Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
ادري، وغاية ما في الباب أن دجلة ضعيفة جربته ويعللون لذلك أن وقت الفيض لم يحن بعد لأنه يبتدئ من آذار وينتهي بانتهاء شهر أيار على الحساب الغربي إلا أن هناك مؤثرات أوجبت هذه البطاءة في سير دجلة وهو ذهاب المياه في الاهوار ضياعاً من جون أن تنتفع منها التربة، وقد صادف في طريقنا ظهور جزر كثيرة في وسط دجلة فكان ربان الباخرة وهو من أبناء يعرب المقتدرين يتقي الأخطار بفطنته ودرايته فسار بها على مقتضى الحكمة والخبرة خشية الارتطام بإحدى الجزر والجنوح إلى الشاطئ وهذا العارض الطبيعي قد يسر لنا مشاهدة ما أمامنا من الرياض والغياض والحقول وقد كنا نسمع عن كثب أنين النواعير وخرير المياه وحفيف الأشجار وتغريد الأطيار وصغار الخراف وخوار العجول التي هي اوقع في النفوس من أوتار الموسيقار وألذ على القلوب من ضرب البيانو وغناء ربات الجمال. وكان النسيم عليلاً فيهب علينا من جهة الغرب حاملاً بين برديه أريج الأزهار وروائح الإثمار فأنشدنا قول الشاعر:
إن هذا الربيع شيء عجيب ... يضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء
واصلت الباخرة بنا السير وهي تشق عباب دجلة الجميل فما وقعت أنظارنا إلا على ارض ضاحكة مستبشرة قد كستها الطبيعة حلى خضراء تبهج الناظرين وكنا نرى أشجار النخيل الباسقة ممتدة على ضفتي النهر وبينها القصور الشاهقة والمباني السامقة وكانت تحجبها عنها نور الشمس أحياناً لارتفاعها وذهابها صعداً في الهواء وممرنا بنهر ديالة المشهور في كتب العرب باسم نهر تأمرا ومنبع هذا النهر من غربي اسداباد في ديار العجم عند الدرجة ٣٠ والدقيقة ٤٠ عرضاً شمالياً وطوله ٣٥٠ متراً ومصبه في ساحل دجلة الأيسر على بعد بضعة فراسخ من بغداد وهو يمر بخرسان العراق وتتفرع منه بضعة انهر كنهر الخالص وبلدوزر وغيرهما، وكان لهذا النهر شأن خطير في حضارة القطر العراقي، ويجري فيه من المياه ما يناهز ٣٠٠ متر مكعب في الثانية أيام الفيض و٥٠ متراً مكعباً زمن هبوط المياه بيد إنها لا توجد في كل الشهور ويبتدئ موسم فيضه من شهر تشرين الثاني وينتهي في تموز على الحساب الرومي، وموقف هذا النهر يساعد على أسقاء ٢٠٠ ألف هكتار من أخصب البقاع وأكثرها استعداداً لزراعة قصب السكر والقطن على اختلاف أنواعه.
стр. 6162
وقد بلغ عرض دجلة في هذا الموضع نحو ٣٨٠ متراً مكعباً وكمية ما يجري فيه من المياه تبلغ ١٢٠٠ متر مكعب في الثانية على انه في فصل الربيع يبلغ نحو ٤٠٠٠ متر مكعب ويظل يتناقض حتى يستقر في شهر كانون الأول والثاني على ٤٥٠ متراً مكعباً في الثانية وإذا دخل شهر شباط ابتدأ الفيض تدريجياً حتى يبلغ منتهاه في شهر آذار وأكثر ما رأيناه في طريقنا من البساتين والحقول والمزارع يسقى بالكرود والآلات الرافعة للمياه تحرك بالبخار أو بالبترول، وفقر الفلاح وغناه منوطان بقربه من المدينة بغداد وبعده عنها فكلما دنا منها كثر ماله وحسنت حاله وازدادت أرباحه لان أكثر نواتج بقاعه من بقول وفاكهة وإثمار تجد في أسواقها تجارة نافقة والأمر بالعكس مع الفلاح الذي بعدت أرضه عن المدينة، وقد سرنا ما رأيناه من نشاط الفلاح البغدادي واجتهاده في تربية النخيل وأعمار الأراضي الغامرة وحرثها والاستفادة من تربتها وآثار ذلك بادية في حقوله وكرومه وظاهرة في جنائنه ورياضه ولو احكم وسائل السقي واقتفى اثر الفلاح الأوربي في الحرث على الأصول الحديثة وعضدته الحكومة بالمحافظة على زراعة وضرعه وكفلت له السلامة من الغرق لكانت البلاد اليوم في ارفع درجات العمران وفي اوج العلاء والتقدم.
وعلى طول زهاء عشر ساعات امتدت على ضفتي دجلة قصور قوراء توفرت فيها أسباب الرفاهية والنعيم قد شيدها أعيان الوزراء وموسروها على الطراز الأوروبي ولم يذخروا واسعاً في إعداد كل أدوات الزينة من الأثاث والرياش الفاخرة مما لا يقل عما في قصور الملوك وعظماء المتمولين في البلاد الأخرى وفيها يقطن الأعيان فصلي الربيع والصيف لقضاء الشهوات والتنعم بلذيذ العيش الذي هو بعرفهم عبارة عن اللهو والقصف والملبس الجميل والمأكل الفاخر وأكثر ما شاهدناه من آثار العمران لأغنياء الإسرائيليين والمسيحيين وما بقي وهو شيء قليل بيد المسلمين. ومع هذا فانك تجد الفرق ظاهراً بين المعيشتين فترى النظام والترتيب وحسن الذوق يغلب على قصور غير المسلمين وبعكسه تجد في دور أغنيائنا على أن ما ينفقه المسلم في سبيل انه وراحته يبلغ أضعاف أضعاف ما ينفقه المسيحي والإسرائيلي، وما ذلك إلا من معرفة هؤلاء طرق الاقتصاد وتفننهم بالإدارة المنزلية وعدم إلمامنا بالمسائل الاقتصادية وإهمالنا أمر العناية والتحقيق في إدارة بيوتنا وتنظيم شؤون اسرنا.
стр. 6163
وما اقبلنا على طاق كسرى إلا واستقبلنا فلاة مقفرة قاحلة فكنا نمر الساعة والساعتين فلا تقع الأنظار إلا على خرائب طامسة وإطلال دراسة أكل الدهر عليها وشرب ولكن ما فيها من نفيس الآثار كالتلال والروابي التي انبثت فيها التصاوير والرسوم ينطق بلسان فصيح بما كان لهذه المواطن من عظيم الشأن ورفيع المقام في قديم الزمان، ولما لاحت لنا عن كثب بقايا طاق كسرى انوشروان فخر الدولة الساسانية وإطلال إيوانه المشهور سكبت منا العبرات وتصاعدت من أنفاسنا الزفرات إلى السماء حزناً على ما كانت عليه هذه اليدار من الحضارة والعمران فتقلبت عليها الأزمان ونزلها من لا يصلح ولا تصلح له، وأنشدنا قول الشاعر العربي:
امست خلاء وأمسى أهلها ارتحلوا ... اخنى عليها الذي اخنى على لبد
لطاق كسرى هذا شأن خطير في تاريخ العراق القديم وهو من الآثار الجليلة التي تمثل للاعصرة المتأخرة عظمة الفرس وضخامة تمدنهم وعلو كعب دولتهم في الحضارة والمدنية، وقد أفاض المؤرخون من المتقدمين والمحدثين في وصف هذا الإيوان العظيم الذي تصدر فيه كسرى العادل ويعتبر مؤرخو العرب أن له مسيساً بتاريخ عرب المناذرة في الحيرة لا تصالهم بدولة الفرس، وممن كتب عنه ابن الأثير المؤلف المشهور قال في الكامل:. . . وهو - يعني الإيوان - مبني بالآجر وهو على مرتفع من الأرض طوله ١٥٠ ذراعاً في عرض مثلها وأمامه ميدان طوله ٨٠ ذراعاً في ٢٥ وقيل سعة الإيوان من ركنه إلى ركنه ٩٠ ذراعاً. . وكان فيه من التماثيل والصور شيء كثير من جملتها صورة كسرى انوشروان وقيصر ملك إنطاكية وهو يحاصرها ويحاربها فلما فتحت المدائن سنة ١٦ هجرية على يد سعد بن عبادة ترك ما فيه من التماثيل واتخذه مصلى وصلى فيه صلوة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينها وقيل أن المسلمين احرقوه بعد ذلك بقليل
هذا ما قاله ابن الأثير وهو من رجال القرن السابع للهجرة غير أن ما جاء في كلامه ليس إلا وصف الإيوان على عهد الفتح الإسلامي ولم يشر إلى حالته في عصره وجاء ذكر هذا الإيوان عرضاً في مقدمة تاريخ بغداد للخطيب البغداجي قال المدائن لكثرة ما بنى بها الملوك والأكاسرة واثروا فيها من الآثار. . . وتسمى المدينة الشرقية العتيقة وفيها القصر الأبيض القديم. وتتصل به المدينة التي كانت الملوك تنزل بها وفيها الإيوان ويعرف
стр. 6164
باسانير. . . فالظاهر من كلام الخطيب أن الإيوان كان في المدائن عاصمة دولة الفارسيين وهو الصحيح الثابت ويؤيده ما وجدناه من الأنقاض والخرائب التي تشير إلى وجود المدينة وقد نقب بعض الباحثين في الآثار القديمة فوجد هناك بعض النقوش والكتابات على الآجر المشوي اهتدى بواسطتها إلى حدود المدينة وعثر على بعض أنقاض سورها الذي ورد ذكره في مقدمة تاريخ بغداد للخطيب أيضاً حيث قال: وكان الإسكندر. . . ينزلها يعني المدائن. . . بونى فيها مدينة عظيمة وجعل عليها سوراً أثره باق إلى وقتنا هذا موجود الأثر وهي المدينة التي تسمى الروضة في جانب دجلة الشرقي.
والإيوان في موضع يبعد عن بغداد ست ساعات من طريق البر وعشرات ساعات من جهة النهر بينه وبين ساحل دجلة الأيسر مسافة ١٥ دقيقة وهو بناء ضخم هائل يبلغ طوله نحو ٤٢ متراً في عرض ٢٥ متراً وارتفاعه يناهز ٣٠ متراً وعرض الباقي من العقد إلى أعلاه وثخنه ٨ طاباقات لو متران ونصف وهو قومي الشكل ويبلغ مقدار قوسه ١٤ متراً وعرض حائط الإيوان الذي عليه طرف العقد زهاء خمسة أمتار وعرض الباب الذي يكون مقابلاً لك إذا وقفت في وجه الإيوان ووجهك إلى الجنوب الغربي متران و٢٠ سنتيمتراً وارتقاء خمسة أمتار وهو معقود مقوس. وفي جانبي الجدار الذي فيه الباب المذكور من أعلاه روزنتان نافذتان إلى الوجه الآخر من الجدار يبلغ ارتفاع كل منهما مترين في عرض متر وارتفاع الجدار المار الذكر يناهز ١٨ متراً وفي حائط الإيوان الشرقي مما يلي وجهه باب طوله سبعة أمتار ونصف متر وفي عرض متر ٨٧ سنتيمتراً وقد شق عقده إلى أعلى الإيوان ويزعم أهل العراق أن الشق قد حدث وهلة يوم ولادة النبي ﷺ فتطير من ذلك كسرى ورسخ في ذهنه أن انقضاء حكم الفرس وزوال ملكهم قريب الوقوع، وفي شرقي الجدار المذكور جدار آخر قائم قد سقط أعلاه وتداعت بعض أركانه من طرفه الشرقي ولم يبق منه إلا ما يناهز طوله نحو ٣١ متراً في عرض سبعة أمتار في ارتفاع قرابة ٣٠ متراً وفي وجهه الذي هو تجاه الشمال الشرقي آثار نقوش ومشاك وأعمال هندسية في البناء بديعة الشكل حسنة الوضع وفي أعلاه تجاه الجنوب الغربي اثر عقد يدلنا على انه كان هناك إيوانان هناك إيوان آخر صغير غير هذا الكبير وقد هدم، وطوله من الأرض إلى اثر العقد قرابة ٨ أمتار، وفي وسط الجدار المذكور باب معقود
стр. 6165
طوله ٧ أمتار في عرض ٤ أمتار و٢٠ سنتيمتراً وفي ارتفاع متر و٨٠ سنتيمتراً وبناء الإيوان بالجص والطاباق.
