Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
الخطابة عند العرب
توطئة
دلتنا الحرب الحاضرة على كثير مما ينقصنا من العلوم والصناعات الشائعة عند الأمم الغربية وكانت فاشية في القديم عند أجدادنا. ومن ذلك صناعة الخطابة وهي من أجل العوامل في تربية النفوس أيام الحرب والسلم وفي بث دعوة أو سفارة بين متخاصمين أو متحابين إقناع يوم الحفل واستمالة الأفكار إلى رأي أو حزب في المجالس والمؤتمرات والمجامع والجوامع لا تستغني عنها أمة دستورية بحكمها مجلس نوابها إذ أن التنفير من مسألة والتذكير بأخرى لا يتم إلا بقوة البيان وسلاطة اللسان وفصاحة الحجة وظهور المحجة والسبب في قصورنا عن هذه الغاية طول عهدنا بالحكومة الاستبدادية المطلقة حتى إذا انقلبت إلى حكومة شورية أحسسنا بنقص في عامة مكونات الأمم وكان خطباؤنا المصاقع يعدون على الأصابع في جميع أدوار مجلسنا النيابي والمبرز منهم من كتب له أن كان أستاذا في مدرسة أو مدرساً في جامع ففتقت السن أهل هذه الطبقة وقليل ما هي على أيسر وجه لأنها كانت على جانب من ألفضل ومعرفة بأصول المجالس أما أكثر النواب فكانوا بمعزل عما ينبغي لهم من أدوات ألفهم والكلام والحرية فضاحة فضحتنا بقلة المتكلمين والمفكرين منا مع أن الخطابة مما أوجبته علينا الشريعة الإسلامية كما ظهر أمرنا وتبين عجزتا واستبان إفلاسنا في مسائل العلم والتأليف فقد كان بعضهم يوهمون أن طبائع الحكومة المطلقة وهي قائمة بكم الألسن وحجز الأقلام هي التي تحول دونهم وما يشتمون من انبعاث عملهم ونشر أبحاثهم ودروسهم وظهور أثر فضلهم وأدبهم وتحقيقهم وربما غالى بعضهم فقال اختراعهم واكتشافهم وأنهم لا يتوقعون إلا دور انطلاق حتى يظهروا ما كنته صدورهم من العلو والفنون وها نحن نعيش في ظل الحكومة الدستورية منذ ثماني سنين ولم نشهد أثراً لغير من عرفوا من قبل بألفهم والعلم وجل ما اتصل بنا أنه نشرت مباحثات ومناقشات قلما تفيد أمة تريد النهوض من طريق العلم والعمل نحن موقنون أن التبريز في الخطابة صعب ولكن بالتعلم والمعاناة يصل المرء إلى درجة حسنة في الجملة وفي العادة أن يكون النوابغ قلائل في كل فن فإذا عد في الأمة عشرة منهم في كل شأن ومطلب تعد غنية بعلمها وعقلها ولانحطاط الخطابة الدينية في هذا العهد تأفف كثبر من حضور الجمع
стр. 6372
حتى لا يسمعوا خطباً لاقتها الألسن منذ قرون وليس فيها شيء من النفع ولقلة المجيدين بل المتوسطين في هذه الصناعة غداً الناس يسمون خطيباً كل من يرفع عقيرته ولو كان جاهلاً عامياً بل أمياً غبياً وعلى العكس رأينا في بعض البلاد خطباء بعض المساجد مجودين في الجملة يقولون ماله معنى في الوغظ والإرشاد قد حببوا غشيان المساجد لمن كانوا لا يعرفونها وبتأثير الإخلاص والإجادة والكلام بحسب طبائع القوم وحاضر العصر كثر العاملون بأحكام الدين القائمون بتكاليفه وبلغت حالة الانحطاط في ضعف البيان وفسولة الرأي والحجة بأكثر خطباء الجوامع ومنهم الأميون الذين لا يكادون يقرأون الكتاب إن أصبحت نصف خطبهم زهداً في الدنيا على غير طريقة السلف المشروعة والنصف الآخر دعاء يحفظونه لا يحرمون منه كلمة ثم هم يدعون بأدعية مردودة في الشرع شأنهم في بيان فضائل الشهور والأيام والبلدان والجوامع حتى خطب بعضهم وكان حشوياً جلجلونياً في أعظم جامع في هذه البلاد عند إرادة الحث على تجديد بنائه فقال إن الصلاة فيه تعادل ثلاثين ألف صلاة وأورد لذلك أحاديث لا تعرفها إلا عقول الرضاعين والقصاصين ولطالما خطبوا أن من صام يوم كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إلى غير ذلك من البدع والفضول التي لم تأت بها شريعة الرسول وقد أنكرها أئمة ألفقه والعلم من المتقدمين والمتأخرين ولاسيما شيخ الإسلام أبن تيمية وابن قيم الجوزية المتوفى سنة (٧٥١) وابن الحاج المتوفى سنة ٧٣٧ ولو كان الخطباء