← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

فتصور نباتا لم يخلقومن قوله في مقالة (البلاغة): الكلام البليغ ما وضح معناه ووجز لفظه وسهل وطاب للسمع. ومن أهم ما يستلزمه وضوح معناه معرفة المخاطب معاني مفرداته. والمعنى هو الصورة الذهبية المراد بيانها. فالبليغ يرسم في ذهن المخاطب مثل الصورة التي في ذهنه. فإذا أراد أن يصف إليك الإبل مثلاً صورة في خيالك بوجيز كلامه كما يصوره البارع من المصورين على قرطاسة ومثله فيه كما يمله الماهر من نحاتي التمثيل: أما غير البليغ فربما أراد أن يرسم في خيال سامعه ظبياً فصوره قرداً أو شيئا لم يخلق بالعبارات المطولة المشوشة. ولا بد في البلاغة من مراعاة حال المخاطب فابلغ الكلام في خطاب النبيه غير بليغ في خطاب غيره. . . . ومن هذا يعلم أن الإيجاز في البلاغة نسبي أن البلاغة في خطاب الخاصة أيسر منها في خطاب العامة ولهذا سموا ما يفهمه العامة ويرضي به الخاصة بالسهل الممتنعومن قوله في صدر مقالة (أبسط مبادئ الرياضيات): المسائل الرياضية عبء الأذهان وغول الزمان ولذة إدراكها خير اللذات مع أنها نتاج الآلام والأنات وإني ممن قسم لي أن أولع بأبكارها وأسجن دهراً في دارها وشغلت وقتاً طويلاً بتدريسها وألفت وحشها وأنيسها فوجدتها من خير مميزات الأذهان. والحاملات على بغض التقليد وحب البرهان وأقوى العينات على علم الميزان (علم المنطق). ولكن رأيتها تصعب على أكثر الطلاب. وتدق عن إدراك أولى الألباب. لتشعب العقاب. وكثرة الشعاب. فبذلت الجهد عفي البحث عن أصولها ونقائها. إلى أن يسر الله الوصول إلى حقائقها. إن كل المسائل الرياضية في المقادير الصحيحة المنطقة مبنية على ثلاث سلاسل. (الأولي) سلسلة الأعداد الطبيعية ١٢٣الخ (والثانية) سلسلة الأعداد الوترية ٧٥٣١الخ والثالثة سلسلة المثلثات٦٣١الخ وهي تنشئ عن جمع حلقات السلسلة الطبيعية على هذه الصورة. + ١و١ + ٢و١ + ٢ + ٣الخ ولهذه السلاسل خواص كثيرة لا محل لها في مثل هذه المقالة الوجيزة فاق - تصر على ذكر ما الحجة إليه في بيان المرادأهالي غير ذلك مما لا يمكن استقراؤه ومعرباته ومصححاتهكلف المترجم منذ صباه بالتأليف وأول مؤلفاته (الشهب الثواقب) في الجدل و (جلاء الدياجي في لألغاز والمعميات والأحاجي) وهي رسالة لطيفة فيها كثير من منظومة ومناهج الحكماء في مذهب النشرة والارتقاءوالحق اليقين في الرد على مذهب دروينوالآيات البينات في عجائب الأرض والسماواتوضوء المشرق في علم

стр. 6337

المنطقوهذا آخر مؤلفاته المطبوعة. أما مؤلفاته التي لم تطبع فكثيرة منهاديوانه الشعريوقد لاحظ جمعه وتنقيحه ومراجعته قبل وفاته بقليل والأعراب في نهج الأعرابوشمس البرهان في علم الميزانوهو في المنطق اختصر منهضوء المشرقالمذكور الذي طبعالكوكب المنير في علم التفسير. وعنده فذالك كثير من المؤلفات في البيان والفلسفة الطبيعية والفلسفة العقلية والرياضيات لم يحكم ترتيبها لانشغاله بخدمة غيره سحابة العمر. عدا خطبه ومقالاته التي تناقلتها الصحف وبعضها لا يزال مخطوطاً. ونشر بعض الروايات الأدبية مثلإسفار ذات السوارفي مجلة الرئيس ومختصر بعض روايات شكسبير الشاعر وغيرها. أما معرباتها فكثيرة وبعضها لم يذكر فيها أسمه ومنها: المواعظ الميلاديةلسبرجنمواعظ موديووتفسير التوراةأس الأسفار الخمسة بزيادة تفسير له على الأصل وسكان وادي النيلورجال التلغرافوسيرة القديس أوغسطينوسو الطريق السلطانيةوأما مصححاته فليست بقليلة ولكنه لم يذكر اسمه فيها أيضاً فمنها تصحيحالنهج القويم في التاريخ القديمللأستاذ بورتروقاموس الكتاب المقدسللدكتورجورج بوست وساعد الدكتور أدي في جميع تفسير الإنجيل واشتهر في جميع ما كتبه بتحقيقه ورقة أوضاعه العربية وصحة تعابيره اللغوية مع بساطة العبارة ووضوحها حتى يسهل بحسن أسلوبه ما صعب من المباحث فتراها مفهومة. ٦ً منزلته العلمية صرف حياته منذ صبوته بالتدريس والجمع وتوسيع مداركه بالمطالعة وانتظم في سلك الجمعيات العلمية والأدبية وانتدب مدعواً لبعض المؤتمرات العلمية في أوروبا وعرفه الأوروبيون والأميركيون يسمو المدارك أما في البلاد العثمانية فكان طائر الشهرة وكثيراً ما ترجمت الصحف العثمانيةالتركيةمقالاته وأطرته وتناقلت الصحف العربية آثار أقلامه من جرائد ومجلات وقد سافر إلى مصر سنة ١٩. ٨م ولم يلبث فيها أكثر من سنتين ترأس أثنائها تحرير جريدة المحروسة ثم عاد إلى عمله في بيروت ولقد رصد الكواكب في بيته وقرر كثيراً من شؤونها بعدما رافق أستاذه الدكتور فانديك يرصدها في مرصد الكلية في بيروت وتخرج على يده كثير من أدباء وأديبات سورية ومصر كتب كثيراً في الصحف مثلالنجاحوالجنانوالمشكاةوالمقتطفوالنشرة الأسبوعيةوالصفاوالطبيبوالمباحثولسان

стр. 6338

الحالوالمحروسةوقلما خلت جريدة من كتاباته ولو نقلاً عن غيره لما فيها من الطلاوة واللذة والفائدة وكثيراً ما دعته الحفلات لإلقاء الخطيب فيها فطربت له أعواد المنابر وأفاد بما يلقيه من منشور ومنظوم ومن مكتشفاته معادلة الجيوب ومعادلة معرفة أضلاع الأشكال القياسية الوترية من المسبع والمتسع وذي الأحدي عشرة وما فوق ذلك إلى غير نهاية وعبارات لجمع الأسرار المعنية وبعض التقارير ألفلكية التي انتبه إليها بالرصد ومن آرائه التي تيقنها الرأي الدوري وصدقه كثير من علماء العصر وأشكال أجزاء المادة وهذا لم يفهمه إلا الخاصة. وكثيراً ما برهن المنطق بالجبر وأجاب على أسئلة في جميع الموضوعات بسداد رأي ودقة نظر. وعرف مؤخراً طريق رسم الأشكال القياسية وقيمتها العددية بلا تكعيب. أما معارفه اللغوية فلم تطن أقل من معارفه العلمية فإذا أورد لفظة تثبت فيها وأشار إلى أول من استعملها مثل شبه جزيرة ملعقةملقةكما قال الشيخ داود البصير الأنطاكي في تذكرته. وهكذا ستخرج من بطون الكتب المصطلحات القديمة وحقق آراء العصر فيها. ومن أوضاعه المشهورة المرقب والمجهر والحوصلةالبكسولوالمضلعالقباجوروالبخيريالمدخنةوألفوارةالنوفرة وأمثالها ومن تعابيره العصرية قوله: مهيع الأخلاق أوسع من فلك نبتن وأطول من قطر المجرة. هذه صورة الحوراني المعنوية مثلناها للقراء الكرام ليعلموا خسارة الوطن بفقده أثابه الله عداد حسناته وأعاض الأدب عنه خيرا بمنه وكرمه ٧ً أقواله وحكمه وآراؤه للفقيد الكثير من الآراء الأدبية والعلمية والأقوال الرائعة والحكم الناجعة انتخب منها الآن نبذة تدل على مكانته وربما كان بعضها معرباً ومقتبساً: فمن ذلك قوله: المرأة المبتسمة أجمل من أجمل النساء المقهقهات. ريشة الإوزة أخطر من براثن الأسد الحكم على البعض لا يستلزم الحكم على الكل ولا نفيه عنه. أن أعظم الناس حرية أقواهم وأكثرهم خداعاً أضعفهم. كل شيء كم أنواع الخير وأفراده فرضنا أنه الخير الأعظم والسعادة لا يصح ما لم يكن ألفضيلة وإن لم يسلم بذلك بعض ألفلاسفة الأقدمين. إن الشرائع الطبيعية كلها نفع وعلة التأذي بها جهل. إن الكبرياء قد يؤدي إلى الجنون. إن القوة الطبيعية مقسورة أبداً والفضيلة متوقفة على الاختيار. كثيرا ما يقع الناس في الخطأ لإطلاقهم الحكم على الشيء

стр. 6339

في كل الأحوال والاعتبارات. فليتوقع الراغب في كثرة العلم قلة المال أو ألفقر المدقع. أنه قد يجهل العالم ما يعلمه الجاهل من آفات الانتباه توجيه ألفكر إلى أمر واحد وقتاً طويلاً ومثله الاقتصار على فن واحد أو الولوع به أكثر من سواه. متى ثار غضبك فلا تقل ولا تفعل. لا يقاس على الآراء الضعيفة إلا على سبيل الإمكان. ولا يقاس على الآراء القوية التي لم تبلغ اليقين إلا غلى سبيل الظن. قليل الطعام المغذي ونقي الهواء ومعتدل الرياضة من أمنع الحصون دون جيوش الأمراض والأوباء. إن العلل لا تفعل بالمعلولات إلا بالمباشرة. إن من اللذات آلاماً. من الناس من يخسر كل شجاعته وإيمانه في ساعة اضطراب. إن الذي لا يؤثر فيه الشعر البليغ خشن الطباع سقيم الذوق. ومما ينتج من الرياء طبعاً أن صاحبه لا يصدق ولا يركن إليه وإن تكلم بالحق وكفى ذلك عذابا للمرائين. إن نظرك في إساءتك إلى غيرك يخمد نار غيظك من إساءة غيرك إليك. القول الصالح حسن والفعل الصالح أحسن منه فالقول الصالح الجسد والعمل الصالح الروح. المرأة أجمالاً تعادل الرجل فهماً لكنها تجري أعمالها على سنن التصور أكثر مما تجريها على مقتضى المنطق. المرأة ألفاضلة مهذبة الزوج والأولاد الأقرباء والأصدقاء بالقول والفعل ولها في ذلك من التأثير ما لا تستطيعه كل فلاسفة الأرض. اللطف رشوة من لا رشوة له. من أفسد بين اثنين فعلى أيديهما هلاكه إذا اصطلحا. الصدق أس الإصلاح الأدبي. إنه يستحيل على المترجم للشعر من لغة إلى أخرى يأتي بكل محسناته الأصلية مع المحافظة على تمام الأصلي إلا نادراً. الاختبار أثبت قبول الإنسان التهذيب والتحلي بالفضائل ولكن أكثر الناس يجهلون السبيل. استقر واستدل واحكم. الشعر ضرب من الوحي. إن القوة على نظم الشعر موهبة إلهية يشرفها الإنسان أو يحقرها بالموضوعات التي يستعملها فيها. إن للشعر البليغ تأثيراً في النفوس عظيماً حتى شبهه الكثير من المشارقة والمغاربة بالسحر. نعم إنه سحر حلال يحمد به الساحر وينعم به المسحور. العلم القليل أضر من الجهل. إياك وخداع الخيال فإنه مصدر كثير من صنوف الضلال والخرافات الثقال. وأخزن فيه صور الهاديات الأخلاق والحاملات على مكارم الأخلاق. إن شرف نفس الإنسان يحفظ شرف يحفظ شرف نفسه لا شرف نسبه يحفظ شرف نفسه. ما أقدرنا على الكلام وما أعجزنا عن العمل. إذا مالت نفسك إلى كتابة مالا تريد أن يعلن بخطك فأعلم أن ذلك الميل خطر هائل لأنك بذلك

