بوجود طيور مضيئة وقد أكد ذلك بلين في عصره وقال انه كان في غابة هرسنين الممتدة بين نهري الرين والفستول من هذه الطيور وما زال العلماء بعده يثبتون هذه الدعوى من حين إلى آخر حتى أثبتت إحدى المجلات العلمية الانكليزية سنة ١٩٠٧ انه ظهر في ضواحي كمبردج طيور من هذا الشكل فأكدت ما طالما ذهب إليه علماء الفرنسيس من وجود طيور بهذه المثابة في جبال البرنية والغوج وقد قتل احد الصيادين مؤخراً بومة فيها هذا اللمعان وثبت لهم أن لمعانها من ريشها وان تأنق بعض الطيور أثبته الطبيعيون ونسبوه إلى ميكروبات تقوم على أجنحة الطيور والمسألة آخذة شأناً مهماً من البحث بين العلماء. حانات الأمم كان الشائع أن الطليان أكثر الأمم إغراقاً في تناول المسكرات ولكن تبين من عدة إحصاءات أن الفرنسيس أشد استرسالاً في هذا السبيل فقد ذكرت مجلة الصحة الافرنسية أن أماكن بيع المشروبات الروحية في العالم المتمدن هي كما يلي: يصيب في فرنسا كل ٨٣ شخصاً حانة واحدة يصيب في سويسرا ١٤٣ شخصاً حانة واحدة يصيب في ايطاليا ١٧٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في هولاندة ٣٠٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في انكلترا ٢٣٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في ألمانيا ٢٤٦ شخصاً حانة واحدة يصيب في الولايات المتحدة ٣٨٨ شخصاً حانة واحدة يصيب في البلجيك ٤١٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في السويد ٥٥٠٠ شخصاً حانة واحدة

стр. 6088

يصيب في كندا ٩٠٠٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في نروج ٩٥٠٠ شخصاً حانة واحدة وبهذا الإحصاء تسقط دعوى من يقول أن البلاد الباردة يحتاج ساكنها إلى الكحول أكثر من غيرها فأنت ترى السويد ونروج وهما اشد أوربا برودة اقلها مسكرات فليتأمل الشرق الذي يقلد على العميا في تناول المشروبات الروحية. المرأة في الهند عقد هذه السنة المؤتمر الأول لتعليم المرأة المسلمة في الهند بحضور مئات من الطبقة الراقية من المتعلمات وألقيت فيه خطب ترمي إلى تهذيب الفتاة المسلمة وتعليمها التعليم الديني المدني. وقد ذكرت بعض المجلات أن الهند قد بدأت في العشر سنين الأخيرة تستفيد من ارتقاء المرأة فيها بفضل مساعي الهنود والذين استفادوا من التربية الغربية وبمعاونة المرسلين وعمال الحكومة فتحررت المرأة الهندية من جهلها وخرافاتها وقد دلت الإحصاءات الأخيرة أن في كل عشرة آلاف امرأة ١٠٥ متعلمات و١٠ في العشرة ألاف تعرف الانكليزية ولا يوجد في شعب يبلغ ٣١٥ مليوناً سوى نحو مليون امرأة متعلمة. والمتعلمات أكثرهن في طائفة البارسيس ومنهن المسيحيات وقد بدأت النهضة من مدينة بومباي وفيها تألفت جمعيات النساء الأولى ونشرت مجلة تحرير المرأة الهندية. وشارك النساء الرجال في جميع الأعمال وأثرن في كل شيء حتى في السياسة. وقد اشترك في جمعية كبرى في لندن البارسيسيات والمسلمات والمسيحيات والأوربيات وأخذن يتبادلن الأفكار ويتعارفن ويتريضن وربما دعون الرجال في الأحايين لمشاركتهن في الألعاب الرياضية وهذه الجمعية خدمت في فك القيود التي ما زالت تتقيد بها الطبقات من الشعب هناك وتحول دون النساء من الاختلاط بالرجال. ومن جمعيات النساء ما يسعى بتطهير الضواحي وتعلم الأمهات حفظ الصحة والنظافة وتمرض المرضى وتقاوم الكحول والفساد وتقاوم مبدأ تزويج البنات في سن الطفولة وقد أسست مثل هذه الجمعيات في جميع حواضر الهند في بنجاب وبنغال وكلكوتا ومدارس وقد تعدى عملهن إلى ما وراء الهند فبلغ جنوبي افريقية حيث هاجر كثير من الهنود مع أزواجهن. حرير الخث