على جانب من فهم أسرار الشريعة وعرفة طرق البلاغة وما يصلح الناس ما عالجوا من الموضوعات ما يرجع بالناس القهقرى هذا في الخطب الدينية فهي أيضاً تتصرف على ذاك النحو نصفها تجميدات ومقدمات واعتذارات وسخافات واستطرادات منوعات ولو محصت لما بقي منها إلا التافه اليسير من المعاني أم تأثيراتها في الأفكار فضعيف جداً ولعل هذا النقص البين يتلافاه أساتذة المدارس الابتدائية والوسطى والعليا بتمرين طلبتهم أبداً على الإلقاء وممارسة الكلم ألفحل يوم الحفل وفي النوازل والأمور العامة فينشأ من هذا الجيل فئات تسد هذا النقص المحسوس المشاهد في طبقة رؤساء الدين ورؤساء الدنيا ويمرن الجميع على كتابة ما يريدون الخوض فيه وعلى استظهاره أو إلقائه على نحو ما سارت الأمم الحديثة والأمم القديمة الراقية فينبغ فيها خطباء ووعاظ ومرشدون داووا جهالة شعوبهم بأساليب القول الجزل والمنطق الخلاب
стр. 6373
والبرهان الساطع وها نحن نحفظ لطلاب هذا ألفن الطريق الذي سلكته العرب في تقوية ملكة البيان معتمدين في النقل على أئمة هذا الشأن مشيرين إلى تاريخ الخطابة والمجودين فيها من أهل هذا اللسان قبل الإسلام وبعده موردين من الشواهد ما يصح تحديه والنسج على أسلوبه وذلك بقدر ما يتسع صدر المصادر التي نقتبس منها وتسمح صحف هذه المجلة ولعل غيرنا ينهض إلى التوسع أكثر من توسعنا في هذا الموضوع الواسع الأطراف تلقيحاً للعقول وإهابة بها إلى ما يصلحها ويزكيها بالبلاغة فنقول:
(٢) حد الخطابة وأقسامها
نقل ابن رشد الخطابة صناعة تتكلف الإقناع الممكن في كل مقولة من المقولات وغايتها إقناع الجمهور فيما يحق عليهم أن يصدقوا به من الأمور السياسية والوظائف الشرعية وقال أبو البقاء: الخطابة هي الكلام النفسي الموجه به الغير للإفهام قالوا وليس للخطابة موضوع خاص تبحث عنه بعزل عن غيره ولذلك كان على الخطيب أن يلم بكل صنف من المعارف فوجب عليه لبلوغ هذه الأمنية أن يتبحر في العلم ويتفنن في ضروب ألفهم حتى كان سيسرون خطيب الرومان يوجب على الخطيب معرفة ألفنون الأدبية والرياضيات والرسم والتصوير والنقش والموسيقى وغير ذلك ومعنى إقناع الجمهور إرضاء السامعين بالبرهان بحيث تكون البلاغة ملكة في الخطيب وهناك يقتضي له من العلم الواسع ونفاد البصيرة وحضور الذهن وقوة التأثير وطلاقة اللسان ولطيف البيان ما يستميل به الجمهور إليه في موضوع ويصرف أذهانهم عن أمر ويوجه أنظارهم إلى آخر ويحرضهم ويقنعهم ولذلك أدخل الحكماء الخطابة والشعر في أقسام المنطق كما نقل عن أرسطو لأن المقصود منه أن يوصل إلى التصديق وأصولها عندهم ثلاثة الأول إيجاد المعاني الحقيقة بالإقناع من الأدلة والآداب والثاني تنسيق المعاني أي سرد أجزائها على نظام واحد ليحكم تركيب الخطة وارتباط أقسامها بحيث نكون ابين غرضاً وأحسن في النفوس وقعاً والثالث التغيير الذي يراعى فيه حال السامع لتصاغ له المعاني في ألفاظ تنتشر بها نفسه وتمتزج بأجزاء فهمه ويمكن إرجاع الخطابة إلى قسمين الخطابة المدنية والخطابة الدينية فالمدنية يتصرف تحتها كل ما فيه إصلاح المدينة والخطابة الدينية كل ما يرجع إلى تطهير النفوس ليكون لأهلها مدنية فاضلة في الدنيا وسعادة شاملة في الأخرى
стр. 6374
الخطابة نوع من منثور الكلام يأخذ من النثر تصوير الحقائق وإبلاغها النفوس من دون أتعاب ذهن ولا تكلف في الأداء ومن النظم سلاسته وتأثيره في النفس وقد كانت العرب في جاهليتها تقدم الشاعر على الخطيب بفرط حاجتها إلى الشعر الذي يقيد مآثرها ويفخم شأنها ويهول على عدوها ومن غزاها ويهيب من فرسانها ويخوف من كثرة عددها ويهابها شاعر غيرها قال أبو عمرو بن العلاء فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر وكان لكل قبيلة شاعر كما كان لكل واحدة خطيب. الخطب والوصايا متقاربة يقصد بالأولى قوم لا على سبيل التعيين والتخصيص فتكون في المشاهد والمجامع والأيام والمواسم والتفاخر والتشاجر أمام العظماء والملوك والأمراء والوفود وفي الصلح وإشهار الحرب وفي الخطوب والنوازل أما الوصايا فتكون لقوم بعينهم في زمن مخصوص على شيء منصوص وربما كانت من شخص لأهل بيته أو سيد لقبيلته عند حلول مرض أو أجل أو هجرة في الأرض
