Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
العقائد ولم يأخذ عليها في تقاليدها فريدريك الكبير فخفقت ولايته فتناً كانت التعصبات الاعتقادية تنفخ في جمراتها.
وصرح بعض أساتيذهم بمزية القرآن في الدعوة إلى التوحيد الخالص وفهمت عنه أن لدلائله وأساليبها إذ أصبحت ترجمته تسعى بين أيديهم أثراً في تأييد الاعتقاد بوحدة الإله. ومما أخذوه في شعار الديانة ان رسموا في منطقة كل عسكري جملة تعريبها الله معنا. ويغلب على فلاسفتهم التمسك بما يدينون ولا يمرقون إلى الإلحاد مثل كثير من فلاسفة أوروبا الغربية. فأشهر فلاسفة الألمان كنت المتوفى في أوائل القرن التاسع عشر وقد تعرض في تأليفه المسمى انتقاد العقل الخاص للاستدلال على وجود الخالق وهذا التأليف أعظم كتاب يعتمد عليه فلاسفتهم.
الجد والعمل
يعمل الألمان في حيلتهم على شاكلة سياسيهم الكبير بسمارك القائل إن استراح صدأ فإذا رأيتهم لا سيما في غرة النهار وهم ينتشرون في الأرض بخطاً سريعة ونشاطٍ يتمثل لك الجد في أوسع مظهره وينكشف لك ألفرق ما بين العامل والقاعد في أجلى صوره.
وفي بعض إحصائيات ليست ببعيدة أن ٥٢ في المئة من السكان يرتزقون من الصنائع وأن المعامل المنشأة في شمال المدينة وشرقها تحتوي على أكثر من ثلاثمائة ألف عامل.
لا يلاقي المتجول في أنحاء المدينة على سعة مناطقها طائفة تتسول أو يسمع لها نغماً وتخطر لي ذكرى أني لم ألق من السائلين في أشهر الإقامة هناك أكثر من عدد أنامل الكف الواحدة وهم إما رجل قطع جناحه أو عجوز بلغت من الكبر عتياً. ولا عجب إذا لم نشاهد كثيراً من العجزة يتكففون فإن في الباب التاسع عشر من قوانينهم المدنية أن تقوم الحكومة بعيش من قعد به العجز عن الاكتساب بنفسه.
المعاهد العلمية
تأسست في برلين كلية يعمرها ٢٥. أستاذا و٦. . . تلميذ ومن شعبها مدرسة الألسن الشرقية المنشأة في سنة نيف ١٨٨. ويتعلم في هذه الشعبة نحو (٥. .) تلميذ. والمدارس من غير هذه الكلية لم أحط بها حساباً وإنما عرفت منها مدرسة للصنائع بها نحو (٣. . .) تلميذ ومدرسة للزراعة بها (١. . .) تلميذ ومدرسة لطب الحيوانات بها ٥. . تلميذ ومدرسة
стр. 6267
للمهندسين بها ٤. . . تلميذ. وأنشئوا منذ خمس سنوات داراً في دالم على جانب من برلين وجلبوا إليها كل ما يفتقر إليه علماء الطبيعة من أدوات التجربة والوسائل المساعدة على البراعة ألفائقة في هذا العلم والمقدرة الواسعة في استنباط نتائجه وقد أصبحت هذه المحلة دار إقامة لكثير من علماء الطبيعة.
وشرع فريدريك الأول الذي نصب ملكاً على بروسيا في أوائل المائة الثامنة عشرة بإنشاء دار كتب يقدر ما في خزائنها من المجلدات بمليون ونصف. ومن بينها قسم للكتب التركية وآخر للكتب العربية. طفت بعض خزائن هذا القسم فكنت أتناول كتاباً بعد الآخر فأجدهما مختلفين في فنيهما اختلافاً بعيداً ثم طالعت ألفهرس فلقيته مرتباً على حروف المعجم بحيث تسرد فيه الكتب التي تشترك بأوائل أسمائها في حرف من حروف الهجاء على نسق واحد وإن تفرقت في موضوعات فنونها فقرأت في حرف الهمزة مثلاً أحكام القرآن لابن العربي. إسعاف المبطي. الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ. إنفاذ الأوامر الإلهية بنصرة العساكر العثمانية وإنقاذ الجزيرة العربية. وخصوا قسماً منها بالخرائط الجغرافية العتيقة والحديثة وبها معرض نضدوا فيه آثار الخطوط العتيقة وما سبق لحروفها من الأشكال الغريبة. وفتحوا في طبقتها الأولى للمطالعة محلاً سمكوا بناءه في شكل مثمن فسيح وصففوا فيه مكاتب وكراسي في دائرة كبيرة ومن فوق كل مكتبة مسرجة من الكهرباء. وأعدوا قبالة هذا المحل بهواً في شكل مربع مستطيل لمطالعة الجرائد والمجلات خاصة ويماثله في طبقة عالية محل لمطالعة الكتب العربية والتركية أو النسخ منها.
ولا يمكن أحد من الكتاب إلا إذا كانت بيده ورقة الإذن في المطالعة فإذا أحرز ورقة الإذن ممن له النظر في إعطائها وأراد المطالعة أو النسخ لم يسلم إليه الحافظ الكتاب غلا بعد أن يثبت في ورقة رسمية اسم الكتاب وعدده ويبين هل خط بالقلم أو بالمطبعة ثم ينهيها باسمه وصناعته ومحل سكناه.
يسمح قانونها بإعارة الكتب المطبوعة دون ما خط بالقلم لأنها قد تصاب بضياع فيصعب إيجاد مثله وجعله بمكانة ولا سيما ما يكون له أثر تاريخي كالكتب المخطوطة بأقلام مؤلفيها أو غيرهم من مشاهير أهل العلم.
نظامات علمية
стр. 6268
تنقسم المدارس إلى ابتدائية وإعدادية وجامعة كلية فيستمر التلميذ من السنة السادسة إلى الرابعة عشرة في القسم الابتدائي ثم يتمادى في الإعدادي ست سنين فينفصل عنها إلى الجامعة ويبقى بها ثلاث سنين فإن كان من طلبة علم الطب فسحوا له في الأمد إلى منتهى خمس سنين.
والتعليم الابتدائي منتشر في جميع الطبقات على طريقة جبرية فيتحتم على الولد الاستمرار في دورته إلى أقصى غاية. وعلى وليه أن لا يمنعه بعد هذه الدورة من الاختلاف إلى المدارس الإعدادية مقدار ثلاثة أعوام ولم تشرع الحكومة قسماً ليلياً للتلاميذ الذين هم من نفس المدينة واختاروا أن يبقى للتلميذ اختلاف إلى أوليائه وانسه بهم ليراقبوا حالته ويرشحوه بشيءٍ من آدابهم.
يتعلم البنات في مدارسهن كل فن إلا علم الإلهيات إذ لا يليق بالمرأة عندهم أن تكون واعظة. ومن أمثالهم المضروبة المرأة في الكنيسة تسكت تولى المرأة وظيفة التعليم على شرط أن تكون أيما فإن أصبحت ذات زواج انفصلت عن خطتها.
جرى القانون أولاً على منع المعلم من مجازاة التلميذ بعقوبة الضرب ثم ألغاه ناظر المعارف وقال عندي ثقة بأن لمعلمي مدارسنا حناناً على التلاميذ وعواطف تأبى لهم أن يبلغوا بالضرب إلى ما فيه إساءة. لا يسوغ للتلميذ أن يتعاطى المسكرات ولو دخل في دور التعليم بالجامعة وقد قال لي أحد أساتذتهم عند الحديث في هذا القانون إن تلاميذنا مثل المسلمين. كان التلاميذ يترنمون بقصائد في اللسان اللاتيني فأبطلها القيصر وقال لا فائدة لهم في ذلك فأصبحت أناشيدهم الوطنية ألمانية محضة. يدرب التلميذ في المدارس الإعدادية على صناعة الخطابة ويطالبونه بأن يحرر في كل شهر رسالة يبحث فيها عن بعض الموضوعات العلمية.
أجر التعليم السنوي في المدارس الإعدادية (١٥.) ماركاً وفي الجامعة (٥. .) مارك ويوازن المارك من نقودنا على وجه التقريب القطعة ألفضية ذات الخمسة قروش. يتعين مدير الجامعة في كل سنة بانتخاب من أساتذتها ثم تقرر ولايته بتسمية من صاحب الدولة.
ترسل الدولة في كل سنة وفداً من طلاب العلوم إلى أميركا ليستطلعوا مدارسها ويستكشفوا عما عساه أن يتجدد من أساليب العلم ونتائجه. يتلقى أبناء العائلة القيصرية تعاليمهم في
стр. 6269
مدرسة خاصة لا يغشاها إلا من نشا في مهد الملك أو كان من أسرة راقية ويقال أن والد القيصر الحالي كان يود لهم لو أنهم يتعلمون بالمدارس العامة حتى يلاقوا سائر الطبقات ويكونوا على خبرة محققة من أحوالها.
مشروعات خيرية
من مساعيهم النافعة أن ألفوا جمعية تبحث عن البائسين من طرق خفية وتوجه إليهم في البريد صدقات من غير أن يشعروا بمصدرها. وقص علي بعض أساتذتهم أن إحدى البائسات كانت ترتزق بصنعة الخياطة فوافاها ذات يوم صاحب البريد ب - ٥. . مارك وناولها إياها فدهشت فرحاً واندفعت تسأل عن باعثها بإلحاح. فأبى أن يكشف لها عن الحقيقة. وترى هذه الجمعية أن التبرع بقسط عظيم على مستحق واحد أنفع من توزيعه على طائفة ينال كل واحد منها حصة يسيرة.
ومن الجمعيات عندهم جمعية (تخفيف المصائب) ومن أعمالها الحسنة أن تساعد من تنوبه مصيبة في جسده مساعدة ابتدائية ففتحت في أقسام العاصمة محالاً عينت لها أطباء ليسارعوا إلى علاج كل من يطرأ عليه حادث أو يفاجأ بمرض في أثناء الطريق مجاناً.
ترجمتهم للقرآن
ترجم القرآن المستشرق ريكرت المتوفى أواسط المائة الماضية ولكن انصرم حبل أجله من قبل أن يتم ترجمته ثم ترجمه المستشرق هنينك وهو عيش في مدينة فرانكفورت ترجمة تامة إلا أن الأول يراعي في الترجمة بلاغة اللسان الالماني فلا يبالي بالتقديم والتأخير والتعبير عن الحقيقة بالمجاز مثلاً. والثاني يحافظ على ترتيب الآية وحقيقتها في الغالب. وقد تتبعته في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة مع الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية فوجدته ينظر إلى المعنى الأصلي ويتحرى في أدائه جهد استطاعته. ووضع غير هذين الرجلين ترجمة ثالثة لم أتتبعها ولكن قال بعض العارفين باللغتين أنه بعيدة عن المطابقة وليست في القرب من الصحة مثل ترجمة هنينك. ونبأني الأستاذ هردر أن إحدى الجمعيات راسلته بأن تراجم القرآن التامة قد يضيق الوقت عن مطالعتها واقترحوا عليه أن يترجم لهم الآيات من سور متفرقة فاقتبس لهم مما ترجمه المستشرق ركرت آيات كثيرة في التوحيد والأحكام فطبعوها مجموعة وظهرت بينهم في
стр. 6270
مثال التراجم الأخرى.
عنايتهم بالعربية
توسلوا إلى العربية بتعليم لسانها ثم خدموا مؤلفاتها بالطبع واقتبسوا من حكمتها بالترجمة. ألف الأستاذ (هردر) كتاباً في قواعد العربية فكان الكتاب المتداول عندهم في التدريس وقد توالى عليه الطلب هذه المدة بإعادة طبعه. وألف كتاباً يفسر فيه المفردات الألمانية بما يرادفها من العربية وأنجز طبعه في مجلد ضخم ثم وضع كتاباً آخر اقتصر فيه على الكلمات المألوفة في الاستعمال.