стр. 6089

ظهر أن في الخث أو نبات الماء الذي يقذف به البحر على شواطئ نورمانديا ونروج وايكوسيا وكندا المعروف باسم تان خصائص فنية يصلح معها لعمل حرير صناعي ينافس الحرير المعروف بجنس شاردونه وقد اخذ أناس من أرباب الصناعة من الانكليز يستثمرون هذا النبات ويعلقون عليه آمالاً كبيرة ومتى حول الخث إلى نسيج يصبح ذا قيمة صناعية لم تكن له حتى الآن. آثار في الحبشة جرت حفريات في بلاد الحبشة منذ أربع سنين فاكتشفوا قصر ميروي الملكي والحمامات المعدنية المتصلة به كما عثروا على كنز من الذهب. وقد حفروا في خرائب معبد صغير من الطراز الروماني رأوا فيه أمتعة يستدل منها أن الجيش الروماني احتل بلاد الحبشة زمناً وهذا مما يصحح بعض ما أشكل البت فيه على مومسن صاحب تاريخ دولة الرومان. وعلم الآثار منذ كان أعظم مساعد على فهم الحقائق التاريخية القديمة. فطر ينفجر اسم هذا الفطر العلمي فيلوبولوس كريستالينوس وهو ينبت وينمو ويموت في أربع وعشرين ساعة فيبدو لطعاً صفراء أولاً ولا يلبث أن تتكون منه أنبوبة صغيرة مذهبة وبعد ثلاث ساعات ينفتح طرف الأنبوب وتغطيه حقة تكون له بمثابة غطاء وفي هذا الانتفاخ توجد التراكيب المنتجة للفطر ثم يفقد لونه ويصبح شفافاً كما عدا الحقة الصغيرة التي تسود وبتأثير الضوء يأخذ السائل الحامض الموجود في الأنبوب بالتخمر وتنفجر الحقة ولما كان طول هذا الفطر نحو ثلاثة مليمترات فقط أصبح لا يرى إلا بالمجهر. استعمار الجزائر في المجلة الأسبوعية أن النفوس قد تكاثرت في الجزائر بسرعة بالنظر لما فيها من الموارد العظيمة فزاد عدد سكان ذاك القطر في خلال خمس وثلاثين سنة ضعفاً وكان سنة ١٨٧٦: ٢٨٠٧٠٠٠ فأصبح ٥٥٦٣٠٠٠ سنة ١٩١١ يدخل في هذا العدد الوطنيون من سكان الأراضي الجنوبية الذين اخرجوا مؤخراً من هذا المجموع لأسباب إدارية وحددت الجزائر على البلاد الساحلية فأصبحت ١٦٦ ألف كيلو متر مربع وما كان وراء ذلك من

