Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد ومثلوا ألفلك بخرائط يدير شيئاً مجوفا وسطه حوزة فإذا أدار ذلك الشيء وقفت الجوزة وسطه. انتهى ومما يدل على معرفتهم حركة الأرض قول القز ويني في عجائب المخلوقات وهو: ومن القدماء من أصحاب فيثاغورسي من قال أن الأرض متحركة دائما على الاستدارة والذي يرى من دوران الكواكب فلا يكون حكماء العرب بقوا أجانب عن معرفة ناموس الجاذبية ولا عن حركة الأرض مما يتبجح الإفرنج بكونه من تحقيقاتهم وان كان نيوطن قد عرف الجاذبية بدون إطلاع على كلامهم فيكون من باب توارد الخواطر
دمشق
شكيب أرسلان
стр. 6302
القدس وتواريخها العربية
اشتهرت مدينة القدس الشريف بآثارها الدينية وموقعها وقل من عرف عناية المؤلفين بتواريخها ولا سيما مؤلفو العرب فلذلك وضعت فذلكة في مختصر تسميتها وأسماء المؤلفين في شؤونها منهم تذكرة للمطالع الكريم فأقول: عرف فذكرها قدماء العرب هذه المدينة لما انصلوا بجوران وعجلون وتلك الضواحي الأعشى شاعرهم باسم أورشليم في قوله:
وقد طفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأوريشلم
فحرف الاسم لضرورة الوزن. اما الفرزدق بعد فذكرها باسم ايلياء في قوله:
وبيتان بيت الله نحن ولاته ... وقصر باعلى ايلياء مشرف
وتابعه أعرابي فقال:
فلو إن طيرا كلفت مش سيره ... إلى واسط من أبلياء لكلت
سما بالمهاوي من فلسطين بعدما ... دنا ألفيء من شمس النهار فولت
وذكرها مروان باسم (بيت المقدس) بالتخفيف فقال:
قل للفرزدق والسفاهة كإسمها ... إن كنت تارك ما أمرك فاجلسي
ودع المدينة أنها محذورة ... والحق بمكة أو بيت المقدس
وذكرها ابن حجر العسقلاني باسم البيت المقدس بالتشديد في قوله مورياً ومتفشياً
إلى البت المقدس جئت أرجو ... جنان الخلد نزلاً من كريم
قطعنا في مسافته عقاباً ... وما بعد العقاب سوى النعيم
وما اسم القدس فلم تعرف به إلا في العصور المتأخرة على أقدم من ذكرها به المطران سليمان الغزي أسقف غزة الشام في نحو القرن الربع عشر للميلاد في قوله
أيدعوك للقدس الخيال الذي يسري ... فهل لك في ترك الزبارى من عذري
هذا ما ذكره الشعراء في أسماء هذه المدينة الشهيرة في التاريخ منذ عهد بعيد وفيها إلى اليوم من الآثار الدينية والتاريخية ما يحتاج في وصفه على مجلدات حتى كثرت عناية المؤلفين بها من مشارقة ومغاربة وأعراب وأعجام. على أننا أفردنا الآن بالذكر من ألف فيها من العرب مما هو مشهور في المكتب والأسفار ذكر العرب القدس في كتبهم الكثيرة في ألفتوح والتواريخ والمعاجم الجغرافية والرحلات وأشاروا إلى تواريخها وما تقلب عليها
стр. 6303
من الحوادث وما جرى فيها من الوقائع وما عرفت به من الشؤون المختلفة وذلك في أثناء أبحاثهم وفي تضاعيف كتبهم وثنايا تواريخهم. أما الذين أفردوا لها المؤلفات الخاصة فكثيرون ومعظم كتبهم بل جميعها إلا قليلاً منها لا يزال مخطوطاً في زوايا المكاتب ومخادع الجوامع فرأينا الإشارة إليها واستقراء ما أمكن معرفته منها ليكون ذلك دليلاً للباحث عن شؤونها. ومرشداً للضرر في بيداء التاريخ الوطني فيجد فيها ضالته المنشودة. ويعثر على فائدته المقصودة من أقدمهم الحافظ ابن عساكر الدمشقي صاحب التاريخ المشهور المتوفى سنة ٥١٧ هـ (١١٢٣م) في مؤلف: الجامع المقتصى في فضاء المسجد الأقصىومنه نسخة في المكتبة التيمورية بالقاهرة والقاضي أمين الدين أحمد بن هبة الله الشافعي من أهل القرن السابع للهجرة في كتابهالإنس في فضائل متعمداً على (الجامع المستقصى) الآنف ذكره إلى ابن عمه. وقد رأى الإمام السبوطي نسخة في جامع دمشق مقروءة على مؤلفها بتاريخ سنة ٦. ٣ هـ (١٢. ٦م) وذكر السيوطي أيضاً كتاب باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروث الشيخ برهان الدين إبراهيم بن اسحق بن تاج الدين أبي عبد الله عبد الرحمن درهم الشافعي الفزاري المعروف بابن قاضي الصلت وهو في ثلاثة عشر فصلاً ضمنها فضائل بيت المقدس وقبر الخليل انتخبها من كتابالجامع المستقصىلابن عساكر وبعضهم من كتاب أبي المعالي المشرف بن المرجي المقدسي ونسخته في المكتبة التيمورية بالقاهرة ومنهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني المتوفي سنة ٥٧٩هـ - (١٢. . م) في كتابهألفتح القسي في ألفتح القدسي ويسمى أيضاً قدح القسيوقيل أن المؤلف عرضه على القاضي ألفاضل فقال له سمهالقبح القسي وقد طبع في ليدن (هولندا) وفي مصر * وابن السعد عبد الله بن الحسن بن عساكر المولود سنة٦. ٦هـ - (١٣. ٩م) في كتابهفضل بيت المقدسوشهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم هلال بن تميم بن مسرور المقدسي الشافعي المتوفي سنة ٧٦٥هـ - (١٣٦٣م) في كتابه (مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام) فرغ منه شعبان سنة ٧٥٧هـ - (١٣٥٦م) وكسره على قسمينالأولفي فضائل الشام وبيان حدوده وفيه أبواب وفصول والثانيفي فضائل المسجد الأقصى ويشتمل على أبواب وفصول أيضاً * والإمام أبو ألفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في كتابهفضائل القدسذكره السيوطي المومأ إليه ولم يشر إليه الحاج خليفة فيكشف الظنون
стр. 6304
* والشيخ عبد الرحمن محمد بن أحمد المنهاجي السيوطي الذي دخل القدس يوم السبت في ٢٨ رمضان سنة ٨٧٤هـ - (١٤٦٩م) في كتابهاتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى * والشريف عز الدين حمزة أحمد الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفي سنة ٨٧٤هـ - (١٤٦٩م) في كتابهفضائل بيت المقدس ومحمد بن محمود اسحق القدسي المتوفي سنة ٧٧٦هـ - (١٣٧٤م) في كتابهتاريخ القدسوكمال الدين محمد بن محمد أبي شريف الشافعي المصري المتوفي سنة ٩. ٦هـ - (١٥. . م) في كتابهاتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصىألفه في مجاورته بالقدس سنة ٨٧٥هـ - (١٤٧. م) ورتبه على سبعة عشر باباً معتمداً في نقله علىالروض المغرسلثقة مؤلفه فصار عمدة ما فيه٨والقاضي محير الدين أبو اليمن عبد الرحمن العليمي الحنبلي المتوفي سنة ٩٢٧هـ - (١٥٢. م) في كتابهالأنس الجليل في تاريخ القدس والخليلجمع فيه خلاصة تواريخ القدس وأضاف إليه نبذة من الحوادث والوفيات أنجزه بأربعة أشهر مبتدئاً فيه من ذي الحجة سنة٩. . هـ (١٤٩٤م) وهذا الكتاب طبع في القاهرة سنة ١٨٦٦م وترجمه بالإفرنسية هنري سوفار وطبعه في أوروبا٨ والشيخ أحمد الخالدي الصفدي المتوفي سنة ١. ٣٤هـ - (١٦٢٤م) في كتابرحلته إلى البيت المقدس نظماً٨والشريف عزالدين بن حمزة بن أحمد الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفي سنة ٨٧٤هـ - (١٤٦٩م) في كتابفضائل البيت المقدس وأبو حذيفة اسحق بن بشر في كتابفتوح بيت المقدسوالشيخ اسحق ابن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن كامل التدمري الشافعي الخطيب والإمام بذلك المقام في كتابهمثير الغرام في زيارة الخليل عليه السلاموهو مختصر على سبعة وعشرين فصلاً وهو من معاصري السيوطي الآنف الذكر رأى كتابه هذا في المسجد الخليلي والشيخ تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب الحسيني الدمشقي الشافعي في كتاب الروض المغرس في فضائل بيت المقدسذكره صاحباتحاف الأخصاوالإمام أبو المعالي المشرف المقدسي في كتابفضائل القدس والشاموهو في مائة وخمسة عشر باباً والتمرتاشي في كتابالخبر التام في حدود الأرض المقدسة وفلسطين والشامألفه سنة ١١. ٦هـ - (١٦٩٤م) ونسخته في المكتبة التيمورية بالقاهرة والشيخ عبد الغني النابلسي المتوفي سنة١١٤٣هـ - (١٧٣. م) في رحلتهالحضرة الأنسية في الرحلة القدسية وهي جزء من رحلته الكبرى والشيخ عبد الله الطرابلسي المتوفي سنة ١١٥٤هـ -
стр. 6305
(١٧٤١م) في رحلتهالمنحة القدسية في الرحلة القدسيةوالشيخ مصطفى البكري المتوفي سنة١١٦١هـ - (١٧٤٨م) في كتابرحلة القدسوالياس الغضبان الحلبي في كتابهزيارة الأماكن المقدسةوهو أخبار رحلته إلى القدس في ٣ نيسان سنة ١٧٥٥م وقد كتب فيها كل ما رآه يومياً بزيارته ونسخته في المكتبة الشرقية التي جمعها الآباء اليسوعيون في بيروت مخطوطة والشيخ مصطفى الشافعي اللقيمي المتوفي سنة ١١٧٨هـ - ١٧٦٤مفي كتابموانح الأنس في الرحلة إلى وادي القدسإلى غير ذلك مما في كتب ألفتوح والتواريخ والمعاجم الجغرافية والرحلات ووصف المساجد ككتابمعجم البلدانلياقوت الحموي وكتاب أعلام الساجد بأحكام المساجدللشيخ بدر الدين الزركشي الشافعي المتوفي سنة ٧٩٤هـ - ١٣٩١موتسهيل المقاصد لزوار المساجدللشيخ شهاب الدين أحمد بن العماد بن يوسف الافقسي الشافعي المتوفي سنة ٨. ٨هـ - ١٤. ٥م وقد رآهما السيوطي والثاني بخط مؤلفه ومنتخب في فضائل بيت المقدسرتب على ثلاثة عشر فصلاً أتم تأليفه سنة ١١٧٢هـ - ١٧٥٨م ذكر في برنامج الكتب العربية في المكتبة الخديوية في مصر ٧ - ٢: ٥٧٤ وحسن الاستقصا لما صح وثبت في المسجد الأقصىمن مجاميع المكتبة الخالدية في القدس الشريف عدد ١٩ وسؤال وجواب عن بيت المقدسفي مجموع آخر فيها عدد ٤٧ والزهر العاطر لانشراح الخاطروهو شرح زيارات الأماكن الأورشليمية المقدسة تأليف شكر الله بن بطرس حوا الماروني الحلبي من أهل القرن الثامن عشر للميلاد إلى غير ذلك مما فقد أو لن يزال في مكاتب الخاصة والمكاتب الأوروبية محجوباً عن المطالعين وللمعاصرين شيء من ذلك مثل إرشاد الطالبين إلى الآثار المقدسة في فلسطينلحنا الخوري سكسك القدسي وهو مخطوط ضخم في نحو ١٨. . صفحة كثير ألفوائد وهو اليوم في مكتبة ولده جرجي أفندي وفي مكتبتي نخبة منه وتاريخ القدسللخوري ميخاشيل برامكي القدسي ولا يزال مخطوطاً في القدس وفيه فوائد تاريخية جمةتاريخ أورشليم لخليل أفندي سركيس صاحب المطبعة الأدبية في بيروت. ومنشئ جريدةلسان الحالوإرشاد لطيف لزائر القدس الشريفلموسى أفندي مينا طبع في مصر مصوراً ودليل الزوار المقدسةللباس فرج باسيل اللبناني طبع في القدس. وعليه انتقاد لحنا الخوري سكسك الآنف ذكره لا يزال مخطوطاً عندي نخبة منه. وأشباه ذلك مما لايقع تحت حصر وفي القليل غنى الكثير في وصف
стр. 6306
مدينة القدس وما يجاورها من البقعة ألفلسطينية المتلاامية في القدم والمسهورة في التاريخ. زحلةلبنان
عيسى أسكندر المعلوف.