ترجم المستشرق الأستاذ (منفوخ) كتاب علاج العيون لعمار الموصلي وفصل علاج العيون من كتاب علي بن عيسى في صناعة الطب وفصل علاج العيون لابن سينا وكتاب وقائع العرب لأبي عبيدة بن المثني الكبير والصغير ونقل إلى الألمانية أيضاً ترجمة حمزة الأصفهاني وترجمة ابن سعد مؤلف كتاب الطبقات. وترجم المستشرق (ريثر) قصائد أبي الأسود الدؤلي ومقامات الهمذاني وأطباق الذهب لعبد المؤمن الأصفهاني ومقامات الزمخشري والأدب الصغير لابن المقفع وكتاب أحسن ما سمعت للثعالبي طبعها ثم ترجم كتباً لم تبرز في عالم الطباعة مثل الأدب الكبير لابن المقفع ومقدار الربع من معجم البلدان للبلاذري. وربما طبع الكتاب والرسالة بلسانها العربي وعلق عليها بعض بيانات بلسانه الألماني مثل شرح ابن الأنباري لمعلقة زهير وشرحه لمعلقة عنترة ورسالة المذكر والمؤنث لابن جني ورسالة في بقايا الأشياء لأبي هلال العسكري وكان هذا الأديب يحاورني في كثير من معاني الأبيات أو الحكم المنشورة وربما تعاطى الترجمة في أثناء قيامه بالوظيفة العسكرية وبمثل هذه التراجم القديمة والحديثة كان للسان العربي كما قال أحد أساتذتهم آثر في رقي آداب اللغة الألمانية. ويشهد بصحة ما قاله ذلك الأستاذ أن أشهر شعرائهم (كيتي) المتوفى سنة ١٨٣٢ نظم قصيدة إبراهيم ﵇ في أسلوب فلسفي وصرح أنه اقتبسها من القرآن الكريم. والمعروف عندهم من هذا الشاعر المستشرق أنه كان يحترم الإسلام ويعترف بحكمته.
عنايتهم باللسان العثماني
ليست عنايتهم بالعربية لهذا العهد بأوسع من وجهتهم المصروفة في اللسان العثماني فقد
стр. 6271
نبأني أحد المعلمين في مدرسة الألسنة الشرقية أن المتلقين للسان العثماني هذه الآونة يناهز عددهم ٢. . بعد أن كانوا في السنين الماضية لا يتجاوزون نصف العشر من هذا المقدار ولبعض العثمانيين دروس خاصة يتلقاها عنهم في إدارة الأخبار الشرقية ملأ من الألمان. وصرف رئيس المستشرقين الأستاذ هرتمان همته إلى هذه اللغة ولفت نظره إلى تتبع آدابها بطلب حثيث من عصابة المستشرقين فنهض يحرر المقالة تارة ويلقي المحاضرة تارة أخرى. وانعقدت منذ أشهر لجنة توالي جلساتها في دار الكتب العامة وتنظر في القسم المؤلف بلهجة عثمانية.
أخلاق وآداب
يعرف الألماني بمتانة العزم وقلة الانقياد لخواطر اليأس وكنت طالعت مقالات لبعض أعدائهم الذين لا يثبتون لهم الذكاء ألفائق وسرعة الوصول إلى الدقائق فرأيتهم يسلمون لهم طبيعة احتمال الشدائد والثبات على الأعمال إلى أن يحرزوا فيها نتيجة حتى جعلوا مقدرتهم العلمية أو ما يظهر على أيديهم من المخترعات إنما هو ناشئ عن التجلد والمثابرة على السعي والتجربة.
ورسوخهم في خلق الصبر هو الأساس الذي قام عليه تبريزهم في القوة العسكرية ولطالما طفت غابات وعرضات حول الثكنات فرأيت الجندي نائماً بملابسه الجديدة ووسامه الشرف على فراش من تراب ولا وسادة له غير ذراعه أو قطعة من جلمود. وما برح ملوكهم يحافظون على ما يقوي هذه الخصلة في نفوسهم حتى بالغ فريدريك ويليام الأول في الحط من قدر المعارف زاعماً أنها مدعاة للفشل وإضعاف مزية الشجاعة وكان من أثر زعمه أنه لم يعين لتنمية دار الكتب التي أنشأها أبوه سوى ستة ماركات في السنة. ولما استقلها أهل العلم حينئذ قال لهم: أليس في خزائنها كثير من الكتب المكررة فيمكن أن تباع ويستبدل بها كتب مستحدثة.
استحكمت بينهم روابط الوفاق والمسالمة حتى أني أقمت ستة أشهر في برلين وثلاثة أشهر في قرية في ضواحيها ولم ألحظ مشاجرة أو أسمع صخباً ولو بين صبيين أو امرأتين. فعدم ملاحظة الغريب لمثل هذا في مدة واسعة يشعر بقلة المنازعات العدوانية فيما بينهم. ومن نتائج هذه التربية التي يعاضدها اتساع طرق الاكتساب أن الأمة أصبحت في قرار مكين
стр. 6272
من الأمن فلا يوجس السائر في سواد الليل بضواحي المدينة خيفة سوء فما الحال بين جدرانها. ولقد كنت أخرج من محل الأسرى عند منتصف الليل منفردا وأعود إلى القرية ماراً على غابة ليس قيها أنيس غير أشجارها المتعانقة وظلامها المتراكم ولا ألاقي في الطريق وحشة أو قلقاً. وازداد إعجاباً بهذه الراحة الشاملة إذا تذكرت صعاليك إيطاليا وأمثالهم كيف ينتشرون داخل مدينة تونس أو الجزائر ويقطعون السبيل على سكانها بنهب الأموال وسفك الدماء حتى لا يمر الرجل في الطرقات المنحرفة عن الجادة بعد العتمة إلا وهو يتوقع خطراً.
يمنحون الغريب في بلادهم صدراً رحباً فيقف الرجل إذا استوضحته أمراً أو استخبرته عن مكان ولا يتسلل عنك إلا أن تستوفي منه بياناً كافياً وربما تفرس منك الحيرة في الطريق فيفاتحك بالسؤال عن الوجهة التي تريدها ويهديك إليها بالقول المفصل أو بالمرافقة إذا لم تكن المسافة بعيدة. اشتبه علي الطريق إلى محطة القطار في بعض الأيام فاستكشفت عنها أحد المارين في السبيل فأخذ يصفها بالإشارة والإمارة ولما لم يقنع بأن عبارته وقعت مني موقع ألفهم البين قفل راجعاً يسايرني بمقدار عشرين دقيقة حتى بلغت المحطة نفسها.
يلاقي التجار والعملة عندهم الوارد بجباه منطلقة وألسنة رطبة ويعرضون عليه ما عندهم من صنوف الأشياء التي يطلبها من غير تقاعس ولا سآمة. ولهذا الأسلوب الأدبي الاقتصادي أثر عظيم في رواج البضائع والسباق في مضمار التجارة. فإن من الناس من يقصر معاملته على محل أو يبتاع منه البضاعة. ولو شطت قيمتها رعاية لما يتجمل به صاحبها من سعة الصدر ورقة الخطاب.
يغلب عليهم خلق الرصانة والتؤدة ولا سيما في المشاهد العامة والنوادي الجامعة. امتطيت ذات يوم قطار المدينة فاتفق أن كان أمامي رجل أظهر في مغازلته لامرأة طيشاً وسفهاً فوقع في خاطري أنه أجنبي عن هذه الحاضرة ثم أنه جاذبني عند انصرافي محادثة عرفني بها أنه من أحد شعوب البلقانية.
ومن آثار التعليم العام أن أصبحت الأمة بمحل الثقة في نظر الحكومة فالقطار الكهربائي ذو درجتين متفاضلتين وتقطع أوراق الركوب بها من طاقات في أوائل محطاتها ولا أذكر يوماً أن مفتشاً دخل عربات الدرجة العليا ونظر في أوراقها بل فوضوا ذلك إلى وجدان الشعب
стр. 6273
وأمانته. أما القطار البخاري الذي يسافر من العاصمة إلى قرى تبعد بمسيرة ساعتين أو أكثر فيتردد عليه مفتش الأوراق في الشهر مرة.
стр. 6274
مخطوطات ومطبوعات
معلقة عنترة
(وعليها شرح ابن الأنباري)
نشرها الدكتور أوسكار ريشر الألماني
لعلماء المشرقيات في الغرب ولا سيما في جرمانيا غرام شديد بإحياء آثار العرب وآدابهم وتاريخهم ومن جملة الناشئين في هذا ألفن ناشر هذا الشرح على معلقة عنترة نشره أولاً في مجلة الدروس الشرقية التي تصدر بالإيطالية في رومية ثم أخرجه للناس على حدة فجاء في ٩٧ صفحة بطبع مشرق وعلق عليه حواشي تدل على اختلاف النسخ التي نقل عنها وهي نسخة مدرسة بكى جامع ونسخة مدرسة نور عثمانية في دار السلطنة العثمانية وقد رجع أيضاً إلى نسخة مكتبة أسعد أفندي في الآستانة أيضاً مما دل على تحقيق وتدقيق.
المعجم في بقايا الأسماء
(لأبي هلال العسكري)
هي رسالة نشرها الدكتور ريشر المشار إليه وقد قال المؤلف في مقدمتها وقد عرفت حاجتك أطال الله بقاءك إلى ذلك بإدمانك صنعة الكلام ونظمه ونثره فعملت لك كتباً متوسطة تشحذ ذهن البليد فضلاً عن اللقن الذكي بحسنها وبراعتها وقرب مأخذها مع بعد غورها وكتباً دون ذلك لطافاً حسنة مختارة رغبت الزاهد ونشطت ألفاتر مثل كتابي هذا وهو وإن صغر حجمه فقد كبر نفعه لغريب ما تضمنه من أسماء بقايا الأشياء وبديع طريقته في الدلالة على سعة لغة العرب وفضلها على جميع اللغات وقد نظمت ما ضمنته إياه منها على نسق حروف المعجم.
شرح معلقة زهير
لأبي بكر محمد بن قاسم الأنباري
وهذا الشرح على معلقة زهير بن أبي سلمى هو مما أحياه بالطبع أيضاً الدكتور ريشر نقلاً عن مخطوط في إحدى خزائن كتب دار الخلافة كتب في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بخط إسماعيل بن محمد بن الحسين الخطاط الجرباذقاني.
стр. 6275
كتاب المذكر والمؤنث
لابن جني
هي رسالة صغيرة في هذا الموضوع الجميل نشرها الدكتور ريشر المنوه به آنفا واقتبسناها برمتها في غير مكان من هذا الجزء. وقد نشرها أولاً في مجلة العالم الشرقي التي تصدر في مدينة أوبسال من بلاد السويد بست لغات وهي اللغات الاسكندنافية: السويدية والدانمركية والنرويجية ولغات العلم وهي الألمانية والفرنسية والإنكليزية. وللمشتغلين بمثل هذه الأبحاث طريقة عملية في النشر وهو أنهم إذا لم يجدوا كتباً أو ناشراً يتولى عنهم طبع هذه الرسائل ينشرونها في مجلات المشرقيات ثم يخرجون منها نسخاً قليلة على حدة فتحفظ في المجلات وينتفع منها في النشر مستقلة وهو مقصد حسن يثاب عليه المشتغلون بإحياء آثار سلفنا.
النصرانية وآدابها
(بين عرب الجاهلية)
للأب لويس شيخو اليسوعي القسم الأول
ص١٤٩ طبع في مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت سنة ١٩١٢
لصديقنا الأب شيخو همة لا تكل في نشر المقالات والرسائل والكتب التي تنهض بطائفته خاصة وتخدم الآداب العربية عامة وآخر ما نشره في مجلة المشرق هذا المبحث في النصرانية في بلاد العرب والقسم الأول منه في تاريخ النصرانية وقبائلها في عهد الجاهلية يدور على محور أن جميع سكان البلاد قبل الإسلام كان أهلها نصارى من قبيل الدعوى التي بسطها حضرته في كتابه شعراء النصرانية (المقتبس م٢ ص٦١ و١٣٢) وقام الخلاف بينه وبين بعض علماء التاريخ والبحث في هذا الشأن هو يثبت وهم ينفون ولا يعدم كل فريق جملاً يستقر بها أو يستنبطها لتأييد دعواه وهذا المبحث وإن كنا لا نوافق على بعض ما أورده في مطاويه مثل كلامه على نصرانية غسان فإننا نعجب بما وفق إليه من استكثار المادة من العربية والفرنسية والألمانية. ولو كتبت هذه المباحث من العلم المحض كما يبحث بعض علماء المشرقيات لعدت أحسن مرجع جامع يستقي منه طلاب
стр. 6276
الحقائق.
ديوان السيد محمد سعيد حبوبي
عني بتصحيحه وتذييله الشيخ عبد العزيز الجواهري ونشره
ولد صاحب الديوان السيد علي وطبع بنفقة الحاج
عبد المحسن شلاش في المطبعة الأهلية
في بيروت سنة ٣٣١ص٣٢.