هذا ما يمكن أن يقال عن الإيوان في هذا العهد وأنت ترى انه لم يبق منه إلا انقاض بالية لولا وجودها لاندرست رسوم هذا الصرح الفخم بيد أن ما بقي منه كاف لإظهار عظمة الفرس القدماء وحسن ذوقهم وطول باعهم في الفنون الهندسية وهذا الصرح الشاهق لا يقل ضخامة وفخامة عما شيده اليونان والرومان في البلاد التي دانت لهم واعضوا أهلها بأسيافهم وبلغت فيها حضارتهم أقصاها ومنتهاها. ولا جرم فالفرس أو لو تمدن زاهر ونسب عريق في الحضارة والمدينة، وقد وقف البحتري الشاعر الشهير على أطلال المدائن ففاه بقصيدة هي أحسن وأعذبها وارقها قال بعد أن عاتب زمانه وشرح حالته:
حضرت رحلي الهموم فوج ... هت إلى ابيض المدائن عنسي
اتسلى عن الحظوظ وآمي ... لمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التوالي ... ولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عال ... مشرف يحسر العيون ويخسي
مغلق بابه على جبل القب ... م ق إلى دارتي خلاط ومكس
حلل لم تكن كإطلال سعدى ... في قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة مني ... لم تطقها مسعاة عنس وعبس
نقل الدهر عهدهن عن الجدة ... م حتى غدون أنضاء لبس
فكأن الجرماز من عدم الأ ... م نس وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن الليالي ... جعلت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم ... لا يشاب البيان فيهم بلبس
فاذا ما رأيت صورة انطا ... م كية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وانوشر ... م وان يزجي الصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على اص ... م فر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديه ... في خفوف منهم وإغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمح ... ومليح من السنان بترس
стр. 6166
تصف العين أنهم جد أحياء ... ئهم لهم بينهم إشارة غرس
يغتلي فيهم ارتيابي حتى ... تتقراهم يداي بلمس
إلى أن قال:
وكأن الإيوان من عجب الصن ... م عة جوب في جنب ارعن جلس
يتظنى من الكآبة أن يب ... م دو لعيني مصبح وممسي
مزعجاً بالفراق عن انس ألف ... عزاً ومرهقاً بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات الم - م ... مشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجليداً وعليه ... ككل من كلا كل الدهر مرسي
مشخر تعلو له شرفات ... رفعت في رؤوس رضوي وقدس
لابسات من البياض فما تبصر منها ... م إلا غلائل برش
ليس يدري اصنع انس لجن ... سكنوه ام صنع جن لانس
وكأن اللقاء أول من أمس ... م ووشك الفراق أول أمس
عمرت للسرور دهراً فصارت ... للتعزي رباعهم والتأسي
فلها أن أعينها بدموع ... موقفات على الصبابة حبس
ذاك عندي وليست الدار داري ... باقتراب منها ولا الجنس جنسي
غير نعي لاهلها عند اهلي ... غرسوا من ذكائها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدوا قواه ... بكماة تحت السنور حمس
ولو أردنا أن تثبت كل ما جاء في وصف هذا البناء الشامخ من منظوم ومنثور لضاق بنا المقام واحتجنا إلى مجلد ضخم له تلو.
بغداد=// إبراهيم حلمي العمر.
стр. 6167
في ديار الغرب
قل سيروا في الأرض
ليس كالسياحة تجدد الحياة وتزيد الاختبار وتعلم وتهذب وتزيد في الاعتبار بحوادث الليل والنهار. وإني لا تمنى لكل من ساعدته الحال أن ينهض ليعتبر ويتعلم ويتسلى فان النفس في قرارها تصدأ كما يصدأ الحديد بالرطوبة فهي تحتاج للنور وللحرارة وإلا فتذبل كالزهرة.
قال وليم هازلت من مفكري الانكليز أن الوقت الذي أمضيناه في السياحة الأجنبية مقطوع من عمرنا مفصول من حياتنا إلى وصله ولا وسيلة إلى إدماجه والمرء خارج وطنه رجل آخر غير الذي كان هنالك حتى أن المسافر ليودع نفسه فيمن يودع ولله در القائل خرجت من موطني ومن نفسي فمن أراد أن ينسى الحزن والشجن فليذهب إلى غير بلده من بلاد الله يجد في عجيب المناظر وغريب الأحوال سلوة وروحاً وتغيب من عينه مذكرات الهموم وباعثات الأسى ولذلك كنت انفق حياتي خارج بلادي لو وجدت من يقرضني حياة أخرى أنفقها في وطني حتى اقضي حقوقه.
كلمات حكمة وخبرة ولذلك ترى أكثر الأمم رقياً أكثرها سياحاً والعكس بالعكس.
والانكليز والأميركان هم في المقدمة ثم يجيء الألمان والفرنسيس وغيرهم من أمم المدينة الحديثة وامتنا العربية يكون محلها في قائمة السياح في الآخر بالطبع لأنها اعتادت سير القهقري وأنا لو أخرجنا المصريين من جملة السائحين في الغرب لا تجد لنا إلا عدداً يضحك بالنسبة لأرباب الرحلات من الأمم. أما العرب السوريون ممن يهاجرون إلى أمريكا فهؤلاء لا يقصدون من رحيلهم إلا الكسب ولا يعرفون على الأغلب كيف يستفيد المرء من سياحته علماً وعملاً.
نتمنى لامتنا أن يسيح منها العلماء والوجهاء والتجار والموظفون وأرباب الصنائع والزراعات الواسعة ممن يمكنهم ولو بعض الشيء تطبيق ما رأوه عند من ارتقوا عنهم مراحل. فهذه الطبقات الغنية هي التي تستفيد بالاحتكاك بغيرها من أهل طبقتها في الغرب إذا أخذت على نفسها البحث والدرس خلال التنقل وترويح النفس.
السياحة لا تكلف اليوم من العناء والمال ما كانت تكلفة منذ مئة سنة فان العارف قد يستطيع
стр. 6168
أن يطوف أهم عواصم العالم ولا ينفق في يومه أكثر من ليرة مرفهاً رفاهية لا تتيسر له في بلده ولو كان من أغنى أغنيائها لان البلاد في الغرب كلها منظمة ومعظم الفنادق والبيوت سواء في الأخذ بأسباب الراحة. وللعيش فيما خلا العواصم الكبرى سهل للغاية وهو ارخص مما هو في بلادنا فان المصطاف أو المشتي في سويسرا قد يستطيع أن يكون في عائلة ولا ينفق في شهره ثمن الطعام والمنام الجيد أكثر من ١٥٠ فرنكاً وهذا قلما تجد له مثيلاً في بلدة أوربية اللهم إلا في المدن الصغرى أو القرى وكل مدينة من مدن سويسرا حرية بأن يتعلم فيها الشرقي سنين لا أياماً ومن رأى مدينة أو ثنتين يكون قد رأى نموذجاً صالحاً من هذه المدينة الفاضلة.
بيد أن من يسيح في الغرب لا يصح له أن يتخلى عن غثيان العواصم الأمهات مقر المدنيات الضخمة كرومية ولندن وباريز وبرلين وفينا وهذه العواصم يكتفي منها للسائح ببضعة أيام والأولى أن ينظر إلى دولاب الحركة في المدن الصغرى إذ يستطيع أن يحيط بها فكرة أما العواصم الكبرى فان أهلها قد ضاعوا فيها ولا تكاد تجد واحداً منهم يعرفها حق معرفتها فباريز مثلاً كلما غبت عنها أشهراً وعدت إليها تجد فيها غرائب جديدة وجواد فخمة لم تكن من قبل وكل شيء فيها يزداد على الزمن فخامة وعظمة فالفرع الواحد فيها إذا أراد درسه السائح الشرقي لا يتيسر له في اقل من بضعة أشهر ولكن النظرة الإجمالية يكفي لها خمسة عشر يوماً ومثلها سائر العواصم وأصعبها على السائح إحاطة لندن مدينة الثمانية ملايين نسمة ونيورك مدينة الخمسة ملايين.
أن مدينة الغرب متشابهة في أكثر الأوضاع فمن رأى نموذجاً منها اكتفى والزيادة على ذلك من النوافل. من زار باريز مثلاً أعظم نموذج في الحضارة الحديثة.
وخير لمن يعرف لغة مملكة في الأكثر أن يذهب إليها. وان كان من يعرف لغة أوربية كبرى مثل الفرنسية أو الانكليزية يستطيع أن يسيح بدون عناء في كل مملكة وبتفاهم مع أهلها ولا سيما أهل الطبقة العليا والتجار والعلماء.
ثلاث لغات أصول هي التي تفرعت منها لغات القارات الثلاث أوربا وأميركا واوستراليا الانكلوسكسونية واللاتينية والسلافية فمن عرف الروسية مثلاً لا يشق عليه السياحة في البلقان واكثر النمسا ومن عرف الانكليزية استطاع السياحة في أميركا الشمالية واوستراليا
стр. 6169
ومن عرف الافرنسية كانت عليه سياحة ايطاليا واسبانيا والبرتغال والبرازيل والأرجنتين مثلاً من أسهل الأشياء.
أما من لم يكتسب له الأخذ بحظ من هذه اللغات وأراد الاستفادة من الغرب فليس أحسن له من استصحاب ترجمان من بلاده ويكون ممن سبقت له الرحلة إلى ديار الغرب وإذا أريد الاقتصاد فالأولى أن يجتمع كل ثلاثة أو أربعة أشخاص ويرافقهم ترجمان مؤتمن عندهم وعندها تقل النفقة نحو الثلث. ولقد شاهدنا كثيراً من أغنياء مصر ساحوا أوربا وهم لا يعرفون لغة من لغاتها ولكنهم بواسطة التراجمة استطاعوا أن يحسنوا التصرف بيد أن الأولى أن يكون المرء نفسه عارفاً بإحدى لغاتهم وهناك حدث ما شئت أن تحدث عن استفادته وسروره.
وبالجملة فإن الخوف من السياحة توهم ليس في محله فلا المال وقلته ولا عدم الإحاطة بلغة إفرنجية بل أن المحرك الأعظم في السياحة الإرادة ومن صحت عزيمته زعزع الجبال فما بالك بالسياحة وأبناء السابعة والثامنة اليوم يسيحون في أوربا وأميركا بدون أن يخشوا ضرراً والفتيات الجميلات يضربن في البر والبحر ولا من يتعرض لهن بسوء فهل من العجل أن يكون فتيان الغرب وفتياته أرقى منا كعباً وأكثر إقداماً ما دامت لنا في السياحة فوائد لا يقدرها الخامل في بلده والسياحة مدرسة لتعليم الكبار كما أن المدرسة هي المعلمة للصغار فاللهم علم كبارنا وصغارنا علماً نافعاً.
نحن في البلاد الفرنسوية
ليس عجباً أن ترى العثماني والإيراني وغيرهما من سكان أسيا الغربية والساحل الشمالي من افريقية يطربون في البلاد الفرنسوية ويؤثرونها على غيرها من بلاد الغرب في التجارة والتعلم والنزهة فإن معرفة لغة قوم هي مفتاح جميع هذه الأعمال وتعليل صحيح لعامة هذه الأحوال.
انتهت فرنسا قبل غيرها لاستتباع الشرق الأقرب بتعليمه على مناحيها وتلقينه لغتها فكانت منذ زهاء قرنين تبعث البعوث وترسل المعلمين بمدينتها ولغتها فلم يمض زمن طويل وفرنسا إذا ذاك صاحبة الكلمة الأولى في السياسة الغربية قبل انكلترا وألمانيا وروسيا إلا والخاصة في هذه البلاد يعرفون الافرنسية ويأخذون عنها ويؤثرون الفرنسيس على غيرهم
стр. 6170
لأنهم لم يعرفوا غيرهم خصوصاً وان المرونة التي يجونها عندهم تشبه مرونتهم والفرنسيس عرفوا بلين الجانب وكثرة التفاني بتعليم ما عندهم لغيرهم لأنهم يرون لغتهم أرقى اللغات الأوربية وامتهم في مقدمة الشعوب التي قاتلت لأجل الحرية.
أن ميل الفرنسيين للابتكار في كل شيء دعا إلى نشر أفكارهم وأوضاعهم في بلادنا كتب احدهم مقالة افتتاحية في جريدة الايكودي باري قال: انه مما أثبتته التجارب أن الفرنسوي خلق مخترعاً وقد اتى الفرنسيس أمثال لافوزايه وكوفيه وكلود برنارد وبيشا وباستور من الأعمال العلمية ما استحقوا به أن يكونوا مؤسسين لجميع العلوم الحياتية والكيمياء والتشريح والفسيولوجيا وقمت أهم الاختراعات الغربية في الأربعين سنة الأخيرة على أيدي الفرنسيس فهم الذين اخترعوا سر التلغراف بلا سلك واوجدوا صناعة الاوتوموبيلات وعملوا مدفعاً من عيار ٧٥ وعثروا على الأسباب الرئيسية التي سمحت بالطيران. وهكذا في السياسة فان الفرنسيس أول من اوجدوا في أوربا وحدة وطنية وهي الوحدة الفرنسية وأول من أسسوا وطناً وهو الوطن الفرنسوي وهم كانوا أول الناشرين تحت ستار الحرية والمساواة الأفكار الثورية.
فالفكر الفرنسوي حاد ينتبه بسرعة للصلات المجهولة في الأشياء وهو براق يدرك بدون كبير عناء المؤثرات التي تحدث بين أجزاء عناصر المادة فهو ذو خاصة تخدم حاجته للمعقول وحبه للوضوح. الفرنسوي جريء على مثال لويس الثالث عشر ونابليون والموت الذي كثيراً ما يكون جزء المخترع قلما يفرغه بل يبعث همته ويشحذ بكثير من الضباط أن يتجشموا الأخطار إلى آسيا وافريقية لفتح أراض جديدة واسعة وهذا الذوق هو الذي ساق فيما مضى النورمانديين والبروتونيين إلى سلوك البحار التي لم يسلكها احد ليؤسسوا مدائن في الشواطئ البعيدة.