стр. 6307
كتاب نادرفي أصول التدريس
في خزانة كتب جامع الحيدر خانة كتب مخطوطة ومطبوعة هي من أحسن السلف للخلف وأثمن ما أحتوت عليه مكتبات العراق، ولمرا فإن الذي وقف هذه الخزانة هو داود باشا والي العراق وهو خير وال على أريكة الحكم في هذا القطر المحبوب تولى سنة١٢٣٢هـ ١٨١٦م وكان عالماً فاضلاً أنشأ المدارس العظيمة ودور الخير والإحسان جالس العلماء والحكماء والفضلاء والزهاد وأكرم وفادتهم وأحسن إليهم ما أستطاع إلى الإحسان سبيلاً وفي أيامه أخذت روح العلم تدب في أبناء العراق فقامت نهضة علمية كبرى تحت حماية هذا الوزير لا تزال آثارها باقية إلى الآن فكثر المؤلفون في زمانه وراج سوق الأدب رواجاً عظيما حتى وقفت على أبوابه الشعراء وكان يجيزهم على حسب كفاءتهم ومقدرتهم. وقد أوتي نمت التوفيق ومسالمة الدهر ما لم يؤت أحد قبله من ولاة العراق فإن الأمور انقادت إليه بطبيعتها وأطاعه جميع قطان العراق حاضره وباديه عربه وعجمه وكان محباً للعمران فتاقت نفسه إلى تقليد المدن الأوروبية في طرز البناء وشق الجواد وتعزيز الصناعة فجلب الصناع من الأوروبين وأخذ في أسباب التمدن والعمران وأمر بصنع المدافع والبنادق على الطرز الجديد حينئذ ونظم جيوشاً ضخمة على آخر نظام في زمانه حتى يلغت جنوده أكثر من مائة ألف فطمع في الاستيلاء على دبار العجم وأكتسح عدة ولايات منها وطمحت نفسه إلى الاستيلاء على آسيا الصغرى والاستقلال بالعراق العربي افتداء بمعاصرة محمد علي باشل الكبير أمير مصر وجد الأسرة الخديوية وقد داخل الدولة الرعب والخوف من اتساع الخرق عليها فأرسل عليه السلطان محمود الثاني جيشاً عدده عشرون ألفاً وناط قيادته بأحد الوزراء وهو علي باشا اللظ وصادف لحسن حظ هذا القائد أن دهم العراق وباء وبيل أفنى أكثر جيش الوزير داود وهذا ما جعله يسلم نفسه إلى علي باشل بعد حدوث عدة معارك خسر فيها جيش العراق عدداً غير يسير من الجنود فذهب إلى الآستانة وظل فيها إلى سنة١٢٦. هـ١٢٤٤م بعد أن مكث فيها ثلث سنوات لاقى في خلالها حفاوة وإكراماً من السلطان محمود من أبنه السلطان عبد المجيد وكان يلبس أيام الأعياد حلة رسمية كتب على صدرهاشيخ الوزراءبالطراز المذهب ثم إن عبد المجيد خان أرسله شيخاً على الحرم النبوي سنة١٢٦. هـ١٨٤٤م وبقي في المدينة منشغلاً بالعلم والتدريس ونفع أهل ذلك القطر بفضله وكان عاقداً العزم على فتح مدرسة لتنوير أفكار الحجازيين
стр. 6308
ولكن أختر منه المنية سنة١٦٦٧هـ١٨٥. مولم يتم ما أرادهوفن في البقيع تجاه قبة سيدنا عثمان بن عفان. فرجل هذه منزلته في العلم والسياسة والإرادة لا ينتخب لخزانته إلا كل نفيس نادر وهكذا فإن خزانته لا لا ترى في زواياه غير ما تميل إليه النفس ويصبو إليه القلب من غرائب المصنفات وعجائب المؤلفات. وبينما كنا على عادتنا نجيل الطرف في طرفها ونملأ العين والفؤاد من محاسن كتبها إذا أهدانا السيد محمود شكري الألوسي من علماء العراق إلى كتاب نفيس نادر الوجود ويعد من أنفس ما ألف في القرون المتأخرة ذلك هو كتابتحفة الجنانفي أصول التدريس والتعليم لمؤلفه حيتي أفندي أحد قضاة دار السلام فتصفحناه ملياً وطالعنا معظم فصوله وأبوابه فإذا هو آية من الآيات وقل من نسج على منواله في الترتيب والتبويب وبديع الأفكار والذي يطلع عليه ويقرأ بعض مطالبه يخيل إليه أنه يقرأ بعض مطالبه يخيل إليه أن يقرأ كتابات رجل راق بأفكاره وأسلوبه تلقى العلم في أكبر معهد علمي في هذا العصر ولم نقف على كتاب في هذا ألفن من الكتب الحديثة ما يصح أن يقاس بهذا السفر المفيد وبالجملة فانه من كتب أصول التدريس على اختلاف أجناسها وأزمانها وكثيرا ما اجتهدنا في الوقوف على ترجمة حياة المنصف ومنشاة وتأليفه فلم نوقف إلى ذلك لضياع الأسانيد في المحكمة الشرعية واندثار أثارها التي تنبئنا عن احو اله وإعماله وهذا الكتاب سيخلد ذكره ابد الدهر وبذكره في زمرة الأعلام المبرزين في كل ألفنون. وقد عرفنا من لهجته في كتابه انه ينتمي إلى عنصر غير عربي أو انه عربي ولكنه قضى العقود الأولى من حياته في بلاد غير عربية فان أسلوب إنشائه دل على ذلك بدليل ميله الشديد إلى السجع في الإنشاء وتكليف نفسه فوق طاقتها فيأتي كلامه أحيانا معقدا تظهر عليه اثأر التكلف وهي خلة قل بين كتاب العرب من يميل أليها اللهم إلا ما جاء طبيعيا وأرسلته النفس إرسالا فذلك لا عيب إذ يجيء عفوا خالصا من كل شائبة تفسد معناه وتخل بجوهر الكلام. وجل ما وقفنا عليه من ترجمة هذا الرجل ما كتب على ظهر الكتاب حين وقفة وإليك نصه: الحمد لله الذي أوقف جناته على أوليائه وأكرمهم بمزيد نعمه آلائه والصلوة والسلام على سيدنا محمد صفوة أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأحبائه وبعد فقد أوقف هذا الكتاب المسمىبتحفة الجنانتأليف حياتي القاضي أفندي بمدينة بغداد دار السلام الوزير الأكرم والدستور المكرم. صاحب الخيرات والمبرات. والي بغداد
стр. 6309
والبصرة شهرزور حضرة داود باشا يسر الله له من الخير ما يحب ويرضى ويشل على مدارسته المسماة الداودية الواقعة في الجانب الشرقي من محلة الحيدر خانة من محلات بغداد دار السلام وقفاً صحيحاً شرعياً وحبساً مؤبداً مرعياً وشرط أن لايخرج من المدرسة المذكورة ولا يباع ولا يوهب ولا يرهن ولا يبدل فمن بدله بعد ما سمعه فإما أثمه على الذين يبدلونه أن الله سميع عليم وكان ذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية أهل يقع الكتاب في ٢. . صفحة في كل صفحة ١٧ سطراً وكل سطر مؤلف من نحو ١٦ كلمة وخطه بديع جداً كتب سنة ١٢٢٦ هـ١٨١١ م كما يفهم من كتابة في آخر النسخة وهي: لقد وقع ألفراغ من كتابة هذه النسخة يوم الاثنين لخمس عشرة خلت من رجب ألفرد على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى رحمة ربه الغني عبد الرحيم نجل الشيخ اسماعيل المولوي غفر الله له ولوالديه سنة ست وعشرين ومائتين وألف هو الظاهر أن الناسخ كان من مشاهير الخطاطين في عصره وأنه نسخ الكتاب على نسخة المؤلف لقرب عهده به ومعاصرته له ووجوده معه في حاضرة واحدة وهي بغداد وهو مؤلف من متن وشرح كلاهما للمؤلف وقد علمنا بعد أن أكثرنا من تصفحه أنه مشتمل على مقدمة ومقالتين وخاتمة أما المقدمة ففي حد علم التدريس وموضوعه وفائدته وغايته والمقالة الأولى فهي في أحوال التدريس وفيها سبعة فصول فالفصل الأول في بيان إقساء الدرس ذاتاً لا وصفاً وألفصل الثاني في بيان أقسام الدرس وصفاً والفصل الثالث في الأسباب أي أسباب التمام والوفاء والنقصان والفصل الرابع في الدوران أي دوران الدرس بين التمام والوفاء والفصل الخامس في الحذف والترك والفصل السادس في فن الدرس وما يناسبه ألفصل السابع في بيان ما للدرس من الشروط وأما المقالة الثانية ففيها موقفان الموقف الأول وفيه تسع فصول ألفصل الأول في بيان متن الدرس والفصل الثاني في بيان أصل الدرس والفصل الثالث في بيان شرح الدرس والفصل الرابع في فرع الدرس وهو ما يجري فيه من جزيئاته والفصل الخامس في كمال الدرس وهو تقرير النكت المعينة للمعنى المقصود والفصل السادس في فيض الدرس وهو تقرير النكت الغير معنية للمعنى المقصود والفصل السابع في زيادة الدرس والفصل الثامن في فصول الدرس وهو تقرير كلام أجنبي العبارة مطلقاً والفصل التاسع في ربط الدرس أما الموقف الثاني فهو فيما
стр. 6310
يناسب التقرير وفيه ثلاثة مطالب المطلب الأول في طريق التقرير والمطلب الثاني في أداء الدرس والمطلب الثالث في طريقة استخراج الدرس من غيره وأما الخاتمة فهي تشتمل على تحرير الأجراء وهذه آخر فصول الكتاب وقد افتتح المؤلف كتابه بعبارة بليغة لولا أن التسجيع يغلب عليها فاخل بمعانيها خللاً بيناً وهو أنه أهدى مصنفه إلى السلطان سليم خان الثالث بعد أن امتدح أعماله وصفاته في خطبة الكتاب وإليك نصها بالحرف قال الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم والصلوة والسلام على صاحب اللوح والقلم وعلى آله وصحبه الذين نطقوا بالمبادئ والحكم أما بعد فلما كانت الحكم العلية من بسط الوجود في البرية هي المعرفة والطاعة بحسب مرتب الوضع في البضاعة وكانت هذه فائدة الإرسال والإنزال وعليها دور الغدو والأصال فاستدعى تحقيقها تشعب علوم مدونة ليرى نقطة العلم المتكثر مبينة فالعلماء لتدوينها ملهمون وفي إحاطة مزاياها مستقصون إلى ترتيب قواعدها موفقون وأنها لكتب يشهدها المقربون فكأنهم لم يتركوا مما يطلبون إلا أنهم عن علم الأجراء ساكتون فعطفنا العنان إلى جمعه وتدوينه فلما وقفنا إليه بالعلف تكوينه هدانا فيه إلى متن متين ثم أرشدنا إلى شرحه المبين ولقد الهمنا في أثناء جمعه عرضه إلى حضرة السلطان الأعظم والخاقان المعظم مولى ملوك العرب والعجم وهاب جلائل العم والدقائق فياض سجال النوال على الخلائق ألفائز بالحكمة العلمية والعملية الجامع للرياستين الدينية والدنيوية
كسا به الله دهراً حلة نسجت ... بالعدل والقسط والأنصاف والهمم
سداؤه الشرع والإحسان لحمته ... طرازها من حرير اللطف والكرم
بابه كعبة الحاجات يطوي إليه من كل فج عميق وتستقبل إليه وجوه الآمال من كل بلد سحيق الباسط جرده فراش العنوان ألفائض لطفه زلال الأمان
وما قيل فيه غير أن ضيوفه ... تلام بنسيان الأحبة والوطن
رافع رايات الشرع القديم المتين خافض الكفرة والعجزة والمشركين
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... لهن فلول من قراع الكتائب
قاهر الأكاسرة والغفافرة مبيد ألفراعنة الجبابرة صاحب السلطنة العظمى ووارث الوكالة الكبرى
стр. 6311
فليخضع السادات دون سريره ... كخضوع وجه الأرض دون سمائه
وبالجملة لو شبهته بذي المحاسن كلها لما أصبت في الجميع دقها وجلها ولعمري أن لساني كليل في فضائله وفواضله ومعارفه وعواطفه ولطائفة:
لا يدرك الواصف المطري خصائصه ... وإن يكن سابقاً في كل ما وصفا
إلا وهو السلطان بن السلطان السلطان سليم خان الثالث بن السلطان مصطفى خان الثالث بن السلطان أحمد خان الثالث لا زال لواء مجده منشوراً وطالع سعده منصوراً حائزاً في سلطنته مكاناً وتمكيناً ومظهراً لقوله إن فتحنا لك فتحاً مبينا ومصدقاً لقوله وينصرك الله نصراً عزيزاً ومشمولاً بقوله والله يؤيد بنصره من يشاء:
من قال آمين أبقى الله مهجته ... فإن هذا دعاء يشمل البشرا
