Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
الجديدة في الأرض العثمانية إلى مناطق اقتصادية.
أن السبب في الحرب العثمانية التي نشبت في تشرين الأول ١٩١٣ شكوى المسيحيين من الإدارة في ابيروس وألبانيا ولا سيما مقدونية فكانوا ذريعة لتدخل الممالك الصغرى التي تطمح منذ زمن إلى ضم الشعوب التي هي من عنصرها إلى بلادهم ولم تستطع أوربا المختلفة المقاصد أن تحول دون هذا التدخل.
ولقد حاولت أوربا أن تقطع شأفة الاضطرابات المقدونية فأخذت حكومتا فينا وبطرسبرج من سنة ١٩٠٥ إلى ١٩٠٧ تساعدهما لجنة دولية لتنظيم الإدارة المالية والقضائية في مقدونية ثم أنفقت روسيا وانكلترا غداة مقابلة رفال على توسيع المراقبة الأوربية في هذه البلاد ولكن انتشار القانون الأساسي قد وكل الأمر إلى الباب العالي وكان الانقلاب ٢٤ تموز ١٩٠٨ من عمل الوطنيين المسلمين ممن كانوا يكرهون المداخلة الأوربية مثل سائر الوزراء السابقين على عهد السلطان عبد الحميد وقد طرح برنامج الإصلاحات المقدونية جانباً فكان (كذا) حظ المسيحيين المستبعدين في شبه جزيرة البلقان في سنة ١٩١٠ أتعس مما كان عليه أيام المذابح الأرمنية. وبدت إمارات الضعف في حكومة الأستانة مرات فراحت أوربا تحاول حل المسألة الشرقية وكان من ذلك ضم النمسا لولايتي البوسنة والهرسك (تشرين الأول ١٩٠٨) وأعلنت بلغاريا استقلالها ونشبت فتنة في الوقت نفسه في اليمن (١٩١٠) وظل الاضطراب سائداً في أرمينية وكان من الحرب الايطالية العثمانية (١٩١١ - ١٩١٢) خصوصاً دليل على ضعف العسكرية العثمانية على حين اشتداد الأزمة على مسيحي مقدونية فخاف ملوك البلقان من حنق الرأي العام عليهم في بلادهم ونظروا إلى اختلاف أوربا فرأوا في ربيع سنة ١٩١٢ أن ساعة التحالف قد حانت. فاتخذت الممالك البلقانية اتحاداً سياسياً عسكرياً عقيب مفاوضات طويلة فعقدت محالفة أولى بين صربيا وبلغاريا سنة ١٩٠٩ ولم يخف على روسيا ما جرى بينهما فتلقته بالقبول لأنها رأت فيه جواباً مناسباً لتضم النمسا للبوسنة والهرسك. وتمت هذه المحالفة سنة ١٩١٢ على أن تكون التخوم بين البلادين صربيا وبلغاريا آخذة من وارنة مجتازة بحيرة أواخر يدا إلى أن تبلغ البحر الادرياتيكي وفي تموز ١٩١٢ عقدت محالفة أخرى بين بلغاريا واليونان على أن تترك هذه سلانيك خارج المنطقة التي تريدها ثم عقدت محالفة بين بلغاريا والجبل
стр. 6127
الأسود يسقط بموجبها الاتفاق الذي كان هذا الجبل عقده والنمسا سنة ١٩١٠ ويضمن هذا الاتفاق الجديد للملك نقولا جزءاً من لواء بازار (توفي بازار) ومدة هذه المحالفات إلى خمس وعشرين سنة وقد ترك البحث في مسألة الأستانة احتياطاً وتفادياً من مس أوربا.
وفتحت المشاكل بين العثمانية وممالك البلقان أولاً بأن طلبت حكومة جتنة الجبلية إلى الباب العالي أن تعين حدود المملكتين إذ كان الجبليون من أهل الجبل الأسود في عراك دائم مع القبائل الارناؤدية فتضاممت الأستانة عن هذا الطلب وداهم في أوائل أب رجال الدرك العثمانيين ارض الجبل الأسود على طول تارا وأحدثوا مذابح في مواكوفاز وفليكا وبرانه وغيرها. وحدث مثل ذلك في بوتشانا من مقدونية بين العثمانيين والبلغاريين فزاد في سخط الرأي العام البلغاري فرأت حكومة صوفيا أن تبادر إلى إرسال مذكرة إلى الدول مخافة أن تستحق غضب الحزب الوطني وذلك في منتصف اب قائلة فيها انه بالنظر لحرج الحالة في البلقان فإن أحسن واسطة لمقاومة النزعة الحربية في الشعوب المسيحية في مقدونية وتراقياً أن تمنح الحكومة العثمانية الإصلاحات المطلوبة لذينك القطرين فأجابت الدول داعية حكومة صوفيا إلى التزام السكون وحكومة الأستانة إلى منح الإصلاحات المنشودة. واكتفى الباب العالي بأن يعد المسيحيين بقانون الولايات القديم الذي نشر سنة ١٨٨٢ ودلت التجارب انه لم يطبق فأخذت الحوادث تتكرر وكانت أنشأت صربيا وبلغاريا منذ أسابيع تعد جيشهما للقتال بحجة القيام بتمرينات عسكرية كبرى فقلقت العثمانية وجمعت ٢٥٠ ألفاً في ولاياتها الأوربية ولا سيما في أرجاء أدرنة وعلى الحدود الشمالية من تراقيا. وفي اليوم الثامن والعشرين من أيلول دعت بلغاريا الدول لتوقيف التجنيد عند العثمانيين. وفي ٣٠ أيلول زاد تجنيد العثمانيين فقررت بلغاريا وصربيا أن تدعو جميع جيشهما إلى حمل السلاح وفي ٣ تشرين الأول دفع وزراء الممالك المتحالفة إلى حكومة الأستانة بلاغاً مشتركاً تطلب فيه منح الاستقلال الإداري لجزيرة كريت ولصربيا القديمة ولمقدونية ولألبانيا وأمهلت الدولة ثلاثة أيام لإعطاء الجواب إذا لم يرسل الجواب بعدها بعمد الحلفاء إلى استعمال السلاح وحاولت الدول العظمى أن تدهل في إصلاح ذات البين بين العثمانية والحلفاء فلم تفلح وكان الباب العالي يستند على ألمانيا ويفاوض من جهة أخرى لندرا وفينا وباريز فيضيع الوقت في المفاوضة وفي ٩ تشرين
стр. 6128
الأول بدأ الجبل الأسود بإعلان الحرب على العثمانية وفي ١٣ تشرين الأول عاد الحلفاء للبلقانيون فبعثوا بمذكرة إلى الباب العالي يمهلونه ثلاثة أيام ويجعلون مطالبهم في احد عشر بنداً: تقسيم الولايات إلى إيالات تراعى فيها أجناس النازلين فيها وان يكون النواب في مجلس الأمة العثمانية نصفين الأول من المسلمين والآخر من المسيحيين على حد سواء وان يعين لها ولاة مسيحيون بلجيكيون أو سويسريون وان يقبل المسيحيون في جميع الوظائف الإدارية في المملكة العثمانية وتعين لجان للمراقبة يعهد إليها الإشراف على تنفيذ الإصلاحات التي يجب أن تتم في ستة أشهر الخ وفي ١٧ تشرين الأول بعد أن بعث الباب العالي بمذكرة فيها شيء من الإبهام في توجيه التبعة على من يستحقها أعلنت الحرب بلغاريا وصربيا وفي ذات اليوم قرر مجلس النظار اليوناني أن يعلن الحرب على العثمانية فاجتازت الجنود اليونانية التخوم العثمانية صباح ١٨ منه وبذلك نشبت الحرب على جميع تخوم المملكة العثمانية.
يكفي إلقاء نظرة قليلة على المصور الطبيعي لبلاد البلقان لتتمثل للقارئ صعوبة الحركات العسكرية على قواد العثمانيين لدى مداهمة كل من بلغاريا وصربيا واليونان للبلاد العثمانية. فإن النجاد من جبل رودوب أو دسبوت طاغ التي تصل إسنادها الأخيرة إلى القرب من البحر بين سرس واورفاني مطوقة واديء ستروما وتفصل ترانية هي مضطرب الجيوش البلغارية العام عن وادي واردار الغني الفسيح وهو الطريق المستقيم لصربيا نحو سلانيك الذي كان الغاية التي تطمح إليها كل من الصرب واليونان. ومثل ذلك يقال في وادي فيستريزا الأوسط ولا سيما الأراضي الواقعة على البحر اليوناني ووادي فويتوزا وابيروس الجنوبية. فالطرق والأودية والسكك الحديدية كلها في التقسيم ألبانيا الشمالية حيث اشقودرة على أربعين كيلو متراً من حدود الجبل الأسود أن البلاد كانت أربع ساحات كبرى للحرب ممكنة ولكن بدون اتصال سهل بينها وبذلك لم يكن العثمانيون على ثقة من مواقع الهجوم عليهم فاضطروا إلى توسيع خطوط الدفاع فإن العثمانية وان استطاعت في الحال أن تجمع ٤٥٠ ألفاً من المشاة و٢١ ألفاً من الفرسان و١٠٤٨ مدفعاً لكنها لم تعمد إلى التزام خطة الدفاع وما كان الأمر بالتجنيد يتناول غير فيالق تراقية ومقدونية وجزءاً من الأناضول واقتضى في الأولى أن يلاحظ إدخال المسيحيين في
стр. 6129
صفوف المقاتلين في حرب عنصرية دينية وفي الثانية أي في عسكر الأناضول شعر بقلة المواصلات السريعة بين الأستانة واسيا الصغرى وليس في الأناضول سوى خطوط حديدية ضيقة أو ذات خط واحد والجند الاحتياطي الذي أرسل من مرافئ البحر الأسود اقتضى نقله على بواخر إلى الأستانة والى رودوستو (تكفور طاغي) أو سيلوري لتتجه بعد ذلك صوب البلاد التي تحارب فيها ثم أن الحرب الايطالية العثمانية وفتنة اليمن واضطرابات ألبانيا قد اقتضت نقل الجنود من تلك الأصقاع للحرب ومن هنا نشأ تأخير جديد في التجنيد أو تعديل في الحركات العسكرية في بعض الأحوال. ولم يستطيع العثمانيون أن يجمعوا في اليوم الخامس عشر في تراقية سوى ١١ فرقة نظامية و٨ فرق رديف ثم بعد حين التحق بها ١٢ فرقة من رديف آسيا الصغرى والظاهر أن الخطة الأولى التي اعتمدها أركان الحرب العثمانية كانت الوقوف في وجه الجيوش البلغارية في تراقية حيث كان معظم قوتها وذلك بحشد الجند الكثير لسد جميع منافذ الدفاع من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي والى الجنوب من وادي واردار فإن الصعوبة الطبيعية في رسم الأرض هناك كانت موافقة للدفاع على ما يظهر. فإن القوى العثمانية بعد أن الفت حامية قوية لموقع أدرنة وحامية تمسك بافواه مضايق الجبل كانت عبارة عن أربعة فيالق في تراقية كل فيلق مؤلف من ثلاث فرق مقسمة بين معسكر أدرنة المنعزل القوي وقلعة قرى كليسا ويرأسه عبد الله باشا (٢٣٠ألفاً) وكانت قوة العثمانيون في مقدونية مؤلفة من جند تلك الأصقاع أي من الفيالق الخامس والسادس والسابع ومن الفرقة الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين المستقلة (٢١٠ آلاف) أمدتها بالتدريج ثلاث عشرة فرقة من الرديف وتجمع الفيلق الخامس في سلانيك والسادس في مناستر والسابع في شمالي وشرقي اسكوب عند نقطة اتصال الخطوط الحديدية نحو نيش وسلانيك وسلمت قيادة حدود الجبل الأسود للفرقة الرابعة والعشرين والفرقتان الثانية والعشرون والثالثة والعشرون أخذتا بأفواه مضايق تساليا والبند وأرجاء قوازانا وأواسط فيستريزا وبانيا. وكانت قلة عددهم بالنسبة لجيوش اليونان مادية.
وفاق الحلفاء البلقانيون الجيش العثماني بسرعة التجنيد وهجومهم فتم تجنيد المشاة والاحتياط في بلغاريا في اليوم الخامس وقلة الخيل آخر تجنيد الفرسان والمدفعين إلى اليوم
стр. 6130
الحادي عشر. فاجتماع تسع فرق من المشاة البلغار وتسعة الوية وفرقة من الفرسان قد تم من اليوم السابع إلى الرابع عشر وانتهى بتجنيد المهاجمين وكان محورهم الرئيسي متجهاً صوب وادي مارتيزا (وهو ثماني فرق عاملة و٥ ألوية من الاحتياطي تحت القيادة العامة للجنرال سافوف يعاونه الجنرال فيتشف رئيس الأركان الحرب البلغاري) وهناك جيش ثانوي بقيادة الجنرال كونتشف رابط في كوستندل ماداً يده للجناح الأيسر من الجيش الصربي. وبعد ذلك يجيء جيش ثالث بقيادة القائد رادكوديمتريف منبعثاً على طول نهر طونجة من يلمبوني إلى قزل اغاطاش. أما الجيش الصربي (نحو ٧٠ ألفاً) فكان بقيادة القائد يوتنيك مجنداً في مثل هذه المدة التي تجند فيها الجيش البلغاري ولكنه اجتمع في اليوم العشرين مبثوثاً من كوستنديل (الفيلق الثاني) إلى رشكا ماراً بأعالي نهر مورافا (الفيلق الأول في جنوبي نيش) وكورشوميلي (الفيلق الثالث) أما الجيش اليوناني نحو ١٢٥ ألفاً فلم يبق في شمالي ارتاسوي كتيبة حامية (فرقة واحدة) والفرق الست الأخرى اجتمعت كتلة واحدة في تساليا شمالي لاريسا أمام مضيق الاصونة وكان لي العهد قسطنطين يقودها بنفسه. والأسطول اليوناني الصغير بأمره الريان كوندريوتيس يحارب على الشاطئ على مقربة من سلانيك ويستولي على بعض الجزر في بحر ايجة ولا سيما لمني وبزجه
مر معنا أن الجبل الأسود أعلن الحرب يوم ٨ تشرين الأول أي قبل عشرة أيام من انقطاع المفاوضات رسمياً بين الدولة العثمانية والحلفاء البلقانيين. وقد بدأت الوقائع في الحال واجتهد الجبليون بعد أن كشفوا اشقودرة كان جيشهم في الجنوب بقيادة القائد مارتينوفتش قد اخذ على نفسه القيام بذلك سائراً نحو حصن ترابوش أن يبادر إلى مد يديه للصربيين بالقرب من لواء يكي بازار. فقاوم العثمانيون على طول التخوم الجبلية إزاء بودغورتسا ٩ تشرين ومن الغد استولوا على حصون روغام ودتشيش وفي الأيام التالية داهم الجبليون بشدة معاقل شبشانيك ١١ - ١٣ تشرين فاستولوا عليها ثم حصون وارنة وهليم واتوا بعسكر إلى الجنوب من طريق وادي درين نحو وسووسان جان دي مودا ومنذ اليوم السادس عشر من تشرين الأول نجح القائد فوكوفيش في حركاته نحو بلاد وغوسينه وفي اليوم الحادي والعشرين بلغ وادي ليم وفي اليوم السادس والعشرين التحق بالجيوش الصربية نحو سيانتزا واحتلت أبيك يوم ١٣ ولم يلبث الهواء من هذه الجهة أن تبدو
стр. 6131
صعوباته فانقطعت الحركات الحربية وحصر الجبليون وكدهم في مداهمة أعالي ترابوش التي كان يتقدم فيها القائد مارتينوفيش وفي ذاك التاريخ أخذت الوقائع في تلك الحملة تجري في ساحات أخرى.