هذا هو الوجه الحسن وإذا جئنا إلى نقيضه نرى الفرنسوي يخترع ولكنه ما قط عرف الانتفاع ثمرة اختراعه ولا يحقق وينظم ما اخترعه. وخفته العقيمة تحمل إلى غير الانتفاع بتطبيق ما أوجده هو. فهو يفتح المستعمرات بدمه وماله ولكن الألمان والايطاليين أو الاسبانيين هم الذين يستثمرونها. اختراعاته في العلوم لا يقع عليها حصر ولكنه لم يستعملها قط لتحسين أدواته أو حاصلاته فقد أسس مثلاً الكيمياء ولكن الألمان هي التي
стр. 6171
وجدت في الصناعة الكيماوية مورداً عظيماً من الثروة أي مليار وستمائة ألف مليون من الحاصلات السنوية منها نحو سبعمائة مليون صادرات وأنشأت تسعة ألاف معمل فيها مائتا ألف عامل يدفع إليهم ٢٦٠ مليون فرنك مشاهرات وأجوراً.
- الفرنسوي يتحرك في الهواء أسرع من الطير. وهو طيار خارق للعادة بجرأة طبيعية فيه تظنها بلادة منه. ولكنه يستطيع أن يجعل للطيارين ولمراكز الطيران نظاماً معقولاً وإذا سقطت في درجات الأشياء الصغرى ترى الفرنسوي على هذه الصورة من الاضطراب وعدم الانتظام وقلة الاهتمام. ويقال في ذلك أن الفرنسوي يكره وهو على هذه الصورة من الحركة أن ي \ نشئ إلى ذروة انتباه طويل متساوق ويشعر بأنه يخنع إذا لم ير نفسه مائلة إلى الأعمال المختلفة التي تحثه وإذا وجب عليه أن يعمل عملاً مجهولاً يحتاج إلى صبر. أما الألماني فهو على العكس من ذلك له قليل جداً من النبوغ في الاختراع والإيجاد بل لا يكاد يذكر له شيء منه ولكنه مختص كل الاختصاص بالانتفاع بما اخترع وتنظيمه.
وما عدا الفلاسفة والموسيقيين في ألمانيا القديمة الذين اخترعوا واوجدوا فان الألماني لا يخترع لا فكرة ثقيل وبطيء ومفكر لم يختلق لهذه الأنوار الفجائية التي توحي بالمجهول ولكنه متى اخترع فهناك حدث ما شئت أن تحدث عن حسن استخدامه له فهو يحب العمل الذي يحتاج لثبات ولا يستعجل لان الضروري عنده أن لا يعمل بسرعة بل أن يعمل بجودة وان يكون على استعداد لحين الحاجة فيكون مجهزاً لساعة العمل ولا يبدأ قط بطيئاً.
جاء الألماني بعد الفرنسوي في الطيران ولكنه أدهش العالم بتنظيمه له فلم يخبط على غير هدى بل رأى بسرعة كل ما ينبغي أن يرى ووفاه حقه. له قليل من المستعمرات ولكنه يسكن مستعمرات غيره فينزلها التجار والصناع الذين يبعث إليها بهم. الألماني لم يخترع التلفون لألمانيا الآن نحو مائتي ألف كيلو متر من الأسلاك التلفونية أي أكثر من فرنسا وعدوا المخابرات التلفونية في بلاده ب - ٨٠٠ مليون لقاء ١٩٠ مليوناً في فرنسا وما من قرية ألمانيا مهما صغرت وهي مرتبطة بتلفون تخابر به وإدارتها في البريد أول إدارة في العالم. وهي تعترف أن ليس بين كيماوييها الكثار واحد مثل لافوزيه وبرتلو ولكن لها معامل تجريبية تعينها الحكومة والمدن والنقابات الصناعية. أن كان الفرنسوي مخترع الأصباغ الصناعية فالألماني بفضل مدارسه ومعامله أتى فيها بالعجائب حتى يكاد يختص
стр. 6172
بتجارة الأصباغ. وما من بلد يعني بتجديد إدارته على الدوام لتكون كاملة من كل وجه على احدث طرز كما يعني في ألمانيا. وإلقاء أدنى نظرة على محطة من محطات يككهم الحديدة تشهد لهم بذلك الخ.
ثم انتبه الانكليز والأميركان والطليان للأمر ولكن بعد أن رسخ التمدن الفرنساوي في النفوس وكثر أنصاره بطبيعة الحال مع انه ربما كان في أوضاع الأمم الأخرى ما يماثله أو يفوقه. وإذ قبلت مصر والعثمانية وإيران أن تعلم الافرنسية بصفة إجبارية في مدارسها مثل لغة البلاد كان ذلك من اكبر المعونات على بث هذه اللغة البديعة فاتخذناها لغة التخاطب والتكاتب في التجارة والسياسة.
للبلاد المصرية والعثمانية والإيرانية في البلاد الفرنسوية اليوم مئات من الطلبة يدرسون العلوم المنوعة في مدارسها في حين لا تجد سوى عدد محدود من الطالبين في مدارس انكلترا وأميركا وأكثرهم من المصريين والهنود أما في ألمانيا والنمسا وايطاليا وروسيا فان عددهم يعد على الأنامل والإيرانيون أكثر الشرقيين اختلافاًَ إلى مدارس روسيا للجوار والسياسة.
فإذا طربت النفس يود دخولها ارض فرنسا وسويسرا الفرنسوية وبلجيكا الفرنساوية فذلك لأننا نشعر بأننا بين قوم يفهمون من نحن ونفهم من هم أننا نستفيد هنا إضعاف استفادتنا في أي ارض سواها لأننا لا نجد تقارباً في الأفكار والمناحي ولأننا نعرف تاريخ هذه البلاد كما نعرف تاريخ بلادنا وقد حصلت لنا على الزمن آنسة بأوضاعها المرنة اللطيفة ومن تعلم لغة قوم قلت ما بينه وبينهم من الفوارق وتيسر له أن يشاركهم ويشاركونه في كل ما لا يضر بعاداته وأخلاقه الخاصة.
أن المدينة الأوربية تتسرب كل يوم إلى عقولنا في طرق تنقلها الصحف والسياح والمدارس والجيش والأسطول بل ينقلها البرق والهواء ونحن لو أردت أن تجردنا مما استفدناه منها منذ عهد محمد علي الكبير وسليم الثالث لرجعت بنا قروناً إلى الوراء ظننتنا نعها من أهل القرن السابع أو الثامن للهجرة على نحو ما تشاهده اليوم الأفغانيين أو المراكشيين أو الجلويين بين الذين سدلوا دون مدينة الغرب حجاباً كثيفاً فحرموا من حسناتها ولم ينجو مثل غيرهم من شرورها.
стр. 6173
أن سكان الشرق الأقرب إذ ذكروا الفرنسيس كثيراً فذلك لأنهم يعتقدون فرنسا فاتحة العالم على نحذو ما كانت على عهد نابليون الأول ففرنسا هي التي وضعت في الحقيقة أساس النهضة المصرية الحديثة وفرنسا هي التي كانت كذلك في سورية منذ جاء نابليون عكا طعاماً في فتحها لأنها كانت مفتاح سورية حتى إذا جاءت حادثة الستين المشؤمة. وكان لفرنسا اليد الطولى في إعطاء لبنان استقلالاً إدارياً عظمت تلك المنة على أهلها وعمت المدينة الافرنسية بلاد الشام من طرق مختلفة خاصة وعامة وطينة وأجنبية رسمية وغير رسمية.
نحن اليوم إذا لجانا إلى فرنسا في معظم حالاتنا فللأثر الناتج من تلك التربية والدعوة الطويلة المتأصلة ولا يضرنا الأخذ من مدينة القوم ولكن يضرنا العلو والجمود فكما أن الفرنسيس أنفسهم لا يستنكفون أن يقتبسوا ما عند الأمم الأخرى كالانكليز والألمان والأميركان مثلاً مما ليس في أوضاعهم فنحن من مصلحتنا أن لا نكون حكرة لأمة فنأخذ عن كل قبيل أحسن ما عندهم ولا نقول هذا سويسري وذاك بلجيكي وهذا فرنسوي وآخر ألماني وغيره ايطالي أو انكليزي فكلهم أرقى منا مراحل ونحن في حاجة لكن من يعلمنا مدينة تنهض بنا من خمولنا ليساوا بنا بنفسه بعد وتعد شيئاً مذكوراً في سلسلة المراتب البشرية.
رأيت كثيراً من خاصة الطليان والألمان والانكليز يشيرون إلى أن السوريين خاصة من بين سكان الشرق الأدنى يغالون بحب الفرنسيس وليس حتى في البلاد التي حكمتها فرنسا في أقطار الشرق بلد كسورية يحسن أهلها الظن بالفرنسيس فكنت أقول لهم أن ذلك صحيح ولكن لا على إطلاقه فان القوم هناك درجات ومن يحبون الفرنسيس هم الذين أحسن هؤلاء إليهم بتعليمهم على أساليبهم وتلقينهم لغتهم العذبة فأممكم أيضاً إذ مدت يدها لسورية تعلمها لغاتها وأمجادها يعترف السوريون لها بصنيعها ويصبحون زبنها في التجارة. وكيف يحب السوري ألمانيا مثلاً وهو لا يعرف عنها إلا ما يقرأه في الجرائد الفرنسية والكتب الافرنسية وألمانيا حتى الآن لم تفتح لها مدرسة راقية في سورية والفرنسيس ملأ وأسهلنا ووعرنا بمدارسهم الدينية والعلمانية على اختلاف درجاتها لا ينال المرء إلا بقدر ما بذل والأمم الانكلوسكسونية هي أرقى الأمم بأخلاقها وآدابها ولكن أنانيتها الكثيرة دعتها إلى أن
стр. 6174
أحبت في العهد الأخير الانتفاع من الشرق دون أن تبذل في سبيل رقيه درهماً أو تخطو إلى أعلاه شأنه قدماً. ولذلك يبقى الشرق الأقرب يتغنى بالفرنسيس والفرنسوية حتى ينافسهم غيرهم من أمم الحضارة الحديثة منافسة حقيقية. ولا عار علينا إذا صرحنا بأننا نطرب في ارض فرنسا لأننا لا نعرف غيرها في الواقع ونفس الأمر فقد سبقت فعلمتنا آدابها وذكرتنا أمجادها فنحن بها عرفنا الغرب والمرء لا ينفق إلا مما عنده وعرفان الجميل لأهله طبع الكرام ولا ينسى الأيادي التي لك عندهم إلا اللئام والسلام.
الحياة السياسية والاقتصادية في بلاد المجر
تسكن بلاد المجر عناصر مختلفة قد يثور بينها ثائر الخلاف أحياناً ولذلك كان لمسألة الجنسيات في الأرض المجرية شأن عظيم وحروب إقليمية ولسانية لا تكاد تهدأ وتدور المناقشات في الغالب على برامج المدارس وعلى القدر الذي يجب أن يعطى للغة المجرية في التعليم في المقاطعات التي فيها رومان وسلوفاكيون وصربيون. وهناك اضطرابات تحدث زمن الانتخابات النيابية تتدخل فيها القوة المسلحة لتحمي حرية الانتخاب وأزمات وزارية وربما أطلق بعضهم عياراً نارياً على خصمه أو هدده بالقتل أو ضربه بكتاب ودواة كما حدث ولا يزال يحدث.
نحو نصف سكان بلاد المجر هم من العنصر المجري والنصف الآخر من عناصر مختلفة (ألمان وسلوفاكيان ورومانيون وروتنيون وخراتيون وصربيون) بلاد أشبه ببرج بابل اختلطت فيها الألسن وتبلبلت والمجريون يحاولون بكل ممكن أن يحترم غيرهم جنسيتهم باحترامهم لغتهم والاعتراف بتقدمهم السياسي والمدني وهذه هي الحالة هي حالة المجر ولولا أن العناصر غير المجرية مؤلفة من أجناس كثيرة ليس بينها اقل صلة وطريق الانتخابات النيابية الجارية في المملكة تحول دون أدنى مقاومة لما تم للمجر هذا التقدم على غيرهم.
ولئن حاول الإمبراطور فرنسيس يوسف ملك النمسا والمجر أن يصلح أسلوب الانتخاب بوضع الاقتراع العام منذ سبع سنين فان مسائل الجنسيات ما برحت مقدمة على المسائل الاجتماعية وقد وقع التحكيم على أن تكون النمسا متجانسة بالجرمانية وان يكون للمجرية حق التقدم في هنغاريا (بلاد المجر) وقد كان في مجلس النواب المجري سنة ١٩١١ -
стр. 6175
٤٥٣ مبعوثاً. منهم ٣٨٧ مجرياً و٤٠ خرواسياً و٢٤ وطنياً وهذه نسبة تستدعي الاستغراب والمجلس الأعلى أو مجلس الأعيان مؤلف من أعضاء وراثيين مثل البالغين من الارشيدوقة وأعضاء الأسر الشريفة التي تدفع على الأقل ضريبة عن عقارتها لا يقل عن ٦٠٠٠ كورون ومن أعضاء يعينهم الملك مدة حياتهم بإنهاء رئيس المجلس ومن أرباب المناصب العليا مثل كبار الحكام ومن ٣٣ اسقفاً كاثوليكياً و٩٨ أساقفة روم أرثوذكس و٦ يمثلون المذاهب اللوثرية والكالفانية البرتستاتية ومن ثلاثة ينتسبهم مجلس نواب خرواسيا.