(٣) الخطابة والأنبياء
ذكروا أن العرب عنيت بالخطب في جاهليتها أكثر من عنايتها بها في الإسلام ولم يظهر لنا سر هذا لأنا رأينا هدي النبيين والمرسلين على خلاف ذلك رأينا الرسول صلوات الله عليه لم يتعلم الشعر وما ينبغي له وكان سيد الخطباء بلا مراء وكلامه خطب وحكم وبسيرته الشريفة اقتدى كبار الصحابة والتابعين والخلفاء والملوك والمرشدين والعلماء العاملين ولكن كثر الشعر أكثر من الخطب لأن الشعر أقرب إلى تقييد المآثر والتأثير ولأنه يحتمل من الخيال والمحال مالا يحتمله الخطاب بحال من الأحوال قال صاحب (الريحان والريعان) إن ما تكلمت به العرب من أهل المدر والوير من جيد المنشور ومزدوج الكلام أكثر مما تكلمت به من الموزون إلا أنه لم يحفظ من المنثور عشرة ولا ضاع من الموزون عشر لأن الخطيب إنما كان يخطب في المقام الذي يقوم في مشافهته الملوك أو الحالات أو الإصلاح بين العشائر أو خطبة النكاح فإذا انقضى المقام حفظه من حفظه ونسيه من نسيه بخلاف الشعر فإنه لا يضيع منه بيت واحد قال ولولا أن خطبة قسس بن ساعدة كان سندها مما يتنافسه الأنام وهو إن النبي ﷺ هو الذي رواها عنه في اطار ذكرها ما تميزت هما سواها قال القلفشنديبعد إيراد ما تقدم وليس ما أشار إليه لرفض النثر عندهم
стр. 6375
وقلة اعتنائهم به بل لسهولة الشعر وشيوعه في حاضرهم وباديهم وخاصهم وعامهم بخلاف الخطابة فإنه لم يتعاطها منهم إلا القليل النادر من ألفصحاء المصاقع فلذلك عز حفظها وقل عنهم نقلها وقد كانت تقوم بها في الجاهلية سادات العرب ورؤسائهم ممن فاز بقدح ألفضل وسبق إلى ذرى المجد ويخصون ذلك بالمواقف الكرام والمشاهد العظام والمجالس الكريمة والمجامع الحفيلة فيقوم الخطيب في قومه فيحمد الله ويثني عليه ثم يذكر ما سنح له من مطابق قصده وموافق طلبه من وعظ يذكر أو فخر أو إصلاح أو نكاح أو غير ذلك مما يقتضيه المنام نعم إن الخطابة صناعة الرسل ﵈ لأنهم يدعون إلى الله ويكلفون بإرشاد الخلق وهذا يقتضي البلاغة والبيان المتناهي لذلك قال موسى رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني بفقهوا قولي وذلك لأنه كان به لعثة فخشي أن يعدها قومه عيباً ويلووا بوجوههم عن دعوته أما شعيب ﵇ فقد سماه نبينا ﵊ خطيب الأنبياء لما ورد في الكتاب العزيز من أسلوبه البديع في البيان وتلطفه في إبلاغ دعوته إلى أهل مدين الذين غلبت عليهم الشقوة قال تعالى وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره ولا تقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم ارفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ إلى ا، قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاًِ حسناً أن أخألفكم إلى ما أنهاكم عنه أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ويا قوم لا يحرمنكم شقاقي إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود. ولشرف الخطابة وتأثيرها في تطهير النفوس أوجبها الشارع وسنها للمسلمين في مساجدهم كل جمعة وعيد وفي الحج أي في عرفة واوجب على الحضور التزام الأدب مع الخطيب بل علمهم حسن الإصغاء وفي الحديث إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة انصت فقد لغوت ولم يعين الشارع للخطب الدينية أو خطب الجوامع والمواسم موضوعاً خاصاً بل جعلها مطلقة يتناول الخطيب الكلام من المناسبات الزمنية ويورد للحضور من هدي الشارع ما يهذب به أرواحهم ويهيب بهم إلى بارئهم ويغرس فيهم مكارم
стр. 6376
