← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

كتابتك فأنصح لك أن تعمدي إلى نشر إعلانات عن محل تتخذينه وتشتهرين مع الزمن فلا ترضين بعد مدة أن تدفعي هذا القدر من المرتب الذي تعدينه شيئاً للممرض الذي تستخدمينه فإنك ستربحين العشرات من الجنيهات في شهرك وتخدمين بذلك بلادك ونفسك. فلم يحل هذا الكلام محل القبول من قلب الطبيبة وأخذت تورد الحجج على صحة ما تريده وأنه لا قبل لها إلا بالاستخدام ولا رزق لها إلا فيه وأنها إذا نالت الخمسة جنيهات فقد حيزت لها الدنيا وأخذت بحظ من السعادة لها ولأسرتها لأن هذه أنفقت ما كانت تملكه في تعليمها فلم يعد في وسعها أن تزيد على ذلك. وهكذا بقي صاحبي وأنا نورد البراهين القاطعة التي تلقن ألفتاة معنى الاستقلال وتبعد بها عن مواطن الاتكال حتى كل اللسان وانتهى الأمر إلى أن يكلم في أمرها أحد أصحاب الشأن ليرجعوها إلى وظيفتها التي أخرجت منها من دون سبب ولا تجد سعادتها إلا فيها. هذا مثال رأيته بالأمس في مصر وكل يوم يقع مثله عشرات في الأستانة. وإن المرء ليأسف جد الأسف على عقول تضيع من غير فائدة وأعمال وكفاءات تذهب هباءً. أناس يرضون بالدون من العيش وفي استعدادهم أن يبرزوا في كل عمل تصح إرادتهم على اتخاذه وإن يغتنوا ويرتاحوا ويعيشوا مرفهين لا مقتراً عليهم وأحراراً لا مقيدين مستعبدين. وفي الشرق قوى كثيرة تضيع وبعض ما يمكن الانتفاع به من موجوده لا يحسن استخدامه والمتعلم من أهله يعتقد أن الراحة والغبطة في الاعتماد على خدمة مخدمها وما درى أن تعبه في هذه الراحة وأنه لا راحة بدون تعب ولو كان هذا الخلق غرس في طباع الإنكليز والألمان والأميركان والفرنسيين وغيرهم من أمم المدنية الحديثة كما غرس في طباع سكان هذه الديار ما قامت هذه الحضارة التي تدهشنا وما استقام نظام الأسرة على صورة تبهرنا آثارها. أليس من الأسف أن نكون حتى في بلادنا غرباء فإذا أراد أحدنا أن يترفه بعض الرفاهية لا يجد نزلاً ولا مطعماً ولا قهوة ولا مسرحاً لوطني بل كلها للإفرنج. والتركي والعربي باهتان شخصان لا يعرفان من أين تؤكل الكتف لأنهما يجهلان أصول الحياة وتحصيل الرزق ويحبان التفخل والفخفخة وضخامة الألقاب. ولطالما رأينا من نعدهم من كبرائنا يطأطئون رؤوسهم ذلةً لتاجر صغير في مظهره في الحقيقة ولكنه كبير في ذاته لأنه جمع

стр. 6232

مالاً وعدده إرادة أن يقرضه ما يستعين به على تمشية أموره أو يتبلغ به يسيراً ريثما تصرف له مشاهرته وهذه الحال تراها على أشدها في القطر المصري لأن ابن مصر منفاق على الأكثر لا يفكر في أن يوازي غالباً بين دخله وخرجه ولذا انتقلت الأملاك أو جزءٌ كبير منها من أيدي المصريين إلى الغرباء والرومي في المقدمة والحال في الأستانة أدهى وأمر. وبعد فحيث اشتد العراك بين الأمم وبعبارة أخرى في العواصم الشرقية التي تكون فيها المنافسة على أتمها تجد الوطني يتضاءل ويضعف أمام الغربي بل ينهزم شر هزيمة وتتجلى للناظر صورة مجسمة من صور الاتكال والاستقلال بل صورة من العلم النظري الذي هو القشور وصورة العلم العملي الذي هو اللباب. اشتدت في فرنسا على عهدها الأخير محبة الوظائف وكثر فيها جيوش الموظفين والمستخدمين فأحس القوم بهذه الآفة التي تهدد كيانهم فأنشأ بعض المستنيرين حقيقة يستنكفون من تولي الوظائف حتى ضاق ذرع الحكومة أو كاد في البحث عن الأكفاء إذا لم يقبل عليها إلا المتوسطون وزهد في خدمتها النوابغ وما أنس لا أنس وزيراً تعارفت إليه في باريس ترك الخدمة وتولى إدارة مصرف صغير وكم في الغرب من رجل عظيم خطبته المناصب فأبى وآثر أن يكون تاجراً أو صرافا أو صاحب معمل أو مدير شركة أو محرر جريدة أو أستاذا في مدرسة على أن يكون وزيراً كبيراً يقدم ويؤخر في مصالح أمته ويحل ويعقد في أقدارها. والأمثلة كثيرة في هذا الباب فهل يتعظ شرقنا المسكين.

стр. 6233

هي النفس هي النفس هذبها بما تستطيعه ... فليس سواها بين جنبيك من نفس وصبح بها الأخلاق فهي غنائم ... فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي وجدد من الذكر الجميل مراسماً ... لنفسك واترك داثر الشرف المنسي فإنك حي ما نسبت لها الإبا ... وإنك ميت ما انتسبت إلى الرمس يغالي ألفتى في سومه المجد غالياً ... ويرخص من باع الحمية بالبخس وأنت ابن هذا اليوم فاعمل لوقته ... فلم تملك الآتي ولم تغن بالأمس وليس يفيد الدرس ما لم تضف له ... خلائق تغني عن مطالعة الدرس وخذ بعيان الأمر لا بخياله ... فشتان ما بين التصور والحس قل ألفصل تملك سرة ألفضل منزلاً ... وتمتاز في فصل الخطاب على الجنس فما ألفضل بالكرسي تجلس فوقه ... ولكن أعمال ألفتى ذروة الكرسي كأن حياة الخلق في الأرض بقعة ... تخالفن نبتاً والفضيلة للغرس تروحني الأخلاق ألقى نسيمها ... كأن به روحاً يهب من القدس ابنتكم يا خاملون وإنما ... (بين هباء الذر في ألق الشمس) فلا قلمي باك برسم صنيعكم ... ولا ضاحك في نعت أخلاقكم دمي كم اعتضت عنكم ناطقين خواطئاً ... بما جاء منسوباً لأقلامي الخرس فوائد قس بها الكواكب أو فقل ... فصول خطابٍ لابن ساعده قس وما أنست نفسي بلهوٍ وإنما ... رقيك يا أرض العراق به أنسي لألبست أقطار البلاد معارفاً ... فهل حسن أني لك ألفضل استكسي يسرك أن الأجنبي قطاره ... يسير وأن الباخرات له ترسي سأفديك في أغلى من الملل غيرة ... وإن باعك الأغيار في ثمن بخس النجف محمد باقر الشبيبي

стр. 6234

المذكر والمؤنث لابن جني نشرها الدكتور أوسكاوريشر الألماني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله أجمعين المؤنث الذي لايجوز تذكيره عن ابن جني العين الأذن الكبد الكرش الفحث ألفخذ الساق العقب العضد الخنصر البراجم الرواجب الضلع القدم اليد الرجل الضرب السلطان الضحى الرب البغل القوس ألفهر النار الملح السلم العروض الحدور الكؤود الصبوب النحل الكأس ألفأس الموسى ألفرسي الذود السري الغول العناق الرخل الضبع المعز الضأن الأبل الخيل الغنم الناب المسنة من الإبل السن العصا العقاب القلت موضع يجتمع فيه الماء القتب من المرط البئر الدلو الدرع اللبوس سقر لظى الطس الشمس الشمال الجنوب الصبا الدبور اليمين الشمال النوى البعد المنجنون المنجنيق والافعى والجزور والسمر والبسر والشعير وحضار والعواء وكحل والأزيب النشاط وذكاء من أسماء الشمس والسراج والخندريس وجميع نعوت الخمر وأمام وقدام ووراء وخود ومسرح وضنك وحروف المعجم يؤنث ويذكر وما لا يجوز تأنيثه الأشاجع البطن الضحى الألف من العدد النعم الناب من الأسنان الضرس النجار القليب درع المرأة القميص الرداء اللبوس من اللباس الجحيم شمس قلادة الخرز ذكر الأرنب الزيخ ذكر الضباع العقربان ذكر العقارب الأفعوان ذكر الأفعى العشي الزند الأعلى من الزناد والشهور كلها مذكرة إلا جمادى العراق واسط دابق الزبعرى الجمل الشديد والعنبى منه والجلبى مثله والصلخدي مثله وفوق السهم والسور وفحال النخل وما لا ينون في النكرة ولا يدخل عليه علامة التأنيث فاقض بأن ألفه للتأنيث نحو بشرى وشعرى وإن كان بنون أو تدخل عليه علامة التأنيث فألفه لغير التأنيث نحو أرطى ومعزى وأما الهمزة التي للتأنيث فلا تكون إلا زائدة بعد لام ألفعل نحو حمراء وصفراء فوزنها فعلاء ولام ألفعل هي الراء ولا يجوز دخول علامة التأنيث عليها ألا ترى أنك لا تقول حمراءة وصفراءة كما تقول صلاءة وعباءة وكل اسم رأيت في أخره همزة زائدة بعد ألف لم يجز دخول هاء التأنيث عليه ولم يكن على وزن فعلاء نحو حرباء وعلياء أو فعلاء نحو قوباء وخشناء فاقض بأن همزته للتأنيث ومما يعلم أن همزته للتأنيث ما كان على فعلاء نحو الرخصاء

стр. 6235

والنفساء والكرماء والظرفاء أو فعلاء نحو السيراء والعنباء أو فعلاء نحو قدماء وجنفاء أو أفعلاء نحو أربعاء وأصدقاء أو فاعلاء نحو القاصعاء والراهطاء أو فاعولاء نحو عاشوراء. باب الهمزة: - الأضحى مؤنثة ويجوز التذكير يذهب بها إلى اليوم الألف من العدد مذكر فإن أنث فإنها يذهب بها إلى الدراهم الأنف مذكر الأشجع واحد الأشاجع وهو عصب على ظهر الكف مذكر الإبط يذكر ويؤنث وتذكيره الوجه الإبهام مؤنث وتذكيره لغة لبعض بني أسد الإصبع مؤنثة الأنعام جمع نعم مؤنثة الأذن أنثى الأفعى أنثى وللذكر أفعوان الأرنب أنثى وذكرها الخزز الإبل أنثى والآل الذي يشبه السراب مذكر وتأنيثه لغة أمام بمعنى قدام مؤنث الأذيب النشاط مؤنثة الأرض مؤنثة. باب الباء: - البسر يذكر ويؤنث البراجم إناث جمع برجمة وهي ملتقى رؤوس السلاميات الباز مذكر ويقال باز وباز أخبرني أبو علي أنه يقال باز وجمعه بواز وبزاة وباز وثلثة أبواز فإذا كثرت فهي البيزان الباع مؤنثة بطن الإنسان مذكر وإذا أريد بالبطن القبيلة جاز تأنيثه البئر مؤنثة. باب التاء: - التمر يذكر ويؤنث التوى الهلاك مذكر التولج الكناس مذكر التوت مذكر التولب ولد الحمار مذكر التجفاف واحد التجافيف مذكر الترس مذكر وجمعه أتراس. باب الثاء: - الثعبان الحية العظيمة يقع على الذكر والأنثى والثعلبان مذكر لا غير الثدى مذكر الثمر جمع ثمرة يذكر ويؤنث الثمار نبت يذكر ويؤنث الثجير عصارة الشيء مذكر. باب الجيم: - الجزور مؤنثة جرجان وكل اسم بلد في أخره ألف ونون زائدتان مذكر فإن أنث فإنما يذهب به إلى المدينة الجراد جمع جرادة يذكر ويؤنث وقد يقع الجراد على الواحد الذكر فيقال رأيت جراداً على جراد. الجحيم من بين أسماء جهنم مذكر وسائر أسمائها مؤنث الجبين ذكر الجام مؤنثة الجفن ذكر جمادى مؤنثة. باب الحاء: - حضار اسم نجم مبني على الكسر والحضار الإبل البيض مؤنث الحشا وأحد الأحشاء مذكر الحرور الريح الحارة بالليل أنثى الحرب مؤنث الحدور مؤنث وهو موضع ينحدر فيه الحجاز مذكر الحانوت أنثى فإن ذكرت قصد بها البيت حوران اسم موضع مذكر الحال يذكر ويؤنث الحمام جمع حمامة يذكر ويؤنث.

