← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

(١٧٨٢ - ١٨٤١ مسيحية) عني بنشره الأب لويس معلوف اليسوعي في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٢ ص١٢٤ ناشر هذا الأثر التاريخي الأب معلوف صاحب معجم المنجد وغيره هو من العاملين بين الأدباء اليسوعيين وقد أجاد في نشر هذا السفر الذي يجلو الغامض كثيراً في بعض المسائل التي حدثت في عصر كان فيه التاريخ صفحتين سوداء وحمراء سوداء بالجهل وحمراء بالفتن وإهراق الدماء. والمؤلف على ما يظهر ميخائيل الدمشقي كان من موظفي الحكومة والغالب أن هذا الاسم مستعار خاف صاحبه على نفسه فأخفى حقيقته وكتب ما كتب بلسان اقرب إلى العامية الدمشقية في عصره ولم يصحح الناشر من نصها إلا القليل النادر وابقي جمل الكاتب بحالها وعلق بعض الألفاظ العامية شرحاً خفيفاً وقد نقل هذا الكتاب من نسخة في مكتبة المتحف البريطاني في لندن فجمع إلى الفائدة لذة وفكاهة وهو يتناول كثيراً من الوقائع المهمة كبعض وقائع ابن سعود والوهابيين ووقعة سليم باشا في دمشق والسبب فيها ووقائع احمد باشا الجزار صاحب عكا والأمير بشير الكبير صاحب لبنان وحملة نابليون على عكا ودخول المصريين إلى الشام وغير ذلك مما تلذ تلاوته لصدوره من شاهد عيان فنثني على الأب معلوف لإتحافه التاريخ العربي بهذه الذخيرة الفريدة. البلغة في شذور اللغة لائمة كتبة العرب نشرها الدكتور أوغست هفنر والأب لويس شيخو طبعة ثانية بالمطبعة الكاثوليكية سنة ١٩١٤ ص١٧٥ هذا مجموع حوى رسائل لغوية من أنفس ما كتبه علماء العربية كالأصمعي وأبي زيد وأبي عبيد والنضر بن شميل وفيه كتاب الدارات وكتاب النبات والشجر وكتاب النخل والكروم وهي للأصمعي نشرها الدكتور هفنر وكتاب المطر لأبي زيد والرحل والمنزل لابن قتيبة (لأبي عبيد) واللباء واللبن لأبي زيد وملحق بكتاب اللباء واللبن لابن قتيبة ورسالة في

стр. 6197

المؤنثات السماعية ورسالة في الحروف العربية للنصر بن شميل وشرح مثلثات قطرب بالرجز وقد علق لناشران عليها حواشي لتسهيل الغامض أو إثبات صحة النص وجعلا لكل رسالة فهارس لغوية مرتبة على حروف المعجم وقدما على كل رسالة نبذة وجيزة لتعريف صاحبها ومضمونها والنسخ التي استند إليها وشكلاها بالشكل الكامل بطبع مشرق تلذ مطالعته. ومعظم هذه الرسائل مما تشتد حاجة المؤلف والكاتب إلى مدارسته مثل رسالة المؤنثات السماعية ويظن إنها لنور الدين بن نعمة الله الحسيني الجزائري وهي صغيرة وقعت في خمس صفحات. وأكثر موضوعات هذه المجموعة ليست مضمونة في شيء مما لدينا من كتب اللغة المضمونة كالمخصص واللسان والتاج والأساس والمصباح والصحاح وفقه اللغة بل هي في موضوع خاص مثل كتاب الأضداد والمقصور والممدود وأدب الكاتب والصاحبي وفقه اللغة وفصيح ثعلب والألفاظ الكتابية وغيرها. فأكرم بهمة ترينا كل يوم أثراً من آثارها وتحيي لنا أثراً نافعاً من آثار أجدادنا.

стр. 6198

جرجي بك زيدان فجعت الآداب العربية في العشر الأخير من تموز ١٩١٤ برصيفنا جرجي بك زيدان صاحب مجلة الهلال ومؤلف تاريخ التمدن الإسلامي وصاحب التصانيف والروايات الكثيرة مثل تاريخ الآداب العربية وتاريخ مصر الحديث ومشاهير الشرق والفلسفة اللغوية وتاريخ الماسونية العام وغيرها. توفاه الله في القاهرة فجأة فعز نعيه على الأذان أكبرت النفوس الخطب فيه الجليل خدمته للعرب وتاريخهم ولغتهم وحضارتهم. ولد الفقيد في بيروت يوم ١٤ كانون الأول من شهور سنة ١٨٦١ وتلقى مبادئ العلوم في مدارسها الابتدائية ثم دعته حالة والده المالية إلى الانتقال معه وكان صغيراً ولما بلغ الثانية عشرة وانشأ خلال ذلك يكب على المطالعة ويتعلم الانكليزية وبعض العلوم ودرس الصيدلة ونال شهادتها ثم هبط مصر ليتلقى الطب في القصر العيني فاستطال مدة الدراسة ثم تولى تحرير جريدة الزمان حولاً كاملاً وفي سنة ١٨٨٤ سار مع الحملة إلى السودان لإنقاذ غوردون باشا بصفة مترجم بقلم المخابرات وعاد بعد عشرة أشهر إلى بيروت وفي صيف سنة ١٨٨٦ زار لندرا وعاد في الشتاء إلى مصر فتولى إدارة مجلة المقتطف والمؤازرة فيها حتى سنة ١٨٨٨ وفي سنة ١٨٩٢ اصدر مجلة الهلال وقد اتم بوفاته سنتها الثانية والعشرين وزار في السنة الفائتة بعض بلاد الغرب وكتب عنها ومعظم تأليفه صدرت في العهد الأخير مع اطراد صدور مجلته التي راجت رواجاً لم يعهد لمجلة عربية ومع هذا لم تكن تقوم بنفقته كلها كما كان أكد لنا لولا الروايات التي كان يشفعها بها ثم يخرجها على حدة ومنها ما طبع مرات ومنها ما ترجم إلى بعض اللغات. راجت كتب الفقيد العالم ومجلته لأنه كان له أسلوب خاص قلما يشاركه فيه مشارك من السلاسة وحسن التنسيق فكان يكتب ليفكه القارئ أولاً ثم يعمله وفي الغالب انه كان يتوخى النوع الأول فجاءت بعض كتبه التاريخية والعلمية كثيرة الاستنباط عليها في بعض الأحيان مسحة من أسلوب القصص والتوسع في الاستنتاج ولكنها مفيدة في تثقيف عقول جمهور كبير من القراء ممن نشرت بينهم المعارف التاريخية ولا سيما تاريخ الإسلام في الجملة وهذه الطبقة من الناس لو لم تأتها الفوائد بالعرض من أيسر السبل لم تجب إليها المطالعة. ولذلك فإن لصاحب الهلال فضلاً كبيراً على الآداب العربية لأنه نشر كتبه ومجلته أبحاثاً كانت مدفونة عن العامة لا يتناولها سوى الخاصة من العلماء والمتأدبين.

стр. 6199

ولكثرة ما كان يطلب منه أن يكتسب يضطر أحياناً إلى عدم التوسع في البحث ويكتسب من حاضر الوقت بحسب ما يجول في خاطره لأول وهلة وقد عيب عليه تحامله في تاريخ التمدن الإسلامي على العرب حتى اتهم بأنه من غلاة الشعوبية وتناولته السن الناقدين من العلماء والأدباء بالنقد ومنهم من جاوز الحد في غمطه حقه وتحامل عليه في أشياء لا يخلو منها كتاب ومنهم من كان يطلب منه أن يكون مسلماً في بحثه وكان من قومه من يرمونه بالميل للإسلام والإفراط في ذكر مآثر العرب. صرف فقيدنا العزيز معظم حياته في خدمة التاريخ فهو المادة الأولى في مجلته وكتبه كلها ينوع أساليبه ويقرب من الأذهان بعيده وكان لبسط العبارات الساذجة يتناول ما قاله المؤرخون ويقتضب من كلامهم أو يكتسبه بأسلوبه المعتاد فيضيع أحياناً بعض جمل ربما كانت هي روح تلك الفقرات وكثيراً ما كان يتغاضى عن ذكر السند أو ينقل ما يدور على الأفواه ويأخذ بالمتعارف لعامة القراء الملذ لهم المفرح. وقد تعلم في آخر أمره مبادئ الألمانية والافرنسية فكان يقتبس في كتبه العلمية بعض ما كتبه علماء المشرقيات منهم على الآداب العربية والتاريخ الإسلامي وحاز شهرة في الأندية العلمية في الغرب وعين عضواً في بعض جمعياته ونال بعض الألقاب والأوسمة. وكان أجزل الله ثوابه عاملاً مجداً مرتب العمل انتظمت حاله برواج مطبوعاته بواسطة الهلال ومكتبته ومطبعته وله شهرة في العالم العربي نالها عن استحقاق وبسهر الليالي والمطالعة والمراجعة. كان عصامياً فصار بدرسه وبحثه واجتهاده من أفراد الناس بين من يعانون صناعة التأليف في الشرق العربي ووصل به جده واجتهاد إلى مصاف العلماء على حين لم يدرس في الكليات العظمى ولا نال شهاداتها وإجازاتها الطنانة الضخمة وكم من أناس أسعدهم الحظ بقضاء سنين طويلة في المدارس الجامعة ودرسوا علومها وأحرزوا شهاداتها ولم يكتب لهم أن يبلغوا جزءاً صغيراً مما بلغه صاحب الهلال بثباته ومثابرته ودرسه وعنايته مما دل أن العبرة بالدارس لا بالمدارس وبقوة العقل في الرجال لا بمجد الآباء وكثرة الأموال. ولذا كان فقد المترجم به في سن الكهولة شديد الألم على كل عارفيه وأصدقائه ومن انتفعوا بآثاره وأقهم تلطفه في الأداء وخدمته امزجه الجمهور من القراء وسيكون اسمه على جبين

стр. 6200

الدهر خالداً ما دامت العربية وتبقى ما خطته يمينه يتداول حتى يقوم في الأمة من يكتب لها بأسلوب آخر ومعلومات أوفر وبحث أوسع وأمتع. عوض الله الأمة العربية عنه وجازاه جزاء العاملين.

стр. 6201

العدد ٩٠ - بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١٤

стр. 6202

المقتبس بعد حولين تصدر هذه المجلة بعد انقطاعها عن قرائها حولين كاملين بسبب الحرب العامة التي انقطعت بها الصلات بين الأمم وأصبح القول قول المدفع والحسام لا قول الصحائف والأقلام وبلي البشر بمحنة لم يكد يبتلى بمثلها في العصور الغابرة فاضطررنا إلى التوقف لنفاد الورق وندرة المواد التي كنا نستقي منها كثيراً من موضوعات هذه الصحيفة بداعي وقوف حركة الأندية والمجامع والمعاهد العلمية وبينما كنا نقول يسعنا ما يسع غيرنا من مجلات الغرب والشرق في الانقطاع عن الصدور قيض الله لهذه المجلة رجلاً تفرد بمزية الإقدام على العظائم والأخذ بأيدي المشاريع العمرانية والعلمية ونعني به بطل العثمانيين ناظر البحرية أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع فأرادنا على معاودة الصدور مسهلاً لنا الصعاب من الأسباب وحجته أدام الله توفيقه أنه لا يليق بالبلاد أن تخلو من مجلة تدون العلوم والآداب وتبث الأفكار الصحيحة وتدعو إلى مكارم الأخلاق فصدعنا بأمره ونحن عاجزون عن أداء شكره ولا غرو فهذا أقل ما يسجل في صحائفه البيض من المآثر في هذا القطر فنسأله تعالى أن يوفقنا إلى إحسان العمل وإتمام ما بدأنا به منه وأن يعيد إلينا نشاطنا السابق في التأليف والتعريب والاقتباس على وجه يجمع بين مصلحة الأمة ومصلحة طلاب الحقائق وعشاق الآداب إنه كريم جواد.