صاحب هذا الديوان من شعراء النجف في العراق اشتهر بما نشر له في بعض المجلات الأدبية من القصائد وشعره على أسلوب شعراء القرن التاسع والعاشر فيه جزالة ولكن قل فيه وصف الطبيعة والاجتماعيات وهو يدور على الموشحات والمراسلات والنسيب والمديح والتخميسات والمراثي وقد قال مصحح ديوانه فيه ما نصه: لا أجازف في الحكم لو قلت أنه أشعر شعراء الشرق في فطرته الأدبية فإن جل شعراء العرب من جاهليين ومخضرمين ومحدثين ومولدين إن أبدعوا في أساليب الشعر وأفانينه إن من جهة اللفظ وإن من جهة المعنى إلا أنك لا ترى بينهم الجامع للجهتين الآخذ بزمام الشعر الحقيقي فالنابغة وجرير والكميت وزهير وأبو نواس والأبيوردي وحبيب والمتنبي والمعري والصنوبري والصفدي وغيرهم من فحول الشعراء وإن تحركت روح الشعر في أناشيدهم وأهازيجهم إلا أنهم بين مبتذل في اللفظ ومتعمل في المعنى كامرؤ القيس والحطيئة وأبو تمام والمتنبي وأبو العلاء وبين قلع بن برج اللفظ وزخرف المعنى كابن زريق وابن الأنباري والصفدي والقيراطي فهؤلاء وإن كانوا أئمة الشعراء ما أن تقلبت أدوار الشعر التاريخية إلا أنهم أشاحوا بوجه الشعر الحقيقي في أغلب أناشيدهم وخرجوا به عن دائرة ألفطرة الطبيعية ويمتاز شعر من نترجم اليوم برجوعه إلى الشعر الحقيقي إن من جهة اللفظ وإن من جهة المعنى أما الألفاظ فإنها السلسة الجامعة بين الطراوة والجزالة وأما المعاني فكلها وصف وتصوير لمناظر الطبيعة ونعت لمشاهد الكون وتجسيم للخواطر تحوز إلى فخامة التركيب جمال الأسلوب وبداعة الديباجة واستفزاز الشعور فها أنت تسمع من أوزانه العروضية تسبيح الراهب وتهليل العاشق ولحن المدمن وحشرجة روح الحب والجمال وكأن شعره المرآة تعكس فوقها الأرواح الشاعرة لا بل هو المجهر يريك صور الشعراء تتحرك بين
стр. 6277
أعاريضه وفواعيله فتارة يريك مسلماً يعزف عند قيفته وأخرى يطلك على أبي النواس يطرب حول باطيته وطوراً يجيئك بحبيب ثاكلاً بفقيده وطوراً يأتيك بالوليد هازجاً جنب ممدوحه ويشرفك على كشاجم في جوقه والصنوبري في حقله ولو خلعت القريحة على شعره حلة الأسلوب العصري لبز شوقي وحافظ والزناتي وصبري وكان السابق المجلي في حلبتهم وهم كانوا مصلين على أن العارف يرى فوق شعره مسحة من الذوق العصري إذ كله وصف وتصوير ونعت لمشاهدة الكائنات ويرى في أبياته من الحكم الرائعة والأمثال السائرة ما يكذب نبوة المتنبي كقوله من موشح:
وإذا نبت البطاح اختلفا ... غلب الشوك على الورد الجني
قوله: سل عن المسجد مني صيرفاً ... إنني أدرى بما في معدني
قوله: سماء اليوم مثل سماء أمس ... وما نقصت سمواً أو ارتفاعاً
فها أنت ترى في هذه الأبيات من الفلسفة الأدبية ما يحط دونها فكر أبي العلاء وقد سلك في شعره طريقة ابن ألفارض.
وبعد أن أورد الناشر أبياتاً من هذا القبيل ليس فيها إلا كلام هو دون كلام الشعراء المبرزين بمراحل وبالغ هذه المبالغة الشرقية التي هي أشبه بالهزل منها بالجد قال: وقد كانت تعنو لسماع شعره شيوخ أدباء العراق وتتهافت عليه ولا تهافت ألفراش على وذيلة السراج حتى إذا جفت حديقة الأدب والتوت عيدانها بين أناس تطلس من آثارهم عنوان الأدب والنبوغ دعاه ذلك إلى الإضراب عنه والانعكاف على ألفقه والأصول
وبذلك صدر الديوان بوصف صاحبه بأنه أشعر شعراء الشرق وأكبر علمائه اليوم وما كنا نظن المبالغة تبلغ هذه الدرجة بعد أن اشتهرت بالطبع دواوين المتأخرين والمتقدمين وربما كانت هذه الدعوى تجوز في بلد معين وأهل إقليم خاص ولكن هذا التعميم لا يصح على إطلاقه فلا نقول مثلاً أن شوقي أو حافظاً أو البارودي أشعر الشعراء ولا أن عبده والشميل والجزائري أعلم العلماء بل نذكر لكل واحد ميزته التي يمتاز بها على أقرانه وبها يثبت نبوغه بين معاصريه ومن سبقوه وإلا فإن الرجل الواحد لا يستجمع هذه الصفات كلها فيكون أشعر شعراء الشرق اليوم وأكبر علمائه اليوم.
بيد أن لصاحب الديوان قصائد رقيقة تحسب من الجيد العصري كقوله:
стр. 6278
ما لقلبي تهزه الأشواق ... خبرينا أهكذا العشاق
كل يوم لنا فؤاد مذاب ... ودموع على الطلول تراق
عجب كيف تدعي الورق وجدي ... ولدمعي يجيدها أطواق
كم لنا بالحمي معاهد أنس ... والصبا يانع الجنا رقراق
عهد لهوي به الليالي ترامت ... ما لها عرست به الأحداق
بالظعن به الرياق تهادي ... نهنهي السير ساعة يا نياق
فبأحداجك استقلت ظباءٌ ... آنسات بيض الخدود رفاق
فارحمي يا أسيم لوعة صب ... شفه الوجه بعدكم والفراق
كاد يقضي من الصبابة لولا ... أن تحاماه في الوداع العناق
وقوله:
ضممتها فنثنت وهي قائلة ... بالغنج رفقاً لقد فصمت أطواقي
رقت محاسنها حتى لو اتخذت ... عرشاً بناظرتي لم تدر آماقي
وبت أسقى وباتت وهي ساقيتي ... نحسو الكؤوس ونسقي الأرض بالباقي
في مربع نسجت أيدي الربيع له ... مظارف الزهر من رند وأطباق
تشدو العنادل في أرجائه طرباً ... والغصن يسحب فيه ذيل أوراق
كأنما النرجس الغض الجني به ... نواظر خلقت من غير أحداق
والنهر مطرد والزهر منعكس ... والناي ما بين تقييد وإطلاق
صج الأعشى
نشرت دار الكتب الخديوية بمصر كتاب صج الأعشى في كتابة الإنشا تأليف الشيخ أبي العباس أحمد القلقشندي المصري المتوفى سنة ٨٢١هـ -. وقد طبعت أولاً الجزئين الأولين منه ثم طبعت جزأين آخرين الثالث والرابع بطبع مشرق بديع وورق صقيل قل جداً في الكتب العربية ما طبع على مثاله الرائق.
وهذا الكتاب (ص١٧١ ج٨ من المقتبس) هو دائرة معارف مكبرة لطالب الإنشاء فيه جميع ما يحتاج إليه مما هو مبعثر في كتب مبعثرة يذكر فيه ما يشق طلبه من كتب متفرقة وتصانيف متعددة أو يكون في المصنف الواحد منه النبذة غير الكافية ولا يجتمع منه
стр. 6279
المطلوب إلا من كشف الكثير من المصنفات المتفرقة في ألفنون المختلفة أو هو كما وصفه مبسوط يشتمل على أصول كتابة الإنشاء وقواعدها ويتكفل بحل رموزها وذكر شواهدها مستوعباً من المصطلح ما اشتمل عليه التعريف والتثقيف موضحاً لما أبهماه بتبيين الأمثلة مع قرب المأخذ وحسن التأليف متبرعاً بأمور زائدة على المصطلح الشريف لا يسع الكاتب جهلها متنقلاً من توجيه المقاصد وتبين الشواهد بما يعرف به فرع كل قضية واصلها آتياً من معالم الكتابة بكل معنى غريب ناقلاً الناظر في هذا المصنف من رتبة أن يسأل فلا يجاب إلى رتبة أن يسأل فيجيب منبهاً على ما يحتاج إليه الكاتب من ألفنون التي يخرج بمعرفتها عن عهدة الكتابة ودركها ذاكراً من أحوال الممالك المكاتبة عن هذه المملكة ما يعرف به قدر كل مملكة وملكها مبيناً جهة قاعدتها معرفاً الطريق الموصل إليها براً وبحراً وانقطاعاً واتصالاً ذاكراً مع كل قاعدة مشاهير بلدانها إكمالاً للتعريف ضابطاً لأسمائها بالحروف كي لا يدخلها التبديل والتحريف.
هذا إجمال لما يحوي الكتاب أما التفصيل فلا يقف عليه الناظر إلا بتصفحه من أوله إلى آخره لأنه حوى كل ما يلزم المتعلم لا المنشئ فقط فيخرج منه مثلاً مختصر في البيان ومختصر في اللغة وآخر في الشعر وآخر في الحيوان وآخر في النبات وغيره في علم ألفلك وسابع في الجغرافيا وثامن في التاريخ وتاسع في مصطلحات الدول في رسمياتهم وإداراتهم إلى آخر ما فيه مما يوسع دائرة التصور ويسقط فيه الكاتب على كل ما يلزمه من المواد ليكتب عن علم وفهم.
وفي هذين الجزئين الأخيرين الثالث والرابع مطول من علم الخط بالأشكال والرسوم اللازمة بحيث لم يترك بعده مجالاً لقائل وقد استغرق هذا المبحث ٢٢٦ صفحة أي نحو زهاء ثلث المجلد الثالث ولكنه شفى الصدر وكان مأخذاً في هذا الباب على حين قلت المواد التي يعتمد عليها في هذا المبحث وقد أجادت المطبعة بأن طبعت على الحجر مع طبع الحروف جميع الصور بالخطوط التي أوردها المؤلف فكانت كأن الإنسان يرى النسخة الأصلية.
وفي هذا الجزء كلام جليل على المسالك والممالك ذكر فيه الأرض والأقاليم والبحار والأبعاد والخلافة ومقراتها وترتيبها في كل عصر ومصطلحات الدول الإسلامية وأفاض
стр. 6280
في مملكة الديار المصرية وخططها ونيلها وخلجانها وأمهات مدنها وزروعها ومواشيها وحدودها وأقاليمها وتاريخها القديم وكورها القديمة وملوكها جاهلية وإسلاماً إلى عصره وترتيب أحوالها وجسورها وأموالها ومكوسها ومصطلحات دواوينها وموظفيها وجندها وأعيانها والجزء الأول ٥٣٢ صفحة وفي الجزء الرابع تتمة هذه المباحث في المصطلحات المصرية وفيه كلام مستوفى على المملكة الشامية وما يتصل بها من بلاد الأرمن والروم وبلاد الجزيرة بين ألفرات ودجلة مما هو مضاف إلى هذه المملكة وقد توسع في الكلام على الشام لأنه كان تابعاً لحكومة مصر إذ ذاك وتكلم فيه عن ذوق وتتبع شأنه في كل الأبحاث التي طرقها في كتابه بحيث يصور الأشياء كأنك تراها عياناً وفي الجزء الرابع مقالات في المملكة الحجازية وأعمالها وملوكها ومصطلحاتها وتكلم على الممالك الصائرة إلى بيت جنكيز خان وهي إيران والجزيرة الفراتية والعراق وخوزستان والأهواز وفارس وكرمان وسجستان والرخج وأرمينيا وأذربيجان وإيران والجبل وخراسان وزابلستان وتوران وغيرهما وفي كل ذلك اعتمد النقل عن الثقات بذوق وحسن اختبار كأن المؤلف ساح هذه البلاد وعرف مصطلحاتها بنفسه وهو يعزو لمن يأخذ عنهم من المصنفين والسائحين والكتب كانت في عهده مبذولة محفوظة أكثر من الآن وعندنا المطابع ووسائط النشر الموفورة وقد وقع الجزء الرابع في ٤٨٧ ص
أحسن ناشرو الكتاب بالتعليق والتحشية عليه مما دل أكثر الأحيان على تحقيق وتتبع لإثبات الرواية الصحيحة ووضع الروايات المختلفة أما الأغلاط المطبعية فهي أقل من كل كتاب نشر في مصر اللهم إلا المخصص لابن سيدة وقد أحسنت دار الكتب الخديوية بأن أرخصت ثمنه بالنسبة لأكلافه بحيث يتيسر لكل طالب علم أن يقتنيه ويزين به خزانته فيستغني به عن كثير من الكتب التي لا توجد الآن وإذا وجدت فأثمانها فاحشة لا يتيسر لكل إنسان اقتناؤها فنحث كل عارف باللغة العربية على اقتنائه ونشكر للناشرين والطابعين والمصححين عنايتهم بإحياء آثار السلف على هذا النموذج الرائق.
جريدة الشرق
صدرت هذه الجريدة منذ نحو ثلاثة أشهر في مدينة دمشق وهي أعظم جريدة عربية بحجم واسع ومادة غزيرة مصورة الأحايين وقد أرصد لها رأس مال كبير وعهد بإنشائها إلى جلة
стр. 6281
من العلماء المفكرين فجاءت بعد اتخاذ أسباب النجاح كلها نافعة للأمة العربية عامة وللمسلمين خاصة تستطيع خدمة الخلافة العثمانية والجامعة الإسلامية على ما يجب ويسجل صدور مثل هذه الصحيفة الراقية في باب ارتقاء الأفكار والآداب العربية في هذه الديار حقق الله رجائها إلى نيل الغاية التي ترمي إليها من خدمة الأفكار الصحيحة والسياسة الرجيحة وبث العلوم والدعوة إلى الإصلاح الحقيقي من طريق العقل والنقل.