ولقد دخلت القوى المهاجمة اليونانية والصربية والبلغارية في آن واحد تقريباً أي في ١٨ تشرين الأول والنقد من حيث الوجهة العسكرية قليل على الجيشين اليوناني والصربي والعثمانيون لم يضعوا أمامهم سوى كتائب متوسطة بقوتها فقد اجتمع معظم الجيش اليوناني في سهل لاريسا من أعمال تساليا وسار على العثمانيين فرقتين واتجهت الفرقة التي تحت قيادة ولي العهد ١٨ تشرين الأول مارة بفجاج ملونا على الاصونة فاستولت عليها ووصلت طلائعها يوم ٢١ منه إلى سرفيا واقتتلت مع فرقة عثمانية فاضطروها إلى التسليم بفضل كثرة عددهم وكثرة مدفعياتهم ٢٢ - ٢٣ تشرين الأول وكانت فرقة الشمال خلال هذه المدة تتقدم على خط مواز على كرفنا جاعلة مناستر غاية قصدها فدخل ولي العهد إلى قوزانه يوم ٢٦ تشرين الأول وضايق فجاج ترميوتاموس في جنوب فريا وافتتح المدينة بعد حرب عوان. ومن هناك اتجه نحو سلانيك في ثلاث فرق من رجاله في حين الفرقتان الثانيتان سائرتين على مناستر من طريق بانيجه وفلورينه. وقد التقت طليعته يوم ٥ و٦ تشرين الثاني مع العثمانيين على شواطئ الواردار في يكيجه ريثما تنضم إليها المدفعية وتعزز بمعظم الجيش في ٧ منه قذفوا بالعثمانيين إلى الشاطئ الشمالي من النهر بعد قتال شديد في الجملة فاجتازه ولي العهد على آثره ليدخل يوم ٩ منه إلى سلانيك فسلمت الحامية العثمانية مع القلعة وصحون المرفأ وكانت مؤلفة من ٢٥ ألفاً. وقد فشلت الفرقة اليسرى اليونانية في الغرب فاكتشفت من جناحها لكثرة سير ولي العهد فألقى بها الجيش العثماني من بانيجه إلى قيالر فحملتها خسائر جسيمة مادية ولكن العثمانيين عاد فرسان الصرب فهددوهم من الشمال فلم يستطيعوا مطاردة الجيش اليوناني. وفي ٢١ منه احتل اليونان فلورينة الجديدة واستولت الفرقة اليونانية التي غادرت ارتا في ابيروس على بروزة ثم اجتاز على شدة الفصل وضعف البلاد عل إعالة الجيش مضايق كوستزادس ومضايق بنتوبيكاديا واحتلت هذه المدينة الأخيرة يوم ١٥ منه في حين أن كتيبة سيارة تقصد فالونة من طريق وادي سوشيتزا. وكان الأسطول اليوناني قد قام بوظيفته خير قيام بأن اغرق في ميناء سلانيك
стр. 6132
البارجة العثمانية فتح بلند القديمة القائمة على حراسة الساحل وبإخراجه جنداً إلى جزائر ساموتراس وليمني وبوزجة ونيكاريا ومدللي وصاقز الخ.
قام الصرب في مقدونية بأصعب مما قام به اليونان فكانت القوى العثمانية مجتمعة حول اسكوب فاجتاز الجيش الأول الصربي (٧٥ ألفاً) غداة إعلان الحرب بقيادة ولي العهد التخوم بين ريستوفاتزوز يبقجة ومقدمة الصفوف العثمانية نحو الغرب على طول السكة الحديدية. وفي اليوم نفسه اجتاز الفيلق الثالث (بقيادة زيفكوفيش) مضايق بروبولاز بالقوة أما الفيلق الثاني فقد عضده البلغار فاستولى يوم ٢ تشرين الأول والبلغاريون من ورائهم على كراتوفا وكوتشانا. وكانت قومانوه الغاية العامة وهناك نشبت المعركة الفاصلة يوم ٢٣و ٢٤ تشرن الأول فهو هاجم الجيش العثماني المؤلف من ستين ألفاً بقيادة زكي باشا من ثلاث جهات فاضطر إلى أن يتراجع نحو اسكوب ودخل جيش القائد ستيانوفيش من الغد إلى اشتب واحتل ولي العهد اسكوب يوم ٢٦ منه فانهزم الجيش العثماني إلى مناستر. وكانت كتائب صربية ذهبت مدداً للجيش الجبلي بقيادة فوكوفيتش وأخرى نزلت وادي واردار مهددة سلانيك وثالثة (مؤلفة من فرقتين) رجعت إلى كوستنديل لتذهب منها في السكة الحديدية لنجدة الجيش البلغاري بقيادة القائد ايفانونف الذي عهد إليه حصار سلانيك. أما معظم الجيش الصربي فقد ظل متابعاً سيره ظافراً نحو مناستر وبعد قتال شديد دام يومين اضطرت المدينة إلى التسليم (١٨ تشرين الثاني). وفي ٢٨ منه اجتازت فرقة ألبانيا الشمالية ودخلت دراج على البحر الادرياتيكي. وفي تراقية بين العثمانيين والبلغاريين وقعت الوقعة الكبرى فقد تقدم آنفاً كيف قسمت قوى المتحاربين إجمالاً ففي اليوم الثامن عشر من تشرين الأول سار الجيش الأول إلى فرقتين فسارت الفرقة الأولى على طول نهر طونجة يدوس الفرسان العثمانيين من جهة أدرنة وأخذت الثانية نحو الغرب فاستولت على خاصكوي ومصطفى باشا وفي ٢٠ منه ضربت في جمعة بالأفرقة عثمانية وجاء في ٢٢ منه الجيش البلغاري الثالث لتقوية الجناح الأيسر من الجيش الأول سائراً في مسالك صعبة مبرزاً من الشجاعة شيئاً كثيراً آخذة في سيرة على مضايق الجبال ملقياً بالحامية العثمانية إلى فرق كليسا حيث كان الجيش بقيادة محمود مختار باشا وعزيز باشا فاستولى الذعر على العثمانيين كأنهم في قتال حمي وطيسه فجلوا عن المدينة يوم ٢٤ منه صباحاً
стр. 6133
وخاف الجيش كله أن يقطع عليه خط الرجعة مع الأستانة فتأخر إلى بابا اسكي ولوله برغوس والى الشاطئ الأيسر من ارجين وقد طورد مطاردة شديدة. ونشبت يوم ٢٧ تشرين الأول على نجاد يكاد حصار ولوله برغوس أول حرب دموية فنجح القائد كريستوف البلغاري في هذه الوقعن بفضل انتظام مدفعيته وذلك في يكار حصار كانت تتجه معظم القوى العثمانية في حين أن الفرق الأخرى من الجيش الأول والثاني قد انضمت إليه لتقوية جناحه الأيمن وإطالة حبل امتداده. وفي ٣٠ تشرين الأول عقيب وقعة جرت من الليل فتح طريق النجاد للبلغار وذلك في وسط المعسكر العثماني وفي ٣٠ منه مساءً اضطر العثمانيون إلى الجلاء عن تلك الأرض بتاتاً منهزمين إلى جورلي ثم إلى خطوط الدفاع في جتلجة الواقعة بين البحر الأسود وبحر مرمرة فحللوا دون كل هجوم عليهم إذ قد عززوا خطوط الدفاع على جهة طولها أربعون كيلو متراً معمولة من حصون وفيها مدفعية قوية (مائتا مدفع من العيار الكبير) وعلى هذه الجهة حاول البلغار التقدم فلم يفلحوا فإن عدة وقائع صعبة حدثت في لازاركوي (٧٧١ تشرين الثاني) والمحمودية وغيرهما لم تسمع لمشاة البلغار التي كانت تمزق شملها بالنيران والأمراض أن تقاوم العثمانيين والبحر من ورائهم تحميهم المدرعات العثمانية. وفي ٢٠ تشرين الثاني عقدت هدنة قصيرة بين المتحاربين وفي الأيام التالية ظهر الهواء الأصفر في الأستانة ثم في الجيش العثماني في جتلجة ومنها سرى إلى المعسكر البلغاري وفي ٢٣ منه أعلن كان الحرب البلغاري توقف الحرب وكانت انتهت هذه الحرب الهائلة التي دامت على أمدها شهراً من الزمن باستنزاف قوى الفريقين المتحاربين فحان الوقت المناسب لإصلاح ذات بينهما.
стр. 6134
الترجمة عند العرب
كنت نشرت مقالة في جريدة المقتبس اقترحت فيها على فضلاء السوريين تأليف جمعية وتجعل هدفها نقل الكتب اللازمة لمدارس من اللغات الإفرنجية إلى اللغة العربية ووعدت أن اشفع ذلك الاقتراح بجملة اذكر فيها نشأة الترجمة في عهد الأمويين والعباسيين واهتمامهم لهذا الأمر الخطير إذ اللغة بالحقيقة لا تنهض وتمد أجنحتها ويأخذ القريب والبعيد بخط منها أن لم تكن لغة العلوم المادية وما كان الناس يقبلون على الألمانية أو الانكليزية أو الافرنسية لو لم تكن لغات العلم.
بدأت الترجمة على عهد الأمويين فهم الذين سنوا تلك السنة فان ماسرجويه البصري الطبيب الشهير الذي كان معاصراً لمروان بن الحكم قد نقل من اللغة السريانية كناشاً من أفضل الكنانيش تأليف القس اهرون بن أعين فلما تولى الخلافة عمر ابن عبد العزيز وجد هذا الكتاب مدفوناً في بطون مكاتب الشام فرأى من الحكمة أن لا يدع ثمرة هذا الكتاب تذهب إدراج الرياح فنشره لينتفع به الناس وليشجعهم على نقل الكتب المفيدة.
كان خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة ٨٥هـ - حفيد معاوية الأكبر محباً للعلم والحكمة وكان فضلاً في نفسه عالي الهمة بعيد النظر راجح العقل ويسمونه حكميم آل مروان قد استقدم في نفسه من مدرسة الإسكندرية راهباً رومياً اسمه مريانوس ورغب إليه أن يعمله صناعة الكيمياء فلما تعلمها أمر بنقلها إلى العربية نقلها له رجل اسمه اصطفان القديم وكان خالد هذا مولعاً بعلم النجوم فانفق الأموال الطائلة وافرغ جهده في سبيل استحضاره لأنه ولعله أمر بترجمة شيء من هذا العلم ولم يصل إلينا خبره كما أمر بترجمة علم الكيمياء وقيل أن خالداً أمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا ينزلون مدينة مصر وأمرهم بنقل كثير من الكتب العلمية من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي وهذا أول نقل في الإسلام.
ولا يعلم إذا كان عمرو بع العاص قد أمر بنقل شيء من الكتب العليمة إباء ولايته على مصر لما عرف به من الميل للعلم والعلماء وقد كان في أيامه رجل مسيحي من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوي كان في بدء أمره ملاحاً يعبر الناس بسفينته وعلائم الميل إلى العلم بادية على وجهه فإذا ركب معه جماعة من أهل العلم أصغى إلى مذكراتهم ولما اشتد به الشوق ولم يستطيع صبراً على الجهل ترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن أربعين سنة
стр. 6135
فبلغ ما لم يبلغه الناشئون فيه منذ طفولتهم وقد أحسن من العلم فنوناً كثيرة حتى عد من فلاسفة وأطبائه ومناطقه.