الأخلاق ويطبعهم بطابع ألفضائل ويحذرهم البغي والظلم ويستل بلطيف أسلوبه سخائهم وأحقادهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويزين لهم العمل الصالح ويربأ بهم عن مهلكات الشهوات.
(٤) البلاغة للعرب وفي البيان والتبين كلام طويل على الخطابة
وأقوال الشعوبية أي غير العرب فيها
وقد رد الجاحظ عليهم بقوله: قالوا والخطابة شيء في جميع الأمم وبكل الأجيال إليه أعظم الحاجة حتى أن الزنج مع الغثارة ومع فرط الغباوة ومع كلال الحد وغلط الحس وفساد المزاج لتطيل الخطب وتفوق في ذلك جميع العجم وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ وألفاظها أخطأ وأجهل وقد علمنا أن أخطب الناس ألفرس وأخطب ألفرس أهل فارس وأعذبهم كلاماً وأسهلهم مخرجاً وأحسنهم ولاء وأشدهم فيه تحنكاً أهل مرو وأفصحهم بالفارسية الدرية وباللغة ألفهلوية أهل قصبة الأهواز فأما نغمة الهزبذة ونغمة الموبذان فلصاحب تفسير الزمزمة قال الجاحظوجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس وأما الهند فإنما لهم معان مدونة وكتب مخلدة لا تضاف إلى رجل معروف ولا لى عالم موصوف وإنما هي كتب متوارثة وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق وكان صاحب المنطق نفسه بكي اللسان غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وبخصائصه وهم يزعمون أن جالينوس كان انطق الناس ولم يذكروه بالخطابة ولا بهذا الجنس من البلاغة وفي ألفرس خطباء إلا أن كل كلام للفرس وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة وعن مشاورة ومعاونة وعن طول التفكر ودراسة الكتب وحكاية الثاني علم الأول وزيادة الثالث في علم الثاني حتى اجتمعت ثمار تلك ألفكر عند أخرهم وكل شيء للغرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه الهام وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام أو حين أن يمتح على رأسه بئر ويحدو ببعير أو عند المقارعة والمناقلة أو عند صراع أو في حرب فما هو إلا أن يصرف همه إلى جملة المذاهب وإلى العمود الذي إليه بقصد فتأتيه المعاني إرسالاً وتنهال عليه الألفاظ انثيالاً ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه أحداً من ولده وكانوا أميين لا يكتبون ومطبوعين لا يتكلفون وكان الكلام الجيد
стр. 6377
عندهم اظهر أو أكثر وهم عليه أقدر وأمهر وكل واحد في نفسه انطق ومكانه من البيان أرفع وخطباؤهم أو جزء والكلام عليهم أسهل وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ أو يحتاجوا إلى تدارس وليس هم كمن حفظ علم غيره واحتذى على كلام من كان قبله فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم واتصل بعقولهم من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب وإن شيئاً الذي في أيدينا جزء منه بالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب وهو الذي يحيط بما كان والعالم بما سيكون ونحن أبقاك الله إذا أدعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والإرجاز ومن المنثور والأسجاع ومن المزدوج ولا يزدوج فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة والرونق العجيب والسبك والنمط الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول في مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة وقديمة غير مولدة إذا كان مثل ابن المقفع وسهل بن هرون وأبي عبيدة الله وعبد الحميد وغيلان وفلان وفلان لايستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنع مثل تلك السير. وأخرى أنك متى أخذت بيد الشعوبي (راجع المقتبس م٤) فأدخلته بلاد الأعراب الخلص ومعدن ألفصاحة التامة ووفقته على شاعر مغلق أو خطيب مصقع علم أن الذي قلت هو الحق وأبصر الشاهد عياناً فهذا فرق ما بيننا وبينهم فتفهم عني فهمك الله ما أنا قائلهذه حجة الجاحظ في العرب أن أفصح