стр. 6340

تضر نفسك أكثر مما تضر غيرك. إن أصل المادة بأسرها أجزاء صغيرة لا تدركها الحواس تتجزأ في بعض الأحوال دون بعض. إن الصداقة تنتهي حيث يبتدئ الحذر إنا خلقنا نشعر بالألم لنحذر من أن نؤلم سوانا أحسن وقاية من النميمة أن تسد أذان عنها وأن يكتب تجاهك أبداً قول بعضهم (لا تصدق كل ما تسمع) الوعظ من أسباب الحياة الجسدية والحياة الروحية لمن يؤثر فيه إلى ما يضارع هذه الروائع ويشاكل هذه النواجع. ٨ً مجونه وأزجاله كان ﵀ ينزع المجون والأحماض في الأحاديث أو إحجاماً للخاطر ليس إلا على حد قول الشاعر: أروح القلب ببعض الهزل ... تجاهلاً مني بغير جهل أمزح فيه مزح أهل ألفضل ... والمزح أحياناً جلاء العقل ولذلك كثرت نوادره وأزجاله وأشعاره الدالة على بداهته وسرعة خاطره فكان إذا آنس من السامعين انقباضاً أو مللأولا سيما في العمليات البحتة ونحوها بنكتة رائعة تستجم خواطرهم وتلفت أسماعهم وتتلاعب بعواطفهم فيثيب إليهم نشاطهم ويتجدد ارتياحهم كما قال الرشيدالنوادر تستحد الأذهان وتفتق الآذانوإذا استقرينا أخلاقه منذ صغره رأيناه مولعاً بهذا الأسلوب الفكاهي وهذه الرقائق المستحبة حتى أنه لما كان يدرس في (عبيه) في صبوته سمع أحدهم يفاخر بقول الشيخ ناصيف اليازجي من قصيدة رقيقة: كلفت حمل تحيتي ريح الصبا ... فكأنني حملتها بعض الربى لا تجمل الريح الجبال وليتني ... كلفتها حملي فإني كالهبا فقال المترجم له: وأين يروح الشيخ بعمامته وكبرهاثم لما غار المدرسة وجاء بيروت اجتمع باليازجي سنة ١٨٧١ قبل وفاته فقال له الشيخومإذا ثقلت عليك عمامتيفأجابه الحورانيوالله لو عرفت أنه سيبلغك حديث العمامة لما رأيتك إلى يوم القيامةومن نكاته أنه لما كتب في (أشكال أجزاء المادة) لم يفهم كلامه إلا القليلون فقال عنه بعضهم أنه كتب في أمر لم يدركه حق الإدراك حتى أبهم قولهفأجابه الحورانيوأنا أثني عليه أصاب أم لم يصبوله كثير من أمثال هذه الرقائق التي تدل على ظرفه وبديهته ودماثة أخلاقه أما نكاته الشعرية المجونية فمنها أنه كان مرة يروح النفس على شاطئ نهر العاصي حمص فعثر

стр. 6341

وسقط على فتاة كانت قريبة منه فشكت إلى أبيها فاغلظ له الكلام وكان لا يزال صبياً فقال مورياً وأجاد: ياسيد الحلم يامن نور حكمته - يهدى به الناس من دان ومن قاص زللت في شاطئ العاصي إلى رشاء ... عن غير عمد فاضحى الظبي قناصي وقد شكاني إليكم فاغفروا زللي ... حتى يقولوا غفرتم زلة (العاصي) وقال في فتاة جميلة لقية متعصبة في الدين كانت تعنقه على مزاحه وتبكيه عند ضحكه غراء شمس نهارنا من وجهها ... وهلال ليلتنا مثال جبينها ما كان أطربني لطيب حديثها ... لو أن رقة خصرها في دينها ودعي مرة إلى صيداء ليخطب في حفلة مدرسية فافتتح بأبيات غزلية وتمحل لشيخوخته عذراً بقوله قدم الزمان وصبوتي تتجدد ... فكأنني في كل عصر أولد شيخاً أرى بين الشيوخ وأمرداً ... في المراد مما شاب قالت غواني الرقمتين وقد رأت ... ثلجالمشيب أظن نارك تجمد فأجبتها ما الشيب بل لهب الهوى ... في الرأس مما في الحشى يتوقد قالت مشيبك أسود في ناظري ... قلت الحقيقةأن لحظك أسود وكان مرة مبحراً من طرابلس إلى بيروت ورفيقه الخواجه موسى مخايل الطرف الطرابلسي ومعهما فتاتين جميلتان عيسوية اسمها مريم وموسوية اسمها سارة فلما نزلا في القارب جلست مريم على مقربة من موسى وسارة قرب إبراهيم فقال المترجم: شمسان في القارب شنت على ... وجهيهما شمس العلى الغارة فظل موسى رد عن مريم ... وظل إبراهيم عن سارة وأرخ زفاف حسناء اسمها لمى إلى رجل ذميم بليد سنة ١٨٦٢م: زفاف كالحمام لكل نفس ... به شمط الرزابا قد تجلت وأشد في الحداد مؤرخوه ... لمى سمش ببرج الثور حلت وقال شيخ كثير المعاصي خضب شعره: يا خاضب المبيض من فرعه=بالخزي لا يحسن هذا السواد

стр. 6342

إن كنت ذا لب ورمت الهدى ... فاصبغه قبل الردى بالرماد وقال في أمرأة تركت مهذباً ألفقره وتزوجت خشناً لغناه فعذبها: لقد هجرت أخافهم ... قليلاً ما له يعلم وودت بعده وحشاً ... كثير المال لا يفهم فنالت من مخالبه ... جراحاً ما لها بلسم وذاك جزاء تاجرة ... تبيع الحب بالدرهم وقال في غابة دمشقية: سقت أجفان صبك كل صدر ... من العواد أيام ألفراق ففرخ في قلوبهم التصابي ... وجن النبت من تلك السواقي وارتجل للائم مضمناً قوا العامة (من غير شر) لما يؤذي: ليس لي عن صبوتي بالائمي ... ماتجلى وجه سلمى من مفر وملام الصب شر في الهوى فانصرف ياعاذلي (من غير شر) وقال في منتزه في دمشق اسمه الجزيرة مورياً: رأتني عند شط النهر أجري ... إليها كاعبيد إلى الأميرة فقالت ما أتى بك قلت القى ... عبيدك بحر حبك في الجزيرة وقال لعاشق يبكي ويشكو: كثيراُ ما أرى العشاق تلهو ... وأنت تظل تذكر أم عمرو وتبكي للنوى ما جن ليل ... كأنك في الصبابة (بوم قبر) إلى كثير مما يساوي هذا الأسلوب من المجون الأدبي والنكات وللطائف والأحماضات (أما زجلياته) فلطيفة التصرف بديعة المعاني والألفاظ ابتكر فيها أوزاناً رائقة وابتده أناشيد رائعة ننتخب منها الآن ما يدل على براعته بها فمن ارتجالياته من فرادية مثل فيها السكران قوله: اعتبروا من نحسي ياناس ... أوعوا تجوا صوب الكاس أصل الضنا والإفلاس ... خمره في كاس الساقي في كأس الساقي خمره ... وفي قلب الشارب جمره

стр. 6343

لاتشرب منها بمره ... لتصبح بالدنيا راقي ومن تفنناته قوله من قصيد طويل موجهاً بالغناء وألفقه ومورياً: يبكي (صبا) في حين بتغني (نوي) يلي شفافك تمر خالي من النوى أحرقت قلبي بالتجافي والنوى ... ما كان ظني فيك تحرق منزلك ما سمعت في محبوب أحرق مسكنه ... واللي عطاه أياه واللي سكنه مين عاد من أهل الضمانة يضمنه ... إذا عرف أنك أحرقته وهوإلك ومن مخترعاته الترصيع في المطلع المخمس المردوف من قصيد طويل يلي بلحظك بابل الأسحار ... وبصحن خدك كوكب الأسحار سرك مصون بمهجة المفتون ... ما بتدركوا الأباب والأفكار سرك مصون بمهجة المفتون ... لولا دموعي والعيون عيون ياظبي عينك سيفها مسنون قطع أكباد الغزلان ... وجندل آساد ألفرسان واستعبد مي وغزلان ... وليلى وعاشقها المجنون ولحظك صاب أسود الغاب ... برشق حراب وشق كبود وهز العطف رماح الحتف ... وسل الطرف سيوف الهند ودار الريح بغير أقداح ... وبلبل صاح بلحن العود ومال البان وسري بان ... وكان الكان بكاف ونون سر الهوى مدفوق ... مع دمعة العاشق يافتنة المخلوق ... ياآية الخالق قلب ألفتى مسروق ... من لحظك السارق سر العيون بيسرق الأرواح ... وبيظهر الأخفى من الأسرار وهكذا إلى آخر هذه الأنشودة البليغة الجامعة لتفننات تأخذ بمجامع القلوب ومن ذلك قوله في مطلع آخر ليس بقابل بلاغة من غيره: حنوا على المحبوس في حبس الهوى ... ضاقت علي الأرض من أربع قطار سهرت عيوني وطال ليلي بالنوى ... من طول ليلي نسيت شو شكل النهار

стр. 6344

سهرت عيوني وطال ليلي بالنوى ... يلي شفافك تمر خالي من النوى غنيت لحن حجاز وعراق ونوي ... حتى بكوا طيور السما ولأنوا الحجار حتى بكوا طيور السما ولأن الصفا ... وزاد نهر الدمع عا نهر الصفا يا حسرتي حل الكدر بعد الصفا ... وصار ألفي وصاحبي وحش القفار وصار ألفي الوحش في قفر اللوى ... ومال صالب مهجتي عني ولوى يلي رفعتو للظى أعلى لوا - دلوا غريب الدار عا ظبي النفاروقوله في مطلع آخر وفيه تلميح وتفنن: آمنت برهان ما بيلزم ... أنك نبي الزهر وبدر التم من طور خدك ما قرب موسى ... ومنين جبت ألن للمبسم من طور خدك ماقرب موسى ... ونارة اشترت منها السما شموساً تخمين قبل مبسمك عيسى ... وحول رضابك خمر حلو الطعم حول رضابك بالعجل خمره ... بكاس العقيق الزابدة حمرة من برقها في وجتنك جمرة ... قلبي مجاهرها وصبري ألفحم خمرة شفافك طعمها سكر ... ممزوج بالأطياب والعنبر خمارها خمارته سكر ... والوف عند أبوابها تلتم إلى أن ختمها بقوله: إياك تطمع بعدها لمرة ... في الطيف كاسات الطمع مرة ما كل مرة بتسلم الجرة ... خايف أنا بعد الطمع بتندم وله مع بعض الزجليين (القوالين) نوادر ومحاضرات ولاسيما ألفران وغيره إلى كثير مما يماثل هذه النوادر والنكات اللطيفة الجامعة لكثير من الأنواع البديعة كالجناس والتورية والتلميح والتوجيه والانسجام والتفنن وغيرها من ملح الكلام ولطائف النظام وكثيراً ما يساعد الزجل على سرد القصص والأقوال طبيعية بدون تكلف أملة القيود مثل الأعراب والوزن الخاص ذلك فيجيئ كله من السهل الممتنع والمعنى المبتكر. عيسى اسكندر معلوف

стр. 6345

مشاهد برلين وعلى ذكر البحث في الأخلاق والآداب اذكر أني كنت أتجول في بعض الغابات حول قرية عن برلين نحو ساعة في القطار (فيزدورف) فخطرت على قلبي الموازنة بين المعارف والأخلاق وبدا لي وقتئذ أن كفة الأخلاق الإنسانية نظراً إلى وزنها بترقياته العلمية لم تزل خفيفة فقلت تحت عنوان أيها الإنسان: أما كفاك ظباء أو مهاً بربي ... حتى تقنصت آساد الشرى بزبي وما اقتنعت بما يطفو على لجج ... فغصت تلقط دراً تحتها رسبا ولمتقف عند تنسيقي المقال إلى ... أن ماج حسناً وصار الثغر والشنبا فبعد الرسالة دهراً أقمت له ... وزناً - أكان حصاً ثم انثنى ذهباً؟ قلبت وجهك بعد الأرض في فلك ... فظلت ترصد منه السبعة الشهبا أما تفقهت عنها في حقائق ما ... وراءها فنضحت الشك والريبا سار اليراع رويداً فانتهضت لما ... يحدو الصحائف في شوط أو الكتبا صغت الحديد مطايا إذ تلبثت ال - جياد أو لقيت في سيرها نصبا وضاقي الأرض ذرعاً عن خطاك فما ... لبست أن سرت في جو مسير جدا واشتقت لهجة ألف فاهتديت لأن ... تمتع السمع منها حيثما ذهبا حكى الصدى صيحة زجت فجئت بما ... يحكي القصائد أنى شئت والخطبا حب الحياة استثار منك إلى ... طب وحرب فكنت البرء والوصبا فما الطبيب بمستشفاه أرغب في ال - بقاء ممن يلاقي البيض والشهبا أرسلت في كل واد رائداً فدرى ... من حكمة البحث كنه البحث والسببا لكنني ما دريت اليوم أنك قد ... أفرغت في نفسك الأخلاق الأدبا كنت أسيح في تلك الغابات ترويحاً للخاطر وإيثاراً لها في بعض الأحيان على مشاهد الحضارة وزخارفها ولاسيما في أيام رمضان حتى قلت خلال السياحة في سياق الأعجاب بالبداوة والارتياح إلى بساطتها أبياتاً صورت فيها حالة راعي الغنم تحت عنوان (الملك الطبيعي) وهي: تقلد الملك بين الضال والسلم ... وهب يفتح من غور إلى علم فعرشه ربوة حاكت طنافسها ... أنأمل الغيث إذ جادت بمنسجم