لكن نسبة هذه التحفة إلى بابه كرجل جرادة من نمل على بابه فو الله لم أتحف هذا إلا لكون الهدية عن قدر مهديها ولكون هذا وإن كان في ذاته شيئاً قليلاً لكنه لندرته بل لعدم أمثاله يكون لدى حضرته أمراً مقبولاً ولأن نقل علم بقي في القوة إلى الآن براعة استهلال ظهور ألفتوحات في هذا الزمان وبالجملة فكل ما هو عظيم بالذات والصفات فهو بالنظر إلى عتبته العلياء بضاعة مزجاة فتوسلنا إلى بابه حتى نتوصل إلى نيل آمالنا لدى أعتابه اللهم انصره نصراً عزيزاً وافتح له فتحاً قريباً واجعل بابه محط رحال الأفاضل وملاذ أرباب ألفضائل وعون الإسلام والمسلمين وغوث الأنام والمؤمنين وسلمه في كل حالة باسمه السلام وأعانه في مهام أموره بالإلهام وأسعده في الدارين كل الإسعاد وفسح في عمره بالنصر والإمداد ورحب أسلافه يوم المعاد وهو الموفق للسداد والرشاد أهو ومن هنا شرع في بيان مقدمة الكتاب إلى آخر فصوله ولو أردنا أن ستقصي كل ما جاء فيه من سديد الآراء والأفكار ومحاسن الأبحاث ونفائس الموضوعات لضاق بنا المجال ولكن يكفي للاستدلال على أنه ذخيرة نادرة من آثار السلف كون موشي بردها من أعظم قضاة الشرع في الزوراء وكون مقتنيها ذلك الرجل العظيم داود باشا كبير وزراء الدولة على عهده وكونه مهدى إلى ملك هو من أجل ملوك آل عثمان قدراً وارفعهم مقاماً واسماهم ذكراً نعني به السلطان سليم الثالث ولكي يقف القراء على درر محتوياته وجواهر مضامينه ومقالاته استخلصنا نبذة صغيرة من متن الكتاب تاركين الشرح خشية الإسهاب والأطناب وهو مثال
стр. 6312
من أمثلة جلالة قدر هذا السفرقال في حد الدرس والتدريس: انه علم تعرف به أحوال الدرس والتدريس إجمالا لتعصم مراعاته عن الخطأ فيه والدرس هو العبارة الصالحة للتدريس فيها من كتاب أو رسالة أو غيرها والتدريس ملكة يقتدر بها على تقرير ما فهم من العبارة مع القدرة على إنادة كل ما لها وما عليها ومن الجرح والتعديل وهو لا يتحقق إلا بعد الكمال العرفي بل الحقيقي فالدرس لا يصح إطلاقه إلا على من له وقوف تام على القواعد بشرا شرها مقتدراً على إجرائها في كل مجاريها إذا اهتم كما إن ألفقيه لا يصح إطلاقه إلا على من له ملكة الاستنباط في كل مسألة وإن الحكيم لا يقال إلا على من له إطلاق تام بحقائق الأشياء كافة بحسب الطاقة البشرية وبالجملة إن أهل كل فن من ألفنون المدونة لا يصح إطلاقه عليه حقيقة إلا إذا بلغ درجة لو عرض عليه أية مسألة وأية شبهة يقتدر أن يجيب عليها بجواب صحيح وكثيراً ما يطلق التدريس على التقرير مطلقاً. وقال في تعريف موضوع هذا العلم: الدري والتدريس المشاركان في الانتساب إلى الإفادة أو في التعقل لأنهما متضايقان على أن الدرس جزء من التدريس بل في جميع الأعراض الذاتية وذلك لأن ما يلحق الشيء لجزئه الأعم وإن كان عرضا غربياً عند الأقدمين إلا أنه عرض ذاتي عند الآخرين وأما أحوال التدريس فلمساواته التدريس في الوجود والغرض معرفة الأحوال الجزئية الإجمالية للدرس والتدريس وفائدته العصمة عن الخطأ في الأحوال الجزئية. وأفاض في فصل أقسام الدرس إذ قال: إن الدرس إما بسيط وهو ما لا خلاف فيه حقيقة أو حكما وأما مركباً وهو بخلافه وكل منهما إما (؟) فالبسيط منه ما يحتاج إلى تفكير مكرر كقول المتنبي:
ولو فلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتبه
والمركب ما يفتقر إلى تحرير محل النزاع كقول الأصوليين: التكليف بما لايطاق غير جائز عند النفية وقد يبلغ النكور إلى درجة الأجبار والأشكال كما سيجيء بيانهما وأما ميسور وهو ضد المنكور ثم إن المنكور إن ظهر المراد منه بعد إرادة ألفكر فهو معلوم كقوله:
ولو أن ما بي من جوي وصبابة ... على جمل لم يبقى في النار كافر
وكالألغاز والمعميات المقطوعة أسرارها كلغزي القلم ولغز العروة والذرة وكمعمى رحيم
стр. 6313
وإلا فإن قبل التوجيه الوجيه فمنكور موؤل كقوله:
عينان عينان لم يأخذهما رمد ... في كل عين من العينين نونان
نونان نونان لم يكتبهما قلم ... في كل نون من النونان عينان
وإلا فمنكور مجهول. وقال في أقسام الدرس من حيث الوصف: إن الدرس إما تام وهو العبارة الآخذة حقها ومستحقها وأما واف وهو العبارة الآخذة حقها وأما الناقص وهو العبارة الناقصة عن حقها وإن حق الدرس هو ما لا بد له من المنطوق وضعاً ودلالة واستعمالا ووقوفا ومن المفهوم المعتبر بل من القياس ومن الأدلة الأخرى عند قائلها وبهذا الأعتبار يوصف بأنه فصيح وبليغ وقوي ومفيد ونحو ذلك وإن ما مستحقه ما ذاد على الحق بعد وجوده وهذا إنما يحصل بكونه أفصح وأبلغ وأفيد وأقوى. ومشتملاً على ما يندفع به وما ترتفع الأسئلة وعلى الصنائع البديعية كالجناس والغز اللطيف فالمدرس إذا قرر الدرس مطلقاً على ما هو عليه فهو معدل وإذا قرر الوافي تاماً بزيادة مستحقة على حقه فهو مدبر وإذا قرر الناقص وافياً بزيادة حقه فقط أو بإبداله إليه فهو متم أو تاماً بالزيادتين أو الإبدال فهو محدد وإذا قرر التام والوافي كالناقص فإن كان مما يحذف ويفهم بالقرائن فهو معلق كما صدر من حذاق الأساتذة وإلا فهو مقصر كما وقع من القاصرين وكل هذه الأتماء على صيغة ألفاعل وإذا أطلق على المدرس يصير على أسم المفعول. ومن لطائف ما ذكره عرضاً من اختصاص بعض المشاهير قوله: قال السيوطي في تاريخ الخلفاء رأيت الحافظ الذهبي من كان فرد زمانه في فنه أبو بكر الصديق في الأنساب وعمر بن الخطاب في القيام بأمر الله وعثمان بن عفان في الحياء وعلي بن أبي طالب في القضاء وأبي بن كعب في القراءة وزيد بن ثابت في ألفرائض وأبو عبيدة بن الجراح في الإمامة وأبن عباس في التفسير وأبو ذر في صدق اللهجة وخالد بن الوليد في الشجاعة وحسن البصري في التذكير ووهب بن منبه في القصص وأبن سيرين في التعبير ونافع في القراءة والأداء وأبو حنيفة في ألفقه وأبو اسحق في المغازي ومقاتل في التأويل والكلبي في قصص القرآن والخليل في العروض وفضيل بن عياض في العبادة وسيبويه في النحو ومالك في العلم والشافعي في فقه الحديث وأبو عبيدة في الغريب وعلي بن المدني في العلل ويحيى بن معين في الزجال وأبو تمام في الشعر وأحمد أبن حنبل في السنة والبخاري في نقد الحديث والجنيد
стр. 6314
في التصوف ومحمد بن نصر المزوري في الاختلاف والجبائي في الاعتزال والأشعري في الكلام ومحمد بن ذكريا في الطب وأبو معشر في النجوم وأبو فرج الأصبهاني في المحاضرة وأبو القاسم الطبري العوالي وابن حزم في الظاهر وأبو الحسن البكري في الكذب والحريري في المقامات والمتنبي في ألفصاحة والموصلي في الغنا والصولي في الشطرنج والخطيب البغدادي في سرعة القراءة وعلي بن الهلال في الخط وعطا بن السليمي في الخوف والقاضي ألفاضل في الإنشاء والأصمعي في النوادر وأشعب في الطمع وابن سينا في الفلسفة. وقال في اختصاص الحيوان: صهيل الفرس. جوار البقرة. شجيج البغل. نهيق الحمار. رغاء البعير. حنس ألفيل. خوار الثور. بعار المعز. نبيب التيس. زئير الأسد. عواء الذئب. نباح الكلب. ضباع الثعلب. قباع الخنزير. ضغاء الهرة. ضحك القرد. بغام الظبي. ضغيب الأرنب. عرار النعام. صرصرة البازي. قعقعة الصقر. صفير النسر. هدير الحمام. سجع القمري. تغريد العندليب. صقاع الديك. قوقاء الدجاجة. ثؤاج الخروف. نقيق الضفدع. صريبر الجرادة. طنين الذباب. دوي النحل. نعيب الغراب. وقال في اختصاص ما سوي الحيوان: خرير الماء. بقبقو الجرة. نشنشة المقلى. هزيم الريح. هزير الرعد. عزيف الجن. حفيف الشجر. وسواس الحلي. جعجعة الرحى. صرير الباب والقلم. خفق النعل صليل السلاح. رنين القوس. اطيط المحمل. قلقلة القفل والمفتاح. وقد أسهب إسهابا غريباً عند كلامه على المباحث التي ذكرنا اشتمال الكتاب عليها مما يعجب المطالع ويلذ لكل من يود الإطلاع على براعة السلف في علم التدريس ورغبتهم إعلاء شانه ورفع منارة ووضع الأصول والقواعد له ليكون مبنياَ على أسس متينة وقواعد رصينة ويا حبذا لو استفزت الغيرة أفاضل العراق لطبع هذا السفر النافع فانه من اجل ما طبع وسيطبع من الكتب العربية ومما استوقف نظرنا ما جاء في خاتمة الكتاب قوله: وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين جرى ذلك في السبع الرابع أي يوم الأربعاء لأنه رابع الأسبوعوهو العشر الثالث أي اليوم الثالثمن الثلث الثالث أي العشر الآخر لان كل شهر يعتبر في ثلاث عشرات من السدس الخامس من النصف الثاني يعني يعتبر كل سنة عربية نصفين وكل نصف ستة أشهر فالسدس الخامس من النصف الثاني هو ذو القعدةمن العشر الثاني أي من السنة الثانية من القعدة يقال لكل من العشرين والثلاثين إلى التسعين عقد
стр. 6315
لاكن المراد منه هنا كل عشر من مائة ففي كل مائة عشر عشرات فيكون في كل مئة عشر عقود الثاني يعني العشرة الثانية وهي من احد عشر إلى عشرين من العشر الثالث وهي المائة الثالثة لان في ألف عشر مئات فكل منها عشر الألف من الألف الثاني وهو معلوم من الهجرة النبوية على آله أفضل التحيةقلنا ومعنا ما تقدم من هذه الألغاز انه فرغ من تصنيفه يوم الأربعاء في اليوم الثالث والعشرين من سنة بضع عشرة ومائتين وألف للهجرة النبوية وفي الكتاب غير هذه التعابير الغربية التي يحل ألغازها ويفسر غوامضها في الشرح وكل ما تقدم شواهد لا تحتمل النقد والتزييف تدل على فضل المؤلف وسعة علومه ومعارفه وانه إمام في هذا ألفن البديع غفر الله له
بغداد:
أ. ح العمر
стр. 6316
فوائد الحرب
مهما ارتقت المدينة ودعا دعاة الفلسفة فالحرب ما برحت العامل الرئيسي في أشغال المم. وبعيد أن يقال إن اكتشافات العلم تقلل الحروب بل من المحقق أنها بالمدينة أصبحت اشد فتكا وتدميراً. وإننا لو رجعنا إلى عهد كبار السفاحين عهد جنكيز وأنيلا لا نشهد في ساحات الوغى أرواحناً نزهق بقدر ما نرى في عصر الكهرباء والبخار. والقول بأبطال الحروب هو قول من يقول بأبطال الشيخوخة والموت من العالم. فان الجهاد بين الشعوب كان مصدر أهم الترقي ولا يرى كيف استطاع البشر الأول بدون حرب إن يخرج من دور التوحش ويؤسس هذه الممالك ألفخمة التي نشأت فيها ألفنون والعلوم والصناعات وبعد فأي حضارة كبرى لم تكن حربية بلحمتها وسداها؟ وأي شعب جنح إلى السلم والسكينة فكان له شأن في التاريخ غرس في فطرة الحيوان أن يأكل قويه الضعيف. لأجزم إن المدينة تقلل من هذه القاعدة ولكنها لا تستطيع أن تضعف النفرة المستحكمة بين العناصر الناشئة من اختلاف التركيب العقلي بينها وهي اختلافات تحمل كل عنصر يعيش عيشاً يخالف الآخر فيضطر أن يسلك مسلكاً يخالف غيره فيه وقد نشأ معظم التنازع بين البشر من هذا الاختلاف وكل حروب البشرية كحروب ألفتوح والحروب لتولي الزعامة والملك والحروب الدينية والحروب لإعلاء كلمة دين ومذهب كانت على الغالب حروباً عنصرية فقد كان الخلاف بين ألفرس والآشوريين وهو الذي نقل لأول مرة السلطة على العالم من أيدي الساميين إلى أيدي الآريين حرباً بين عنصرين وكذلك كان من أمر النزاع بين اليونان والآسياويين وبين الرومان والبرابرة وبين اليابان والروس بل أن الحروب الدينية في القرون الوسطى كانت حرباً عنصرية يريد فريق أن يفكر كما يريد ويريد الآخر أن ينحله نحلته ويقول بقوله ويخضع لسلطان الدين الجديد وما فيه من قيود عن مشخصاته أما اعتبار هذه الحروب حروب ملوك بعضهم مع بعض فليس من التحقيق في شيء فإن الملوك الذين لم تتجسد فيهم مرامي شعوبهم وأهوائهم وأحلامهم كانوا لا يلبثون على سرر الملك الأعشية أو ضحاها مهما تعددت صلات لأمم وحذت بعضها لغات الأخرى فاختلافهم في عقولهم ومناحيهم لا يزال على أتمة ولا سبيل إلى جمع الشمل بين عناصر متخلفة بالفطرة ولا التفاهم لأن كل واحد نظراً والمنازع متخلفة في مسائل كثيرة إذً فمهما وقفت المصلحة بين الشعوب فأرواحهم تباعد بينهم فبدلاً من أن يسيروا نحو أعظم يسيرون إلى