الأمم وقيل أيضاًإن جميع خطب العرب من أهل المدر والبر والبدو والحضر على حزبين منها الطوال ومنها القصار ولكل ذلك مكان يليق به وموضوع يحسن به ومن الطوال ما يكون مستوياً الجودة ومشاكلاً في استواء الصنعة ومنها ذوات ألفقر الحسان والنتف الجياد وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ وإنما حفظها التخليد في بطون الصحف قال ومتى شاكل أبقاك الله ذلك اللفظ معناه وأعرب عن فحواه وكان لتلك الحال وفقاً ولذلك القد لفقاً وخرج من سماجة الاستكراه وسلم من فساد التكلف كان قميناً بحسن الموقع وبانتفاع المستمع وأجدر أن يأمن جانبه من تناول الطاعنين ويحمي عرضه من اعتراض العيابين ولا تزال القلوب به معمورة والصدور مأهولة ومن كان اللفظ أيضاً كريماً في نفسه متحيزاً في جنسه وكان سليماً من ألفضول بريئاً من التعقيد حبب إلى النفوس واتصل بالأذهان والتحم بالعقول ودهشت إليه
стр. 6378
الأسماع وارتاحت له القلوب وخف على السن الرواة وشاع في الآفاق ذكره وعظم في الناس خطره وصار ذلك مادة للعالم الرئيس ورياضة للمتعلم الريض فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة ومصلحة حال الخاصة وكان ممن يعم ولا يخص وينصح ولا يغش وكان مشغوفاً بأهل الجماعة شنقاً لأهل الاختلاف والفرقة جمعت له الحظوظ من أقطارها وسبقت إليه القلوب بأزمتها وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته وجبلت على تصويت إرادته ومن أعاره الله من معرفته نصيباً وأفرغ عليه من محبته ذنوباً حنت إليه المعاني وسلس له نظام اللفظ وكان قد أغنى المستمع من كد التكلف وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم ولم أجد في خطب السلف الطيب والأعراب الأقحاج ألفاظاً مسخوطة ولا معاني مدخولة ولا طبعاً ردياً ولا قولاً مستكرهاً وأكثر ما نجد في خطب المولدين البلدين المتكلفين ومن أهل الصنعة المتأدبين سواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب أو كان من نتاج التخير والتفكر
(٥) مكانة الخطابة وعيوب الخطباء
تقدم لك قانون البلاغة الذي وضعه عمرو بن نجر الجاحظ في صفحة وتدارسه يغني طالب الخطابة عن كتاب ورب مقالة خير من سفر ولقد عرفت العرب ما كانت عليه من الغريزة ألفائقة في البيان صعوبة الخطابة وأنها لا يوفق إليها إلا أفراد ولذلك كانت تكرم الخطيب أكثر من إكرام الشاعر وقد ضربت المثل بالخطيب في قولها (الخطب مشوار كثير العثار) والمشوار هو المكان الذي تعرض فيه الدواب وقالواعقل المرء من فوق بلسانهوكانت تتعاير بألفهاهة وقلة الإجادة في البيان وتقول نعوذ بالله من الإهمال ومن كلال الغرب في المقال ومن خطيب دائم السعال قال بشر بن معمر في مثل ذلك
ومن الكبائر مقول متعتع ... جم التنحنح متعب ميهود
وقال شاعرهم يعيب بعض خطبائهم:
مليء ببهر والثغات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع
وضربوا المثل بالبلاغة بسحبان وائل فقالوا فلان أخطب من سحبان كما ضربوا المثل بالعي في الكلام بباقل فقالوا فلان أعيى من باقل وقد جمع الجاحظ في البيان والتبيين كثيراً من أخبار البلاغة والحصر والخطباء والبلغاء والإيمياء ومما قال: وليس حفظك الله مضرة
стр. 6379
سلاطة اللسان عند المنازعة وسقطات الخطل يوم إطالة الخطبة بأعظم مما يحدث عن العي من اختلال الحجة وعن الحصر من فوق درك الحاجة والناس لا يعيرون الخرس ولا يلومون من استولى على بيانه العجز وهم يذمون الحصر ويؤنبون العي فإن تكلفنا مع ذلك مقامات الخطباء وتعاطيا مناظرة البلغاء تضاعف عليهما الذم وترادف عليهما التأنيب وممتنة (مماطلة) العي الحصر البليغ المصقع في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق وأحدهما آلوم من صاحبه والألسنة إليه أسرع وليس المجلاجالمتردد في كلامهوالتمتاممن تسبق كلمته إلى حنكه الأعلى والتمتمة رد الكلام