стр. 6346

والشمس تاج تجلى فوق هامته ... فلا تسوره أضغان محتدم ما البدر والنجم إلا الكهرباء سرت ... من حوله فأماطت برقع الظلم وآلة الطرب الحملان ترتع في ... خصب فيسمع منها أطيب النغم والظبي يرقم في طرس ألفلاة خطاً ... أحلى لناظره من جولة القلم والرعد يوجز في إنذاره خطباً ... يكفيه رائعها عن مطنب الحكم والبرق (برق) بلا سلك يبلغه ... بشرى تلقنها من مصدر الديم صفت مناظر غدران فكان له ... فيها مرايا جلاها ساقل النسم عيناه ذي سارقت جفن المها نظراً ... وتلك ناظرة شزراً إلى الأجم لم يتخذ سمرا توحي إليه بما ... شاءت وتخضب بعض الحق بالكتم وما توارى لا بحجاب تذود أخا ... قضية قد أسالت قلبه بدم لم يثنه الغوص في مجرى السياسة إن ... تهزه رقية النفاث في الكلم ألم تقف تلكم الورقاء تنشده ... من شعرها موقف المثني على هرم وما أمتطى مركباً كي لا يضاق في ... مطافه أنفس العجفاء الهرم ومن تولى زمام الأمر في ملا=لم يقل في ساسهم سعياً على قدم وأذكر أني كنت ذات يوم في مقعد من أحد المنازه العامة وفي يدي صحيفة أكتب بها بعض ما يسنح من الخواطر فوقف علي أحد الأساتيذ فسألني عما أكتب فقرأت عليه من حديث تلك الصحيفة الجمل الآتية: تفرق الأمة يفضي إلى موتها. وأقول التفرق أثر الموت فإن الجسم يموت فتفرق أجزاؤه. أربط نفسك باعتقاداتك تعمل لمن يشب أو ينشأ بعد موتك حتى لا يكون في صدرك حرج إذ تكون بضاعتك بين أهل عصرك كاسدة. يتلذذ المستقيم بعفته كما يتلذذ ألفاسق ببلوغ شهرته ولكن أمام لذة الاستقامة عقبة لا يقتحمها إلا قوي الإرادة. لا تثق في نفسك فيما تدعي من الإخلاص لأمتك حتى يلذ لك أن تصلح الخلل في نظامهم وهم لا يشعرون. إذا وثقت بعرى التوكل على الله لم تحتج أن تمر إلى الحق على جسر من الباطل إن الرجل ليعجب مما يصنع الساحرون أفلا يعجب من لذة تمر على قلبه مر السحاب ثم تنقلب مخازي تلبث في صحيفة حياته أحقاباً. يكفيك فيما تجتني من ثمرة العلم الصحيح أن يرفع همتك عما فتن به الجاهلون من زهرة هذه الحياة. إذا أغلق المحيط

стр. 6347

عين رقبائك وختم على أفواه عذالك ثم راودك على أن تنزع حلية أدبك فقل ليس للفضيلة وطن كيف تسترسل مع الأصحاب إلى أن تحيد عن جانب ألفضيلة وهم لا يرقبون ذمتك فيقفوا لك عند ما تقف في دائرتها. أسير مع الرجل على قدر ما أدرك من قيمته فإن نظرت إليه على حسب وجاهته أو كساد سمعته عند الناس فقد ألقيت بنفسي في حمأة من التقليد. إذا أحببت الذي يجاملك وهو يحارب الله لم يكن بغضك لمن حارب الله وأمسك عن مصانعتك من قبيل الغيرة على حرم الشريعة. لا يدرك قصير النظر من الحدائق المتناسقة غير أشجار ذات أفنان وثمار ذات ألوان وإنما ينقب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقظة. لا تحمل نفسك مالا تطيق من منة وضيعاً ونخوة فخور فإذا أحسست في صدرك بالحاجة إليه فاصنع ماذا تصنع لو بقي في مولته الأولى أو أدركته مولته الثانية. لا تعجب لذوق ينكر ما ألفته أو يألف ما أنكرته حتى ينقلب في التجارب والمشاهدات التي تقلب فيها ذوقك أطواراً. قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة حتى إذا حل في وطنك غالباً دفعك إلى درك أسفل واتخذ من عنقك موطناً. في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم إلا إذا دخلت عليه من باب الغباوة أو خرجت له عن قصد السبيل فأحتفظ بألمعيتك واستقامتك فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يفقهون. إن من الجهال من يرمي على مقام وجيه فعلمه بسيرتك القيمة إن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً وإن وضع بإزائها السلطة الغالبة أو الثروة الطائلة يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة وهو يلاحظ من ورائها منفعة لنفسه يكون في حل من وخزات أقلامها أما أطواق الشكر الصادق فإنما يتقلدها المخلصون ألا ترى الماء الذي في مجاريه الأقذار كيف يتهجم منظره ويخبث طعمه فاطرد عن قلبك خواطر السوء فإنه المنبع الذي تصدر عنه أعمالك الظاهرة لا تنقل حديث الذي يفضى به إليك عن ثقة أمنك وحسن عقيدة في أمانتك ويمكنك متى كان يرمي إلى غاية سيئة أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله فتحفظ للمروءة عهدها وتقضي للمصلحة العامة حقها لو فكرت في لسانك حين يعرض لاطراد نفسك لم تميزه عن السنة تقع في ذمها إلا بأنه يلصق بك نقيضة لا يحتاج في إثباتها إلى بينة إذا ركبت في السياسة مركب الشعر فقلت ما لا تفعل أو همت في واد لا تعرج فيه على حق فانفض ثوبك من غبارها فإنه ليس بالغبار الذي يصيبك في سبيل الله أصغي ذلك الأستاذ إلى هذه المخاطرات فابتسم لها ابتسام

стр. 6348

المستحسن ولكنه ناقشني في الخاطرة الأخيرة منها قائلاً إن مجال السياسة أوسع من دائرة الحقيقة) فلم يسعني في الجواب عن هذا النقد سوى أن قلت أن الوقائع النادرة لا تمنع من سبك المقلات الموجزة وصياغتها في أساليبها المطلقة نقودهم تحتوي الليرة على ٢. ماركاً وتترتب من ٩. . قسم من الذهب و١. . قسم من النحاس ويحتوي المارك على ١. . فينيش ويتركب كالقطعة ذات ثلاثة أو خمسة ماركات من ٩. . قسم من ألفضة و١. . قسم من النحاس ويتركب ألفنيش من ٩٥ قسماً من النحاس و٤ أقسام من القصدير وقسم من الزنك وهناك قطع من النيكل ذات خمسة فينيشات وتتركب من ٢٥ قسماً من النيكل و٧٥ قسماً من النحاس ولا فرق في المعاملة عندهم ما بين الأوراق النقدية والمسكوكات الذهبية والفضية وكثيراً ما تعطى الورقة ذات الخمس الليرات لمن يستحق مقدار عشرة متليكات كصاحب القهوة فيمسكها من غير أن يشمئز منها قلبه ولا يعز عليه أن يصرفها بأوراق صغيرة وكثير من المسكوكات ألفضية كلمة في الموسيقى اقتبسوا أنغامهم الموسيقية وتلاحينهم من الأوضاع الإنكليزية وقد هموا هذه الآونة أن يهجروها ويستبدلوا غيرها بها قطعاً لآثار الإنكليز من بينهم وأكبر موسيقي ظهر لديهم الشاعر (فكتر) - المتوفي سنة ١٨٨٣ وله روايات شعرية تستعمل في الملاهي التي تجري فيها الروايات مقارنة لأنغام موسيقية وتستعمل عندهم رويات شاكسبير الإنكليزي من شعراء المائة السادسة عشرة وقد أحب بعضهم طرحها والاستغناء عنها بالروايات التي هي من أوضاعهم ورأى آخرون إبقائها لأن شاكسبير لم يقل في الأمة الألمانية سوءاً اللغة ونبذها من آدابها تنقسم اللغة الجرمانية إلى قسمين شمالية وتندرج فيها الدانماركية والنرويجية والسويدية وجنوبية وتدخل فيها الإنكليزية والهولاندية والألمانية واندمج في اللسان الألماني مفردات كثيرة من اللسان ألفرنسي والإنكليزي وكان فيما ولد عن هذه الحرب أن أخذوا في إلغائها والاستغناء عنها بما يقوم مقامها من الأوضاع الألمانية ولا يعز عليهم ذلك ما دامت لهم جمعية لغوية قائمة بإصلاح اللغة وتكميل نواقصها بني اللسان الألماني على وضع

стр. 6349

الأعراب مثل اللغة العربية وينقسم الاسم فيه إلى مذكر ومؤنث وواسطة يسمى بالمجرد وعلامات الإعراب في الأنواع الثلاثة مختلفة ومن خواص هذا اللسان أن يضع المتكلم أداة التعريف ويذكر عقبها أوصاف المعرف مفردات وجملاً ثم يأتي بالسم المعرف من بعدها وربما اشتملت تلك الجمل المتوسطة على أدوات تعريف ومعرفاتها ويماثل هذا أن لهم أفعالاً كثيرة تتركب من كلمتين وتدل على معنى واحد فيأتي شطر ألفعل بصدر الجملة وتلقى القطعة الثانية في آخرها وقد يفصل بين القطعتين بما ينوف على عشر كلمات وهذه الوجوه هي التي يلاحظها من يرى في تعلم هذا اللسان صعوبة تستدعي مدة أوسع من أوقات تعلم كثير من الألسنة ولكنها من جهة الكتابة سهلة المأخذ جداً لأنم الأحرف المرسومة هي المنطوقة بها من غير تفاوت ويلتزمون التعبير عن المفرد المخاطب بضمير الجمع إلا لاأن يكون من صغار أقاربه أو يكون الخطاب في شعر وإيراد ضمير الجمع للمفرد المخاطب تعظيماً له لم يكن معتاداً للعرب قبل هذه العصور وإنما يعرف منهم هذا الأسلوب في حال المتكلم فيستعمل المتكلم ضمير الجمع مكان ضمير المفرد تعظيماً لنفسه وورد عنهم ضمير الجمع المخاطب في الواحد بقلة ومن شواهده قوله تعالى (رب ارجعون) الآية حيث وقع خطاب الله تعالى بواو الجماعة إجلالاً وأدباً رفقت لهم فيما يستعملون من محاسن البديع على مثل الجناس والتورية وكانوا يعتبرون في طريقة شعرهم اتفاق الكلمات في أحرفها الأولى وأصبحت اليوم مراعاتهم لهذا الشرط نادرة أما صنعاة الخطابة فإني كنت شهدت محاضرات وخطباً كان أصحابها ينظرون عند إلقائها إلى أوراق نصب أعينهم فوقع في خاطري أن هذه الصناعة لم تبلغ عندهم أشدها ولكني حضرت مسامرة موضوعها (الإسلام في عالم الحرب) فقال بعد المسامر ثلاثة خطباء من غير أوراق والقوا خطباً مسهبة بترسل في القول ونؤدة ولا يشير الخطباء بأيديهم كثيراً حال الخطبة بل سمعت منهم من ينكر ذلك الصنيع ولا سيما حركة لا يكون وضعها مناسباً للمعنى الذي يقترن بها وهذا ما كان العرب ينقدونه على خطبائهم أيضاً قال الحجاج لأعرابي الخطيب أنا قال نعم لولا أنك تشير باليد وتقول أما بعد ويعدون بسمرك من أبلغ خطبائهم الذين يخطبون بلهجة شديدة ولبلاغته في لسانهم يستشهد مؤلفو الكتب اللغوية ببعض عباراته يوجد في أدابهم من يقول الشعر ارتجالاً كنت حضرت لشاعر يقف في مشهد عظيم فيلقى عليه طوائف من