стр. 6236

باب الخاء: - الخمر أنثى وكذلك جميع أسماءها نحو القرف والشمول والمدام الخصر مذكر الخرنق ولد الأرنب الغالب عليه التذكير الحد مذكر. باب الدال: - درع الحديد أنثى ودرع المرأة ذكر دابق اسم موضع بطريق الشام مذكر الدار أنثى والدلاء جمع دلاة والدلاة والدلو أنثى ويجوز تذكير الدلو. باب الذال: - الذنوب الدلو الكبير مذكر وهو أيضاً الحظ والنصيب مذكر الذود من الإبل من ثلث إلى عشر من النوق أنثى ذكاء اسم للشمس مؤنثة الذهب مؤنثة وربما ذكرت الذراع مؤنثة وربما ذكرت. باب الراء: - الريح مؤنثة وكذلك جميع أسمائها نحو الجنوب والشمال الرخل مؤنثة وهي أنثى من ولد الضأن الرسغ مذكر الرحلى أنثى الرجل أنثى الروح مذكر فإن أنث فإنما يعنى به النفس. باب الزاي: - الزوج مذكر وهو يقع على الذكر والأنثى عند أهل الحجاز وأهل نجد يقولون زوجة الزند من اليد مذكر الزقر لغة في الصقر ذكر الزرنب ضرب من الطيب ذكر. باب السين: - السراويل مؤنثة السلم ذكر وربما أنث السلم الصلح مؤنثة وربما ذكر والسلم الاستسلام مذكر السري سير الليل مؤنث السبيل يذكر ويؤنث الساعد مذكر الساق مؤنثة السلطان يؤنث ويذكر السكين يذكر ويؤنث السن واحد الأسنان مؤنثة السلاح يذكر ويؤنث السوق مؤنثة وربما ذكر. باب الشين: - الشخص مذكر عنيت به ذكراً أو أنثى الشهر مذكر الشام مذكر الشمال خلاف اليمين مؤنثة الشفر واحد الأشفار مذكر الشعير يذكر ويؤنث الشمس الطالعة مؤنثة والشمس الذي في القلادة ذكر. باب الصاد: - الصعود من الأرض مؤنثة الصبوب مؤنثة مثلها الصاع يذكر ويؤنث صليف العنق صفحتها يذكر ويؤنث. باب الضاد: - الضرب العسل الأبيض مؤنثة الضبع وسط العضد مذكر والضبع مؤنثة الضأن مؤنثة الضحى مؤنثة الضحى بمعناها مذكر الضلع مؤنثة الضرس مذكر. باب الطاء: - الطريق يذكر ويؤنث الطس والطسة والطست مؤنثات طباع الرجل مؤنثة

стр. 6237

وربما ذكرت الطوي البئر ذكر فإن رأيته مؤنثاً فأنما يعني به البئر الطير جماعة طائر مؤنثة الطاعون يذكر ويؤنث الطاس مؤنثة. باب الظاء: - الظهر من الصلوة مؤنثة الظهر مذكر الظفر مذكر الظئر الداية مؤنثة وجمعها ظؤار الظبي جمع ظبة مؤنثة. باب العين: - العصا مؤنثة العضد مؤنثة العشاء مؤنثة عروض الشعر وغيره مؤنثة العرس مؤنثة العراق مذكر العجز العجيزة مؤنثة وربما ذكرت العاتق بذكر ويؤنث العقرب اسم للذكر والأنثى العقب مؤنثة العناق مؤنثة العقاب مؤنثة العلياء العصبة في العنق مذكر العنق بضم النون مؤنثة فإن سكنت النون ذكر العنز أنثى العنكبوت يذكر ويؤنث العين مؤنثة. باب الغين: - الغنم مؤنثة الغول مؤنثة غبر اسم يقع على الذكر والأنثى. باب ألفاء: - ألفرج مذكر ألفردوس مذكر ألفخذ مؤنثة ألفأس مؤنثة ألفرس يقع على الذكر والأنثى الفهر الحجر الصغير مؤنثة الفلك يذكر ويؤنث فرسن البقرة والجؤذر مؤنثة. باب القاف: - القلت مؤنثة وهي حفرة تكون في الصفا تمسك الماء والقليب من أسماء البئر يذكر ويؤنث القميص مذكر القوس أنثى القفا يذكر ويؤنس القدوم أنثى القدم أنثى وقدام أنثى وتصغير (ها) بالهاء القتب من الأمعاء أنثى. باب الكاف: - الكف أنثى الكؤود من الأرض مؤنثة الكرش أنثى الكراع أنثى وقد يذكر الكتف والكبد والكأس مؤنثات. باب اللام: - الليت مجرى القرط في العنق مذكر اللسان لهذا العضو مذكر فإن عني به القصيدة أو الرسالة فهو مؤنث. باب الميم: - محجر العين مذكر المسك مذكر المطر مذكر وربما أنث إذا أريد به الزراعة المعى مذكر وربما أنث المعز مؤنثة المتن مذكر وربما أنث وربما دخلت عليه الهاء فقالوا متنة المؤق والمأق مذكران وهما زاويتا العين اللتان تليان الأنف مثل يقع على الذكر والأنثى من يقع للمذكر والمؤنث الملح مؤنثة المنجنون ويقال المنجنين وهي الثالثة مؤنثة المنخر ذكر المنجنيق مؤنثة موسى الحجام مؤنثة. باب النون: - النجار مذكر ومعناه الطباع السمك مؤنثة الناب من الأسنان ذكر والناب

стр. 6238

الناقة المسنة مؤنثة نحن يقع على المذكر والمؤنث النحل يذكر ويؤنث النعل مؤنثة النوى البعد مؤنثة النوى جمع نواة يذكر ويؤنث النفس أنثى النعم يذكر ويؤنث النور خلاف الظلمة مذكر. باب الواو: - وراء بمعنى خلف مؤنثة وتصغيرها وريئة بوزن وريعة الوحش أنثى الورك أنثى واسط ذكر الوعاء ذكر. باب الهاء: - الهدى مذكر وقد يؤنث الهبوط من الأرض أنثى الهردى نبت مؤنثة الهجنع ذكر النعام. باب الياء: - اليمين اليد واليمين من الخلف كلاهما مؤنث اليسار اليد اليسرى مؤنثة واليد مؤنث اليأفوخ مذكر وكل اسم مؤنث هو على ثلاثة أحرف تصغيره بالهاء نحو قدر وقديرة ودار ودويرة إلا أحرفاً شذت وهي قوس وزود وحرب وعرس لأنها كثرت في كلامهم فاستخفوا بطرح الهاء من التصغير فإن كان المؤنث على أربعة أحرف فصاعداً كان تصغيره بلا هاء نحو عقرب تقول عقيرب وعقاب عقيب وأتان أتين إلا أنهم صغروا إماماً ووراء وقداماً (بالهاء) فقالوا وريئة وقديمة وأميمة لأن جميع الظروف مذكرة وهذه الثلاثة مؤنثة فلو صغروها بطرح الهاء أوهم أنها مذكرة كسائر الظروف فإن كان في الاسم المجاوز للثلاثة هاء في التكبير تنبت في التصغير تقول في سفرجلة سفيرجة وفي سلسلة سليسلة. تم الكتاب بحمد الله وجميل صنعه وصلى الله على محمد وآله أجمعين.

стр. 6239

قواعد العمران من بين آيات القرآن إذا تجرد الإنسان هنيهة من جلباب التقاليد. وترك التصديق والإذعان جانباً ونظر إلى القرآن ككتاب غامض خبره. مجهول مصدره. وأراد أن يقرأ فيه. ثم يحكم عليه. ويأخذ عبرة منه. فماذا يرى؟ وبماذا يحكم؟ أخذ ذلك الإنسان القرآن وما هو إلا أن وقع نظره على أوائل سورة الإسراء فرأى عجباً: رأى من ضروب الوعظ والتذكير. وأفانين التربية والتعليم. وأصول الآداب وقواعد الاجتماع. مفرغاً ذلك كله في أساليب عالية. وحلل بالفصاحة والبلاغة زاهية - ما جعله يكبر الأمر. ويتساءل ماذا عساه يكون السر. كتاب وجد منذ أربعة عشر قرناً في بلد منقطع عن العمران. محجوب عن أشعة العلم والعرفان. بين قوم أميين. قساة جاهلين. ثم هو يتضمن ما أشرنا إليه لجدير بالتعجب منه. حقيق بالتفكير فيه. تضمنت أوائل سورة الإسراء ما تضمنت وهي ست صفحات فقط. فماذا تتضمن إذا بقية صفحات ذلك الكتاب وهي زهاء (٨٧.) صفحة. نحن لا نحيل القارئ الكريم إلى أمر بعيد عن القياس ولا إلى غيب لا يدخل تحت متناول الحواس. وإنما نحيله إلى عيان ومشاهدة واختبار. الإسراء والمعراج (من مزايا صاحب الرسالة ﷺ يصح نعت القرآن بأنه أقدس رسالة أتت من أقدس مقام بواسطة أقدس إنسان. وهو محمد بن عبد الله الرسول في تبليغ تلك الرسالة إلى الخلق. وقد افتتح مرسل تلك الرسالة إحدى سورها أعني سورة الإسراء - ببيان منزلة ذلك الرسول. ليزداد الناس ثقة به. وحباً له. وحرصاً على تلقي الرسالة عنه. فقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا اطلاع الله لذلك الرسول على آيات الكون وأسرار الخليقة هي المنزلة الرفيعة التي امتاز

стр. 6240

بها عن سائر بني البشر. فالمقصد من الآية إثبات تلك المنزلة له. أما أن رحلة الرسول في الاطلاع على تلك الآيات كان بروحه الشريفة أو جسده المبارك فهذا لا نكلف الإيمان القطعي به ما دامت الآية ليست دلالتها على معناها بقطعيته. ولذلك اختلف العلماء بل الصحابة في الإسراء والمعراج: أسري بروحه أو بجسده وكيف كانت كيفيته. وعلى أية حالة وقعت غدوته وروحته هذا من عالم الغيب لا نكلف به تفصيلاً ما دمنا مؤمنين بالغرض منه إجمالاً. ألا وهو الإيمان بأن الله اطلع على نبيه على عالم الملكوت. ولنضرب لذلك مثلاً: نسمع أن أهل طرابلس الغرب قاموا اليوم لمناجزة إيطاليا. ونعلم أن حكومتنا العثمانية ذات الدهاء والقوة هي التي أمدتهم بالضباط والسلاح والذخائر فتمكنوا بذلك من القيام ضدها. فيقول قوم: وكيف أوصلت حكومتنا تلك الإمدادات إليهم بالبر عن طريق مصر؟ أو بالبحر على ظهر السفن. أو بالهواء على متون الطيارات؟ ولكن هل من المعقول أن توسع مسافة الخلاف بيننا في هذه المسألة ونكثر من اللغط فيها. وليس في ذلك من فائدة لنا. وإنما ألفائدة هي في أن نثق بالحكومة وفي أن لديها من الوسائط ما يكفل إيصال القوات إلى إخواننا السنوسيين بطريقة حكيمة مأمونة. يستبعد قوم أن يكون الإسراء قد حصل بجسده الشريف ولكن أقول أنه ربما كان هو الواقع كما يستبعد قوم أن يكون إمداد السنوسيين بطريق البحر مع أنه ربما كان هو الواقع أيضاً بل ربما كلن بواسطة الغواصات التي تنساب تحت مياه البحر. كيف أسري بجسده ﷺ من مكة إلى بيت المقدس؟ وكيف يتصور هذا؟ ولكن قل لي - ولنفرض أنفسنا عائشين منذ مئات السنين - كيف يمكن أن يطير الإنسان مسافة أيام بساعة من الزمن؟ لو قلنا ذلك لأهل القرون الأولى أما كانوا يستبعدونه ويعدونه من المحالات العقلية؟ وكذلك إسراء النبي إذا استبعده العقل وعجز عن تصوره ينبغي له أن لا ينكره ولا يحيل وقوعه. الاعتبار بالأمم الغابرة عرفنا منزلة الرسول حامل الرسالة. ولنقرأ الآن الرسالة نفسها أو بعض آيات منها أعني