стр. 6203

الحرب العامة بدأت في صيف سنة ١٩١٤ (١٣٣٢) سلسلة من أشأم سلاسل المصائب البشرية لم يعهد لها نظير في تاريخ الأمم السالفة وربما لا يكون لها مثيل في تاريخ الأمم الخالفة ونعني نشوب حرب عامة سالت بها الدماء أنهاراً وعد فيها القتلى بمئات الألوف بل بالملايين وما كان الناظرون في حركة السياسة الأوروبية يظنون أن الحالة تؤدي إلى إشهار هذه الحرب الضروس وتطيش بالنفوس إلى حد يتقاتل المتماثلون والمتجاورون والأقرباء الأدنون ولكن هي المصلحة السياسية المادية تعلو فوق المصالح وتنسى في جانبها القرابة والنسب واللسان والمذهب. السبب الرئيسي في هذه الحرب أن إمبراطورية النمسا والمجر كانت على ما جاء في الكتاب الأبيض الألماني تحاذر من الدعوة التي كانت تنتشر لسلخ الأقسام الجنوبية الشرقية من أملاكها وهي السياسة التي عاضدتها الصرب وجاهرت بها متكلة على معاضدة روسيا لها وهذه كانت تسعى بكل قواها إلى تحقيق هذه الآمال بعقد التحالف البلقاني وذلك بأن الصرب المجاورة لمملكة النمسا والمجر كانت تتقوى الحين بعد الآخر خصوصاً بعد الجرب البلقانية وقد زاد سكانها واتسعت رقعة ممالكها وأخذ الصربيون من سكان النمسا والمجر يتحفزون للوثبة وروسيا ممثلة العنصر الصقلبي العظمى تضمر خلاف ما تظهر فرأت النمسا حياتها صائرة إلى خطر خصوصاً بعد أن أثبت التحقيق أن مقتل ولي عهد النمسا والمجر الأرشيدوق فرنز فردينند في مدينة بوسنة سراي بينما كان ينوب عن عمه الإمبراطور فرنسيس يوسف في حضور المناورات كان بيد جمعية سرية صربية فهلك وقرينته على صورة اشمأز منها العقلاء وذلك لأن الصرب كانت تعد هذا الأمير عائقاً عن بلوغ آمالها فلم يسع النمسا وقد رأت هذا العمل ألفظيع الذي هاجت له أعصاب سكانها إلا أن شهرت الحرب على الصرب يوم ٢٨ تموز فتقدمت الجيوش النمساوية في أراضي الصرب وأخذت تذيقهم العذاب ألواناً. فشق ذلك على روسيا وأمرت بتعبئة جيشها على الحدود الألمانية والنمساوية فلما رأت ألمانيا أن حليفتها النمسا فتحت بينها وبين روسيا الحرب أنذرت روسيا وهددتها فلم يصادف إنذارها وتهديدها تأثيراً في دوائر حكومة القيصر وكان جوابها لألمانية أن على النمسا أن تسلم بالتوسط بينها وبين الصرب وإذا رفضت فلا مناص من إعلان الحرب وقد

стр. 6204

أبرق قيصر روسيا يوم ٢٩ تموز إلى قيصر ألمانيا يرجوه على أن يساعده على منع حليفته النمسا من التوغل في المسألة الصربية منعاً لنشوب حرب أوروبية طاحنة فبادر الإمبراطور غليوم إلى التوسط وبينما المسألة في أخذ ورد مع الحكومات ذات الشأن وإنكلترا تعضد ألمانيا حباً بعدم نشوب حرب عامة صدر أمر عام بتعبئة الجيش الروسي كله وإعداد الأساطيل فرأت ألمانيا سلامتها مهددة فبادرت هي أيضاً إلى تعبئة جيشها دفاعاً عن حليفتها النمسا ولو أتيح (الكتاب الأبيض الألماني) للصرب أن تنحشر في المستقبل بحكومة النمسا لكانت العاقبة تضعضع أركان هذه السلطنة ويلي ذلك خضوع جميع العناصر الصقلبية (السلافية) لصولجان روسيا وهذا مما يؤدي إلى هدم أركان العنصر الجرماني في وسط أوروبا. وفي ٣ آب شهرت ألمانيا الحرب على روسيا وشهرت فرنسا الحرب على ألمانيا على إثر إشهار ألمانية الحرب على روسيا بالنظر لتحالف روسيا وفرنسا ثم شهرت حكومة الجبل الأسود الحرب على النمسا أيضاً وفي ٤ آب أعلنت إنكلترا دخولها الحرب براً وبحراً وعلل ذلك سفيرها في الأستانة أن الأسباب التي حملت دولته على الاشتراك في الحرب الأوروبية هي أن ملك بريطانيا العظمى مرتبط بمعاهدة للدفاع عن الإغارة على مملكة البلجيك الواقعة قبالة الشواطئ الإنكليزية وبين فرنسا وألمانيا. ولما هاجمت ألمانيا البلجيك حاذرت إنكلترا أن تخترق ألمانيا أراضي بلجيكا لتهاجم فرنسا التي لها حدود غير محصنة بينها وبين البلجيك فأعلنت الحرب. قال المستر أسكو بث من ساسة الإنكليز في خطابه الذي ألقاه في مجلس النواب الإنكليزي: إذا سألنا لماذا نحارب فأجيب بعبارتين: أولاً - للقيام بأمور دولية مقدسة لو فرض وعقدت بين شخصين في أمور الحياة الاعتيادية لعدت لا شرعية فقط بل واجبات شرف أيضاً لا يسع أي إنسان يحترم نفسه أن يخل بها. ثانياً - إننا نحارب في وقت تعتبر فيه القوة المادية العامل على المبدأ القائل بأن الأمم الصغيرة لا يجوز أن تسحق بإغارة دولة كبرى تدعي أنها تحافظ على حقوقها وعلى النظام الدولي. وقال أحد كتاب الإنكليز أن بذور هذه الحرب زرعت ستة ١٨٨٤ أيام عزمت ألمانيا أن تصير من دول الاستعمار لما رأت من تغلب بلجيكا على بلاد الكنغو وبسط إنكلترا لسيادتها البحرية على بلاد النيجر وعمل فرنسا في غرب أفريقيا ومدغسكر حاسبة أنها إن لم

стр. 6205

تستول هي على جانب كبير من بلدان الأمم لتتناول منها المواد التي تستعمل في الصناعة وتبيع فيها مصنوعاتها صارت صناعتها مستعبدة ذليلة لأميركا وإنكلترا وفرنسا فاستولت في أفريقيا وجزائر البحر على بلاد مساحتها ١١٣٥. . . ميل مربع ثم قصدت أن تصير من الدول البحرية الكبرى وتبسط نفوذها على البحر الشمالي وبحر البلطيق من الشمال والغرب وبحر الأدرياتيك من الجنوب والشرق وبلغت الأدرياتيك باتفاقاتها مع النمسا حتى صار اتصالها بها أشد من اتصالها ببفاريا إحدى ممالكها ثم إذا وصلت النمسا إلى بحر الأرخبيل وامتد سلطانها إلى كوروفو سهل على ألمانيا الوصول إلى بر الأناضول والعراق ثم رأى إمبراطور ألمانيا أن بسط دولته نفوذها في أفريقيا وما يتوقع أن يستولي عليه من الأملاك العثمانية لا يغنيانه عن الاستيلاء على أسوج والدانمارك وهولندا وبلجيكا فتمتد سلطته حينئذ من أسوج شمالاً إلى تريستا فكورفو فسلانيك فالأستانة فبغداد فخليج العجم جنوباً ويبقى الهند إلى أن تحين ألفرص لتدويخها وبدأ الآن في العمل بما ينويه فهاجم بلجيكا وفرنسا واضطر إنكلترا إلى الدفاع عنهما. وقال كارل هلفريش الألماني في أسباب الحرب العامة أن روسيا أوقدت جذوة الحرب بإعلانها النفير العام الذي أمرت به يوم ٣١ حزيران ١٩١٤ بحيث كان رجال السياسة الروسية يرون ويسمعون بأن عملهم يضطر ألمانيا إلى الدخول في الحرب لا محالة وكل ما نشرته الحكومة الروسية بشأن إعلان النفير العام في بلادها لا أصل له فلا الأسباب العسكرية التي اتخذتها النمسا ولا الأسباب التي تعزى إلى ألمانيا تكفي لتبرير روسيا من إعلانها النفير العام ثم أن روسيا أمرت بالتجنيد العام عقب أن رضيت النمسا بطريقة حل الإشكال بينها وبين جارتها ودخلت روسيا في الحرب بعد أن تأكدت اشتراك فرنسا معها وفرنسا في الغالب لم تعد بمعاونتها لروسيا إلا بعد أن تأكدت مساعدة إنكلترا لها وكان رجال السياسة الإنكليزية مربوطين مع فرنسا رباطاً أدبياً بحيث إذا دخلت فرنسا فلا يسع إنكلترا إلا السير معها أو أنه وقع الاتفاق بينهما في هذا الشأن في أسبوع تلك الأزمة ورأت إنكلترا أن مسألة مقتل ولي عهد النمسا ومسألة الصرب لا تبرر القيام بحرب فاختلقت حجة أمام أمتها وهي مسألة خرق حياد البلجيك. هذا وأمثاله من البراهين الثابتة في المنشورات الرسمية التي أعلنتها حكومات الوفاق ترد

стр. 6206

كل الرد أمام محكمة التاريخ ما يقال من أن ألمانيا أرادت الحرب وأوقدت شعلتها فقد كانت روسيا مسببة الحريق وشريكتاها في عملها إنكلترا وفرنسا. أوقدت روسيا نار الحرب لأنها طامعة في أن يكون لها السلطان الأكبر في الشرق بعد أن تراجع أمرها بعد هزيمتها مع اليابان وعزمها على التغلب على كل مقاومة تبدو من دول أوروبا الوسطى أما فرنسا فإنها اندفعت في هذا السبيل بما كان يغلي في صدرها من مراجل الحقد والأخذ بالثأر من الألمان ممزوجاً بالخوف منهم وذلك ما دعاها إلى أن تحالف كل أمة تعادي ألمانيا أما إنكلترا فإن الحسد الذي فطر عليه تجارها الذين لا يحبون أن يروا لهم منافساً جديداً وما عرف عن هذه الدولة الإنكليزية من الظهور بمظهر العداء أمام كل دولة قوية في التجارة الأوروبية وما اشتهر من تقاليدها في أن الواجب عليها أن تضرب على أيدي كل أمة تريد أن تتوسع في بحريتها هو الذي أدى إلى ما أدى. ولما أرادت ألمانيا اختراق حدود البلجيك أبت هذه عليها ذلك وشهرت عليها الحرب وأرسلت إنكلترا في الحال إلى بلجيكا عدداً من جنودها ورجالها وأعلنت كل من إيطاليا والعثمانية حيادهما إلا أنهما أعلنا النفير العام فباتت أوروبا وقد انقطعت مواصلاتها البرية والبحرية كأنها كلها ثكنة كبرى تتدفق بالجنود والأسلحة وقد قدروا عدد الجنود المتحاربة بنحو خمسة عشر مليوناً. وفي يوم ٦ آب أغلقت إنكلترا مضيقي بادوكالة وجبل طارق كما كانت العثمانية أمرت بإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل وحدثت أول حرب عظيمة بين الأساطيل الألمانية والروسية في البحر البلطيكي فكان ألفوز في جانب الأسطول الألماني الذي أغرق بقنابله طراداً روسياً واحتل جزر الأند التابعة لحكومة فنلندا الروسية وعددها ثلاثمائة جزيرة. واحتل النمساويون ساباك على الشاطئ الأيمن من الساف وبلغراد عاصمة الصرب ويساروفجة وسمندر وسيوط من أعمال الصرب واحتلت الخيالة المجرية اوشتيزا وتقدم الجيش الألماني تقدماً سريعاً في الحدود ألفرنسية واحتل جميع المراكز الحربية ودخلت العساكر الألمانية حدود روسيا وهدمت المراكز العسكرية وهاجمت الخيالة الألمانية طلائع الجيش ألفرنسي واحتلت ألمانيا جزر الأتلنتيك كافة ومنها جزر ايزلاندا وفي ٨ آب أعلنت أسوج والنرويج والدانمارك حيادها رسمياً كما أن اليونان ورومانيا وسويسرا دعت جيوشها