فلما سمع به عمر بن العاص قربه إليه واحترامه وأكرمه لعلمه وفضله وجعل له المكانة الرفيعة ووقعت بينهما محبة عظيمة اشتهر أمرها وظهر حالها حتى قال بعض المؤرخين: أن المحبة التي نشأت واستحكمت بينهما ترينا مبلغ ما يسمونه النقل العربي من الأفكار الحرة والرأي العالي ولا يبعد أن يكون عمرو بن العاص قد أمر بترجمة بعض الكتب لان من كانت هذه سيرته من الميل للعلماء وشغفه باكتساب العلم لا بد أن تطمح نفسه لنقل بعض العلوم كالفلسفة والمنطق والطب المفقودة من اللسان العربي ومما تقدم تسقط دعوى من ينسب إحراق مكتبة الإسكندرية لعمرو بن العاص بأمر من عمر بن الخطاب ﵄ لأنه قول بعيد عن الحقيقة ولو صح أن عمر أمر بحرق تلك المكتبة لكان عمرو بن العاص أبان له وجه خطئه بادله ناهضة ويكفي أن يورد له بعض الأحاديث الصحيحة التي تأمر المسلم باتخاذ الحكمة من اغي وعاء كان وان الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما وجدها وان القرى حث على طلب العلم حثاً بليغاً ولم يقيده بعلم معين فقال: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. على أن من يعرف قيمة الشيء ويقدره حق قدره لا يعقل أن يجازف به لا سيما وعمرو يعد تلك المكتبة من النفس خيرات واجلبا قيمة بدليل احترامه وإكرامه ليوحنا النحوي وما أسهل على عمر إقناع ابن الخطاب بترك هذا الأمر المشين بسيرته الطاهرة لما جبل عليه ابن العاص من السياسة والدهاء والمهارة في إقامة الحجة هذا اذ١ فرضنا صدوره من الخليفة الثاني. ولا يظن أن عمرو بن العاص لأمر سياسي قد قرب إليه يوحنا فإن هذا كان بعيداً عن ضوضاء السياسة منعزلاً عن قومه لا يعرف إلا المطالعة والبحث والتأليف.
قال سيديو المؤرخ الشهير: لا يصح أن تنسب حريق مكتبة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب المشهور له بوفور العقل الدى جميع الأمم ولذا لم يذكرها احد من المؤرخين المعاصرين له فلو فرض صدور أمره بإحراقها لما كان إلا لمقدار قليل فإن معظمها احرق في عهد الملك توديوس آه.
ولما انتقلت الخلافة إلى بني العباس ورسخت قدمهم شرعوا بتشييد نهضة علمية فكنت
стр. 6136
ترى دور الخلفاء مجمع الأدباء والشعراء والعلماء وذلك لرغبة الخلفاء وميلهم للعلم وإجلال أهله وقد بالغوا في أكرام العلماء وقربوهم وجالسوهم وواكلوهم وحادثوهم وعولوا على آرائهم حتى لم يبق ذو علم أو أدب أو قريحة إلا وقصد دار السلام ونال جائزة أو هدية أو راتباً وكم تجود قريحة العالم عند ما يرى نفسه مبجلاً محترماً مقدوراً تعبه حق قدره وأفكاره ترتع في رياض الحرية ليس لأحد عليه سلطة يجاهر بكل ما يعتقده ما دام الدليل حليفه والبرهان مجنه وليس شيء ادعى لقتل الأفكار والمعتقدات من التحكم بها وقد اشتهر بنو العباس بأنهم حماة الرأي ناصروا العلماء حتى المخالفين لهم في المعتقدات وهي مزية عظيمة بها نضجت ثمار العلم وطاب مذاقه والعلم لا ينضج إلا إذا كان تحت عناية أمير تربيته والناس على دين ملوكهم.
أول من اعتنى بالترجمة من العباسيين أبو جعفر المنصور وكان شديد الكلف بعلم النجوم وقد تقرب إليه كثيراً من علماء الفرس إذ كانت لهم معرفة زائدة بهذا العلم وأشهر من تقرب للمنصور توبخت المنجم الفارسي ترجم له كتباً كثيرة وكان يصحبه حيثما توجه وممن خدم المنصور في النجوم إبراهيم الفزاري وابنه محمد وعلي بن عيسى الاسطرلابي المنجم وقد قصد المنصور رجل من الهند سنة ١٥٦هـ - قيم في حساب الهند وعرض عليه كتاباً في النجوم مع تعاديل معمولة على مذاهب الهند فأمر المنصور أن ينقل هذا الكتاب إلى العربية وان تؤلف فيه كتاب يتخذه العرب أصلاً في حركات الكواكب فتولى هذا الأمر إبراهيم الفزاري وعمل كتاباً سماه المنجمون السند هند الكبير وظل أهل هذا الزمن يعملون به إلى أيام المأمون. وممن تقرب إلى المنصور جورجس وهو أول من ابتدأ بنقل الكتب الطبية إلى العربية عندما استدعاه المنصور وكان كثير الإحسان إليه ومنهم البطريق كان أيام المنصور قد نقل كتباً كثيرة في الطب من تأليف ابوقراط وجالينوس وكان اهتمام المنصور بنقل الكتب الطبية لا يقل عن اهتمامه بالنجوم فقد بعث بطلب جورجيس بن بختيشوع السرياني الذي كان ماهراً بالطب ذكياً فطناً ذا هيبة ووقار وذلك على اثر علة أصابت المنصور فلما شفي ورجع إلى مزاجه منعه من الرجوع إلى بلده وجعل له مكاناً علياً لما فطر عليه من الصدق والأمانة والتدين وكان جورجيس هذا يعرف اللغة اليونانية فضلاً عن السريانية والفارسية والعربية ونقل كتباً كثيرة من اليونانية إلى العربية وقد مال
стр. 6137
إليه المنصور ميلاً شديداً حتى جعله طبيب أسرته وممن علت منزلته عند المنصور عبد الله المقفع وكان فاضلاً كاملاً وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية الثلاثة وهي كتاب قاطيغورياس وكتاب باري ارمينياس وكتاب انالوطيقا ترجم كل ذلك بعبارة سهلة وترجم مع ذلك كتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة والخلاصة أن المنصور كانت جل عنايته مصروفه لإيجاد مترجمين توسد إليهم هذه الصناعة الجليلة ولم يأل جهداًُ في هذا السبيل وترجم في خلافته كثير من كتب الهندسة والطب والنجوم. وفي زمن المنصور عرب كتاب بطليموس في الغناء واللحون الثمانية وأيضاً كتاب ارسوا عربه عبد المسيح الحمصي.
ولما انتقلت الخلافة إلى هرون الرشيد قام احسن قيام بالنهضة العلمية وكان من أفاضل الخلفاء وفصائحهم وكرمائهم وقد انتشر العلم في زمانه انتشاراً هائلاً قال درابر في كتابه تنازع العلم والدين: أن الرشيد قد أمر بإضافة مدرسة إلى كل جامع في جميع أرجاء ملكه. وفي أيامه تقاطر إلى بغداد كثير من الأطباء وعلماء السريان والفرس والهند وطفقوا يتعلمون اللغة العربية ليستطيعوا الترجمة ويحكموا أصولها وكان الرشيد مشغوفاً بالعلوم ونقلها إلى لسانه فقد بذل الأموال الطائلة وكافأ كل من يأتيه بكتاب قديم واتفق له في أثناء إغارته على بلاد الروم أن عثر في أنقرة وعمورية وغيرهما على كتب كثيرة حملها إلى بغداد وأمر طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها وقد علت منزلة يوحنا عند الرشيد فقر به إليه حتى وضع جميع المدارس تحت مراقبته وكان فاضلاً طبيباً محترماً عند الملوك خدم الرشيد والمأمون والواثق والمتوكل وعدا عن الكتب التي ترجمها فقد كان له تأليف عظيمة منها كتاب البرهان وكتاب الحميات والكناش المعروف بالمشجر. وممن تقرب إلى الرشيد بختيشوع الطبيب وجبريل ولده ونقلوه كتباً متعددة. وممن اشتهر بالنقل الحجاج بن مطر نقل كتاب إقليدس النقلة الأولى ويسمى الهازونية تمييزاً له عن كتاب إقليدس الذي نقل في زمن المأمون ثم أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قره الحراني وكان فيلسوفاً عظيماً بلغ درجة لم يدانه بها احد وله تأليف كثيرة في المنطق والطب والرياضيات وقد قربه المعتضد حتى علت منزلته على الوزراء.
والخلاصة أن الرشيد قد افزع قصارى جهده بنقل الكتب ورفع أعلام العلم وكان يصرف
стр. 6138
قسماً كبيراً من أوقاته في هذا الشأن حتى أن العلماء والأدباء كانوا لا يفارقونه وإذا اجتمعوا بداره سما إلى مناظرتهم من حيث العلم والتواضع لا من حيث السيادة عليهم وهو بموضعه الجليل من الخلافة وقد بلغ به التواضع أن معاوية الضرير المحدث إذ جلس أمامه إلى طعامه قام الرشيد من موضعه وصب على يده الماء.
على أن الباحث يعلم أن معاوية هذا لم يبلغ درجة من العلم يضارع بها الرشيد وكان جل عمله محصوراً بالحديث فأين هو من الرشيد الذي كان يضرب بكل علم بسهم صائب وإنما حمل الرشيد على التواضع لمعاوية أمر مهم وهو الترغيب فإن الناس إذا رأوا العالم يصل إلى هذا المقام من الاحترام حتى من العظماء وتنهال عليه المبرات المادية والمعنوية يتسارعون إلى طلب علم.
ولما انتقلت الخلافة إلى المأمون نهض لخمة العلم أيما نهضة وأتم ما بدأ به سلفه من الترجمة والتأليف وكان مفطوراً على محبة العلم والعلماء بل لم ير في أولاد الملوك من تعشق العلوم الحمية والفلسفية مثله على حداثة سنة وقام بين العلماء قيام الأسد لمناظرتهم في جميع أنواع العلوم فمن كانت هذه سيرته في حداثة سنة فما بالك به وقد بلغ مبلغ الرجال واستلم زمام الخلافة وكان مع سعة عمله كثير الميل إلى القياس العقلي وطالع أكثر الكتب التي ترجمت إلى عهده وقد بلغ مبلغاً من العلم قل من يدانيه به فنقل عنه انه أولم يوماً وليمة لخاصة العلماء المقربين إليه وقد ظن بعض الحاضرين انه وضع أكثر من ثلثمائة لون وكلما وضع لون نظر المأمون إليه وقال هذا يصلح لكذا وهذا نافع لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم ورطوبة فلتجنب هذا ومن كان صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن أحب الزيادة في لحمة فليأكل من هذا ومن كان قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا وما زالت تلك الحالة حتى رفعت الموائد فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين أن خضنا في الطب فأنت جالينوس وفي معرفة النجوم فأنت هرمس أو ذكرنا السخاء فأنت فوق حاتم أو في الفقه كنت علياً ابن أبي طالب أو ذكرنا صدق الحديث كنت أبا ذر في صدق لهجته. وكان أحب إليه من الملاهي لعب الشطرنج يمارسه كأبيه لاستنباط الحيل فيه حتى لم يكن في الناس من يفضله فيه وهو القائل في الشطرنج:
أرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين ألفين موصوفين بالكرم
стр. 6139
تذكرا الحرب فاحتالا لها تبهاً ... من غير أن يسعيا فيها بسفك دم
هذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحرب لم تنم
فأنظر إلى الحرب قد جالت بمعركة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم
ويتبين لنا شدة ميل المأمون للعلم وأهله من قوله عن العلماء هم صفوة خليفة الله وأفضل عباده وانفعهم لأنهم ارصدوا حياتهم لتربية مواهبهم الطبيعية وان الذين يعلمون العلم والحكمة للناس هم مصابيح العالم ولولاهم لارتكس الخلق في عماية الجهالة وغياهب البربرية.
أما عناية المأمون بنقل الكتب فهي في أقصى ما يتصوره العقل لا سيما في نقل كتب المنطق والفلسفة وقيل أن المأمون نقل إلى بغداد مائة حمل بعير من الكتب وكانت إحدى شروط معاهدة الصلح بينه وبين الإمبراطور ميشيل الثالث أن يعطيه إحدى مكاتب القسطنطينية التي كان فيها بين الذخائر كتاب بطليموس في الرياضيات السماوية فأمر المأمون بترجمته وسماه المجسطي وقد جعل الترجمة عامة لكل مؤلفات أرسطو في الفلسفة وغيرها وكان يحرض الناس على مطالعة تلك الكتب ويرغبهم في تعلمها وكان مثابراً على حضور أكثر الدروس التي يلقيها المدرسون واقتجى بالمأمون كثير من أهل دولته وجماعة من أهل الوجاهة والثروة في بغداد وتقاطر إليه المترجمون من أنحاء الجزيرة العربية والعراق والشام وفارس وفيهم النساطرة واليعاقبة والصائبة والمجوس والروم والبراهمة يترجمون من اليونانية والفارسية والسريانية والسنسكريتية والنبطية واللاتينية وغيرها وكثر في بغداد الوراقون وباعة الكتب وتعددت مجالس الأدب والمناظرة وأصبح هم الناس البحث والمطالعة وظلت تلك النهضة مستمرة بعد المأمون حتى نقلت أهم كتب قدماء اليونان إلى العربية.
وقد تقرب جماعة من المأمون واختصوا بالنقل والترجمة منهم الحجاج بن مطر الشهير وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وممن كانت لهم منزلة الرفيعة يعقوب ابن اسحق الكندي فيلسوف العرب خدم المأمون والمعتصم وابنه احمد ينتهي نسبه إلى الأشعث بن قيس من أصحاب النبي ﷺ وله مصنفات جليلة ورسائل كثيرة في جميع العلوم منها الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد ورسالة في انه لا تنال
стр. 6140
الفلسفة إلا بعلم الرياضيات وله كتاب في الحث على تعلم الفلسفة وكتاب في أن أفعال البارئ كلها عدل لا يجوز فيها ورسالة الاحتراس من خدع السوفسطائية ورسالة في نقص مسائل الملحدين وتزييف أقوالهم ورسالة في صحة النبوات وإنها ممكنة عقلاً وممن علت منزلته عند المأمون في الترجمة سهل بن سابور ابنه وأيضاً حنين ابن اسحق العبادي شيخ المترجمين وهو من نصارى الحيرة ولد سنة ١٩٤هـ - وكان أبوه صيرفياً وانتقل في حداثة سنه إلى البصرة فتلقى فيها العربية ثم انتقل إلى بغداد ليشتغل بصناعة الطب فلقى في ذلك مشقة لا الأطباء خصوصاً أهل جند يسابور كانوا يكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء التجار وكان أعمر مجالس الطب يومئذ يوحنا بن ماسويه احد بلغاء مارستان جندريسابور فجعل حنين يحضر هذا المجلس ويلازم ماسويه فاتفق له أن سأله مرة مسألة مما كان يقرأه عليه فغضب يوحنا وقال: ما لأهل الحيرة وصناعة الطب فاذهب إلى فلان قرابتك حتى يهب لك خمسين درهماً تشتري بها قفافاً صغاراً بدرهم وزرنيخاً بثلاثة دراهم واشتري بالباقي فلوساً كوفية وفارسية وزرنخ القادسية في تلك القفاف واقعد على الطريق وصح الفلوس الجياد للصدقة والنفقة وبع الفلوس فإنه أعود عليك من هذه الصناعة ثم أمره أن يخرج من داره. فخرج حنين باكياً حزين القلب كئيباً وقد بعثه ذلك على زيادة النشاط للسعي في تعلم الطب بلغته الأصلية فغاب هذا المسكين عن بغداد سنتين ثم عاد وقد تعلم اليونانية وآدابها في الإسكندرية وحفظ أشعار هوميروس فأصبح اعلم أهل زمانه بالسريانية واليونانية والفارسية فضلاً عن العربية وأضحى أطباء بغداد بحاجة إلى لنقل الكتب حتى أن يوحنا بن مأسويه نفسه قد استخدمه لنقل الكتب جالينوس إلى السريانية وبعضها إلى العربية واحتذى فيهما حذو الاسكندريين وترجم أيضاً لجبريل بن يختيشوع كتاب التشريح لجالينوس وكان جبريل يخاطبه بالتبجيل والتعظيم فيقول له: يا معلمنا حنين.