стр. 6317
نفور يزداد كل يوم تأصلاً ولهذه الكراهة عدة أسباب سياسية واجتماعية بعد أن تفاربت الأبعاد باختراع البخار والكهرباء أصبحت الأمم تستكثر من التسليح وتضع عقبات كمركية تقطع الاتصال بين المماليك وسيكون من أمرها بعد أن تطوق كل مملكة بطوق كسد الصين أن لا ترى الأمم هذا السد كافياً للحيلولة بينها وبين غيرها حتى لقد أخذت الحكومات حرة دستورية كانت أو مطلقة ألهية تقول بالابتعاد عن الأجانب فبعد أن أقرت أميركا كما أقرت أوستراليا على نفي الصينيين من بلادها أخذت تحظر دخول السفن الحاملة مهاجرين فقراء وحزب العملة في إنكلترا ينادي بطرد العملة من غير الإنكليز والحكومة الروسية عملت بإدارة العامة من شعبها وربما كانت هذه الإرادة أقوى من أي سلطة أعظم من القياصرة فقضت بطرد الإسرائيليين من المدن الكبرى والحكومة البروسية تطرد البولونيين والطليان الذين يعملون في سككها الحديدية وسويسرا بعد أن رفضت سنة ١٨٩٤ القانون القاضي بعد إعطاء عمل للعملة الأجانب أنشأت تطلب في تعهداتها مع المتعهدين للوازم الحربية أن لا يكون صناعها إلا من السويسريين وكذلك جرت فرنسا في عامة أحوالها كل هذا مما دل على القرن العشرين لم يقو على بث مبادئ الإخاء العام بين البشر وأنه لا سبيل إلى أحكام أواصره بين العناصر المختلفة إلا إذا جهل بعضهم ما عليه صاحبه فأنت إذا قربت بين الشعوب بتقريبك بين المسافات الشاسعة وسهلت ارتياد البلاد على كل مرتاد تحكم عليهم أن يعرفوا بعضهم معرفة تامة فينتج من ذلك أن يضيقوا ذرعاً أكثر من الأول عن تحمل بعضهم بعضاً ذلك لأن تزايد نفوذ الغريب في بلد هو من مقوضات حياة المماليك فالنفوذ الأجنبي يسلب من الأمم أعز ما عندها ونعني به روحها فإن الدخيل لما كثر في مملكة الرومان انحلت وتأذن الله بفنائها الأجنبي في بلاد غيره لايخضع لقانون التجنيد ويدفع أو قد لا يدفع قليلاً من الضرائب ويعمل عملاً أسهل بأجر أكثر مما في مسقط رأسه وتوارد الأجانب على مملكة يحاذر منه لأن العناصر المنحطة التي لا تقدر على القيام بأودها في بلاده هي التي تهاجر ومهما ذهب من الأنفس في ساحات الحروب لا يكون تأثير ذلك في الأمم بقدر ما يكون من غارة الغريب والدخيل على بلد ليس هو منها في العير ولا في النفير كان القدماء يخافون الغريب من فطرتهم ويعرفون حق المعرفة أن قيمة المماليك لا تقدر بعدد سكانها بل بعد الوطنيين فيها وكل دولة كانت ذريعة إلى السلم العام الدائم تقضي
стр. 6318
على كل ارتقاء وتعود بالناس إلى أقصى التوحش قال فوكويه إن ضمانة السلم تولد قبل أن يأتي نصف قرن فساداً وانحطاطاً افعل في تقويم دعائم الإنسانية من عوامل الحروب لا شك أن الحروب لا تخلو من محاذير وكثيراً ذات بال ولكن إذا قورنت بغيرها تبين الكفة الراجحة من الكفة الشائلة في الحروب محاذير ترد إلى أصول ثلاثة فقد المال وفقد الرجال ضعف العنصر ففقد المال لا شأن له إذ دلنا التاريخ أن الشعوب الكثيرة الغني كانت أبداً تضمحل أمام الشعوب الفقيرة وما أفقار أمة من المضر بها كل الضرر فقد قال الأخصائيون أن ألمانيا أنفقت حتى الآن كثيراً من المليارات للاحتفاظ بولايتي الألزاس واللورين وأن جميع أوروبا تفادي كل سنة بمليارات كثيرة في سبيل تسليح شعوبها ولا جدال في أن بعض الأمم ذاهبة نحو الإفلاس وعلاج هذا الداء فيها أن تحرض على العمل وتعلم الاقتصاد ويجب أن تعتبر هذه المبالغ المصروفة في سبيل التجنيد ضرباً من ضروب المكافأة الضامنة لمن يدفعها شر الغارة عليه فالأمة الأوروبية التي تبقى يوماً بدون جيش تضم حالاً إلى دولة قوية فتستضيفها وترهقها بما تضعه عليها الضرائب الباهظة وهي أشد من كل ضريبة تؤديها في سبيل التسليح ولذلك ترى الأمم تتنافس في إنفاق الملايين على جيوشها ريثما يضرب بعضها بعضاً بالقنابل والأصل الآخر الذي يحاذر منه في الحروب قلة الرجال وهذا ليس من العظم بالقدر الذي يحمل له خصوصاً عند الأمم التي يكثر توالدها فإن نابليون أضاع في حروبه ثلاثة ملايين من الأنفس ولكنه خلف مجداً لعنصره من فوائد الحروب أنها تؤلف روحاً وطنية وبالحروب فقط تتولد هذه الروح وتتأصل في جسم الأمة بدون روح وطنية يصعب أن تقوم لشعب مدنية وحضارة. فالروح الوطنية تقويها الحروب عند الظفر وتنمو قوتها كل النمو عند الانكسار. يقولون إن وقعة اينا كانت مصيبة على ألمانيا والحقيقة أنها لم تكن كذلك إذ بدون هذه المصيبة الموهومة كانت وحدة ألمانيا وقوتها تأخرت بضعة قرون وإنا إذا لم ننظر إلى الحوادث إلا باعتبار نتائجها البعيدة يسوغ لنا أن نقول إن وقعة أينا كانت وبالاً على فرنسا الظافرة إذ ذاك لا على ألمانيا المغلوبة في تلك الوقعة. نشأ من الحروب الأخيرة في أوروبا قانون التجنيد العام فإنه وإن أضر بالأمم الأوروبية من حيث الماديات ولكنه نفعها من وجوه ولولاه لانتشرت ألفوضى وسادت الاشتراكية وتقدمت جميع أبنية المدينة الحديثة. فإن الأسس الدينية القديمة التي
стр. 6319
كانت تقوم عليها المجتمعات الحديثة في الغرب قد خربت فلم تجد أوروبا شيئاً تستعيض به عنها. فالقانون العسكري كان المهيمن الذي لقن أهل الغرب قليلا من الصبر والثبات وأشرب قلوبهم فكر المفاداة وأورثهم الميل نحو الكمال موقنا وبه قضى على الأنانية والترف الذي يستولي على الشعوب فينهك قواها. ضريبة الخدمة العسكرية ثقيلة تذكر باشق إدوار العبودية القديمة ولكنها لا يتأتى لمجتمع القيم بدونها ومن زهد فيها أندغم من غيره أو أغارت عليه الأمم المتوحشة فلا يجد إلى دفعها سبيلا. قال السير مولتكه في مفكراته: لا يخضع الشبان إلا زمنا قصيراً في الجملة لنفوذ المدرسة النافع ومن حسن الحظ عندنا معاشر الألمان أن التربية الحقيقية تبدأ حالما تنتهي التربية الشخصية وما من أمة أحرز مجموعها تربية تشبه تربيتنا التي جاءتنا من طريق الخدمة العسكرية. قالوا إن معلم المدرسة هو الذي كتب النصر لأعلامنا ولكن العلم وحده لا يكفي في تربية الإنسان والأخذ بيده إلى مستوى من الأخلاق يستعد به لأهراق دمه في سبيل تأييد فكر والقيام بواجب وفي طريق الشرف والوطن وغلى هذا كله ترمي تربية الإنسان. فليس معلم المدرسة هو سبب النصر بل السبب هو المربي الحقيقي: الحكومة العسكرية هي التي انتصرت فربت في الناس مدة ستة عشر سنة متوالية القوة الجسدية والعقلية وعلمتهم النظام والتدقيق والاستقامة والخضوع وحب الوطن. إن نفع القانون العسكري لا يقتصر على تعليم الأمم الشمم والإهابة بأخلاقها إلى السمو بل إليه يرجع ألفضل في النجاح العظيم الذي أحرزته الصناعة الحديثة ولا سيما في أعمال المعادن وذلك لأن البحث الذي وقع لأستجادة السلاح قد كان من إثره إدخال الصناعة في طور علمي دقيق وفي سرعة لم تكن تعرف منذ خمسين سنة على نحو ما كانت الضرورات الحربية مؤدية إلى انتشار الخطوط الحديدية فكانت الأصل في معظم الكمال الذي بلغته الملاحة في البحر. فالحروب والخوف منها هي من أقوى العوامل الأخلاقية والمادية في الشعوب ومن الأفكار العسكرية يتألف أخر عماد بدعم المجتمعات الحديثة وبذلك كان على الشعوب التي لم ترض عن الجندية أن تعترف لها بالجميل. وعلينا ألا نشكو كثيراً من النفرة المتبادلة بين الشعوب إذ بدونها يزول كل خشية ممن الحرب وبذلك تضمحل المدنية فتغدو رباعها بلقعاً. مثال الأمم التي اضر بها السلام أهل الهند فإنهم يعيشون منذ زهاء قرن في سلام دائم وبلادهم أوسع البلاد
стр. 6320
وأكثرها سكاناً حتى قدرت الزيادة فيهم مدة عشرين سنة بأكثر من ثلاثين مليوناً ويسكن الكيلو متر الواحد من الناس في الأرض القابلة للسكن ضعفاً ما يسكن في الممالك المتمدنة في أوروبا ومع هذا نشأت خطوب كثيرة منها مجاعات ذهبت بأرواح مئات الألوف من السكان في أدوار متعددة فلم تنفع السكك الحديدية والأسلاك البرقية وهلك في ولاية أوريسا وحدها سنة ١٨٦٦ من الجوع فقط مليون إنسان كما هلك ١٢. . . . . سنة ١٨٦٨ في إقليم بنجاب وفي سنة ١٨٧٤ هلك مليون وربع من الهنود في مملكة الدكن. فهل كانت الحروب تحصد أكثر من هذا القدر من الناس وهلا كان الهلاك في الحرب أشرف وأعظم في حسن الأحدوثة؟ وبعد فإن خير الطرق لإعداد النفوس إلى ما عساه يطرأ على الأمم هو أن تبث فيها روح وعواطف يقال لمجموعها ألفكرة الجندية وهذا هو أقوى دعامة في الجيش وبدونه لا أمل لشعب في إحراز مظهر في الوجود بل يشبه حملاً ضعيفاً ليس له حول ولا طول. من أجل هذا وجب على كل من يحب وطنه أن يربي أولاده تربية جندية ويبث هذه الروح في الجنود الذين لم تمكنهم أحوالهم فيما مضى من تلقف هذه الروح حتى لا يكون حال الأمة التي تطالب بالسلام حال البيزنطيين في الأستانة أيم جاءها محمد ألفاتح يتجادلون في المسائل اللاهوتية وألفاتح يحط رحاله في أسوار القسطنطينية. يتوقف الانتصار في الحروب على معنويات الجيوش لا على كثرة عددها فهي التي تغلب وتقطف ثمرات الحرب الأخيرة. وقد أفادتنا الحرب العامة أن دول الاتحاد (ألمانيا والنمسا والمجر والعثمانية) اقل جنداً ونفوساً من الاتفاقيين (روسيا وإنكلترا وفرنسا وإيطاليا والبلجيك والبرتغال والصرب الجبل الأسود واليابان) ومع هذا رأينا الغلبة للاتحاديين على الوفاقيين وعلمتنا أمن لاتحاد ألفكر بين القواد والضباط العامل الأقوى في الغلبة فأحلافنا لم يختلفوا ساعة على المصلحة على حين ترى أعداءنا كل يوم في شأن من أجل القيادة والمحور الذي يدور عليه العمل للوصول إلى الغاية. هذا بعض ما تجر الحروب من ألفوائد التي أقرها علماء الاجتماع وأيدتها الشواهد التاريخية الكثيرة فإن الصين على كثرة عددها ونفوسها لا تقل عن أربعمائة مليون لما تغلبت عليها فلسفة السلم وأخلدت إلى الراحة تنقصها الأمم الغربية من أطرافها ويابان التي لا نبلغ بعدد نفوسه سدسها ضربت روسيا التي هي ثلاثة أضعافها ضربة أفقدتها منذ سنين خمسها فضربت بهذه الضربة جميع ممالك
стр. 6321
أوروبا وأمريكا عن الطمع في بلادها وأصبحت يابان إذا ذكرت طأطأت لها الجباه إجلالا وأصبح الغربيين يتفاخرون في الأخذ عن مدنيتها والهند لما نزعت منها الأخلاق الحربية رئمت للمذلة وخضعت لسلطان القوة فأصبح أهلها وهم خمس الأرض بعددهم لا يساوون الهولنديون وهم ثلاثة ملايين فكأن مائة مليون هندي أقل مكانة من مليون هولندي.