стр. 6207

إلى حمل السلاح وفي ٩ آب احتلت الجيوش الألمانية مدينتي ليج وبروكسل بعد معركة شديدة واحتل الألمان عدة استحكامات روسية وحدثت معركة بحرية بين قسم من الأسطول الألماني والأسطولين ألفرنسي والإنكليزي أسفرت عن غرق ست قطع ألمانية وثلاث قطع فرنسية وقطعتين إنكليزيين وأخرج الجيش الألماني الروس الذين كانوا اجتازوا الحدود الألمانية وأباد ثلاثة الايات من خيلتهم بألفرب من سولدو كما أهلك فرقة عن بكرة أبيها بجوار اينستر بورج واستولى الألمان على كازيتوكوفا وكاليسز وفيلون وكيستارتي وبلاداً أخرى على الحدود الروسية وسقطت مدينة ليج في أيدي الألمان بعد إطلاق القنابل عليها ٣٦ ساعة وفي ٩ آب أعلن مستشار الإمبراطورية الألمانية بأن احتلال الجيش الألماني لمقاطعة بولونيا الروسية قد أحدث سروراً عظيماً في جميع أنحاء ألمانيا وأن الحكومة الألمانية ستمنح هذه المقاطعة استقلالاً وتضم إليها بولونيا الألمانية وبولونيا النمساوية وبذلك يتم تأليف دولة بولونيا المستقلة وفي ١٢ آب ابتاعت الحكومة العثمانية من ألمانيا السوبر دردنوط غوبن والمدرعة برسلو الألمانيتين بأربعين مليون مارك فسمت الأولى ياوز السلطان سليم والثانية مدللي وذلك لتستعيض عن المدرعتين رشادية والسلطان عثمان اللتين استصنعتهما العثمانية في معامل إنكلترا فضبطتهما هذه أوائل الحرب بينما هي على عزم تسليمهما وفي ١٣ منه شهرت فرنسا الحرب على النمسا وحصر الأسطول النمساوي جميع سواحل الجبل الأسود بعد أن كان ضرب انتيفاري مرفأ الجبل ودمرها وشهر الجبل الأسود الحرب على ألمانيا. وانتصر الجيش الألماني في مولهوز ولاغارد على الجيوش ألفرنسية بعد معركة دموية هائلة. وهكذا كان النصر حليف الألمان في معظم الوقائع التي جرت بينها وبين خصيماتها والحرب سجال حتى استولت على انفرس ولوفان وبروكسل وليج ونامور وهاتان الأخيرتان من أعظم حصون العالم وذلك على ما ثبت بواسطة المدفع الذي اخترعته وكان مكتوماً سره عن كل أحد حتى ظهر بظهور الحرب الأخيرة وقطره من عيار ٤٢ سنتمتراً وهو يدك الحصون مهما عظمت ولهم طريقة في نقله إلى الأباعد تدل على تفنن الألمان في الحرب تفننهم في ضروب العلم والصناعات. أما الروس فقد ضربوا جزءاً من بروسيا الشرقية ولكنهم ردوا عنها مرات واستولوا على

стр. 6208

بعض غاليسيا من النمسا ولا سيما عاصمتها لمبرج وتوغلوا في جبال الكاريات ورجعت النمسا عن البلاد التي احتلتها من الصرب لحكمة مجهولة ولما استصفت ألمانيا معظم بلاد البلجيك تقدمت في الأراضي ألفرنسية من الشمال والشمال الشرقي فذعر ألفرنسيين لأنهم رأوا طلائع فرسان الألمان على بعد ثلاثين كيلومتراً من باريس فنقلوا عاصمتهم إلى بوردو في الجنوب الغربي مخافة أن يستولي الألمان على العصمة فتضعف شوكتهم ويختل أمرهم وقد ساعدت إنكلترا بجندها فأرسلت بعض كتائبها إلى البلجيك والبعض الآخر إلى فرنسا تقاتل مع حليفتها فرنسا كتفاً إلى كتف والتقى الأسطول الألماني بالأسطول الإنكليزي في بحر الشمال مرة وفي بحر الشيلي مرة أخرى فكانت الحرب سجالاً فقد من الجانبين مدرعات وطرادات واستولت اليابان حليفة إنكلترا على المستعمرة الألمانية في الشرق الأقصى كما أن جنود الاتفاق الثلاثي استولت على المستعمرات الألمانية في أفريقيا. وهكذا كانت الوقائع تجري بين الاتفاق أو الائتلاف الثلاثي الذي أصبح رباعياً بإعلان إيطاليا الحرب على النمسا وبين الاتحاد الثلاثي والنصر أكثره في جانب الألمان الذين أدهشوا العالم حتى اعترف لهم خصومهم أيضاً بتفوق جيوشهم على جميع الجيوش وثبت أن جيشهم أعظم جيش في الأرض وأن سلاحهم أمضى سلاح وأن قوادهم لا مثيل لهم بين أبطال القرون الماضية وكاد لا يكون لهم قرين بين أبطال القرون الحديثة. نادت الحكومة العثمانية بالنفير العام منذ أعلنت أوروبا الحرب العامة وأخذت بتنظيم فيالقها وأعلنت الأحكام العرفية في السلطنة على النحو الذي جرت عليه دول أوروبا المتمدنة وفي ١٩ تشرين الأول غربي ١٩١٤ صدرت الإرادة السنية السلطانية بإلغاء الامتيازات الأجنبية وفي يوم ٢٩ منه هاجم الأسطول الروسي جزءاً من الأسطول العثماني في البحر الأسود بينما كان يقوم بتمرينات فغرقت للروس سفينة لوضع الألغام وسفينة نسافة وفي ٣. منه طارد الأسطول العثماني الأسطول الروسي فضرب سفاستابول ونوفوروسيسك من الموانئ الروسية وعندها غادر سفراء روسيا وفرنسا وإنكلترا عاصمة السلطنة العثمانية وأعلنت الحرب فدخلت الدولة مع حليفتيها ألمانيا والنمسا والمجر وفي ٢ تشرين الثاني هاجم الروس الجند العثماني المرابط على حدود القافقاس فأعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية يوم ٢ تشرين الثاني وفرنسا على العثمانية يوم ٥ تشرين الثاني وإنكلترا

стр. 6209

على العثمانية يوم ٥ تشرين الثاني والبلجيك على العثمانية يوم ٧ تشرين الثاني والصرب على العثمانية يوم ٧ تشرين الثاني ويوم ١٢ تشرين الثاني صدرت الإرادة السنية قائلة بأن المملكة العثمانية دخلت في الحرب ضد إنكلترا وروسيا وفرنسا وفي ١٤ منه دعا الخليفة الأعظم العالم الإسلامي إلى الجهاد ضد دول الائتلاف لأن الإنكليز والفرنسيين والروس أخذوا بأساطيلهم وجيوشهم يحاصرون دار السلطنة يريدون الاستيلاء عليها. وهذا الحلم أي الاستيلاء على الأستانة حلم قديم تحلمه روسيا وإن كان مخالفاً لرغائب إنكلترا ولكن اتفاقها معها ومع فرنسا هذه المرة ضد ألمانيا والنمسا قد دعاها إلى الرضا بذلك حتى يفتح المضيقان البوسفور والدردنيل لأساطيل دول الاتفاق فتتخذ عامة الأسباب للقضاء على ألمانيا والنمسا والمجر. رأت العثمانية مصلحتها بالتحالف مع ألمانيا إذ أيقنت أن الحياة لها إلا بالحرب فوفقت إلى عقد المحالفة المطلوبة بفضل حسن نية الطرفين واشتراك مصالحهما لأن إنكلترا جاهرت بأنها تريد أن تكون العراق مسرحاً خاصاً لمتاجرها وملكاً مستقبلاً لأمتها وساستهم طالما جهروا بأن إنكلترا لا ترى بعين الرضا وجود دولة الخلافة قوية تشرئب إليها أعناق المسلمين وتعلق بها آمالهم بل تريد أن تقضي على آمال رعاياها وتدخل اليأس إلى قلوبهم حتى يبقوا عبيداً أرقاء لا أمل لهم في حياة مستقلة. وروسيا كثيراً ما ضربت على أحد أوتار المسألة الشرقية فحركت المسألة الأرمنية وأخذت تبث رسلها في البلاد العثمانية تثير كوا من التعصب مثل إثارة الأكراد على الأرمن وبالعكس. وفرنسا ظهرت نياتها مع الدولة العلية ولا سيما في سوريا إذ كانت المعاهدة السرية المعقودة بين الائتلافيين تقضي على العثمانية بإعطاء الأستانة لروسيا وأن تترك العراق لإنكلترا وتقسم البلاد السورية بين فرنسا وإنكلترا. ولكن حسن التدبير إذا اقترن بحسن التوفيق فعل أكثر من كثرة العدد فإن الانتصارات كانت خلال السنتين الأولى والثانية حليفة لنا ولحلفائنا وذلك لأننا إذا ألقينا على ختام ١٩١٤ نظراً دقيقاً وسبرنا غور حوادثه يتجلى أمامنا أن ما غبر كان من كل الوجوه مناسباً لموقف ألمانيا وحلفائها ومساعداً لهم. ففي الساحة الغربية أفضى فوز الجيوش الألمانية السريع إلى إيجاد حرب المتاريس والحصون وامتدت هذه الحرب بين من البحر الشمالي

стр. 6210

حتى تخوم جمهورية سويسرا وما برحت الآن تثبت وتستمر شديدة. وقد حاول الإنكليز والفرنسيون والبلجيكيون عند حلول عام ١٩١٥ أن يخترقوا خطوط الألمان حتى ينهوا أمد هذه الحرب التي صح القول بأنها حرب قلاع وحصون أبدية القرار وبذل أعداؤنا هذه المساعي في إقليم فلاندر وارتواز (في الجنوب الغربي من ليل) وفي شمبانيا وما بين نهري الموز والموزل وحتى الآن ما برح هؤلاء يندحرون دون أن يصيبوا مغنماً أمام بسالة الألمان. وكان العدو من خلال أشهر عديدة استطاع أن يعزز مواقفه وأن يأتي إليها بجنود كثيرة العدد والعدة وأن يزيد حصونه قوة. كل ذلك استعداداً لهجوم على الألمان ولكنه لم يصب مغنماً لأن جيش ولي العهد الألماني قد تقوى على العدو في ساحة شمبانيا وأحرز سلسلة باهرة من الانتصارات وعجز الفرنسيون رغم تكاثف قواهم عن حفظ بعض كيلومترات احتلوها من الأراضي الألمانية في الفوسج. ويقال على وجه الإجمال لأن الساحة الألمانية في الغرب بقيت دون أن يطرأ عليها تبدل في عام ١٩١٥ وظلت أراضي العدو التي افتتحتها جنود حلفائنا الظافرة عند هجومها الأول منيعة لا تؤخذ وفوق ذلك فإنها عززت حتى صارت في حالة لا يقوى العدو معها أن يصيبها بأذى. أما الحوادث في الساحة الشرقية فإنها أوسع نطاقاً. وكان الروس في ختام عام ١٩١٤ قد أغاروا بقواهم الجرارة على ولايات بروسيا الشرقية حتى أن جنودهم أطلت على بوزن فانتهت حركاتهم باندحارهم وعقب ذلك أصبحت الحروب حروب متاريس في بولونيا الروسية وفي القرب من خط الفيتول وناريف وبوهر وفي القسم الشرقي من بروسيا الشرقية وفي غاليسيا الغربية ولبست لباساً مماثلاً للساحة الغربية ورجع الروس إلى قلب مراكزهم محاولين التقدم على الجناحين غير أن هذه المحاولة ما لبثت أن تحطمت أمام مقاومة الجيوش النمساوية الألمانية في الكاربات وسقوط قلعة برزميشل وفي خلال ذلك كانت انتصارات جيش هندنبورغ في الشرق من بحيرة مازوريان من الأسباب التي أفضت إلى إنقاذ بروسيا الشرقية بصورة نهائية والحقيقة أن الاحتلال الروسي في تلك الأرض والأصقاع كان فصل انتقام شديد الهول. لكن الروس عوقبوا عليه باجتياح الألمانيتين لولايات البلطيك الروسية.