стр. 6090

الصحراء والقريب منها جعل ولاية خاصة على أن عدد الجزائر على تحديد رقعتها قد بلغت زهاء خمسة ملايين نسمة في إحصاء سنة ١٩١٢ ومنه ٧٦٦ ألف أوربي. ولما بدأت فرنسا باحتلال تلك البلاد سهلت السبيل إلى المستعمرين (وهم بالطبع من الأوربيين) فأخذت تمنحهم أراضي مجاناً على شرط أن يسكنوا في البلاد فأنشئت قرى جديدة وأعطيت امتيازات إلى بعض المستعمرين المنفردين ولكن هذه الطريقة لم تأت بنتيجة وذلك لان المستعمرين لم يكونوا في الغالب أهل قابلية ولا عندهم الأسباب اللازمة للأعمال الأولية في الزراعة فظلت الأراضي بائرة إلا قليلاً ولما رأت أن هذه الطريقة لم تأت بفائدة عمدت إلى بيع الأراضي في المزاد كما هي طريقة الاستعمار وبذلك يبتاع الأرض غالباً من اعتاد القيام عليها ويتعلق بها لأنه يكون قد وضع كمية من النقد لاستثمارها وبذلك تنتخب الحكومة كل سنة أراضي تريد أن تحدث فيها مزارع أو قرى تربطها بالمراكز القريبة منها وتقوم بالحاجيات العامة من مثل جر المياه اللازمة أروائها وإنشاء الأماكن العامة الضرورية للحياة المدنية. وهذه الأراضي المقسومة إلى عدة قطع تختلف مساحتها بين ١٠٠٦٠ هكتاراً (الهكتار عشرة ألاف متر مربع) وتعرض للبيع بأقل من ثمن مثلها بقليل وتأخذ ثمن الأراضي على تقاسيط ثمانية مدة عشر سنين. اثنان منها عند عقد المقاولة الأولى وواحد بعد ثلاث سنين واحداً من الثمانية في السنين الأخيرة وقد قالت المجلة التي عربنا عنها ما سلف أن نتائج هذه الطريقة قد كانت مما يوجب الرضا كما تبين من إحصاء الأراضي التي أخذت تباع على هذه الصورة منذ نهاية سنة ١٩٠٤ فقد بيع ١٠٤٤٣٧ هكتاراً بمعدل ١٢٥ فرنكاً كل هكتار فجاء يستثمرها ويسكن بالقرب منها ٦٦١ أسرة مستعمرة مؤلفة من زهاء ألفي نسمة على حين أن ٤٢٧٠٧ كانت توزع مجاناً على ٥٣٥ أسرة ولا تأتي بفائدة. قلنا وهذه الطريقة في توزيع الأراضي إذا جربتها الحكومة في الشام والعراق والجزيرة العربية تأتي ولا شك بفوائد مهمة خصوصاً إذا اشترطت أن يفضل فيها الوطني على الأجنبي. الخشب الباقي الخشب يتغير على الزمن وان صنع بحيث يقاوم تأثير الرطوبات والخشب الطبيعي هو غاية الغايات في هذا الباب وقد وجدت في بعض الجوامع والقصور والقبور نوافذ ومنابر

стр. 6091

وصناديق منذ القرن الخامس والسادس ومنها نموذجات في دار الآثار العربية في القاهرة كانت وما زالت موضع إعجاب من يحبون بقاء المادة وإبقاء الآثار. والغالب أن أرز لبنان الذي بني به هيكل سليمان وكان الفراعنة ينقلونه على سفنهم من شواطئ سورية إلى شواطئ مصر كان ولا يزال أعظم خشب لا تبلي الأيام جديدة هذا مع انه كان في مصر غابات ولا سيما على عهد الخلفاء الفواطم وسلاطين بني أيوب استخدم خشبها لعمل المراكب للأسطول ولا شك في انه عدا هذه الأشجار المعدة للبحرية من زرع شجر آخر نجد خشبه في معروضات دار الآثار الكثيرة ولجفاف هواء مصر صار الخشب يحفظ جيداً في ربوعها ومن ثم أضحى له دخل كبير في أبنيتها إلا ترى أن دعائم جامع ابن طولون التي يزيد عمرها على ألف سنة لا تزال بها السافات الخشب الأصلية وكذلك أقدم القباب المعمولة من الآجر تحتوي على مجموعة من الخشب أشبه بشيء بالقفص أو الهيكل الذي أقيمت عليه القبة وهناك إفريز نقش عليه القرآن الكريم كله بالقلم الكوفي. أما في بلاد الشام فإن أقدم خشب عثر عليه فيما نذكر تابوت السلطان صلاح الدين في مدفئته شمالي جامع بني أمية فتح في أوائل هذا القرن عندما ترميم القبة ثم أعيد إلى ما كان عليه كأنه عمل الساعة لم يلحقه سوس ولا أرضة ولا رطوبة ولا شيء من مفسدات الخشب وفي دار الآثار الإسلامية في الأستانة نموذجات من الخشب القديم ولكنها غير قديمة كثيراً على ما يظهر. وقد قرأنا في المجلة الباريزية أن في عينة الفرنسوية شجراً اسمه المانجروف وهو أشبه بخشب الأرز بمتانة ابتاعت إحدى شركات السكك الحديدية منه ألواحاً سنة ١٩٠٩ لتجعلها عوارض في الخطوط فغمرتها منذ ذاك العهد في بئر جعلت فيها جميع عناصر الإفساد للخشب ولا تزال الألواح سليمة بحالها وكثافة هذا الخشب تبلغ ١١٠ في حين أن كثافة البلوط ٧٠ وكثافة الصنوبر ٤٠ وتكثر فيه المادة الدابغة التي تقيه سطوات الحشرات وهو لين صعب قطعة يستعمل عوارض للسكك الحديدية وعمداً للجسور ودعائم في إنفاق المناجم ولتجارة السفن وغير ذلك. الحرب والعناصر اصدر احد الانكليز بحثاً في تأثير الحرب في أجيال الناس وعناصرهم فقال أن تأثيرات الحرب هي منافية لقاعدة الانتخاب الطبيعي وبقاء الأنسب فإن تقاتل الأمم يبيد العناصر