стр. 6350

الحاضرين جملاً منثورة في معان متباينة وهو يكتبها في أوراق بيده جملة بعد أخرى وبأثر ألفراغ من الكتابة ينطق بكل جمله منها شعراً يؤديه في صوت ولهجة قوية ضبط إداري يوجد مع كل شرطي سفر في ضمنه أسماع الشوارع والحارات والمحلات الشهيرة مثل دوائر الحكومة والمعاهد العلمية فيستعين به في أداء وظيفته ويهدي به من عمي عليه السبيل من السائلين ويحمل ميزات المائعات (أر يوميتر) فيزن ما يجده عند الباعة من حليب ونحوه فإذا عرف فيه خلطاً أراقه ويراقب الشرطي الغرباء وغيرهم يتتبعهم بالملاحظة حيثما تقلبوا كنت يوم ماراً في جاداً من العاصمة فلقيني شرطي وناولني مكتوباً أرسل إلى من طرف إحدى الجمعيات وانصرف من غير أن يسألني عن اسمي ومن تراتيب إدارة الشرطة أن أصحاب البيوت أو الخانات إذا نزل عندهم أحد قدموا إليها ورقة تحتوي على اسمه وبلاده وعمره وحرفته ثم أن الدائرة تطلب الشخص نفسه لتنظر في حاله وتطلع على رخصة سفره أن كان من بلاد أجنبية. ومن شواهد اعتناء إدارة السكة الحديدية بالشؤون المتعلقة بها وأخذها فيها بطريق الحزم أن ضاعت مني ورقة القطار الشهرية بين برلين وقرية فنزدورف فبقيت ثلاثة أيام أسافر بورقات يومية ولما جئت في اليوم الرابع إلى مقطع الأوراق أقبل على أحد العاملين في الإدارة وقال لي ضاعت منك ورقة شهرية وقد عثرنا عليها ثم صعد إلى محل الإدارة وناواني إياها وكان وجه العجب إني لم ألق إليهم خبرها من قبل ولم أضع عليها اسمي ذهولاً عما جرت به عادتهم. العقوبة البدنية لا يجيزون العقوبة البدنية إلا لمن سجن في جناية تنزع شرفه ويخاطب عند ذلك بضمير المفرد المخاطب ومن أمثلة الجنايات التي ينسلخ بها الشرف عندهم أن يفسد الرجل عرض من لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة من سنها ويجري الإعدام قصاصاً عندهم بآلة مثل الساطور تضرب في عنقه من خلف ولا يقع علناً بل يشهده أفراد خاصة مثل الحاكم به والمدعي العام. مسجد الأسرى

стр. 6351

أنشأت الدولة الألمانية للأسرى المسلمين جامعاً للصلاة وحماماً ومحلات للوضوء ومنارة شامخة للآذان وإقامت غرة رمضان سنة ١٣٣٣ حفلة افتتاحية محضرها سفير دولتنا العلية محمود مختار باشا وفريق من أعيان العسكرية والنظارة الخارجية الالمانية وجمع كبير من الشرقيين والمستشرفين فألقى نائب النظارة الحربية خطاباً ترجمه إلى العربية بمنطق فصيح القبطان منس ثم ألقى سفيرنا خطاباً باللسان الألماني ثم تلا أمام الاسارى وهو من أعيانهم الجزائر بين خطاباً شكر فيه رفق الدولة الألمانية ومجاملتها لهم ثم القي كاتب هذه المقالة خطاباً عربياً. عنايتهم بأحوال الشرق لم يكن للألمان على ما عهدوا من إشباع البحث في أحوال الأمم عناية بمعرفة الشؤون الشرقية تشابه العناية التي أخذتهم لعهد هذه الحرب فقد أصبحوا يوسعون البحث في أحوال الشرق ويلتقطون دقائق أخباره السياسية أو العلمية أو الاجتماعية بملء آذانهم ومجامع قلوبهم ومن أثر هذه العناية أن أنشئوا منذ ابتداء الحرب دائرة ترتبط بنظارة الخارجية تسمى إدارة الأخبار الشرقية واستخدموا فيها فريقاً من العارفين الألسنة الشرقية فترى بين العاملين فيها الكاتب العراقي والمصري والجزائري والفارسي والحجازي والقفقاسي والهندي وتجلب إليها الجرائد والمجلات العربية والتركية والفارسية والهندية وغيرها ويترجمون منها إلى الألمانية ما يهم الإطلاع عليه، ولا سيما المقالات والآراء التي لها مساس بحالة الإسلام أو ألمانيا ومن أعمال هذه الإدارة نشر الرسائل والمحاضرات التي لها علاقة بالحرب الحاضرة بالسنة مختلفة. وألقى بعض الألمانيين أيام كنت هناك محاضرات كثيرة في الكشف عن أحوال الشرق الإسلامي منها محاضرة تبحث عن الاقتصاد في العثمانية وأخرى في ألفرس ومحاضرة موضوعها الإسلام في عالم الحرب، ومن عاداتهم في المحاضرة أن ينصب المحاضر عن يساره أو يمينه خريطة البلاد التي يقصد البحث في حالتها وربما عرضها في التمثيل السموتغرافي ويشير في أثناء تقريراته بإصبعه أو بقضيب في يده إلى الأماكن التي جرته المناسبة إلى الحديث عنها. ومن بين صحفهم مجلة تسمى (العالم الإسلامي) تنشر الأبناء الواردة عن عالم الإسلام وتبحث عما يجري فيه من شؤون اجتماعية أو علمية، وكنت أهديت إلى مدير الأخبار الشرقية نسخاً من تأليفنا الحرية

стр. 6352

في الإسلام. حياة اللغة العربية. الدعوة إلى الإصلاح. مدارك الشريعة الإسلامية. مناهج الشرف. فعرضها على الأستاذ (مرتين هرتمان) مدرس اللغة العربية بمدرسة الألسنة الشرقية وأخبرني هذا الأستاذ أنه كتب في التعريف بها كتابة يريد نشرها في عالم الصحافة. دمشق محمد بن الخضر

стр. 6353

مخطوطات ومطبوعات الأسرار الكونية في الكرة الأرضية الجزء الأول والثاني تأليف محمد علي أفندي المحايري طبع بمطبعة روضة الشام بدمشق سنة ١٣٣٣ وهو مختصر في أقسام الأرض الطبيعية والسياسية وأقسام المخلوقات مع فروعها وهو نافع لتلامذة المدارس الأحداث وقد توسع المؤلف قليلاً في جغرافية بلاد الشام وعساه يعتمد في الطبعة الثانية على أحدث المعلومات عنها فإن منها ما قدم وتغير ولكن ذلك لا يضر بفائدة هذه الرسالة. دروس الزراعة تأليف فوزي بك العظم طبع على نفقة المكتبة الهاشمية بمطبعة الترفي هو مختصر يحتوي على أبحاث زراعية مقتبسة من إحداث الكتب العصرية والمؤلف سبق له أن نشر رسائل في بعض العلوم الحديثة واعتاد التأليف والتدريس وعرف حاجة الطلبة ولا غرو إذا كانت رسائله وكتبه نافعة في بابها لمن يقصد به نفعهم من عشاق العلم والمعارف. كنز النجاة في علم الأوقاف للشيخ عبد الواسع يحيى الواسعي طبع بمطبعة الفيحاء بدمشق سنة ١٣٣٤ هـ هو مختصر في ألفلك القديم ذكر فيه عدد المنازل وتقسيمها إلى الجنوب والشمال وتقسيمها على فصول السنة ومعرفة ميزان الشمس وعدد البروج وتقسيمها على المنازل وعدد الشهور الرومية وأسمائها ومعرفة العمل بجدول السنين العربية وجدول الأوقاف ومعرفة القمر في أي منزلة ومعرفة الساعات بالنجوم ونجوم الزيادة والنقصان والإستواء ومعرفة ألفجر الصادق والكاذب والكوكب الليلي والنهاري ومعرفة ساعات الظهر والعصر ووقت

стр. 6354

العشاء ووقت ألفجر إلى غير ذلك من ألفوائد. تاريخ بيروت تأليف ف. فارجابيد هو مختصر في تاريخ بيروت نشرة بالا فرنسية في جورنال بيروت ثم طبع على حدة وفد اعتمد فيه المؤلف على مصادر كثيرة وواجز بقدر ما تساعد عليه حالة جريدة يومية ومع هذا فهو غاص بالفوائد. السنة الأولى للحرب ////. هو مختصر الحوادث في الحرب وكيف نشبت الحرب بين الدول المركزية وسائر دول أوربا نشرتها جريدة بيروت الافرنسية باللغة الافرنسية بعبارات موجزة اخصر من عبارات البرقيات كل يوم بيومه بحيث يرجع إليها فيما بعد ويأخذ منها محل الشكال من أيسر سبيل فلهذه الجريدة الشكر على هذه العناية. حق اليقين في التأليف بين المسلمين للسيد محسن الأمين نشرت أولاً في مجلة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٢ غرض المؤلف أن يفهم ألفريقين أهل السنة والشيعة أن منافرة كل فريق للفريق الآخر لا تعود عليه بنفع وإنما تجلب له الضرر وإنه يجب على ألفريقين تحكم العقل والدين لأجل التقرب من ألفريق الآخر ومعاملته بالحسنى وأورد على ذلك الحجج. رسالة الخط للشيخ أحمد رضا نشرت تباعاً في مجلة العرفان سنة ١٣٣٢ في ٤٨ صفحة المؤلف مشهود له بالفضل وسعة المدارك والبحث العلمي عرف ذلك له مما كتب في

стр. 6355

المجلات ولا سيما في العرفان والمقتطف وهذه الرسالة في الخط هي مما خططه أنامله من حاضر المواد التي عثر عليها ووصلت إليه فأشبع الموضوع وضوحاً ببحثه من أطرافه. كتاب المسح على الجوربين تأليف المرحوم الشيخ جمال القاسمي ويليه كتاب الاستئناس لتصحيح انكحه الناس له أيضاً طبعاً في مطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٣٣ هاتان الرسالتان لفقيد الإسلام المشار إليه وهو كسائر ما كتبه من التحقيق وبغض النظر وفهم أسرار الشريعة وتقريب الناشزين منها إلى إرجاعهم إلى حظيرتها وقد عني بتصحيحهما شقيق المؤلف الشيخ قاسم خير الدين القاسمي. المردانيات لشيخ الإسلام أحمد تقي الدين بن تيمية طبع على نفقة الشيخ نايف سليمان الصالح شبلي في مطبعة ألفيحاء بدمشق سنة ١٣٣٣ (ص١٢٢) أبدع شيخ الإسلام ابن تيمية المصلح الأعظم في القرون الوسطى في كل ما كتبه وهذه الرسالة هي في حل مسائل يكثر وقوعها ويحصل البتلاء بها ويحصل الضيق والحرج بالعمل بها على رأي إمام بعينه وكلها معقولة مشفوعة بالعقول الصحيحة الجغرافية العمومية العثمانية الحلقة الثالثة تحتوي على ٤٤ شكلاً و٨ خرائط تأليف أحمد جودت أفندي المارديني طبعت بمطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٣٣ (٣. ٤) هو مختصر مفيد في هذا ألفن الجليل جعله المؤلف بحيث تتناوله أذهان الطلبة على أسهل ما يكون ورتبه على طريقة جميلة في إجمال ما فصل والسؤال عما أورد في كل فصل واعتمد فيه على أحدث كتب هذا ألفن.