стр. 6241

أوائل سورة الإسراء أول ما فعلته هذه الآيات أنها حولت نظرنا إلى أمة تقدمتنا كان لها في الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية شأن عظيم وقد ذاقت حلو الزمان ومره بحيث أصبحت أجدر الأمم القديمة بأن يتعظ بها. ويعتبر بأحوالها. ألا وهي الأمة اليهودية: وآتينا موسى الكتاب. وجعلناه هدى لبني إسرائيل. ألا تتخذوا من دوني وكيلاً. ذرية من حملنا مع نوح. إنه كان عبداً شكورا. وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين. ولتعلن علواً كبيراً. فإذا جاء وعد أوليهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم. وأمددناكم بأموال وبنين وجعلنكم أكثر نفيراً. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وإن أسأتم فلها. فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيراً. عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا قصت علينا هذه الآيات من خبر اليهود ما فيه مزدجر وتحذير لنا أن يصيبنا مثلما أصابهم: فقالت أن الله أعطاهم التوراة فيها هدى وحذرهم مخالفة أوامره واستدبار سننه وأكد لهم أن هذه المخالفة تؤدي إلى غلبة عدوهم عليهم. واكتساحه بلادهم. فاليهود غفلوا عن سنن الكون. وتناسوا أمر الله. فسلط عليهم بختنصر نبوخذ نصر ملك الآشوريين. فأنزل بهم البلاء. ثم كشف ذلك عنهم على أمل أن يكونوا تابوا وأنابوا، فيعودوا للعمل بالتوراة. ومراعاة سنن الوجود والاتعاظ بما كان من إذلال عدوهم في المرة الأولى لهم - فلم يفعلوا شيئاً من ذلك وعادوا لما نهوا عنه. فجاءهم الرومانيون. وأوقعوا بهم واضطهدوهم وأذلوهم. كما قال لهم ربهم وإن عدتم عدنا أي وإن عدتم للمخالفة عدنا لتسليط عدوكم عليكم. هذا ما كان من أمر اليهود في سابق عهدهم. فوعظنا الله نحن المسلمين بهم. وحذرنا أن نخالف أوامره الإلهية وندابر سننه الكونية. فيصيبنا مثلما أصابهم. ولا ريب أن القدوة عامل من أقوى عوامل التربية. وهي في تربية الأمم مثلها في تربية الأفراد. فإن أحسن طريقة يتخذها المربي في تربية الناشئ هي أن يصف له إعمال رجال ألفضيلة فيقتدي بهم. وأعمال رجال الرذيلة فيتجنب عملهم. وهكذا الأمم في طور تكونها

стр. 6242

يجب أن تستفيد من أمم التاريخ فتقتدي بهذه. وتحيد عن عمل تلك. سلك القرآن الكريم في تربيتنا معشر المسلمين هذا الطريق من التربية فترونه يقص علينا أخبار الأمم السالفة وما جرى لها لنستفيد من ذلك عظة وعبرة. اليهود في عهد البعثة المحمدية كانوا مضرباً للأمثال. وموضعاً للشفقة عليهم. والتعوذ إلى الله من المصير إلى مثل حالهم. ولكنهم اليوم عادوا فلموا شعبهم. ورأبوا صدوعهم. وأخذوا يستفيدون من تجارب الأمم غيرهم. ومن عبر التاريخ التي تستنتج من حوادث من تقدمهم. انظروا إليهم تجدوهم في علو منزلة ورفعة شأن. على أنه لا حكومة لهم ولا سلطان لماذا انقلب ما بهم وغير الله ما بهم؟ ذلك لأنهم غيروا ما بأنفسهم. سلكوا إلى ألفوز في هذه الحياة من طريقه الطبيعي الذي طالما تنكبوه في سألف عهدهم. سلكوا سبيل الحياة الاجتماعية وهم مسلحون بثلاث أمور: (١) تقوية روح التضامن بينهم (٢) إصلاح التربية العائلية والمدرسية (٣) توفير الثروة من طريق علم الاقتصاد هذه القوى الثلاث هي عماد الأمم. وأكبر العوامل في نهوضها. فيجب علينا معشر المسلمين اليوم أن نقتدي بهم في توفير هذه القوى الثلاث: لأن الحكمة ضالتنا كما قال نبينا. وإلا كان أمرنا إلى خسار. وسعينا إلى تبار. واأسفاه. . . كنا نرثي لليهود. ونشفق عليهم. ونتعظ بالمثلاث من أحوالهم. فعدنا اليوم نعجب من أمرهم. ونباهي بأعمالهم. ونحض أنفسنا على الاقتداء بهم. والسير في الحياة الاجتماعية على أثرهم. (لا تحقرن امرءاً كان ذا ضعة ... فكم وضيع من الأقوام قد رأسا) (فرب قوم قد جفوناهم ولم نرهم ... أهلاً لخدمتنا صاروا لنا رؤسا) وهذا مصداق الآية الكريمة إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم غير أن القرآن الذي أعطانا نحن المسلمين هذا الأصل في نهوض الأمم وسقوطها وهو أن التغير الاجتماعي ناشئ عن التغير الأخلاقي - أعطانا أصلاً آخر في هذا المعنى وهوترك

стр. 6243

اليأس مذ قال: إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون هذه أسباب النهوض حوالينا. وطرق العزة والغلبة ممهدة أمامنا. فلنسلك هذه الطرق بصبر وثبات ورجاء كما أمر الله. فلا جرم أن نكون بعد ذلك من ألفائزين التربية النفسية بعد أن فهمنا من آيات اليهود لزوم الاتعاظ بما جرى للأمم قبلنا نرجع إلى بقية الآيات الأوائل من سورة الإسراء فنجد فيها مواعظ وحكماً وآداباً اجتماعية أخرى. من ذلك التربية النفسية: الأصل الأول في هذه التربية أن يعتقد المرء بأن كل ما يصدر عنه - منقول أو عمل أو فكر - له تأثير في أخلاقه وسعادته ومستقبل حياته: إن حسناً فحياته سعيدة وإن سيئاً فحياته شقية. وإذا علم المرء هذا كان جديراً أن لا يقول إلا حسناً. ولا يعمل إلا حسناً. ولا يفكر إلا حسناً. قال تعالى في آيات سورة الإسراء إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها - ثم قال - من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها والأصل الثاني في التربية النفسية حياة الضمير وصحة الوجدان في نفس المرء: فمن كان ذا ضمير حي. ووجدان صحيح كان على نصيب وافر من صحة الحكم والقصد في الأعمال. وسعادة الحياة. وهذا مغزى قوله تعالى في آيات سورة الإسراء: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراًاقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا طائر الإنسان عمله الذي صدر عنه فهو منوط به مقصور عليه كما مر في آية إن أحسنتم. . وآية ومن اهتدى. . فأعمالك التي تصدر عنك أيها الإنسان يكفي في تمحيصها ومعرفة صوابها من خطأها أن ترجع إلى نفسك أي ضميرك أو وجدانك كما يقولون اليوم ثم تقرأ ما انطوى فيها من الهواجس والخواطر والأميال والاعتقادات. فإذا قرأت ذلك كله فهمت كيف صدرت عنك الأعمال حسنة أو قبيحة؟ وكيف أصبحت بسببها سعيداً أو شقياً. نفسك وحدك هي نعم الحكم فيما إذا عرضت الأعمال. ونصب الميزان للفصل بين الحق والضلال.

стр. 6244

فالواجب علينا في تربيتنا النفسية إذا أن نقوي فينا الضمير والوجدان الذي يسمى القرآن. النفس أو النفس اللوامةتقوي ذلك فينا لنعرف كيف نقول الصدق. ونحكم بالحق. والأصل الثالث في التربية النفسية الصبر والثبات والتجلد وهو ما يسمونه اليوم قوة الإرادة والشجاعة الأدبية وقد نهانا الله في آيات الإسراء المذكورة عن اليأس والقنوط فقال ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا أي يا عجبا للإنسان! كيف يعجل بالسخط على نفسه والبراءة منها وتمني الشر لها إذا لم تفز في بعض المواطن. أو لم تنجح عند ممارسة عمل من الأعمال - كلا لا ينبغي أن يسخط ولا أن يدعو إلى نفسه بالشر والهلاك كأنه يدعو لها بالخير بل عليه أن يصبر ويتجلد. ويقوي إرادته فيعيد الكرة على العمل الذي لم ينجح فيه. فيتم له الفوز والغلبة. فبالله قولوا إذا لم تكن قوة الإرادة والصبر أساس السعادة في هذه الحياة فما هو الأساس؟ الأصل الرابع في التربية النفسية كبر النفس وعلو الهمة كما قال ﷺ علو الهمة من الإيمان فلا يرضى المؤمن لنفسه بالدون من شؤون هذه الحياة. بل يقتحم المصاعب في نيل المطالب. ويكايد العظائم. في اكتساب الغنائم. وأي مناصب ومغانم؟ هي أن تكون أمته سعيدة فيكون سعيداً بها ومعها - هي ألفضائل والكمالات والأخلاق العالية والمظاهر السامية فيكون المرء بها رجلاً عظيماً ونابغة كبيراً. إذا كثر الأفراد من هذا القبيل في أمة من الأمم ارتقت وعزت. وإن قلوا وفقدوا تدهورت وذلت. والله يعطي المرء من هذه المظاهر العالية على حسب سعيه وما طلبه بلسان حاله (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى) وقد أ - مره أن يسعى في نيل الكمال الإنساني بأبلغ أسلوب في آيات سورة الإسراء فقال: من كان يريد العاجلة (الخطة التي يسهل تناولها والمنزلة الناقصة) عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموماً مدحوراً أي تكون عاقبة ما أراد التعجيل به من خطة الدون البلاء والشقاء الأبدي ومن أراد الآخرة وهي الحياة الكاملة والسعادة الشاملة وسعى لها سعيها وهو مؤمن واثق بالظفر فأولئك كان سعيهم مشكوراً. الأصل الخامس: من أصول التربية النفسية التي علمنا إياها الله في آيات الإسراء إعمال العقل في ما يعرض عليه من المسائل العلمية والكونية فلا يجوز للمرء تعطيل عقله