стр. 6322
الحرب والتاريخ
نشر المسيو هنري ماركزالي من أساتذة كلية بودابست مبحثاً في الحرب العامة في نظر التاريخ في مجلة التي تصدر بالفرنسية قال بها ما نعر به بما يأتي: قال القائد كلوزفيتز أحد أساتذة فن الحرب الحديث: الحرب هي السياسة بالسلاح. ونحن هنا نبحث في سياسة الممالك المتحاربة إلى يوم نشوب الحرب ونبين ما بين الأمم المختلفة من المصالح والأهواء التي دعت إلى هذه الحرب وأطالت مدتها. وقد رأينا الجماعات هذه المرة قد قضت بالحرب لا الأفراد مهما بلغ سلطانهم وعظمتهم. وبعد فلا يخفى أن الحرب نشبت رغم إرادة القيصر أكبر ملك يدعي أن سلطته من الله ولقد تنبأ مولتكه بأن الأمم هي التي ترغب بالحرب لا الوزارات وما حدث فإنه نتيجة نشوء تاريخي وسلسلة كوائن وأول هذه الحوادث حرب فرنسا وألمانيا سنة١٨٧. - ١٨٧١وهي الحرب التي أضاعت فيها فرنسا ولايتي الألزاس واللورين اللتين كانت افتتحتهما بالسيف وقلبت كيانيهما وفرنست سكانهما ودفعت فرنسا فوق ذلك غرامة باهظة ولم تعد أول مملكة أوروبية كما كانت وظل جرحها دامياً وما برحت العداوة الفرنسية الألمانية العامل الدائم في الحالة الأوروبية. وقد حاول الألمان أن يسلو تلك السخائم والعداوات من صدور لفرنسيس وحاول أناس من رجال السياسة ومن أشهرهم غامبتا ألفرنساوي أن يعيدوا الألفة بين الشعبين ولكن أخفقت جميع مساعيهم لأن أبرة هذا الانتقام ظلت متأصلة في الجرح. خرجت روسيا بعد الحرب ألفرنساوية الألمانية من قيود الاحتياط التي علمتها إياها حرب القويم ولم تبصر أمامها أوروبا كما كانت حالها من قبل وأخذت تحمي الدولة العثمانية وكانت هذه ضعفت وأختل نظامها على عهد السلطان عبد العزيز وأعلنت روسيا أنها لا تعترف بمعاهدة باريز (١٨٥٦) التي كانت تحظر عليها أن تنشأ أسطول حربي في البحر الأسود وعادت تبعث آمالها القديمة من مرقدها لامتلاك المضيقين والعبث بالأملاك العثمانية وكانت إنكلترا والنمسا والمجر في مؤتمر لندر تقاومان هذه الدعوى وحدهما ولئن وصف الملك غليوم عمل القيصر بأنه الضربة القاضية فلأن المحالفة الروسية كانت أساس السياسة البروسية فأخذت بروسيا تنشأ أسطولا بحرياً في البحر الأسود ثم جددت هممها وتوسعت في ميولها لتقوية دعائم المملكة العثمانية واستعملت لذلك طريقتين فكان الكونت أغناتيف سفير روسيا يسيطر على السلطان الذي كان يبدي ضعفا وقلة خبرة ويوهمه بأنه هو الصديق الحقيقي له
стр. 6323
ولسلطانه وأنه وحده يحول دون أوروبا وما تشتهيه من وضع حد لسلطة السلاطين المطلقة بمحاولتهم إدخال الإصلاحات على المملكة العثمانية ولطالما قدم هذا السفير المال إلى السلطان والمقربين منه. وهكذا كانت تعمل روسيا الرسمية ولكنها كانت من جهة أخرى توقد جذوة الاضطراب وتدس الدسائس في جميع الولايات العثمانية. فكانت أموال الروس ونفوذهم تشتغل في بلغاريا والبوسنة وألبانيا والجبل الأسود والصرب ورومانيا. وإذا أيقنت روسيا الرسمية أن طريق الأستانة يمر من فينا وبودابست صرفت وكدها كلها لتقلب رأساً على عقب بوكوفينا وغالسيا وبوهيميا وهنغاريا روسيا. وكانت تجاهر بأن غايتها الوحيدة تحرير جميع الشعوب الصقلبية وضم شملهم تحت سلطان روسيا الأكبر وتدير هذه الحركة جمعية الاتحاد السلافي في موسكو وهي وإن لم تكن رسمية ولكن كان بعضدها الغراندوقات والقواد ولما تخمرت الثورة وبلغت روسيا الغية من انتفاض البوسنة والهرمك وإلقاء الاضطراب في بلغاريا ثم فرغت الصرب والجبل السود إلى حمل السلاح دخلت روسيا إلى ذاك الميدان علناً وكانت من السرعة في العمل بحيث قام الوطنيون من العثمانيين وأنزلوا عبد العزيز عن عرشه لاعتقادهم بوخامة الحالة ولم تنل الصرب من روسيا معاونة مالية فقط بل بعثت إليها بالمتطوعة وحاولوا دون العثمانية وزحفها ظافرة على بلغراد. ولم تتدخل إمبراطورية النمسا والمجر في الأمر وحالت عداوة غلاوستون للعثمانية دون إنكلترا وعمل شيء وفتحت رومانيا طريقاً للجيش الروسي طوعاً أو كرهاً وعضدت روسيا في حملة ١٨٧٧_٧٨ التي انتهت بهزيمة العثمانيين فأملى الجيش الروسي شروط الصلح على أبواب الأستانة في سان ستيفانو وأنتجت هذه الحرب تأسيس مملكة بلغاريا الكبرى وتوسيع أملاك مملكتي الجبل الأسود واليونان ولم تحظ الصرب وكانت متعلقة بأهداب النمسا والمجر بقسم كبير من هذه الغيمة وكانت رومانيا أعلنت استقلالها من قبل. وإذ كانت هذه الممالك بنات روسيا وهي القائمة على نموها واتساع رقاعها أصبح من الأمور الطبيعية إن تكون أدوات لسياسة الاتحاد السلافي. أما رومانيا واليونان فانهنا وان لم تكونا صقالبة من حيث العنصر فقد انضمتا إلى لواء القيصر بجامعة الدين الواحد. حالت إنكلترا والنمسا والمجر دون تحقيق هذا الحلم الذي طالما حلم به أهله فحدد مؤتمر برلين (من١٣حزيران إلى ١٢تموز١٨٧٨) تخوم بلغاريا وأقترح مندوب
стр. 6324
الإنكليز أن تفوض للنمسا والمجر إدارة مقاطعتي البوسنة والهرسك واحتلال بكي بإزار. وحازت روسيا أملاكاً في أوروبا فاستضفت من حليفتها. رومانيا مقاطعة بسارابيا شمالي مصاب نهر الطونة وروسيا نفسها هي التي قدمت البوسنة للنمسا والمجر ولولا ذلك لخال جيش هذه دون دخول الروس إلى الروم أيلي. وقد عمل بسمارك في مؤتمر برلين عمل السمسار الشريف بيد أ، توسطه لم يقنع روسيا المعتادة أن تجد لبناً أكثر عند الحكومة البروسية. فأخفقت المشاريع السلافية وأصبح قواد الروس منذ ذاك العهد ينظرون إلى ألمانيا نظر الخصم الحقيقي وأخذوا يبصرون أن طريق الأستانة يمر ببرلين. دلت التجارب أن روسيا الرسمية المالية لم تعد تستطيع أن تقاوم الجامعة السلافية كثيراً واضطر بسمارك أن يعقد مع النمسا والمجر محألفة كانت تعد موادها منذ زمن طويل على الشروط التي وضعها الوزير اندراسي. وهذه المحالفة تنظر خاصة إلى السياسة العدائية التي سارت عليها روسيا وقد حياها سلسبوري باسم إنكلترا بعين الاستحسان هذه المحالفة التي كانت المفردة في أوروبا فأصبحت روسيا بمعزل وما كان لفرنسا إذ ذاك سوى ميل من الحزب غير الراديكالي الإيطالي عندما وضعت فرنسا يدها على تونس (١٨٨١ - ٨٣) وهكذا تألفت المحالفة الثلاثية التي قامت مقام تحالف الأمبراطورة الثلاثية الموجود سنة١٨٧٣وكانت أواخيها قد انحلت انحلالاً كبيراً فتحققت أمنية بسمارك في ضمان السلم لمملكة ألمانيا والمحافظة على المكانة التي بلغتها بحروب شعواء وما كان يفكر إلا في توسيع روابط تلك المحالفة وإن يدخل فيها ما أمكن من الممالك حتى بلغت بها الحال بعقد عهدة مع روسيا. هذا والمملكة العثمانية تسير في طريق التجزؤ فاحتلت انكلتراسنة١٨٨٢معترفة بسيادة الباب العالي عليها وعلى قبرص وذلك بأن تؤدي إليه الجزية وتحتفظ بالإرادة الخدبوية وفي سنة ١٨٨٥أعلن الروم أيلي الشرقي وكان انفصل عن بلغاريا في مؤتمر برلين انضمامه إلى هذه الأمارة وأصبحت الثورة دائمة في كريت إذ كان عمل روسيا محسوساً في كل هذه الشؤون ولا سيما في إسقاط الشجاع ألكسندر دي باتنبرغ من على عرشه على صورة وحشية لم تجوز النمسا والمجران أن تصبح شبه جزيرة البلقان تحت نفوذ روسيا ولذا كادت الحرب تنشب من أجل ذلك نحو أواخر سنة ١٨٨أنبعث فالنوكي إذ ذاك بلاغاً إلى بطرسبرج فاضطرت روسيا إلى الإذعان وفي ذلك
стр. 6325
التاريخ نشرت عهدة التحالف المعقود بين ألمانيا والنمسا والمجر (٧شباط١٨٨٧) وألقى بسمارك خطابه المشهور ضد روسيا الذي قال في ختامه نحن الألمان نخاف الله ولا نخاف سواه فاضطرت روسيا أن تحجم مرة أخرى عما تريد وذلك لأن حركة العدميين () كانت تهدد اليوم بعد اليوم حياة القيصر وأدوات ظلمه ومع هذا لم ترجع عما عقدت العزم عليه وانجلت المحالفة المقدسة بين ممالك الشمال الشرقي انحلالاً أبدياً وكان امتلاك الأستانة على الدوام تفاحة النزاع على نحو ما كانت عليه الحال في أوائل القرن عندما أريد إن يعرف من يكون صاحب المضايق فانحلت بذلك معاهدة نابليون واسكندر الأول إن روسيا لا تحلم باحتلال القسطنطينية مدفوعة إلى ذلك بعوامل تقاليدها القديمة بل إن مصالحها التجارية والسياسية تسوقها إلى الاستيلاء على عاصمة البيزنطيين لأن هذه العاصمة تستطيع أن تسد الطريق على سفنها الحربية كل حين وتحول دونها دون ما تشتهيه من نقل حبوبها إلى مرائي البحر المتوسط وهي أحسن وأقدم المصارف لتجارتها بقيت فرنسا وحدها فأصح من الطبيعي تحالفها مع روسيا وكان الاعتقاد الراسخ منذ سنة١٨٧٥أن تدخل روسيا هو الذي أنقذ فرنسا من غارة الألمان ثانية عليها ليفصدوا فرنسا فصدة تصفي دمها. فعقدت المحالفة بين فرنسا وروسيا سنة١٨٩٣ ووقعت هذه المحالفة الثنائية أمام المحالفة الثلاثية وأخذت أموال لفرنسيس لتسرب إلى روسيا التي لم تتعب من الأفراض (١٥مليار فرنك في٢. سنة) وبذلك تبين أن الموازنة الأوروبية عادت فاستقامت. ولما تخلى عن الدولة العلية حاميها القديم وجهت وجهها بالطبيعة نحو المحالفة الثلاثية واستدل على هذا الانقلاب بسياحة الإمبراطور غليوم إلى الأستانة وفلسطين١٨٩٨ونالت الصناعة الألمانية والأموال الألمانية امتياز السكك الحديدية في آسيا الصغرى وبين النهرين وهي مشاريع تبشر بمستقبل زاهر. وحاربت العثمانية اليونان حرباً خرجت منها ظافرة. لا جرم إن الخوف كان مستوليا على مكدونية فكانت عصابات يونانية وبلغارية تعد للمستقبل عدته ولكن أتفاق حكومتي فينا وبطر سبرج بشأن إدخال الإصلاحات كان ضماناً للحالة الحاضرة ولبقاء الحكم العثماني عليها (١٨٩٧) ولم يجر الوفاق بين النمسا والمجر وبين روسيا على قاعدة التساوي وكان من الحزب الروسي في بلغاريا أن استلم زمام الحكم فيها بعد مقتل ستامبو لوف١٨٩٥وعلى العكس في الصرب المدينة لساستنا بتوسيع بلادها سنة١٨٧٨
стр. 6326
ولبقاء استقلالها مصونا من عبث البلغار سنة١٨٨٥فإن سلالة اوبرنوفيتش قد علقت بقائها ومستقبلها على طالع بلادنا. ومقتل ملك الصرب الذي كان داعيا إلى صعود أسرة قره جبورجو فيتش على عرش صربيا الملوث بالدماء لم يكن فيه سقوط بيت ملوكي فقط بل تداعى معه النفوذ النمساوي في البلقان١٩. ٣وعلى العهد الأخير وعقبت اتفاقنا مع روسيا اضطررنا إلى التخلي مركزنا فأصبحت بلغراد للحال بؤرة اضطرا بات مفرطة لا تطمح إلى الاستيلاء على مكدونيا فقط بل لتطال إلى مقاطعتي البوسنة وسلا فونيا فعادت الحال إلى ما كانت عليه قبل سنة١٨٧٦وأصبحت الدولة العثمانية وسلطة إمبراطورية النمسا والمجر في خطر من جديد. النسر ذو الرأسين هو الرمز الحقيقي لروسيا فإنها ليست ذات سياستين إحداها رسمية والأخرى سرية بل إن لهذه السياسة الأخيرة: الغرب والشرق. عندما تقف في وجه روسيا عقبات مهمة في الغرب تنقلب إلى آسيا ومتى صادفت هنا مشاكل نعود فنبحث عما تعوضه في أوروبا. فروسيا لا تعرف لا توقفاً ولا راحة. لما أخذت روسيا بعد حرب القريم تجمع شملها كما قال السياسي غور تشا كوف استولت على إقليم الأمور منتزعة إياه من يد الصين ثم افتتحت بلاد خانات آسيا الوسطى مثل بخارى وخو قنذوخيوه وكان من أمر وفاق سنة١٨٩٧الذي وقعت عليه وحظر عليها العمل في البلقان علنا لما فيه مصلحة سياستها إن وجهت وجهتها نحو الصين الآخذة بالانحلال فاحتلت بلاد منشور وألقت نظرها إلى كوريا طامعة أن تكون دولة بحرية في المحيط الباسيفيكي إذ لم تستطع أن تكون كذلك في أوروبا ولكن هذه الأحلام جرتها إلى عراك مع اليابان وهذه كانت قد تجددت حياتها الداخلية فزادت قوتها وكان من حربها مع الصين وخروج اليابان ظافرة سنة١٨٩٤أن تنبه في هذه الدولة الغالبة الشعور فخرجت اليابان منصورة في البر وفي البحر في حرب سنة ١٩. ٤ - ٥ وفقدت روسيا بوراثور وكان من أمر كوريا أن احتلتها اليابان فاضطرت روسيا أ، تتخلى مؤقتاً عن أمانيها في آسيا الصغرى وحالت الثورات التي نجمت بشدة سنة١٩. ٥ - ٦ دونها ودون السياسة الأوروبية ولو كان للمحالفة الثلاثية خلق اعتداء وأطماع في فتح بلاد لتيسر لها في ذلك الحين أن تغتنم ألفرصة لأضعاف مملكة القياصرة زمناً طويلاً. وكانت اليابان في هذه الحرب نصيرة إنكلترا التي كانت مربوطة معها على ما علم بمعاهدة لا يزال حكمها ساريا