стр. 6356

مبادئ الجغرافيا العمومية والعثمانية تأليف أحمد جودت أفندي المارديني طبع بمطبعة الترقي بدمشق هذا مختصر من الكتاب الأول يحتوي على ٣١شكلاً و٨ خرائط بنفع أحدث الطلاب وأصغرهم سناً وعسى المؤلف أن يكمل هذه السلسلة البديعة فيجعل عدة كتب بحيث يستغني بها الطالب عن تطلب المزيد في علم تقويم البلدان. ولاة مصر وقضاتها لأبي عمر محمد بن يوسف الكندي نشره المستر رفن غست طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩٠٨ طبع هذا الكتاب الأوصياء على تركة المستر جيب المستشرق ذكرى لأثره وإتماماً للخدمة التي كان بدأ منها من أحياء أثار العرب والفرس والترك وقد أضاف إليه طابعه ذيلاً لأحمد بن عبد الرحمن بن برد في أخبار القضاة الذين تولوا مصر سنة ٢٣٧ و٤١٩ منقولاً عن كتاب رفع الأصر في قضاة مصر للحافظ بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ ومن كتاب النجوم الزاهرة بتلخيص أخبار قضاة مصر والقاهرة لجمال يوسف بن شاهين سبط بن حجر ومن كتاب تاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين الذهبي الدمشقي المتوفي سنة ٧٤٨ فجاء الأصل ألفرع في ٦١٤ صفحة عدا فهرس الإعلام الذي يبلغ نحو ٧. صفحة وعدا المقدمة الإنكليزية التي قدمها الناشر وهي تبلغ مع ألفهارس نحو٦. صفحة وعدا الخريطتين الإنكليزيتين اللتين شفع بهما الكتاب وهما خريطة مملكة الدولة العباسية وخريطة مصر وقد أتى بنموذج من الخط المنقول عنه الأصل طبعه بالطبع الحجري. وقد كان كتاب القضاة الذين ولوا قضاء مصر لكندي هذا مع ذيله لابن برد طبعاً في رومية سنة ١٩. ٨ على يد الأستاذ كوتهيل أستاذ جامعة نيويورك وألحقه ببعض ألفهارس فجاء في ١٦٧ صفحة ماعدا ألفهارس إلا أن هذه الطبعة التي وضعها المستر غست مع الزيادات أتم وأهم (المقتبس م٦ص ٧٧٣) وفي المقدمة الإنكليزية به تاريخ القطر المصري وما تقلب عليه من الحوادث وكلام على المؤلف طويل والنسخة المنقول عنها كتبت له أيام كان قائداً

стр. 6357

لجيوش الملك المعظم عيسى الذي حكم دمشق من سنة ٦١٥ إلى سنة ٦٢٤ وطريقة المؤلف في الرواية طريقة المحدثين وفي الكتاب مادة لمعرفة تاريخ مصر والشام ولاسيما مصر ومن قام فيها من رجال وما حدث فيها من الأحداث وهاك نموذجاً منه قدوم أمير المؤمنين ألفسطاط قدم لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائتين فسخط على عيسى بن منصور وأمر بحل لوائه وأمره بلباس البياض وقال لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك حملتم الناس ما لم يطيقون وكتمتوني الخبر حتى تفاقم الأمر واضطربت البلد وضم أصحابه إلى أبن عمه موسى بن إبراهيم وولى المأمون على شرط الفسطاط أحمد أبن اسطام الأزدي من أهل بخارى وركب أمير المؤمنين فنظر إلى المقياس وأمر بإقامة جسر آخر فعمل له هذا الجسر القائم بالفسطاط اليوم وترك القديم وعقد لأبي مغيث موسى بن إبراهيم على جيش بعثه إلى الصعيد في طلب أبن عبيدس الفهري ومعه رشيد التركي فظفروا بالفهري بطحا وارتحل المأمون إلى سخاسلخ المحرم سنة سبع عشرة ثم سار إلى البشرود والأفشين قد أوقع القبط بها فنزلوا على حكم أمير المؤمنين فحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال فبيعوا وسبي أكثرهم وأتى بالفهري إلى سخا فقتله وتتبع كل من يومي إليه بخلاف فقتله فقتل ناساً كثيراً ورجع إلى ألفسطاط يوم السبت لست عشرة من صفر سنة سبع عشرة ومضى إلى حلوان فنظر إليها وأقام بها ثلاثاً ورجع إلى ألفسطاط فخرج على مقدمته أشناس وارتحل المأمون يوم الخميس لثماني عشرة من صفر فكان مقامه بالفسطاط وسخا حلوان تسعة وأربعين يوماً هذا مثال من العمل الإداري في مصر لعهد المأمون والعبرة في هذه القصة بقول المأمون ﵁ لعاملهلم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك حملتم الناس على مالا يطيقون وكتمتموني الخبروكانت الناس في تلك العصور على شيء من الأباء وعزة النفس ومن ذلك أمثلة كثيرة في هذا الكتاب منها ما ورد في الذيل نقلاً عن رفع الأصر في ترجمة عبد الله بن أحمد بن زبر أحد القضاة الذين تولوا دمشق ومصر قال المؤرخ أنه كان قوي النفس كثير الجهد واسع الحيلة وكان الوزير علي بن عيسى منحرفاً عنه ولما سعى في قضاء مصر دافع بولايته وكان السبب في انحرافه عنه كان يولى فضاءؤ دمشق فاتفق أن الوزير دخل دمشق في مهم من المهمات فخرج أهلها إلى لقيه ومنهم القاضي فسايره فصاح به أهل البلد ونسبوا

стр. 6358

القاضي إلى كل سوء من الرشا والظلم وغيرهما من ألفواحش والوزير يلتفت إليه فيقول له ما يقولوا هؤلاء فقال يشكون إلى الوزير غلو الأسعار وضيق الأحوال ويسألون حسن النظر إليهم والعطف عليهم فلما عاد إلى بغداد صرفه عن الحكم بدمشق أقبح صرف قال الحافظ الذهبي في حوادث سنة ٣٢٩ قال أبو عمر الكندي أخبرني علي بن محمد المصري أنه رأى القاضي ابن زبر بدمشق اجتاز بسوق الأساكفة فشغبوا عليه ودقوا بشفارهم تخوتهم قائلين كلاماً قبيحاً وهو يسلم عليهم ويتطارش ويظهر أنهم يدعون له وهاك نموذجاً آخر من الكتاب قال ابن ميسر لما مات ابن الخطيب سعى ابن الوليد في القضاة وبذل لكافور مالاً فقام الناس في وجهه فرفعوا عليه فعزل عنه إلى أبي طاهر الذهلي ولما ولي عبد الله بن وليد قضاة دمشق أرسل ولده محمداً نائباً عنه وكان أهل دمشق اختاروا حكم بن محمد المالكي قاضياً عليهم لما شعر القضاة بموت قاضيهم الخصيبي وإعزال خليفته محمد بن اسمعيل الزيدي وذلك في أمرة فاتك الأخشيدي على دمشق فوصل محمد إلى دمشق في شعبان سنة ٤٨ وهو شاب ثم وقع من دمشق من أهل دمشق منازعة في اختيار من ينوب في القضاة فتعصب قوم لمحمد ولد ابن وليد وقوم ليوسف الميانجي وكان الأعيان مع الميانجي والأوباش مع ابن وليد وذلك في رجب سنة ٤٩ فاجتمع الشيوخ وانضم أكثر أهل البلد فاجتمعوا بفاتك ورفقته الغلمان الأخشيدية وشكوا لهم ما لقوا من الإساءة فانصفوهم فانصرفوا من عنده احسن انصراف وصرف ابن وليد. رواية وفود النعمان هي عربية تاريخية تمثيلية تمثل وفود العرب على كسرى أنو شروان ذات خمسة فصول لمؤلفها محمد عزت أفندي دروزة من أدباء نابلس جاءت في ٥٤ صفحة. في زوايا القصور طبع بمطبعة جدعون في بيروت سنة ١٩١٣ هو سفر أخبار ونوادر غربية عن ملوك هذا العصر وأمرائه وحياتهم البيتية مأخوذة عن أوثق المصادر مكتوبة بعبارة سهلة طيلة بقلم أمين أفندي الغريب ومطالعة هذا السفر تسلي القارئ وتزيد معلوماته عن الغربيين وعاداتهم وما حواه مبعثر في بطون الكتب والصحف فجمعه المؤلف على هذا المثال بعد نشره في جريدة الحارس.

стр. 6359

تاريخ آداب اللغة العربية تأليف جرجي بك زيدان صاحب الهلال الجزء الثالث ص ٣٤٨ طبع بمطبعة الهلال بمصر سنة ١٣١٣ يحتوي هذا الجزء على تاريخ آداب اللغة العربية من دخول السلاجقة بغداد سنة ٤٤٧ وإلى دخول ألفرثا وبين مصر سنة ١٣١٣ وفيه كلام على ما انتجته العقول في العصر العباسي الرابع والعصر والعصر المغولي والعصر العثماني وهي عصور الإكثار من المصنفات وتأليف أمهات كتبنا منسقاً أحسن تنسيق على عادة المؤلف فقيد الآداب بحيث يقرأ المرء كل فصل في محله ويلتقط كل فائدة من مكانها وكتابه زبدة عشرات من كتب العلم والتاريخ والسير المعروفة ومنها المخطوط الذي تيسر للمؤلف العثور عليه في بعض المكاتب العامة والخاصة ولو كانت طبعت جميع تركة السلف من الأسفار لجاء هذا الجزء ضعفي ما هو عليه من الحجم وتكون ألفائدة على تلك النسبة ولكن لا جود إلا من موجود ومن تلا هذا الجزء والجزئين السالفين يتبين له إفدار علماء السلف وإكثارهم من التأليف في كل فن ومطلب أيام كانت اللغة زاهرة وسوق العلم نافقة غير بائرة. إرشاد الأمة إلى التبر المدفون القسم الأول تعريب أحمد مختار بك الحسني طبع بمطبعة الترقي بدمشق عام ١٣٣٣ هـ (ص١٧٦) هو كتاب في الزراعة عربه معربه عن الإفرنسية ومزجه ببعض الأفكار من عنده ولا سيما في المقدمة وصف فيها حالة الزراعة وتسامح ألفلاح السوري والملاك السوري وقد حلاه ببعض الصور فجاء نافعاً في بابه لقلة ما في الأيدي من الكاتب الزراعية الحديثة ومن أهم ما قرأناه فيه الإدارة الزراعية في الغرب والإدارة الزراعية في سورية إلا أنه ألقى جميع التبعة لتساهلنا على عاتق الأهليين وحدهم فنحث كل من تهمه الزراعة على مقتتناه تنشيطاً لمؤلفه وأخذاً من فوائده المقتبسة عن الغربيين. التصريف الملوكي

стр. 6360

صنعه أبي ألفتح عثمان بن عبد الله بن جني عني بتصحيحه وفهرسة مطالبه وشواهده وإشارات جملة الشيخ محمد سعيد النعسان طبع بمطبعة شركة التمدن المصرية سنة ١٣٣١ و١٩١٣ المؤلف من أئمة العربية والناشر الشارح من أساتذة حماه لعهدنا وقد جود طبعه بالشكل الكامل وعلق عليه تعليقات لطيفة فجاء وافياً بالمراد جديراً بإقبال طلاب العربية عليه الذين يشكرون له هذه الخدمة ويتمنون إطرادها بأحياء الأسفار النافعة للسلف وخدمتها بالتعليق عليها خدمة تقر بها من أذهان الطالبين والمتأدبين. جواهر الأدب من خزائن العرب طبع في المطبعة العمومية في بيروت هو مجموع آداب وحكم وأشعار ولطائف مختارة من أهم كتب المحاضرات والأدب ودواو البلغاء بنشره سليم أفندي إبراهيم صادر صاحب المكتبة العمومية في بيروت وقد ظهر منه إلى الآن خمس مجلدات لطيفة وكلها بالشكل الكامل طبعت بالمطبعة العلمية فنثني الثاء المستطاب على جامعها وناشرها ونحث المدارس على الاعتماد على مثل هذه الكتب القليلة الجرم الغزيرة العائدة التي تقوي ملكة البيان في الشبان وتجعل منهم عبارات البلغاء والحكماء على طرف الثمام. كتاب الياس جرجس طراد جمع جرجي أفندي نقولا باز طبع بمطبعة جدعون في بيروت سنة ١٩١٤ (ص٣٩٨) أجاد صديقنا جامع هذا الكتاب في جمع سيرة سليل مني طراد المشهورين بأنه ظهر بينهم عدة فضلاء ونوابغ أدباء وهذا هو في جملتهم وقد الم بأصل أسرة طراد البيروتية وقال أنها عادت كمعظم الأسر المهمة في لبنان في القرن الرابع عشر من حوران إلى الكورة وبعد مائتي سنة تفرقت في البلاد وذكر تراجم المشاهير من هذه الأسرة وتوسع في ترجمة من ألف له الكتاب وذكر شيئاً من خطبه ومقالاته وكتبه وشعره فاستحق صديقنا المؤلف

стр. 6361

ثناء الأدباء لعنايته بأخبارهم وآثارهم وغيرته على ألفضل والفضيلة. التحفة السنية في المشايخ السنوسية لعلي أفندي الجميل الموصلي طبعت بمطبعة سرسم في الموصل سنة ١٣٣١ هي رسالة نافعة جميلة الإنشاء عرب بعضها عن رسالة تركية لأحمد حلمي أفندي الفلبه لي ضم إليها معربها ما قالته بعض الصحف العربية في الشيخ السنوسي ونسبه وأسرته وعمله في الحرب الطرابلسية وما صدر عنه فيما قيل من الرسائل إلى قائد العساكر الطليانية والرسالة مفيدة في بابها لو تجردت من المبالغة.