إلى التاء والميم والألسغ الذي يحول لسانه من السين إلى الثاء أو من الراء إلى الغينوألفأفأةمردد ألفاءوذو الحبسةالذي لا يسمع قولهوالحكلةالذي لا يسمع صوتهوالرتةالعجمةوذو اللقفعي بطيء الكلام إذا تكلم ملا لسانه فمهوالعجلة في سبيل الحصر في خطبته والعي في مناضلته خصومه كما أن سبيل المفحم عند الشعراء والبكي عند الخطباء خلاف سبيل المسهب الثرثار والخطل المكثار ثم أعلم أبقاك الله أصاحب التشديق تكلف البلاغةوالتقعيرالتكلم بأقصى ألفموالتقعيبتقصير الكلاممن الخطباء والبلغاء مع سماجة التكلف وشنعة التزيد أعذر من عي يتكلف الخطابة ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة ومدار اللئمة ومستقر المذمة حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف وبياناً يمازجه التزيد إلا أن تعاطي الحصر المنقوض مقام الدرب التام أقبح من تعاطي البليغ الخطيب ومن تشادق الأعرابي القج وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ وفي التحبيرالجبانأنه في مسلاخصفة التام الموفر والجامع المحكك وإن كان رسول الله ﷺ قد قال: أياي والتشادق وقال أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون وقال من بدا جفا وعاب الغدادين والمتزبدين في جهارة الصوت وانتحال سعة الأشداق ورحب الفلاحم وهدل الشفاهإرسالها إلى أسفلوأعلمنا أن ذلك في أهل الوبر أكثر وفي أهل المدر أقل فإذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري فما ظنك بالمولد القروي والمتكلف البلدي فالحصر المتكلف والعي المتزيد الوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده وهو أعذر لأن الشبهة الداخلة عليه أقوى فمن أسوأ حالاً أبقاك الله ممن يكون الوم من المتشادقين ومن الثرثارين المتفيهقين ومن ذكره النبي ﷺ نصاً وجعل النهي عن مذهبه معسراً وذكر مقته له وبغضه إياه قال: ولما
стр. 6380
علم واصل بن عطاء أنه الثغ فاحش اللثغ وإن مخرج ذلك شنع إذا كان داعية مقالة ورئيس نحلة وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل وأنه لابد له من مقارعة الأبطال من الخطب الطوال وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة وإلى ترتيب ورياضة وإلى تمام الآلة وأحكام الصنعة وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن وإن حاجة المنطق إلى الطلاوة والحلاوة كحاجته إلى الجلالة والفخامة وإن ذلك من أكبر ما تستمال به القلوب وتنثني إليه الأعناق وتزين به المعاني وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام واللسان والمتمكن والقوة المتصرفة كنحو ما أعطى الله نبيه موسى صلوات الله عليه من التوفيق والتسديد مع لباس التقوى وطابع النبوة ومع المحبة والاتساع في المعرفة ومع هدى النبيين وسمت المرسلين وما يغشيهم الله به من القبول والمهابة ولذلك قال بعض شعراء النبي ﷺ :
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر
ومع ما أعطى الله موسى ﵇ من الحجة البالغة والعلامات الظاهرة والربهانات الواضحة إلى أن حل تلك العقدة ورفع تلك الحبسة وأسقط تلك المحنة ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان وإعطاء الحروف حقوقها من ألفصاحة رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ويناضله ويساجله ويتأتى لسره والراحة من هجثه حتى انتظم له ما حاول واتسق له ما تأمل حتى صار لغرابته مثلاً ولظرافته معلماً ولولا استضافة هذا الجنس وظهور هذه الحال ولما استجرنا الإقرار به والتأكيد له ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة لأن ذلك يحتمل الصنعة وإنما عنيت محاجة الخصوم ومناقلة الأكفاء ومفاوضة الإخوان واللثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء والعين أقلها قبحاً وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وإشرافهم وعلمائهم.