стр. 6245

ومشاعره وتصديق كل وهم يلقى عليه. فقال تعالى في آيات سورة الإسراء - ويا ما أسمى حكمته فيما قال - ولا تقف ما ليس لك به علم. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً أي لا تتبع الظن فتصدق ما لا يلتحم مع العقل اليقيني بل استعمل عقلك وسمعك وبصرك. فإذا أهملتها وعطلت العمل بها سئلت عنها يوم القيامة. فإذا قال لك ربك يومئذ لماذا اعتقدت كذا أو كنت تذهب من المذاهب والآراء إلى كذا فقلت له: يا رب قيل لي كذا وقالوا لي كذا فتبعتهم. فيقول لك وأين عقلك وسمعك وبصرك التي قد وهبتها لك؟ ولماذا لم تستعملها وتستهد بها؟ هل أعطيتك إياها لتهملها؟ أهكذا حق النعمة وشكرها؟ لا جرم أن تقوم إذ ذاك الحجة على هذا المقلد فيقذف به في هوة الشقاء. أنقذنا الله منها بفضله وكرمه. التربية العائلية الأمة تتألف من العائلات كما أن الجدار يتألف من الأحجار. فإذا كانت الأحجار متينة قوية محكمة الوضع كان الجدار ثابتاً حسن الوضع والعكس بالعكس. كذلك الأمة إذا تألفت من عائلات راقية في نظامها وترتيبها ونظافتها وأدبها وأخلاق أفرادها كانت الأمة في أعلى درجات الرقي والعكس بالعكس. والعائلة تتألف من أول أطوار تكونها من أب وأم وابن والابن الأول هو حجر الزاوية في أساس البيت. فإذا كانت أخلاقه حسنة وآدابه راقية وباراً بوالديه تبعه أخوته وأخواته وانتظم حال الأسرة. وإلا فسدت الحالة واختل النظام. على أن البن إذا كان عاقاً لوالديه. يسيء عشرتهما. ويوصل الأذى إليهما كان جديراً بأن يفعل ذلك مع خلطائه ومعاشريه الآخرين. وهذا كاف في سقوطه وتعاسته. قال تعالى في آيات الإسراء: وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً. أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ومعنى هذه الآيات ظاهر لا يحتاج إلى تبيان. ومن التربية العائلية التي جاءت في آيات الإسراء رحمة الوالدين وعطفهما على ابنهما فلا يقسوان عليه. ولا ينظران إليه كأنه متاع لا قيمة لفه في الوجود. وإنما هو حر مستقل في

стр. 6246

نفسه. يكلف أبوه بالإنفاق عليه وتربيته حتى يبلغ أشده. ثم يسرحه في هذا العالم ليسعى لنفسه وعائلته ولوطنه. وقد نعى الله على الآباء القساة صنيعهم فقال في آيات الإسراء: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم إن قتلهم كان خطأً كبيراً فذه القسوة أو اليأس من حصول الغنى هو من أسباب خراب العائلات وتنغيص عيشها. ونحن اليوم لا نقتل أولادنا قتلاً حقيقياً وإنما نقتلهم قتلاً معنوياً. نهمل الإنفاق على تربيتهم وتعليمهم فيكونوا على حالة من الجهل والشقاء حتى الموت الحقيقي خير منها. فتربية الأولاد والرأفة بهم وعدم قتلهم قتلاً حقيقياً أو أدبياً هو مما أمرنا الله به وحضنا عليه في آيات الإسراء. ومن التربية العائلية استحكام ملكة الاقتصاد في نفوس أفرادها الآيتان السابقتان آية بر الوالدين وآية عدم قتل الأولاد تحضاننا على استكمال الروح الأدبي في العائلة. أما آيات الاقتصاد التي تضمنتها آيات الإسراء فهي تحضنا على استكمال الأمر المادي أي على توفير الثروة. والاهتداء إلى أحسن الطرق في استثمارها وتحصيلها. والعائلة التي لا تعرف كيف تستثمر ثروتها. أو تزيد فيها. أو لا تعرف كيف تنفق المال في طرقه القانونية. وتقابل الصرف بالخرج على أصول البودجة يوشك أن تنفق أموالها وتضيعها بالتدريج. أو تخزنها في صناديق دون أن تستفيد منها ويكون شأنها شأن من أعطاه الله عينين ليبصر بهما فهو قد أغمضهما أو وضع عليهما عصابة فلم يعد يرى ولا يبصر. فمثل هذا الرجل كيف يمكنه أن يعيش؟ وذلك البخيل الذي يقتر على عياله كيف تطيب له الحياة؟ قال تعالى في آيات الإسراء: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً الحياة الاجتماعية آيات الإسراء على قلتها حافلة بالقواعد العمرانية. والأصول المدنية. التي يتوقف عليها هناء الجماعات البشرية. فالبشر ما داموا مدنيين بالطبع. وما داموا في حاجة إلى أن يعيشوا عيشة اجتماعية - كانوا محتاجين إلى هذه الأحكام والأصول التي جاءت في آيات الإسراء. وها نحن نسرد تلك

стр. 6247

الآيات سرداً من دون شرح ولا تعليق. خوف التطويل والتضييق. ١ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراًً. وهذا خطاب للأغنياء والعظماء في الأمم ٢ ولا تزر وزارة وزر أخرى. وهذا خطاب للحكام والزعماء فيأخذون كل مذنب بذنبه ٣ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل. ثم في آية بعدها. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. خطاب لكل فرد من أفراد الأمة وتنبيه حكام الشرع لحمل الناس على إيفاء الحقوق ٤ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلا. خطاب لكل فرد من أفراد الأمة فلا يتلوثوا بهذه ألفاحشة. ويصح أن نعد هذه الآية من آيات التربية العائلية لأن الزنا يهدم بناءها ٥ ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً. خطاب لكل فرد من الأمة بأن يكونوا ودعاء متواضعين فيتحابوا فيكونوا أقوياء وإلا تخاذلوا وضعفوا. وتصلح هذه الآية مثالاً للتربية النفسية لأن التواضع وعدم الغرور أساس تلك التربية ٦ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً. خطاب لكل فرد أو للحكام في حفظ الدماء والحكم بالحق وترك الشطط والإسراف ٧ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً. خطاب لكل فرد أو للحكام مع الدول الأخرى فيكون من قبيل التربية السياسية. وتصلح هذه الآية أن تدمج في آيات التربية النفسية ٨ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم خطاب عام وتنبيه للحكام هذه الآيات كلها مم جاء في أول سورة الإسراء. ولم تستغرق ست صفحات وهي كما يرى القارئ اللبيب جماع الأصول العمرانية وكفاف القواعد الاجتماعية ويتخللها آيات في

стр. 6248

مقاصد أخرى كآية وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وهذه الآية تصلح شاهداً للتربية الاقتصادية لأن فيها حضاً على السعي والكسب والاحتفاظ بالوقت فنعرف أقسامه. ولا ندع جزءاً منه يفلت منا سدى. أو يضيع علينا بدداً. هذه نماذج من آيات أوائل سورة الإسراء. كما أن هذه الآيات نفسها نموذج من مجموع ما في القرآن الكريم من الحكم والعبر. والمبتدأ والخبر. فرسالة هذه شأنها. والله مرسلها. ومحمد رسولها وواسطتها - هل يليق بنا أن نتغافل عند تلاوتها. أو ندع العمل بمضمون آياتها. دمشق المغربي

стр. 6249

إمارة مكة المكرمة بشرتنا البرقيات بصدور الإرادة السلطانية بتعيين حضرة الشريف علي حيدر باشا أميراً لمكة المكرمة مع توجيه رتبة الوزارة السامية إلى عهدة دولته فكان لهذا التوجيه رنة مسرور وابتهاج في أندية الشام يقدرها من عرف صاحب الدولة الشريف علي حيدر باشا في شمائله الذكية وأخلاقه الملائكية وفرط صداقته للدولة العلية وشدة استمساكه بعروة الخلافة العثمانية فضلاً عن مكانة الشريف من بنوة النبوة وسلالة البيت الذي نزلت بتطهيره الآيات المتلوة ولا يخفى أن هذه الإمارة منذ أيام الحسن ابن أبي نمي أي منذ نحو ثلاثمائة سنة كانت قد انحصرت في هذا البيت الكريم المعروفين بذوي زيد يتوارثونها خلفاً عن سلف وكابراً عن كابر ولا ينازعهم فيها منازع ولا يكابرهم في الحجاز مكابر إلى أن حصلت ألفتنة النجدية واتسع فتق ابن عبد الوهاب وقام بدعوته ابن سعود واستولى على نجد وجانب من اليمن فأرسل النجديون بعض علمائهم إلى الحرمين فناظرهم علماء الحرمين وأقاموا عليهم البرهان وكتبوا عليهم حجة عند قاضي الشرع في مكة تتضمن الحكم عليهم فأمر بحبسهم أمير مكة وكان الشريف مسعود بن سعيد بن سعد بن زيد المتوفى سنة خمس وستين ومائة وألف فوصل الخبر إلى ابن سعود فازدادت العداوة وصار النجديون يغيرون على بعض القبائل الداخلة تحت طاعة أمير مكة وفي سنة خمس بعد المائتين والألف انتشبت الحرب بينهم وبين أمير مكة وكان الشريف غالب بن مساعد بن سعيد بن سعد بن زيد وقتل من ألفريقين خلق كثير. وما زال النجديون يتقدمون حتى دان لهم أكثر الغربان الذين في طاعة أمير مكة وفي سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف هجموا على الطائف بجموع كثيرة وأخذوه وقتلوا أهله رجالاً ونساءً ولما انصرف الحجيج تلك السنة قصدوا مكة ورأى الشريف غالب أنهم سيملكونها فسار إلى جدة فقصدوه فضربهم من هناك بالمدافع وهزمهم وعضدته الدولة العلية بعسكر مع والي جدة شريف باشا فساروا وأخرجوهم من مكة سنة ١٢١٨ واستقر الشريف غالب في الأمارة ثم أعادوا الهجوم بجيوش كثيرة وأطاعتهم العربان التي حول مكة المكرمة وحصروا البلد الأمين من كل الجهات وقطعوا عنه الميرة فاشتد بأهله الجوع واضطر الشريف غالب إلى الصلح معهم على أن يبقى أميراً بمكة ورضي بذلك مصانعة لهم ورفقاً بالأهالي الذين بلوا منهم بالداهية العظمى ودخل عصاة النجديين مكة ١٢٢.

стр. 6250

واستولوا على المدينة المنورة ولبثوا في الحرمين سبع سنين والدولة مشغولة عنهم بالحروب مع دول أوروبا إلى سنة ١٢٢٦ فصدر الأمر السلطاني إلى محمد علي باشا والي مصر بقتالهم فسير ولده طوسون باشا بجيش ملك الينبع وحأول أن يتقدم فاجتمعت عليه العرب وهزموه ولم يرجع من جيش مصر إلا القليل ولم يكن المصريون هذه المرة قد راسلوا الشريف غالب في أمر عربان الحجاز وقتلت أرض جاهلها فلما بلغ ذلك محمد علي سير جيشاً آخر سنة ١٢٢٧ ومعه عدة مدافع وراسلوا الشريف غالب سراً فأشار عليهم بما يجب أن يفعلوه من سياسة العرب فاستمالوا مشايخ حرب بالمال واستولوا على المدينة وعلى جدة ثم على الطائف وكان أكثر ذلك بحسن تدبير الشريف غالب ووصلت البشائر باسترداد الحجاز إلى الأستانة ومصر فتزينت دار الخلافة ومصر وسائر البلاد فرحاً وسروراً. وفي سنة ١٢٢٨ سار محمد علي بنفسه إلى مكة وأخذ يرتب الأمور ويبعث بالزحوف إلى بلاد عسير وغامد وزهران لقطع دابر السعوديين فأخمد جمرتهم وأناط من هناك معرتهم وأغرس نعرتهم لكنه عزل الشريف غالباً وأقام مكانه ابن أخيه الشريف يحيى بن سرور بن مساعد وتوجه الشريف غالب إلى دار السعادة وتوفي في سلانيك سنة ١٢٣١ وكان مدة إقامته هناك معززاً مكرماً وآلت أخيراً إمارة مكة إلى محمد بن عون من الأشراف الحسينية لكنه ليس من بيت الإمارة المتسلسلة فيهم وإنما أنهى له بها محمد علي باشا وجاءه التقليد من دار الخلافة ومن ثم صارت إمارة مكة مراوحة بين هذين البيتين الكريمين ذوي زبد وذوي عون تارة يتولاها أحد أبناء الشريف محمد بن عون وطوراً تعود إلى أصلها في ذوي زبد ويستقر الأمر في نصابه إلى أن كانت إمارة الشريف عبد المطلب جد الشريف حيدر باشا الأمير الجديد فتولاها ثم عزل عنها وآخر مرة جرت بحقه دسائس لم يأخذ منها حذره فعزل وخلفه الشريف عون الرفيق باشا من ذوي عون فبقي فيها مدة طويلة إلى أن توفاه الله فخلفه أخوه المرحوم الشريف عبد الإله باشا ولكن ما كاد يبلغ الإرادة السنية بتقليده إمارة مكة حتى توفي وأسندت الإمارة إلى ابن أخيه الشريف علي باشا فلما حصل انقلاب الشريف المشار إليه عن كرسي الإمارة فذهب وأقام بمضر وتولى مكانه ابن عمه الشريف حسين باشا وهو فيها منذ بضع سنين.