стр. 6092

الأكثر فتوة والأشد قوة ويترك للضعاف أمر تدبير من عاشوا بعد الحرب فقد استطاعت يابان بعد مائتي سنة قضتها في السلام المتواصل أن تجند جيشاً كان برجوليته موضع إعجاب العالم ولا سيما الصين والروس وما ذاك إلا لان قاعدة الانتخاب الطبيعي خلال هذه المدة لم يصادمها عائق من العوائق. وهكذا الحال في ايكوسيا من بلاد الانكليز فإنها بعثت خلال مائة وخمسين سنة بالقوة أبنائها يقاتلون في صفوف الانكليز فلم يبق لها اليوم إلا عدد قليل من العنصر القديم والكتائب الايكوسية تشكو من هذه القلة. الحرب يأتي على جذوع الشجرة الوطنية فالثمر لا يناله شيء من بوائقها من حيث كيفية بل يناله من حيث كميته فإنها تقل وبذلك لا يأتي زمن طويل حتى يضعف الجذع نفسه. وهكذا ترى الأقوياء من الرجال بعد حرب طاحنة على ندرة ويتنازل معدل الرجولية. المراقبة بالسينما توغراف يعمد أرباب المعامل في العادة إلى المعلمين في معاملهم لملاحظة العملة من إضاعة أوقاتهم وتليهم عن العمل ولكن هذه المراقبة قد لا تتناول جميع المستخدمين فاخترع اثنان من أهل البحث في الغرب طريقة فعالة في منع العملة من النجاة من المراقبة ومن خديعة المراقب وذلك باستخدام السينما تواغراف فأنشأ آلة لها ساعتان دقاقتان لإحداهما وجه مقسم إلى مئة جزء متساو تتحرك عليه إبرة تدور عشر دورات في الدقيقة وكل تقسيم يقابل واحداً في الألف من الدقيقة وليس في الساعة الثانية شيء خاص بل هي تدل فقط على الساعة كالتي ترى في كل مكان فتوضع الساعتان إحداهما في مقابل العامل وتأخذ تخرج حركاته في الآن الذي يبدأ بالعمل فإبرة الساعة الأولى تدل على الوقت الذي مضى بين كل من هذه الحركات والساعة الثانية تدل على سير الساعة والجهاز الذي ينقل الحركات يتوالى ثلاث مرات في كل ألف مرة من الدقيقة وترى وهي تدور ببطء تقيد العامل بما يعمل وهذا الاختراع يفيد في بيان ما يلزم لعمل شيء أو لإدارة آلة فالعامل لا يستطيع بهذه الآلة أن يغش في عمله من حيث الكيفية والكمية وليس في هذا الاختراع من عيب إلا غلاء سعره ومتى رخص يعم استعماله وما ندري كم يأتينا العلم من الغرائب بعد. أقدم متحف أقدم متحف في العالم هو في مدينة نارا من أعمال يابان أنشئ سنة ٧٥٦م وفيه مجموعة