стр. 6282
أخبار وأفكار
الطلاب والطالبات في السلطة
نشرت نظارة المعارف في مجموعة الإحصاء أن عدد الطلاب الذكور في المدارس الابتدائية العامة في الممالك العثمانية ٣. . ٧٧٦ طالباً وعدد الإناث ٤١٢٩٣ وعدد الذكور في المدارس الخصوصية ١٢٦٢٨٤ وعدد الطالبات ٦١٥٧١ وعلى هذا فيكون مجموع الطلبة في السلطنة العثمانية ٤٢٩٩٢٤ بينهم ١. ٢٨٦٤ من البنات ويوجد في المدارس الابتدائية غير المسلمة ١٥٢٧٤٤ طالباً ومقدار الطلاب في باقي المدارس كما يلي: (١٥١٨) في دور المعلمين و (١. ١.) في المدارس التالية و (٦٦٨٨) في المدارس العالية وبدوام في بيله جك وإزمير وأدرنة وجتالجة على المدارس (٥.) في الألف أو أكثر والبلاد التي يختلف فيها الطلاب إلى المدارس أقل ما يمكن هي الموصل وأورفه وديار بكر وتوقاد فهنا يداوم من ١ - ١. بالألف.
أما البلاد التي تداوم فيها البنات على المدارس أكثر من غيرها فهي قرق كليسا وجتالجه فإنه يداوم من الطالبات على المدارس من ٣١ - ٥. على عكس أورفة وكركوك وتوقاد وقسطموني فإنه يداوم على المدارس طالبة واحدة في الألف أما البلاد التي لا تكاد تجد فيها طالبات تختلف إلى المدارس فهي ألوية السليمانية وحكاري وحوران مما يذكر بقول الشاعر التركي توفيق فكرت بك القائل قلبك بحسرة الأمة التي لا تعلم بناتها لأنها تحكم على أبنائها باليتم المعنوي.
الزراعة في سورية
نشر داويد تريتش من الألمانيين الأخصائيين في الزراعة مقالة في إحدى المجلات الألمانية إليك ترجمة ما قال فيها: من المعلوم أن الزراعة في الممالك العثمانية هي الأساس الوحيد الذي يبنى عليه الاقتصاد الوطني وقد جرى البحث كثيراً في احتمال ترقي العثمانية في ميدان الصنائع ومن رأي بعض الأخصائيين في العلوم الاقتصادية أنه يمكن ارتقاء الصنائع في البلاد العثمانية قبل الزراعة في وقت أقصر من المخمن لها إذا صلحت أصول الزراعة في الممالك العثمانية ومما لا ريب فيه أن التراب يمنح الآهلين ثروة ورفاهية لأن غلات الممالك العثمانية إلى الآن لا تقبل القياس مع المقدار الذي يمكن أن تعطيه.
стр. 6283
ومما هو طبيعي أن الأراضي التي تظل السنين الطوال خالية لا تعود إليها قوتها الإنباتية في بضع سنوات إلا أنه من المحقق أن قوتها الإنباتية هذه تعود إليها. نحن الغربيون إذا بحثنا في البوادي في الممالك العثمانية تمر على خاطرنا في الحال الأراضي المملوءة بالأكوام من الرمال مع أن هذي الصحاري ليست من الأراضي التي لا تزرع بل إنها أراض خالية منذ سنين طوال وعليه فإن البوادي التي هي من هذا القبيل في البلاد العثمانية يمكن أعمارها والاستفادة منها حتى أن كثيراً من البوادي هي من الأراضي الأكثر إنباتاً وهي بقليل من العمل تكتسب قوة إنباتية تضمن لصاحبها الثروة.
صادف القرن الثامن عشر دور تناقص النفوس في آسيا الغربية وفي ذاك الحين أضحت الأراضي بحالة البادية بسبب عدم زرعها ومما لا شك فيه أن الأراضي الرملية المتروكة التي شاهدناها في سورية منبتة وتعطي محصولاً أكثر من الأراضي الأكثر إنباتاً وفي السبعين سنة الأخيرة بدأت تتزايد النفوس بدرجة محسوسة وهذا الازدياد في النفوس حدث في بعض الممالك العثمانية بصورة لم يشعر بها ظاهراً وبرقي ذلك اتسعت بعض المدن وتأسست قرى جديدة وفي كل نقطة من البلاد العثمانية كثرت فيها النفوس زادت القوة الإنباتية مثال ذلك أن قصبة غزة كان عدد نفوسها سنة ١٨٤.: (٢. . .) فصار ١٦. . . في سنة ١٨٨. واليوم يبلغ عدد نفوسها ٤٥. . . وبفضل كثرة النفوس عمرت وزعت الأراضي التي تحيط بغزة وأصبحت بلاداً زراعية تغل كثيراً من المحصولات التي تصدر إلى الخارج فتحسن فيها القطن في الآونة الأخيرة تحسناً ظاهراً ولا يمكن للمسافر في تلك الجهة أن يقطع مزارع الليمون بأقل من شهر واحد. هذا عدا عن حقول الحنطة والشعير التي تمتد مسافات شاسعة في جنوبي وشرقي غزة وقد فحص أحد المتخصصين الحنطة التي تنبت في غزة وحكم أنها محصولات صحراء. وعدا الحبوب أصناف اللوز والزيتون والأثمار اللذيذة ولعدم اعتناء سكان البلاد بالزرع على الأصول الحديثة فالإيراد قليل بالنسبة لجودة التربة المهملة.
وحيث أن الماء قليل الغور في أكثر تلك الجهات فري الأراضي على الطراز الحديث سهل جداً وكيفية ري الأراضي بسيط أيضاً لا يحتاج لاستعمال الآلات الزراعية الميكانيكية ونظراً لقلة غور المياه كما ذكرنا يكتفى بتخطيط المجاري تخطيطاً بسيطاً ووضع
стр. 6284
المضخات بالمراكز الضرورية لتوزيع المياه وتشعيبها في جميع الخطوط وهي وسائل بسيطة لا تكلف المزارعين الأثمان الباهظة إذ أن الأراضي التي يشتغل فيها المزارع بيده لا تنتج المحصولات التي يؤمل الاستفادة منها.
ولا أقصد بهذا الشرح بيان إحالة عن أراضي غزة وما حواليها فقط فإن الوصف الذي قدمته شامل لسواحل سوريا وشبه جزيرة سيناء أيضاً وما كانت بيروت ويافا إلا مدناً صغيرة منذ زمن غير بعيد كانت نفوس يافا ٦. . . في سنة ١٨٥٤ فأضحت اليوم ٦. . . . وكانت نفوس بيروت في سنة ١٧٨٢ (٦. . .) فصارت (٢٥. . .) في سنة ١٨٦٥ وارتقت إلى (١. . . . .) في سنة ١٨٨٥ وهي اليوم (٢. . . . .) وعلى هذا قس باقي المدن.
ومع ذلك فإن المدن التي يراد إعمارها ورقيها لا يتم لها ذلك ما لم تزرع الأراضي التي تحيط بها وجميع مدن سوريا محاطة بأراضٍ منبتة للغاية وإن بعض الجهات من هذه الأراضي وإن تكن مستورة بالرمل فإنها لم تفقد قوتها الإنباتية والقسم الساحلي من هذه البلاد منبت للغاية وما عدا ذلك فإن إقليم البحر المتوسط اللطيف يساعد على إنتاج المحاصيل والبلاد الساحلية من الممالك العثمانية تخرج زيتوناً جيداً قل نظيره ويمكن قياس هذا الزيتون فقط بالزيتون الموجود في أفريقيا الشمالية وكاليفورنيا وأفريقية الجنوبية والجنوبية الشرقية وأستراليا وتنتج السواحل العثمانية الزبيب والتين واللوز والمشمش والخوخ والدراق والرمان والبطيخ الأخضر والأصفر والثوم والبصل والقطن والتبغ وغير ذلك من الزروع وتكثر فيها البساتين ويمكن أن تكون هذه ذات مكانة أهم من مكانتها الحاضرة وعليه فإن هذه الأراضي المنبتة ذات الهواء اللطيف إذا أعطيت لها رؤوس أموال صغيرة وجلب لها القليل من الأدوات فمما لا شك فيه أن أهاليها يعيشون الرفاهة والسعادة وبالطبع فإن العثمانية التي هي مملكة زراعية يغتني أهلها برقي الزراعة وتمتلئ صناديق الحكومة.
وإن ألمانيا بعد الحرب تتدارك حاجتها الزراعية من الممالك العثمانية وعليه فإن هذه البلاد تعد القسم الأعظم من لوازم النسج لألمانيا بأصول الألمانيين ألفني وآلاتهم ورؤوس أموالهم وإن المواد التي تجلبها ألمانيا من البلاد العثمانية هي القطن والصوف والزيت والزبيب
стр. 6285
والعنب وجميع أنواع ألفواكه والتبغ والنباتات الليفية ومواد السروج وإذا استفيد حق الاستفادة من هذه البلاد فإن رأس المال الذي يطرح يضمن منفعة تعادل عشرة أمثاله.
دائرة المعارف
أول دائرة معارف مشهورة في أوروبا كتبها في القرن العاشر للمسيح ألفيلسوف ألفارابي في بغداد ولا تزال محفوظة في مكتبة قصر الأسكوربال الإسباني. وقيل أن أبا ألفرج كتب دائرة وطبع أول مجلد منها منذ ٦٧٢ سنة. أما أول من فكر بتأليف دائرة معارف فالصينيون. وقد اشتغل منهم بهذا المشروع العلمي العظيم ألفان من العلماء. واسم دائرة معارفهم (بنك لوتانيان) وهي مقسومة إلى ٢٣ ألف جزء في ١١ ألف مجلد مجموعها ٩١٧ ألفاً و٤٨. صفحة. وإذا وضعنا الكتب صفاً بعضها فوق بعض يبلغ علوها ١٥٩ يارداً وبالطبع لا يوجد في الصين نفسها إلا نسخات قليلة كاملة من هذا الكتاب الهائل. أما أول دائرة معارف إنكليزية فطبعت عام ١٦٢. والفرنسية ألفها ديدرو ودالمبر اللذان قربت كتاباتهما عهد الثورة الكبرى في فرنسا. أما الدائرة العربية فقام بها مرة واحدة بطرس البستاني وطبع منها هو وأسرته ١١ جزءً فقط ولم تكمل.
جراحات الحرب
كان الجراحون في حرب السبعين بين ألمانيا وفرنسا منذ ٤٥ سنة يعمدون لمن أصابته شظية من قنبلة أو رصاصة فيبترون العضو المؤوف أو المصاب ولكن وسائط الجراحة على ترقيها في هذه الأيام قد أورثتها الحرب البلقانية تجارب نافعة في البقاء على أعضاء من أصيبوا بشظايا أو رصاصات فأصبح من يصاب في هذه الحرب يضرب في جسمه بمأمن من بتر العضو المصاب بل إن وسائط الجراحة قد خففت الويلات وأكثر من يصابون إلى سلامة.
شجرة المطاط
على تخوم بوليفيا في أميركا الجنوبية شجرة مطاط استدارتها من أساسها ٨ أمتار و٣٥ سنتيمتراً وتغل من المطاط مدة ١٢. يوماً من السنة ١. كيلو غرامات تساوي الآن ٢٧. ألف فرنك بمعنى أن الشجرة تساوي ثلاثمائة ألف فرنك وهي لأسرة وطنية تعيش من ريعها مؤلفة من سبعة أشخاص.
стр. 6286
مادة جديدة
اكتشف أحد الأساتذة ألفرنسيين مادة ألفلور وهو زجاج يشبه الأحجار الثمينة وأثبت أنه موجود في جميع المعادن النادرة فقال أن في كل ١. . غرام من الأسنان ١٨. ميل غراماً وفي كمية من مثل ذلك من العظم ٥٦ ميل غراماً و١٧ ميل غراماً من البشرة وميل غرامان من الدم و١٥٥. في اللبن الحليب وقال أنه في الجنين من هذه المادة أكثر مما في البالغ وفي البيض أكثر من الدجاجة أو الجلد أو الشعر أو الأظافر وهذه المادة هي التي تورث الأجسام صلابة كالملاط لأحجار البناء.