стр. 6327
وبتحريض الإمبراطور غيليوم الثاني دخلت روسيا في الحرب لتقضي على الخطر الأصفر فإن ألمانيا كانت تحاذر أبداً من جارتها في الشرق ومن اتحادها مع فرنسا فرافها اشتعال روسيا في الشرق ونظرت إليه بعين الرضا وهذا مما ينافي مصلحة إنكلترا. وكانت مشاكل هذه المصانع الحيوية منذ عهد نابليون تتقاذف القرن التسع عشر بجملته ويرجع ألفضل إلى فمبري العالم المجري الشهور في إنارة الرأي العام الإنكليزي في معنى النتائج المضرة على إنكلترا التي تحدث من التقدم الروسي وقد أدركت إنكلترا منذ ذلك العهد بأن اتساع مستعمراتها وتباين أفكارها امتداد تجارتها والمحافظة على مصارف صناعتها وطرق مواصلاتها تقتضيها مشاق تزيد اليوم عن الآخر. وصرح المركيز سلسبوري البوزير الإنكليزي في إحدى خطبه بما يجب على بريطانيا العظمى من الاستسلام للقضاء بلسان الحزن أمام ما يعترضها من أصعاب التي تكاد لا تذلل لحل هذه الإشكال. فمن ثم رأت إنكلترا بعين الرضا المحالفة الثلاثية تقيد الأطماع الروسية عن الانبعاث في أوروبا وكذلك تفعل اليابان في آسيا. وبديهي أن الأملاك البريطانية في آسيا هي أثمن في نظرها من الدولة العثمانية والمضايق وهي ترجح أيضاً أن تشفي روسيا أطماعها التي لا ينتهي في أوروبا بدلاً من أن تعبث بإمبراطورية الهند ومصارف الصين. عرف هذا فخطر لرجال السياسة الإنكليزية أن يشغلو روسيا في أوروبا ليخلو لهم الجو ويمتعوا بنعمة السلام في آسيا. ومن ألقى نظره على التاريخ يرى أن السياسة الإنكليزية ذات وجهين تشبه السياسة الروسية تقريباً فإن اختلاف الأحزاب في بريطانيا في مسائل السياسة الخارجية تحدث بينهم اختلافا كبيراً كالانحراف الشاهد في بطرسبرج بين روسيا الرسمية وغير الرسمية فحزب المحافظين من الإنكليز الذي تشبع بما دار من العراك القديم مع فرنسا يبحث أحيانا أن يكون من حزب الحكومات الألمانيا ومن قواعدهم ومن قواعدهم إجمالاً أن يكونو على صلات حسنة مع بلاط فينا ويحافظوا على الدولة العلية وفي بعض الأحوال عندما كانت الأستانة تهدد والقوى الروسية تقترب من الهند كان الأحرار يعضدون سياسة الاستعمار ولكن تقاليدهم السياسية تختلف اختلافا محسوساً. وقد ورد في كتاب مفاوضات هوراس والبول إن كاتربنا الثانية أوصت في سنة١٧٩٢على تمثال فوكس زعيم حزب الأحرار المعارض الإنكليزي في عهده لأنه قاوم نشوب الحرب بين الشعبين العظيمين روسيا
стр. 6328
والإنكليز فكانت القيصرة تحارب إذ ذلك الدولة العثمانية التي كان يدافع عنها ببت الإنكليزي وطلبت كاترينا حصن أوتشا كوف والصقع الواقع بين نهري بوج ودنيستر أعدت الحكومة الإنكليزية عدتها لتبعث إلى بحر روسيا بأسطول من قبلها ولكن المعارضين صرخوا بأعلى أصواتهم أن هذه السهول لا توازي المبالغ التي تقتضيها الحرب وتكلم المعارضين بلسان الصناعة والتجارة الإنكليزية وما ينالهما من ألفتور بحيث اضطر ببت أن يتخلى عن دعواه أما كاتربنا فظلت تفتح فتوحها بتؤدة. ومثل ذلك حدث في الحروب العثمانية الروسية ١٨٦٧ - ٧٨ وكانت وزارة ديزرانيللي إذ ذاك تميل إلى العثمانيين وتقترح عقد محالفة مع بلاط فينا وعلى العكس في وزارة غلادستون التي كانت بسبب المذابح البلغارية تحمل الحملات المنكرة على العثمانية وتطالب بإخلاء النمساويين للبوسنة ولما استلم أزمة السياسة في بلاده لم يلق للعثمانية بالاً وكان من عمله احتلال مصر وقد أبانت تقاليد حزب الأحرار كيف أن هذا السياسي العظيم قد اسغوته عقلية نوفيكوف بلطفها على أيسر وجه بيد أن تقاليد حزب الأحرار لم تمكن إنكلترا من تجاوز حدها والانضمام إلى المحالفة الثنائية ولولا أنم حدث تبدل كبير في أوروبا ما استطاعت أن تلوي وجهها عن حليفاتها القديمات وتضع يدها في يد عدوتيها منذ الزمن الأطول: فرنسا وروسيا. وما دعت إلى هذا التبدل حوادث تاريخية بل كوائن النشوء والأريقاء وهو ارتقاء ألمانيا الخارق للمادة فإن ألمانيا بعد حرب فرنسا ظهرت في مظهر لا مثيل له في التاريخ إذا اعتبرت مملكة قوية الشكيمة في داخليتها ومعروفة بأنها أول دولة حربية في القارة الأوروبية تنصرف إلى عمل سلمي ولا تسئ استعمال قوتها لتخضع إليها شعوباً أخرى ولم يكن بسمارك يعني بغير تنظيم داخلية ألمانيا وما كان يعقده من المخالفات لا غاية له إلا تمكن بلاده من أن تعمل في ظل السلام في تنظيم داخليتها وكان هذا العمل مضاعفا وذلك لأنه يقتضي له من جهة أن يسكن ما أمكن الجدالات المذهبية والاجتماعية ومن جهة أخرى أن ينشط الأعمال الألمانية ويثمرها وهذه الأعمال نتيجة العلم العملي. فسكنت الجدالات الذهبية بعدما ثار ثائر الجهاد على الكثلكة واستطاع الكاثوليك في ألمانيا أن يشاركوا في العموميات البرتستانت جنبا إلى جنب. اقتضت الحال للرضاء العملة أن توضع نقطة من الزيت الاجتماعي في الآلات الحكومية (١٨٨١) وبمعاونة حزب السوسياليست الديمقراطي
стр. 6329
أحدثت على التدريج طريقة تامة لضمانة أحوال العملة وكان من نتائج الاقتصاد الألماني والعمل الألماني جمع رؤوس الأموال الكبرى. فالعلم الألماني مطبقاً على الصناعة رفع البلاد فوق درجة منافسيها من حيث إنشاء الأسلحة وجعل العالم أجمع عالة على معاملها الكيماوية وعلى تلك النسبة أرتقت التجارة الألمانية فشركات الملاحة في بريم وهامبورك كانت تنافس الشركات الإنكليزية الفرنسية في الصين وأميركا الجنوبية بل وفي الهند وهذه الشركات كانت تطمح إلى امتلاك المستعمرات فامتلكت أراضي أهملت الدول الأوروبية احتلالها مثل مستعمرات افريقية الشرقية والغربية غينا الجيدة (١٨٨٤) وقد استلمت الحكومة الألمانية بعد هذه الأملاك. من أقوال اللورد بيكو نسفيلد المشهورة وهو ما نقله عن المؤرخ الروماني إن عظمة إنكلترا تقوم في الجميع بين النقيضين: إمبراطورية والحرية أما نحن فنرى أن الصفات الرئيسية في ألمانيا الحديثة قائمة أيضاً في أحكام العلا بين نقيضين: بين السلطة ونظام الجيش والإدارة بين الحرية في ألفكر والحرية في العلم. كان من بسمارك أن دخل في اعتدال زائد بل بشيء من الخوف في ميدان السياسة الاستعمارية وإنشاء أسطول حربي لأنه كان في عدة مسائل يذهب مذهب تقاليد بروسيا القديمة فكان الألمان يحاذرون من حقد لفرنسيس وعداوة الروس ولا يريدون أن ينبهوا حسد إنكلترا بيد أن الجبل الذي نشأ منذ الحرب الكبرى أصبحت له أطماع أعلى من ذلك لأنه أيقن أن فرنسا قد سحقت وروسيا مابرحت غامرة من حيث أن إنكلترا هي الخصم الممكن للأمة الألمانية التي دعيت لتكون دولة العالم بغناها وقوتها المعنوية وكان رأي الإمبراطور غيليوم كذلك من سنة ١٨٨٨وعلى عهده وبمساعيه بدأت ألمانية تصبح دولة بحرية عظمى وارتقاء البحرية الحربية هو عمله بالذات عقدت عقدة الاتفاق الأولى مع إنكلترا فبعد مفاوضات مع سلسبوري وقع الاتفاق في حزيران ١٨٩. ان تكون لإنكلترا السلطة على زنجبار وتترك ذلك لألمانيا جزيرة هليكولاند وبهذه الصورة انتقل إلى المملكة الألمانية هذا الحصن الطبيعي في بحر الشمال. وكانت إنكلترا استولت عليها خلال حروب نابليون وخلص الأسطول الألماني من مراقبة خطرة في جواره مباشرة وقد أثبتت الحرب الحالية مكانة تخلي إنكلترا عن هذه الجزيرة لألمانية وتبين لماذا لا يغفر الإنكليز هذا العمل لرجال سياستهم ولم تنشأ العداوة الحقيقية بين الألمان والإنكليز إلا في حرب البوير فان
стр. 6330
الإمبراطور غيليوم أرسل إلى الرئيس كر وجر برقية تهنئة بعد أن غلب الإنكليز في فرضة جامسون فأحدث ذلك سخطا شديدا في إنكلترا لان الإمبراطور هو حفيد الملكة فيكتوريا وكان ولاة الأمر في ألمانيا والرأي العام منحازين خلال حرب البوير إلى هذا الشعب الصغير الذي كان مستبسلا في سبيل الدفاع عن استقلاله انعزلت إنكلترا عن السياسة الأوروبية منذ سنة ١٨٧٨فلم تعد في جملة محالفة من محالفة من محالفاتها وكان سلسبوري يدعو هذه الحالة العزلة الرائقة بيد أن حرب البوير وعواطف الكراهة التي نالتها السياسة الإنكليزية في كل صقع وناد عدا النمسا أبانت لها أن هذه العزلة ليس فيها ما يشوق ويروق وكان. اسطول ألمانيا الحربي بزيد على الدوام حتى فاق أسطول فرنسا وكان بعد أسطول هذه بعد الأسطول الإنكليزي بعدده وعدده والتجارة الألمانية تفتح لها مصارف جديدة في العالم وبيننا كان يقال سنة١٨٧٦ان المصنوعات الألمانية غالية ورديئة ولكنها بالنسبة للمصنوعات الإنكليزية رخيصة وجيدة أصبحت تنافس الصنائع الإنكليزية حتى في إنكلترا منافسة شديدة ولم تر ألمانيا أن تكتم أمانيها وصرح رئيس النظار البرنس بولوف في مجلس النواب أن ألمانيا تطالب أيضاً بان تحيا على هذه الأرض ولقد كتبنا سنة ١٩. ٤ما يأتي: تجري ألمانيا على سياسة لتحرز الأولية بين الدول فإلى أين تستطيع أن تسير بدون أن تحدث لها مشاكل مع المسيطرين على العالم وهم اليوم خصومها هذا سر من أسرار المستقبل فاقتضى لألمانيا أن تنزع من فكر إنكلترا فقط أنها الحاكمة المتحكمة في البحار وفي الاستعمار والعالم واستعمال عقد اتفاق بين المملكتين وكانت روسيا. مرتبكة أنواع الارتباك أن تباشر عملا في آسيا. وفرنسا تحالف الشيطان على شرطان تكون المحالفة ضد ألمانيا بل تحالف إنكلترا التي أورثتها سنة ١٨٩٨عار الطرد من فاشودة. هكذا كانت الحال عند ما تولى ادوارد السابع زمام الملك في إنكلترا فرأى بعين البصيرة في الحال ما يجب مداولته وأيقن أن من الواجب تحويل أنظار روسيا عن الشرق الأقصى حيث يرجى أن يكون خطرا على السياسة الإنكليزية وان يجذب بضبع روسيا إلى الغرب يجعلها مناصبة لألمانيا ولحليفتها ولا شك أن مصلحة فرنسا كانت كذلك. ولهذه الغاية ذهب ملك إنكلترا إلى ريفال في حزيران١٩. ٨فلم تلبث إيران وكانت منذ زمن طويل موضع الشقاق بين روسيا وإنكلترا أن تقاسمتاها فجعلت منطقتين روسية وإنكليزية وأصبحت
стр. 6331
الأولية بذلك لروسيا في بلاد فارس. واهم من ذلك التقرب الذي وقع بين اليابان ومملكة القيصر من حيث النتائج. وعلى ذلك حدث تبدل تام في السياسة الإنكليزية عقيب استلام الأحرار أزمة الأحكام في إنكلترا وأصبحت المحالفة الثنائية وفاقاً بدون أن تتقيد إنكلترا بمحالفة عسكرية مثل شريكتيها. حدث في خلال سنة١٩. ٨الأنقلاب العثماني واستولى فتيان العثمانية على زمام الحكم في البلاد وضمت عقيب ذلك البوسنة والهرسك إلى النمسا والمجر وكانت روسيا أظهرت ارتياحها إلى هذا العمل بادي بدء ثم دفعتها سياسة السير ادواردغراي فأنشئت تدافع عن حقوق الدولة العلية ثم عن مزاعم الصرب فلم تنشب الحرب لأن ألمانيا عقدت العزم على الأخذ بيد النمسا وفرنسا منهمكة فتنها الداخلية يتعذر عليها أتعاون معونة فعلية بحيث أصبحت روسيا وحيدة فولت منهزمة. ومع هذا تخلت النمسا لواء يكي بازار على مكانته الحربية لأطماع الصرب والجبل الأسود وهذه كانت جعلت مملكة وأخذ شبح الحرب العامة منذ ذلك العهد يبدو سنة عن سنة وحضت هولندا أوائل سنة ١٩١١مرفأ فليسنج ففهم من ذلك أن النية عقدت لأقفال مجرى نهر السكوت الذي يجري إلى أنفرس ولم يصعب علينا أن نستنتج من ذلك أنه عقد تحلف فرنساوي إنكليزي من مضمونه أن تحتل إنكلترا احتلالاً عسكريا هذه القلعة المهمة ومرفأها حين نشوب حرب بين فرنسا وألمانيا. فأنقلب الوفاق الودي إلى محالفة عسكرية. وفي صيف تلك السنة دهش العلم أجمع لإرسال ألمانيا إحدى بوارجها العسكرية إلى أغادير على الشاطئ الجنوبي الغربي من مراكش وذلك للدفاع عن المصالح الألمانية من احتلال فرنسا بإشهار الحرب بل هددت إنكلترا ومع هذا وقع اتفاق هذه المرة أيضاً فأخذت ألمانيا جزءاً من الكونغو ألفرنساوية تعويضاً عن مطالبها. بيد أن الهمة انصرفت إلى اتخاذ الأسباب لفصل ألمانيا عن حليفتها حتى إذا تخلى عنها الكافة يتعذر عليها أن تقاوم ضعفت أعدائها فأخفقت هذه الأعمال على المهارة المبذولة لدى حكومة النمسا والمجر ومعلوم ما أعقب ذلك من ضم طرابلس وبرقة إلى إيطاليا ثم حرب البلقان التي أنتجت فقد الدولة العثمانية لولاياتها في أوروبا ثم ضعفت بلغاريا وتوسع صربيا كل ذلك جعل الدعوى إلى تأسيس دولة صربيا الكبرى مهيأة الأسباب وجرأ قائل ولي عهد النمسا على ارتكاب جنابته في سراجية ويوم٢٨حزيران١٩١٤ومن جهة أخرى كان الاعتداء يعتمدون على المنازعات