стр. 6362

أخبار وأفكار الخط البغدادي سيكون أهم الخطوط الحديدية في السلطنة خط الأستانة - بغداد وطوله ٢٤٢٥ كيلو متراً تم منها الآن ١٨. ٢ وجرى استثمراها بالفعل أما ال - ٤٢ كيلو متراً المارة من سلسلة جبال طوروس وال - ١١ كيلو متراً الواقعة في النفق العظيم هناك فلا يتأتى إنجازها قبل ستين لعسر الطريق وقد انشئ طريق موقت ربط الخط به الذي انتهى إلى رأس العين على نحو ثلثمائة كيلو متر من حلب. قرانا وقراهم كتب رصيفنا صاحب الدام في جريدته مقالتين وصف بهما قرية قلد كيرخ في النمسا على عشرين دقيقة من الحدود السويسرية وسكانها خمسة آلاف يعيشون من غاباتهم وبقولهم وذكر فيها من أنواع الرفاهية والراحة والجمال واللطف ما لا يقصر عن أجمل العواصم هذا إلى تلك الغابات التي أصبحت بها الجبال والأودية خضراء غضراء والمياه تنبعث من كل مكان فكثرت بها المروج السندسية وعدلت برد الشتاء وحر الصيف ولم تصبح عرضة للسيول وتطهرت الأودية من الحصى الذي تجرفه الأمطار وكثرت الألبان وجادت اللحوم والثمار وأصبح السكان مظهراً للحياة المدنية وذكر عناية الأهلين بهندام بيوتهم وغرس الزهور والأشجار حواليها ولكل بيت حديقة تكفيه أرضها لإنبات البقول له وما يغالون به من تنظيم الكنائس والمدارس ولكل قرية مهما صغر حجمها كنيسة ومدرسة في أجمل مكان وأمتن صورة من البنيان وأن الحكومة أنشأت لهذه القرية كل مرافق الحياة من طرق معبدة وجادات وطرق وجسور وسكك حديد وتلفزيونات وإنارتها بالكهرباء والغاز وجعلت فيها بريداً ومدارس وملاعب عالية للبنات ودار للمعلمين وقال أن مثل هذه البلاد يحق لأهلها أن يدفعوا عنها من فتيانها إلى ابن الستين ولولا الحرب لقلت أنها أسعد بلد يسكنها إنسان لجمال أبنيتها وما زينت به من البدائع الصناعية الطبيعية وأنه يرى أن الأهالي إذا رقتهم الحكومة أولاً يعملون بعد أعمالاً مهمة كما فعل اليسار من سكان هذه القرية فإنهم أقاموا من أموالهم مقاعد في الجبال والأودية للسياح الذين يزورون بلدهم ليستريحوا عليها ولم يقولوا

стр. 6363

أن ذلك أمر لا يعنيهم وقال أن الوالي والمتصرف والقائمقام إذا كان لهم ذوق ومعرفة ينهضون بالبلاد نهوضاً غربياً وإن أعمالنا في الولايات لا يعنون بترقية من يتولون أمرهم وقال لو كان لي من الأمر شيء لنظرت في أحوال العامل قبل أن أعينه لأرى إذا كان يحسن تدبير أو أسرته فإذا كان كذلك وسدت إليه أمر الأمة وأيقنت أنه يحسن الإدارة قال أنه يحسن الإدارة قال إن هذه القرية ليس فيها كما في مملكتنا فرد واحد أصابته الحاجة وإن نواب النمسا والمجر صرفوا فضل معارفهم المدنية والاجتماعية في إنهاض أمتهم وإسعادها مما فكروا في إملاء جيوبهم وأنه رأى دكان مزين بهذه القرية ليس مثل مضافتها ولطفها في جميع جادة الباب العالي في دار السعادة وبهذا يتبين ألفرق بيننا وبين جيراننا ولم يرى في الآستانة شبيهاً للبلاط الذي رصفت به شوارع هذه القرية بل ولا متراً واحداً هذا ما قاله صاحب أقدام وهو يعود باللائمة على المحكوم وعلى الحكام أيضاً. والناس كلهم هنا إلا قليلاً حسالة لولا ما يحفزهم دافع الجوع في القرى ما رأيتهم زرعوا أرضاً أما الكماليات التي نعدها نحن كذلك وهي عند الأوروبيين حاجيات بل من متممات الحياة كهندسة البيوت وتنظيمها واستجادة فرشها وتحسين الموائد وهندام الثياب والشعر وقص الشعر واللحية وتعليم الأولاد وحضور الصلوات إلى غير ذلك مما أملت به القوانين الدجولية والمدنية فهذا مما لا يكاد يكون له أثر في أكثر قرانا ولذلك كانت قرية الدكيرخ أرقى من حاضرة ولاية من ولاياتنا بمراحل وليس غنى الأمم بكثرة عددها بل بنسبة الوطنيين العاملين فيها يقول رصيفنا أن النمساويين متدينون لا متعصبون وهذا التدين نفاهم في جامعتهم وتكوين وطنيتهم وليس في الدين ما ينفر من اتخاذ أسباب الراحة والتعامل بالحسنة ولا فيه ما ينكر اللطف والذوق وينافي العمل للرقي. إن قرية كالتي ذكرها يحيط أهلها بكل ما في العالم من موجبات الترقي والتعالي لا يكونون غرباء مما تعمله حكومتهم بل يقدرونه حتى قدره ويبادرون إلى إيجابة سؤلها من تلقاء أنفسهم في يوم الشدائد لو عمل الأهلون الواجب عليهم هنا على القدر الذي تعمله الحكومة لما أنحط لنا عمران ولا شكا ألفقر إنسان وإذا كانت النمسا بل قرية فيلدكيرخ إحدى قراها تعيش عيش سعادة ورخاء فذلك للأثر الناتج عن تعلم أهلها تعليماً عملياً ولأن أهل اليسار من أهلها ما ضنوا يوماً بوفرهم في سبيل الإخاء بأيدي أهل الطبقة الدنية من جيرانهم الغني عندهم لم

стр. 6364

يقل ليس هذا من شأني بل كان يفكر في جيرانه كما يفكر في أهل بيته وبذلك قامت مدينتهم وخافهم عدوهم وغبطهم صديقهم وكانت قراهم أرقى من قرانا ومدنهم لا تقبل القياس مع مدننا. خسائر الاتفاق يفهم من التقارير التي نشرتها دول الاتفاق أن خسائرها كانت إلى أخر سنة ١٦١٥ ثمانية ملايين وثلث مليون رجل منها ٢١. . . . . رجل من فرنسا و٤٦٥. . . . من روسيا و٣٥. . . . من إنكلترا و٣. . . . . من بلجيكا (لم يبقى سوى ٥. ألف من جيش بلجيكا المؤلف من ٣٥. ألف) و ٥. . . . . من سربيا (دعت لحمل السلاح رجالها إلى سن ٧. فبلغ عدد الجيش ٦. . ألف لم يبقى منه سوى ١. . ألف) و٥. . . . من الجبل الأسود و٢٥. . . . من إيطاليا و٨٣. . . . . المجموع. معامل السكر في الشام الغالب أن مؤلفي العرب لم يكونوا يعنون عناية أهل هذه الأيام بذكر الصادرات والواردات من البلاد ولذلك عميت علينا كثير من أحوالها الاقتصادية فلا نعرف أكثر الصناعات التي كانت لعهد ارتقاء هذا القطر مثلاً إلا من سطور قليلة لا تكاد تبل الصدا. من كان يظن أنه كان يصدر في القرن الرابع عشر في الهجرة من بيت المقدس المرايا وقدور القناديل والإبر ومن طبريا ودمشق الكاغد أي الورق ومن صور السكر والخرز والزجاج المخروط لو لم يشر إلى ذلك المقدسي في كتابهأحسن التقاسيم في معرفة الأقاديمإشارة خفيفة. ومعلوم أن هذه الصناعات معدومة بتاتا في هذا القرن الرابع عشر من بلاد الشام وقد كتب الأمير شكيب أرسلان بمناسبة قلة الوارد من السكر وارتفاع أسعاره في القطر الشامي جملة في جريدة الشرق قال فيها: من أكبر دواعي الأسف أن يكون عندنا نهر كنهر الشريعة ماراً بأخصب أراضي الدنيا من بانياس إلى البحر الميت مسيرة خمسة أيام على ألفارس طولاً ويوم واحد عرضاً وأن لا نستفيد منه إلا سداداً من عوز. وأشد داعياً للأسف من ذلك أن تكون هذه شابكة العمارة في الغابر دارة الحلبة فائضة الخير والمير متصلة بالمدن والقرى وأن تبقى الآن عاجزة عن مبرة من فيها من بادية العرب ورحل الغوارنة قال ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦ للهجرة عند ذكر الأردن في معجمه هي أحد أجناد الشام الخمسة

стр. 6365

وهي كورة واحدة منها الغور وطبريا وصور وعكا وما بين ذلك قال أحمد بن الطيب السرخسي الفيلسوف هما أردنان الأردن الكبير والأردن الصغير فأما الكبير فهو نهر يصب إلى بحيرة طبريا لمن عبر البحيرة في زورق أثنا عشر ميلاً تجتمع فيها المياه من جبال وعيون فتجري في هذا النهر فتسقى أكثر ضياع جند الأردن مما يلي ساحل الشام (أين نحن اليوم من هذه الحال) وطريق صور ثم تنصب تلك المياه إلى البحيرة التي عند طبريا وطبرية على طرف جبل يشرف على هذه البحيرة فهذا النهر أعني الأردن الكبير بينه وبين طبرية وأما الأردن الصغير فهو نهر يأخذ من بحيرة طبرية ويمر نحو الجنوب في وسط الغور فيسعى ضياع الغور (وهذا أيضاً لا أثر له اليوم والأراضي التي تسقى في الغور فإنما تشرب من مياه أخر) وأكثر مستغلهم السكر ومنها يحمل إلى سائر بلاد الشرق وعليه قرى كثيرة ومنها بسان وقراوة وأريحا والعوجا وغير ذلك وعلى هذا النهر قرب بحيرة طبرية قنطرة عظيمة ذات طاقات كبيرة تزيد على عشرين (ينبغي أن يكون جسر المجامع ولكن غير الموجود اليوم إذ هذا ليس فيه عشرون طاقة) ذات طاقات كبيرة تزيد على عشرين (ينبغي) أن يكون جسر المجامع ولكن غير الموجود اليوم إذ هذا ليس فيه عشرون طاقة) ويجتمع هذا النهر ونهر اليرموك (ويقال له اليوم شريعة حوران) فيصيران نهراً واحداً فيسقي ضياع الغور وضياع البنية ثم يمر حتى يصب في البحيرة المنتنة في طرف الغور الغربي وذكر ياقوت عند كلامه على الغور والغور غور الأردن بالشام بين البيت المقدس ودمشق وهو منخفض عن أرض دمشق وأرض البيت المقدس ولذلك سمي الغور طوله مسيرة ثلاثة أيام وعرضه نحو يوم فيه نهر الأردن وبلاد وقرى كثيرة وعلى طرفه طبريا وبحيرتها ومنها مأخذ مياهها وأشهر بلاده بيسان بعد طبرية وأكثر ما يزرع فيه قصب السكر ومن قراه أريحا مدينة الجبارين وفي طرفه الغربي البحيرة المنتنة وفي طرفه الشرقي بحيرة طبريا وقال عنه ذكر بحيرة طبرية وينفصل منها نهر عظيم فيسقي أرض الأردن الأصغر وهو بلاد الغور ويصب في البحيرة المنتنة قرب أريحا فلننظر الآن إلى ما تحول من الأحوال في تلك الأصقاع فنقول أولاً أن كلاً من الأردن الكبير والأردن الصغير يجري في الغور الأعلى ومن دون فائدة تذكر وربما ماتت زوابع كثيرة في الغيران عطشاً والماء جار في جانبها ثانياً إن الأراضي التي لها حظ من الشرب في هذه