وللمجلس الأعلى أن يرد ما يشاء من المشاريع والقوانين التي يقررها مجلس النواب ولكنه لا يستعمل هذا الحق إلا نادراً لأن مجلس النواب موقر في صدره وغاية ما يستطيع عمله أن يرجئ الإقرار على قرار مجلس الأمة.
ومن الأمراض التي أصيبت بها بلاد المجر كما أصيبت بها فرنسة والعثمانية مرض كثرة الموظفين الذي يزداد استحكاماً اليوم بعد اليوم ففي إحصاء رسمي أخير في المجر ٣٠١٤٨٠ موظفاً في شعب لا يتجاوز احد وعشرين مليون نسمة فان الوزارة التي تولت شؤون المجر منذ سنة ١٩٠٦ - ١٩١٠ قد أحدثت عملاً ل - ٤٥ ألف رجل والوزارة التي خلفتها أحدثت في العشرة الأشهر الأولى لتوليها الأمر ثلاثين ألف وظيفة، وهذا السواد العظيم من الموظفين ينفع الحكومة مدة الانتخابات النيابية لأنه يمثل نحو ثلث المنتخبين بيد أن كثرة الموظفين في الحكومة لا يفسر بان الأشغال تمشي بسرعة على طريقة حسنة بل أن الوقت والمال والقوة تضيع في هذا التطويل والقيود. يساعد على ذلك الإهمال المغروس في طبيعة الموظفين على الأغلب ولا سيما في المجريين فمن لم يتابع البحث عن لوراقه ويلحقها من ديوان إلى آخر ويوصي صاحب الشأن تضيع وتهمل ولا نغالي إذا قلنا أن المجر على كثرة تغاليهم في التغاني باستقلالهم قد فتحوا للحكومة من أبواب التدخل في أمرهم حتى في المسائل الخاصة ما يصح معه أن يحكم بان البلاد المجرية أكثر الممالك التي جعلت نفسها تحت وصاية حكومتها في كل شأن من شؤونها.
ولقد عددت مجلة القرن العشرين الحرة وهي لسان علم الاجتماع في بودابست عدة أحوال نابت فيها سلطة الحكومة مناب الأقدام الخاص والتبعة الشخصية فقالت أن الحكومة تعطي راتباً للكاهن الذي يعمد الوليد وللموظف الذي يقيده في السجل وترزق المعلمين وتوصي
стр. 6176
الطابعين وصناع الأدوات المدرسية وتدفع لمؤلفي الكتب المدرسية ولنقادها ولإنشاء دكات للمدارس ويستعمل خشب الحكومة وحديدها والحكومة تعاون المطابع ومخازن الدخان وعمال الدخوليات (اوكتروا) والكتاب والإخباريين وغيرهم والجمعيات العلمية والصناعية والزراعية والنقلية والمجمع العلمي والممثلين والمغنين وكل من لهم مشاريع يريدون إبرازها إلى حيز الوجود ولأرباب الضجة والسكوت وتدر المال على الصانع الأهلية واستملاك محال الوقود وتساعد العامل الصغير والصانع الكبير ومنها بطلب الممثل قرضاً والصراف مالاً.
هذا وحرية الأديان والمساواة لم تتم في المجر إلا سنة ١٨٩٥ وكان للكثلكة المقام الأول ولرجال الدين سلطة نافذة ويكفي أن يقال أن مساحة بلاد المجر تبلغ ٣٢٤٨٥٠ كيلومتراً مربعاً تملك الأسقفيات والأديار والبيع ١٢ ألف كيلو متر مربع منها وبذلك يحكم رجال الدين لأن من المال قوة فكيف فيمن اجتمعت له القوتان القوة الروحية والقوة المالية.
أهم القوانين الدستورية في المجر ٤٥ قانوناً يرد عهد الأول منها إلى القرن التاسع أي إلى احد عشر قانوناً وأهمها قانون سنة ١٧٣٢ و١٨٤٨ وضم النمسا والمجر سنة ١٨٦٧ الذي تم الاتفاق بين المجر والنمسا على أن يدافع المجر عن مملكة النمسا كما يدافعون عن مملكتهم أنفسهم ويكونون مستقلين إلا في الجيش والبحرية والأمور الخارجية فيدفعون قسطاً صالحاً من المال لمعاونة حكومة فينا وتتعهد الأسرة المالكة النمساوية بالمحافظة على استقلال المجر وحرية البلاد واستعمال جميع قوة النمسا للدفاع عن سلامة الأملاك البحرية وملك النمسا يحكم المجر كما يحكم بلاده ولكنه يمثل مملكتين متباينتين ولا يكون ملك النمسا ملكاً شرعياً إلا إذا اقر على تتويجه مجلس المجر ويقضي القانون الأساسي في البلاد أن يقيم الملك ستة أشهر في فينا وستة أشهر في بودابست ولكن هذه العاصمة لا تنال حظ قدومه سوى مرة واحدة على الأغلب وهو يتلطف التلطف مع الأمة المجرية إلا أن هذه لا تنسى ما نالها من سحق النمساويين لها في ثورة ١٨٤٨ التي لا يبرح المجر يذكرونها ويحتفلون كل سنة بذكرى مقتل الثلاثة عشر قائداً مجرياً الذين اعدموا سنة ١٨٤٩ لاشتراكهم بحرب الاستقلال ضد النمسا ويسمونهم الثلاثة عشر شهيداً وترفع الإعلام السوداء على النوافذ وقد كانت جنازة كوشوت سنة ١٨٩٤ من أعظم الدلائل على ذلك كما
стр. 6177
كان الاحتفال بافتتاح قبته سنة ١٩٠٩ بالغاً حداً دل على مبلغ تعلق هذه الأمة برجالها الذين سعوا لاستقلالها.
للمجر أنشودتان الملك والجيش وأنشودة ولهما عيدان وطنيان الأول في ١٥ آذار والثاني في ١١ نيسان فالأول هو عيد المجر الحقيقي يحتفل بذكرى سنة ١٨٤٨ وقد قرر مجلس الأمة المجرية اشتراك الإشراف في جميع التكاليف العامة وإلغاء حقوق السادة وحرية الصحافة وفي ١١ نيسان هو اليوم الذي صدق فيه الملك فرد ديناند على القوانين الدستورية.
لا يحب المجر النمساويين ويريدون أن يخالفوهم في كل شيء ولو بالصورة الظاهرة وما انس لا انس يوم اجتاز بنا القطار من الأرض النمساوية وابتعدنا ساعتين عن فينا ودخلنا في الأرض المجرية فان الأرض تكاد تلبس خلة غير الحلة الأولى وقال لي رفاقي في القطار وكانوا مجريين أنت الآن في ارض هنغاريا يا مولاي ثم خرج الشرطة والمفتشون كأننا دخلنا إلى مملكة أخرى وان ما بين فرنسا وألمانيا من التباين لا يشعر به على الحدود بأكثر مما يشعر بالتباين بين المجريين والنمساويين.
والمجر يطلبون إشارات خاصة لعسكرهم كما يطلبون أن يكون التعليم العسكري باللسان المجري ولهم مطالب أخرى يسعون لئلا يكون للنمساويين عليهم اقل سلطة وتأثير وان كان لهؤلاء تأثير كبير في الأمور الاقتصادية والعلمية كما للألمان هذا مع أن بلاد المجر غنية بصناعتها وزراعتها وعلمائها ويكفي بان ثروة المجر قدرت سنة ١٩١١ بثمانية عشر مليار فرنك قيمة أملاكها العقارية وخمسة مليارات قيمة أموالها غير المنقولة ومثلها صناعتها وباثني عشر مليوناً نقودها وبثلاثمائة مليون أموالها في الخارج أي بأربعين مليون مليار وثلاثمائة مليون فرنك يخرج منها ديونها العمومية خمسة مليارات ونصف.
هذا حال مملكة أفقدتها النمسا استقلالها ولكنها لم تقض أو لم تستطع القضاء على حياتها الوطنية والاقتصادية كما فعلت روسيا مع بولونيا وبقيت بولونيا بحالها أو زادت ولولا معاونة روسيا للنمسا ما استطاعت هذه أن تغلب المجريين.
ليست الأمة المجرية عريقة في المدينة كالأمم القديمة في أوربا فقد جاءت حوالي القرن التاسع وانضمت إلى أهل أوربا ونزلت بلادها اليوم ولذلك تجد فيها حتى الآن شيئاً من
стр. 6178
أوضاع القرون الوسطى في نظاماتها الاجتماعية فان تسعة أعشار من يعملون في الحقول المجرية إلى اليوم هم من السلافيين الصقالبة أو الرومانيين المغلوبين على أمرهم افتتح المجر البلاد وامتلكوا الأراضي وما زالوا يستثمرونها بأيدي غيرهم ولم يبرحوا في كثير من البلاد على طريقة القرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر.
وإذا تأملت ملياً في حال المجري تجده يشبه التركي في كثير من أحواله فانه يعمل القدر اللازم حتى لا يموت جوعاً هكذا شأن الفلاح والصانع وكذلك شأن طالب العلم وصاحب المنصب كأن حكم العثمانيين على بودابست مئة وخمسين سنة قد طبعهم بطابع تركي فقد رأيت المجريين يشكون من ضعفهم وقلة توفرهم على العمل ويقولون أن منا كثيرين من يعملون شهرين وينقطعون عن العمل عشرة أشهر وهذا عبء كبير في مجتمعنا.
تقدر مساحة أملاك صغار الفلاحين في المجر بعشرة ملايين هكتار أي أن يكون الواحد يملك ستين هكتاراً والوسط الذي يملك ستمائة هكتار يقدر بثلاثة ملايين وكبار المزارعين بستة ملايين ومجموع ما تملكه الحكومة والمدن والمقاطعات والكنائس والأديار بعشرة ملايين هكتار.
وقد أصيبت بلاد المجر بداء الهجرة فهاجر منها منذ سنة ١٩٠٠ إلى ١٩١٠ سبعمائة ألف رجل فارتفعت أجور العملة وبيعت أملاك صغار الفلاحين من أواسطهم وكبارهم ومهاجرهم مقتصد بحيث يرسل مهاجروهم إلى بلادهم كل سنة مئة وستين مليون كورون ومن يعودون إلى بلادهم أغنياء وقليل ما هم والعائدون يبتاعون الأراضي بالأثمان الفاحشة.
وللإسرائيليين المقام الأول في تجارة البلاد تعرفهم بسيماهم ولا سيما في بودابست عاصمة البلاد فان ثلث سكان هذه العاصمة من الإسرائيليين أي ثلثمائة ألف من أصل تسعمائة ألف وبيدهم التجارة والصرافة والصناعة وهم أكثر الأمة تعلماً وأقدمهم على الأعمال هذا مع أنهم ليسوا قدماء في البلاد بل أن هجرتهم إليها ترد إلى العهد الذي طردت فيه اسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلاد القاع الإسرائيليين من بلادها فوجدوا في بلاد المجرد صدراً رحباً وخلفوا اليونان في التجارة. وحيث توطدت قدم التاجر الرومي يصعب على التاجر الإسرائيلي أن ترسخ قدمه والرومي كالإسرائيلي بشوش لين العريكة يعرف من أين تؤكل الكتف في التجارة بخلاف المجري.
стр. 6179
يقدر عدد الإسرائيليين في المجر بثمانمائة وأربعين ألفاً منهم ستمائة ألف تمجروا أي أصبحوا مجراً حتى في أسمائهم ومناحيهم ولا يزال عددهم ينمو فان كان أبناء إسرائيل يقبلون على التوطن في هنغاريا فليس لان التجارة والصناعة والصرافة تستميلهم إلى نزولها بل لان جميع الصناعات الحرة مفتحة الأبواب أمامهم.
هذه معلومات قليلة عن بلاد المجر التقطها في يومين اثنين صرفتها في عاصمة بلادهم ازور معاهدها البديعة وبودابست من أجمل عواصم أوربا وهي مدينتان في مدينة أي بودا وبست يفصل بينهما نهر الطونة وترتبط البلدان بأربعة جسور كبرى بديعة من أجمل ماهندس المهندسون والجسران الجديدان الأخيران هما من صنع مهندسين مجريين أما المدينة فمقسمة شوارع فخمة فسيحة وهي نظيفة لا تقل عن أحسن العواصم.
وأهل المجر يحبون الأتراك ولا يزالون يذكرونهم بالخير لأنهم يرون أن إخواننا أسدوا إليهم جميلاً غير مرة وآخر مرة في ثورة المجر الأخيرة يوم لجأ زعماء الثورة إلى الأرض العثمانية فحماهم سلطان العثمانيين وأظنه المرحوم السلطان عبد المجيد من أن تنالهم يد النمسا التي طلبت بإلحاح تسليمهم واثر أن يشهر حرباً على النمسا أو تشهرها عليه على أن يسلم من دخل حماه ولذلك ترى المجر يذكرون هذه المنة على الدهر ويشفعونها بالشكر وحسن الذكر.