стр. 6381
الشيعة في بر الشام
المسلمون اليوم ينقسمون إلى فرقتين كبيرتين أهل السنة وهي الأكثر عدداً والشيعة وهي التي تتلوها في الكثرة ولا يقل عدد ألفرقة الأولى عن مائة وخمسين مليوناً من النفوس كما لا يقل عدد الثانية عن تسعين مليوناً وينطوي تحت هاتين ألفرقتين فرق أخرى تابعة لإحدى الطائفتين وتفترق الشيعة فرقاً متعددة أكبرها وأشهرها والمتبادر معناها عند إطلاق اسم الشيعة والتي عليها المعظم في كافة الأقطار هي فرقة الشيعة الأمامية الاثني عشرية فمنها أكثر شيعة إيران وشيعة بلاد القفقاس وسائر البلاد الروسية وشيعة الصين ومعظم شيعة الهند والتركستان وبلاد التتر المستقلة وشيعة الشام وشيعة الحجاز والعراق وشيعة جبل عامل المعروفون بالمتأولة أما شيعة جبل عامل (المتأولة) فقد كانوا ولم يزالوا معروفين عند عامة الشيعة في الإفطار بالصلاح والتقوى وإن لجبل عامل اسماً مقروناً بالتكريم عند عامة الشيعة في أكثر البلاد النائية لما أنتج من العلماء العاملين الذين ضربوا آباط الإبل في نشر مذهبهم وافنوا الوقت بحثاً وتدريساً حتى أصبح الكثير من كتب الحديث وألفقه وأصول ألفقه مما يدرس في مدارس الشيعة في جماع الأقطار من مؤلفات علماء جبل عامل (المتأولة) وحسبك بالرحالة العلامة الشيخ بهاء الدين العاملي صاحب الصاحب الكشكول والخلاصة الحسابية وغيرهما الذي تولى وزارة إيران مدة من الزمن ثم هجرها حباً بالإفادة والاستفادة وبالشيخ علي بن عبد العالي الكركي العاملي المعروف بين مؤلفي الشيعة بالمحقق الكركي الذي تولى مشيخة الإسلام في إيران زمن الدولة الصفوية وكان الركن الأقوى في نشر مذهب الشيعة في بلاد فارس وبالشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المعروف بالشيخ الحر صاحب كتاب الوسائل الحديث والهداية وغيرهما حسبك بمن ذكرنا فخراً لجبل عامل وأما الشهيدان فقد كان لهما القدح المعلى في التأليف والتصنيف والمنزلى العظمى بين علماء الشيعة على الإطلاق وكذلك من خلف من بعدهم كصاحب المدارك وصاحب المعالم وأمثالهما.