الأجانب في سويسرا
أحب بلاد المدنية الحديثة بلاد سويسرا الصغيرة الجميلة يزورها كل سنة ملايين من السياح ولا تزال الهجرة إليها متصلة حتى بلغ عدد الغرباء المقيمين بها سنة ١٩١. - ٥٥٢. . ١١ نفساً في حين كانوا سنة ١٨٥. - ٧١. ٥٧. نفساً أي أته كان فيها على ذاك العهد غريب واحد لقاء ٣٢ سويسرياً واليوم واحد في كل عشرة من سكانها ومن مديرياتها مل فيه غريب واحد لقاء أربعة من السكان وزهاء ثلث هؤلاء السكان من الألمان فإن عددهم ٢١٩. ٥٣. وعدد الطليان ٢. ٢٨. ٩ والفرنسيين ٦٣٦٩٥ وعدد الروس ٨٤٥٧ ومعظمهم طلبة ففي كلية لوزان وحدها ٤٥٨ روسياً و٣. . سويسري وعلى كثرة مداهمة الأجانب لهذه البلاد خاف أهلها على سلامتهم ووطنهم وعاداتهم وتقاليدهم فأخذ أرباب الأفكار يفكرون في عدة طرق للنظر في مداواة هذا النقص المحتمل وقوعه كما هم يفكرون أن صناعة ألفنادق التي طالما جلبت الغريب إليها قد قللت في البلاد من الأيدي العاملة فصار ألفلاحات يعملن في ألفنادق بدل أن يعملن في الحقول واحتاجت هذه في استثماراتها وانباتها إلى أيدي الغرباء.
نوادي الشبيبة
ألقى المير ألاي فون هوف بك الذي عهدت إليه الحكومة تأسيس نوادي الشبيبة في البلاد العثمانية محاضرة في الآستانة قال فيها ما يلي:
إن نوادي الشبيبة تشمل جميع العثمانيين الذين هم من سن الثانية عشرة إلى الحادية والعشرين والغاية من تأسيس هذه النوادي هي تربية جميع ألفتيان العثمانيين وعلى
стр. 6287
الأخص في المحال التي لا يوجد فيها مدارس بدناً وروحاً وأخلاقاً وترقية مداركهم وهذه النوادي تربي بلا استثناء ألفتيان من سن الثانية عشرة إلى سن الحادية والعشرين بلا مقابل وهي نوع من المدارس للذين حرموا منها تعلمهم ما هي حياتهم وكيف يمكنهم اكتسابها ويحمل كل فتى على الدخول إلى هذه المدرسة والتحصيل فيها ولا يستثنى فرد واحد من ذلك والغاية من تأسيس أندية ألفتيان عالية وهي تنمية القوة البدنية في الأولاد والفتيان بصورة متناسبة مع سنهم وتلقينهم ما يلزم لدوام صحتهم والمحافظة عليها وتمرينهم على احتمال المشاق وتعليمهم إدارة أنفسهم وحركاتهم وأن يكونوا أصحاب فكرة انتظام وأن لا يبقوا في هذا السبيل في طور النظر بل يدخلون في طور العمل وأن يربى فيهم الميل والمحبة للاستقامة والشرف حتى في أصغر الأعمال التي لا شأن لها وأن يقدروا الاجتهاد متحدين لأجل المنافع العامة والمحافظة على الوطن وأن يبدوا المعونة لوطنهم وبلادهم أوان التهلكة وأن يدربوا على جرأة تزيل منهم التردد والخوف في هذا الصدد وأن يتعودوا الاجتهاد بعزم لا يتزعزع وأن يميزوا الحسن من القبيح والتميز بالنظام والانتظام إلى غير ذلك من المقاصد الشريفة.
الجراد
انتشر الجراد في ربيع السنة الماضية في سوريا جاءها من جزيرة العرب فأضر أضراراً كثيرة بالأشجار والزروع الصيفية حتى أن بعض الأشجار لم تبرح إلى هذه السنة متأثرة من سطواته فلم تأت بثمرها.
الأمراض
سرى الهواء الأصفر أو الكوليرا إلى مدينتي حلب ودمشق وما إليهما في ربيع هذه السنة جاءها من العراق وهذه أتاها من الهند وإذا كان من المقرر أن عدواه تنتقل في الماء تيسر توقيف سريانه حتى لم يكد يصاب به أحد في دمشق لجودة الماء واتخاذ أسباب الصحة. وقد تفشت في المدن ضروب من الحميات أهمها الحمى النمشية وإذ لم يهتد العلم بعد إلى أسباب سريانها فتكت بعض الشيء في سورية ولا سيما في البلاد التي تزدحم فيها أقدام الناس ثم انتقل إلى القرى والبلدان الصغيرة.
стр. 6288
العدد ٩١ - بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩١٤
стр. 6289
الكلية الصلاحية
إن أمتنا الإسلامية العظيمة بعد أن سارت في ميدان الحضارة شوطا قصيا. وتبوأت من قصائد المجد مكانا عليا. سقطت عن تلك المنزلة. وفقدت ما كان لهامن العز والسطوة وليس العار في هذا السقوط ما دمنا نراه يكاد يكون ناموسا عاما في سائر الأمم ذات المجد القديم كالرومان واليونان. وإنما العار كل العار في إن تبقى الأمة الإسلامية وحدها ساقطة في حفرتها متمادية في غفلتها فلا تنهض وتنشط وترمم ما تداعى من بنيانها كما اخذ يفعل غيرها من الأمم القديمة. وقد قال بعض الحكماء: ليس الشرف في أن لا تقع بل الشرف انك إذا وقعت لا تلبث أن تنهض فلا يراك احد إلا واقفا ولما حصل الاحتكاك بين العالم الإسلامي والعالم المتمدن الغربي في وساط القرن الماضي أي بعد حرب القريم انتبه نفر من علماء الإسلام ورجاله العظام إلى حالة المسلمين وما هم عليه من الانحطاط والخمول. وجعلوا يقلبون وجوه الرأي في تشخيص مرضهم وماذا عساه يكون علاجه الناجع. وحكموا جميعا أن المسلمين إذا لم يعملوا حتى التخلص من هذا المرض بجد واهتمام قضى عليهم. واستاصل شأفتهم. وجعلهم طعمة لغيرهم. وكانوا يذكرون أسبابا جمة لهذا المرض. ولكنهم لم يكونوا يختلفون في إن معظما لسبب فيه يرجع إلى (عدم فهم الإسلام فهما صحيحا) أو (عدم العمل بقواعد الدين المبين) حتى أصبح هذا الدين كالعضو الأشل وأصبحت رجاله كأنهم لا وظيفة لهم في هذا الوجود. مع إن الإسلام وتعاليمه الطاهرة هي السبب في السعادتين الدنيوية والأخروية ورجال الدين يجب أن يكونوا هداة الأمة إلى مجامع مجدها. والممسكين بيدها في كل موطن من مواطن حياتها وكل شان من شؤون اجتماعها. من القران والحديث وأقوال السلف الصالح يستخرج منها الأحكام التي تقتضيها حالة العصر الحاضر غير رجال الدين؟ من لوضع التأليف في العلوم الإسلامية ونشر الرسائل في الموضوعات الأدبية والأخلاقية والحياة الإسلامية غير رجال الدين؟ من لمنابر الخطابة أيام الجمع يعظ ويرشد ويحذر ويبشر غير رجال الدين؟ من لمنصات الحكم في المحاكم الشرعية والحقوقية يقيم العدل ويصون المصالح غير رجال الدين؟ من للدفاع عن الحقوق العامة والخاصة على صفحات الجرائد وفي ساحات المحاكم غير رجال الدين؟ من للخطابة في النوادي والساحات العمومية ينشر الآداب والأخلاق والفضائل بين العامة غير رجال الدين؟ من لتعليم النشء الإسلامي وتربيته تربية دينية فاضلة واجتماعية صحيحة غير
стр. 6290
رجال الدين؟ وبالجملة من لوراثة الأنبياء في هداية الشعوب غير رجال الدين؟ أن في إصلاح رجال الدين إصلاحا للدين والدنيا. اصلاحا للمساجد. اصلاحا للمحاكم. اصلاحا للمدارس. اصلاحا للعائلة. اصلاحا للجيش إن تقصير الدين في فهم علوم الدين فهما منطبقا على حالة الحياة التي استجدت لهم في هذا العصر أدى إلى تشويه وجه العدل في المحاكم. وخنق روح العبادة في المساجد. وتوهين رابطة الألفة في العائلة. وتلو بث النفس بالجبن في ميادين الحروب ولا يمكن آن يفهم زجال الدين تعاليم الإسلام فهما صحيحا منطبقا على مصالحهم الحاضرة وملائمة لحالة عمرانهم الجديد ما لم يقرنوا بفهمها والاشتغال بها لفهم والاشتغال بعلوم التمدن الحديث. ولا ترانا بحاجة إلى الاستدلال على هذه القضية فقد حفيت أقلام علماء السلام وكلت السنة كبار رجاله في بيانها وإيضاحها منذ خمسين سنة إلى اليوم فمصطفى رشيد باشا العثماني. وخير الدين باشا التونسي. والشيخ جمال الدين الافغاني. والسيد احمد خان الهندي. والشيخ محمد عبده المصري. والشيخ عبد الرحمن الكوكبي السوري. واسماعيل بك غصبر نسكي التاتاري. والبرنس ميلكم خان الإيراني - كل هؤلاء اشتعلوا في هذه المسالة وبرهنوا على هذه القضية بما لا يحتمل الرد. ولا مساغ معه للجدال والنقض وإن تأسيس الخلدونية بتونس. وانشاء كلية عليكرة في الهند. وادخال العلوم الحديثة على الزهر وتأسيس دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي في مصر. كل ذلك يرمي إلى الغرض الذي ذكرناه من جعل علماء الدين الإسلامي قادرين على القيام بوظائفهم في خدمة تعاليم الإسلام فهما صحيحا. وتدبر طبيعة العمران الحديث تدبرا رجيحا ولم تال دولتنا العثمانية (أيدها الله) جهدا في تحقيق هذه لأمنية وتنفيذ هذه الرغيبة فسعى خيري بك شيخ الإسلام في تأسيس (مدارس دار الخلافة) في عاصمة السلطنة. وانشا (كلية المدنية) في مدينة سيدنا الرسول العظم ﷺ ولم يكن حضرة القائد الكبير احمد جمال باشا لتشغله مهام العسكرية عن خدمة هذه ألفكرة الشريفة فانه آمر بتأسيس كلية صلاح الدين الأيوبي في القدس الشريف لتكون حلقة منضمة إلى أخواتها من حلقات المعاهد الدينية التي لسست في العالم الإسلامي لتخريج علماء فضلاء مقتدرين على خدمة الإسلام. والاستفادة من تعاليمه الطاهرة في جميع المصالح والأحكام وبعد فليست هذه الكلية سوى اثر من آثار عناية حكومتنا بالعلوم الإسلامية وحرصها على ترقبة المسلمين ولم
стр. 6291
شعثهم عن طريق الدين. والرجوع إلى العمل بحكامه على ما القائد الكبير احمد جمال باشا أن يقف علماء الإسلام على أحوال هذا العصر واطرار عمر انه كما وقفوا على أسرار ألفقه الإسلامي وتفاصيل أحكامه - وهو يحب أيضاً السلطان صلاح الدين الأيوبي ويعجب بشجاعته وفرط غيرته على الإسلام والمسلمين فلما وقف على أمر المدرسة الصلاحية وقيل له أن السلطان صلاح الدين كان أسسها في القدس باسم أتباع الإمام الشافعي رضي الله عنهكما هو مسطور ومقروء على عتبة بابها اليوم وبلغه أنها قد تغيرت معالمها. وتحولت أوضاعها إلى غير ما أراده واقفها رحمة الله - وجد ألفرصة إذ ذاك سانحة لإظهار آثار حبه للأمرين معا: حبه العلماء الإسلام فيعيد إليهم هذه المدرسة باسم الكلية الصلاحية يتعلمون فيها ويتخرجون بواسطتها في مختلف العلوم والفنون - وحبه للسلطان صلاح الدين فيعبد مدرسته. ويحي ذكره. وما أجمل الأبطال يحيون ذكر الأبطال مر على الكلية الصلاحية سنة ونصف ٣٣٣ نحو مئة طالب. واذ كان مشروعها في بدء أمره تكرر التغير والتبديل في بروغرامها وطرق التعليم فيها. امافي هذه السنة ٣٣٤التي انتهت فكان عدد طلابها (١٥.) وكان بروغرامها اثبت. وطرق التدريس فيها اقصد واضمن وللكلية هيئة الإدارة وهيئة معلمين وكلهم يبلغون نحو بضعة عشر فاضلا. وبقية مأموريها وخدمتها يبلغون الثلاثين وهي مرتبطة مباشرة بمقام المشيخة الإسلامية الجليلة وبنظارة الأوقاف وطلابها اليوم ما بين الإثنتي عشرة والخامس والعشرين من أعمارهم ومعظمهم هؤلاء الكبار تركوها في المدة الأخيرة وتجندوا في الخدمة المقصورة والكلية تقبل من الطلاب كل سنة مئة طالب موزعين في قبول الكلية لهم - على ولايات السلطنة العثمانية والبلاد السلامية الأخرى بنسبة مقررة في تعليمات الكلية. وكلهم مجبرون على التزيي بلباس العلماء المعروف: عمامة بيضاء وجبة سوداء منطبقة على الكعبين: ويتلقون في الكلية العلوم الشرعية والحقوقية وألفنون المختلفة والالسنة المتنوعة. وينامون في الكلية ويأكلون فيها ويلبسون على حسابها. ولا يكلفون سيئا سوى الاجتهاد في دروسهم. والعمل بدينهم والإخلاص لدولتهم ووطنهم. والإطاعة لقانون كليتهم. ومدة التحصيل فيها عشر سنوات: سبعة منها للتعليم التالي (سلطاني) وثلاثة للتعليم العالي. وليس فيها تعليم ابتدائية طلابها يكلفون - وراء تحصيل العلوم والفنون - دراسة القران الكريم واستظهار طائفة من