стр. 6251

والأمير الجديد هو الرئيس الثاني لمجلس الأعيان وقد كان تولى نظارة الأوقاف وهو من أركان الدولة الذين عليهم المعول ولهم المقام الأول وهو رئيس مجلس الإدارة للجمعية الخيرية الإسلامية التي هي تحت حماية سمو ولي عهد السلطنة نسأل الله ﵎ أن يجعل كل أيام الحجاز في أيامه مواسم كما جفل ثغور الأهلين بتوليته بواسم وأن يذلل لديه الصعاب ويمهد أمامه العقاب ويجعل التوفيق رفيقه في حله وشده ويمكنه من ناصية كل عاص حتى إن أبى أن يقف عند حده أغمد فيه سيف جده. دمشق: شكيب أرسلان

стр. 6252

الشيخ إبراهيم الحوراني رزئت الآداب العربية بفقد هذا العالم المشهور بسعة معارفه ودقة أبحاثه واعتداله بمبادئه الأدبية فاقتطفت ترجمته هذه من كتابي (مفاوض الدرر في أعيان القرن التاسع عشر) لتنتشر في مجلة المقتبس وهناك ما اقتطفته. ١ - أسرته لا يخفى أن معظم الأسر المسيحية الشرقية المذهب حورانية الأصل من بقايا اليمنيين الذين قدموا حوران وما إليها حتى العراق في حادث سيل العزم الشهير في التاريخ. وكان منهم الغساسنة الذين نسبوا إلى ماء غسان حيث نزلوا وهو اليوم نبع عري في حوران وكانوا عمال الرومان بعد تنصرهم ثم تفرقوا في أنحاء حوران وغيرها فنشأت منهم قبيلة في إزرع المشهورة بأذرعات ومنها تسلسلت أسر كثيرة بأسماء مختلفة أهمها بنو فرح أو الحاج فرح وأبناء عمهم بنو قنديل الذين تعادوا ثم تصالحوا ثم تعادوا وتفرقوا في أنحاء سورية ولبنان. وكان بنو فرح قد قدم بعضهم في أثناء ألفتح العثماني إلى ضواحي حمص مع بعض بني قنديل أنسبائهم متصالحين ثم عادت المشاحنة ففرقتهم فنزل الفرحيون في تلك الجهات والآخرون هجروها مبتعدين عنهم عداءً وكان ممن نزل حمص وحماة من الفرحيين من لقب بألقاب مختلفة مثل بني الحوراني أسرة المترجم الآن وبني اسيسه وبني أبي عريضة وبني نسيم وأنسبائهم أما بنو الحوراني فينتسبون إلى جدهم شدود الحوراني ونشأ منهم سليمان جد جد المترجم فبنى قرية في حصن الأكراد باسم معمورة الحوراني ثم خربت ونزح منها سكانها الذين كانوا كلهم من هذه الأسرة فعرفت إلى اليوم بخربة الحوراني. وعادوا إلى حمص وحماة وضواحيهما. فنشأ ممن في حمص أبو يحيى يعقوب بن سليمان بن فرح وهو جد والد المترجم كان شاعراً بليغاً وصاحب مكتبة احترقت ومما يحفظ من شعره قوله من أبيات: لا تعجبي من آسى العاني فأعظمه ... منذ العصور الخوالي حظ يعقوب وله كثير غير هذا من بليغ الشعر ثم نشأ من أنسبائه إبراهيم الأول وهو ووالد المترجم حفيدا أخوين وكان عالماً درس على الخوري عيسى الحامض والد الدكتور سليمان الخوري الحمصي واشتهر بطلاقة لسانه

стр. 6253

وسعة معارفه في التاريخ والطب وكان واعظاً بليغاً توفي نحو سنة ١٨٧. عن نحو ستين سنة. وله أولاد وحفدة في حمص. إلى غير ذلك مما يدل على أن العلم في هذه الأسرة موروث والشعر متسلسل. وأعظم علمائهم المترجم. ٢ - نشأة المترجم هو الشيخ إبراهيم بن عيسى بن يحيى (أو يوحنا) بن يعقوب بن سليمان بن فرح الغساني الحوراني. ذهب والده عيسى إلى حلب نحو سنة ١٨٣٨ للاتجار بالمنسوجات وتدبرها إلى أن ولد له فيها المترجم في مساء ١٤ أيلول سنة ١٨٤٤ (رومية) فعاد به أبوه وبأخيه الأكبر إلى موطنه حمص والمترجم ابن سنة فترعرع فيها وتعلم مبادئ الحساب عند حائك بارع بالقواعد الأربع ومبادئ الصرف والنحو في الأجرومية على يد القس أبيلا والخوري بطرس الأرقش وبعض العلوم على الخوري عيسى الحامض أديب حمص في عهده. وكان يجمع أترابه ويدرسهم ما درسه. وولع بالزجل والمواليا من فنون الشعر العامي فنظمها وهو في الحادية عشرة فتناقل المنشدون قدوده يتغنون بها منها في البغدادي: يا ساكن البان صبري من بعادك بان ... يبكي دماً كلما غنى حمام البان سرك كتمته ولكن من دموعي بان ... والدمع فضاح أرباب الهوى في الصبا يا روح عطفاً على العاني أسير الصبا ... مولاي شكواي ألطف من نسيم الصبا وإن كان بتهز عطفك يا غصين البان ونظم الشعر الموزون في سن الثانية عشرة من العمر كما سنرى في شعره وسنة ١٨٦. نزح بيتهم إلى دمشق فتعرفوا فيها إلى الدكتور مخايل مشاقة فأعجب بذكاء المترجم وأقنع والده بإدخاله إلى مدرسة عبية الأميركية فدخلها سنة ١٨٦١ وبقي فيها إلى سنة ١٨٦٤ فأحكم بعض العلوم وعاد إلى دمشق فأتمها على بعض علمائها فدرس الرياضيات والفلك والمنطق على يد الدكتور مخايل مشاقة والطبيعيات والكيمياء على الدكتور يوسف دمر ومبادئ الإنكليزية على السيدة كروفرد. ولكنه كان يعلم نفسه بالبحث والاستقراء والتدبير والمطالعة كما قال في مقالة أنشأها بعنوان أنا معلمي سنة ١٩١٣وهو: وما زلت منذ ذلك الوقت أي زمن الصبوة أطالع وأتعلم إلى هذه الساعة فاستفدت من تعليم نفسي أضعاف ما استفدته من معلمي ودرس في بعض المدارس البسيطة في ضواحي

стр. 6254

دمشق. وحذق علم الجبر والهندسة والمنطق والجغرافية السماوية وبعض أحوال السيارات ومبادئ علم ألفلك وعلم قياس المثلثات والأنساب والفلسفة الطبيعية والكيمياء والنبات والحيوان. واشتهر بسعة معارفه ودقة مداركه فاستقدمته المدرسة الكلية للأميركان في بيروت سنة ١٨٧. أستاذا فدرس فيها البلاغة والمنطق والرياضيات وانفتح له باب جديد للتعمق في العلوم والتبحر في إتقانها وابتكار كثير من القواعد الرياضية التي كان يمليها على تلامذته العديدين من أطباء وعلماء وأدباء وهم معظمهم نوابغ السوريين في القطرين وبقي فيها نحو عشر سنوات وقفها للبحث والتأليف والتعريب والتصحيح من سنة ١٨٧١ - ١٨٨. م ودرس في مدرسة البنات وفي المدرسة البطريركية بضع سنوات وكان يدرس في مدرسة اللاهوت الإنجيلية بعض العلوم إلى آخر حياته. واتصل بالعلامة الدكتور كارنيليوس فانديك الأميركي المشهور ورصد معه الكواكب ثم صار يرصدها بمنظاره في بيته ويحقق شؤونها ويكتب فيها المقالات الضافية. وتولى كتابة النشرة الأسبوعية منذ سنة ١٨٨. فدبجها بفوائد علمية وأدبية رائقة. وكان مصححاً لمطبوعات المطبعة الأميركية ومعرباتها مشتغلاً بالتأليف والكتابة منصرفاً إلى إتقان العلم وتوسيع المدارك. فكتب مئات من المقالات العلمية والأدبية. وابتكر قواعد وضوابط للعلوم مشهورة بين الأدباء. وألقى الخطب البليغة في الحفلات والمجتمعات الأدبية مما أرقص أعطاف المنابر. وعلى الجملة فإنه ملأ الآداب العربية بمباحثه المفيدة. وزين المجلات والجرائد بنفثات أقلامه. وأغنى اللغة بأوضاعه ومعرباته وأساليبه العصرية. وكانت مزايا كتاباته ومنظوماته الجمع بين آراء المتقدمين والمتأخرين مع دقة نظر وصحة بحث. وما زال يدأب في عمله إلى أن أقعده داء عقام فلازم ألفراش ولم يكن مع اشتداد وطأته عليه يمتنع عن العمل فوافته المنية بعد عام وذلك في ٢ شباط سنة ١٩١٦ في بيروت. فأقيمت له حفلة حزن مؤثرة رثاه فيها الدكتوران هسكنس وبلي والقسان هاردن وجسب والأستاذان فربان وكروفرد في الكنيسة أما على الضريح فتناوب تأبينه الأدباء ضوبط وبهنا ومصور وحمية وباز. وأقيمت له حفلة تذكارية أبنه فيها الأديبان خوري وغبريل. ورثاه كثير من الأدباء بمراث مؤثرة.

стр. 6255

وكان طويل القامة ممتلئ الجبهة حنطي اللون روماني الأنف أجش الصوت وخطه الشيب في آخر حياته ومن أخلاقه أنه كان حاد الطبع سريع الرضا كثير الجلد على العمل لا يكاد يمل ولا يكل من البحث والمراجعة. وإذا نظم ترنم بالوزن سريع الخاطر حاضر الذهن دقيق البحث في الوضع واللغة والترتيب واسع الاطلاع يسير بالقارئ بين حزون المباحث وسهولها. ترجم وألف وصحح أكثر من ٢٥ كتاباً. فكان جبار علوم ومقدام أعمال متحلياً بأجمل الصفات الأدبية مع ترو وتثبت وتحقيق وتدقيق محباً للآداب والأدباء غيوراً على اللغة وأبنائها. فهو من أ - هم أركان النهضة العصرية بلا مراء. ٣ - شعره كانت مزية شعر الحوراني علمية الأسلوب والنزعة رشيقة التعبير متينة القوافي بليغة المعاني فصيحة الألفاظ دقيقة الخيال جامعة بين جزالة القدماء وأفكار المعاصرين. وله ارتجال بليغ ومعربات شعرية أجاد في نقلها مظهراً بلاغتها الأصلية.؟ كيف لا وقد ورث الشاعرية عن أسلافه كما مر ونظم في سن الثانية عشرة موزوناً وفي الحادية عشرة نظم الأزجال والموالينا وغيرها ولكنه كان قليل الحرص على حفظها فتشتت حتى قيل: أنها لو جمعت كلها لكانت خمسة أمثال شعر المتنبي أو تزيد. وقال بعضهم: أنه لا يلام إلا على إهماله جمع منظومه فمرثيته للشيخ ناصيف اليازجي وغيره من المشاهير فقدت من بين أوراقه. وقد اعتنى الأستاذ داود أفندي قربان بجمع ديوانه مما وعته حافظته المشهورة ومما رآه عند أصحابه ونشر بعضها بعنوان (الدقيق الحوراني) في (مجلة المورد الصافي) البيروتية. وسعي في حياة المترجم بجمع ديوانه فاطلع عليه قبل وفاته وأثبت ما صحت روايته منه. وكان يقول عن الأستاذ قربان: أنه روايته وذاكرته كما كان لدماء الشعراء رواة يحفظون منظوماتهم. وبعض أشعاره بدأ بنشرها في جريدة الرئيس التي تولى تحريرها. ثم في جريدة النشرة الأسبوعية وغيرها مم تناقله الأدباء فمتن أول أشعار صباه مورياً بأبواب حمص: ويونانية في باب (هود) ... سبت بالحسن عادات العريب فتحت لوصلها أبواب قلبي ... فلوصلها هجرها (باب الدريب) ومنه وقد سمع من أبيه نظم جده وحثه على تحديه فقال مضمناً ذلك:

стр. 6256

يقول أبي: بني الشعر فخر ... لمن بمقاله الغاوين يهدي فزوال نظمه وانشر علينا ... ذكي النشر من ورد ورند فجدك كان ذا شعر نفيس=فقلت: انشر لنا نفحات جدي فقال: إليك ما نقلت حداة ... به كانت مطي الشوق تجدي ألا دع ما استطعت حديث نجد ... ففي ذاك الحديث قديم وجد فجز تلك الربوع فإن فيها ... لقتلي غادة ربوات لحد فقلت: طربت من ذا الجد جداً ... سأبذل في نظام الشعر جهدي وأول ما أعلنه من شعره قواه وفيه صحة مذهبه الشعري: هذب كلامك في نظامك ... قبل نقد العالم فالشعر كالمرآة ير - سم فيه عقل الناظم وقال من أبيات: وعذاب أرباب ألفضائل لذة ... وكفى الأفاضل أن غدوا أبرار إن كان موتي في الفضيلة رفعة ... فليقض ربي أن أموت مراراً ومن ارتجالياته قوله: جميع الناس في تيهٍ=على طرق الردى باتوا فلولا الجهل ما تاهوا=ولولا التيه ما ماتوا ومما كتب تحت رسمه: رسم يشخصني لمقلة من به ... ولهي وروحي في حماه تقيم يعقوب أشواق إليه مهجتي ... وأنا بدين الحب إبراهيم ومن حكمياته قوله من أبيات: لا يخدعنك عاقل متفقه ... شرح الحقائق للعجاف مجاف حملاً يمثله المقال وفعله ... أبداً يقول الذئب بين خرافي لا خير في عقل ولا علم ولا ... دين ولا مال بغير عفاف وقوله في واعظ مراء: خلقت شجاعاً ولكنني ... جبنت لبأساء لا تتقي

стр. 6257

أخاف وكم خفت من واعظ ... كثير الصلاة قليل التقى وقوله مما يدل على تواضعه وحكمته: إني لا علم أنني لا أعلم ... وكفى بذا علماً لمن يتفهم إن الجهول الغر يحسب أنه ... أدرى من الشيخ الحكيم وأعلم وقوله من مرثية: يل نفس لست بمدرك كل الذي ... تبغينه فدعي عناءك واقصري إن الذي في دفتر الأقدار لا ... يأتي على وفق الذي في دفتري ولقد دخلت الأرض غير مخير ... وسأترك الغبراء غير مخير وقوله ينصح التي ترغب في مال خطيبها لا في كماله: ما كل ذي مال شريف فاطلبي ... من شرفته في الورى أخلاقه كم من غني مجده أمواله ... كالزهر كل جماله أوراقه وقوله في كأس الخمر: في هذه الكأس الهلاك فلا تذق ... حلب العصير صديد أهل جهنم عكست لظى لألائها من نارها ... وحبابه نفث الحباب الأرقم وقوله في الباخرة من قصيدة: حملتك جارية المحيط كأنها ... برق سرى ليل النوى بهجوعي دنت مني ومستني لهذا ... علقت بها كما حكم القضاء وقوله في صدر خطاب: لا ذنب لي قد قلت للقوم اطلبوا ... غيري فلست من أهل الخطب إن الخطابة لا تليق بغير من ... ألفاظه درر ومعناها ذهب أو ناسج طرفاً سداها حكمة ... ووشيعها علو ولحمتها أدب قالوا أر العذر المليح ولا تر الب - خل القبيح ولا تفر من الطلب فأجبت مضطراً فلا تتعجبوا ... من جرأتي هذه فقد عرف السبب وقال من قصيدة: ما سواد الشعر عندي حسناً ... كبياض الشعر في بعض الرؤوس

стр. 6258

إن تاج الشيب يا آل النهي ... عندنا أجمل من تاج العروس إن ذاك التاج نور ساطع ... من شعاع العقل في رأس الرئيس ومما يروى أنه كان سائراً مع صديقه المعلم سليم كساب رحمهما الله من بيروت إلى دمشق راكبين فنظم في طريقه قصيدته المشهورة: حمل النسيم لنا عبير شذاكا ... ظبي الختام فرحت من أسراكا ومنها: مغنى توهمت السماء رحابه ... لما رأيت أهيله أملاكا وظننت سكان المضارب أنجماً ... لما رأيت خيامه أفلاكا إلى أن قال وقد قدحت سنابك خيلهما شراراً في فحمة الليل: ركب الظلام وسار يخترق ألفلا ... نحو الربوع وغادر الأدراكا وتسنمت عصف الرياح جياده ... تجري كدمع الصب يوم نواكا ترمي سنابكها الشرار كأنها ... وقدت أضالعها بنار هواكا وهي طويلة بليغة كلها من هذا الطراز الرائع ومما ارتجله مشيراً إلى اسم أسرته في صغره: بدوية لاموا العميد بحبها ... فأحبتهم والدمع أحمر قاني ما شأن فيها ها بدوية ... ترمي السهام بمهجة الحوراني وله من قصيدة طويلة في صباه: من كل غرثى وشاح ما دنت ورنت ... إلا رمت بسهام الطرف مضناها تظل نيران إبراهيم موقدة ... منها كليم الحشى في طور سيناها هيفاء تزنو في بحر السنا وأنا ... اختال في مثل ما يشكوه جفناه بالوصل أبخل غادات الورى خلقت ... وعند سفك دم العشاق أسخاها وله أخرى في صباه متفنناً: في وجنتيه لكل شمس مطلع ... وبمقلتيه لكل نفس مصرع قمر لفه في كل صدغ عقرب ... من فرعه ومن البروج البرقع إلى أن قال وأجاد بالتوجيه النحوي والعروضي:

стр. 6259

خلفتموني مفرداً متمكناً ... في حبكم فلما بكم لا أجمع وخفضتموني قد نصبت لنبلكم ... هدفاً فحتى م الجفا لا يرفع ملتم إلى الواشي بأشعار الثنا ... فصرفتموني والموانع أربع إعجام صبري وازدياد تولهي ... وصفاتكم وجموع عذل تلذع بين المحب وطيف ظبي كناسكم ... لم يبق للتمييز عندي موضع طال النوى بمديد وافر هجركم ... والقرب يبطئ والمدامع تسرع ومن قديم فلكياته قوله من قصيدة بليغة في مدح السيد عبد القادر الجزائري: نظمت من الشهب القلائد مثلما ... حوت الأهلة في مقام أساور وتقنعت بغياهب وتبرقعت ... بكواكب وتمنطقت بنواظر وقوله موجهاً بخرافة الخسوف وقد جلست عجوز ثقيلة بين عروسين في عرس فسكت المغنون: ترنموا أيها الشادون وابتدروا ... إلى المزاهر والنايات والوتر وخلصوا البدر من حوت الخسوف أما ... رأيتم الأرض بين الشمس والقمر وقوله من قصيدة: إني رصدت كواكب العادات في ... أفلاكها من قبل نبت عذاري وعرفت مشارقها ومغاربها وما ... في أمرها من غامض الأسرار فهويت عن خبروما يرضى الهوى ... في أهله أحداً من الأغرار وعشقت أجمل غادة كلفي بها ... كلف البخيل برنة الدينار لا تعجبوا من صبوتي شيخاً ففي ... ثلج المشيب شبيبة من نار وقوله من قصيدة في مدح خالد بك والي بيروت: مغاني اللوى للنيرات مراصد ... مضاربها الأفلاك والصب راصد فكم أمهى العشاق والشوق سائق ... مطايا السري والوجد للركب قائد رقبنا بها الأقمار والدمع سائل ... بليل به نهر المجرة راكد ومنها: حكت مهجتي المريخ لما نوت كما ... نوى عن مدار ألفرقدين عطارد

стр. 6260

فبت وحادي النجم أعيت قلوصه ... وسرحان فجري للغزالة طارد وقال من مرثية لأستاذه مخايل مشاقة المتوفى سنة ١٨٨٨ م: لم يبق بعد غروبكم من مطلع ... في شرقنا لسوى نجوم الأدمع إلى أن قال: يا رمس ميخائيل لو درت العلا ... أمسيت محسود المحل الأرفع أقليدس الصوري فيك وذو النهى ... اسحاق أهل الغرب فاعرف من تعي بقراط والشيخ الرئيس وغيره ... من كل ذي زكن حصيف المعي ما للرياضيات بعد مشاقة ... ما دامت الأفلاك غير تفجع ودوائر العرفان لم يعرف لها ... من مركز في القطر أو من موضع شقت عليك جيوبها وصدوره ... وبغير شق قلوبها لم تقنع والصبر عز على الجميع كأنه ... تربيع دائرة ورسم مسبع وقال من قصيدة في تهنئة الدكتور كارنيليوس فانديك بيوبيله الخمسيني سنة ١٨٩.: من لي بنظم كواكب الجوزاء ... عقداً فريدته الضحى لذكائي ليس الجمان إذا أحاط بجيدها ... إلا هباءً حول حبل ضياء شمس عنت كل الشموس لوجهها ... وغدت به كضرائر الحسناء وأولوا الصبابة حولها سيارة ... متحيرات من سنا وسناء وأسيرها أسد الهيام فلم يخف ... في الخافقين ملامة العواء إلى أن قال: ورصدتها ليل النوى في مرصد ... ما فيه غير مراقب الرقباء فكأنني والعين ترقب خدها ... فانديك يرقب نير العذراء فلك النهى قطب العلوم بعينها ... ومحيط دائرة الهدى للرائي دع ذكر هرمس وابن حيان وخذ ... عنه بيان صناعة الحكماء وانسخ به ألفلك القديم وخل ما ... أبداه بطليموس في الإخفاء وانظر مبادئه الصحيحة تلقها ... في غيرها كالدر في الحصباء واعدل عن الشيخ الرئيس فشيخنا ... شيخ الرئيس وعمدة الرؤساء

стр. 6261

لو كان بقراط الحكيم مريده ... في الطب أحيا ميت الأحباء أو شام جالينوس برق سحابه ... ما مات ميتة سائم للشاء هذا الذي ما جس نبض أخي ضنا ... إلا تبدل سقمه بشفاء يشفي العليل بحكمة كشفت له ... سر الدواء ومضمرات الداء هذا الذي جعلت رياضياته ... أمد الدراري من خطى الغيداء فلو استبان الدرو من أشكاله ... أقليدس استولى ذرى العلياء وقوله من أبيات ارتجلها في تأبين الياس صالح البيروتي المتوفى سنة ١٨٩٥ في شرخ شبابه: يا معشر الصحب هذه درة نثرت ... من عقدكم فاجتبت ترب البلا صدفا ذا غصن علم نمت أزهاره وزهت ... قبل اكتهال وزاد الحمل فانقصفت وقال من قصيدة يرثي بها صديقه الشيخ إبراهيم اليازجي أثابهما الله: دفنوا حجاب النفس في جوف الثرى ... والنفس حلت بالمحل الأرفع قالوا الممات من الحياة وما دروا ... أن الحياة من الممات المفجع فالحب ينبت بع ما يلي أما ... للحي بعد ذهابه من مرجع إن الخلود حقيقة أزلية ... نفي النفاة لها هباءة زعزع لم ينفها العلم الحديث وأثبتت ... في مجمع العلم القديم المجمع ومن معرباته البليغة قوله ناقلاً معنى لشكسبير الشاعر المشهور: شاب رأسي ولم أزل في مراسي ... واقتداري كأنني في الشباب سر هذا كرهي الخلاعة دهري ... واعتزالي لمسكرات الشراب وقوله معرباً نظم إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني: الله أعلن ذاته في وحيه ... ترساً لدرء الشر عنا والعنا ولدفع إبليس الرجيم فويل من ... يبغون عن سنن المهيمن دفعنا (الله معنا) تاجنا فجميعنا ... نسمو به وهو المؤيد جمعنا وعرب قول جون لو يصف ضوء البدر في المشرق على الغصون: وبدر الأفق فوق الطود يهدي ... إلى الجنات ضوء المقلتين