стр. 6211

وعند بزوغ شمس أيار كان اختراق الخطوط الروسية على ديانتز وفي غاليسيا الغربية مقدمة لتقدم هجوم الدول الوسطى في الساحة الشرقية ذلك الهجوم الذي كله فوز ونجاح. وتطهرت بيكوفينا وأعالي الكاربات وسفوحه وبقاع غاليسيا ولم يبق هنالك عدو بل أكره هذا على أن يخلي خطوط الفستول - نارف - بوهر المحصنة وأجلي عن قارسوفيا عاصمة بولونيا وكذلك أضاع الخط الثاني من خطوط دفاعه في الغرب مع قلاع برست ليتوسك وغرودونو وكوفنو وأجبرت مطاردة الجيوش الألمانية والنمساوية الظافرة العدو على الالتجاء إلى الداخلية متخلياً للغالبين عن كل منطقة الدفاع الغربية مع الحصنين العظيمين ليزك ورينيو في أيالة ولهينا. ولما عين القيصر قائداً عاماً للجيوش الروسية بدلاً من الغرادوق نقولا تذرع الروس بهجوم أحدثوه في نقاط متعددة من شرق ويلنا وبصورة خصوصية في أيالة ويلبينا فبقيت مساعيهم المدخرة لدحر جيوش الدول الوسطى بلا طائل وبالعكس فإن هؤلاء قد ظلوا محتلين للمراكز التي أخذوها من العدو والتي تمتد من تخوم رومانيا حتى سزرتوفيتزا وتضم إليها ايسيايلا مع قناة أوزنسكي وسرفتش ونيامن وفيليا مع البحيرات الواقعة في الجنوب من دونابورغ - ديتا حتى خليج ريغا وأصبح الجنود في مراكزهم التي توفرت فيها كل الاستعدادات لهجوم يثار في البرد القارس يستطيعون به أن يضعوا أمام هجمات الروس العنيفة سداً حائلاً يرجعهم القهقرى أذلاء صاغرين حتى ينسلخ فصل الشتاء فيعود هؤلاء الجنود إلى استعادة هجومهم المكلل بالفوز. وقد حولت الدولة العثمانية وجهتها في عام ١٩١٥ إلى النظر في معارك شيه جزيرة كليبولي التي كان يحتلها جنود الاتفاقيون بقصد إخضاع الدردنيل والوصول إلى العاصمة العثمانية فلم تثمر هجماتهم ومحاولاتهم على الرغم من كثافة قواتهم وكثرة معداتهم وعظمة أساطيلهم وكل ما قاموا به من المهاجمات أبطل أمام شدة الجيش العثماني وصلابته ورأينا الإنكليز في نواديهم يجهرون بهذه الخسائر التي ألمت بهم في أنافرطة وأري بروني وسد البحر رأيناهم ينتقدون أنفسهم وأخيراً رأيناهم ينزحون عن مرابع الدردنيل فكانت هذه الكسرة ضربة قاضية على ما للاتفاق من النفوذ الممتد في بلاد المتحايدين وتلاشت كل سلطة ونفوذ لهم في بلاد المسلمين. أما في القفقاس فلم يحدث في عام ١٩١٥ حادث خاص فقد حصر العثمانيون اهتمامهم في الدفاع

стр. 6212

عن مناطق الحدود ضد إغارة كان بقوم بها الروس وبعكس ذلك فقد كان للساحة العثمانية الثالثة وهي الساحة العراقية شأن خاص وقد قامت الجيوش العثمانية هنالك بأعمال خارقة في تاريخ الحرب الحاضرة فالإنكليز بعد أن أصبحت الدولة العلية في عداد المتحاربين قد أبحروا بجنودهم إلى الخليج ألفارسي فاستولوا على البصرة وامتدت سلطتهم حتى اتصلت بدجلة وكادت تشرف على بغداد ومع ذلك فهذه الأعمال ظلت عقيمة لا فائدة عسكرية منها للإنكليز وكان هؤلاء يعلقون أملاً سياسيا يتوصلون إليه لدى قبائل العرب. وقد تقدم هجومهم في عام ١٩١٥ وكادوا يحدقون ببغداد ولكن العثمانيين الذين تلقوا نجدات مهمة ردوهم على أعقابهم وطردوهم من كوت الإمارة طرد عزيز مقتدر كما أوقعوا بهم في سلمان باك ضروب التقهقر والفشل واتسعت مناطق الحرب أمام نهر دجلة وكانت الحوادث العسكرية التي تجري هناك سلسلة انتصارات كللت مفارق الجيوش العثمانية بأكاليل الظفر. أما حوادث الساحة العثمانية الرابعة ونريد بها قناة السويس فلم يحدث في عام ١٩١٥ فيها ما يدعو إلى الذكر غير كشف تعرضي بسيط ومع ذلك فيمكن القول أن في الزوايا خبايا يرتاع لها الإنكليز وفي مقدمتها وقعة القاطية الأخيرة. ولننظر الآن في ساحة الحرب الإيطالية التي خضبتها إيطاليا بالنجيع الأحمر ففي ٢٣ أيار سنة ١٩١٥ أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا وفي ٨ حزيران حدثت المعارك الأولى أمام إيزنزو واكتست هذه الحوادث في تلك السنة لباساً خطراً وعقب ذلك قيام العدو بهجوم شديد على جبهة حليفتنا وفي ذات الوقت كانت المعارك الصغيرة التي لا شأن لها تجري في ساحة التيرول زكارنتي وقصارى القول فإن العدو مع توفر استعداده لم يبلغ من النمساويين منالاً وظلت أعماله مجدبة لا ثمرة فيها وكان من جيوش النمسا والمجر أن تقدمت كثيراً في تلك الأصقاع وتوشك ونحن نكتب هذا أن تطل على أرض البندقية من عمل إيطاليا وتقسم الجيش الإيطالي شطرين. وعند نهاية عام ١٩١٥ أصبح للساحة البلقانية مركز عظيم وقد كان المقصد منها بادئ بدء إنزال العقاب بصربيا التي سببت هذا الحريق العالمي ثم الاتصال بالقسطنطينية وإعادة الأملاك المقدونية المفقودة إلى بلغاريا التي خسرتها فتم كل حادث في مدة عشرة أسابيع.

стр. 6213

ففي اليوم السادس من شهر تشرين الأول شرعت في الهجوم على صربيا بالاستيلاء على الساف والطونه وفي اليوم الحادي عشر من الشهر المذكور دخلت الجيوش البلغارية إلى أراضي مقدونية الصربية واسترجعتها قوة واقتداراً وتطهرت صربيا وأقطاع الجبل الأسود الشمالية من آثار العدو ودحر البلغاريون ألفرنسيين والإنكليز من وادي الوردار حتى اضطر هؤلاء إلى الاعتصام بسلانيك وفتحت طريق السكة الحديدية بين برلين والأستانة وكانت مسدودة من قبل. ومن الكوائن دخول البرتغال في الحرب مع الاتفاقيين نجدة لهم في العهد الأخير وأهم الوقائع الأخيرة التي كتب فيها النصر لأعلامنا سقوط كوت الإمارة في العراق بأيدي الجيش العثماني وقد أسرنا من الإنكليز ١٣٨٥٦ رجلاً منهم خمسة قواد و٢٧٧ ضابطاً إنكليزياً و٢٤٧ ضابطاً هندياً و١٣٣. . جندي ووقوع معركة بحرية هائلة حدثت بين الأسطول الألماني والأسطول الإنكليزي في ضواحي مضيق اسكاجراك في بحر الشمال كان ألفوز فيها للإنكليز وذلك في ٣١ أيار سنة ١٩١٦ فغرق للإنكليز عدة دريد نوطات وطرادات ونسافات عظيمة بلغت ست عشرة قطعة وغرق فيها سبعة آلاف إنكليزي ولم يغرق للألمان سوى طرادة وبعض نسافات وشفع هذه الواقعة الحربية الكبرى التي نزلت على إنكلترا كالصاعقة غرق اللورد كتشنر ناظر الحربية الإنكليزية مع أركان حربه بينما كان ذاهباً من إنكلترا على سفينة حربية قاصداً روسيا في البحر الشمالي. ومما ساعد الألمان على الإبلاغ في نكاية الاتفاقيين في البحر اختراعهم غواصات غريبة كانت تطوف بحار العدو وتوقع بأساطيله البلاء والرهبة وطيارات الألمان التي فعلت في البر مع أعدائنا أفعالاً تذكر فتشكر. وقد استولت ألمانيا حتى الآن على بلاد البلجيك إلا قليلاً وعلى بضع ولايات من شمالي فرنسا وعلى بولونيا الروسية وكثير من الولايات الروسية المتاخمة لها بحيث بلغت مساحة ما استولت عليه حتى الآن نحو ٤٥. ألف كيلومتر مربع لا يقل سكانها عن ٣٥ مليوناً واستولت النمسا على الصرب وعلى جزء من ألبانيا الشمالية وأرجعت النمسا الروسيين عن بلادها أما عن حالة الحرب العمة عند كتابة هذه الرسالة فمشتدة في جميع الساحات ولا سيما في الساحات الأوروبية بين النمسا وإيطالية وبين النمسا وروسيا وبين ألمانيا وفرنسا وإنكلترا ولكن النصر حليف الحلفاء وربما لا ينتهي هذا الصيف إلا

стр. 6214

وقد حدث تبدل كبير في حالة الحرب العامة. وفي ٢٣ أيلول ١٩١٥ أعلنت بلغاريا النفير العام وعادت رومانيا واليونان فأعلنتا حيادهما وفي شهر تشرين الأول من تلك السنة قطعت بلغاريا صلاتها مع دول الاتفاق ودخلت مع دول التحالف أي مع العثمانية وألمانيا والنمسا والمجر فهاجمت بجيوشها العساكر الصربية من الشرق كما هاجمتها العساكر الألمانية والنمساوية من الشمال وقضي على الصرب فاستولت بلغاريا على مقدونية القديمة كما استولت النمسا على البلاد الشمالية المتاخمة وأخذت أراضي الجبل الأسود الذي تفرق شمل حكومته كما تفرق شمل البلجيك والصرب نسأل الله حقن الدماء ورفع البلاء.

стр. 6215

آلام وآمال نظمت في مبتدأ سنة ١٩١٥م أرى سنة تمضي وعاماً بنا يجري ... يضيق من آجالنا فسحة العمر ودنا على هذا الوجود أجنةٌ ... تسير بنا الأيام في السهل والوعر فيوم على صفو نؤمل عوده ... وآخر في البأساء عد من الدهر لنا أمل في كل عام مجدد ... ترجي به صفو الحياة وما ندري ولولا أملني ألفتى ورجاؤه ... لأيقن أن العيش ضرب من الأسر مضى عمنا الأدنى بذنب فعله ... يجيء الذي يتلو المغادر بالعذر سلكنا به ظلماء حالكة الدجى ... فلما انقضى حانت لنار قبة ألفجر ألا أيها العام الذي كنا منه ... على الكون شؤبوبا من الدم لا القطر تحجب فيه الغيث حتى إذا انجلى ... لنا الأمر كان الغيث من دمنا يجري أفاض علينا في النعيم ابتداؤه ... وجادت بني الغبراء عقباه بالشر لقد هاجني من جانب الشرق صائح ... ينوح وباك حيث مستتر البدر وذو صخب الردى في شمالها ... يردد أنات الجنوب من الذعر تورد وجه البحر حتى حسبته ... من الجثث الملقاة ملتهب الجمر وشاب قذال الأفق من رهج الوغى ... وأقفر رحب البر من زمر البر فلا الأرض بالأرض التي تعهدونها ... ولا البحر بحر المد والجزر بالبحر تغير شكل الأرض في بعض حقبة ... وأسملت الأهلون للشر في شهر وكنا نرجي السلم لولا مطامع ... من بعض أدت للضغينة والهجر كوامن أحقاد أثيرت فهيجت ... نفوسا لتطلاب القديم من الثأر فغودرت الأقطار بعد ازدهارها ... خرائب والبلدان أوحش من قفر فيا أيها الحول الذي هل شهره ... يعلل منا النفس بالصفو والبشر لعلك حول الحول والقوة التي ... تطأمن من كبر العتاة ذمي الكبر تعزز مهضوماً وتجلي غضاضةً ... وتمحو عن الأقوام سطراً من الضر تسكن روع الجائفين فيزدهى ... بك الوجل المذعور مبتهج الصدر يحيى بك العلم الملم بأهله ... وأسفاره خوف المذلة والفقر

стр. 6216

ينال بك العلياء من يستحقها ... وتشرق شمس السلم باسمة الثغر هنالك بحلولي اليراع فأختلي ... بقيثارتي ألهو ببيت من الشعر أرجع الخان السواجع شادياً ... تحن إلي الشاديات من الطير سيسكن جأش الكون بعد اضطرابه ... ويرفل بالنعماء حيناً من الدهر دمشق خير الدين الزركلي

стр. 6217

في ديار الغرب حيلتنا والحياة الأوروبية سادتي الأعزاء تقاضاني بعض الأحباب ديناً لم أرى بداً من فضائه على حين اشتداد الأزمة بل الأزمات في بلادنا. أرادوني أن أحاضركم بشيء مما جنيته في هذه الرحلة الثانية إلى بلاد الغرب من ثمرات مدنيته الزاهرة فلم يسعني إلا إجابة الطلب مع الشكر لحسن ظنهم وإن كان البحث في نهوض القوم أو في فرع من فروع ارتقائهم يحتاج إلى درس عميق وبحث دقيق ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله فإذا أتيتكم بأمور تعرفونها أو أكثرها فذاك لأني أحببت المبادرة إلى امتثال الأمر مع علمي بأني لا آتي بجديد على أنه جديد تحت الشمس. كانت السياحة في سألف الأزمان ضرباً من شاق الأعمال ولكنها أصبحت في هذا العصر على سهولتها حاجة من حاجات المجتمع يحتاج الخاصة إليها أكثر من غيرهم ويدخل في الخاصة أرباب النعمة من التجار والزراع والصناع كما يطلق على العلماء والمفكرين والباحثين والمتعلمين وقد وردت عدة آيات في الكتاب العزيز في الحث على السياحة ولكن الشرق ضعف في العمل بهدي قديمه ولم يهتد إلى وجه الصواب في حديثه. كان لأجدادنا يطوون الأميال والفراسخ أياماً وشهوراً لينتقلوا من قطر إلى آخر ونحن اليوم نسيح من شرق الأرض إلى غربها في أيام يسيرة ونقطع بضعة ألوف من الكيلومترات في ساعات معدودة ومع هذا ترى السائحين منا إلى الآن أقل من السائحين في العصور الماضية هذا إذا قابلنا بين سرعة المواصلات وتوفر أسباب الراحة في عصرنا وفقدانها في عصور أجدادنا أيام كان يقول ابن زريق البغدادي وقد رحل من بغداد إلى الأندلس: ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي إلى سفر بالبين يجمعه كأنما هو في حل ومرتحل ... موكل بفضاء الله يزرعه إننا إذا رحلنا اليوم إلى الغرب نجدد حياتنا بعد ذبولها ونقوي حواسنا بعد انثلام حدها وندخل في طور نتعلم فيه ونعتبر ونتعود عادات حسن أكثرها وجدير بنا أن نقتبسها عمن سبقونا مراحل وأشواطاً لأنها نتيجة علم متوارث ونظر بعيد متسلسل فكل ما نراه في بلاد الغرب وهو عمل مقرون خلت وأجيال علمت فعلمت:

стр. 6218

وأحب آفاق البلاد إلى ألفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب تكثر الخواطر على السائح منا في ربوع أمم الحضارة الحديثة فلا يلبث أن يذكر بلاده ويقابل بين حالها وما يشاهده هناك من السير نحو الكمال بخطى سريعة في حين يرى أمته تسير سير السلاحف: إن القباع سار سيراً نكراً ... يسير يوماً ويقيم شهراً نعم يسير الغرب بسرعة البخار والكهرباء ونحن ما زلنا نسير بسير الجمال والبغال والحمير وشتان بين نظام السيرين. سر أينما شئت في بلاد المدنية تجدها نسقاً واحداً في الاستمتاع بنعم الجمال والكمال وقد تشاهد لبعضها على بعض امتيازاً في أمور تتفرد بها ولا فرق في أصل المادة بين الشرق والغرب: سهول وأودية وجبال وأنهار وبحيرات وبحار ولكن ألفرق في تربية العقول ونمط الحياة فالسر إذا في السكان لا في المكان. سحت هذه المرة في إيطاليا وسويسرا وفرنسا والنمسا والمجر فرأيتها إلا قليلاً متشابهة في راحتها ونعيمها وعمرانها وعلمها وآدابها وصناعاتها. الناس كلهم يتفننون فيما يعملون ويسيرون اليوم بعد اليوم نحو الكمال فيا رب ما هذه الروح التي تجرد منها جسم الشرق وسرت في عظام الغرب وأعصابه وشرايينه فأتى أهله بالعظائم ونجن بقينا خامدين مبهوتين منحلين متضائلين: لا تغبط المجدب في علمه ... وإن رأيت الخصب في حاله إن الذي ضيع من نفسه ... فوق الذي ثمر من ماله مدنية الغرب غريبة في كل مظهر من مظاهرها لأن أهلها أحسنوا الانتفاع من كل قوة في الوجود ونحن أضعنا بجهلنا القوى القريبة الانتفاع هذا شأنهم في كل شيءٍ فكأن الغرب حاف لا يحألف الشرق والشرق آلا أن يخالف الغرب على كثرة حاجته إليه واضطراره إلى الأخذ عنه. رأيت أولاداً وبنات دون العاشرة يسيحون في الغرب من قطر إلى آخر وحدهم بدون أدنى رهبة وارتباك ولم أشهد كثيراً من رجالنا يستطيعون السياحة في أوروبا وأميركا على ما يجب وبهذا تعرف درجتهم ودرجتنا وتسجل بأن صبيانهم أقوى من رجالنا وفتياتهم أعقل

стр. 6219

من نسائنا فإذا كانت النسبة مفقودة بين ابن العاشرة وابن الخمسين فهلا تكون المسافة بين حالنا وحالهم أطول وأجزل. إننا في درس المدنية الغربة نأخذ ما تهيأ لنا وتمثل لأنظارنا بادئ الرأي ولو أردنا استقصاء البحث لاقتضى علينا أن نصرف السنة والسنتين لندرس حال مدينة واحدة من مدنهم فما بالك بالمملكة أو الممالك. ينفد العمر ولا تنفد مادة الكلام عن رقي الغرب وكلما تأملنا معاهدة وحللنا مادة قواه نبكي لضعفنا وقوتهم وجهلنا وعلمهم ونكاد ندخل في اليأس المميت من تحسين حالنا لولا أن اليأس محرم وأن التاريخ يحدثنا أن أمماً كانت أحط منا منزلة فارقت لما صحت عزائم بنيها على إنهاضها والأمم لا تموت إلا إذا أسلمها بنوها العارفون للموت. مواد هذه المدنية التي تأخذ بالعقل والقلب كثيرة ومن أهمها تقدم الغربيين في بيوتهم عنا ورقي الأسرة هنالك وانحطاطها هنا والمملكة التي تتألف من بيوت راقية هي التي تحرز شوطاً أبعد من غيرها وما الممالك الراقية إلا مجموعة بيوت راقية والكليات تتألف من الجزئيات ومن تماسكت أجزاء مادته كانت أسبابه أقرب إلى القوة الطبيعية. كل من يدخل مدينة من مدن الغرب ويختلط بسكانها بعض الاختلاط فلا يبقى مقتصراً في معلوماته على حياة الشارع والمطعم والفندق والمسرح والقهوة والأماكن العمة يجل في مذكرته أمثلة لا يكاد يحصيها في رقي الأسرة الأوروبية تجسمت في جميع حالاتهم أي تجسيم وحامل المسك لا يخلو من العبق. تحمل مدنية الغرب في مطاويها حسنات وسيئات ولكن حسناتها تربو على سيئاتها فترى فيها ألفضيلة التي بزت ألفضائل والرذيلة التي تربو على مجموع الرذائل ولكن المليح يغطي وجه القبيح فكأن شعار المدنية الحديثة الارتقاء في كل شيء والجمع بين المتناقضات أما الشرق فهو وسط أو دون الوسط والوسط والدون لا يكادان يعملان عملاً محموداً في هذا الوجود. أذكر لكم أمثلة ثلاثة من عشرات الأمثلة وقعت العين عليها في باب ارتقاء الأسرة الغربية تمثل أدوار الأعمار وأدوار البيوت. المثال الأول أسرة فرنسية مؤلفة من والد ووالدة وطفلتين وطفلين من سكان الولايات من أهل مقاطعة الجورا على الحدود السويسرية

стр. 6220

جاءت لوزان لتطب أحد أولادها ونزلت في المنزل الذي أقمت فيه فلاحظت أمرها مدو أربعة أسابيع أنظر عناية الأبوين بتربية أولادهما فكان الوالد يوقظ الأولاد في الساعة السادسة والنصف ويأخذ في إلباسهم ثيابهم مع زوجته وهذه تسرح شعور الابنتين وتمشطهما فإذا تناولوا طعام الصباح يرافق الثلاثة من أولاده إلى المدرسة لأنه وضعهم في المكتب مع أن مدة مقامه في تلك المدينة لا تتجاوز شهرين ثم يعود إلى الدار ويحمل ابنه الطبيب ويعود به بعد ساعتين فيجيء الأولاد في وقت الظهر وبعد تناولهم الطعام يعود فيشيعهم ثانية إلى المدرسة وربما عاد إليهم في المساء ليصحبهم أو اكتفى بانتظارهم للخروج بهم مع والدتهم إلى النزهة. عناية فائقة من هذين الوالدين اللذين لا يعرفان غير تعهد صحة أولادهما وتعليمهم وتربيتهم وتخريجهم على الآداب والفضيلة والتدين. هذه الأسرة من أسر الأرياف أو ألفلاحين من أهل الطبقة المتوسطة التي تكون على شيء من اليسار ولطالما هنأت الوالدين على عنايتهما بأولادهما وقلت لهما أن الأسرة ألفرنسية لو كانت كلها مؤلفة على هذا النحو وتربى بمثل هذه العناية وتتعهد بما يشبه هذا الحنان ألفتان لاستحت فرنسا أن تشكو من قلة نفوسها وانحلال التربية في بعض عواصمها ولهذه الأسرة مئات الألوف من الأمثلة ومثل ذلك يقال في جميع ديار الغرب. والمثال الثاني الذي رأيته يمثل درجة أخرى من درجات الأسرة رأيته في إيطاليا في قصر من أعظم قصور الكبراء الذين جمعوا بين الطريف والتليد وأعني به منزل صديقي الأمير ليوني كايتاني الذي صرفت أياماً في الاشتغال في مكتبته أبحث عن تاريخ بلادي وأجدادي فإن هذا الرجل الشريف في أمته الغني بعلمه وماله لم يرزق سوى ولد واحد هو دون العاشرة ولما جاء وقت تعليمه أرسله إلى سويسرا يتعلم فيها ولم تأخذه الشفقة عليه وآثر أن لا يراه وأن يربى تربية راقية صحية على أن يكون في داره القوراء بين والديه وأهله وقبيله. والمثال الثالث أتيكم به من بودابست عاصمة المجر فإن العلامة غولد صهير شيخ المشرقيات في هذا العصر لم يرزق سوى ولد واحد علمه فلما زوجه أخرجه من بيته على عادة الإفرنج بإخراج أولادهم من دورهم متى شبوا وتأهلوا ليؤلفوا أسرة برأسهم ويعيشوا مستقلين عن أبويهم فلا يقع نفور بين الكنة وحماتها ولا بين الولد ووالده والراحة في

стр. 6221

الاستقلال في كل شيءٍ. هذه أمثلة ثلاثة من أطوار الأسرة الأوروبية تمثل أطوار تلك الأمم أما تحليل أجزاء تلك التربية ومادة تلك النفوس الكبيرة فيحتاج لمعمل كيماوي كبير يحشر إليه علماء التربية من أجدادنا والمحدثين من أهل الغرب ليقولوا لنا خلاصة تحلياهم لمادة الحياة الأوروبية النامية والعبرة بالكيفية لا بالكمية. دعاني الأستاذ غولد صهير لتنأول طعام العشاء في بيته وقال لي أنه سيكون معنا ابنه الأستاذ غولد صهير المهندس وكنته ولما قدمني إليهما قال لي: إن كنتي وهي تعرف خمس لغات فقط تكتب بها وتتكلم بسهولة عارفة بالآثار المصرية فقلت لها: بارك الله فيك أيتها العقيلة المحترمة. مجرية في مقتبل الشباب تدرس آثار مصر ومصر باريزنا وأهلها أرقى شعب إسلامي ليس فيهم لدرس آثار بلادهم سوى رجل واحد هو العلامة أحمد كمال بك وكيل المتحف المصري هذا الرجل ألفرد في وادي النيل يتوفر على البحث في عاديات مصره على الأصول الغربية وهو منذ زهاء عشرين سنة يلوب على من يعلمه ما يعلم ليخلفه على الأقل في منصبه لأنه بلغ سن الشيخوخة ولم يجد في ثلاثة عشر مليون مصري من يقبل على تعلم ما أفنى حياته في تحصيله وألف فيه ونوع الأساليب في نشره في الكتب والمحاضرات والمقالات. أنا أعلم أيتها العقيلة النبيلة أن في أوروبا نحو عشرة من علماء الآثار المصرية ولكن ما كان يخطر ببالي أن أرى في بلاد المجر فتاة تشارك الرجال في علمهم وتساهم معهم في فن يحتاج إلى نظر دقيق ومادة منوعة في العلم فإن كان نساؤهم على هذا المثال فلا عجب إذا كان من رجالهم العجب العجاب. إلى اليوم لم نفكر في هذا الشرق الأقرب في تعليم فتياتنا كما تتعلم فتيات الغرب والنساء نصف البشر ولا يقوم النصف الأول إلا بنهوض النصف الثاني فإن كانت كنة غولد صهير أستاذ تفسير القرآن والأصول والحديث والملل والنحل في جامعة بودابست عالمة بالآثار المصرية فكم عالمة بل عالم عندكم معاشر العرب بآثار البتراء وبعلبك وجرش وتدمر وبابل وآشور وحمير والحيرة؟ أنا مع الأسف على كثرة بحثي في تراجم الناس وأيامهم لا أقدر أن أتيكم بواحد يكون على النمط الأوروبي في بحثه ودرسه كما لا أجد في أمتي المهندس الذي أريده ولا الكيماوي