ولما أراد المأمون نقل فلسفة اليونان إلى العربية سأل عمن يستطيع ذلك فأرشدوه إلى حنين لأنه لم يكن ثمة من يضاهيه وهو لا يزال شاباً فوسد المأمون هذا الأمر إلى جماعة من المترجمين وهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلك صاحب بيت الحكمة وغيرهم ورأس عليهم حنيناً المذكور يهذب كل ما يترجمونه وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله إلى العربية مثلاً بمثل فكان من دهاء حنين يكتب الترجمة بحروف غليظة على ورق
стр. 6141
غليظ واسطر متفرقة وذلك لتعظيم حجم الكتاب وتكثر وزنه وذكر بعضهم أن حنيناً ذهب بإيعاز المأمون بطلب الكتب في بلاد الروم.
كان لحنين ولدان داود واسحق صنف لهما كتباً كثيرة من مؤلفات جالينوس فافلح اسحق وتميز واشتغل بالترجمة مثل أبيه من اليونانية إلى العربية وترجم أيضاً بعض كتب الحكمة مثل كتاب ارسواطاليس وغيره من الحكماء وممن تقرب إلى المأمون جيش من الحسن الأعسم الدمشقي احد تلاميذ حنين والناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي وممن برع بالترجمة واشتهر قسطا بن لوقا البعلبكي وهو من نصارى الشام وكان طيباً حاذقاً وفيلسوفاً نبيلاً رحل إلى بلاد الروم في طلب العلم وكان عالماً بالسريانية واليونانية والعربية ونقل كتباً كثيرة من اليونانية إلى العربية وكان جيد النقل أصلح نقولاً كثيرة وألف رسائل عديدة وتأليف جليلة تزيد على مائة كتاب قال أبو الفرج الملطي لو قلت حقاً لقلت انه أفضل من صنف كتاباً بما احتوى عليه من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للألفاظ وجمع المعاني وتوفي بارمينيه عند بعض ملوكها ومن المترجمين موسى بن خالد ويعرف بالترجمان نقل كتباً كثيرة من الستة عشر لجالينوس وهو دون حنين ومنهم أبو عثمان الدمشقي كان من النقلة المحيدين ومنهم أبو بشر متّى بن يونس من أهالي دير قنى وممن اشتهر بالنقل من اللغة الهندية منكه الهندي كان مع اسحق بن سليمان لن علي الهاشمي وابن دهن الهندي كان عالماً بالهندية والعربية وانتهت إليه رئاسة مارستان البرامكة.
وممن عانى صناعة الترجمة يوحنا القس وأبو سهل الفضل بن نوبخت وله نقل من الفارسي ومنهم ابن الخمار من السرياني إلى العربي ومن نقله كتاب الآثار العلوية ومقالة في الأخلاق ومنهم ماسرجيس وكان من الأطباء ونقل من السرياني إلى العربي ومنهم هوينان الطبيب النسطوري ترجم كتباً لأرسطو وأفلاطون وهيبوكرات وغاليان.
وممن مارس النقل الحسن بن البهلول الأواني الطبرهاني وأبو البشر متى والتفليسي ومرلاحي ودار يشوع وإبراهيم بن بكس وأيوب بن قاسم الرقي وأبو الريحان البيروني وابن وحشية وسعيد الفيومي وشهدي الكرخي وابن شهدي وابن جلجل وأبو عبد الله الصقلي وحبيب بن بهريز مطران الموصل وممن نقل عن السريانية كثيراً أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار ويحيى بن عدي اليعقوبي ونقل من اليونانية نظيف
стр. 6142
القس الرومي.
وكان عبد المسيح بن عبد الله الناعمي الحمصي المعروف بابن ناعمة متوسط النقل وهو إلى الجودة وفي درجته زوربا بن ما نحوه (مانجوه) الناعمي الحمصي وكان هلال بن أبي هلال الحمصي صحيح النقل ولفظه مبتذل وكذلك كان فتيون الترجمان يلحن ولا علم له بالعربية وكان أبو النصر بن أيوب قليل النقل لا يعتد بما نقل ويفوقه بسيل المطران وكان إلى الجودة اقرب ومن المتوسطين في نقلهم اسطاث وحيرون بن رابطة وإبراهيم ابن الصلت وثابت الناقل ويوسف الناقل ومنصور بن باناس وعبد يشوع بن بهريز وابراهيم بن بكس.
هؤلاء التراجمة الذين عرفناهم في الإسلام وأكثرهم كانوا يرتزقون من نقلهم ويعملون مدفوعين بتنشيط الملوك والأمراء والحريصين على خدمة العلم إلا يعقوب بن اسحق الكندي فيلسوف العرب واحد أبناء ملوكها فإنه كان ينقل لنفسه ولم يرتزق بما يكتسب.
وعلى الجملة فإن العباسيين عنوا بنقل الكتب وصرفوا الأموال الطائلة في هذا السبيل الشريف وقد شيدوا مدرسة لتربية المترجمين سموها مدرسة الألسن لا يدخلها إلا من أراد أن يختص بالنقل والترجمة وكانت تحت نظارة طبيب نسطوري.
هذا ملخص تاريخ الترجمة في زمن الأمويين والعباسيين ولا سيما المنصور الرشيد والمأمون ولولا اهتمامهم بنقل العلوم لما نهضت اللغة العربية في ذلك الزمن واستجر العمران وأضحت مدنية العرب من أرقى المدنيات يحق لكل عربي أن يفاخر بها ولكن ذكرى السلف لا تجد بنا نفعاً إذا لم نسلك طريقهم وننسج على منوالهم فنرفع أعلام العلم ونتربى على أدب النفس والدرس ولا بأس من ذكر ما قاله المؤرخ الشهير سيديو عن التمدن العربي إذ بذلك نذكر الذين يغمطون من قدر العرب ولا يعترفون لهم بمدنية علمية أخلاقية وهو قول من لم يفقه كلمة واحدة من التاريخ الإسلامي قال: أن التمدن العربي قد تمكنت أصوله في آفاق الدنيا أقوى تمكن ولا تزال إلى الآن نرى آثاره حين نبحث عن أصل مبادئ ما نحن عليه من المعلومات الأوربية فان العرب في غاية القرن الثامن بعد الميلاد فقدوا الحمية الحربية وشغفوا باقتناء المعارف حتى أخذت عما قليل مدائن قرطبة وطليلة والقاهرة وفارس ومراكش والرقة وأصفهان وسمرقند تفاخر بغداد بنيل العلوم
стр. 6143
والمعارف وقريء ما ترجم للعربية من كتب اليونانية في المدارس الإسلامية وبذل العرب همتهم في الاشتغال بجميع ما ابتكره الإفهام البشرية من المعلومات والفنون وشهروا في غالب البلاد خصوصاً بلاد النصرانية من أوربا بابتكارات تدل على أنهم امتنا في المعارف ولنا شاهد اصدق على علو شأنهم الذي تجهله الإفرنج من أزمان مديدة الأول ما أوثر من تواريخ القرون المتوسطة وأخبار الرحل والإشعار ومعاجم ما اشتهر من الأمكنة والرجال والمجاميع الشاملة لكثر من الفنون الفاخرة والثاني ما كان لديهم من الصناعات الفائقة والاكتشافات المهمة في الفنون وما وسعوا دائرته من علوم الطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء الصحيحة والفلاحة والعلوم التي مارسوها بغاية النشاط في القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر من الميلاد.
وقال أيضاً وقد حفظت العرب مؤلفات اليونان واستعدت لتجديد المعارف في أوربا فكانوا رابطة بين هذين الزمنين وبذا يثبت فضل العرب على الإفرنج الذي حاول بعضهم خفض فضائل العرب الواضحة كالشمس في رابعة النهار ويعلم أن لا موقع لافتخار المتأخرين من أهل أوربا بتصورات أكثرها للعرب وسبق لك ما كان لعلماء المدرسة البغدادية من الحكم النافذ في الغرب والشرق.
وبعد فإن الباحث في نهوض الأمم يرى أن مبدأ الارتقاء لا يكون إلا بنقل الكتب العلمية ولولا اهتمام محمد علي باشا بإرسال البعثات العلمية إلى بلاد الغرب واعتنائه بترجمة كثير من كتب العلم إلى العربية لما رأينا في مصر تلك النهضة التي تنير العالم العربي اجمع ولقد رأينا أن الأمويين والعباسيين لم يستطيعوا تشييد مدينة عظيمة إلا باعتمادهم على نقل الكتب والعلوم التي لم تكن معهودة لديهم كما أن الغربيين لما ضاقت صدورهم من الجهل المخيم على بلادهم وأرادوا أن يكونوا مدينة علمية بدأو أولاً بالترجمة وقد انبرى كثير من رجالهم ونقلوا كثيراً من الكتب العربية إلى لغتهم فإن جيراردي كريمونا كان مؤلفاً ينقل تأليف العرب في فنون الحكمة وقد أتقن العربية فعرب إلى اللاتينية ما يربو على ستين مؤلفاً جليلاً لمشاهير العلماء كالرازي وابن سينا في الرياضيات والهيئة والطب. وممن تصدى للنقل ميشال سكوت الذي انكب في طليطلة على إتقان العربية ولما رسخت ملكته شرع بالترجمة ونقل عدداً وافراً من أكثر العلوم ومنهم روجار باركول الذي كان نسيج
стр. 6144
وحده في العلوم الفلسفية والطبيعية فإنه افرغ جهده في نشر الدروس الشرقية وعلى الأخص الدروس العربية ثم استجرت تلك النهضة فعمت أكثر أقطار أوربا وتوفر عدد الدارسين للغات الشرقية وحفلت المكاتب بآثار العرب لا سيما خزائن كتب باريس ومجريط وليدن وأكسفورد ولندن ونشرت تأليف عربية لأعظم علماء العرب وأدبائهم وقد أنشأت فرنسا سنة ١٧٩٥ مدرسة لتعليم اللغات الشرقية الحية ومما زاد الفرنسيس نهوضاً في الآداب الشرقية أن نابليون لما دخل مصر سنة ١٧٩٨ كان بصحبته كثير من العلماء فانتهزوا تلك الفرصة وتعلموا اللغة العربية من المصريين ولما عادوا إلى فرنسا نشروا تلك اللغة في بلادهم وصار هم كثير من العلماء البحث والتنقيب عن كتب العرب.
والخلاصة فإن شعور الأمة بنقل الكتب العلمية إلى لغتها دليل على نهضة وخير عظيم وان تلك الكتب تنشىء رجالاً عظاماً يحدثون انقلاباً كبيراً في الأفكار. واللغة ميزان الأمة ولا نهضة إلا بنهضة اللغة ولا يكتب لها النهوض أن لم تكن لغة العلوم المادية والمعنوية فأين علماؤنا الذين يغارون على تلك اللغة الشريفة. ويؤلفوا جمعية للنقل والترجمة فعلى العلماء أكثر من غيرهم تنوء التبعة والسلام على العاملين المخلصين.
دمشق:
عبد الفتاح السكري الركابي.
стр. 6145
فنلندا وعوامل ارتقائها
فنلندا هي دوجيه كبرى من بلاد روسيا في أوربا بين الحدود النروجية من الشمال وفي الشمال الشرقي ولايات بطرسبرج واولونزا واركانجل الروسية وفي غربها بحر البلطيق مساحتها السطحية ٣٧٧٨٥٠ كيلو متراً وسكانها ٢٦٠٠٠٠٠ نسمة جاء في مجلة الحياة الباريزية أن قد كانت السويد (اسوج) مدة ستة قرون ونصف هي الحاكمة المتحكمة في الشعب الفنلاندي والقابضة على زمام تربيته التاريخية ونشر الاسوجيون بين الفنلنديين الدين المسيحي وحملوا إليهم المدنية الأوربية. ولقد اتحدت القبائل الفنلاندية على عهد الاسوجيين وألفوا امة آخذين القوانين والأوضاع الاجتماعية التي كانت للاسوجين الذين كانوا تحضروا قبل ذلك وأنشأوا مملكة ومزجوا ذلك بهم ومن حسن حظ الشعب الفنلاندي أن هذه الأوضاع التي نقلت من الخارج قد قامت كلها على حرية الفلاح وان حكومة الإقطاعات التي كانت قد انتشرت في شمال بلاد أوربا لم يكن لها تأثير في اسوج ذلك لأن الشعب الفنلاندي وان كان غلب على أمره بالسلاح قد توصل إلى أن يقبل نفس الحقوق السياسية التي كان يستمتع بها الاسوجيون ومنذ ذلك العهد سار الشعبان في رحلتهما التاريخية يتقاسمان البؤس والنعماء. ولئن كان المجد في الغالب من حظ الاسوجيين والألم من نصيب الفنلانديين فإن هؤلاء وجدوا في هذه السياسة منافع لهم لم يكونوا لينالوها بهذه الكثرة وفي مثل هذا الوقت القصير لو ظلوا على انفرادهم بيد أن هذا الشعب الفنلاندي الذي ظهر في ميدان التاريخ متأخراً قد بلغ بالتدريج مستوى بقية الشعوب المتمدنة فدب فيه دبيب الاستقلال وهو يرقى في سلم الاجتماع في الوقت الذي تنبه فيه فكر الوطنية وطلب حالة سياسية مستقلة وبذلك تهيأ الوقت للاستقلال عن أسواج إذ كان ذلك نتيجة لازمة للارتقاء الطبيعي الذي حازته فنلندا ولكن هذا الانفصال لم يكن نتيجة منافسة عدائية بل أن الرابطة الأخوية القديمة بين الشعبين قد انحلت فجأة بتقدير العزيز العليم تاركة وراءها تذكارات تظل عزيزة مقدسة عند الشعب الفنلندي.