стр. 6332
الداخلية في النمسا والمجر. ويظهر لهم أن اختلاف الأحزاب السياسية في المجر والقومية في النمسا تسهل طريق تجزئة هذه الإمبراطورية المثنوية ولكن دلت النتيجة، هذا الرأي مغلط فقد يتنازع إخوان فإذا جاءهما ثالث غريب عنهما يتدخل في شؤونهما ينقلبان في الحال يداً واحدة عليه ولو لم يكن أعداؤنا من هذا الرأي لكانوا أحجموا عن مداهمتنا في عقر دارنا. تبين مما تقدم أن سلام العالم كان ضعيف الأركان منذ سنة١٩. ٨لتضارب المصالح الكثيرة والأهواء المنوعة بحيث يتعذر وصف علاج بقطع آفة المرض الذي ابتليت به أوروبا. وعبثاً جرى القول في الصلح وفي وضع طريقة السلاح النسبي وكان جثام الحرب العامة يضغط على الأرواح وبهذا المؤثر وافقت المجالس النيابية على تجنيد الملاين من الجند وصرف المليارات من النفقات وهي إعداد ما كان الإنسان لطولها ليصدقها إلى ذاك العهد ونرجو أن تكون كذلك في المستقبل بعد فلماذا فادت الممالك مفاداة عظمى بالرجال والمال لو لم تكن في صدد حريق عالمي هائل؟ ذلك أن فرنسا تريد أن تستعيد ولايتين كانت فقدتهما وان تعود إلى المركز الذي كان لها قديما وان روسيا تريد إن تكون الحاكمة على المضايق وتخضع لصولجان القياصرة الشعوب السلافية الذين يدينون بالمذهب الأرثوذكسي وان يابان تريد التوسع في أملاكها وتزيد ثروتها لإنشاء أسطول حربي أما نحن النمسا بين والمجرمين والألمانين والعثمانيين فقد دفعنا إلى الحرب لندافع عن كياننا فاضطررنا لنفادي بأمور ثم إلى إعلان الحرب. وربما قيل إن المسلمين بأجمعهم يقفون في مصاف الدولة العليا لتقاوم عد واتها القديمة روسيا وإنكلترا وفرنسا وهاتان الأخيرتان أصبحتا عدوتيها وكانتا صديقتيها أما إنكلترا فان الداعي لها إلى إعلان الحرب هو الخوف من تخطي ألمانيا لها في مضمار الارتقاء فهي لا تريد أن ترتفع بل أن تخفض خصيمتها إن هذه الحرب هي حرب شعوب لا حرب أمراء ومع هذا فان مقتل ولي عهد النمسا وقرينته كان شرارة اتقدت بها النار بمواد غير ملتهبة كانت منبعثة من العالم اجمع. لا جرم إن نار ودنا أودرانا هي منذ عهد الباطنيين (القرن الثاني عشر) الشيعة السياسية التي كثيراً ما كانت تعمد إلى القتل لبلوغ غايتها وكان الباطنية مسلمين متعصبين يسقيهم زعماؤهم حشيشاً ليبعثوا بهم يسفكون دماء وقد حار بهم غير ما مر سلاطين السلجوقيين وفرسان الهيكل فأبادهم مؤخراً أبنا دينهم مماليك مصر ومن العبث أن يبحث في أوروبا في
стр. 6333
القرن العشرين عن عواطف للتضامن وخشي من هول الجريمة وما من رابطة تجمع خصومنا ومن العجب أن روسيا التي أبادت أمماً كثيرة تقف الآن موقف المخلص للشعوب الصغيرة بقتالها التسليح العام في جنب إنكلترا وفرنسا ولا وجه للبحث هنا عن الاتحاد السلافي والاتحاد الروماني فإن الاتحاد السلافي الأدبي قد فسد بالروسية الوحشية وبانتحال المذهب الأرثوذكسي بالقوة وما من أحد يفكر بتاتاً أن يحقق أحلام الثورة الإفرنسية من حيث السياسة والاجتماع أو أماني المحالفة المقدسة الخيالية ولا يعمل هناك غير القوة الوحشية ليس إلا ونلاحظ فقط أن التطرف الغربي قد ملأ الحكم الروسي المطلق لإبادة أمم أوروبا المركزية البعيدة عن الاستبداد والفوضى وما شعارها إلا الترقي والإصلاح الاجتماعي الرصين لها.
стр. 6334
الشيخ إبراهيم الحوراني
تتمة مافي الجزء السابع
٤نثره
أرهف المترجم به يراعه منذ الصبا فأجاد في الموضوعات التي دبجها به ولم يبق بحثاً لم يتناوله باسلاته فتفنن في مقلاته تفنناً لا يجيد فيه إلا من كان مثله كثير الاطلاع متضلعاً من العلوم والآداب متقناً للمنقول والمعقول فتراه يذهب بعقل المطالع لكتاباته الوضيحة البليغة كل مذهب وينحو به كل منحى فيمر على المدن والدساكر ويريه الشوارع والمنعطفات ويسدد خطواته في مناهج الحقيقة ويطير به في عالم الخيال ولكنه لا يتيه بالقارئ ولا يضله سبيلاً بل يملأ مخادع حافظته صور تعابير بليغة ويمأن فكره موضوعات مفيدة ويرشده إلى الصراط المستقيم ويطبع في مخيلته أصح الآراء وأسد الأفكار العلمية الأدبية فيعود مطالع أبحاثه مستفيداً كل الاستفادة محرزاً ما يريد من الأبحاث والألفاظ والمعاني مع تفنن في التعبير وخلوص من التعقيد وبساطة في التركيب ومن قرأ ما جادت به قريحته من المقلات الرنانة في المجالات والجرائد والكتب شهد بصحة قولنا ولم يحمله على الإطراء والتزلف فإننا وإن كنا من أصدقائه المخلصين فلسنا من مريديه الكاذبين ولذلك أحيل المطالع المتقيد على ماله من المقلات والخطب والمباحث وأفوض فيه أمر الحكم على المترجم بما يوحيه إليه ضميره الصادق وبصيرة النقادة المنصفة فطالع مقلات (عالم الحس الخيال) و (الكيمياء) و (العين) و (الشعر) و (القلب والعين) و (الظل) و (الشعر العربي والشعر الأوروبي) و (العالم المادي والعالم الأدبي) و (حكمة الأولين) و (فلكياته) و (والبلاغة) و (الكفاية) و (آراء جديدة في أجزاء المادة) و (الخمير والاختمار) و (غرائب الكيمياء) و (تاريخ الكرة الأرضية الطبيعي) و (الاختلاف في الآراء والعقائد) و (الجهل والهوى) و (الطبيعيات والأدبيات) و (ضرر العلم القليل) و (مساعدات الذاكرة) و (الصدى الطبيعي والصدى الأدبي) و (ألفينيقيون) و (أصل اللغات) و (قدرة العلم وعجزه) و (اختلاف تأثير العلة الواحدة باختلاف طبيعة المعلول) و (المام القدماء بظلال ما كشفه المحدثون) و (الكهربائية وكرات النار الجوية و (الموضوع) و (استقر واستدل واحكم) و (مقاومة تنازع البقاء) و (الإنسان) وما شكل كل ذلك من المباحث المختلفة
стр. 6335
والتفننات الرائقة وإذا تعذر على المطالع الوقوف على هذه الآثار الأدبية الرائقة فإنمني أسهل له ذلك بانتخاب بعض فقرات كلامه: فمن قوله في خطبة (عالم الحس وعالم الخيال) ومن فوائد (الخيال) أنه نزهة المعتزل ففيه يرى الحدائق الغناء توقع عليها فيان الورق أطيب الألحان وتجري تحتها جداول زلال الذمن بنت إلحان وتحيط بمنابتها بواسم الأزهار كما يحيط بالمعاصم السوار. وترى مدافع الشواهق تقذف بلجين الماء على در الحصباء في الأودية الخضراء فترده اماة المهى وظمأ الظبى فتصبو إلى الورد ولا تطفي اواما فتئن وجدا وتنشد هياماً:
ألا قل لسكان وادي الحمى ... هنيئاً لكم في الجنان الخلود
أفيضوا من الماء علينا فيضاً ... فنحن عطاش وأنتم ورود
ثم إذا مللت مشاهد النهار توجهت إلى مشاهد الليل وبدلت طلعة الشمس بمحيا سهيل فتري هنالك النجوم درراً في باطن الخيمة الزرقاء والمجرة نهراً عظيماً تدفق في حديقة نرجس وفروعها جداول البطحاء وترى هناك تباين المؤتلفات. وائتلاف المتباينات فتشاهد الطائر الواقع والذاهب والراجع والخفي والظاهر والثابت والسائر والأسد بين السرطان والعذراء والسرطان بين الأسد والجوزاء والأبراج والطوالع والأوافل فترى العالمين على العلم الأصغر وتنسى أنك العالم الأكبر ثم تنتبه إلى المعتزل وإليه تبوء فتعلم صحة قولهم: (الوحدة خير من جليس السوء) ثم قال في الخيال قولاً فلسفياً هو: ومن فوائده انه معمل المتصرفة ومخترعها أما المتصرفة فعرفوها بأنها قوة من قوى العقل الباطنة شأنها تركيب الصور والمعاني وتفصيلها والتصرف فيها واختراع أشياء لا حقيقة لها. ومن أهم أعمالها التجريد وهو ما تكتسب به الكليات من الجزئيات ولولاه كانت الصور العقلية هويات متفرقة لا علاقة بينها وقد تكلمت عليه بالتفصيل في المقالة الثالثة من كتاب (الحق اليقين) فليطالعها. ومنها إن التركيب جمع المراد مما علم بالتحليل والتعميم في صورة واحدة وهو (أما حقيقي) وهوان يجمع في الذات الحقيقية ما لها من الصفات المختلفة في الواقع كأن تجمع الحمرة والاستدارة وانتساق الأوراق وطيب الرائحة وسائر ما لا بد منه من الشخصيات في هذه الذات لتصوير هذه الوردة. (وأم تخيلي) وهو جمع مختلفات لتصوير ما لا حقيقة له كأن تجمع حمرة الورد ورائحة القرنفل في زهرة الأقحوان على نبت الزنبق
стр. 6336
فتصور نباتا لم يخلقومن قوله في مقالة (البلاغة): الكلام البليغ ما وضح معناه ووجز لفظه وسهل وطاب للسمع. ومن أهم ما يستلزمه وضوح معناه معرفة المخاطب معاني مفرداته. والمعنى هو الصورة الذهبية المراد بيانها. فالبليغ يرسم في ذهن المخاطب مثل الصورة التي في ذهنه. فإذا أراد أن يصف إليك الإبل مثلاً صورة في خيالك بوجيز كلامه كما يصوره البارع من المصورين على قرطاسة ومثله فيه كما يمله الماهر من نحاتي التمثيل: أما غير البليغ فربما أراد أن يرسم في خيال سامعه ظبياً فصوره قرداً أو شيئا لم يخلق بالعبارات المطولة المشوشة. ولا بد في البلاغة من مراعاة حال المخاطب فابلغ الكلام في خطاب النبيه غير بليغ في خطاب غيره. . . . ومن هذا يعلم أن الإيجاز في البلاغة نسبي أن البلاغة في خطاب الخاصة أيسر منها في خطاب العامة ولهذا سموا ما يفهمه العامة ويرضي به الخاصة بالسهل الممتنعومن قوله في صدر مقالة (أبسط مبادئ الرياضيات): المسائل الرياضية عبء الأذهان وغول الزمان ولذة إدراكها خير اللذات مع أنها نتاج الآلام والأنات وإني ممن قسم لي أن أولع بأبكارها وأسجن دهراً في دارها وشغلت وقتاً طويلاً بتدريسها وألفت وحشها وأنيسها فوجدتها من خير مميزات الأذهان. والحاملات على بغض التقليد وحب البرهان وأقوى العينات على علم الميزان (علم المنطق). ولكن رأيتها تصعب على أكثر الطلاب. وتدق عن إدراك أولى الألباب. لتشعب العقاب. وكثرة الشعاب. فبذلت الجهد عفي البحث عن أصولها ونقائها. إلى أن يسر الله الوصول إلى حقائقها. إن كل المسائل الرياضية في المقادير الصحيحة المنطقة مبنية على ثلاث سلاسل. (الأولي) سلسلة الأعداد الطبيعية ١٢٣الخ (والثانية) سلسلة الأعداد الوترية ٧٥٣١الخ والثالثة سلسلة المثلثات٦٣١الخ وهي تنشئ عن جمع حلقات السلسلة الطبيعية على هذه الصورة. + ١و١ + ٢و١ + ٢ + ٣الخ ولهذه السلاسل خواص كثيرة لا محل لها في مثل هذه المقالة الوجيزة فاق - تصر على ذكر ما الحجة إليه في بيان المرادأهالي غير ذلك مما لا يمكن استقراؤه ومعرباته ومصححاتهكلف المترجم منذ صباه بالتأليف وأول مؤلفاته (الشهب الثواقب) في الجدل و (جلاء الدياجي في لألغاز والمعميات والأحاجي) وهي رسالة لطيفة فيها كثير من منظومة ومناهج الحكماء في مذهب النشرة والارتقاءوالحق اليقين في الرد على مذهب دروينوالآيات البينات في عجائب الأرض والسماواتوضوء المشرق في علم
стр. 6337
المنطقوهذا آخر مؤلفاته المطبوعة. أما مؤلفاته التي لم تطبع فكثيرة منهاديوانه الشعريوقد لاحظ جمعه وتنقيحه ومراجعته قبل وفاته بقليل والأعراب في نهج الأعرابوشمس البرهان في علم الميزانوهو في المنطق اختصر منهضوء المشرقالمذكور الذي طبعالكوكب المنير في علم التفسير. وعنده فذالك كثير من المؤلفات في البيان والفلسفة الطبيعية والفلسفة العقلية والرياضيات لم يحكم ترتيبها لانشغاله بخدمة غيره سحابة العمر. عدا خطبه ومقالاته التي تناقلتها الصحف وبعضها لا يزال مخطوطاً. ونشر بعض الروايات الأدبية مثلإسفار ذات السوارفي مجلة الرئيس ومختصر بعض روايات شكسبير الشاعر وغيرها. أما معرباتها فكثيرة وبعضها لم يذكر فيها أسمه ومنها: المواعظ الميلاديةلسبرجنمواعظ موديووتفسير التوراةأس الأسفار الخمسة بزيادة تفسير له على الأصل وسكان وادي النيلورجال التلغرافوسيرة القديس أوغسطينوسو الطريق السلطانيةوأما مصححاته فليست بقليلة ولكنه لم يذكر اسمه فيها أيضاً فمنها تصحيحالنهج القويم في التاريخ القديمللأستاذ بورتروقاموس الكتاب المقدسللدكتورجورج بوست وساعد الدكتور أدي في جميع تفسير الإنجيل واشتهر في جميع ما كتبه بتحقيقه ورقة أوضاعه العربية وصحة تعابيره اللغوية مع بساطة العبارة ووضوحها حتى يسهل بحسن أسلوبه ما صعب من المباحث فتراها مفهومة.