стр. 6222

ولا الطبيعي ولا المصور ولا النقاش دع من يماثلهم من النساء اللاتي شاركن الرجل في معظم حياته المادية والمعنوية في الغرب وعما قريب يشاركنه في الحياة السياسية. كل ما تعلمناه إلى يوم الناس هذا وقلدنا فيه الأمم الراقية لم يخرجنا من الظلمات إلى النور فلم نبرح عيالاً على الغرب في معظم شؤوننا ومرافقنا وقيام أمرنا فما دمنا نريد التحرير السياسي وليس لنا من أسباب التحرير العلمي قليل ولا كثير هيهات أن تقوم لنا قائمة. كيف تعمر بلادنا وتستبحر الحضارة فيها ونقلد الغربي في حياته السعيدة وليس عندنا مصور ولا مهندس ولا نقاش ولا معمار ولا موسيقار ولا كيماوي ولا غيرهم وزيادة على ذلك جهل النساء وهو من أعظم الويلات. لم نعمل حتى الآن إحصاء بعدد الأميين في بلادنا ولكن المفهوم أن عدد الأميين هو ٩٥ بالمئة في بلاد العرب في حين أصبح عدد المتعلمين في أكثر مدن الغرب مئة في المئة تساوى في الأخذ من العلم بالحظ اللازم النساء والرجال والمتعلم منهم التعليم الابتدائي أرقى من المتعلم منا التعليم الراقي وكل شيءٍ نسبي. قالت لي فتاة بولونيا في الثامنة عشرة من عمرها تدرس علم التربية والتعليم في جامعة جنيف على أحد مشاهير هذا العلم وهي عارفة ببضع لغات أوروبية وقد سألتها عما تقصده من تعلم هذا العلم: أريد أن أؤسس مدرسة في بلادي لأن الواجب على المرء أن يكون شيئاً في هذا الوجود. فقلت لها: جزاك الله عن هذا السعي لأمتك خيراً ولكن نسائنا في الشرق لا يردن ولا يريد أوليائهن مثل ما تريدين اكتفين بأن يكن لا شيء في هذا العالم ولذلك لا تجد بين ألوف من الطالبات البولونيات والروسيات والمجريات والألمانيات والإيطاليات والرومانيات والبلغاريات والصربيات واليونانيات والإسبانيات والبرتغاليات والبرازيليات والأرجنتينيات طالبة عربية اللهم إلا واحدة مصرية فيما أعلم تساهم بنات جنسها وتزاحمهن على دكات الجامعات في سويسرا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا فتأملوا حال أمتكم وانظروا إلى أي درجة بلغ بين أظهركم انحطاط عقول بنات حواء. كلما نظرت ملياً في سعادة الحياة في الغرب وشقائها في هذا الشرق ينجلي لي سر تعليم المرأة كما يعلم الرجل وإنها هي التي أوجدت تلك الحياة البيتية السعيدة فبالحب والجمال والعواطف والرغبة في الكماليات تمت للبيت الغربي سعادته ومن سعد في بيته أو توقع

стр. 6223

السعادة فيه كان حرياً بأن يعمل الأعمال العظيمة خارجه إذ يجد له في منزله سلوى وعزاءً وراحةً وهناءً. رأيت كثيراً من شباننا يشكون انحطاط تربية المرأة العربية وقلة ما عندنا من ألفتيات المتعلمات اللاتي يلقن للزواج الذي تكون منه سعادة الأسرة الحديثة قوامها الآداب العصرية والفضيلة والمعارف ولكنني لم أر شاباً من هؤلاء المتعلمين ولا ممن سبقوهم من العلماء من عني بتعليم أخته أو ابنته التعليم الراقي ولا من فكر في تأسيس مدرسة ابتدائية من الطراز الحديث لتلقين البنات مبادئ تنفعهن حقيقة في تأليف البيوت التي يرفرف عليها طير السعد والرغد. النظريات عندنا كثيرة ولكن العمليات لم نسلك طريقها ويا للأسف حتى الآن. أوروبا ممدنة العالم وجنات النعيم المقيم وقرارة الراحة ومستقر الهناء أيقضى يا ترى على مدنيتك البديعة وتنحل بما حوت ديارك من جمال الوجوه وجمال ألفعال ووفرة العلم والغنى وآثار الغبطة ومعاهد الصفاء والنعمة ليقوم الشرق فيستلم زمام هذه المدنية ويكمل ما بدأت به أو يمزقه تمزيق الأخرق الأحمق كثروة ورثها ولم يعرف قيمتها أم تسلم لك هذه الحياة السعيدة وتقل مؤلماتها وموبقاتها ويعم الشرق أثرها فيشاركك في كل معنى من معانيك البديعة ويكون حظه كحظ البلاد الراقية من ربوعك ويتحرر من أسره السياسي وأسره الاقتصادي وأسره العلمي ويتخلص من التبعية لك في كل ما يدل على ضعفه وتراجع أمره. تيار الغرب ينهال علينا فيأتينا تارة بحماة وطوراً بقليل ماء فهل نرزق التوفيق يا ترى فنكرع من معينه ونطرح كدوراته أم نتناوله على علاته ولا نكاد نسيغه. إن ما لدينا اليوم من أسباب القوة لا يقوم في وجه ذلك التيار لأنها ضئيلة لا كفاء لها بالمقاومة ولعمري إن ألف أمي وأمية لا يوازي عقلهم عقل متعلم أو متعلمة واحدة. كانت حكوماتنا ومجتمعاتنا حتى الآن تعد الجهل قوة والانحطاط نهوضاً. وكلما كانت الأفكار منصرفة إلى وجهة واحدة يعينها صاحب الشأن كانت تلك المجتمعات تغتبط وتفرح ولطالما قال بعض من أحسنت الأمة ظنها بهم قروناً واستولوا على عقلها وقلبها وتصرفوا بعجرها وبجرها إذا قيل لهم أن العلم الفلاني مفيد ينبغي أن يكون في الأمة أفراد يعرفونه: أن هذا العلم لا تنفع معرفته ولا يضر جهله.

стр. 6224

بيد أن الأيام أثبتت أننا في أشد الحاجة لكل علم وفن ومجتمعنا العربي العثماني لا يقوم حق القيام إلا متى عمد أفرادنا إلى الأخذ من كل مطلب من مطالب الحياة كما هي سنة من سبقونا ومن الأسف أننا لم نبرح في مجتمعنا نشاهد ناشئتنا الكريمة على الأغلب تميل إلى المذاهب الاتكالية وأكثرها يؤثر التوظف في فروع الإدارة والجندية ولو كانت هذه غير رابحة في الجملة. إن جعل وظائف الحكومة هدفاً لنا في تعلمنا هو الذي أفقر هذه المملكة وجعلها في مؤخرة الممالك في عمرانها وثروتها وراحتها. والمال أساس الأعمال ولا يأتي به إلا المتعلمون من الرجال. فهل لكم يا رجال الأمة أن تحققوا هذا الظن بكم فقد سئمنا ونحن نسمع من إقبال المتعلمين من أمثالكم على الوظائف والزهد في الصناعات الحرة وإني لا أخجل إذا قلت أن صانع الخزف والفخار والقرميد أنفع لهذه الأمة من وزير متوسط القريحة ضعيف مادة العلم لا يحسن عمله وقد وصل إلى منصبه بالمصانعة والشفاعات وإن دباغ الجلود أو صباغ الحرير والقطن أشرف من فقيه تعلم بعض فروع المعاملات ليتولى بعض الأعمال القضائية والشرعية. وبعد فرجائي إليكم يا شبان هذه الأمة وبغيركم لا يتجدد شبابها أن تجعلوا نصب أعينكم الأعمال الاستقلالية ويكفي بعضكم أن يتولى الأعمال الإدارية وغيرها في المملكة فإن الكل لا تتسع خزينة هذه الأمة لإعاشته خصوصاً وأنتم تعلمون ضائقة الموظفين وأن جيوبهم في الغالب فارغة تتقاذفها الرياح لأنها خالية وهم على الدوام مثل تجار البورصة إقبال وأدبار والأدبار في الأكثر هو الغالب. من لي بأن يعمل كل واحد من شبان هذه الأمة الواجب عليه أولاً ويتوفر على دراسة ألفرع الذي يمت به فإن ست الدراسة معينة محدودة لا ينبغي أن يعمل فيها ما يجب عمله في غيرها ومتى أتم الطالب ذاك الدور فلا جناح عليه إذا اشتغل بالعموميات فمشركة الطالب في المسائل العلمية يجب أن تكون في سن الدراسة إلى حد محدود وبعد ذلك فهو في حل من الاشتغال بما أراد. أنا أحب أن أشهد من أبناء أمتي وقرة عينها رجالاً يفكرون في ترقية نفوسهم وذويهم

стр. 6225

وبيوتهم والأخذ بأيدي إخوانهم أكثر مما أحب أن أراهم يفكرون في المسائل الاجتماعية الكبرى التي يضيع بها الوقت على غير طائل بالنسبة إليهم وإن كان الواجب على كل وطني أن يصرف من وقته وفكره شطراً ولو قليلاً للنظر في المسائل العمومية. تلامذة الكليات في ألمانيا هم الذين هيئوا الوحدة الألمانية ووضعوا أساسها في القرن الماضي ولكن كان العم رائدهم وكان عملهم يقف عند حد محدود فهل يأتي يوم على هذه الأمة البائسة يا ترى تشهد فيه طلاب مدارسها العليا بعد أن يتموا وظائفهم المدرسية يفكرون في الخير العام لأمتهم خصوصاً متى أتموا سني الدراسة وأصبحوا أحراراً في أعمالهم وإرادتهم. نعم أيها الإخوان إن الشفيق بسوء ظن مولع وإن ما يتمثل للأنظار من مدنية أوروبا مهما كان ظاهره فيه الرحمة فرحمته لأهله لا لنا ونحن لا رحمة لنا إلا إذا أتتنا على أيدي رجال لنا أمثالكم وهؤلاء لا يأتون بعمل تام إلا إذا شاركهم النساء وحسن نظام البيوت وتنظيمها على الأساليب الغربية نعم نحن لا حياة لنا إلا إذا تعلم الرجال وربات الحجال التعليم اللازم وقام كل واحد بواجبه ووحدنا المقاصد في التربية والتعليم. إن القليل المتعلم منا لا يؤلف أقل أمة صغيرة وهذه الزهرات التي أراها مهما بلغ من نضارتها تضيع بين ما هناك من عوسج وبلان فلا سبيل إلى وقايتها إلا بتنقية هذا الشوك ما أمكن ولا ينقى بغير معول العلم والتربية ومعرفة الواجب والعمل بسنة الغرب التي سلكها في الترقي على تعديل طفيف يدخل فيها بطبيعة الإقليم والعادة. إن ناديكم هذا مثال من أمثلة التضامن ولكن أمتنا لا تعد مرتقية إلا متى كان في كل مدينة بل في كل قصبة من مدنها وقصباتها أندية تنسج على منواله في التعارف والتعاطف وتوقد في الصدور جذوة الغيرة الوطنية وتحمس النفوس إلى طلب العلم ويأخذ القوي بيد الضعيف حتى يساويه في المنزلة ويتدبر الكل في مستقبل مجيد للأمة يخرج بها إلى حالة أحسن من حالتها الآن ويتعلم ابن ألفلاح الصغير كما يتعلم ابن الغني الكبير وإذا لم تقم جميع أعضاء هذا الجسم لا ينمو ولا يتم له بقاء. واجباتكم أيها الأعزة كثيرة جداً والأولى البدء بالجزئيات ولكن على شرط أن نبدأ ونجعل تاريخ الأمم التي نهضت قدوتنا ومهمازنا على العمل يجب أن تكون مدنية الغرب إذا أردنا

стр. 6226

أن نحيا حياته مصدرنا وموردنا وبدون ذلك ألفناء المطلق والعياذ بالله أو الاندماج في جسم الأمم الغربية التي تبسط أيديها علينا اليوم بعد اليوم. إننا لا نحيا غلا بقوميتنا على نحو ما كان أجدادنا أمس وحال أمم الحضارة الحديثة اليوم ولكن هذا اللفظ الجميل - لفظ القومية - لا يطابق معناه مبناه إلا باتخاذ جميع أسبابه على نحو ما يعمل المجر والبولونيون والإيطاليون وما يجري من منافسة محمودة بين الفالونيين والفلامنديين في البلجيك والألمانيين والفرنسيين في سويسرا. ومن دواعي الحسرة أن من رحلوا من أبناء العرب إلى ديار الغرب يدرسون في معاهد العلم ليستحقوا الاسم العربي الشريف بالفعل لا بالقول أقل عدداً من أكثر عناصر هذه الدولة. نعم هم أقل من الأتراك والروم والأرمن هذا مع أننا أكثر من نصف سكان هذه المملكة المحبوبة وبلادنا أغنى من بلاد تلك العناصر التي أخذت ما استطاعت من الحكومة لتعليم أبنائها وقامت بسد العجز من أموالها الخاصة. بلغني أن في نية الحكومة السنية إرسال ستين طالباً من أبناء العرب إلى مدارس أوروبا العليا فإن صح النبأ عد من أعظم الإصلاحات. وإن كان هذا العدد دون الواجب أيضاً وذلك بأنه إذا خمنا عدد طلابنا الآن بستين طالباً بلغ من قابل مجموع طلبتنا في الغرب مائة وعشرين وهم لا يبلغون نحو سبع طلبة الإيرانيين في مدارس أوروبا مع أن العرب العثمانيين أكثر سواداً من الإيرانيين بالتحقيق. هذه عددنا وهذا ما عددناه هذه أداؤنا وتلك أدويتنا وبأيديكم وأيدي أمثالكم خلاصنا فلا تخيبوا آمالنا فيكم معاشر الشبيبة المستنيرة. العبء ثقيل عليكم وبتضامنكم وتماسككم يهون كل عسير على شرط اطراد العمل وإتقانه ومضاعفة الأفعال أكثر من الأقوال وصرف المسعى إلى المنتج النافع والزهد في التافه العبث والله يتولاكم ويسدد مراميكم ويقر عيون أوطانكم بنجاحكم ويجعل منكم أعضاء عاملة في جسم مجتمعنا وأصواتاً داعية إلى كل نافع ورافع إنه سميع الدعاء. أرض اليونان اغتنمت فرصة إرساء الباخرة الرومانية التي ركبتها من الأستانة إلى الإسكندرية في ميناء بيرا لازور أثينا مدينة أرسطو وسقراط والمسافة بين بيرا وأثينا تسعة كيلومترات تقطعها