كان الشعب الروسي أداة هذا الانفصال وبلغ الارتقاء العقلي في الفنلنديين في ذاك العصر إلى مستواه في المدينة الأوربية بحيث لم يلبثوا قليلاً حتى غدوا ولهم المقام المحمود بين أمم الشمال فقد استولت روسيا على فنلندا ثلاث مرات مدة قرن من الزمن وما برح فكر الوطنية في الشعب الفنلاندي يتطلب مستعدون كل ساعة للمفاداة بحياتهم وسعادتهم لإحراز
стр. 6146
مجد أوطانهم.
وكان نشأ لروسيا الإمبراطور اسكندر الأول نشأة حرة وتخرج بالسويسري قيصر لإرهاب فجاء منه عاقل يحب الحرية حتى إذا تولى قيادة الإمبراطورية الروسية أراد أن يعطي دستوراً حراً لامته ولكنه رآها منحطة لا تنهض به فارتأى أن يجرب هذا القانون في فنلندا التي كانت خاضعة له وأصبحت دوجيه فنلندا الكبرى مثالاً حسناً للإمبراطورية الروسية ثم منحت استقلالها الإداري وتبين للقيصر أن وجود فنلندا حاجزاً حول عاصمة الروس أقوى من وقوف بعض الولايات المحتلة بقوة السلاح.
هذا بالإجمال حال فنلندا السياسي أما حالها الأدبي الذي أدى بها إلى هذا الارتقاء الذي اضطر معه مثل القيصر اسكندر الأول أن يمنحها دستوراً مستقلاً لتكون لامته نموذجاً في الحرية التي نالها مؤخراً مع بعض القيود فقد رأى المفكرون من أبنائها في أوائل القرن الماضي أن يعنوا بتحرير لغتهم لأنهم لا يحبون أن يكونوا سوجيين واللغة الاسوجية كانت مستحكمة فيهم ولاروسين فلم يبقى أمامهم إلا أن يبقوا فنلانديين وهذا يكون بنشر لسانهم فشرعوا في درس المسائل التاريخية والفنلاندية واللسان الفنلاندي والشعر العامي. وكثيراً ما يحدث في حياة الأمم أن تكون الكوارث العظمى هي التي ينتبه بعدها شعورها وتبدأ تتماسك وتجمع قواها وتنشط من عقالها حائرة إلى عالم جديد متبعة طريقاً مهيعاً فقد كانت فنلندا لأول ذاك العهد في حالة من الإبهام والشك حتى إذا نقلت مدرستها الجامعة إلى مدينة هلسنفور عاصمتها الجديدة هبت من أرجائها حياة عقلية لم تكن تعهد وكانت اللغة السويدية هي لغة المدنية في فنلندا وقد كتب شاعر فنلندا بل احد عظماء شعراء أوربا واسمه رونبرغ أشعاره باللغة السويدية لا بالفنلاندية وكان القانون الأساسي الذي منحته فنلندا بفضل الإمبراطور اسكندر الأول قد عاد في عهد الإمبراطور نقولا الأول تتزعزع أركانه فلم ير عقلاء الفنلانديين إلا أن يدعوا مجموع الشعب إلى مستقبل عام وهذا لا يتم إلا إذا أخذت الطبقة الدنيا من الشعب بحظ من المعارف بيد أن هذه المهمة ظهرت متعذرة وذلك لان اللسان القسم الأعظم من الشعب كان عبارة عن لهجة جافة بربرية لا تستطيع أن تؤدي الأفكار الدقيقة وما كان يخطر بالبال أن اللسان الفنلاندي يصبح أداة للمدنية العالمية لولا أن قام احد علمائهم وجمع الأغاني العامية والشعر القصصي وكثر المنشئون والأساتذة بهذه
стр. 6147
اللغة الفنلندية وأراد بعض ساستهم أن يطرح اللغة الاسوجية بتاتاً وفاته أن جزءاً مهماً من الأمة الفنلاندية يتكلم بالسويدية وله الحق أن يربي أولاده بهذه اللغة فكان من ذلك أن البلاد التي تكون أكثريتها من الاسوجين لا يرخص مجلسها بإعطاء إعانات للمدارس العليا التي تكون لغتها فنلاندية فأخذ الفنلانديون يكتسبون بما يقتضي لذلك من المال وبهذه الطريقة أيضاً أنشى معهد للتمثيل فنلاندي وكثر الشعراء في الشعر الغنائي والأناشيد والقصصيون وكتاب الحقائق وكثر طلاب المدارس الابتدائية بحيث لا تجد اليوم في فنلندا أمياً وحيثما انقلبت من البلاد ترى على شواطئ البحيرات الدارسون ما تلقنوه من الدروس الابتدائية يتعلم فيها الذكور والإناث معاً والجنسان لا ينفصلان احدهما عن الآخر في جميع مدارس فنلندا فيتعلمون في تلك الكليات تعليماً آخر ويحضرون دروساً في التاريخ والآداب الوطنية والحساب والبستنة والاقتصاد.
وهذه المدارس تقوم بإعانات المحسنين من القوم وأحياناً بإنفاق فرد واحد إنها تنشئها جمعيات الشبان الذين يجتمعون فيها لسماع المحاضرات وإنشاد الأغاني والبحث في المسائل الاجتماعية والمران على الأعمال.
وعلى هذه الصورة ينتشر نور للعلم في البلاد حتى أن الفلاح الفنلاندي قد بلغ به من حب التعلم أن اخذ يبتاع كتب العلم الراقي مثل دائرة المعارف الفلانجية التي أخذت تنتشر حديثاً فكان الإقبال عليها عظيماً من جميع الطبقات حتى لقد أباع طابعها منها لأول أيام الظهور أجزائها الأولى نحو عشرين ألف نسخة هذا وهي تكلف مائتي فرنك كلها فكان يبتاعها حتى سكان الأكواخ الذين ليس لهم ما يسد عوزهم من القوت والشراب وترجموا إلى لسانهم أحسن روايات شكسبير وموليير ودانتي وراسين وفلوبر واناتول فرانس وماترلنك وفرلين.
وقد زالت الاختلافات بين العنصرين الاسوجي والفنلندي إلى منافسة سليمة لأنهم رأوا أن إيغار الصدور لا ينير شيئاً وهم يريدون أن يقفوا في سبيل عدوهم لا أن ينشقوا على أنفسهم ويطعموا بهم خصوصهم وجيرانهم فأصبحوا بفضل المدنية الحديثة كلهم امة واحدة لها نزعة سياسية واحدة وان كانوا مختلفين في عنصرهم ولسانهم وكانت آداب ذينك العنصرين متأثرة بالمحيط متشابهة كل التشابه حتى لتجد الاختلاف بيناً بين الآداب الاسوجية المكتوبة في فنلندا والآداب الاسوجية الصادر من اسوج لان آداب كل امة تبعت
стр. 6148
بيئتها ومحيطها وسياسة بلادها بمعنى أن السويد في الفنلاندي أصبح كالسويسري الألماني والفرنساوي أو الايطالي سويسرا قبل كل شيء لا يريد أن يكون ألمانيا وان كانت لغته ألمانية ولا فرنسوياً وان كان لسانه الافرنسية ولا ايطالياً وان كانت لغته الايطالية وهكذا ترى الاسوجيين والفنلانديين في دوجيه فنلندا متخالفين بعنصريهما ولسانيهما ولكنهما متوافقان بمبداهما السياسي شأن بلجيكا وسويسرا مما يستدل منه بأن في الإمكان إنشاء مملكة قوية بلسانين رئيسين وتاريخين مختلفين.
стр. 6149
معجم البلدان
تكلمنا في الجزئيين الماضيين ما ساعدنا نفس الكلام على معجم ياقوت واقتبسنا من فرائد فوائده ما اتسع له المقام وما هذا المعجم في الحقيقة إلا منجم واسع فه صنوف المعادن الثمينة يتكلم عن علل البلدان والسكان والإنسان علة فساد الأرض وصلاحها قال في دنيسر بضم أوله بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة فرب ماردين بينهما فرسخان ولها اسم آخر يقال له فوج حصار رأيتها وأنا صبي وقد صارت قرية ثم رأيتها بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة وصارت مصراً لا نظيراً لها كبراً وكثرة أهل وعظم أسواق وهذا من العجائب الذي لا مثيل لها ويشبهه حال مدينة شيكاغو في غربي الولايات المتحدة الأميركية فإنها كانت منذ خمسين سنة قرية وها هي من أعظم عواصم العالم وأضخمها عمراناً ولكن سنة الشرق غير سنة الغرب إلا ترى إلى ما وراء ياقوت في أصبهان قال أن قد فشا الخراب لعهده وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها لا يأخذهم في ذلك إلى ولا ذمة ومع ذلك فقل أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فأسدها وكذلك الأمر في رسانيقها وقراها التي كل واحدة منها كالمدينة.
ومثل ذلك ما وراء في اغمات قال: وأهلها فرقتان يقال لأحدهما الموسوية من أصحاب ابن ورصند والغالب عليهم جفاء الطبع وعدم الرقة والفرقة الأخرى مالكية حشوية وبينهما القتال الدائم وكل فرقة تصلي في الجامع منفردة بعد صلاة الأخرى كذا ذكر ابن حوقل التاجر الموصلي في كتابه وكان شاهدها قديماً بعد الثلاثمائة من الهجرة ولا ادري في الدين ثم عبد المؤمن وبنوه ولهم ناموس يلتزمونه وسياسة يقيمونها لا يلبث معها مثل هذه الأخلاط.
وقال في مادة البري: كان أهل المدينة ثلاث طوائف شافعية وهم الأقل وحنفية وهم الأكثر وشيعية وهم السواد الأعظم لان أهل البلد كان نصفهم شيعة وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفيين ولم يكن فيهم من الشافعية احد فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظافر عليهم الحنفية والشافعية وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها هذا مع قلة عدد الشافعية إلا أن الله نصرهم عليهم وكان أهل
стр. 6150
الرستاق وهم حنفية يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم فلم يغنهم ذلك شيئاً حتى أفنوهم فهذا المحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية وهي اصغر محال الري ولم يبق من الشيعة والحنفية إلا من يخفي مذهبه ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض ودروبهم التي يسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة وصعوبة المسلك فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات ولولا ذلك لما بقي فيها احد.
ومثل ذلك مدينة ساوة بين الري وهمذان قال وبقربها مدينة يقال لها آوه فساوة سنية شافعية واوه أهلها شيعة أمامية وبينهما نحو فرسخين ولا يزال يقع بينهما عصبية وما زالتا معمورتين إلى سنة ٦١٧ فجاءها التتر وخربوها وقتلوا كل من كان فيها ولم يتركوا أحداً البتة وكان بها دار كتب لم يكن في الدنيا أعظم منها بلغني أنهم احرقوها.
وهكذا ذكر بالمناسبة ما أحدثه التعصب الديني في خراب البلدان فقد ذكر في أبي محمد هياج بن محمد الحطيني الزاهد انه استشهد بمكة في وقعة وقعت بين أهل السنة والرافضة فحمله أميرها محمد بن أبي هاشم فضربه ضرباً شديداً على كبر السن ثم حمل إلى منزله فعاش بعد الضرب أياماً ثم مات في سنة ٤٧٢ قلنا والفتن الدينية لم تكد تخلو منها جهة من جهات بلاد الإسلام بضع سنين فقد ذكر المؤرخون في حوادث سنة خمس وسبعين وأربعمائة انه كانت فيها أيضاً فتنة ببغداد بين الشافعية والحنفية وكل هذه الفتن كانت تسيل فيها الدماء إلى الأباطح وما سببها إلا ضعف العمال وانتفاعهم سراً من الاختلاف بين أهل البلد الواحد فهم يفرحون بكل ما يقع إذ كان ينتج لهم بسط سلطاتهم بإشغال الناس عن النظر في أمورهم وكان استبعاد الملوك للرعايا يختلف باختلاف رقي البلد والقطر فقد روى ياقوت في مادة زغاوة وهم جيل من السودان يعظمون لملكهم ويعبدونه من دون الله تعالى ويتوهمون انه لا يأكل الطعام ولطعامه قومه عليه سراً يدخلونه إلى بيوته لا يعلم من أين يجيئون به فإن اتفق لأحد من الرعية أن يلقى الابل التي عليها زاده قتل لوقته في موضعه وهو يشرب الشراب بحضرة خاصة أصحابة وشرابه يعمل من الذرة مقوى بالعسل وزيه ليس سراويلات من صوف رقيق والاتشاح عليها بالثياب الرفيعة من الصوف الاسماط والخز السومي والديباج الرفيع ويده مطلقة في رعاياه ويسترق من شاء
стр. 6151
منهم امواله المواشي من الغنم والبقر والجمال والخيل وزرع بلدهم أكثرها الذرة واللوبياء ثم القمح وأكثر رعاياه عراة مؤتزرون بالجلود ومعايشهم من الزرع واقتناء المواشي وديانتهم عبادة ملوكهم يعتقدون أنهم الذين يحيون ويميتون ويمرضون ويصحون.