стр. 6262

أشعته على الأغصان تبدو ... كأسلاك غزلن من اللجين وقال من كريستوفرس كولمبوس مكتشف أميركا وقد طبع في كتابه الذي جمع له بلغات العالم كلها بخطوط أصحابها: أكرستوفر ألفرد نصف الناس لا ... تنكر علي ولا تكن بالناسي من كان نصف الأرض من مكشوفه ... أفلا أثمنه بنصف الناس ومن تواريخه الشعرية قوله موجهاً بالفلك بتاريخ زفاف ومن غرائب الاتفاق أن الشمس كانت في ذلك الوقت ببرج الأسد: تقول الدراري بتاريخه ... لقد حلت الشمس برج الأسد إلى غير ذلك مما جمع بين سلالة البحتري ومعاني المعري وأمثالهما

стр. 6263

مشاهد برلين مرافق الحياة يتوسط الشوارع الكبيرة في برلين رياض تسايرها طولاً وتفتح فيها سبلاً للراجلين خاصة فيكون الشارع مفصلاً إلى رصيفين وجادتين بينهما ممر يكتنفه عمارتان من نبات تطرزه الرياحين بألوان مختلفة ولا يشاهد الإنسان في ديارها ولو في الروض بناءً بالياً أو جداراً متداعياً والذي ساعد على تنسيق مبانيها ومتانتها أن عناصر الطين بمقربة من تلك المدينة وأن الحجارة والخشب يجلبان إليها على نهر شبري بسهولة وقيم زهيدة. وكثير من المباني قائمة من الحجارة الرملية ويستعملون البرفير زينة في داخل البيوت وهو ضرب من حجارة الكرانيت المرادف له في العربية كلمة صوان وتفرش بعض المحلات مثل دهاليز المدارس ببلاط استك وهو قطع دقيقة من الرخام تخلط بعجين الكلس. في كل منزل حمام يتخذ من الزنك يسخن ماؤه في قصبة تنصب إزائه مثل الأسطوانة ويتصل بحافته مجرى للماء الحار وآخر للماء البارد ومن فوقه الناضحة المثقبة ولكل واحد من المجاري الثلاثة مفتاح يتميز بكتابة على جانبه. ومن تلك الحمامات ما يتدفق إليها الماء الحار من معمل تشترك فيه منازل كثيرة فيتيسر للإنسان أن يتطهر منها في أية دقيقة حضرت، ويقل لهذا ترددهم على الحمامات العامة ولا يقصدونها في الغالب إلا لداعية زائدة على النظافة إذ يوجد فيها من يقوم بعمل الدلك على قاعدة صحية. ومن المنازل ما يتوسل لدفئه أيام البرد بإيقاد ألفحم في القصبات القائمة بزاوية من زوايا المنزل على الطريقة المعروفة. ومنها ما يدفأ بوسيلة ماء حار يمر في بعض نواحيه على أسلوب منتظم. وملخص ترتيبه أن ينصب في الطبقة السفلى مرجل توقد تحته النار يتناحب ويتصل بالمرجل قصبة يصعد فيها الماء إلى إناء فتح عند سقف الطبقة العليا ثم ينسكب نازلاً إلى مواضع التسخين في سائر الطبقات وحجراتها حتى يعود إلى المرجل مرة أخرى ويتركب موقع التسخين في الغالب من خمس عشرة إلى عشرين أسطوانة خشبية متلاصقة وحيث يجري الماء في مجال مستدير وسطح غير ضيق يحصل الدفء الكافي.

стр. 6264

وذكرت عند هذا الصنيع أن جبرائيل بن بخنيشوع المتوفى سنة ٣٥٦ كان يضع من وراء الحجارة التي يجلس فيها مواقد تبعث من وهجها ما يكسر سورة البرد. دخل عليه أحد ألفضلاء على ما قصه موفق الدين في طبقات الأطباء فأحس بدفءٍ وقد أصبح البرد شديداً فكشف له بخنيشوع عن جوانب المقعد فإذا موضع له شبابيك خشب بعد شبابيك من حديد وكواتين فيها فحم الغضا وغلمان ينفخون ذلك ألفحم بالزقاق مثلما يصنع الحدادون. ويفتحون في النوادي الكبيرة مراوح ذات آلات تجلب إليها الهواء النقي أو النسيم البارد بإدارة كهربائية. فمن محال القهوة ما يسع أكثر من ألف نسمة فتجد الجالسين صفوفاً مرصوصة ولا يحس الداخل بكدر في الهواء مع ما يقع من التدخين. وهذاأيضاً ذكرني أن بخنيشوع الذي دبر طريقة تسخين الحجرات إذا دبت عقارب البرد قد فكر في وجه استخلاص النسيم البارد إذا رمت الظهيرة بجمراتها فكان يعد من خلف القبة التي يتبؤها مواضع يصف فيها قطع من الثلج ويأخذ الغلمان مراوح يستثيرون بها من ذلك الثلج نسيماً بارداً فيهب إلى القبة في طريق متجددة. وكانوا يستوقدون الشمع وبعض أصحاب البيوت يصنعونه من شحم البقر بأيديهم إلى قريب سنة ١٨٤. فظهر بينهم زيت الغاز المعدني اكتشفوه في أربع ولايات من ألمانيا ولكن منابعها ليست بغزيرة وقد تهللت اليوم بالضرورة مسارج الكهرباء والغاز البخاري في كل محلة. أما القصور القيصرية فكانت تنار بالشمع المستخلص من عسل النحل ثم انبجست فيها أنوار الكهرباء سنة ١٨٨٨. ولا تخلو أبواب البيوت ودواخل الحجرات من أجراس يستند تنظيمها بين الضغط على أزرارها ورنة مطرقتها إلى مجرى كهربائي تستمده من معمل تشترك فيه محلات متعددة. ويصنعون في كل حجرة من ألفنادق الشهيرة ثلاثة أجراس يدعو النزيل بإحداها من تكلف بتنظيم الحجرة وبثانيها من يعين لمناولة ما يحتاج أليه من مثل طعام أو شراب ومن ثالثها من يختص بحمل الأمتعة. ترتبط المنازل بأسلاك حاكي الصدى التلفون وقد ريحوا بوسيلته قسطاً عظيماً من أوقاتهم فيكون الإنسان في غنى عن أن يبدد قطعة من الوقت الذي هو سلك عمره في مسافة الذهاب إلى مكان آخر والإياب عنه بإبلاغ كلمة والإنصات إلى مثلها. وقد أصبح من

стр. 6265

المعتاد عندهم أن الإنسان لا يضرب بخطوة إلى زيارة أحد حتى يعلم بهذه الوسيلة أنه حاضر في منزله ويفهم من خطابه أنه لم يكن في حال يقتضي تأخير اللقاء إلى دفعة أخرى. وتسلم إدارته لكل من عقد محله فرعاً منه مجلد يحتوي على أسماء المشتركين فيه مرتبة على أحرف الهجاء مع بيان الأعداد التي جعلت علماً على فروعهم. فمن أراد ليخابر آخر خاطب الموظف في مركز دائرته أولاً وأعلمه بالعدد الذي جعل على ألفرع الواقع في منزل صاحبه فيهيء له طريقة المخابرة معه. واختاروا أن يكون الموظفون فغي هذه الدوائر نساء وقالوا في علة ذلك أن التجربة كشفت على أن كلام المرأة في هذه الآلة أوضح من كلام الرجل وأمكن في السمع. ولا داعي إلى رفع الصوت عند المخابرة فيه فإن المتكلم يلقي بكلامه في مكر تلفون آلة تقوية الصوت الضعيف بل ربما أدى الجهر بالقول فوق العادة إلى فوات بعض الأحرف أو عدم تمكنها من سماع المخاطب. يضعون في المطبخ موازين تسمى ميزان المطبخ يزنون بها ما يشترون من لوازم الطبخ ونحوه لكي يتيقنوا نصح البائع أو خيانته. وعلم الباعة بمثل هذا مما يجعلهم على استقامة وحذر من التطفيف بالوزن. ويتخذون الريش حشواً لألحفة ألفراش التي تكون من كتان غالباً فيجمعون في صنعهم هذا بين دفئها وخفة وقعها ويستعملون للطبخ بإرشاد من نظارة الصحة العمومية القيصرية قدوراً من الألمنيوم معدن أبيض كالفضة لأن من خواص هذا المعدن أنه لا يفسده حامض ماء البارود ولا يتضرر من حامض الكبريت إلا إذا مسه مراراً متعددة ثم أن ما يجتمع من مائه لا يسري إلى جسم الإنسان بضرر ذي بال والقدور والأواني التي تصاحب العسكر إنما تؤخذ من هذا المعدن لخفة حمله وقلة أذيته. وفي ألفنادق الشهيرة ما عدا الساعات المنبهة المتداولة آلة تلصق في الجدران المحاذية للسرر تنالها يد المضطجع فيستعملها للإفاقة من النوم في وقت معين فتصدح في الوقت نفسه بصوت رخيم يستمر مدةً طويلةً ولا ينقطع إلا إذا أسكتتها يده بتحويل وضعها. الديانة ينتحل معظم الشعوب الألمانية مذهب البروتستانت. وأول من أطلق لذلك الشعوب في

стр. 6266

العقائد ولم يأخذ عليها في تقاليدها فريدريك الكبير فخفقت ولايته فتناً كانت التعصبات الاعتقادية تنفخ في جمراتها. وصرح بعض أساتيذهم بمزية القرآن في الدعوة إلى التوحيد الخالص وفهمت عنه أن لدلائله وأساليبها إذ أصبحت ترجمته تسعى بين أيديهم أثراً في تأييد الاعتقاد بوحدة الإله. ومما أخذوه في شعار الديانة ان رسموا في منطقة كل عسكري جملة تعريبها الله معنا. ويغلب على فلاسفتهم التمسك بما يدينون ولا يمرقون إلى الإلحاد مثل كثير من فلاسفة أوروبا الغربية. فأشهر فلاسفة الألمان كنت المتوفى في أوائل القرن التاسع عشر وقد تعرض في تأليفه المسمى انتقاد العقل الخاص للاستدلال على وجود الخالق وهذا التأليف أعظم كتاب يعتمد عليه فلاسفتهم. الجد والعمل يعمل الألمان في حيلتهم على شاكلة سياسيهم الكبير بسمارك القائل إن استراح صدأ فإذا رأيتهم لا سيما في غرة النهار وهم ينتشرون في الأرض بخطاً سريعة ونشاطٍ يتمثل لك الجد في أوسع مظهره وينكشف لك ألفرق ما بين العامل والقاعد في أجلى صوره. وفي بعض إحصائيات ليست ببعيدة أن ٥٢ في المئة من السكان يرتزقون من الصنائع وأن المعامل المنشأة في شمال المدينة وشرقها تحتوي على أكثر من ثلاثمائة ألف عامل. لا يلاقي المتجول في أنحاء المدينة على سعة مناطقها طائفة تتسول أو يسمع لها نغماً وتخطر لي ذكرى أني لم ألق من السائلين في أشهر الإقامة هناك أكثر من عدد أنامل الكف الواحدة وهم إما رجل قطع جناحه أو عجوز بلغت من الكبر عتياً. ولا عجب إذا لم نشاهد كثيراً من العجزة يتكففون فإن في الباب التاسع عشر من قوانينهم المدنية أن تقوم الحكومة بعيش من قعد به العجز عن الاكتساب بنفسه. المعاهد العلمية تأسست في برلين كلية يعمرها ٢٥. أستاذا و٦. . . تلميذ ومن شعبها مدرسة الألسن الشرقية المنشأة في سنة نيف ١٨٨. ويتعلم في هذه الشعبة نحو (٥. .) تلميذ. والمدارس من غير هذه الكلية لم أحط بها حساباً وإنما عرفت منها مدرسة للصنائع بها نحو (٣. . .) تلميذ ومدرسة للزراعة بها (١. . .) تلميذ ومدرسة لطب الحيوانات بها ٥. . تلميذ ومدرسة