стр. 6227

السكة الحديدية الكهربائية في خمس عشرة دقيقة. رأيت أثينا مدينة وسطى لا تزيد نفوسها عن مائتي ألف وهي في منبسط من الأرض وعلى مقربة منها أكمة قام عليها الأكروبول والمدينة نظيفة في الجملة مبلطة أرصفتها بحجر أبيض يشبه الرخام وفيها حدائق نظيفة وأبنيتها الحديثة من الرخام أيضاً وأهم ما لفت نظري فيها معاهدها التي قامت بعطايا المحسنين من أبنائها مثل الإستاد أو الملعب العجيب الذي أنشئ بمال أفيروف ونصب تمثاله أمامه وأفيروف هو الذي خلف الملايين من ألفرنكات أعطاها لأمته ومنها أنشأت قسماً من الدارعة اليونانية المنسوبة لاسمه. نعم في أثينا تتجلى عطايا اليونان المحدثين فترى مدرسة البنات عالية داخلية وخارجية أنشأها أرساكي من ماله وترى مكتبة الأمة أسسها فالينوس وترى لافيروف حبوس النساء والأودولسينا المجمع العلمي. لسيكنروس حبوس الرجال وقد أنشأ على نفقته من أثينا إلى فالير طريقاً معبدة وطولها ٩ كيلومترات. وأنشأ فارفاكيس مدرسة عالية للأولاد وجاباس قصر المعرض وهو مؤسس مدرسة البنات العليا للروم في الأستانة. وهكذا تجد فلاناً من أغنياء اليونان انشأ مدرسة صناعية وآخر مدرسة زراعية وغيره مدارس ابتدائية وليلية للفتيان والفتيات فتجد اليوناني مع أنه أكثر الأمم هجرة لبلاده - لأن نصف اليونان هاجروا إلى مصر والسودان ولأميركا وشواطئ البحر المتوسط وغير ذلك من البلاد - أكثرهم تعلقاً بحبها وتفكراً في إنهاضها يغتني أحدهم من مصر أو من أميركا ويجود بالألوف لبلاده لينهض بها وهذه خاصة من خصائص اليونان وأن كان المشهور عنهم كزازة الأيدي. نهضت اليونان في المدة الأخيرة نهضة عظمى بفضل نشر التعليم على اختلاف صنوفه بين أبنائها وهو الدواء الشافي لكل مرض اجتماعي. التعليم في اليونان مجاني إجباري وفيها اليوم ١٤١٤ مدرسة ابتدائية للذكور منها ١١٩٧ من الدرجة الأولى و١٣٤ من الصنف الثاني و٢٩ من الصنف الثالث و٥٤ من الصنف الرابع وعندهم ٤. . مدرسة للبنات منها ٣. . من الدرجة الأولى وفي القرى ٨٨٤ مدرسة تقبل الذكور والإناث على السواء وعندهم مدرسة عليا لتخريج المعلمات وقد أنشأت جمعية أثينا الأدبية عدة مدارس مسائية يتعلم فيها المئات من ألفتيان المضطرين أن يعملوا في نهارهم وليس لهم من الوقت

стр. 6228

غير الليل. في اليونان ١٨٧٨ أستاذا و٦١. معلمات و٧٦٨ معلماً في مدارس الأولاد في الحقول ولهم مدرسة صناعية عليا تنقسم إلى قسمين قسم يعلم ألفنون والعلوم ويخرج المهندسين والميكانيكيين ومنهم من يعد من الدرجة الأولى والقسم الآخر يعلم الصناعات النفيسة أي النقش والرسم والتصوير والحفر والصناعات النقشية. وعندهم مدرسة تجارية ومدرسة جامعة عليا فيها أساتذة اشتهروا بأعمالهم العلمية حتى في أوروبا. هذا مع أن لليونان في الممالك العثمانية مدارس كثيرة راقية فإن لهم في الأستانة وحدها ٧٨ مدرسة فيها ٥٩٧ معلماً يدرسون ١٦٣٧٣ طالباً دع ما لهم في البلاد التي ضمت إلى بلادهم حديثاً وكل المدارس التي هي خارج علمهم لا تنال شيئاً من الرواتب من الحكومة بل إن اليونان هناك يقومون بنفقاتها. ربما لم تصب بلاد بمصائب الهجرة أكثر من اليونان فإن الداخل منهم إلى نيويورك وحدها كل سنة يقدر بأربعين ألفاً فما بالك في الأقطار الأخرى فإذا كلن عدد اليونان قبل الجزر وسلانيك ويانيا التي انضمت إليهم نحو ثلاثة ملايين فأن المقدر أن مثل هذا العدد منهم موزع في أقطار العالم وهم يحافظون على لغتهم وعاداتهم حيثما كانوا بحيث كادوا يجعلون لغتهم في الإسكندرية ومصر والأستانة لغة رسمية لكثرة انتشارها وحرصهم على التناغي بها. ومع كثرة المدارس في اليونان نرى طلبتهم في جامعات الغرب كثاراً جداً ولا سيما في باريس ولندن. واليونان إن لم يكونوا أكثر الأمم إقبالاً على تلاوة الصحف والتشوق إلى الأخبار السياسية فهم في جملة الأمم المتقدمة في هذا الشأن فلا تكاد لا تجد واحداً لا يتلو جريدة أو كتاباً أو مجلة في كل مكان والفقير منهم يستعير جريدة جليسه ولذلك لا ترج جرائدهم كثيراً فإن لهم في أثينا (١١) جريدة يومية وإذا كان العدد الواحد ينتقل من يد إلى أخرى كما تنتقل جرائدنا في الشام ومصر في أيدي قرائها الذين لا يحبون أن يشتركوا ولا أن يبتاعوها اقتصاداً بارداً منهم صعب على جرائدهم أن ترقى. ولليونان جرائد كثيرة في الأستانة والقاهرة والإسكندرية وجرائد أسبوعية في بعض عواصم أوروبا ومنها ما يصدر بغير اللغة اليونانية ليبثوا فيها أفكارهم ويؤثروا في

стр. 6229

الأسواق المالية والمجالس السياسية. هكذا ما أمكن الإلماح إليه من حالة رقي المعارف في اليونان وأرضهم القديمة قبل الحرب لم تتجاوز ٦٤ ألف كيلومتر مربع وهي غير مخصبة في الجملة بل أكثرها جزر متقطعة في عرض البحر حتى أن سواحلها تبلغ بمساحتها سبع مرات مساحة سواحل إنكلترا وتربو ١٢ مرة على سواحل فرنسا ولذلك كان اليونان في كل زمن يحصرون قواهم في بحريتهم ويصرفون فيها أموالهم وقسماً عظيماً من ميزانيتهم وقد كان لبواخرهم التجارية يد طولى في استقلالهم سنة ١٨٢٤ لا ينكرها التاريخ. واختلف العلماء في أصل اليونان الحاليين هل هم من نسل القدماء الذين ملئوا الأرض فتوحاً وفلسفة وصناعات نفيسة والأرجح عند الباحثين في أصول الشعوب أنهم أخلاط من الناس جاءوا منذ قرون إلى هذه الأرض واستعمروها بعد أن فرغت من سكانها الأصليين أما هم فيصعب عليم سماع هذا الحجاج ويحاولون بالطبع أن ينتسبوا لأفلاطون وأرسطو وسقراط وديوجنس وهوميروس وغيرهم من فلاسفة اليونان الذين بيضوا وجه التاريخ بعلمهم وحكمتهم. أثينا تشبه المدن الأوروبية ممزوجة بشيء من الحياة الشرقية ولكن ألفقر ظاهر على السكان والغلاء فيه أكثر من جميع أوروبا قال صاحب كتاب اليونان الحديثة أن أسعار العيش في اليونان يزيد ٥. في المئة عما هو عليه في إنكلترا ونحو ٢٥ في المئة عما هو في الولايات المتحدة. المدنية الرومية الحديثة منقول أكثرها عن فرنسا وفرنسا ساعدت اليونان كثيراً ولذلك حفظوا لها جميلها وما برحوا حتى اليوم يتخذونها معلمة لهم ومربية حتى أن معلمي جيشهم إلى الآن هم ضباط من ألفرنسيين وفي الحرب الألمانية ألفرنسية بعث اليونان بكتيبتين من متطوعتهم ليقاتلوا في صفوف الجيوش ألفرنسية فقتل بعضهم وبيضوا وجوههم مع من أسدى إليهم جميلاً ومن طبع اليوناني معرفة خدمة الأمزجة المختلفة والميل إلى النافع له ما أمكن بكل وسيلة. أما ما في أثينا من بقايا العادات القديمة ليس بالشيء الذي يلفت نظر السائح اللهم إلا إذا أحب أن يزورها ليتذكر ماضيها. وأين عظمة رومية من عظمة أثينا ولا نغالي إذا قلنا أن

стр. 6230

بقايا عادتنا في جرش ووادي موسى وبعلبك وتدمر أفخم وأعظم من بقايا عادات اليونان كلها التي لم تقو على عاديات الأيام. في العاصمتين رأيت هذه المرة في العاصمتين عاصمة العثمانيين الأستانة وعاصمة المصريين القاهرة ما طالما شكا منه الاجتماعيون من الاتكال المجسم والغلو في حب التوظف والاستخدام رأيت ابن الأستانة لا يفكر ولا يريد أن يفكر في غير استحصال الرزق من باب الحكومة ورأيت المصري كذاك كلاهما يستميتان في طلب الوظائف وقد زهدا في الأعمال الحرة فلا تكاد ترى في الأستانة متعلماً إلا وهو يرغب أن يبيع استقلاله من غيره ويكون بيده آلة تحرك بدون اختيارها ومن الأسف أن هذا الخلق استحكم حتى لا تشهد سوى أسباب الرزق الضئيلة بيد الأتراك أما التجارب الواسعة والصناعات الرابحة فهي للرومي والأرمني والألماني والفرنسي وغيرهم من الشعوب والأمم وكذلك المصري المتعلم لم يتعلم إلا للخدمة في الدواوين وترك التجارة وغيرها من مذاهب المعاش للرومي والإيطالي وغيرهما. داءٌ استحكمت حلقاته حتى افتقرنا. يسلب الغريب منا أموالنا ليحملها إلى بلاده ولا يزال آخذاً بالانتشار والعبر في القطرين تتلو العبر داعية القومين إلى إطراح المذاهب الاتكالية وإن أبواب الاستخدام إذا فتحت اليوم قليلاً فغداً تقفل حتى في وجوه الأكفاء من الطالبين وخزائن فروق ومصر تضيق صدراً عن إنفاق ما يلزم من المال على العمال والمستقل في عمله أنفع لنفسه ولقومه من المتعلق بأذيال غيره الذي يعيش عالة على السوي. كنت في القهوة في زيارة صديق لي من أهل العلم والمكانة في الحكومة المصرية فجاءته فتاة مسلمة ودفعت إليه ورقة بخطها كتبت فيها صورة ما نالها من تنحية ديوان الصحة لها من الخدمة في المستشفى وحرمانها من خمسة جنيهات كانت عينت لها منذ تخرجت من مدرسة القصر العيني وطالبة إليه أن يساعدها لإرجاعها إلى مركزها. فقال لها صاحبي أن مصلحة الصحة قد أسدت إليك معروفاً يجب عليك أن تشكريها عليه وهو أنه فتحت أمامك باب الاستقلال في عملك ومصر في حاجة إلى طبيبة مسلمة مثلك وليس فيها كثيرات من أمثالك وأنت تكتبين العربية والإنكليزية وتحسنينهما كما لحظت من