ومن المسائل التي حققها ياقوت ما قاله في وصف الرقيم الذي جاء ذكره في القران وان فيه أصحاب الكهف أن هذا الكهف بين عمورية ونيقية وبينه وبين طرطوس عشرة أيام أو احد عشر يوماً وكان الواثق قد وجه محمد بن موسى المنجم إلى بلاد الروم (الأناضول) للنظر إلى أصحاب الكهف والرقيم قال فوصلنا إلى بلد الروم فإذا هو جبل صغير قدر أسفله اقل من ألف ذراع وله سرب من وجه الأرض فتدخل السرب فتمر في خسف من الأرض مقدار ثلاثمائة خطوة فيخرجك إلى رواق في الجبل على أساطين منقورة فيه عدة أبيات منها بيت مرتفع القبة مقدار قامة عليها باب حجارة فيه الموتى ورجل موكل بهم يحفظهم معه خصبان وإذا هو يحيدنا عن أن نراهم ونفتشهم ويزعم انه لا يأمن من أن يصيب من التمس ذلك آفة في بدنه يريد التمويه ليدوم كسبه فقلت دعني انظر إليهم وأنت بريء فصعدت بمشقة عظيمة غليظة مع غلام من غلماني فنظرت إليهم وإذا هم في مسوح شعر تتفتت في اليد وإذا أجسادهم مطلية بالصبر والكافور ليحفظها وإذا جلودهم لاصقة بعظامهم غير أني أمررت يدي على صدر احدهم فوجدت خشونة شعره وقوة ثيابه ثم أحضرناه ليتوكل بهم طعاماً وسألنا أن نأكل كل منه فلما أخذناه منه ذقناه وقد أنكرت أنفسنا وتهوعنا وكأن الخبيث أراد قتلنا أو قتل بعضنا ليصبح له ما كان يموه به عند الملك انه فعل بنا هذا الفعل أصحاب الرقيم فقلنا له أنا ظننا أنهم أحياء يشبهون الموتى وليس هؤلاء كذلك فتركناه وانصرفنا.
ومن العجائب التي نقلها في قومسين أي كرمان شاء أن فيها الدكان الذي اجتمع عليه ملوك الأرض منهم فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم عند كسرى أبرويز وهو دكان مربع مائة ذراع في مثلها من حجارة مهندمة مسمرة بمسامير من حديد لا يبين فيها ما بين الحجرين فلا يشك من رآه انه قطعة واحدة.
ومما ذكرناه في كرخ بغداد ولما ابتنى المنصور مدينة بغداد أمر أن تجعل الأسواق في طاقات المدينة إزاء كل باب سوق فلم يزل على ذلك مدة حتى قدم عليه بطريق من بطارقة
стр. 6152
الروم رسولاً من عند الملك فأمر الربيع أن يطوف به في المدينة حتى ينظر إليها ويتأملها ويرى سورها وأبوابها وما حولها من العمارة ويصعده السور حتى يمشي من أوله إلى آخره ويريه قباب الأبواب والطاقات وجميع ذلك ففعل الربيع ما أمره به فلما رجع إلى المنصور قال له: كيف رأيت مدينتي قال: رأيت بناء حسناً ومدينة حصينة إلا أن أعداءك فيها معك قال: من هم قال: رأيت السوقة يوافي الجاسوس من جميع الأطراف فيدخل الجاسوس بعلة التجارة والتجار هم برد الآفاق فيتجسس الأخبار ويعرف ما يريد ويتصرف من غير أن يعلم به احد فسكت المنصور فلما انصرفت البطريق أمر بإخراج السوقة من المدينة وتقدم إلى إبراهيم بن حبيش الكوفي وخراس بن المسيب اليماني بذلك وأمرهما أن بيينا ما بين الصراة ونهر عيسى سوقاً وان يجعلاها صفوفاً ورتب كل صنف في موضعه وقال اجعلا سوق القصابين في آخر الأسواق فإنهم سفهاء وفي أيديهم الحديد القاطع. . .
ولياقوت اقتدار عظيم في وصف أخلاق الشعوب وعاداتهم خصوصاً ما يحققه بنفسه مثل كلامه على أهل مرباط فرضة مدينة ظفار قال: وأهلها عرب وزيهم وفي العرب القديم وفيهم صلاح مع شراسة في خلقهم وزعارة وتعصب وفيهم قلة غيرة كأنهم اكتسبوها بالعادة وذلك انه في كل ليلة تخرج نساؤهم إلى ظاهر مدينتهم ويسامرون الرجال الذين لا حرمة بينهم ويلاعبهم ويجالسهم إلى أن يذهب أكثر الليل فيجوز الرجل على زوجته وأخته وأمه وعمته وإذا هي تلاعب آخر وتماشيه فيعرض عنها ويمضي على امرأة غيره فيجالسها كما فعل بزوجته وقد اجتمعت بكيش بجماعة كثيرة منهم رجل عاقل أديب يحفظ شيئاً كثيراً وأنشدني إشعاراً وكتبتها عنه فلما طال الحديث بيني وبينه قلت له: بلغني عنكم شيء أنكرته ولا اعرف صحته فبدرني وقال: لعلك تعني السمر قلت ما أردت غيره فقال: الذي بلغك من ذلك صحيح وبالله اقسم انه لقبيح ولكن عليه نشأنا وله مذ خلقنا ألفنا ولو استطعنا أن نزيله لا زلناه ولو قدرنا لغيرناه ولكن لا سبيل إلى ذلك مع ممر السنين عليه واستمرار العادة به.
ومن ذلك ما ذكره في أمانة أهل قزدار من نواحي الهند: وفي كتاب أبي علي التنوخي حدثني أبو الحسن علي بن لطيف المتكلم على مذهب أبي هاشم قال: كنت مجتازاً بناحية قزدار مما يلي سجستان ومكران وكان يسكنها الخليفة من الخوارج وهي بلدهم ودارهم
стр. 6153
فانتهيت إلى قربة لهم وأنا عليل فرأيت قراح بطيخ فابتعدت واحدة فأكلتها فحممت في الحال ونمت بقية يومي وليلتي في قراح البطيخ ما عرض لي احد بسوء وكنت قبل ذلك دخلت القرية فرأيت خياطاً شيخاً في مسجد فسلمت إليه رزمة ثيابي وقلت: تحفظها لي فقال: دعها في المحراب فتركتها ومضيت إلى القراح فلما أتيت من الغد عدت إلى المسجد فوجدته مفتوحاً ولم أر الخياط ووجدت الرزمة بشدها في المحراب فقلت: ما اجهل هذا الخياط ترك ثيابي وحدها وخرج ولم اشك في انه حملها بالليل إلى بيته وردها من الغد إلى المسجد فجلست افتحها واخرج شيئاً منها فإذا أنا بالخياط فقلت له: كيف خلفت ثيابي فقال: أفقدت منها شيئاً قلت: لا قال: فما سؤالك قلت: أحببت أن اعلم فقال: تركتها البارحة في موضعها ومضيت إلى بيتي فأقبلت أخاصمه وهو يضحك ثم قال: انتم قد تعودتم أخلاق الأراذل نشأتم في بلاد الكفر التي فيها السرقة والخيانة وهذا لا نعرفه ههنا لو بقيت ثيابك مكانها إلى أن تبلى ما أخذها غيرك ولو مضيت إلى المشرق والمغرب ثم عدت لوجدتها مكانها فانا لا نعرف لصاً ولا فساداً ولا شيئاً مما عندكم ولكن ربما لحقنا في السنين الكثيرة شيء من هذا فنعلم انه من جهة غريب قد اجتاز بنا فنركب وراء فلا يفوتنا فندركه ونقتله أما نتأول عليه بكفره وسعيه في الأرض بالفساد فنقتله أو تقطعه كما نقطع السراق عندنا من المرفق فلا نرى شيئاً من هذا قال: وسألت عن سيرة أهل البلد بعد ذلك فإذا الأمر على ما ذكره فإذا هم لا يغلقون أبوابهم بالليل وليس لأكثرهم أبواب وإنما شيء يرد الوحوش والكلاب.
وذكر في باشغرد قال كان المقتدر بالله قد أرسل احمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد مولى أمير المؤمنين ثم مولى محمد بن سليمان إلى ملك الصقالبة وكان قد اسلم هو وأهل بلاده ليفيض عليهم الخلع ويعلمهم الشرائع الإسلامية فحكى جميع ما شاهده منذ خرج من بغداد إلى أن عاد وكان انفصاله في صفر سنة ٣٠٩. وهنا روى عبارة ابن فضلان في الباشغراد أو الباشقرد فقال أنهم قوم من الأتراك من اشد الناس انداماً على القتل وهم يحلقون لحاهم وذكر من عاداتهم كل غريب فبعد أن أورد ياقوت كل هذا على علاته قال: أما أنا فأني وجدت بمدينة حلب طائفة كبيرة يقال لهم الباشغردية شقر الشعور والوجود عن بلادهم وحالهم فقال أما بلادنا فمن وراء القسطنطينية في مملكة امة من الإفرنج يقال لهم
стр. 6154
الهنكر (المجر) وتحن مسلمون رعية لملكهم في طرف بلاده نحو ثلاثين قرية كل واحدة تكاد أن تكون بليدة إلا أن ملك الهنكر لا يمكننا أن نعمل على شيء منها سوراً خوفاً من أن نعصي عيسى ونحن في وسط بلاد النصرانية فشمالينا الصقالبة وقبلينا بلاد البابا يعني رومية والبابا رئيس الإفرنج وهو عندهم نائب المسيح كما هو أمير المؤمنين عند المسلمين ينفذ أمره في جميع ما يتعلق بالدين في جميعهم. قال وفي غريبنا الأندلس وفي شرقينا بلاد الروم قسطنطينية وأعمالها قال ولساننا لسان الإفرنج وزينا زيهم ونخدم معهم في الجندية ونغزو معهم كل طائفة لأنهم لا يقاتلون إلا مخالفي الإسلام.
قال ياقوت: فسألته عن سبب إسلامهم فقال سمعت جماعة من أسلافنا يتحدثون انه قدم إلى بلادنا منذ دهر طويل سبعة نفر من المسلمين من بلاد بلغار وسكنوا بيننا وتلطفوا في تعريفنا وأرشدونا إلى الصواب من دين الإسلام فهدانا الله والحمد الله فأسلمنا جميعاً ونحن نقدم إلى هذه البلاد ونتفقه فإذا رجعنا إلى بلادنا أكرمنا أهلها وولونا أمور دينهم: فسألته لم تحلقون لحاكم كما تفعل الإفرنج فقال يحلقها منا المتجندون ويلبسون لبسة السلاح مثل الإفرنج أما غيرهم فلا. قلت فكم مسافة ما بيننا وبين بلادكم فقال: من ها هنا إلى القسطنطينية نحو شهرين ونصف ومن القسطنطينية إلى بلادنا نحو ذلك وأما الاصطخري فقد ذكر في كتابه من باشجرد إلى بلغار خمس وعشرين مرحلة ومن باشجرد إلى البجناك وهم صنف من الأتراك عشرة أيام.
ووصف بلاد برغر قال: قال علي بن الحسين المسعودي مدينة البرغر على ساحل بحر مانطس وهو بحر متصل بخليج القسطنطينية وارى أنهم في الإقليم السابع وهم نوع من الترك والقوافل متصلة منهم إلى بلاد خوارزم وارض خرسان ومن بلاد خوارزم إليهم إلا أن ذلك بين بوادي غيرهم من الترك قال وملك البرغر في وقتنا هذا وهو سنة ٣٣٢ مسلم اسلم أيام المقتدر بعد العشر والثلمائة لرؤيا رآها وقد كان حج له ولد فورد بغداد وحمل معه المقتدر لواء وسواداً ومالاً ولهم جامع وهذا الملك يغزو القسطنطينية في نحو خمسين ألف فارس فصاعداً ويشن الغارات حولها إلى بلاد رومية والأندلس وارض برجان والجلالقة وافرنجة ومنه إلى القسطنطينية نحو شهرين بين عمائر وغمائر والبرغرامة عظيمة شديدة البأس ينقاد إليها من جاورها من الأمم ولا تمتنع القسطنطينة منهم إلا ياسوار وكذلك ما
стр. 6155
جاورها من البلدان والليل في بلادهم في غاية القصر في الصيف حتى أن احدهم لا يفرغ من طبخه حتى يأتيه الصبح، قلت أنا (ياقوت) هذه الصفة جميعها صفة يلغار وما أظنهما إلا واحداً وأنهما لغتان فيه لسانين وليس فيه ما أنكرته إلا قوله أن البرغر على سواحل بحر مانطس وما أظن بينه وبين ساحل بحر مانطس إلا مسافة بعيدة.
وهكذا ترى ياقوت يذكر عبارة من سلفه في وصف الشعوب والبلدان ثم يشفعها بإخباراته وكثيراً ما ينقل مالا يعتقد صحته كما نقل ما قيل في الصين في اثنتي عشرة صفحة مقدماً عليه قوله: وهذا شيء من أخبار الصين الأقصى ذكرته كما وجدته إلا اضمن صحته فان كان صحيحاً فقد ظفرت بالغرض وان كان كذباً فتعرف ما تقوله الناس فان هذا بلاد شاسعة ما رأينا من مضى إليها فأوغل فيها إنما يقصد التجار أطرافها.