٦ً منزلته العلمية
صرف حياته منذ صبوته بالتدريس والجمع وتوسيع مداركه بالمطالعة وانتظم في سلك الجمعيات العلمية والأدبية وانتدب مدعواً لبعض المؤتمرات العلمية في أوروبا وعرفه الأوروبيون والأميركيون يسمو المدارك أما في البلاد العثمانية فكان طائر الشهرة وكثيراً ما ترجمت الصحف العثمانيةالتركيةمقالاته وأطرته وتناقلت الصحف العربية آثار أقلامه من جرائد ومجلات وقد سافر إلى مصر سنة ١٩. ٨م ولم يلبث فيها أكثر من سنتين ترأس أثنائها تحرير جريدة المحروسة ثم عاد إلى عمله في بيروت ولقد رصد الكواكب في بيته وقرر كثيراً من شؤونها بعدما رافق أستاذه الدكتور فانديك يرصدها في مرصد الكلية في بيروت وتخرج على يده كثير من أدباء وأديبات سورية ومصر كتب كثيراً في الصحف مثلالنجاحوالجنانوالمشكاةوالمقتطفوالنشرة الأسبوعيةوالصفاوالطبيبوالمباحثولسان
стр. 6338
الحالوالمحروسةوقلما خلت جريدة من كتاباته ولو نقلاً عن غيره لما فيها من الطلاوة واللذة والفائدة وكثيراً ما دعته الحفلات لإلقاء الخطيب فيها فطربت له أعواد المنابر وأفاد بما يلقيه من منشور ومنظوم ومن مكتشفاته معادلة الجيوب ومعادلة معرفة أضلاع الأشكال القياسية الوترية من المسبع والمتسع وذي الأحدي عشرة وما فوق ذلك إلى غير نهاية وعبارات لجمع الأسرار المعنية وبعض التقارير ألفلكية التي انتبه إليها بالرصد ومن آرائه التي تيقنها الرأي الدوري وصدقه كثير من علماء العصر وأشكال أجزاء المادة وهذا لم يفهمه إلا الخاصة. وكثيراً ما برهن المنطق بالجبر وأجاب على أسئلة في جميع الموضوعات بسداد رأي ودقة نظر. وعرف مؤخراً طريق رسم الأشكال القياسية وقيمتها العددية بلا تكعيب. أما معارفه اللغوية فلم تطن أقل من معارفه العلمية فإذا أورد لفظة تثبت فيها وأشار إلى أول من استعملها مثل شبه جزيرة ملعقةملقةكما قال الشيخ داود البصير الأنطاكي في تذكرته. وهكذا ستخرج من بطون الكتب المصطلحات القديمة وحقق آراء العصر فيها. ومن أوضاعه المشهورة المرقب والمجهر والحوصلةالبكسولوالمضلعالقباجوروالبخيريالمدخنةوألفوارةالنوفرة وأمثالها ومن تعابيره العصرية قوله: مهيع الأخلاق أوسع من فلك نبتن وأطول من قطر المجرة. هذه صورة الحوراني المعنوية مثلناها للقراء الكرام ليعلموا خسارة الوطن بفقده أثابه الله عداد حسناته وأعاض الأدب عنه خيرا بمنه وكرمه
٧ً أقواله وحكمه وآراؤه
للفقيد الكثير من الآراء الأدبية والعلمية والأقوال الرائعة والحكم الناجعة انتخب منها الآن نبذة تدل على مكانته وربما كان بعضها معرباً ومقتبساً: فمن ذلك قوله: المرأة المبتسمة أجمل من أجمل النساء المقهقهات. ريشة الإوزة أخطر من براثن الأسد الحكم على البعض لا يستلزم الحكم على الكل ولا نفيه عنه. أن أعظم الناس حرية أقواهم وأكثرهم خداعاً أضعفهم. كل شيء كم أنواع الخير وأفراده فرضنا أنه الخير الأعظم والسعادة لا يصح ما لم يكن ألفضيلة وإن لم يسلم بذلك بعض ألفلاسفة الأقدمين. إن الشرائع الطبيعية كلها نفع وعلة التأذي بها جهل. إن الكبرياء قد يؤدي إلى الجنون. إن القوة الطبيعية مقسورة أبداً والفضيلة متوقفة على الاختيار. كثيرا ما يقع الناس في الخطأ لإطلاقهم الحكم على الشيء
стр. 6339
في كل الأحوال والاعتبارات. فليتوقع الراغب في كثرة العلم قلة المال أو ألفقر المدقع. أنه قد يجهل العالم ما يعلمه الجاهل من آفات الانتباه توجيه ألفكر إلى أمر واحد وقتاً طويلاً ومثله الاقتصار على فن واحد أو الولوع به أكثر من سواه. متى ثار غضبك فلا تقل ولا تفعل. لا يقاس على الآراء الضعيفة إلا على سبيل الإمكان. ولا يقاس على الآراء القوية التي لم تبلغ اليقين إلا غلى سبيل الظن. قليل الطعام المغذي ونقي الهواء ومعتدل الرياضة من أمنع الحصون دون جيوش الأمراض والأوباء. إن العلل لا تفعل بالمعلولات إلا بالمباشرة. إن من اللذات آلاماً. من الناس من يخسر كل شجاعته وإيمانه في ساعة اضطراب. إن الذي لا يؤثر فيه الشعر البليغ خشن الطباع سقيم الذوق. ومما ينتج من الرياء طبعاً أن صاحبه لا يصدق ولا يركن إليه وإن تكلم بالحق وكفى ذلك عذابا للمرائين. إن نظرك في إساءتك إلى غيرك يخمد نار غيظك من إساءة غيرك إليك. القول الصالح حسن والفعل الصالح أحسن منه فالقول الصالح الجسد والعمل الصالح الروح. المرأة أجمالاً تعادل الرجل فهماً لكنها تجري أعمالها على سنن التصور أكثر مما تجريها على مقتضى المنطق. المرأة ألفاضلة مهذبة الزوج والأولاد الأقرباء والأصدقاء بالقول والفعل ولها في ذلك من التأثير ما لا تستطيعه كل فلاسفة الأرض. اللطف رشوة من لا رشوة له. من أفسد بين اثنين فعلى أيديهما هلاكه إذا اصطلحا. الصدق أس الإصلاح الأدبي. إنه يستحيل على المترجم للشعر من لغة إلى أخرى يأتي بكل محسناته الأصلية مع المحافظة على تمام الأصلي إلا نادراً. الاختبار أثبت قبول الإنسان التهذيب والتحلي بالفضائل ولكن أكثر الناس يجهلون السبيل. استقر واستدل واحكم. الشعر ضرب من الوحي. إن القوة على نظم الشعر موهبة إلهية يشرفها الإنسان أو يحقرها بالموضوعات التي يستعملها فيها. إن للشعر البليغ تأثيراً في النفوس عظيماً حتى شبهه الكثير من المشارقة والمغاربة بالسحر. نعم إنه سحر حلال يحمد به الساحر وينعم به المسحور. العلم القليل أضر من الجهل. إياك وخداع الخيال فإنه مصدر كثير من صنوف الضلال والخرافات الثقال. وأخزن فيه صور الهاديات الأخلاق والحاملات على مكارم الأخلاق. إن شرف نفس الإنسان يحفظ شرف يحفظ شرف نفسه لا شرف نسبه يحفظ شرف نفسه. ما أقدرنا على الكلام وما أعجزنا عن العمل. إذا مالت نفسك إلى كتابة مالا تريد أن يعلن بخطك فأعلم أن ذلك الميل خطر هائل لأنك بذلك
стр. 6340
تضر نفسك أكثر مما تضر غيرك. إن أصل المادة بأسرها أجزاء صغيرة لا تدركها الحواس تتجزأ في بعض الأحوال دون بعض. إن الصداقة تنتهي حيث يبتدئ الحذر إنا خلقنا نشعر بالألم لنحذر من أن نؤلم سوانا أحسن وقاية من النميمة أن تسد أذان عنها وأن يكتب تجاهك أبداً قول بعضهم (لا تصدق كل ما تسمع) الوعظ من أسباب الحياة الجسدية والحياة الروحية لمن يؤثر فيه إلى ما يضارع هذه الروائع ويشاكل هذه النواجع.
٨ً مجونه وأزجاله
كان ﵀ ينزع المجون والأحماض في الأحاديث أو إحجاماً للخاطر ليس إلا على حد قول الشاعر:
أروح القلب ببعض الهزل ... تجاهلاً مني بغير جهل
أمزح فيه مزح أهل ألفضل ... والمزح أحياناً جلاء العقل
ولذلك كثرت نوادره وأزجاله وأشعاره الدالة على بداهته وسرعة خاطره فكان إذا آنس من السامعين انقباضاً أو مللأولا سيما في العمليات البحتة ونحوها بنكتة رائعة تستجم خواطرهم وتلفت أسماعهم وتتلاعب بعواطفهم فيثيب إليهم نشاطهم ويتجدد ارتياحهم كما قال الرشيدالنوادر تستحد الأذهان وتفتق الآذانوإذا استقرينا أخلاقه منذ صغره رأيناه مولعاً بهذا الأسلوب الفكاهي وهذه الرقائق المستحبة حتى أنه لما كان يدرس في (عبيه) في صبوته سمع أحدهم يفاخر بقول الشيخ ناصيف اليازجي من قصيدة رقيقة:
كلفت حمل تحيتي ريح الصبا ... فكأنني حملتها بعض الربى
لا تجمل الريح الجبال وليتني ... كلفتها حملي فإني كالهبا
فقال المترجم له: وأين يروح الشيخ بعمامته وكبرهاثم لما غار المدرسة وجاء بيروت اجتمع باليازجي سنة ١٨٧١ قبل وفاته فقال له الشيخومإذا ثقلت عليك عمامتيفأجابه الحورانيوالله لو عرفت أنه سيبلغك حديث العمامة لما رأيتك إلى يوم القيامةومن نكاته أنه لما كتب في (أشكال أجزاء المادة) لم يفهم كلامه إلا القليلون فقال عنه بعضهم أنه كتب في أمر لم يدركه حق الإدراك حتى أبهم قولهفأجابه الحورانيوأنا أثني عليه أصاب أم لم يصبوله كثير من أمثال هذه الرقائق التي تدل على ظرفه وبديهته ودماثة أخلاقه أما نكاته الشعرية المجونية فمنها أنه كان مرة يروح النفس على شاطئ نهر العاصي حمص فعثر
следующие страницы →