стр. 6366

الغيران إنما تسقى من أودية جارية من الجبال مثل سيل الزرقا السائل من جهة عجلون إلى الغرب ومثل مياه بيسان المنحدرة من صوب مرج بني عامر إلى الشرق ومثل ماء ألفارغة النازل من الغرب إلى الشرق ومثل عين السلطان التي تسقي جنان أريحا ومثل ماء غور نمر المنحدر من وادي شعيب أسفل الصلت إلى الغرب وماء حسبان وغيرهما من المياه وهذه الجدأول كلها لو اجتمعت ما ساوت معشار الأردن الذي أصبح عاطلاً من كل عمل ثالثاً إذا وقف السائح على المعالم والآثار ودقق في بقايا القنوات والحنايا تحقق صحة ما هو وارد في كلام ياقوت وغيره من أن الأردن كان يسقي ضياع الغور رابعاً أن زراعة قصب السكر أصبحت اليوم مفقودة من كل هاتيك الأرض مع أنه قد عرف بالتجربة أنه لايوجد أرض صالحة لهذه الزراعة نظير الغور وقد صادف في هذه المدة أن بعض النابلسيين زرع نصيباً من قصب السكر فجاء منه غلة مدهشة ونوع من القصب هو الحلاوة والمائية بحيث لايوجد له نظير في الدنيا ومن هنا يعرف سبب اختيار الأولين هذه الأراضي لزراعة القصب وقد جاء في كلام ياقوت قوله وأكثر مستغلهم السمر ومنها يحمل إلى سائر بلاد المشرق فيظهر منه أنه كان هناك معامل للسكر كما هي الآن في صعيد مصر وفي جنوبي الغور إلى يومنا هذا مكان معروف بمطاحن السكر ومما يدل على وجود السكر قديماً في عكا ما ورد في تاريخ الروضتين عند ذكر فتح صلاح الدين عكا وهو قول العماد الاصفهاني وتصرف الملك المظفر تقي الدين في دار السكر فأفنى قنودها واستوعب موجودها ونقل قدورها وأنقاضها وحوى جواهرها وأعراضها ولعمري عار على البلاد أن تكون فيها معامل السكر في القرن السادس والسابع وإن لا يوجد فيها معمل واحد اليوم حتى يبلغ ثمن رطل السكر مائة قرش فأكثر ويلتجي الناس إلى دبس الحروب الذي كان يباع الرطل منه بقرشين ونصف قرش فصار اليوم بثلاثين قرشاً فإذا أعيد الأردن إلى محاربه الأولى وانشقت منه جداول من عند بحيرة طبرية ذاهبة جنوباً ركبت الغيران بأجمعها بسبب التحدر الذي في الأرض وأصبحت تلك الأراضي كلها سقياً بعد أن كانت عذباً تشرب من ماء المطر. الغذاء غير المألوف إن قلة الأغذية التي أحس بها في كل مكان من الكرة بداعي قد لفتت الأنظار إلى غذاء

стр. 6367

الشعوب المتوحشة ولا سيما من لم تساعدهم الطبيعة وقضى عليهم مركزهم الجغرافي وما في أرضهم من النبات والحيوان أن يتناولوا أطعمة يظهر أنها غير مألوفة لا تؤكل ونحن لا نطعمها للعادة ولو غذاء موقتاً من المآكل ما ألفه الشرقي دون الغربي وعلى العكس وما يطعمه الناس في أوربا قد لا يتناولونه في آسيا وما يحبونه في أميركا واستراليا لا يرغبون فيه في إفريقية وجزائر المحيطين وإذا أعملنا النظر نجد أن غذاءنا قليل الألوان فلا نألف إلا بعض الحيوانات من ذوات الضرعين والطيور والأسماك أما الحيوانات ذوات الأصداف وذوات القشر والهوام وغيرها مما تطعمه بعض الأقاليم فإن فيها ما حرم الإسلام أكله ومنها ما أباحه لم يجوز ألفقهاء أكل كل ذي ناب وذي مخلب من السباع أي سباع البهائم والطيور والسباع يتناول سباع الطيور والبهائم لأن كل ماله ناب أو مخلب سبع والسبع مختطف منتهب جارح عادة عادة فالمختطف مل يخطف بمخلبه من الهواء كالبازي والعقاب والمنتهب ما ينتهب بنابه من الأرض كالأسد والذب وسباع الطيور كالبازي والصقر والنسر والعقاب والشاهين وسباع البهائم كالأسد والنمر والذئب والفهد والثعلب والضبع والكلب والسنور البحري والبري والأهلي ويكره ألفيل لأنه ذو ناب واليربوع وابن عرس من السباع الهوام وكرهوا أكل الرحم والبغل ولا يحل أكل السلحفاة والغراب ألا يقع والضب والغداف واليربوع وحيوان الماء ما عدا السمك وحل الأرنب والعقق وغراب الزرع كان قدماء اليونان يأكلون الزيزان المطنة ويفضلون منها إناثها ويأكلون الديدان قبل أن تنسل وكان الرومان يحبون الديدان حتى أن الشاعر كاتول قبل المسيح وجد طعم الجراد الأصفر قريباً من فطيرة رجل الدجاجة المعمولة بالزبدة وقل جداً في عهدنا من يطعم الديدان من الأوروبيين ولكن ملايين من البشر يتناولونها في أقطار الأرض الأخرى ويؤثر سكان إفريقية الوسطى تناول السرفة والأرضة فيأكلونها نيئة ومطبوخة ومشوبة ويأكلون في جارة الصرف ويعدونها منمشة للقوى الضعيفة من الشيخوخة وبفضل الشيوخ في الهند تناول النمل المجنح والنمل المجفف المعمل بالسمن في برازيل مشهور موصوف. وأهل المكسيك يحبون بيض البق (ألفسفس) من جنس كوريزا يجعل منه حلواء فيغالي الناس في تناوله. والجراد غذاء شائع في بلاد العرب فهو مصيبة يأكل المزروعات ويؤكل أيضاً وقد ذاقه كثير من الناس مع الأرز أو مملحاً أو مع ألفلفل الأحمر أو الخل أو مشوياً فقالوا أنه

стр. 6368

جيد مريء. والجراد يحضر بحسب أذواق البلاد التي يظهر فيها ففي الجزائر يغلونه في ماء مملح كما يفعلون به في الصين وفي مدغسكر يأكلونه مطبوخاً في ألفرن أو مجففاً ويجعلونه مع الأرز أو يغمسونه في الدهن الغالي وفي هذه الأقطار يعدونه من الأطعمة اللذيذة. ولقد ذاق بعض السياح الأوربيين جميع أصناف الديدان فرأي أن التي تعيش في جذوع الاكآسيا أطيب طعماً من العجة على شرط أن تشوى في رماد حام. ويؤثر وحوش أوستراليا كل الإيثار دبابة الألف رجل وأم الأربعة وأربعين أما أهالي التونكين فإنهم يغذون الديدان من الانجاص والموز والخوخ ليعطروا بها لحمة. وجميع هذه الأطعمة تفضل علي قطائف ذباب البقر والحمير التي يتنافس في أكلها الزنوج على ضفاف نيازا وعلى البراغيث وغيرها من الهوام الدقيقة التي يأكلها أهل غرونلاندا يتناولونها من شعورهم فيلقونها في أفواههم. ويقول اليابانيون أن حلويات النحل مطبوخة في الشراب لا تقل في لذاتها عن أطيب عصير ألفاكهة ويتناول الوطنيون من سكان جاوة وصومطرة وأنام كعكعهم من الطين محلولاً بماء مطبوخاً في قدر معتقدين أنه خير غذاء. والحاصل فإن البشر احتالوا على الطبيعة والطبيعة أعطت البلاد المعتدلة كل ما يقوم بحاجة سكانها والمسألة في الأغذية ترجع إلى العادة والذوق. معادن السلطة قالت مجلة ألمانية: في البلاد العثمانية كثير من الخزائن الطبيعية الكبرى منها ما يزيد على عشرين معدناً من أهم المعادن وقد أعطى إلى الآن في ولاية آيدين وحدها ما ينوف عن تسعين امتيازا لتعدين المناجم، ولألمانيا في هذه البلاد كثير من معدن حجر الصفار (فروم) (١) وقد منحت الحكومة العثمانية إلى الآن نحو ستين امتيازا لاستخراج هذا المعدن وقد ابتاعت مصانع كروب إلى الآن معدنين من حجر الصفار واستأجرت اثنين منه استئجاراً معدن الرصاص موجود بكثرة أيضاً في البلاد العثمانية فإذ كانت هذه المعادن الرصاصية تسد من عوز ألمانيا للرصاص واحداً من عشرة فقط فيها ونعمت وقد زاد الوارد من العثمانية إلى ألمانيا من معدن الشبه (النحاس الأصفر) في السنوات العشر الأخيرة ثلاثة أضعاف الوارد منه أولاً ولو أن ألمانيا كانت مهيأة له رؤوس الأموال اللازمة لاستثمار

стр. 6369

معادن الشبه فلا شبهة في أن الوارد منه إلى ألمانيا يزيد زيادة كبرى ولا كان لا يتيسر للحكومة العثمانية تدارك رؤوس أموال لاستثمار هذه المعادن فهي لا تستفيد من كثير من المعادن المانحة امتيازات بها ويمكننا أن نذكر من بين هذه المعدن المستثمرة معدن الرصاص في ناحية (بالية) فإنه في الدرجة الأولى من حيث سعته وأوضاعه وقد بلغ الحاصل منه عام ١٩١٣ ثلاثة ملايين ونصف مليون مارك وفي جبال وروس معدن رصاصي فضي يستثمر بيد الحكومة يبلغ إيراده السنوي نحو المائة ألف فرنك وبين (خربوط) و (دبار بكر) تعدن الحكومة أيضاً معدن شبه نحاسي بلغ دخله عام ١٩١٤ قريباً من نصف مليون مارك وفي شمالي البلاد العثمانية معادن شبه نحاسية غنية ذات قيمة كبرى يعد البترول من الحاجات المدنية المهمة لكل مملكة ومن المعلوم في كل الدنيا أن المملكة العثمانية غنية جداً بمنابع البترول وإليك ما قاله الأستاذ (شيفر) المشهور ببحثه العميق عن منابع البترول في العراق نقلاً عن مجلة اقتصاديةإذا علمنا أن منابع البترول في العراق الممتدة في الأرض والبالغ طولها ٤. كيلو متراً ينبع زيت الغاز في بعضها على سطح الأرض مما لم يعرف له نظير أبداً في علم طبقات البترول لا يبقى عندنا أدنى ريب في أن هذه المنبع من أغنى منابع البترول في العالم وأغزره وأنه يمكن بأسباب فنية تعدين هذه المعادن بأقل كلفة وأشد سرعة من عامة المشاريع الصناعية المراد إنشاؤها في البلاد العثمانية وإذا استنبطت منابع البترول في البلاد العثمانية فإنها تساعد على تقدم الوسائط النقلية في البلاد وإن استخدم البترول في القاطرات ليس بالأمر الصعب وما عدا هذا فإنه يمكن استخدام البترول بدلاً عن ألفحم في السفن الماخرة في الرافدين (دجلة والفرات) وإن اصطناع سفن تقطع في الساعة ٤٥ كيلو متراً بواسطة استعمال البترول لا يعد أمراً عسراً وهذه السفن تقوم بخدم كبرى للمسافرين ولنقل الأمتعة والبريد وبهذه الواسطة تصير التجارة حوالي دجلة والفرات أكثر سرعة وتستجر تجارة هاتيك البلاد وتعظم ثروتها.