ونقل المؤلف عن الاصطخري في وصف ما وراء النهر قال: ولقد شهدت منزلاً بالصغد قد ضربت الأوتاد على بابه فبلغني أن ذلك الباب لم يغلق منذ زيادة على مائة سنة لا يمنع من نزوله طارق وربما ينزل بالليل بيتاً من غير استعداد المائة والمائتان والأكثر بدوابهم فيجدون من علف دوابهم وطعامهم ورقادهم من غير أن يتكلف صاحب المنزل شيء من ذلك لدوام ذلك منه الغالب على أهل ما وراء النهر صرف مفقاتهم إلى الرباطات وعمارة الطرق والوقوف على سبيل الجهاد ووجوده الخيرات إلا القليل منهم وليس من بلد ولا من منهل ولا مفازة مطروقة ولا قرية أهلة إلا وبها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه. قال وبلغني أن بما وراء النهر زيادة على عشرة ألاف رباط في كثير منها إذا نزل الناس اقيم لهم علف دوابهم وطعام أنفسهم إلى أن يرحلوا وأما بأسهم وشوكتهم فليس في الإسلام ناحية اكبر حظاً في الجهاد منهم وذلك أن جميع حدود ما وراء النهر دار حرب فمن حود خوارزم إلى اسبيجاب فهم الترك الغزية ومن اسبيجاب إلى أقصى فرغانة الترك الخزلخية ثم يطوف بحدود ما وراء النهر من الصغدية وبلد الهند من حد ظهر الختل إلى حد الترك في ظهر فرغانة فهم القاهرون لأهل هذه النواحي وستفيض انه ليس للإسلام دار حرب هم اشد شوكة من الترك يمنعونهم من دار الإسلام وجميع ما وراء النهر ثغر يبلغهم نفير العدو ولقد اخبرني من كان مع نصر بن احمد في غزاة اشر وسنة أنهم كانوا يحزرون ثلثمائة ألف رجل انقطعوا عن عسكرة فضلوا أياماً قبل أن يبلغهم نفير العدو ويتهيأ لهم
стр. 6156
الرجوع وما كان فيهم من غير أهل ما وراء النهر كبير احد يعرفون بأعيانهم. وبلغني أن المعتصم كتب إلى عبد الله ابن طاهر كتاباً يتهدده فيه فأنفذ الكتاب إلى نوح بن أسد فكتب إليه أن بما وراء النهر ثلاثمائة ألف قرية ليس من قرية إلا ويخرج منها كذا فارس وراجل لابنتين على أهلها فقدهم وبلغني أن بالشاش وفرغانة من الاستعداد ما لا يوصف مثله عن ثغر من الثغور حتى أن الرجل الواحد من الرعية عنده ما بين مائة ومائتي دابة وليس بسلطان وهم مع ذلك أحسن الناس طاعة لكبرائهم والطفهم خدمة لعظمائهم حتى دعا ذلك الخلفاء إلى أن استدعوا من ما وراء النهر رجالاً وكانت الأتراك جيوشاً تفضلهم على سائر الأجناس في البأس والجرأة والإقدام وحسن الطاعة فقد الحضرة منهم جماعة صاروا قواداً وحاشية للخلفاء ونقاباً عندهم مثل الفراعنة الأتراك الذين هم شحنة دار الخلافة ثم قوي أمرهم وتوالدوا وتغيرت طاعتهم حتى بلغوا على الخلفاء مثل الافشين وآل أبي الساج وهم من اشروسنة والاخشيند من سمرقند. . قلنا وهذا مبدأ دخول الأتراك في خدمة الخلفاء.
ومثل ذلك ما قاله في وصف خوارزم قال: ذكروا في سبب تسميتها بهذا الاسم أن احد الملوك القدماء غضب على أربعمائة من أهل مملكته وخاصة حاشيته فأمر بنفيهم إلى موضع منقطع عن العمارات بحيث يكون بينهم وبين العمائر مائة فرسخ فلم يجدوا على هذه الصفة إلا موضع مدينة كانت وهي إحدى مدن خوارزم فجاؤوا بهم إلى هذا الموضع وتركوهم وذهبوا فلما كان بعده مرة أخرى جرى ذكرهم على بال الملك فأمر قوماً بكشف خبرهم فجاؤوا فوجدوهم قد بنوا أكواخاً ووجدوهم يصيدون السمك وبه يتقوتون وإذا حولهم حطب كثير فقالوا لهم كيف حالكم فقالوا عندنا هذا اللحم وأشاروا إلى السمك وعندنا هذا الحطب فنحن نشوي هذا بهذا ونتقوت به فرجعوا إلى الملك واخبروه بذلك فسمي ذلك الموضع خوارزم لان اللحمة بلغة الخوارزمية خوار والحطب رزم فصار خوارزم فخفف استشقالاً لتكرير الراء. واقر أولئك الذين نفاهم بذلك المكان واقطعهم إياه وأرسل إليهم أربعمائة جارية تركية وأمدهم بطعام من الحنطة والشعير وأمرهم بالزرع والمقام هناك فلذلك في وجوههم اثر الترك وفي طباعهم أخلاق الترك وفيهم جلد وقوة وأحوجهم إلى مقتضى القضية للصبر على الشفاء فعمروا هناك دوراً وقصوراً وكثروا وتنافسوا في البقاع فبنوا قرى ومدناً وتسامع بهم من يقاربهم من مدن خراسان فجاؤوا وساكنوهم فكثروا وغزوا
стр. 6157
فصارت ولاية حسنة عامرة.
وكنت قد جئتها في سنة ٦١٦ فما رأيت ولاية قط أعمر منها فإنها على ما هي عليه رداءة أرضها وكونها سنجة كثيرة النزور متصلة العمارة متقاربة بالقرى كثيرة البيوت المفردة والقصور في صحاريها قل ما يقطع نظرك في رساتيقها على موضع لا عمارة فيه هذا مع كثرة الشجر بها والغالب عليه شجر التوت والخلاف لاحتياجهم إليه لعمائرهم وطعم دود الابريسم ولا فرق بين المار في رساتيقها كلها والمار في الأسواق وما ظننت أن في الدنيا بقعة سعتها حوارزم وأكثر من أهلها مع أنهم قد مرنوا على ضيق العيش والقناعة بالشيء اليسير وأكثر ضياع خوارزم مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين وفي النادر أن يكون قرية لا سوق فيها مع امن شامل وطمأنينة تامة. .
قال: والشتاء عندهم شديد جداً بحيث إني رأيت جيحون نهرهم وعرضه ميل وهو جامد والقوافل والعجل الموقرة ذاهبة وآتية عليه. وقد قال في وصف جيحون: وقد شاهدته وركبت فيه ورأيته جامداً وكيفية جموده انه إذا اشتد البرد وقوي كلبه جمد أولاً قطعاً ثم تسري تلك القطع على وجه الماء فكلما ماست واحدة الأخرى التصقت بها ولا يزال يعظم حتى يعود جيحون كله قطعة واحدة ولا يزال ذلك الجامد يثخن حتى يصير ثخنه نحو خمسة أشبار وباقي الماء تحته جار فيحفر أهل خوارزم فيه آباراً بالمعاول حتى يخترقوه إلى الماء الجاري ثم يستقوا منه الماء لشربهم ويحملوه في الجرار إلى منازلهم فلا يصل إلى المنزل إلا وقد جمد نصفه في بواطن الجرة فإذا استحكم جمود هذا النهر عبرت عليه قوافل والعجل بالبقر ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق حتى رأيت الغبار يتطاير عليه كما يكون في البوادي ويبقى على ذلك نحو شهرين فإذا انكسرت سورة البرد تقطع قطعاً كما بدأ في أول أمره إلى أن يعود إلى حالته الأولى وتظل السفن في مدة جماده ناشبة فيه لا حيلة لهم في اقتلاعها منه إلى أن يذوب وأكثر الناس يبادرون برفعها إلى البر قبل الجماد.
وبعد فقد علم القارئ من وصف مصنف ياقوت البديع انه خاص ببلاد الشرق والإسلام منه خاصة وما يذكره بالعرض من البلاد القاصية كبلاد الروم فانه يأخذه بتحفظ وقد قال في الروم: وفي أخبار بلاد الروم أسماء عجزت عن تحقيقها وضبطها فليذر الناظر في كتابي هذا ومن كان عنده أهلية ومعرفة وقتل شيئاً منها علماً فقد أذلت له في إصلاحه مأجوراً
стр. 6158
وقال في زقاق بن واقف: وقد تتغير أسماء الأماكن حسب تغير أهلها.
وقال في مادة عكوتان: وجبلا عكاد فوق مدينة الزرائب (باليمن) وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم لم تتغير لغتهم بحكم أنهم لم يختلطوا بغيرهم من الحاضرة في مناكحة وهم أهل قرار لا يظعنون عنه ولا يخرجون منه.
ومؤلفنا لا تفوته شاردة إلا ويأتي بنموذج منه قوله في نقيرة في كتاب أبي حنيفة إسحاق بن بشر بخط العبدري في مسير خالد بن الوليد ﵁ من عين التمر ووجدوا في كنيسته صبياناً يتعلمون الكتابة في قرية من قرى عين التمر يقال لها النقيرة وكان فيهم حمران مولى عثمان بن عفان ﵁. وذكر في ترجمة أبي عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي شيخ الصوفية ببلاد فارس وواحد الطريقة في وقته انه لما توفي بشيراز سنة ٣٧١ عن نحو مائة وأربع سنين خرج مع جنازته المسلمون واليهود والنصارى.
وهنا نختم هذا البحث - الذي طال لنا توخينا نقل عبارات ياقوت برمتها لمتانتها وسلاستها ولان فيها من الفصح ما يجدر بطلاب الآداب واللغة أن يقبسوه - بقصة وقعت لفقيه مع خليفة وفيها عبرة العبر في خراب البلدان وعمرانها بل هي السر الأعظم فيهما. قال: كان أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن انعم الأفريقي قاضيها وهو أول مولود ولد في الإسلام بافريقية تكلموا فيه فقدم على أبي جعفر المنصور ببغداد قال: كنت اطلب العلم مع أبي جعفر أمير المؤمنين قبل الخلافة فأدخلني يوماً منزلاً فقدم إلي طعاماً ومريقة من حبوب ليس فيها لحم ثم قدم إلي زبيباً ثم قال: يا جارية عندك حلواء قالت: لا قال ولا التمر قالت: ولا التمر فاستلقى ثم قرأ هذه الآية (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستحلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون قال: فلما ولي المنصور الخلافة أرسل إلي فقدمت عليه والربيع قائم على رأسه فاستدناني وقال: يا عبد الرحمن بلغني انك كنت تفد على بني أمية قلت: اجل قال: فكيف رأيت في سلطاني من سلطانهم وكيف ما مررت به من أعمالنا حتى وصلت ألينا قال: فقلت يا أمير المؤمنين رأيت أعمالاً سيئة وظلماً فاشياً والله يا أمير المؤمنين ما رأيت في سلطانهم شيئاً من الجور والظلم إلا ورايته في سلطانك وكنت ظننته لبعد البلاد منك فجعلت كلما دنوت كان الأمر أعظم أتذكر يا أمير المؤمنين يوم أدخلتني منزلك فقدمت إلي طعاماً ومريقة من حبوب لم يكن فيها لحم ثم قدمت زبيباً ثم قلت يا جارية عندك حلواء
стр. 6159
قالت: لا قلت: ولا تمر قالت: ولا التمر فاستلقيت ثم تلوت (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستحلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون) فقد والله اهلك عدوك واستخلفك في الأرض ما تعمل قال: فنكس رأسه طويلاً ثم رفع رأسه وقال: كيف لي بالرجال قلت أليس عمر ابن عبد العزيز كان يقول أن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها فان كان براً أتوه ببرهم وان كان فاجراً أتوه بفجورهم: فاطرق طويلاً فاومأ إلي الربين أن اخرج فخرجت وما عدت إليه.
стр. 6160
رحلة إلى البصرة وجوارها
١
في اليوم التاسع والعشرين من شهر المحرم لهذه السنة امتطينا ظهر إحدى البواخر العثمانية فأقلعت بنا من بغداد في اليوم الثاني قاصدة البصرة الفيحاء، وهذه الباخرة حسنة جداً توفرت فيها أسباب الراحة للركاب والسياح وهي بنظامها وترتيبها أشبه بنظام البواخر الكبرى التي تخر في انهار الغرب وبحاره. مما جعلنا نطري مدحت باشا وهو في رمسه على ما أتاه من ضروب الإصلاح واحدث من المشاريع العمرانية في هذا القطر ومن جملتها إنشاؤه هذه الشركة التي أحدثت ذلك الانقلاب الاقتصادي والتجاري في مرافق القطر العراقي فقربت المسافة بين بغداد والبصرة بل بين أوربا والعراق. وقد أزيلت بواسطتها كل المشاكل والعوارض التي تقف سداً حائلاً في نمو التجارة الوطنية وانتشارها. وكانت وسائط النقل والمواصلات بين الزوراء والفيحاء في حكم العدم قبل أيام ذلك الوزير وجل ما كان هو السفن الشراعية تقطع المسافة ما بين تينك الحاضرتين في ثلاثين يوماً أو أكثر تبعاً لحالة الجو وهبوب الهواء في حين تقطع السفن التجارية ذلك الطريق وطوله نحو ٥٢٠ ميلاً في ثلاثة أيام إذا كان الموسم في الربيع والشتاء وخمسة أيام إذا كان صيفاً أو خريفاً دع عنك الراحة التي يجدها المسافر في ذهابه وإيابه هذا عدا ما في ذلك من الأمن على الأرواح والأموال.