стр. 6180
أخبار وأفكار
الأموال وتعليم الأطفال
خطب احمد شفيق باشا مدير الأوقاف الخصوصية في مصر في الاحتفال السنوي لمدرسة المرحوم خليل أغا أمين فقال: التمثيل ظاهرة تسلية ولهو وباطنه حكمة وعظة وضع لإرشاد الناس وتقويم المعوج من الأخلاق والرواية التي شهدناها تشرح بعض أمراضنا الاجتماعية ووسائل علاجها وتبين مجموعة من نقائصنا وعيوب أسرنا وتشرح السبيل إلى إصلاحها قد مزجت فيها الحكمة البالغة بالخيال الجميل ولم يزل هذا من طرق الفلاسفة في التعليم والإرشاد منذ القدم ولمثله ألف كتاب كليلة ودمنة ونحوه من الحكم الممزوجة بالخيال ولعل كتابنا ينهضون إلى عمل الروايات النافعة الموافقة لأحوالنا الشرقية المؤثرة في تهذيب العواطف وإصلاح النفوس.
رأينا في هذه الرواية محسناً عظيماً من سراة المصريين هو محمد بك أبو الذهب جاد بالألوف من الجنيهات لإقامة المعاهد ودور التعليم لأبناء بلده من بنين وبنات وظهرت لنا الثمرة الكبرى التي جناها هذا الوالد من ولده إذ علمه التعليم القويم وأنشأه النشأة الطيبة رأينا جعفراً وكيف حافظ على أدب قومه ودينه وسافر إلى أوربا وتعلم في معاهدها واختلط بأهلها فلم تستطع العادات الغربية أن تهدم بناء أخلاقه الشرقية المتينة كما هو مشاهد مع الأسف الشديد في حال كثيرين من المتعلمين في البلاد الأجنبية.
رأيناه انتخب أصلح فتاة لزواجه راعى في اختيارها العدل والحكمة غير ناظر إلى الفروق التي يراعيها من شبابنا من مصلحة الزوج ولا من فائدة البيت. ما أجمل البر وما احلي الخير خصوصاً إذا وضع في موضعه.
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها طريق المصنع
وأفضل الخيرات ما خصص للتعليم والتربية فانه ينهض بكثير من الأمة بل بالأمة كلها فجميع الناس في حاجة إلى التعليم وأكثرهم يحتاج إلى المعونة والمساعدة في سبيله كم نرى في وقفياتنا من مال أوقف ليصرف على قبر يحلى ويزين على خوص وريحان يبتغى به الثواب وإنما الثواب في معونة متعلم أو مساعدة محتاج إلى حياة طيبة
الثواب في تنمية ذكاء في صدر ... لا تحلية أحجار على قبر
стр. 6181
الثواب في عمل البر والإحسان ... لا في جمع الخوص والريحان
فجدير أن توقف هذه الأموال على تعليم الفقراء لتساعد على إصلاح الحياة الدنيا وترضي المولى جلا وعلا.
واني إذا أردت أن اذكر كبار المحسنين من عظماء الرجال في عصرنا الأخير لا أجد منهم إلا القليل وكم من المصريين ممن يستطيع أن يخلد لنفسه الأثر ويكتسب عظيم الأجر إذا خص تعليم الفقراء بشيء من ماله ينفعهم ولا يضره ويزيدهم ولا ينقصه.
فإذا ذكر المحسنون فإننا نبدأ بأولهم وأولادهم بالثناء أكرم الكرماء وناشر العلم والآداب في ربوع مصر إلا وهو المغفور له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق فانه لم يكتشف بما شيده في مدة حكمه من المدارس الابتدائية والثانوية والعالية بل أراد أن يبقي له أثراً مخصوصاً فأوقف ما هو معروف بوقف الشيخ صالح ورصد إيراده الجسيم على الخيرات التي منها مدرسة كبيرة للبنين وأخرى للبنات.
ثم نذكر مشيد هذا المعهد فهو اثر حي قائم ومأثرة كبرى على الدهر باقية أسداها إلى الإنسانية رجل اسود أبت روحه البيضاء الناصعة إلا أن يكون له نصيب من خلود الذكر وحسن الأثر فرحمة الله عليك يا خليل أغا أمين.
اذكر كذلك محسناً كبيراً وهو المرحوم احمد باشا المنشاوي فله في طنطا الآثار الخالدة والهبات العظيمة للمتعلمين والفقراء والمحتاجين منها المعهد الديني والملجأ والمستشفى والمسجد الفخيم فضلاً عن مدرسة السنطة الصناعية وما ارصده من المال للجمعيات الخيرية والأعمال النافعة فهكذا يكون البر والإحسان.
هؤلاء هم كبار المحسنين فما اقلهم يا للأسف.
أما عدد المحسنات من كرائم السيدات فهو أعظم دليل ساطع على أن المشاعر والعواطف فيهن أنمى وأكبر.
فإنني اذكر وقف أم عباس باشا الأول الذي هو تحت إدارة ام المحسنين والدة الجناب العالي الخديوي فانا نعلم جميعاً الفوائد العظيمة العائدة على البلاد وأهلها من مدارس هذا الوقف.
اذكر وقف الأميرة زينب خانم أفندي الكبيرة كريمة ساكن الجنان محمد علي ياشا فإنها
стр. 6182
أرصدت ما يفوق عن الأربعة ألاف فدان للبر والإحسان ومنها التعليم.
اذكر وقف المرحومة شويكار خادن أفندي للمدرسة الحسينية.
اذكر وقف المحسنة الكبيرة الأميرة فاطمة خانم أفندي التي أرصدت ٦٦١ فداناً على الجامعة المصرية وربع مائة فدان على الجمعية الخيرية الإسلامية غير ما جادت به من سنة أفدنة بجوار سرايها لإقامة الجامعة عليها ومن جواهرها النفيسة لتشييدها فكذلك يكون الإحسان.
اختم بذكر الوقف الجليل الذي أتمته أخيراً السيدة المحسنة الجليلة خديجة بهجة خانم أفندي برهان فإنها أوقفت للجمعية الخيرية الإسلامية قصرها الفخم الذي تيلغ مساحته ١٧٠٠٠ متر ومنازل للاستغلال يؤخذ منها مائتا جنيه سنوياً تقريباً ثم مبلغ ستمائة جنيه في كل سنة من إيراد أوقاف أخرى.
العميان في مصر
يؤخذ من التقرير الذي قدمه الدكتور محمد علوي باشا الرمدي الشهير إلى جمعية تحسين حال العميان في مصر أن قد بلغ عدد عميان القطر المصري زهاء مائة وخمسين ألفاً وهو عدد هائل بالنسبة إلى عدد سكان القطر. وبعبارة أوضح فنسبة العميان هناك هي ١١٣ من كل عشرة ألاف نسمة مع إنها لا تتعدى ٨ في العشرة ألاف من سكان البلاد الأخرى. قال وهي حالة دعتنا سنة ١٩١١ إلى عقد المؤتمر الدولي الرابع لتحسين حال العميان المنكودي الحظ وتفضل حينئذ مولانا الخديوي المعظم بوضعه تحت رعايته السامية وساعدتنا على إنجاحه الحكومة السنية أدبياً ومادياً واشتركت معنا فيه الدول الأوربية والأميركية وأرسلت مندوبيها إلى القاهرة لحضوره وانضم إلينا عدد ليس بقليل من الأجانب متحملين عناء الأسفار والبعد عن ديارهم للاشتراك معنا في العمل كما اشترك معنا كثير من مواطنينا الأفاضل وكان مدار البحث مدة خمسة أيام على أسباب العمى ومناهضته في بلادنا وبعد انفضاضه بسنة رأينا وجوب تأسيس هذه الجمعية لتهذيب عميان بلادنا وتعليمهم ومساعدة المحتاجين منهم على قدر الإمكان وفي ذلك فائدتان أدبية واقتصادية. وقد كان أول اجتماع لتلك الجمعية في منتصف يوليو (حزيران) سنة ١٩١٢ تذكرون أن جمعيتنا أنشئت في عهد الحروب العثمانية الطليانية ثم البلقانية حين بذل أهالي القطر مالاً
стр. 6183
كثيراً يقدر بنحو نصف مليون جنيه إعانة للدولة العلية ورحمة لبائسي الإنسانية في تلك الحروب الجائرة تحت لواء الهلال الأحمر المصري.
وهو عمل شريف جليل لكنه حول الإبصار والأيدي عن مشروعنا حيناً من الدهر كذلك لم تساعدنا الأحوال من جهة أخرى بالنظر إلى شؤون القطر المالية. على أن تلك الأسباب الوقتية وان حالت في السنتين الأوليين لتأسيس جمعيتنا دون بلوغ أغراضها فهي لم تثبط عزائمنا عن السعي لدى أولي الفضل والبر لإقامة جمعيتنا على أساس ثابت قبل الشروع في عمل نافع للعميان.
ولقد كان جل اهتمامنا أثناء المدة الماضية منذ تأسيس الجمعية منحصراً في آمرين. استمالة الجمهور إلينا ودعوته للاشتراك في جمعيتنا وجمع ما أمكن جمعه من النقود قبل الشروع في عمل نافع.
وبعد أن قال أن مجموع الداخلين في الجمعية مائتا شخص وانه جمع خمسمائة جنيه قال فخمسماية جنيه وبضعة ألاف لا تكاد تكفي لتحقيق بعض الأماني فعدد عمياننا كثير جداً وان كاد لا نريد فرضاً إلا تعليم من يمكن تعليمهم وإيواؤهم إلى مدارس خصوصية فهم جيش مؤلف من ثلاثين ألفاً مختلف أعمارهم بين الخامسة والخامسة والعشرين وهم كلهم غارقون في بحار الظلمات الأدبية والمالية والعقلية. ولنأخذ مثالاً لنا في هذا العمل البلاد الراقية التي تعددت فيها مدارس العميان ومصانعهم وملاجئهم فهي تعد بالعشرات على قلة عدد العميان بالنسبة إلى بلادنا. ومع ذلك ففي تلك البلاد لا يفتأ الناس كل يوم في تحسين مطرد لحال إخوانهم العميان وإكثار عدد معاهدهم وتخفيف حسراتهم. ولا بد أنكم اطلعتم على تلغرافين أتتنا بهما من لندرا شركة روتر في ٢٠ و٢٧ مارس (آذار) الماضي جاء في الأول: أن الملك والملكة افتتحنا معهداً جديداً للعميان فتهتف لها ألاف من هؤلاء وأجاب الملك على خطاب تلي أمامه في الاحتفال فاستحث كل مملكة البريطانية على مساعدة المعهد الجديد. وافتتح محافظ لندن اكتتاباً طالباً فيه ١٣٠ ألف جنيه رأس مال لذلك المعهد. وجاء في التلغراف الثاني بتاريخ ٢٧ مارس انه سيطلب غداً مساء التلغراف اللاسلكي من جميع البواخر الكبرى الماخرة بحار العالم مساعدة معهد العميان الجديد. وهاتان البرقيتان على اختصارهما تدلان على اهتمام انكلترا بهذا المعهد الجديد وفي بلادنا أكثر من ٣٠
стр. 6184
مدرسة و٥٠ مصنعاً و٢٠ ملجأ و٦٠ جمعية لمساعدة العميان وما ذكرت انكلترا هنا إلا اعترافاً بفضلها في سبيل تحسين العميان وأملاً بان يصل صدى ندائنا لذلك الجواد الكبير السرارنست كاسل العضو الشرفي في جمعيتنا هذه وصاحب الأيادي البيضاء على هذا القطر فانه كان أول من أجاب نداءنا سنة ١٩٠٢ في المؤتمر الطبي المصري الأول عند ما طلبنا في تقرير واف مناهضة الرمد في ديارنا العزيزة فتبرع إذ ذاك بأربعين ألف جنيه لذلك الغرض وهي منة يجب ترديد ذكرها على مدى السنين.
الآلة الكاتبة
لئن كانت الآلة الكاتبة كالاختزال أو السرعة في الاستملاء لم تنتشر في بلاد العرب كما فان استعمال تلك الآلة قد اخترع منذ سنة ١٧١٤ وعيدوا مؤخراً عيد مرور المئتي سنة على اختراعها وكان المخترع الذي نال براءة بذلك رجل انكليزي ثم تعاقب المخترعون من جميع الأمم في ادوار مختلفة حتى إذا كانت سنة ١٨٧٥ انبعث هذا الاختراع ثانية في مدينة نيويورك وأصبح استعمال الآلة الكاتبة بعد ذلك من الواجبات في البيوت التجارية والدواوين والمصارف والإدارات العامة والخاصة حتى أن معظم الصحف والمجلات والمطابع في الغرب اليوم لا تقبل كتابة أن لم تكن مطبوعة على الآلة الكاتبة.
السينماتوغراف والتعليم الزراعي
سيعرض المجلس الزراعي في ولاية دوسلدروف الألمانية حيث يقام معرض في سنة ١٩١٥ نوعاً من التعليم يلفت الأنظار وهو تطبيق السينماتوغراف على دروس الزراعة وستمر أمام عيون الجمهور سلسلة من الصور تمثل الارتقاء الذي تم في زراعة الأرض خلال القرون الأخيرة وما تعاورته الأيدي من الأعمال الزراعية التي كملت على التدريج باستعمال البخار والكهرباء والقوة الميكانيكية على اختلاف أشكالها.