стр. 6267

للمهندسين بها ٤. . . تلميذ. وأنشئوا منذ خمس سنوات داراً في دالم على جانب من برلين وجلبوا إليها كل ما يفتقر إليه علماء الطبيعة من أدوات التجربة والوسائل المساعدة على البراعة ألفائقة في هذا العلم والمقدرة الواسعة في استنباط نتائجه وقد أصبحت هذه المحلة دار إقامة لكثير من علماء الطبيعة. وشرع فريدريك الأول الذي نصب ملكاً على بروسيا في أوائل المائة الثامنة عشرة بإنشاء دار كتب يقدر ما في خزائنها من المجلدات بمليون ونصف. ومن بينها قسم للكتب التركية وآخر للكتب العربية. طفت بعض خزائن هذا القسم فكنت أتناول كتاباً بعد الآخر فأجدهما مختلفين في فنيهما اختلافاً بعيداً ثم طالعت ألفهرس فلقيته مرتباً على حروف المعجم بحيث تسرد فيه الكتب التي تشترك بأوائل أسمائها في حرف من حروف الهجاء على نسق واحد وإن تفرقت في موضوعات فنونها فقرأت في حرف الهمزة مثلاً أحكام القرآن لابن العربي. إسعاف المبطي. الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ. إنفاذ الأوامر الإلهية بنصرة العساكر العثمانية وإنقاذ الجزيرة العربية. وخصوا قسماً منها بالخرائط الجغرافية العتيقة والحديثة وبها معرض نضدوا فيه آثار الخطوط العتيقة وما سبق لحروفها من الأشكال الغريبة. وفتحوا في طبقتها الأولى للمطالعة محلاً سمكوا بناءه في شكل مثمن فسيح وصففوا فيه مكاتب وكراسي في دائرة كبيرة ومن فوق كل مكتبة مسرجة من الكهرباء. وأعدوا قبالة هذا المحل بهواً في شكل مربع مستطيل لمطالعة الجرائد والمجلات خاصة ويماثله في طبقة عالية محل لمطالعة الكتب العربية والتركية أو النسخ منها. ولا يمكن أحد من الكتاب إلا إذا كانت بيده ورقة الإذن في المطالعة فإذا أحرز ورقة الإذن ممن له النظر في إعطائها وأراد المطالعة أو النسخ لم يسلم إليه الحافظ الكتاب غلا بعد أن يثبت في ورقة رسمية اسم الكتاب وعدده ويبين هل خط بالقلم أو بالمطبعة ثم ينهيها باسمه وصناعته ومحل سكناه. يسمح قانونها بإعارة الكتب المطبوعة دون ما خط بالقلم لأنها قد تصاب بضياع فيصعب إيجاد مثله وجعله بمكانة ولا سيما ما يكون له أثر تاريخي كالكتب المخطوطة بأقلام مؤلفيها أو غيرهم من مشاهير أهل العلم. نظامات علمية

стр. 6268

تنقسم المدارس إلى ابتدائية وإعدادية وجامعة كلية فيستمر التلميذ من السنة السادسة إلى الرابعة عشرة في القسم الابتدائي ثم يتمادى في الإعدادي ست سنين فينفصل عنها إلى الجامعة ويبقى بها ثلاث سنين فإن كان من طلبة علم الطب فسحوا له في الأمد إلى منتهى خمس سنين. والتعليم الابتدائي منتشر في جميع الطبقات على طريقة جبرية فيتحتم على الولد الاستمرار في دورته إلى أقصى غاية. وعلى وليه أن لا يمنعه بعد هذه الدورة من الاختلاف إلى المدارس الإعدادية مقدار ثلاثة أعوام ولم تشرع الحكومة قسماً ليلياً للتلاميذ الذين هم من نفس المدينة واختاروا أن يبقى للتلميذ اختلاف إلى أوليائه وانسه بهم ليراقبوا حالته ويرشحوه بشيءٍ من آدابهم. يتعلم البنات في مدارسهن كل فن إلا علم الإلهيات إذ لا يليق بالمرأة عندهم أن تكون واعظة. ومن أمثالهم المضروبة المرأة في الكنيسة تسكت تولى المرأة وظيفة التعليم على شرط أن تكون أيما فإن أصبحت ذات زواج انفصلت عن خطتها. جرى القانون أولاً على منع المعلم من مجازاة التلميذ بعقوبة الضرب ثم ألغاه ناظر المعارف وقال عندي ثقة بأن لمعلمي مدارسنا حناناً على التلاميذ وعواطف تأبى لهم أن يبلغوا بالضرب إلى ما فيه إساءة. لا يسوغ للتلميذ أن يتعاطى المسكرات ولو دخل في دور التعليم بالجامعة وقد قال لي أحد أساتذتهم عند الحديث في هذا القانون إن تلاميذنا مثل المسلمين. كان التلاميذ يترنمون بقصائد في اللسان اللاتيني فأبطلها القيصر وقال لا فائدة لهم في ذلك فأصبحت أناشيدهم الوطنية ألمانية محضة. يدرب التلميذ في المدارس الإعدادية على صناعة الخطابة ويطالبونه بأن يحرر في كل شهر رسالة يبحث فيها عن بعض الموضوعات العلمية. أجر التعليم السنوي في المدارس الإعدادية (١٥.) ماركاً وفي الجامعة (٥. .) مارك ويوازن المارك من نقودنا على وجه التقريب القطعة ألفضية ذات الخمسة قروش. يتعين مدير الجامعة في كل سنة بانتخاب من أساتذتها ثم تقرر ولايته بتسمية من صاحب الدولة. ترسل الدولة في كل سنة وفداً من طلاب العلوم إلى أميركا ليستطلعوا مدارسها ويستكشفوا عما عساه أن يتجدد من أساليب العلم ونتائجه. يتلقى أبناء العائلة القيصرية تعاليمهم في

стр. 6269

مدرسة خاصة لا يغشاها إلا من نشا في مهد الملك أو كان من أسرة راقية ويقال أن والد القيصر الحالي كان يود لهم لو أنهم يتعلمون بالمدارس العامة حتى يلاقوا سائر الطبقات ويكونوا على خبرة محققة من أحوالها. مشروعات خيرية من مساعيهم النافعة أن ألفوا جمعية تبحث عن البائسين من طرق خفية وتوجه إليهم في البريد صدقات من غير أن يشعروا بمصدرها. وقص علي بعض أساتذتهم أن إحدى البائسات كانت ترتزق بصنعة الخياطة فوافاها ذات يوم صاحب البريد ب - ٥. . مارك وناولها إياها فدهشت فرحاً واندفعت تسأل عن باعثها بإلحاح. فأبى أن يكشف لها عن الحقيقة. وترى هذه الجمعية أن التبرع بقسط عظيم على مستحق واحد أنفع من توزيعه على طائفة ينال كل واحد منها حصة يسيرة. ومن الجمعيات عندهم جمعية (تخفيف المصائب) ومن أعمالها الحسنة أن تساعد من تنوبه مصيبة في جسده مساعدة ابتدائية ففتحت في أقسام العاصمة محالاً عينت لها أطباء ليسارعوا إلى علاج كل من يطرأ عليه حادث أو يفاجأ بمرض في أثناء الطريق مجاناً. ترجمتهم للقرآن ترجم القرآن المستشرق ريكرت المتوفى أواسط المائة الماضية ولكن انصرم حبل أجله من قبل أن يتم ترجمته ثم ترجمه المستشرق هنينك وهو عيش في مدينة فرانكفورت ترجمة تامة إلا أن الأول يراعي في الترجمة بلاغة اللسان الالماني فلا يبالي بالتقديم والتأخير والتعبير عن الحقيقة بالمجاز مثلاً. والثاني يحافظ على ترتيب الآية وحقيقتها في الغالب. وقد تتبعته في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة مع الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية فوجدته ينظر إلى المعنى الأصلي ويتحرى في أدائه جهد استطاعته. ووضع غير هذين الرجلين ترجمة ثالثة لم أتتبعها ولكن قال بعض العارفين باللغتين أنه بعيدة عن المطابقة وليست في القرب من الصحة مثل ترجمة هنينك. ونبأني الأستاذ هردر أن إحدى الجمعيات راسلته بأن تراجم القرآن التامة قد يضيق الوقت عن مطالعتها واقترحوا عليه أن يترجم لهم الآيات من سور متفرقة فاقتبس لهم مما ترجمه المستشرق ركرت آيات كثيرة في التوحيد والأحكام فطبعوها مجموعة وظهرت بينهم في

стр. 6270

مثال التراجم الأخرى. عنايتهم بالعربية توسلوا إلى العربية بتعليم لسانها ثم خدموا مؤلفاتها بالطبع واقتبسوا من حكمتها بالترجمة. ألف الأستاذ (هردر) كتاباً في قواعد العربية فكان الكتاب المتداول عندهم في التدريس وقد توالى عليه الطلب هذه المدة بإعادة طبعه. وألف كتاباً يفسر فيه المفردات الألمانية بما يرادفها من العربية وأنجز طبعه في مجلد ضخم ثم وضع كتاباً آخر اقتصر فيه على الكلمات المألوفة في الاستعمال. ترجم المستشرق الأستاذ (منفوخ) كتاب علاج العيون لعمار الموصلي وفصل علاج العيون من كتاب علي بن عيسى في صناعة الطب وفصل علاج العيون لابن سينا وكتاب وقائع العرب لأبي عبيدة بن المثني الكبير والصغير ونقل إلى الألمانية أيضاً ترجمة حمزة الأصفهاني وترجمة ابن سعد مؤلف كتاب الطبقات. وترجم المستشرق (ريثر) قصائد أبي الأسود الدؤلي ومقامات الهمذاني وأطباق الذهب لعبد المؤمن الأصفهاني ومقامات الزمخشري والأدب الصغير لابن المقفع وكتاب أحسن ما سمعت للثعالبي طبعها ثم ترجم كتباً لم تبرز في عالم الطباعة مثل الأدب الكبير لابن المقفع ومقدار الربع من معجم البلدان للبلاذري. وربما طبع الكتاب والرسالة بلسانها العربي وعلق عليها بعض بيانات بلسانه الألماني مثل شرح ابن الأنباري لمعلقة زهير وشرحه لمعلقة عنترة ورسالة المذكر والمؤنث لابن جني ورسالة في بقايا الأشياء لأبي هلال العسكري وكان هذا الأديب يحاورني في كثير من معاني الأبيات أو الحكم المنشورة وربما تعاطى الترجمة في أثناء قيامه بالوظيفة العسكرية وبمثل هذه التراجم القديمة والحديثة كان للسان العربي كما قال أحد أساتذتهم آثر في رقي آداب اللغة الألمانية. ويشهد بصحة ما قاله ذلك الأستاذ أن أشهر شعرائهم (كيتي) المتوفى سنة ١٨٣٢ نظم قصيدة إبراهيم ﵇ في أسلوب فلسفي وصرح أنه اقتبسها من القرآن الكريم. والمعروف عندهم من هذا الشاعر المستشرق أنه كان يحترم الإسلام ويعترف بحكمته. عنايتهم باللسان العثماني ليست عنايتهم بالعربية لهذا العهد بأوسع من وجهتهم المصروفة في اللسان العثماني فقد
следующие страницы →