стр. 6093

نفيسة من الجوامد والمعادن وإنموذجات من الخشب الوطني وألوف من الأواني المعمولة من الملك الصيني ومجموعة أعشاب يابسة. ولكن هذا المتحف محظور دخوله فلا تتأتى زيارته متى بعهد إلى لجنة خاصة كل صيف أن تدخله للتفتيش عليه وفيما خلا ذلك من الأوقات فهو مغلق. غنى العالم الذهب والفضة اليوم جزء ضئيل من ثروة الأرض فإذا شئت أن تعرف مبلغ غنى امة فعليك أن تتمثل أساليبها في عملها وتتدبر قوتها المالية كما تتدبر قوتها العددية والجندية. وعلى كثرة الإحصائيين والماليين والاقتصاديين يصعب اليوم إعطاء حكم صريح في ثروة العالم المنقولة وغاية ما قدره نيمارك إلى آخر سنة ١٩١٢ أن مجموع الثروة المنقولة في الأرض هي ٨٥٠ مليار فرنك وكان مجموعها سنة ١٩٠٣ ٦٧٧ ملياراً فزادت في عشر سنين ١٧٥ ملياراً أي بزيادة ١٧. ٣ ملياراً كل سنة. تزيد حاجات الإنسانية العامة بسرعة ويزيد غرام الأمم بالقروض. وهذه الأرقام تمثل القيمة الحقيقية لثروتنا المنقولة فالقول بأن ثروة العالم المنقولة أو ثروتها من ذهبها ٨٥٠ مليار فرنك موضع نظر بليغ فأول ما يجب جعله قيد النظر أن ترد هذه الثروة إلى كل مملكة برأسها ويحسب ماذا يصيب الممالك وقد اعتاد الأخصائيون أن يقسموا الثروة في العالم إلى خمسة أقسام أساسية: انكلترا ومستعمراتها (ما عدا كندا وممالك افريقية الجنوبية المتحدة) وقارة أوربا وقارة أمريكيا وقارة أسيا وقارة افريقية، ثم يقسمون نوع الثروة المنقولة إلى ثلاث فصائل القروض العامة (قروض الممالك والبلديات والقروض الداخلية) أسهم المصارف وأموال الصناعات مثل ثروة التجار وثروة المعادن. والقسم الأول من ذلك وهو قسم القروض آخذ بالنمو كثيراً فقد كان سنة ١٩٠٧ - ٥ مليارات فرنك فأصبح سنة ١٩١٠ - ٩ مليارات ثم نزل معدلها في سنة ١٩١١ - ١٩١٢ - ١٩١٣وذلك بداعي الحروب والأزمات واضطرت الحكومات إلى إصدار سندات أو استلاف أموال من طرق منوعة كما فعلت الدولة العثمانية خلال ذلك ريثما عقد بعد الحرب البلقانية القرض الأخير بسبعمائة مليون فرنك وكما فعلت حكومات البلقان نفسها وذلك لان ميزانيات الحربية آخذة بالازدياد في كل الممالك المتحايدة حتى الصغرى مثل البلبيك والدانيمرك واسوج ونروج وسويسرا فقد زادت ميزانية يابان ٥٧٨

стр. 6094

في المئة عن سنة ١٨٩٠ أو نحو ستة إضعاف ما كانت عليه منذ ٢٤ سنة وازدادت في النمسا ٤١٠ في المئة خلال هذه المدة وزادت ٢٣٨ في المئة في روسيا و١٤٠ في ألمانيا و١١٢ في البلجيك و٤٧ في فرنسا وما قط تحمل نظار المالية مثل هذه التبعة. والقسم الثاني أي أسهم المصارف اقل من الأول بكثير فلم يكن ٢٠ في المئة من مجموع ما صدر من السندات والأسهم أما القسم الثالث فهو أهم الأقسام لأنه يدخل فيه مجموع ما صدر من السندات والأسهم أما القسم الثالث فهو أهم الأقسام لأنه يدخل فيه جميع المشاريع الإنسانية وحدوده واسعة للغاية فإذا أخرجنا منه ٣٠٠ مليار فرنك قيمة الخطوط الحديدية في العالم يبقى المال المستخدم في الصناعات فإنه حسب ما هو موجود منها في برلين فقط مكان عشرة مليارات سنة ١٩١٠ والبلجيك آخذة بإنماء ثروتها في صناعاتها فقد كانت سنة ١٩١٣ - أربعة مليارات ومئة مليون فرنك وهي تزيد السنة بعد السنة زيادة كبرى بفضل معادنها وأعمالها الحديدية والكهربائية فقد ربحت من ذلك أرباحاً طائلة ولا سيما من الحديد والكهرباء. بقي هنا أن يقال من يملك يا ترى هذه الثروة المنقولة فالجواب أن بريطانيا العظمى هي أغنى الممالك فإنها تملك من ١٤٥ - ١٥٠ ملياراً ثم الولايات المتحدة ولكنها توشك أن تحرز المقام الأول فإن ثروتها تقدر ب - ١٣٥ - ١٤٠ ملياراً كلها لها ولامتها وفرنسا هي الثالثة بثروتها بين ممالك العالم فإنها تقدر من ١١٠ إلى ١١٥ ملياراً وتزيد ثروتها في السنة مليارين ونصفاً ومن ذلك ثروة الفرنسيس أنفسهم من ٦٠ إلى ٧٥ ملياراً ونحو أربعين ملياراً للأجانب واهم البلاد المقترضة من فرنسا هي روسيا فإن لها عندها ١١ ملياراً ثم أمريكا اللاتينية ومصر والممالك البلقانية والدولة العلية. وألمانيا تكاد تكون مثل فرنسا بثروتها فإنها تقدر ب - ١١٠ مليارات وكانت سنة ١٩٠٨ - ٨٥ ملياراً فربحت في خمس سنين ٢٥ ملياراً فالربح السنوي الذي يزيد في ثروتها بالاقتصاد وغلاء الأسعار يبلغ سنوياً خمسة مليارات أي قيمة الغرامة الحربية التي قبضتها دفعة واحدة من فرنسا في حرب السبعين. أما الممالك الأخرى فلا يتأتى تشبيهها بتلك الممالك الأربع الكبرى فإن أموال روسيا كلها تقدر بخمسة وثلاثين ملياراً والنمسا بخمسة وعشرين وايطاليا بثمانية عشر واليابان بستة عشر ومع هذا فإن ثروة هذه الممالك آخذة بالازدياد فروسيا ترقى السنة بعد السنة ديونها