стр. 6292
سوره. وتلاوته بالترتيل ورفع الصوت في اجتماعات خاصة بهذا الشأن. ويمرنون على التربية البدنية. والالعاب الرياضية. ويدربون على آداب السلوك والمعاشرة ومراعات النظام. في غرف الطعام وقاعات الحفل العام ولهم قاعة خطابة يتمرنون فيها على إلقاء الخطب والمحاضرات وقصائد الشعر - سواء كان ذلك من مقولهم أو من مقول غيرهم. كما يلقي الأساتذة شيئا من ذلك على مرأى ومسمع منهم فيزيدهم ذلك خبرة وحذقا. ويخرجون في الأحايين إلى ضواحي القدس وقراها ومشهور أماكنها مشيا على الأقدام ثلاث ساعات أو أكثر. ويحملون في ذلك الهواء الطلق على الوثب والقفز والجري وتلوية الشوي (أطراف الجسم) وتليين العضل وتقوية مجموع الجسم. وقد نصبت لهم في باحة الكلية أدوات ألعاب (جمنا ستيك) خاصة بذلك. لقد شهدتهم مرة في ضاحية القدس يتسابقون تحت نظر مديرهم ألفاضل وأساتذتهم في قطع واد من إحدى عدوتيه إلى العدوة الأخرى فكانوا يعدون عدو النعام من منحدر العدوة حتى يصلون إلى أسفل الوادي ثم يشتدون إلى العدوة القصوى ولا يزالون مصعدين في سند الجبل حتى يصلوا إلى نقطة معينة منه وقد تكررت هذه المسابقة بينهم في وقت واحد فكانت جامعة بين ألفكاهة والفائدة والتعب الشديد. وهكذا الأمم التي تريد أن تحيا في راحة يجب عليها أن تقضي شطرا من حياتها في تعب ويدرب ذو القابلية من طلاب الكلية على ممارسة الألحان وإلقاء الأناشيد بتغن وتطريب فيحدث ذلك في نفوس الطلاب راحة ونشاطا يعوض ما تكون خسرته أجسامهم بفرط الدرس والبحث وعناء القيام بالوظائف المدرسية المختلفة. ويكلف طلاب الكلية جميعهم كبارهم وصغارهم القيام سحرا لصلاة الصنج. ولم يكن يخول بينهم وبين هذه ألفريضة اليوم المطير. ولا يرد الزمهرير. وكأني انظر إلى صغارهم يتوضأون في السحرة القرة والدم يسيل من أشاجعهم وبراجمهم وسلامياتهم وهم يتضاحكون ويتحملون ذلك بتجلد وصبر ومباهات. وكنا نشجعهم على تحمل الأمر وننبههم إلى فائدته من الوجهتين الروحية والجسمية. وأنا لندعو لهذا المعهد بالتقدم والارتقاء. فان في ارتقائه ارتقاء للأمة إلى ذروة العز القعساء. منشى هذه الرسالة هو الشيخ عبد القادر المغربي كان من أساتذة كلية صلاح الدين فهو حجة فيما يصف ويقول ويؤخذ من تعليمات هذه الكلية الإسلامية إن هذا المعهد ربط مباشر بمقام المشيخة الإسلامية وبنظارة الأوقاف والغرض
стр. 6293
من الكلية تدريس العلوم الشرعية والحقوقية وألفنون المختلفة والألسنة المتنوعة وتخريج رجال أخصائيين في هذه العلوم يقتدرون عن الدفاع عن التعالم الدينية ويصلحون لمباشرة الوظائف العلمية والشرعية. ومدة التحصيل في الكلية عشر سنوات سبع منها (قسم تالي) وثلاث (قسم عالي) ولسان التعليم فيها اللغة العربية وتقبل كل سنة مئة طالب في الصنف الأول موزعة على الصورة الآتية: عشرة من لواء القدس وخمسون من سائر الولايات والأولوية العثمانية والأربعون من أقطار العالم الإسلامي. والخمسون طالبا الذين يؤخذون من العثمانيين يكونون بالمناوبة أما الطلاب الأربعون الذين يؤخذون من أطراف العالم الإسلامي فأمرهم بحسب ما يلي: أربعة من مصر واثنان من السودان والحبش واثنان من طرابلس الغرب وبنغازي ومن كل من تونس والجزائر وفارس وجنوبي افريقية واحد واحد وثلاثة من جاوة وفلبين وثلاثة من الصين وكاشغر وخمسة من الهند واثنان من أفغان وواحد من بلوجتان واثنان من إيران وستة من تركتان (أي بخارى وخيوه وطشقند وسمر قند وما يلي ذلك) وستة من قفقآسياو استرخان وقازان والقريم وبولونيا. وبفرض إناء التعليم في كل ساعة من ساعات التدريس في الكلية من عشرين إلى خمسين غرشا ويجوز للأساتذة أن يأكلوا ويناموا في الكلية ولا يؤخذ من الطلاب أجرة التعليم وهم فوق ذلك يأكلون ويكتسون على نفقة الكلية ولكن إذا ترك احد الطلاب العثمانيين الكلية من غير عذر شرعي ضمن ليرة ونصف ليرة عثمانية لقاء كل شهر لازم فيه غالكليه. وليس للكلية قسم نهاري بل كل الطلبة داخليون وعلى الأساتذة أن يؤلفوا كتبا في العلوم التي يدرسونها ولا يوجد فيها مؤلفات وافية بالحاجة وان يلقوا محاضرات على الطلاب في ألفنون المختلفة وتدعو الإدارة من شاءت لإلقاء محاضرات في العلوم التي اختصوا فيها وتمرن الطلاب على إلقاء الخطب ويدعى إلى القدس في كل سنة احد مشهوري العلماء في العالم الإسلام يلقي محاضرات في مسائل العلم التخصص به ويعقد لعده المحاضرات مجالس في المسجد الأقصى يشهدها طلاب الكلية وتستغرق شهرا من الزمن ويخصص للأستاذ الذي يدعى على هذه الصورة من الثلاثين إلى المائة والخمسين ليرة عثمانية لقاء نفقات وبزل ضيفا على الكلية وتقام سباحات للطلاب تحت رئاسة هيئة الإدارة خلال أشهر العطلة بقصد البحث والتقصي في المسائل العالية وألفنية. ولغة التدريس في الكلية هي اللغة العربية ومع
стр. 6294
هذا فيجوز أن يدرس مثل التاريخ العثماني ومجلة الأحكام العدلية وحقوق الدول والتاريخ السياسي باللغة التركية أو لغة أجنبية وكل إنسان أجنبي يدرس في الكلية يلقن بلغة أمته وتحصيل اللغات الشرقية والغربية في الكلية اختياري ويكون تدريسها بلغات أهلها على طريقة سهلة قريبة التنأول. أما العلوم التي تدرس في الصفوف العشرة في الكلية فهي التفسير والحديث ومصطلح الحديث وألفقه المعاملات وتاريخ على ألفقه وأصول ألفقه وعلى الكلام وتاريخ علم الكلام وعلم التصوف وعلم التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم المنطق وعلم الأخلاق وتاريخ الفلسفة وعلم ما وراء الطبيعة والعلوم الحقوقية كالحقوق الأساسية والإدارية وحقوق الدول وقانون الجزاء وأصول الجزاية ومجلة الأحكام العدلية وأحكام الأوقاف وقانون الأراضي والتجارة البحرية والتجارة البرية وعلم الاقتصاد وعلم المالية واللسان العربي الصرف والنحو واللغة وأصول الإلقاء والمنطق والبلاغة وآداب اللغة) واللسان التركي (صرف ونحو وقراءة وكتابة وأدبيات) والتاريخ والسيرة النبوية والتاريخ العام وتاريخ العرب والإسلام وتاريخ العرب والعثمانيين والتاريخ السياسي للعصر الحاضر وتاريخ الأديان السماوية والجغرافية العمومية والجغرافيا الإسلامية والعثمانية وألفلك ومن العلوم الرياضية (الحساب العملي والهندسة والجبر وأصول مسك الدفاتر والحساب النظري والمثلثات والميكانيك) ومن العلوم الطبيعية (الزراعة المحلية والحكمة الطبيعية والكيمياء والحيوان والنبات والمعادن وطبقات الأرض وحفظ الصحة والتداوي الابتدائي) وفن الخط والرسم ومن الالسنة الشرقية ألفارسي والارد والتاتاري ومن الألسنة الغربية والألماني وألفرنسي والإنكليزي والروسية يشترط في الطلاب الذين يقبلون في الصنف الأول أن تكون سن الطالب لا اقل من اثنتي عشرة سنة سالما من العاهات والأمراض غير محكوم بجنحة ولا جناية ولا معروف بسوء الأحوال وبيده شهادة من المكاتب الابتدائية ذات الخمسة والستة صفوف أو يكون تحصيلة بهذه الدرجة ويثبت ذلك بالامتحان وان يودع لدى إدارة الكلية سندا مصدقا من وليه أو من جمعية أو جماعة إسلامية أو معهد علمي يتضمن كفالة مالية يمكن بواسطتها تحصيل ما انفق عليه في الكلية إذا أراد تركها من دون عذر شرعي. وعلى طالب الدخول أن تكون بيده تذكرة نفوس أو تذكرة جوازباسابورطو شهادة المكتب الذي تخرج فيه وشهادة تلقيح الجدري وسند الكفالة
стр. 6295
المذكور وشهادة بحسن حالة تتضمن عدم الحكم عليه بجنحة أو جناية وعدم اشتهاره بسوء الحال وتكون مصدقة من مجلس إدارة بلدة أو معهد علمي مشهور. ومن لم يكن معه شهادة وأراد الدخول في الكلية يمتحن في القران الكريم والمبادىء الدينية واللغة العربية (قراءة وتكلما وترجمة) والحساب والتاريخ والجغرافية الخط. ومن أراد الدخول من طلاب القسم التالي من مدارس دار الخلافة العلية أو من مدرسة أخرى بدرجتها يقبل في الصنف الذي تكون دروسه معادلة للدروس التي تلقاها في صنفه بشرط أن يكون بيده تصديق من مدرسة وعلى الذين بيدهم تصديق من المكاتب السلطانية أو الإعدادية أن يعطوا امتحانا في الدروس التي لم يكونوا تلقوها في مكاتبهم والتي تدرس في الصف الأدنى من الصنف الذي يريدون الدخول فيه فيمتحنون باللغة العربية ومن يريدون الدخول في الكلية وهم محصلون في مدارس معادلة للمدارس السلطانية عليهم أن يعطوا امتحانا في جميع دروس الصنف الأدنى من الصنف الذي يريدون الدخول فيه ومن كان من طلاب الكلية الصلاحية وبيده شهادة من قسمها التالي أو كان من طلاب مدارس دار الخلافة أو مدرسة بدرجتها ذات ثمانية صفوف وبيده شهادة من شعبتها الثانية في قسمها التالي جاز له أن يدخل في الصنف الثامن أي في أول صفوف التعليم العالي من الكلية الصلاحية أما متخرجوا المكاتب السلطانية فيقبلون في الكلية بشرط أن يكونوا واقفين على اللغة العربية وأن يؤدوا امتحانا في جميع المواد التي لم تدرس في مكاتبهم والذين هم في المعلومات بدرجة هؤلاء المتخرجين يقبلون أيضاً بشرط أن يفحصوا في جميع المواد التي تدرس في القسم التالي من الكلية. وتبدأ مدة قيد الطلاب وقبولهم من أواسط آب إلى انتهاء أول أسبوع من أيلول وامتحانات الدخول في أول أسبوع من شهر أيلول وعلى الطلاب أن يعتقدوا أن العلوم والمعارف لا تجديهم نفعا ما لم تكن مستندة على تربية حسنة وأخلاق كريمة وأن يتخذوا الأمور الآتية دستورا للعمل: عليهم أن يعتنوا بتربية قواهم البدنية وألفكرية والأخلاقية ليصبحوا فيما بعد رجالا ذوي أبدان قوية وأفكار سليمة وأخلاق متينة وان يمثلوا رجلا مدنيا في عزيمته وبعد همته وحسن مسعاه. وان يتوخوا في جميع أعمالهم مراعاة تعاليم الدين المبين ويتواصوا بالصبر على خدمة الحقيقة وترقية شان الإنسانية ويتباعدوا جهدهم عن ارتكاب نقيضة أو رذيلة وان يكون همهم ألفذ حب الخير وممارسة ألفضيلة (ب) أن لا
стр. 6296
يجعلوا الله عرضة لإيمانهم وان يتجنبوا الحيلة والدسيسة والكذب ويكونوا أمناء موثوقين وأرباب شرف وأنفة في جميع اطوارهم. (ج) أن يثابروا على دروسهم وان يحترموا ويطيعوا رؤسائهم وأساتذتهم وآبائهم وأقاربهم وأن تبقى نفوسهم مشبعة بعاطفة الحنان والشفقة نحو رفاقهم (د) يجب عليهم أن يحافظوا داخل الكلية وخارجها على القيافة الخاصة بهم وان يجتنبوا في أعمالهم كل ما يخل بمسلكهم العلمي المحترم وبكرامة المعهد الإسلامي الذي ينتسبون إليه وأن يجتهدوا في أن يكونوا مثالا حسنا وقدوة صالحة لغيرهم. (هـ) أن يهتموا بالنهوض من النوم باكرا ويحافظوا على الصلوات الخمس في أوقاتها عند إسباغ الوضوء ويواظبوا على تلاوة القران ومدارسته جهرة بعد صلاتي ألفجر الصلاة وخاصة صلاة الجمعة فيسعون إليها وهم على أكمل سمت وأحسن زي هذه شذرة من تعاليم الكية الصلاحية وهي نافعة جدا في تخريج أكمل مثال من رجال الدين الإسلامي على ما تقتضيه حالة العصر والله الملهم والموفق.