стр. 6370

العدد ٩٢ - بتاريخ: ١ - ٩ - ١٩١٤

стр. 6371

الخطابة عند العرب توطئة دلتنا الحرب الحاضرة على كثير مما ينقصنا من العلوم والصناعات الشائعة عند الأمم الغربية وكانت فاشية في القديم عند أجدادنا. ومن ذلك صناعة الخطابة وهي من أجل العوامل في تربية النفوس أيام الحرب والسلم وفي بث دعوة أو سفارة بين متخاصمين أو متحابين إقناع يوم الحفل واستمالة الأفكار إلى رأي أو حزب في المجالس والمؤتمرات والمجامع والجوامع لا تستغني عنها أمة دستورية بحكمها مجلس نوابها إذ أن التنفير من مسألة والتذكير بأخرى لا يتم إلا بقوة البيان وسلاطة اللسان وفصاحة الحجة وظهور المحجة والسبب في قصورنا عن هذه الغاية طول عهدنا بالحكومة الاستبدادية المطلقة حتى إذا انقلبت إلى حكومة شورية أحسسنا بنقص في عامة مكونات الأمم وكان خطباؤنا المصاقع يعدون على الأصابع في جميع أدوار مجلسنا النيابي والمبرز منهم من كتب له أن كان أستاذا في مدرسة أو مدرساً في جامع ففتقت السن أهل هذه الطبقة وقليل ما هي على أيسر وجه لأنها كانت على جانب من ألفضل ومعرفة بأصول المجالس أما أكثر النواب فكانوا بمعزل عما ينبغي لهم من أدوات ألفهم والكلام والحرية فضاحة فضحتنا بقلة المتكلمين والمفكرين منا مع أن الخطابة مما أوجبته علينا الشريعة الإسلامية كما ظهر أمرنا وتبين عجزتا واستبان إفلاسنا في مسائل العلم والتأليف فقد كان بعضهم يوهمون أن طبائع الحكومة المطلقة وهي قائمة بكم الألسن وحجز الأقلام هي التي تحول دونهم وما يشتمون من انبعاث عملهم ونشر أبحاثهم ودروسهم وظهور أثر فضلهم وأدبهم وتحقيقهم وربما غالى بعضهم فقال اختراعهم واكتشافهم وأنهم لا يتوقعون إلا دور انطلاق حتى يظهروا ما كنته صدورهم من العلو والفنون وها نحن نعيش في ظل الحكومة الدستورية منذ ثماني سنين ولم نشهد أثراً لغير من عرفوا من قبل بألفهم والعلم وجل ما اتصل بنا أنه نشرت مباحثات ومناقشات قلما تفيد أمة تريد النهوض من طريق العلم والعمل نحن موقنون أن التبريز في الخطابة صعب ولكن بالتعلم والمعاناة يصل المرء إلى درجة حسنة في الجملة وفي العادة أن يكون النوابغ قلائل في كل فن فإذا عد في الأمة عشرة منهم في كل شأن ومطلب تعد غنية بعلمها وعقلها ولانحطاط الخطابة الدينية في هذا العهد تأفف كثبر من حضور الجمع

стр. 6372

حتى لا يسمعوا خطباً لاقتها الألسن منذ قرون وليس فيها شيء من النفع ولقلة المجيدين بل المتوسطين في هذه الصناعة غداً الناس يسمون خطيباً كل من يرفع عقيرته ولو كان جاهلاً عامياً بل أمياً غبياً وعلى العكس رأينا في بعض البلاد خطباء بعض المساجد مجودين في الجملة يقولون ماله معنى في الوغظ والإرشاد قد حببوا غشيان المساجد لمن كانوا لا يعرفونها وبتأثير الإخلاص والإجادة والكلام بحسب طبائع القوم وحاضر العصر كثر العاملون بأحكام الدين القائمون بتكاليفه وبلغت حالة الانحطاط في ضعف البيان وفسولة الرأي والحجة بأكثر خطباء الجوامع ومنهم الأميون الذين لا يكادون يقرأون الكتاب إن أصبحت نصف خطبهم زهداً في الدنيا على غير طريقة السلف المشروعة والنصف الآخر دعاء يحفظونه لا يحرمون منه كلمة ثم هم يدعون بأدعية مردودة في الشرع شأنهم في بيان فضائل الشهور والأيام والبلدان والجوامع حتى خطب بعضهم وكان حشوياً جلجلونياً في أعظم جامع في هذه البلاد عند إرادة الحث على تجديد بنائه فقال إن الصلاة فيه تعادل ثلاثين ألف صلاة وأورد لذلك أحاديث لا تعرفها إلا عقول الرضاعين والقصاصين ولطالما خطبوا أن من صام يوم كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إلى غير ذلك من البدع والفضول التي لم تأت بها شريعة الرسول وقد أنكرها أئمة ألفقه والعلم من المتقدمين والمتأخرين ولاسيما شيخ الإسلام أبن تيمية وابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١) وابن الحاج المتوفى سنة ٧٣٧ ولو كان الخطباء على جانب من فهم أسرار الشريعة وعرفة طرق البلاغة وما يصلح الناس ما عالجوا من الموضوعات ما يرجع بالناس القهقرى هذا في الخطب الدينية فهي أيضاً تتصرف على ذاك النحو نصفها تجميدات ومقدمات واعتذارات وسخافات واستطرادات منوعات ولو محصت لما بقي منها إلا التافه اليسير من المعاني أم تأثيراتها في الأفكار فضعيف جداً ولعل هذا النقص البين يتلافاه أساتذة المدارس الابتدائية والوسطى والعليا بتمرين طلبتهم أبداً على الإلقاء وممارسة الكلم ألفحل يوم الحفل وفي النوازل والأمور العامة فينشأ من هذا الجيل فئات تسد هذا النقص المحسوس المشاهد في طبقة رؤساء الدين ورؤساء الدنيا ويمرن الجميع على كتابة ما يريدون الخوض فيه وعلى استظهاره أو إلقائه على نحو ما سارت الأمم الحديثة والأمم القديمة الراقية فينبغ فيها خطباء ووعاظ ومرشدون داووا جهالة شعوبهم بأساليب القول الجزل والمنطق الخلاب

стр. 6373

والبرهان الساطع وها نحن نحفظ لطلاب هذا ألفن الطريق الذي سلكته العرب في تقوية ملكة البيان معتمدين في النقل على أئمة هذا الشأن مشيرين إلى تاريخ الخطابة والمجودين فيها من أهل هذا اللسان قبل الإسلام وبعده موردين من الشواهد ما يصح تحديه والنسج على أسلوبه وذلك بقدر ما يتسع صدر المصادر التي نقتبس منها وتسمح صحف هذه المجلة ولعل غيرنا ينهض إلى التوسع أكثر من توسعنا في هذا الموضوع الواسع الأطراف تلقيحاً للعقول وإهابة بها إلى ما يصلحها ويزكيها بالبلاغة فنقول: (٢) حد الخطابة وأقسامها نقل ابن رشد الخطابة صناعة تتكلف الإقناع الممكن في كل مقولة من المقولات وغايتها إقناع الجمهور فيما يحق عليهم أن يصدقوا به من الأمور السياسية والوظائف الشرعية وقال أبو البقاء: الخطابة هي الكلام النفسي الموجه به الغير للإفهام قالوا وليس للخطابة موضوع خاص تبحث عنه بعزل عن غيره ولذلك كان على الخطيب أن يلم بكل صنف من المعارف فوجب عليه لبلوغ هذه الأمنية أن يتبحر في العلم ويتفنن في ضروب ألفهم حتى كان سيسرون خطيب الرومان يوجب على الخطيب معرفة ألفنون الأدبية والرياضيات والرسم والتصوير والنقش والموسيقى وغير ذلك ومعنى إقناع الجمهور إرضاء السامعين بالبرهان بحيث تكون البلاغة ملكة في الخطيب وهناك يقتضي له من العلم الواسع ونفاد البصيرة وحضور الذهن وقوة التأثير وطلاقة اللسان ولطيف البيان ما يستميل به الجمهور إليه في موضوع ويصرف أذهانهم عن أمر ويوجه أنظارهم إلى آخر ويحرضهم ويقنعهم ولذلك أدخل الحكماء الخطابة والشعر في أقسام المنطق كما نقل عن أرسطو لأن المقصود منه أن يوصل إلى التصديق وأصولها عندهم ثلاثة الأول إيجاد المعاني الحقيقة بالإقناع من الأدلة والآداب والثاني تنسيق المعاني أي سرد أجزائها على نظام واحد ليحكم تركيب الخطة وارتباط أقسامها بحيث نكون ابين غرضاً وأحسن في النفوس وقعاً والثالث التغيير الذي يراعى فيه حال السامع لتصاغ له المعاني في ألفاظ تنتشر بها نفسه وتمتزج بأجزاء فهمه ويمكن إرجاع الخطابة إلى قسمين الخطابة المدنية والخطابة الدينية فالمدنية يتصرف تحتها كل ما فيه إصلاح المدينة والخطابة الدينية كل ما يرجع إلى تطهير النفوس ليكون لأهلها مدنية فاضلة في الدنيا وسعادة شاملة في الأخرى

стр. 6374

الخطابة نوع من منثور الكلام يأخذ من النثر تصوير الحقائق وإبلاغها النفوس من دون أتعاب ذهن ولا تكلف في الأداء ومن النظم سلاسته وتأثيره في النفس وقد كانت العرب في جاهليتها تقدم الشاعر على الخطيب بفرط حاجتها إلى الشعر الذي يقيد مآثرها ويفخم شأنها ويهول على عدوها ومن غزاها ويهيب من فرسانها ويخوف من كثرة عددها ويهابها شاعر غيرها قال أبو عمرو بن العلاء فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر وكان لكل قبيلة شاعر كما كان لكل واحدة خطيب. الخطب والوصايا متقاربة يقصد بالأولى قوم لا على سبيل التعيين والتخصيص فتكون في المشاهد والمجامع والأيام والمواسم والتفاخر والتشاجر أمام العظماء والملوك والأمراء والوفود وفي الصلح وإشهار الحرب وفي الخطوب والنوازل أما الوصايا فتكون لقوم بعينهم في زمن مخصوص على شيء منصوص وربما كانت من شخص لأهل بيته أو سيد لقبيلته عند حلول مرض أو أجل أو هجرة في الأرض (٣) الخطابة والأنبياء ذكروا أن العرب عنيت بالخطب في جاهليتها أكثر من عنايتها بها في الإسلام ولم يظهر لنا سر هذا لأنا رأينا هدي النبيين والمرسلين على خلاف ذلك رأينا الرسول صلوات الله عليه لم يتعلم الشعر وما ينبغي له وكان سيد الخطباء بلا مراء وكلامه خطب وحكم وبسيرته الشريفة اقتدى كبار الصحابة والتابعين والخلفاء والملوك والمرشدين والعلماء العاملين ولكن كثر الشعر أكثر من الخطب لأن الشعر أقرب إلى تقييد المآثر والتأثير ولأنه يحتمل من الخيال والمحال مالا يحتمله الخطاب بحال من الأحوال قال صاحب (الريحان والريعان) إن ما تكلمت به العرب من أهل المدر والوير من جيد المنشور ومزدوج الكلام أكثر مما تكلمت به من الموزون إلا أنه لم يحفظ من المنثور عشرة ولا ضاع من الموزون عشر لأن الخطيب إنما كان يخطب في المقام الذي يقوم في مشافهته الملوك أو الحالات أو الإصلاح بين العشائر أو خطبة النكاح فإذا انقضى المقام حفظه من حفظه ونسيه من نسيه بخلاف الشعر فإنه لا يضيع منه بيت واحد قال ولولا أن خطبة قسس بن ساعدة كان سندها مما يتنافسه الأنام وهو إن النبي ﷺ هو الذي رواها عنه في اطار ذكرها ما تميزت هما سواها قال القلفشنديبعد إيراد ما تقدم وليس ما أشار إليه لرفض النثر عندهم

стр. 6375

وقلة اعتنائهم به بل لسهولة الشعر وشيوعه في حاضرهم وباديهم وخاصهم وعامهم بخلاف الخطابة فإنه لم يتعاطها منهم إلا القليل النادر من ألفصحاء المصاقع فلذلك عز حفظها وقل عنهم نقلها وقد كانت تقوم بها في الجاهلية سادات العرب ورؤسائهم ممن فاز بقدح ألفضل وسبق إلى ذرى المجد ويخصون ذلك بالمواقف الكرام والمشاهد العظام والمجالس الكريمة والمجامع الحفيلة فيقوم الخطيب في قومه فيحمد الله ويثني عليه ثم يذكر ما سنح له من مطابق قصده وموافق طلبه من وعظ يذكر أو فخر أو إصلاح أو نكاح أو غير ذلك مما يقتضيه المنام نعم إن الخطابة صناعة الرسل ﵈ لأنهم يدعون إلى الله ويكلفون بإرشاد الخلق وهذا يقتضي البلاغة والبيان المتناهي لذلك قال موسى رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني بفقهوا قولي وذلك لأنه كان به لعثة فخشي أن يعدها قومه عيباً ويلووا بوجوههم عن دعوته أما شعيب ﵇ فقد سماه نبينا ﵊ خطيب الأنبياء لما ورد في الكتاب العزيز من أسلوبه البديع في البيان وتلطفه في إبلاغ دعوته إلى أهل مدين الذين غلبت عليهم الشقوة قال تعالى وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره ولا تقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم ارفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ إلى ا، قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاًِ حسناً أن أخألفكم إلى ما أنهاكم عنه أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ويا قوم لا يحرمنكم شقاقي إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود. ولشرف الخطابة وتأثيرها في تطهير النفوس أوجبها الشارع وسنها للمسلمين في مساجدهم كل جمعة وعيد وفي الحج أي في عرفة واوجب على الحضور التزام الأدب مع الخطيب بل علمهم حسن الإصغاء وفي الحديث إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة انصت فقد لغوت ولم يعين الشارع للخطب الدينية أو خطب الجوامع والمواسم موضوعاً خاصاً بل جعلها مطلقة يتناول الخطيب الكلام من المناسبات الزمنية ويورد للحضور من هدي الشارع ما يهذب به أرواحهم ويهيب بهم إلى بارئهم ويغرس فيهم مكارم
следующие страницы →