ويمثلون أيضاً بهذه الطريقة صورة من الصور الحديثة عن المعلومات الصحيحة في الحرث والزرع والحصاد والدرس على ما هي شائعة في البلدان المختلفة بدون أن ينسى ما كان يدعى سابقاً تدبير الحقول فيتمكن الناظر على هذا الوجه من تصور ماله علاقة باستثمار الأرض وبنفع في الاستفادة من التربة ومن الأدوات الزراعية وفي وضعها واستعمالها على اختلاف ادوار المدنية وفي صور متحولة بحسب الأجيال. وهذه أول مرة
стр. 6185
جرى فيها استعمال السينماتوغراف للانتفاع في العلم والزراعة وبه تفتح طريق تتبعها المدارس العلمية لا في تلك الأرجاء من البلاد الألمانية فقط بل في ألمانيا وفي خارجها لان القائمين بهذا العمل لا يضنون على الناس بيع صور منهم.
تجديد البطاطا
ثبت أن البطاطا في أوربا قد أخذت تصاب بأمراض كثيرة جاءتها مع الزمن منذ انتشرت في تلك القارة قبل أربعمائة سنة وقد اخذ العلماء يجربون تجارب كثيرة في هذا الصدد ومنها الاعتماد على البزر وفي زرع البطاطا لا على تقسيم الرأس الواحد إلى عدة أجزاء وزرعها وذلك بواسطة سماد خاص اتوابه من أمريكا مهد هذه الشجرة المباركة ويأمل المخترعون لهذه الطريقة أن يحسن جنس البطاطا تحسيناً كبيراً بواسطة الانتخاب الطبيعي والتزاوج ويكون النفع من الجهتين الغذائية والمادية.
الجرذان
الجرذان يخرب الولايات المتحدة الأمريكية ولا يرحمها فقد حسبوا أن فيها ٣٠٠ مليون جرذ تخرب من الحنطة ما قيمته ١٠٠ مليون دولار في السنة وهي تفسد المواني البحرية يقشرها الطاعون الدملي وما برحت تلك البلاد تكافح هذا الحيوان إلا إنها لم تفلح في إبادته وقد الفت اللجان لهذا الغرض وعلى كثرة ما لجأت إليه من الذرائع لم تقض على الجرذ ويضاف إلى الخطر الناشئ منه في البادية وباء الحيوانات الناشئ من القمل الذي ينتقل في أجسامها ويعشعش في جلودها.
اختراعات أديسون الجديدة
عرض أديسون المخترع الأميركاني الكبير على مؤتمر الكهربائيين الأخير في فيلادلفيا الأساليب الجديدة التي يهمه اختراعها اليوم فقد ارتأى بأن الطيران يحتاج لآلة طيارة تستطيع أجنحتها أن تضرب الهواء مائتي ضربة في الدقيقة ولبلوغ هذه الغاية يجب الاقتراب ما أمكن من طيران النحل لا أن يحتذى مثال الفراش في طيرانه وهو يعمل بجد لاستخراج الكهربائية مباشرة من المفحم ويرجو أن ينجح في ذلك قريباً ويصرف جزءاً من وقته في تحسين إلى السينماتوغراف المتكلم الذي سيكون رخيصاً جداً يسهل على كل الناس انتناؤة.
стр. 6186
مدينة ليبسيك
تسعد المدن وتشقى بسكانها ومدينة ليبسيك في ألمانيا إحدى عواصم العلم في الغرب قد بلغت منزلة تحسدها عليها كل مدينة فقد كتبت إحدى العقائل في وصف هذه المدينة إنها وان ضحك منها لوثيروس المصلح في القديم ويتي الشاعر بتشبيهه لها بمدينة باريز قد اتسع نطاقها فا كليتها وأسواقها جعلت منها مدينة ذات مسحة خاصة مقسومة قسمتين القسم العقلي العلمي والقسم التجاري الاقصادي فقد أنشئت جامعتها سنة ١٤٠٩ وكان تلاميذها بادئ بدء ينظرون إلى هندام ثيابهم أكثر ما ينظرون إلى العلم ومع هذا نشأ منها أمثال الفيلسوف ليبتز والعالم توماسيوس وقام فيها في القرن الثامن عشر كتاب وأدباء أصلحوا طرق التمثيل وحسنوا ملكة النقد وأخذت المدينة تستميل إلى نزولها أعاظم الكتاب الذين تشهد الصفائح التذكارية الموضوعة على الدور التي سكنها أمثال لسنغ وكيتي وسيلر من العلماء والأدباء بما كان لهم من المكانة وقد خربت ليسيك بحروب نابليون ونحو سنة ١٨٣٥ عادت مطابعها فأخذت تطبع المطبوعات المدهشة في الموسيقى والآداب والتاريخ ونشأ لها كثير من كبار رجال الموسيقى منهم فاكنير ومن أهم أرباب المطابع بها كارل بذكر الذي نشر دليله المشهور منذ سنة ١٨٢٨ وزادت هذه الأدلة التي أصبح لها واحد عن كل مملكة أو مملكتين ومنها واحد عن سورية وفلسطين يجدد طبعه كل ثلاث أو أربع سنين وواحد من مصر والسودان بل كل مملكة يلاحظ أن يرحل إليها الغربيون قد جعل لها دليل غريب في تدقيقه ومنها ما يطبع بالألمانية فقط وأكثرها تطبع بالألمانية والانكليزية والافرنسية وقد توالت على هذا الأدلة كل سنة مليون نسخة. وقد عددت الكاتبة أسماء بعض الرجال العظام الذين أنشؤوا من تلك المدينة ونحن نقول أن مدينة ليبسيك قد قام فيها كثار من أعاظم المستشرقين أيضاً فطبعوا كثيراً من كتب العرب أحسن طبع وهي اليوم أعظم مدينة تقام فيها سوق للكتب وفيها مئات من المطابع وقد أقيم فيها معرض للكتب في العام الماضي دل على تفوق الألمان في صناعة الطباعة والرسم والنقش والتجليد وان ليبسيك لم توفق إلى أن تطبع كل سنة وربع ما يطبع من الكتب في العالم إلا عن استحقاق فقد قالوا أن نصف ما يطبع من الكتب يطبع في ألمانيا والنصف الثاني يوزع على أقطار العالم ونصف ما يطبع في ألمانيا من الكتب يطبع في ألمانيا ينشر في مدينة ليبسيك فانعم
стр. 6187
بمدينة هذا حالها جمعت العلم والعمل وفي ليبسيك ونفوسها لا تتجاوز ٤٥٠ ألفاً بورصة الكتب وهو وحيد في نوعه ليس له نظير في العالم.
وضع احد الأميركان جائزة بعشرة ألاف دولار لمن يجيد في موضوع القصص الفاجعات فنالت الجائزة العقلية اليس براون محرزة قصب السبق من بين نحو ألف رجل دخلوا في هذه المسابقة فعجب الناس لذلك في الغرب وعدوه من أقصى تفوق المرأة.
البولونيون
ثبت أن عدد البولونيين المنبثين في أقطار الأرض يتجاوزون ٢٥ مليوناً نصفهم في بولونيا الروسية وأربعة ملايين ونصف في بولونيا النمساوية وأربعة في بروسيا وأربعة ملايين في سائر أقطار العالم فهو بكثرة عددهم في الدرجة السادسة من الأمم بين ايطاليا واسبانيا وهم أكثر شعوب الأرض أولاداً وسيصبح عددهم بعد خمسين سنة ٣٥ مليوناً وعدد الروس ١٢٠ والألمان ١٠٠ والانكليز ٥٥ والفرنسيس ٣٥ مليوناً. وقد قسمت أراضي بولونيا ثلاث قسمات منها ١٢٧ ألف كيلو متر مربع ضم إلى ارض روسيا و١٠٠ ألف كيلو متر إلى النمسا و٦٠ ألفاً إلى بروسيا أي مساحة بولونيا القديمة ثلثمائة ألف كيلومتر مربع أو بقدر مساحة النمسا بدون المجر أو نصف ألمانيا أو نصف مساحة فرنسا أو نحو مساحة بر الشام. وقد ذكر احدهم في مجلة الأمم أن بولونيا الحية العظمى المجروحة في كبدها المظلومة في حقوقها تتوقع تحريرها من حالتها وجعلها مملكة برأسها مستقلة أو تابعة لمملكة أخرى تبعية المجر للنمسا وتدور جميع سياستها حول هذه المسألة وهو هل تكتفي باستقلال إداري مهما كان نوعه أو تقاتل للحصول على استقلال سياسي تام كامل وهذه المسألة ما زالت توضع على بساط البحث في بوسنانيا وغاليسيا ومملكة بولونيا ففي بوسنانيا يطالب البولونيون إلى حب النمسا وفي بروسيا بالنظر للتيار الديمقراطي الألماني أصبحت أصول إدارة القسم البولوني محتملة مقبولة على العكس في روسيا فان الضغط فيها على البولونيين على اشده والحجة في ذلك أن البولونيين هناك إذا نفس خناقهم يعودون إلى شق عصا الطاعة في حين أن فنلندا التي لم تفارق الجماعة يوماً لا تعاملها روسيا معاملة أحسن بولونيا وبهذا عرفت أن جزءاً من الأمة البولونية يفكر في نيل استقلاله أو على الأقل يود الانضمام إلى النمسا. كل هذا مما يدعو البولونيين إلى إهراق دمائهم في
стр. 6188
سبيل الحصول على حياة سياسية فقدتها وما فتئت تدل إنها لها أهل فقد قيل: إذا سلست حكومة الغريب فان البولونيين يثورون لأنهم يستطيعون ذلك وإذا اشتدت حكومتهم يثورون أيضاً لأنه يجب عليهم ذلك. ولكن انقسام الأحزاب السياسية في بولونيا يحول دون تحقيق هذه الأماني من جعل مملكة بولونيا مستقلة ولذا ترى هذا الشعب يميل إلى وضع يده بيد النمسا لان منازعها الوطنية ليس فيها عنف ولا إكراه والأمل في تحقيق هذا الرجال معقوداً على أبناء الأجيال المقبلة من بنين وبنات ممن يرحلون في طلب العلم والتربية إلى كليات فرنسا وسويسرا وانكلترا والبلجيك يتعلمون التعليم الحر ولا ينسون مصير وطنهم.
موت المستحمين
تدعو حرارة الصيف بعض الناس إلى الاستحمام في الأنهار فليس من العبث تنبيههم على الأخطار التي يتعرضون لها وقد يهلك بعضهم فجأة في شهري تموز وأب عقيب اغتسالهم في الماء الجاري وينسب موتهم في العادة إلى صرع يصيبهم من كثرة التعب وشدة التحول من الحرارة إلى البرودة أو إلى الدخول في الماء على امتلاء قبل أن يتم الهضم. وهذه الأسباب بعيدة عن الحق قليلاً إذ تبين من تشريح الغرقى انه قل وقوع الاضطراب في القلب ولا سيما في سن الشباب ممن تكون أجسامهم قوية ويحسنون العوم. وقد قال احد أطباء الألمان أن السبب في هلاك بعض المستحمين هو اضطراب يحدث في دهليز الأذن الداخلي بسبب دوران الرأس والرمش التشنجي. وهذه الظواهر تبدو في بعض الأشخاص الذين أصيبوا بآفة في غشاء طبلة الأذن عندما يدخل الماء البارد في أذانهم والموت الفجائي الذي يحدث في الماء ينشأ من تلف دهليز الأذن وكثير من الشبان قد أصيبوا بآفة فيها منذ صغرهم بدون أن يعرفوا ذلك ولذا فإن الغطسة الفجائية قد يحدث منها اضطراب في حاسة السمع والماء البارد قد ينشأ منه بانهيال فجائي على تجويف الأذن تأثير سيء في المعدة والدماغ ولذلك كان من الضرر على الصحة امتلاء معدة المستحم وهو ينغمس في الماء وقد نصح الطبيب الألماني لمن كانت فيهم آفة في غشاء طبلة آذانهم أن يسدوها بسداد من القطن المندوف.
الغدد
أن الغدد أو الأورام التي تحدث في الأعناق تنشأ من تضخم الجسم الدرقي وتكون تارة
стр. 6189
متفرقة أو خلقة وطوراً موضعية أو ناشئة عن أسباب محلية. والغدد أو السلعات تكثر في الغالب في البلاد الجبلية وقد يصاب المصاب بصمم وخرس ووجع قلب واضطراب في الذهن يكون منها البله أو نقص في البنية والفهم. وكانوا في القديم يعزون هذا المرض إلى ماء الشرب ثم اخترعوا له أسباباً أخرى أكثرها تصوري وقد ذكر احد علماء الفرنسيس مؤخراً هذه الغدد شجر الجوز وان إحدى القرى لما قلعت أشجارها لم يبق اثر للغدد في أهلها إلا قليلاً مصابين بها وأكد احد أطباء سويسرا وسويسرا بلد الغدد أن هذا المرض صلة مع التركيب الجيولوجي للبلد فان الأراضي من العصر الأولي المركبة تركيباً بحرياً أكثر استعداداً للغدد من الأراضي التي هي من الدور الثانوي وتكون طباشيرية أو من الطبقة الأرضية المعروفة بالترياس. وان الماء الذي يجري من الأراضي المركبة تركيبا ً بحرياً تحتوي مواد تحدث منها الغدد.