стр. 6095

وكذلك ايطاليا واسبانيا وكذلك اليابان وعلى هذا ربما حدث تغيير في ميزانية الدول في المستقبل. هذا بعض ما قرأناه في إحدى الصحف المالية الكبرى نقلناه تفكهة للقراء فان الجارية القرعاء تفتخر بشعر جارتها ونحن في الشرق لا نعرف من تنمية الثروة إلا أن نقترض ونستلف. التهاب المفصل من جملة أمراض المفاصل الداء المعروف بالالتهاب (ارتريت) المشوه الذي يسميه العامة وجع الشيخوخة وان كان يصيب الصغار كما يصيب الكبار وقد جرت مداواة هذا المرض بأدوية كثيرة حتى الآن كالرياضة البدنية وصيغة اليود واخذ الحمامات الكبريتية والمعالجة بالماء البارد ولكن جميع هذه الوصفات لم تثمر الثمرة المطلوبة للمصاب بهذا الداء الذي حسب في جملة الأمراض العضالة. وقد اخترع أحد أهل الأخصاء من أطباء الألمان دواء جديداً غريباً لهذا المرض وهو أن يوضح نحل على المحل الموجع فليذع بحمته الجلد فيحدث فيه احمرار ومن سميته يرتعش جسم المصاب ويحس بوجع رأس وغثيان وضربات قلب أولاً ثم يخف آلمه ويتبين بعد ذلك فيما إذا كان هذا الوجع حادثاً من التهاب في المفاصل أو انه أعراض سل أو سيلان مخاطي أو غير ذلك واشترط المخترع في معالجة المبتلى أن يكون الداء في أوله لا مزمناً والعظم سليماً لا مشوهاً. تأثير الهواء كان العلماء إلى أوائل القرن العشرين يرون الهواء عاملاً ثانوياً في تركيب الأرض وقد دلت الأبحاث الأخيرة في آسيا الوسطى وافريقية الاستوائية والجنوبية وفي الجنوب الغربي من أمريكيا الشمالية أن ما كلن يراه العلم مقرراً من هذا القبيل يحتاج إلى تعديل وعلم الآن أن الهواء عامل قوي في انحلال الصخور وتسوية الأراضي واليه ينسب تركيب الأصقاع المقفرة أو البوادي. وهذه النظرية من أهم نظريات العلم في السنين العشر الأخيرة أثبتها لأول مرة سنة ١٩٠٤ الجيولوجي بأسارج الألماني وأيدتها التجارب التي جربت في منطقة ما وراء بحر الخزر وفي أعالي سهول المكسيك ففسرت الظواهر العديدة التي تلاحظ في الأراضي الحارة تفسيراً معقولاً وكان القدماء يعزونها إلى عمل الأمطار ومجاري المياه وإنها هي العامل الأول في تبديل صورة الأرض فظهر اليوم أن هذه النظرية مغلطة وان
следующие страницы →