стр. 6231

كتابتك فأنصح لك أن تعمدي إلى نشر إعلانات عن محل تتخذينه وتشتهرين مع الزمن فلا ترضين بعد مدة أن تدفعي هذا القدر من المرتب الذي تعدينه شيئاً للممرض الذي تستخدمينه فإنك ستربحين العشرات من الجنيهات في شهرك وتخدمين بذلك بلادك ونفسك. فلم يحل هذا الكلام محل القبول من قلب الطبيبة وأخذت تورد الحجج على صحة ما تريده وأنه لا قبل لها إلا بالاستخدام ولا رزق لها إلا فيه وأنها إذا نالت الخمسة جنيهات فقد حيزت لها الدنيا وأخذت بحظ من السعادة لها ولأسرتها لأن هذه أنفقت ما كانت تملكه في تعليمها فلم يعد في وسعها أن تزيد على ذلك. وهكذا بقي صاحبي وأنا نورد البراهين القاطعة التي تلقن ألفتاة معنى الاستقلال وتبعد بها عن مواطن الاتكال حتى كل اللسان وانتهى الأمر إلى أن يكلم في أمرها أحد أصحاب الشأن ليرجعوها إلى وظيفتها التي أخرجت منها من دون سبب ولا تجد سعادتها إلا فيها. هذا مثال رأيته بالأمس في مصر وكل يوم يقع مثله عشرات في الأستانة. وإن المرء ليأسف جد الأسف على عقول تضيع من غير فائدة وأعمال وكفاءات تذهب هباءً. أناس يرضون بالدون من العيش وفي استعدادهم أن يبرزوا في كل عمل تصح إرادتهم على اتخاذه وإن يغتنوا ويرتاحوا ويعيشوا مرفهين لا مقتراً عليهم وأحراراً لا مقيدين مستعبدين. وفي الشرق قوى كثيرة تضيع وبعض ما يمكن الانتفاع به من موجوده لا يحسن استخدامه والمتعلم من أهله يعتقد أن الراحة والغبطة في الاعتماد على خدمة مخدمها وما درى أن تعبه في هذه الراحة وأنه لا راحة بدون تعب ولو كان هذا الخلق غرس في طباع الإنكليز والألمان والأميركان والفرنسيين وغيرهم من أمم المدنية الحديثة كما غرس في طباع سكان هذه الديار ما قامت هذه الحضارة التي تدهشنا وما استقام نظام الأسرة على صورة تبهرنا آثارها. أليس من الأسف أن نكون حتى في بلادنا غرباء فإذا أراد أحدنا أن يترفه بعض الرفاهية لا يجد نزلاً ولا مطعماً ولا قهوة ولا مسرحاً لوطني بل كلها للإفرنج. والتركي والعربي باهتان شخصان لا يعرفان من أين تؤكل الكتف لأنهما يجهلان أصول الحياة وتحصيل الرزق ويحبان التفخل والفخفخة وضخامة الألقاب. ولطالما رأينا من نعدهم من كبرائنا يطأطئون رؤوسهم ذلةً لتاجر صغير في مظهره في الحقيقة ولكنه كبير في ذاته لأنه جمع

стр. 6232

مالاً وعدده إرادة أن يقرضه ما يستعين به على تمشية أموره أو يتبلغ به يسيراً ريثما تصرف له مشاهرته وهذه الحال تراها على أشدها في القطر المصري لأن ابن مصر منفاق على الأكثر لا يفكر في أن يوازي غالباً بين دخله وخرجه ولذا انتقلت الأملاك أو جزءٌ كبير منها من أيدي المصريين إلى الغرباء والرومي في المقدمة والحال في الأستانة أدهى وأمر. وبعد فحيث اشتد العراك بين الأمم وبعبارة أخرى في العواصم الشرقية التي تكون فيها المنافسة على أتمها تجد الوطني يتضاءل ويضعف أمام الغربي بل ينهزم شر هزيمة وتتجلى للناظر صورة مجسمة من صور الاتكال والاستقلال بل صورة من العلم النظري الذي هو القشور وصورة العلم العملي الذي هو اللباب. اشتدت في فرنسا على عهدها الأخير محبة الوظائف وكثر فيها جيوش الموظفين والمستخدمين فأحس القوم بهذه الآفة التي تهدد كيانهم فأنشأ بعض المستنيرين حقيقة يستنكفون من تولي الوظائف حتى ضاق ذرع الحكومة أو كاد في البحث عن الأكفاء إذا لم يقبل عليها إلا المتوسطون وزهد في خدمتها النوابغ وما أنس لا أنس وزيراً تعارفت إليه في باريس ترك الخدمة وتولى إدارة مصرف صغير وكم في الغرب من رجل عظيم خطبته المناصب فأبى وآثر أن يكون تاجراً أو صرافا أو صاحب معمل أو مدير شركة أو محرر جريدة أو أستاذا في مدرسة على أن يكون وزيراً كبيراً يقدم ويؤخر في مصالح أمته ويحل ويعقد في أقدارها. والأمثلة كثيرة في هذا الباب فهل يتعظ شرقنا المسكين.

стр. 6233

هي النفس هي النفس هذبها بما تستطيعه ... فليس سواها بين جنبيك من نفس وصبح بها الأخلاق فهي غنائم ... فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي وجدد من الذكر الجميل مراسماً ... لنفسك واترك داثر الشرف المنسي فإنك حي ما نسبت لها الإبا ... وإنك ميت ما انتسبت إلى الرمس يغالي ألفتى في سومه المجد غالياً ... ويرخص من باع الحمية بالبخس وأنت ابن هذا اليوم فاعمل لوقته ... فلم تملك الآتي ولم تغن بالأمس وليس يفيد الدرس ما لم تضف له ... خلائق تغني عن مطالعة الدرس وخذ بعيان الأمر لا بخياله ... فشتان ما بين التصور والحس قل ألفصل تملك سرة ألفضل منزلاً ... وتمتاز في فصل الخطاب على الجنس فما ألفضل بالكرسي تجلس فوقه ... ولكن أعمال ألفتى ذروة الكرسي كأن حياة الخلق في الأرض بقعة ... تخالفن نبتاً والفضيلة للغرس تروحني الأخلاق ألقى نسيمها ... كأن به روحاً يهب من القدس ابنتكم يا خاملون وإنما ... (بين هباء الذر في ألق الشمس) فلا قلمي باك برسم صنيعكم ... ولا ضاحك في نعت أخلاقكم دمي كم اعتضت عنكم ناطقين خواطئاً ... بما جاء منسوباً لأقلامي الخرس فوائد قس بها الكواكب أو فقل ... فصول خطابٍ لابن ساعده قس وما أنست نفسي بلهوٍ وإنما ... رقيك يا أرض العراق به أنسي لألبست أقطار البلاد معارفاً ... فهل حسن أني لك ألفضل استكسي يسرك أن الأجنبي قطاره ... يسير وأن الباخرات له ترسي سأفديك في أغلى من الملل غيرة ... وإن باعك الأغيار في ثمن بخس النجف محمد باقر الشبيبي

стр. 6234

المذكر والمؤنث لابن جني نشرها الدكتور أوسكاوريشر الألماني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله أجمعين المؤنث الذي لايجوز تذكيره عن ابن جني العين الأذن الكبد الكرش الفحث ألفخذ الساق العقب العضد الخنصر البراجم الرواجب الضلع القدم اليد الرجل الضرب السلطان الضحى الرب البغل القوس ألفهر النار الملح السلم العروض الحدور الكؤود الصبوب النحل الكأس ألفأس الموسى ألفرسي الذود السري الغول العناق الرخل الضبع المعز الضأن الأبل الخيل الغنم الناب المسنة من الإبل السن العصا العقاب القلت موضع يجتمع فيه الماء القتب من المرط البئر الدلو الدرع اللبوس سقر لظى الطس الشمس الشمال الجنوب الصبا الدبور اليمين الشمال النوى البعد المنجنون المنجنيق والافعى والجزور والسمر والبسر والشعير وحضار والعواء وكحل والأزيب النشاط وذكاء من أسماء الشمس والسراج والخندريس وجميع نعوت الخمر وأمام وقدام ووراء وخود ومسرح وضنك وحروف المعجم يؤنث ويذكر وما لا يجوز تأنيثه الأشاجع البطن الضحى الألف من العدد النعم الناب من الأسنان الضرس النجار القليب درع المرأة القميص الرداء اللبوس من اللباس الجحيم شمس قلادة الخرز ذكر الأرنب الزيخ ذكر الضباع العقربان ذكر العقارب الأفعوان ذكر الأفعى العشي الزند الأعلى من الزناد والشهور كلها مذكرة إلا جمادى العراق واسط دابق الزبعرى الجمل الشديد والعنبى منه والجلبى مثله والصلخدي مثله وفوق السهم والسور وفحال النخل وما لا ينون في النكرة ولا يدخل عليه علامة التأنيث فاقض بأن ألفه للتأنيث نحو بشرى وشعرى وإن كان بنون أو تدخل عليه علامة التأنيث فألفه لغير التأنيث نحو أرطى ومعزى وأما الهمزة التي للتأنيث فلا تكون إلا زائدة بعد لام ألفعل نحو حمراء وصفراء فوزنها فعلاء ولام ألفعل هي الراء ولا يجوز دخول علامة التأنيث عليها ألا ترى أنك لا تقول حمراءة وصفراءة كما تقول صلاءة وعباءة وكل اسم رأيت في أخره همزة زائدة بعد ألف لم يجز دخول هاء التأنيث عليه ولم يكن على وزن فعلاء نحو حرباء وعلياء أو فعلاء نحو قوباء وخشناء فاقض بأن همزته للتأنيث ومما يعلم أن همزته للتأنيث ما كان على فعلاء نحو الرخصاء

стр. 6235

والنفساء والكرماء والظرفاء أو فعلاء نحو السيراء والعنباء أو فعلاء نحو قدماء وجنفاء أو أفعلاء نحو أربعاء وأصدقاء أو فاعلاء نحو القاصعاء والراهطاء أو فاعولاء نحو عاشوراء. باب الهمزة: - الأضحى مؤنثة ويجوز التذكير يذهب بها إلى اليوم الألف من العدد مذكر فإن أنث فإنها يذهب بها إلى الدراهم الأنف مذكر الأشجع واحد الأشاجع وهو عصب على ظهر الكف مذكر الإبط يذكر ويؤنث وتذكيره الوجه الإبهام مؤنث وتذكيره لغة لبعض بني أسد الإصبع مؤنثة الأنعام جمع نعم مؤنثة الأذن أنثى الأفعى أنثى وللذكر أفعوان الأرنب أنثى وذكرها الخزز الإبل أنثى والآل الذي يشبه السراب مذكر وتأنيثه لغة أمام بمعنى قدام مؤنث الأذيب النشاط مؤنثة الأرض مؤنثة. باب الباء: - البسر يذكر ويؤنث البراجم إناث جمع برجمة وهي ملتقى رؤوس السلاميات الباز مذكر ويقال باز وباز أخبرني أبو علي أنه يقال باز وجمعه بواز وبزاة وباز وثلثة أبواز فإذا كثرت فهي البيزان الباع مؤنثة بطن الإنسان مذكر وإذا أريد بالبطن القبيلة جاز تأنيثه البئر مؤنثة. باب التاء: - التمر يذكر ويؤنث التوى الهلاك مذكر التولج الكناس مذكر التوت مذكر التولب ولد الحمار مذكر التجفاف واحد التجافيف مذكر الترس مذكر وجمعه أتراس. باب الثاء: - الثعبان الحية العظيمة يقع على الذكر والأنثى والثعلبان مذكر لا غير الثدى مذكر الثمر جمع ثمرة يذكر ويؤنث الثمار نبت يذكر ويؤنث الثجير عصارة الشيء مذكر. باب الجيم: - الجزور مؤنثة جرجان وكل اسم بلد في أخره ألف ونون زائدتان مذكر فإن أنث فإنما يذهب به إلى المدينة الجراد جمع جرادة يذكر ويؤنث وقد يقع الجراد على الواحد الذكر فيقال رأيت جراداً على جراد. الجحيم من بين أسماء جهنم مذكر وسائر أسمائها مؤنث الجبين ذكر الجام مؤنثة الجفن ذكر جمادى مؤنثة. باب الحاء: - حضار اسم نجم مبني على الكسر والحضار الإبل البيض مؤنث الحشا وأحد الأحشاء مذكر الحرور الريح الحارة بالليل أنثى الحرب مؤنث الحدور مؤنث وهو موضع ينحدر فيه الحجاز مذكر الحانوت أنثى فإن ذكرت قصد بها البيت حوران اسم موضع مذكر الحال يذكر ويؤنث الحمام جمع حمامة يذكر ويؤنث.
следующие страницы →