стр. 6297
معرفة العرب ناموس الجاذبية
لا يخفى أن الناس ف٥ي عالم العلم ينسبون تحقيق جاذبية الأرض إلى ألفيلسوف الإنكليزي اسحق نيوطن ويجعلونه من اجل ذلك في صف أعاظم رجال الدنيا وقل من شدا شيئا في ألفلك أو الجغرافية أو القوسموغرافية إلا وهو يحفظ اسم نيوطن والحال آن نسبة هذا الاكتشاف إلى ألفيلسوف المشار أليه هو قلة الإطلاع على كتب العرب وعدم الإحاطة بمبالغ علومهم وهذه المسالة هي أشبه بمسالة دوران الأرض التي توهم الأوروبيون أنها أيضاً من تحقيقاتهم ووفروا فيها فضل الاكتشاف لكوبرنيك والحال أنها أيضاً من المسائل التي انتبه أليها العرب تقدم لنا في فصل مختصر في علماء الهيئة من العرب نشرناه في جريدةالشرق
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
وهاك ما اطلعنا عليه في القسم الأول من رسائل إخوان الصفا وخلان ألوفا مما يتعلق بالكرة الأرضية: وأما سبب وقوف الأرض في وسط الهواء ففيه أربعة أقوال منها ما قيل هو جذب الهواء لها من جميع الجهات بالسوية فوقفت في الوسط لما تساوى قوة الجذب من جميع الجهات ومنها ما قيل لدفع ألفلك إياها لا فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الدفع من جميع الجهات وقيل هو جذب المركز لجميع أجزائها من جميع الجهات إلى الوسط لأنه لما كان مركز الأرض مركز ألفلك أيضاً وهو مغنيطس الأفلاك اعني مركز الأرض وأجزاء الأرض لما كانت ثقيلة انجذبت إلى المركز وسبق جزء واحد وحصل المركز ووقف باقي الأجزاء حولها يعني حول النقطة وطلب كل جزء منها المركز فصارت الأرض بجميع أجزائها كرة واحدة بذلك السبب ولما كان الماء أجزاؤه اخف من أجزاء الأرض وقف الماء فوق الأرض ولما كانت أجزاء الهواء اخف رمن أجزاء الماء صارت فوق الماء ولما كانت النار أجزاؤها اخف من أجزاء الهواء صارت في العلو مما يلي فلك القمر وقيل هي خصوصية للوضع اللائق به وذلك أن الباري تعالى اسمه جعل لكل جسم من الأجسام الكائنات من النار والهواء والماء والأرض موضعا مخصوصا هو البق به وهكذا فلك القمر وعطارد وبقية الكواكب لكل واحد موضعا مخصوصا في فلكه فهو ثابت فيه ألفلك يديره معه وهذه العلة أشبه الفاو بل بالحق انتهى وقد جاء في أول الرسالة من رسائل أخوان الصفا وخلان ألوفا التي فيها هذا ألفصل ما باتي بعد البسملة: من اجل
стр. 6298
أن إخواننا أيدهم الله مذهبهم النظر في جميع الموجودات والبحث عن مباديها وعلة وجدانها وعن غرائب نظامها والكشف عن كيفية ارتباط معلوماتها بعللها بإذن باريها جل ثناؤه احتجنا أن نذكر الأرض وكيفية صورتها ووقوفها في مركز العلم وما نسبته وذلك أن المعرفة مجالها وكيفية وقوفها في الهواء هو من العلوم الشريفة لان وقوف أجسامها عليها حكم جليلة ومنها بد الخ يشيرون إلى السبب الذي حداهم على البحث في مسالة وقوف الأرض في وسط ألفضاء في رسائلهم المتعلقة بتهذيب النفس وإصلاح الأخلاق قد اطلعنا على هذا الكلام في نسخة من رسائل أخوان الصفا جاء في أخره هذه الجملة: تمت الرسالة بحمد الله وعونه في الرابع عشر من شهر الله المحرم الحرام تسع وثمانين وثمانمائة وتاريخ النسخة التي نسخت منها سنة أربع وخمسمائة وكتبها محمد ابن علي بن ندى بن الحسن انتهى وربما التمس بعض القراء ذكر مجمل خير أخوان الصفا ومواضيع رسائلهم فان هذا الاسم يطرق مسمع كثير من الناشئة وربما من المشيخة ولا يفهمون عنه قليلا ولا كثيرا ولا يعلمون منه قبيلا ولا دبيرا فقصدنا أن نأتيهم من ذلك بما يزيح العلة ويشفي الغلة فنقول: قال الوزير جمال الدين أبو الحسن علي بن قاضي الأشواف يوسف اقفلي المتوفي سنة ٦٤٦في كتابه (أخبار العلماء بأخبار الحكماء) إخوان الصفا وإخوان ألوفا هؤلاء جماعة اجتمعوا على تصنيف كتاب في أنواع الحكمة الأولى ورتبوه مقالات عدتها إحدى وخمسون مقالة خمسون منها في خمسين نوعا من الحكمة ومقالة حادية وخمسون جامعة لأنواع المقالات على طريق الاختصار والإيجاز وهي مقالات منشورات غير مستقصاة ولا ظاهرة الأدلة والاحتجاج وكأنها للتنبيه والإيماء إلى المقصود الذي يحصل عليه الطالب لنوع من أنواع الحكمة ولما كتم مصنفوها أسمائهم اختلف الناس في الذي وضعها فكل قوم قالوا قولا بطريق الدس والتخمين فقوم قالوا هي من كلام بعض الأئمة من نسل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه واختلفوا في اسم الأمام الواضع لها اختلافا لا يثبت له حقيقة وقال آخرون هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول ولم أزل شديد البحث والتطلب لذكر مصنفها حتى وقفت على كلام لأبي حيان التوحيدي جاء في جوابه عن أمر شاله وزير صمصام الدولة في حدود سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وصورته: قال أبو الحيان حاكيا عن الوزير المذكور حدثني عن شيء هو أهم من هذا إلى واخطر على بالي
стр. 6299
إني لا أزال اسمع من زيد بن رفاعة قولا يريبني ومذهبا لا عهد لي به وكناية عمتا لا أحقه وإشارة إلى ما يتوضح شيء منه يذكر الحروف ويذكر النقط ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت واحدة إلا لسبب والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لواحدة إلا لعلة والألف لم تعجم ألا لغرض وأشباه هذا واشهد منه في غرض ذلك دعوى يتعاظم بها وينتفخ بذكرها فما حديثه وما شانه وما دخلته فقد بلغني باابا حيان منك تغشاه وتجلس إليه وتكثر عنده ولك معه نوادر معجبة ومن طالت عشرته إنسان صدقت خبرته وأمكن إطلاعه على مستكن رأيه وخافي مذهبه فقلت أيها الوزير أنت الذي تعرفه قبلي قديماً وحديثاً والاستخدام وله منك الإمرة القديمة والنسبة المعروفة فقال ذع هذا وصفه لي فقلت هناك ذكاء غالب وذهن وقاد ومتسع في قول النظم والنثر مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة وحفظ أيام الناس وسماع المقالات وتبصر في الآراء والبيانات وتصرف في كل فن أما بالشدو الموهم وأما بالتوسط المفهم وأما بالتناهي المفحم قال فعلى هذا ما مذهبه قلت لا ينسب إلى شيء ولا يعرف برهط لجيشانه بكل شيء وغليانه بكل ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه وسطوته بلسانه وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا وصادف بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيشي ويعرف بالمقدسي وأبو الحسن علي ابن هارون الزنجاني وأبو احمد المهرجاني والعوفي وغيرهم فصحبهم وخدمهم وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى ألفوز برضوان الله وذلك أنهم قالوا إن الشريعة قد دنست بالجهالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية وزعموا انه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها وافردوا لها فهرسا وسموه رسائل إخوان الصفا وكتموا في أسمائهمإلى إن قال: قال الوزير: فهل رأيت هذه الرسائل قلت: قد رأيت جملة منها وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ولا كفاية وفيها خرافات وكنايات وحملت عدة منها إلى شيخنا لأبي سليمان المنطقي السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها عليه فنظر فيها أياماً وتبحرها طويلاً ثم ردها علي وقال: تعبوا وما أغنوا ونصبوا وما أجدوا وحاموا وما ردوا وغنوا فما أطربوا ونسجوا
стр. 6300
فهلهلوا ومشطوا ففلفلوا ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع ظنوا أنه يمكنهم أنهم يدسون الفلسفة التي هي علم النجوم والأفلاك والمقادير والمجسطي وآثار الطبيعة والموسيقى الذي هو معرفة النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان والمنطق الذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكميات والكيفيات في الشريعة وان يربطوا الشريعة بالفلسفة وهذا مرام دونه حدد وقد تورك على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحداً أنياباً واحضر أسباباً وأعظم أقداراً وارفع أخطاراً وأوسع قوى وأوثق عرى فلم يتم لهم ما أرادوه ولا بلغوا منه ماأملوه إلى آخر ما قال وبرهن عليه وهو من قبيل ما يذهب إليهم بعضهم اليوم من كون الشريعة ينبغي أن تمشي في طريق والعلم في طريق خلافاً لرأي القائلين بتطبيق الشريعة على القواعد العلمية أو رد العلوم إلى أصول الشرع حتى لا تقع الشبهة في العقيدة وهذا بحث ليس من مقامنا اليوم وإنما جرنا إليه الاستطراد في التعريف برسائل إخوان الصفا وواضعيها ومدار الكلام اليوم على كون حكماء العرب عرفوا الجاذبية قبل اسحق نيوطن واستشهدنا على هذه الحقيقة بما ورد في رسائل إخوان الصفا وإليك نبذة ثانية أيضاً تأثرها عن ياقوت الحموي المتوفي سنة ٦٢٦ وهو كلامه في مقدمة كتابه معجم البلدانوقال قوم أن الذي يرى من دوران الكواكب إنما هو دوران ألفلك وقال آخرون أن بعض الأرض يمسك بعضاً وكثير منهم يزعم أن دوران ألفلك عليها يمسكها في المركز من جميع نواحيها وقال والذي يعتمد عليه جماهيرهم أن الأرض مدورة كتدوير الكرة موضوعة في جوف ألفلك كالمحة في جوف البيضة والنسيم حول الأرض وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى ألفلك وبنية الخلق على الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد وما فيها من الحيوان وغيره بمنزلة الحديد وقال آخرون من أعيانهم الأرض في وسط ألفلك يحيط بها ألفرجار في الوسط على مقدار واحد من فوق وأسفل ومن كل جانب وأجزاء ألفلك تجذبها من كل وجه فلذلك لا تميل إلى ناحية من ألفلك دون ناحية لأن قوة الأجزاء متكافئة ومثال ذلك حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد لأن طبع ألفلك أن يجتذب الأرض إلى آخر ما قال وقال ألمقدسي فإما الأرض فإنها كالكرة موضوعة جوف ألفلك كالمحة جوف البيضة والنسيم حول الأرض وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى ألفلك وبنية الخلق على
стр. 6301
الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد ومثلوا ألفلك بخرائط يدير شيئاً مجوفا وسطه حوزة فإذا أدار ذلك الشيء وقفت الجوزة وسطه. انتهى ومما يدل على معرفتهم حركة الأرض قول القز ويني في عجائب المخلوقات وهو: ومن القدماء من أصحاب فيثاغورسي من قال أن الأرض متحركة دائما على الاستدارة والذي يرى من دوران الكواكب فلا يكون حكماء العرب بقوا أجانب عن معرفة ناموس الجاذبية ولا عن حركة الأرض مما يتبجح الإفرنج بكونه من تحقيقاتهم وان كان نيوطن قد عرف الجاذبية بدون إطلاع على كلامهم فيكون من باب توارد الخواطر
دمشق
شكيب أرسلان
стр. 6302
القدس وتواريخها العربية
اشتهرت مدينة القدس الشريف بآثارها الدينية وموقعها وقل من عرف عناية المؤلفين بتواريخها ولا سيما مؤلفو العرب فلذلك وضعت فذلكة في مختصر تسميتها وأسماء المؤلفين في شؤونها منهم تذكرة للمطالع الكريم فأقول: عرف فذكرها قدماء العرب هذه المدينة لما انصلوا بجوران وعجلون وتلك الضواحي الأعشى شاعرهم باسم أورشليم في قوله:
وقد طفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأوريشلم
فحرف الاسم لضرورة الوزن. اما الفرزدق بعد فذكرها باسم ايلياء في قوله:
وبيتان بيت الله نحن ولاته ... وقصر باعلى ايلياء مشرف
وتابعه أعرابي فقال:
فلو إن طيرا كلفت مش سيره ... إلى واسط من أبلياء لكلت
سما بالمهاوي من فلسطين بعدما ... دنا ألفيء من شمس النهار فولت
وذكرها مروان باسم (بيت المقدس) بالتخفيف فقال:
قل للفرزدق والسفاهة كإسمها ... إن كنت تارك ما أمرك فاجلسي
ودع المدينة أنها محذورة ... والحق بمكة أو بيت المقدس
وذكرها ابن حجر العسقلاني باسم البيت المقدس بالتشديد في قوله مورياً ومتفشياً
إلى البت المقدس جئت أرجو ... جنان الخلد نزلاً من كريم
قطعنا في مسافته عقاباً ... وما بعد العقاب سوى النعيم
وما اسم القدس فلم تعرف به إلا في العصور المتأخرة على أقدم من ذكرها به المطران سليمان الغزي أسقف غزة الشام في نحو القرن الربع عشر للميلاد في قوله
أيدعوك للقدس الخيال الذي يسري ... فهل لك في ترك الزبارى من عذري
هذا ما ذكره الشعراء في أسماء هذه المدينة الشهيرة في التاريخ منذ عهد بعيد وفيها إلى اليوم من الآثار الدينية والتاريخية ما يحتاج في وصفه على مجلدات حتى كثرت عناية المؤلفين بها من مشارقة ومغاربة وأعراب وأعجام. على أننا أفردنا الآن بالذكر من ألف فيها من العرب مما هو مشهور في المكتب والأسفار ذكر العرب القدس في كتبهم الكثيرة في ألفتوح والتواريخ والمعاجم الجغرافية والرحلات وأشاروا إلى تواريخها وما تقلب عليها
стр. 6303
من الحوادث وما جرى فيها من الوقائع وما عرفت به من الشؤون المختلفة وذلك في أثناء أبحاثهم وفي تضاعيف كتبهم وثنايا تواريخهم. أما الذين أفردوا لها المؤلفات الخاصة فكثيرون ومعظم كتبهم بل جميعها إلا قليلاً منها لا يزال مخطوطاً في زوايا المكاتب ومخادع الجوامع فرأينا الإشارة إليها واستقراء ما أمكن معرفته منها ليكون ذلك دليلاً للباحث عن شؤونها. ومرشداً للضرر في بيداء التاريخ الوطني فيجد فيها ضالته المنشودة. ويعثر على فائدته المقصودة من أقدمهم الحافظ ابن عساكر الدمشقي صاحب التاريخ المشهور المتوفى سنة ٥١٧ هـ (١١٢٣م) في مؤلف: الجامع المقتصى في فضاء المسجد الأقصىومنه نسخة في المكتبة التيمورية بالقاهرة والقاضي أمين الدين أحمد بن هبة الله الشافعي من أهل القرن السابع للهجرة في كتابهالإنس في فضائل متعمداً على (الجامع المستقصى) الآنف ذكره إلى ابن عمه. وقد رأى الإمام السبوطي نسخة في جامع دمشق مقروءة على مؤلفها بتاريخ سنة ٦. ٣ هـ (١٢. ٦م) وذكر السيوطي أيضاً كتاب باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروث الشيخ برهان الدين إبراهيم بن اسحق بن تاج الدين أبي عبد الله عبد الرحمن درهم الشافعي الفزاري المعروف بابن قاضي الصلت وهو في ثلاثة عشر فصلاً ضمنها فضائل بيت المقدس وقبر الخليل انتخبها من كتابالجامع المستقصىلابن عساكر وبعضهم من كتاب أبي المعالي المشرف بن المرجي المقدسي ونسخته في المكتبة التيمورية بالقاهرة ومنهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني المتوفي سنة ٥٧٩هـ - (١٢. . م) في كتابهألفتح القسي في ألفتح القدسي ويسمى أيضاً قدح القسيوقيل أن المؤلف عرضه على القاضي ألفاضل فقال له سمهالقبح القسي وقد طبع في ليدن (هولندا) وفي مصر * وابن السعد عبد الله بن الحسن بن عساكر المولود سنة٦. ٦هـ - (١٣. ٩م) في كتابهفضل بيت المقدسوشهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم هلال بن تميم بن مسرور المقدسي الشافعي المتوفي سنة ٧٦٥هـ - (١٣٦٣م) في كتابه (مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام) فرغ منه شعبان سنة ٧٥٧هـ - (١٣٥٦م) وكسره على قسمينالأولفي فضائل الشام وبيان حدوده وفيه أبواب وفصول والثانيفي فضائل المسجد الأقصى ويشتمل على أبواب وفصول أيضاً * والإمام أبو ألفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في كتابهفضائل القدسذكره السيوطي المومأ إليه ولم يشر إليه الحاج خليفة فيكشف الظنون
стр. 6304
* والشيخ عبد الرحمن محمد بن أحمد المنهاجي السيوطي الذي دخل القدس يوم السبت في ٢٨ رمضان سنة ٨٧٤هـ - (١٤٦٩م) في كتابهاتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى * والشريف عز الدين حمزة أحمد الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفي سنة ٨٧٤هـ - (١٤٦٩م) في كتابهفضائل بيت المقدس ومحمد بن محمود اسحق القدسي المتوفي سنة ٧٧٦هـ - (١٣٧٤م) في كتابهتاريخ القدسوكمال الدين محمد بن محمد أبي شريف الشافعي المصري المتوفي سنة ٩. ٦هـ - (١٥. . م) في كتابهاتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصىألفه في مجاورته بالقدس سنة ٨٧٥هـ - (١٤٧. م) ورتبه على سبعة عشر باباً معتمداً في نقله علىالروض المغرسلثقة مؤلفه فصار عمدة ما فيه٨والقاضي محير الدين أبو اليمن عبد الرحمن العليمي الحنبلي المتوفي سنة ٩٢٧هـ - (١٥٢. م) في كتابهالأنس الجليل في تاريخ القدس والخليلجمع فيه خلاصة تواريخ القدس وأضاف إليه نبذة من الحوادث والوفيات أنجزه بأربعة أشهر مبتدئاً فيه من ذي الحجة سنة٩. . هـ (١٤٩٤م) وهذا الكتاب طبع في القاهرة سنة ١٨٦٦م وترجمه بالإفرنسية هنري سوفار وطبعه في أوروبا٨ والشيخ أحمد الخالدي الصفدي المتوفي سنة ١. ٣٤هـ - (١٦٢٤م) في كتابرحلته إلى البيت المقدس نظماً٨والشريف عزالدين بن حمزة بن أحمد الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفي سنة ٨٧٤هـ - (١٤٦٩م) في كتابفضائل البيت المقدس وأبو حذيفة اسحق بن بشر في كتابفتوح بيت المقدسوالشيخ اسحق ابن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن كامل التدمري الشافعي الخطيب والإمام بذلك المقام في كتابهمثير الغرام في زيارة الخليل عليه السلاموهو مختصر على سبعة وعشرين فصلاً وهو من معاصري السيوطي الآنف الذكر رأى كتابه هذا في المسجد الخليلي والشيخ تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب الحسيني الدمشقي الشافعي في كتاب الروض المغرس في فضائل بيت المقدسذكره صاحباتحاف الأخصاوالإمام أبو المعالي المشرف المقدسي في كتابفضائل القدس والشاموهو في مائة وخمسة عشر باباً والتمرتاشي في كتابالخبر التام في حدود الأرض المقدسة وفلسطين والشامألفه سنة ١١. ٦هـ - (١٦٩٤م) ونسخته في المكتبة التيمورية بالقاهرة والشيخ عبد الغني النابلسي المتوفي سنة١١٤٣هـ - (١٧٣. م) في رحلتهالحضرة الأنسية في الرحلة القدسية وهي جزء من رحلته الكبرى والشيخ عبد الله الطرابلسي المتوفي سنة ١١٥٤هـ -
стр. 6305
(١٧٤١م) في رحلتهالمنحة القدسية في الرحلة القدسيةوالشيخ مصطفى البكري المتوفي سنة١١٦١هـ - (١٧٤٨م) في كتابرحلة القدسوالياس الغضبان الحلبي في كتابهزيارة الأماكن المقدسةوهو أخبار رحلته إلى القدس في ٣ نيسان سنة ١٧٥٥م وقد كتب فيها كل ما رآه يومياً بزيارته ونسخته في المكتبة الشرقية التي جمعها الآباء اليسوعيون في بيروت مخطوطة والشيخ مصطفى الشافعي اللقيمي المتوفي سنة ١١٧٨هـ - ١٧٦٤مفي كتابموانح الأنس في الرحلة إلى وادي القدسإلى غير ذلك مما في كتب ألفتوح والتواريخ والمعاجم الجغرافية والرحلات ووصف المساجد ككتابمعجم البلدانلياقوت الحموي وكتاب أعلام الساجد بأحكام المساجدللشيخ بدر الدين الزركشي الشافعي المتوفي سنة ٧٩٤هـ - ١٣٩١موتسهيل المقاصد لزوار المساجدللشيخ شهاب الدين أحمد بن العماد بن يوسف الافقسي الشافعي المتوفي سنة ٨. ٨هـ - ١٤. ٥م وقد رآهما السيوطي والثاني بخط مؤلفه ومنتخب في فضائل بيت المقدسرتب على ثلاثة عشر فصلاً أتم تأليفه سنة ١١٧٢هـ - ١٧٥٨م ذكر في برنامج الكتب العربية في المكتبة الخديوية في مصر ٧ - ٢: ٥٧٤ وحسن الاستقصا لما صح وثبت في المسجد الأقصىمن مجاميع المكتبة الخالدية في القدس الشريف عدد ١٩ وسؤال وجواب عن بيت المقدسفي مجموع آخر فيها عدد ٤٧ والزهر العاطر لانشراح الخاطروهو شرح زيارات الأماكن الأورشليمية المقدسة تأليف شكر الله بن بطرس حوا الماروني الحلبي من أهل القرن الثامن عشر للميلاد إلى غير ذلك مما فقد أو لن يزال في مكاتب الخاصة والمكاتب الأوروبية محجوباً عن المطالعين وللمعاصرين شيء من ذلك مثل إرشاد الطالبين إلى الآثار المقدسة في فلسطينلحنا الخوري سكسك القدسي وهو مخطوط ضخم في نحو ١٨. . صفحة كثير ألفوائد وهو اليوم في مكتبة ولده جرجي أفندي وفي مكتبتي نخبة منه وتاريخ القدسللخوري ميخاشيل برامكي القدسي ولا يزال مخطوطاً في القدس وفيه فوائد تاريخية جمةتاريخ أورشليم لخليل أفندي سركيس صاحب المطبعة الأدبية في بيروت. ومنشئ جريدةلسان الحالوإرشاد لطيف لزائر القدس الشريفلموسى أفندي مينا طبع في مصر مصوراً ودليل الزوار المقدسةللباس فرج باسيل اللبناني طبع في القدس. وعليه انتقاد لحنا الخوري سكسك الآنف ذكره لا يزال مخطوطاً عندي نخبة منه. وأشباه ذلك مما لايقع تحت حصر وفي القليل غنى الكثير في وصف
следующие страницы →