وقال طبيب سويسري آخر أن هذه الغدد يصاب بها الواحد ونجا الآخر وجربت تجارب كثيرة في سويسرا وفرنسا وانكلترا ونرويج في هذا المرض وقد أصيبت قرية برمتها بالغدد في سويسرا فحاولت الحكومة بكل ما لديها من وسائل التطهير ونزع العادات المضرة التي ربما كان منها فتو هذا المرض فلم تفلح وبقي أهلها ذوي غدد وقد الفت لجنة تبحث في المياه التي ستقون منها فتبين إنها خالية من كل شائبة وان الغدد في السكان لم تنشأ من تركيب الأرض ولا من الينابيع مما لا يحول دون اشتداد المرض ونسبت اللجنة ذلك إلى الأسباب الصحية التي جرت عليها أهل تلك المقاطعة وثبت أن الغدد خلقية لا موضعية وأكد احد الأطباء انه رأى رجلاً مصاباً بالغدد وله ولدان أبلهان ناقصا البنية كانا يلعبان مع كلبين في الدار يجعلانهما في فراشيهما فأصيب الكلبان بالغدد والكلب الثالث كان أقوى بنية من أخويه أصيب أيضاً بهذا المرض مما دل أنه يعدي وهو وبائي. وفي بلاد البرازيل مرض يشبه الغدد يصيب صغار الأولاد خاصة.
التلفون والسينماتوغراف
جربوا مؤخراً نقل الأصوات بالتلفون بواسطة السينماتوغراف فنقلوا في ساعة عشرين صورة إلى مسافة طويلة بدت كأنها تمثل أمام ناظرك وبذلك تنقل الحوادث التي تحدث في باريز بعد زمن قصير جداً إلى برلين بواسطة التلفون.
стр. 6190
النقرس والمفاصل
أسس في كلية كمبردج من بلاد الانكليز مستشفى خاص بالعناية بالمصابين بأمراض النقرس وداء المفاصل وذلك برئاسة أخصائي كبير بطب هذا المرض وهو يبحث بحثاً علمياً وتجريبياً في أسباب شفاء هذا المرض الذي لم تبرح أسبابه مجهولة وفي هذا المستشفى معمل للتصوير وآخر لاستعمال أشعة اكس وفيه مجموعة نادرة من العظام يتصور المرء الصور الشتى التي تشوه الصورة الإنسانية والأصل فيها داء المفاصل وفي متحف المستشفى هياكل عظام عثر عليها مدفونة في مصر وفي مقابر يونلن ورومية القديمة يستدل منها أن داء المفاصل كان موجوداً على اختلاف ضروبه منذ الأعصر المتطاولة ويجري مدير المستشفى الآن تجارب كثيرة في الحيوانات لاكتشاف باشلس داء المفاصل والنقرس وتركيب مصل يشفي من ألام هذا المرض العقام.
الذباب
يدخل الذباب في معدته جراثيم باثولوجية وتحتفظ بها في حواسبها على اشد ما تكون من القوة السمية مدة الشتاء وقد شرح احد الأطباء مئات من الذباب فوجد في معدها جراثيم كثيرة من الكوليرا والحمى التيفوئيدية وبذلك ستصبح عزائم بعض حكومات الغرب على إبادة الذباب حتى لا يدخر الجراثيم في معدته وينقلها من الشتاء إلى الصيف.
стр. 6191
مخطوطات ومطبوعات
التحفة السنية
بأسماء البلاد المصرية
جمع الشيخ شرف الدين يحيى بن المفر بن الجيعان طبع بالمطبعة الأهلية بمصر سنة ١٨٩٨ هذا الكتاب هو في ذكر ما بإقليم مصر من البلدان وعبرة كل بلد وكم مساحته بالأفدنة نشره المسيو موريس مدير دار الكتب الخديوية السابق على نفقة هذا الدار العامرة وقد قال في مقدمته أن مؤرخي العرب لم يذكروا تقويماً في أملاك مصر وهو المعروف بالروك أيضاً على عهد استيلاء دولة المماليك سوى مرتين نظم احدهما بأمر حسام الدين لاجين سنة ٦٩٧ هـ ١٢٩٨م والثاني بعد سنين قليلة أي في سنة ٧١٥هـ - ١٣١٥م أمر بعمله الملك الناصر محمد بن قلاوون وهو صاحب الآثار الكثيرة في العمران في مصر والشام وهذان الروكان لم يعرف عنهما شيء ولعل هذا الروك لابن دقماق الذي عمله سنة ٧٧٧هـ - على عهد السلطان الأشرف شعبان هو عيرذينيك الروكين إذا لم يجر في كتابه ذكر للروكين السافلين. قال المؤلف أن جملة عدة الأقاليم بالديار المصرية على ما استقر عليه الحال إلى آخر شوال سنة سبع وسبعين وسبعمائة وذلك في أيام الاشرف شعبان بن حسين وجملة ذلك تسعة ألاف ألف وخمسمائة ألف وأربعة وثمانون ألفاً ومائتان وأربعة وستون ديناراً جيشية وعدتها خارجاً عن بلاد الديوان بالجيزية ألفان ومائة وثلاث وستون ناحية واصل ما وضعت عبرة البلاد فيما مضى من الزمان ليعرف من عبرة كل بلد قدر متحصلها وبيان ذلك أن الدينار الجيشي كانت قيمته ثلاثة عشر درهماً وثلث درهم. . وقد وقع الكتاب في ١٩٦ صفحة فهرست الإعلام الواردة فيه في ٧١ وهي من عمل السيد محمد الببلاوي.
تاريخ الفيوم وبلاده
لأبي عثمان النابلسي الصفدي طبع بالمطبعة الأهلية
سنة ١٨٩٩ ونشره المسيو موريس ص٢٠٤
مؤلف هذا الكتاب هو من عمال الملك الصالح أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب من أهل القرن السابع للهجرة
стр. 6192
وهو سوري وكل إليه إصلاح بلاد الفيوم المصرية فكتب كتابه هذا في وصفها ومزاجها وهوائها ومائها وخلجانها وسكانها وبدوها وحضرها وبحرها وأسماء بلادها وجوامعها ومساجدها وأديارها وكنائسها وغلتها وثروتها وارتفاعها بلداً بلداً وجعل ذلك لسنة ٦٤١ وهي السنة التي أمر بالنظر في الفيوم وعقيبها ألف هذا الكتاب والغالب أن المؤلف أصيب بمرض الأب وأخذه الحنين إلى نابلسه وصفده ولعلهما كانتا أمر من الفيوم إذ ذاك فقال في آخر كتابه: اللهم خلد ملك مولانا السلطان وانصره وارزقني عاطفة من عواطفه أعود بها إلى وطني واسكن إلى سكني ألاقي بها سرور النفس وأفاق من قارنته من غير الجنس.
قال المؤلف في مزاج الفيوم وهو قول شف عن كبرياء فيه له ما يماثله من كبرياء العمال في هذا العصر بل وفي كل عصر وما هو إلا دليل ترفعهم عمن كان يجب عليهم الاختلاط بهم من السكان وإصلاح ما اختل من أحوالهم أن كان بأيديهم الرفع والخفض والإبرام والنقض: ولقد رأيت سكان مدينة الفيوم نفسها كأنهم وحش في صورة بني ادم ليس فيهم ولا بهم انس يستوحش الجالس في جمعهم ولا يستأنس الوافد في ربعهم حتى إنني وجدت الوحشة بدخولي إليها والانفراد بمقامي فيها حتى كتبت لبعض الناس من أبيات:
اشتقت فيها الناس حتى لقد ... ناديت وأشواقي إلى الناس
وأنشدني بعض الناس لشاعر دخل إلى الفيوم بيتين وهما:
يا حبذا بلد الفيوم من بلد ... كجنة الخلد انهاراً وأشجاراً
الله يعلم أني مذ حللت بها ... وجدت داراً ولكن لم أجد نارا
فأجبته في الحال بديهاً
إن قال من سكن الفيوم آونة ... وجدت داراً ولكن لكم أجد جارا
فإنني لم أجد مذ جئتها أحداً ... من الذي قال لا داراً ولا جارا.
ولا يتحركون بحركة إلا بمحرك مثل البهائم يقيم الواحد المشهور منهم المدة الطويلة في بيته ولا يخرج من داره ولا يعرف ما الناس فيه ورأيت من أقام بها من الغرباء فطالت مدتهم يلحقه من حيث لا يشعر والانفراد يوجب الوحشة ويكدر الروح الحيواني ويقتضي تردد العفن في المواضع التي هم بها والرطوبة عليها غالبة فيتراجع العفن إليهم يستنشقونه مع الهواء الذي يجد الحرارة الغريزية والروح الحيواني فيكدره وتقوى السوداء عليهم
стр. 6193
وتتكاثف الأبخرة المتحللة منهم وتبطي وتقل وتتراد في أبدانهم لعدم الحركة لا يعرف احد منهم بمكرمة ولا شجاعة ولا كرم ولا أريحية ولا ترنح ولا منهم ذو صورة جميلة ولا من له صوت حسن البتة ولا علم من العلوم ولا بعمل من الأعمال الدقيقة ولا من الصنائع الحسنة والأفعال المستحسنة قد غلب عليهم الكمد ولعمري لقد أقمت بالفيوم إلى حين تأليف هذا الكتاب مدة تزيد على شهرين في موضع عالي البناء رحب الفناء مكشوف من جهاته الأربع للهواء فما سمعت فيها بعرس ولا اجتماع طائفة لأنس ولا مر في طريقها احد فترنم أو غلبه ترنح فغنى أو على مذهب الفقراء زمزم بزهم في غاية الغلظ والخشونة قليل البقاء عند استعماله موصوف الغزل بضعفه وانحلاله بخلاف ما حولهم من البلاد وأغناهم لحومها قحلة رخوة كثيرة العروق عديمة الدهن قد غلب عليها العجف مع كثرة العلف لا يوجد فيها سمين البتة كأنه في المذاق تبن وكأنه في الفم وقت المضغ خرقة يلوكها الإنسان أو قطعة لبن وضعت فوق اللسان وطعامهم لعدم الآلية بشحم الكلى لا يدهن السلى وألبانهم لا تنعقد ذلك الانعقاد المعروف وخبزهم رخو إلى الغاية لكن إذا بقي يوماً وليلة يبس وصار كالبقسماط لا لذة في طعمه.
والكتاب ملحق بفهرس من عمل السيد الببلاوي أيضاً كسائر الكتب التي أحيتها بالطبع دار الكتب الخديوية العامرة.
قاموس القضاء العثماني
الجزء الخامس لمؤلفه سليمان أفندي مصوبع
طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٢ - ١٩١٤
ظهر الجزء الخامس من هذا القاموس اللطيف وهو كالأجزاء السالفة بتبويبه وتنسيقه وحسن تأليفه يفيد كل طالب في علم الحقوق وراغب من العثمانيين في دراسة القانون فلمؤلفه الشكر على نشاطه وقد بلغ ما صدر من صفحات هذا الكتاب إلى آخر هذا الجزء ٦٠٠ صفحة ولا يزال في حرف الدال.
نهاية الأرب
في معرفة انساب العرب
стр. 6194
لأبي العباس الشيخ شهاب الدين احمد بن عبد الله بن احمد بن عبد الله بن سليمان بن إسماعيل القلقشندي الشهير بابن غدة طبع بمطبعة الرياض ببغداد.
على نفقة سليمان أفندي الدخيل
سنة ١٣٣٢ ص٣٧٢
مؤلف هذا الكتاب هو صاحب صبح الأعشى الذي تكلمنا عليه في الجزء الثالث من هذه السنة وكتابه هذا في معرفة قبائل العرب والعلم بأنسابها رتبه على حروف المعجم وذكر في مقدمته ما يحتاج إليه في علم الأنساب ومعرفة القبائل وفيه خمسة فصول الأول في الأنساب وفائدته الثاني في بيان من يقع عليه اسم العرب وذكر أنواعهم الثالث في معرفة طبقات الأنساب الرابع في مساكن العرب القديمة التي منها درجوا إلى سائر الأقطار الخامس في أمور يحتاج إليها الناظر في علم الأنساب. ثم الحق ذلك بمقصد تكلم فيه على انساب قبائل العرب وفي جملة لك ذكر عمود النسب النبوي وما يتفرع عنه من الأنساب وذكر تفاصيل القبائل مرتبة مقفاه على حروف المعجم وما يتهيأ ذكره من مساكنهم وفي الخاتمة ذكر أموراً تتعلق بأحوال العرب فتكلم على ديانات العرب قبل الإسلام وعلى أمور من المفاخرات الواقعة بين قبائلهم وما ينجر إلى ذلك وعلى الحروب الواقعة بين العرب في الجاهلية ومبادئ الإسلام وعلى نيران العرب في الجاهلية وأسواق العرب المعروفة فيما قبل الإسلام وأمور يحتاج إليها في علم الأنساب ومعرفة القبائل وقد خدم المؤلف بكتابه خزانة أبي المحاسن يوسف الأموي القرشي عزيز المملكة المصرية وسفيرها ومدير الممالك الإسلامية ومشيرها وهو المعروف بالمقر الجمالي ومدحه في المقدمة في صفحتين وعاد في ص٢٨ فمدحه أيضاً في صفحتين نظماً ونثراً وبالغ فيه مبالغة الثعالبي بأبي الفتح الميكالي الذي قدم له كتاب فقه اللغة.