جلسنا ومن كان معنا من ركاب الدرجة الأولى فوق سطح الباخرة لتتمتع الأنظار بما كان عن اليمين والشمال من المشاهد الطبيعية التي تأخذ بمجامع القلوب وتسحر الألباب، وكانت باخرتنا تسير الهوينا بالرغم من أن شحنتها نحو ٢٥٠ طناً وإنها سريعة الجري إذ تقطع في الساعة ١٢ ميلاً بحرياً. ومنشأ ذلك ضعف جريان دجلة، ولا تدري هل هذا الضعف الذي انحل جسم الأمة وأنهك قواها قد سرى إلى أشجارها وأنهارها حتى كاد يقف دجلة عن السير، أو أن دجلة أحسن بعجز الأمة وحكومة البلاد عن الإصلاح وإعمار الأراضي الطيبة وتوزيع مياهه فيها على ما يتطلبه الفن الحديث فأصابه فتور وكان منه ما كان أو انه غضب فنجل بمائة النمير - ويحق له البخل - على قوم لا يستحقون هذه النعم التي توفرت لهم أو انه ادخر ما عنده إلى الوقت الذي يدب فيه دبيب الحياة في جسم الأمة العربية فتنشط من عقالها إلى شق الأنهار وحفر الجداول وتقسيم مياه دجلة عليها؟؟ لست
стр. 6161
ادري، وغاية ما في الباب أن دجلة ضعيفة جربته ويعللون لذلك أن وقت الفيض لم يحن بعد لأنه يبتدئ من آذار وينتهي بانتهاء شهر أيار على الحساب الغربي إلا أن هناك مؤثرات أوجبت هذه البطاءة في سير دجلة وهو ذهاب المياه في الاهوار ضياعاً من جون أن تنتفع منها التربة، وقد صادف في طريقنا ظهور جزر كثيرة في وسط دجلة فكان ربان الباخرة وهو من أبناء يعرب المقتدرين يتقي الأخطار بفطنته ودرايته فسار بها على مقتضى الحكمة والخبرة خشية الارتطام بإحدى الجزر والجنوح إلى الشاطئ وهذا العارض الطبيعي قد يسر لنا مشاهدة ما أمامنا من الرياض والغياض والحقول وقد كنا نسمع عن كثب أنين النواعير وخرير المياه وحفيف الأشجار وتغريد الأطيار وصغار الخراف وخوار العجول التي هي اوقع في النفوس من أوتار الموسيقار وألذ على القلوب من ضرب البيانو وغناء ربات الجمال. وكان النسيم عليلاً فيهب علينا من جهة الغرب حاملاً بين برديه أريج الأزهار وروائح الإثمار فأنشدنا قول الشاعر:
إن هذا الربيع شيء عجيب ... يضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء
واصلت الباخرة بنا السير وهي تشق عباب دجلة الجميل فما وقعت أنظارنا إلا على ارض ضاحكة مستبشرة قد كستها الطبيعة حلى خضراء تبهج الناظرين وكنا نرى أشجار النخيل الباسقة ممتدة على ضفتي النهر وبينها القصور الشاهقة والمباني السامقة وكانت تحجبها عنها نور الشمس أحياناً لارتفاعها وذهابها صعداً في الهواء وممرنا بنهر ديالة المشهور في كتب العرب باسم نهر تأمرا ومنبع هذا النهر من غربي اسداباد في ديار العجم عند الدرجة ٣٠ والدقيقة ٤٠ عرضاً شمالياً وطوله ٣٥٠ متراً ومصبه في ساحل دجلة الأيسر على بعد بضعة فراسخ من بغداد وهو يمر بخرسان العراق وتتفرع منه بضعة انهر كنهر الخالص وبلدوزر وغيرهما، وكان لهذا النهر شأن خطير في حضارة القطر العراقي، ويجري فيه من المياه ما يناهز ٣٠٠ متر مكعب في الثانية أيام الفيض و٥٠ متراً مكعباً زمن هبوط المياه بيد إنها لا توجد في كل الشهور ويبتدئ موسم فيضه من شهر تشرين الثاني وينتهي في تموز على الحساب الرومي، وموقف هذا النهر يساعد على أسقاء ٢٠٠ ألف هكتار من أخصب البقاع وأكثرها استعداداً لزراعة قصب السكر والقطن على اختلاف أنواعه.
стр. 6162
وقد بلغ عرض دجلة في هذا الموضع نحو ٣٨٠ متراً مكعباً وكمية ما يجري فيه من المياه تبلغ ١٢٠٠ متر مكعب في الثانية على انه في فصل الربيع يبلغ نحو ٤٠٠٠ متر مكعب ويظل يتناقض حتى يستقر في شهر كانون الأول والثاني على ٤٥٠ متراً مكعباً في الثانية وإذا دخل شهر شباط ابتدأ الفيض تدريجياً حتى يبلغ منتهاه في شهر آذار وأكثر ما رأيناه في طريقنا من البساتين والحقول والمزارع يسقى بالكرود والآلات الرافعة للمياه تحرك بالبخار أو بالبترول، وفقر الفلاح وغناه منوطان بقربه من المدينة بغداد وبعده عنها فكلما دنا منها كثر ماله وحسنت حاله وازدادت أرباحه لان أكثر نواتج بقاعه من بقول وفاكهة وإثمار تجد في أسواقها تجارة نافقة والأمر بالعكس مع الفلاح الذي بعدت أرضه عن المدينة، وقد سرنا ما رأيناه من نشاط الفلاح البغدادي واجتهاده في تربية النخيل وأعمار الأراضي الغامرة وحرثها والاستفادة من تربتها وآثار ذلك بادية في حقوله وكرومه وظاهرة في جنائنه ورياضه ولو احكم وسائل السقي واقتفى اثر الفلاح الأوربي في الحرث على الأصول الحديثة وعضدته الحكومة بالمحافظة على زراعة وضرعه وكفلت له السلامة من الغرق لكانت البلاد اليوم في ارفع درجات العمران وفي اوج العلاء والتقدم.
وعلى طول زهاء عشر ساعات امتدت على ضفتي دجلة قصور قوراء توفرت فيها أسباب الرفاهية والنعيم قد شيدها أعيان الوزراء وموسروها على الطراز الأوروبي ولم يذخروا واسعاً في إعداد كل أدوات الزينة من الأثاث والرياش الفاخرة مما لا يقل عما في قصور الملوك وعظماء المتمولين في البلاد الأخرى وفيها يقطن الأعيان فصلي الربيع والصيف لقضاء الشهوات والتنعم بلذيذ العيش الذي هو بعرفهم عبارة عن اللهو والقصف والملبس الجميل والمأكل الفاخر وأكثر ما شاهدناه من آثار العمران لأغنياء الإسرائيليين والمسيحيين وما بقي وهو شيء قليل بيد المسلمين. ومع هذا فانك تجد الفرق ظاهراً بين المعيشتين فترى النظام والترتيب وحسن الذوق يغلب على قصور غير المسلمين وبعكسه تجد في دور أغنيائنا على أن ما ينفقه المسلم في سبيل انه وراحته يبلغ أضعاف أضعاف ما ينفقه المسيحي والإسرائيلي، وما ذلك إلا من معرفة هؤلاء طرق الاقتصاد وتفننهم بالإدارة المنزلية وعدم إلمامنا بالمسائل الاقتصادية وإهمالنا أمر العناية والتحقيق في إدارة بيوتنا وتنظيم شؤون اسرنا.
стр. 6163
وما اقبلنا على طاق كسرى إلا واستقبلنا فلاة مقفرة قاحلة فكنا نمر الساعة والساعتين فلا تقع الأنظار إلا على خرائب طامسة وإطلال دراسة أكل الدهر عليها وشرب ولكن ما فيها من نفيس الآثار كالتلال والروابي التي انبثت فيها التصاوير والرسوم ينطق بلسان فصيح بما كان لهذه المواطن من عظيم الشأن ورفيع المقام في قديم الزمان، ولما لاحت لنا عن كثب بقايا طاق كسرى انوشروان فخر الدولة الساسانية وإطلال إيوانه المشهور سكبت منا العبرات وتصاعدت من أنفاسنا الزفرات إلى السماء حزناً على ما كانت عليه هذه اليدار من الحضارة والعمران فتقلبت عليها الأزمان ونزلها من لا يصلح ولا تصلح له، وأنشدنا قول الشاعر العربي:
امست خلاء وأمسى أهلها ارتحلوا ... اخنى عليها الذي اخنى على لبد
لطاق كسرى هذا شأن خطير في تاريخ العراق القديم وهو من الآثار الجليلة التي تمثل للاعصرة المتأخرة عظمة الفرس وضخامة تمدنهم وعلو كعب دولتهم في الحضارة والمدنية، وقد أفاض المؤرخون من المتقدمين والمحدثين في وصف هذا الإيوان العظيم الذي تصدر فيه كسرى العادل ويعتبر مؤرخو العرب أن له مسيساً بتاريخ عرب المناذرة في الحيرة لا تصالهم بدولة الفرس، وممن كتب عنه ابن الأثير المؤلف المشهور قال في الكامل:. . . وهو - يعني الإيوان - مبني بالآجر وهو على مرتفع من الأرض طوله ١٥٠ ذراعاً في عرض مثلها وأمامه ميدان طوله ٨٠ ذراعاً في ٢٥ وقيل سعة الإيوان من ركنه إلى ركنه ٩٠ ذراعاً. . وكان فيه من التماثيل والصور شيء كثير من جملتها صورة كسرى انوشروان وقيصر ملك إنطاكية وهو يحاصرها ويحاربها فلما فتحت المدائن سنة ١٦ هجرية على يد سعد بن عبادة ترك ما فيه من التماثيل واتخذه مصلى وصلى فيه صلوة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينها وقيل أن المسلمين احرقوه بعد ذلك بقليل
هذا ما قاله ابن الأثير وهو من رجال القرن السابع للهجرة غير أن ما جاء في كلامه ليس إلا وصف الإيوان على عهد الفتح الإسلامي ولم يشر إلى حالته في عصره وجاء ذكر هذا الإيوان عرضاً في مقدمة تاريخ بغداد للخطيب البغداجي قال المدائن لكثرة ما بنى بها الملوك والأكاسرة واثروا فيها من الآثار. . . وتسمى المدينة الشرقية العتيقة وفيها القصر الأبيض القديم. وتتصل به المدينة التي كانت الملوك تنزل بها وفيها الإيوان ويعرف
стр. 6164
باسانير. . . فالظاهر من كلام الخطيب أن الإيوان كان في المدائن عاصمة دولة الفارسيين وهو الصحيح الثابت ويؤيده ما وجدناه من الأنقاض والخرائب التي تشير إلى وجود المدينة وقد نقب بعض الباحثين في الآثار القديمة فوجد هناك بعض النقوش والكتابات على الآجر المشوي اهتدى بواسطتها إلى حدود المدينة وعثر على بعض أنقاض سورها الذي ورد ذكره في مقدمة تاريخ بغداد للخطيب أيضاً حيث قال: وكان الإسكندر. . . ينزلها يعني المدائن. . . بونى فيها مدينة عظيمة وجعل عليها سوراً أثره باق إلى وقتنا هذا موجود الأثر وهي المدينة التي تسمى الروضة في جانب دجلة الشرقي.
والإيوان في موضع يبعد عن بغداد ست ساعات من طريق البر وعشرات ساعات من جهة النهر بينه وبين ساحل دجلة الأيسر مسافة ١٥ دقيقة وهو بناء ضخم هائل يبلغ طوله نحو ٤٢ متراً في عرض ٢٥ متراً وارتفاعه يناهز ٣٠ متراً وعرض الباقي من العقد إلى أعلاه وثخنه ٨ طاباقات لو متران ونصف وهو قومي الشكل ويبلغ مقدار قوسه ١٤ متراً وعرض حائط الإيوان الذي عليه طرف العقد زهاء خمسة أمتار وعرض الباب الذي يكون مقابلاً لك إذا وقفت في وجه الإيوان ووجهك إلى الجنوب الغربي متران و٢٠ سنتيمتراً وارتقاء خمسة أمتار وهو معقود مقوس. وفي جانبي الجدار الذي فيه الباب المذكور من أعلاه روزنتان نافذتان إلى الوجه الآخر من الجدار يبلغ ارتفاع كل منهما مترين في عرض متر وارتفاع الجدار المار الذكر يناهز ١٨ متراً وفي حائط الإيوان الشرقي مما يلي وجهه باب طوله سبعة أمتار ونصف متر وفي عرض متر ٨٧ سنتيمتراً وقد شق عقده إلى أعلى الإيوان ويزعم أهل العراق أن الشق قد حدث وهلة يوم ولادة النبي ﷺ فتطير من ذلك كسرى ورسخ في ذهنه أن انقضاء حكم الفرس وزوال ملكهم قريب الوقوع، وفي شرقي الجدار المذكور جدار آخر قائم قد سقط أعلاه وتداعت بعض أركانه من طرفه الشرقي ولم يبق منه إلا ما يناهز طوله نحو ٣١ متراً في عرض سبعة أمتار في ارتفاع قرابة ٣٠ متراً وفي وجهه الذي هو تجاه الشمال الشرقي آثار نقوش ومشاك وأعمال هندسية في البناء بديعة الشكل حسنة الوضع وفي أعلاه تجاه الجنوب الغربي اثر عقد يدلنا على انه كان هناك إيوانان هناك إيوان آخر صغير غير هذا الكبير وقد هدم، وطوله من الأرض إلى اثر العقد قرابة ٨ أمتار، وفي وسط الجدار المذكور باب معقود
стр. 6165
طوله ٧ أمتار في عرض ٤ أمتار و٢٠ سنتيمتراً وفي ارتفاع متر و٨٠ سنتيمتراً وبناء الإيوان بالجص والطاباق.
هذا ما يمكن أن يقال عن الإيوان في هذا العهد وأنت ترى انه لم يبق منه إلا انقاض بالية لولا وجودها لاندرست رسوم هذا الصرح الفخم بيد أن ما بقي منه كاف لإظهار عظمة الفرس القدماء وحسن ذوقهم وطول باعهم في الفنون الهندسية وهذا الصرح الشاهق لا يقل ضخامة وفخامة عما شيده اليونان والرومان في البلاد التي دانت لهم واعضوا أهلها بأسيافهم وبلغت فيها حضارتهم أقصاها ومنتهاها. ولا جرم فالفرس أو لو تمدن زاهر ونسب عريق في الحضارة والمدينة، وقد وقف البحتري الشاعر الشهير على أطلال المدائن ففاه بقصيدة هي أحسن وأعذبها وارقها قال بعد أن عاتب زمانه وشرح حالته:
حضرت رحلي الهموم فوج ... هت إلى ابيض المدائن عنسي
اتسلى عن الحظوظ وآمي ... لمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي
مغلق بابه على جبل القب ... م ق إلى دارتي خلاط ومكس
حلل لم تكن كإطلال سعدى ... في قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة مني ... لم تطقها مسعاة عنس وعبس
نقل الدهر عهدهن عن الجدة ... م حتى غدون أنضاء لبس
فكأن الجرماز من عدم الأ ... م نس وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
فاذا ما رأيت صورة انطا ... م كية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وانوشر ... م وان يزجي الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على اص ... م فر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوف منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
следующие страницы →