جمع هذا الكتاب فأوعى من أسماء قبائل العرب ومساكنهم ونقل من ثقات المؤرخين كابن فضل الله وأبي الفدا وابن جرير وابن خلدون والحمداني. والحمداني هذا كما قال فيه القلقشندي صفحة ١٧٧ كان مهمندراً ومن شأنه معرفة العرب الواصلين إلى الأبواب السلطانية وليس هو الهمداني صاحب صفة جزيرة العرب (المطبوع في ليدن سنة ١٨٨٤) فإن هذا من خير من عني بالبحث في قبائل العرب ومنازلهم ولكن يصعب الكشف عنهم
стр. 6195
في كتابه ويسهل في كتاب القلقشندي لان هذا مرتب على حروف المعجم وذاك يتعرض للقبائل بالعرض أو بالمناسبة والقلقشندي أكثر توسعاً لأنه قرأ كتب المتقدمين وكتب المتأخرين فانتفى ما وقع عليه اختياره. ولو سلمت هذه الطبعة من التحريف والتصحيف وشفعت بفهرس عام لمطالب الكتاب كله لجاء هذا السفر مستوفياً شروطاً الجمال من حيث الوضع والطبع لجلالة موضوعه وفيه من أحبار القبائل في مصر والشام والعراق خصوصاً ما يفيد في تصور أنسابهم وان هؤلاء الإخلاف من أهل البادية هم أبناء أولئك الأسلاف وكثير من القبائل حافظت على أسمائها منذ قرون فنشكر للطابع ونرجو أن يوفق إلى أحياء أمثاله من كتب العرب النافعة.
تسريح الأبصار
في ما يحتوي لبنان من الآثار
للأب هنري لامنس اليسوعي الجزء الأول ص١٥٩
الجزء الثاني ص٢٦٤ طبع في بيروت
بالمطبعة الكاثوليكية سنة ١٩١٤
مؤلف هذا الكتاب من علماء المشرقيات أقام في هذه الديار زمناً وخدم تاريخها وآدابها في دائرة معينة ومن أحسن ما خطته أنامله هذا البحث الجليل في آثار لبنان استند فيه إلى اصح ما كتب في هذا الشأن بعدة لغات وطبق العلم على العمل في المسائل الجغرافية والتاريخية والعادية وكل صفحة من صفحاته تنم عن مادة واسعة وتحقيق دقيق.
وقد حلي هذا السفر النافع بعدة رسوم وصور للعاديات فجاء على جبين الدهر من الكتب الخالدة التي لا يستغني عنها كل من يحب الوقوف على حالة هذا الجبل الطبيعية. وقد نفذت طبعته الأولى وكان نشر أولاً في عدة سنين من أجزاء مجلة المشرق. ثم أعيد طبعه ثانية هذه المرة مع تنقيح قليل وزيادة فهارس للمواد تسهل الانتفاع به فنحث على اقتنائه لأنه من الكتب الممتعة على صقع مهم من أصقاعنا بروية وفضل بحث.
تاريخ حوادث الشام ولبنان
من سنة ١١٩٧ إلى سنة ١٢٥٧ هجرية
стр. 6196
(١٧٨٢ - ١٨٤١ مسيحية)
عني بنشره الأب لويس معلوف اليسوعي في المطبعة الكاثوليكية في
بيروت
سنة ١٩١٢ ص١٢٤
ناشر هذا الأثر التاريخي الأب معلوف صاحب معجم المنجد وغيره هو من العاملين بين الأدباء اليسوعيين وقد أجاد في نشر هذا السفر الذي يجلو الغامض كثيراً في بعض المسائل التي حدثت في عصر كان فيه التاريخ صفحتين سوداء وحمراء سوداء بالجهل وحمراء بالفتن وإهراق الدماء. والمؤلف على ما يظهر ميخائيل الدمشقي كان من موظفي الحكومة والغالب أن هذا الاسم مستعار خاف صاحبه على نفسه فأخفى حقيقته وكتب ما كتب بلسان اقرب إلى العامية الدمشقية في عصره ولم يصحح الناشر من نصها إلا القليل النادر وابقي جمل الكاتب بحالها وعلق بعض الألفاظ العامية شرحاً خفيفاً وقد نقل هذا الكتاب من نسخة في مكتبة المتحف البريطاني في لندن فجمع إلى الفائدة لذة وفكاهة وهو يتناول كثيراً من الوقائع المهمة كبعض وقائع ابن سعود والوهابيين ووقعة سليم باشا في دمشق والسبب فيها ووقائع احمد باشا الجزار صاحب عكا والأمير بشير الكبير صاحب لبنان وحملة نابليون على عكا ودخول المصريين إلى الشام وغير ذلك مما تلذ تلاوته لصدوره من شاهد عيان فنثني على الأب معلوف لإتحافه التاريخ العربي بهذه الذخيرة الفريدة.
البلغة
في شذور اللغة
لائمة كتبة العرب نشرها الدكتور أوغست هفنر والأب لويس شيخو
طبعة ثانية بالمطبعة الكاثوليكية سنة ١٩١٤ ص١٧٥
هذا مجموع حوى رسائل لغوية من أنفس ما كتبه علماء العربية كالأصمعي وأبي زيد وأبي عبيد والنضر بن شميل وفيه كتاب الدارات وكتاب النبات والشجر وكتاب النخل والكروم وهي للأصمعي نشرها الدكتور هفنر وكتاب المطر لأبي زيد والرحل والمنزل لابن قتيبة (لأبي عبيد) واللباء واللبن لأبي زيد وملحق بكتاب اللباء واللبن لابن قتيبة ورسالة في
стр. 6197
المؤنثات السماعية ورسالة في الحروف العربية للنصر بن شميل وشرح مثلثات قطرب بالرجز وقد علق لناشران عليها حواشي لتسهيل الغامض أو إثبات صحة النص وجعلا لكل رسالة فهارس لغوية مرتبة على حروف المعجم وقدما على كل رسالة نبذة وجيزة لتعريف صاحبها ومضمونها والنسخ التي استند إليها وشكلاها بالشكل الكامل بطبع مشرق تلذ مطالعته. ومعظم هذه الرسائل مما تشتد حاجة المؤلف والكاتب إلى مدارسته مثل رسالة المؤنثات السماعية ويظن إنها لنور الدين بن نعمة الله الحسيني الجزائري وهي صغيرة وقعت في خمس صفحات. وأكثر موضوعات هذه المجموعة ليست مضمونة في شيء مما لدينا من كتب اللغة المضمونة كالمخصص واللسان والتاج والأساس والمصباح والصحاح وفقه اللغة بل هي في موضوع خاص مثل كتاب الأضداد والمقصور والممدود وأدب الكاتب والصاحبي وفقه اللغة وفصيح ثعلب والألفاظ الكتابية وغيرها. فأكرم بهمة ترينا كل يوم أثراً من آثارها وتحيي لنا أثراً نافعاً من آثار أجدادنا.
стр. 6198
جرجي بك زيدان
فجعت الآداب العربية في العشر الأخير من تموز ١٩١٤ برصيفنا جرجي بك زيدان صاحب مجلة الهلال ومؤلف تاريخ التمدن الإسلامي وصاحب التصانيف والروايات الكثيرة مثل تاريخ الآداب العربية وتاريخ مصر الحديث ومشاهير الشرق والفلسفة اللغوية وتاريخ الماسونية العام وغيرها. توفاه الله في القاهرة فجأة فعز نعيه على الأذان أكبرت النفوس الخطب فيه الجليل خدمته للعرب وتاريخهم ولغتهم وحضارتهم.
ولد الفقيد في بيروت يوم ١٤ كانون الأول من شهور سنة ١٨٦١ وتلقى مبادئ العلوم في مدارسها الابتدائية ثم دعته حالة والده المالية إلى الانتقال معه وكان صغيراً ولما بلغ الثانية عشرة وانشأ خلال ذلك يكب على المطالعة ويتعلم الانكليزية وبعض العلوم ودرس الصيدلة ونال شهادتها ثم هبط مصر ليتلقى الطب في القصر العيني فاستطال مدة الدراسة ثم تولى تحرير جريدة الزمان حولاً كاملاً وفي سنة ١٨٨٤ سار مع الحملة إلى السودان لإنقاذ غوردون باشا بصفة مترجم بقلم المخابرات وعاد بعد عشرة أشهر إلى بيروت وفي صيف سنة ١٨٨٦ زار لندرا وعاد في الشتاء إلى مصر فتولى إدارة مجلة المقتطف والمؤازرة فيها حتى سنة ١٨٨٨ وفي سنة ١٨٩٢ اصدر مجلة الهلال وقد اتم بوفاته سنتها الثانية والعشرين وزار في السنة الفائتة بعض بلاد الغرب وكتب عنها ومعظم تأليفه صدرت في العهد الأخير مع اطراد صدور مجلته التي راجت رواجاً لم يعهد لمجلة عربية ومع هذا لم تكن تقوم بنفقته كلها كما كان أكد لنا لولا الروايات التي كان يشفعها بها ثم يخرجها على حدة ومنها ما طبع مرات ومنها ما ترجم إلى بعض اللغات.
راجت كتب الفقيد العالم ومجلته لأنه كان له أسلوب خاص قلما يشاركه فيه مشارك من السلاسة وحسن التنسيق فكان يكتب ليفكه القارئ أولاً ثم يعمله وفي الغالب انه كان يتوخى النوع الأول فجاءت بعض كتبه التاريخية والعلمية كثيرة الاستنباط عليها في بعض الأحيان مسحة من أسلوب القصص والتوسع في الاستنتاج ولكنها مفيدة في تثقيف عقول جمهور كبير من القراء ممن نشرت بينهم المعارف التاريخية ولا سيما تاريخ الإسلام في الجملة وهذه الطبقة من الناس لو لم تأتها الفوائد بالعرض من أيسر السبل لم تجب إليها المطالعة.
ولذلك فإن لصاحب الهلال فضلاً كبيراً على الآداب العربية لأنه نشر كتبه ومجلته أبحاثاً كانت مدفونة عن العامة لا يتناولها سوى الخاصة من العلماء والمتأدبين.
стр. 6199
ولكثرة ما كان يطلب منه أن يكتسب يضطر أحياناً إلى عدم التوسع في البحث ويكتسب من حاضر الوقت بحسب ما يجول في خاطره لأول وهلة وقد عيب عليه تحامله في تاريخ التمدن الإسلامي على العرب حتى اتهم بأنه من غلاة الشعوبية وتناولته السن الناقدين من العلماء والأدباء بالنقد ومنهم من جاوز الحد في غمطه حقه وتحامل عليه في أشياء لا يخلو منها كتاب ومنهم من كان يطلب منه أن يكون مسلماً في بحثه وكان من قومه من يرمونه بالميل للإسلام والإفراط في ذكر مآثر العرب.
صرف فقيدنا العزيز معظم حياته في خدمة التاريخ فهو المادة الأولى في مجلته وكتبه كلها ينوع أساليبه ويقرب من الأذهان بعيده وكان لبسط العبارات الساذجة يتناول ما قاله المؤرخون ويقتضب من كلامهم أو يكتسبه بأسلوبه المعتاد فيضيع أحياناً بعض جمل ربما كانت هي روح تلك الفقرات وكثيراً ما كان يتغاضى عن ذكر السند أو ينقل ما يدور على الأفواه ويأخذ بالمتعارف لعامة القراء الملذ لهم المفرح.
وقد تعلم في آخر أمره مبادئ الألمانية والافرنسية فكان يقتبس في كتبه العلمية بعض ما كتبه علماء المشرقيات منهم على الآداب العربية والتاريخ الإسلامي وحاز شهرة في الأندية العلمية في الغرب وعين عضواً في بعض جمعياته ونال بعض الألقاب والأوسمة.
وكان أجزل الله ثوابه عاملاً مجداً مرتب العمل انتظمت حاله برواج مطبوعاته بواسطة الهلال ومكتبته ومطبعته وله شهرة في العالم العربي نالها عن استحقاق وبسهر الليالي والمطالعة والمراجعة. كان عصامياً فصار بدرسه وبحثه واجتهاده من أفراد الناس بين من يعانون صناعة التأليف في الشرق العربي ووصل به جده واجتهاد إلى مصاف العلماء على حين لم يدرس في الكليات العظمى ولا نال شهاداتها وإجازاتها الطنانة الضخمة وكم من أناس أسعدهم الحظ بقضاء سنين طويلة في المدارس الجامعة ودرسوا علومها وأحرزوا شهاداتها ولم يكتب لهم أن يبلغوا جزءاً صغيراً مما بلغه صاحب الهلال بثباته ومثابرته ودرسه وعنايته مما دل أن العبرة بالدارس لا بالمدارس وبقوة العقل في الرجال لا بمجد الآباء وكثرة الأموال.
ولذا كان فقد المترجم به في سن الكهولة شديد الألم على كل عارفيه وأصدقائه ومن انتفعوا بآثاره وأقهم تلطفه في الأداء وخدمته امزجه الجمهور من القراء وسيكون اسمه على جبين
стр. 6200
الدهر خالداً ما دامت العربية وتبقى ما خطته يمينه يتداول حتى يقوم في الأمة من يكتب لها بأسلوب آخر ومعلومات أوفر وبحث أوسع وأمتع. عوض الله الأمة العربية عنه وجازاه جزاء العاملين.
следующие страницы →