بدء عهد الشيعة في الشام
مذهب الشيعة في بلاد الشام قديم يرجع إلى زمن الخلفاء الراشدين بل هو في سوريا أقدم منه في سائر البلاد حاشا الحجاز
стр. 6382
ؤلاء شيعتكم قال هؤلاء شيعتنا حقاً وهم أنصارنا وإخواننا ولا يخفى أن الإمام أبا عبد
والمعروف بينهم أن الذي دلهم عليه هو أبو ذر الغفاري ﵁ لما سيره الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ إلى الشام وكان أبو ذر ﵀ معروفاً لعلي وأهل البين ﵈ بلا خلاف بل هو أحد الأربعة الذين عرفوا بالتشيع وأطلق عليهم أسم الشيعة في عصر النبي ﷺ كما أخرجه أبو حاتم في كتاب الزينة في الألفاظ المتداولة ولا يزال في بعض قرى جبل عامل آثار معروفة لأبي ذر منها مقام معروف بقرية الصرفند بين صيدا وصور يعرف بمقام أبي ذر ومثله في قرية ميس الجبل على مشارف الحولة في أعالي جبل هونين إلا أنه لم يرد في كتب التاريخ المعتمدة مما بين أيدينا ما يدل على خروج أبي ذر من دمشق إلى جبل عامل فليس فيها إثبات هذا الأمر ولا نفيه الشهرة المتواترة لدى العامليين خلفاً عن سلف الناطقة بإثباته ربما تكون دعامة للصحو ولا تبعد صلاحيتها للاستدلال على خروجه إلى هذه الديار نعم ذكر الطبري وابن الأثير أن الذي خرج من دمشق إلى الساحل هو عامر بن عبد القيس وهو أحد الزهاد الثمانية معروف بالتشيع نص عليه الكشي في رجاله ولم يذكرا أي جهة من الساحل سكنها عامر هذا إلا أنه لا يصلح أن يكون مستنداً لما نحن فيه ولا سيما وأنه لم يعرف اسم عامر كما عرف اسم أبي ذر في هذه البلاد وذكر الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المشغري من علماء عامل في القرن الحادي عشر في كتابه أمل الآمل مايدل على خروج أبي ذر إلى جبل عامل فقد قال ما نصه: روي أنه لما مات رسول الله ﷺ لم يكن من شيعة علي إلا أربعة مخلصون سلمان ومقداد وأبو ذر وعمار ثم تبعهم قليلون اثنا عشر وكانوا يزيدون ويكثرون بالتدريج حتى بلغوا ألفاً وأكثر ثم في زمان عثمان لما أخرج أبا ذر إلى الشام في أياماً فتشيع فيها جماعة كثيرة ثم أخرجه معاوية إلى القرى فوقع في جبل عامل فتشيعوا من ذلك اليوم فظهر أنه لم يكن يسبق أهل جبل عامل إلى التشيع إلا جماعة محصورون من أهل المدينة وقد كان في مكة والطائف واليمن والعراق والعجم شيعة قليلون وكان أكثر الشيعة في ذلك الوقت في جبل عاملثم ذكر بعد ذلك رواية مرسلة عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ﵇ وقد سئل عن أعمال الشقيف فقال: أرنون وبيوت وربوع تعرف بسواحل البحار وأوطئة الجبال قيل يا ابن رسول الله (ص)
стр. 6383
الله الصادق (ع) كان في النصف الأول من المائة الثانية للهجرة وذكر صاحب الدمعة الساكبة المطبوع في إيران عن كتاب البحار للعلامة المجلسي ﵀ عن كتاب الروضة والفضائل لشاذان بن جبرائيل القمي بالأستاذ إلى عمار بن ياسر وزيد بن أرقم ﵄ أنهما كانا بين يدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ بالكوفة يونم الاثنين لسبع خلت من صفر إذ ورد عليه رجال ذوو عدة وعدد ثم ساق قصة طويلة خلاصتها أن جماعة جاءت تستفتي أمير المؤمنين ﵇ في بعض أمورها وهي من قرية أسعار من أعمال دمشق عند جبل الثلج والظاهر من الرواية أن هذه الجماعة من الشيعة وأنها رجعت مقضية الحاجة أما قرية أسعار هذه فموقعها في سفح جبل الثلج بين قريتي مجدل شمس وجباتا الزيت لا تزال خربة تعرف بهذا الاسم ومن دونها نهر يعرف بنهر أسعار وهي على طريق القادم من دمشق إلى جبل عامل وأهل ذلك الصقع من الطائفة الدرزية الذين انشقوا من الشيعة في القرن الرابع عشر غمض تاريخ وجود الشيعة في هذه الديار على كثير من المؤرخين فلم يذكروا حيث كان شيعة هذه البلاد منذ عهدهم بالتشيع تحت سلط أعدائهم من الأمويين ومن زمن أبي ذر إلى أن انقضى زمن الدولة الأموية لم يخرجوا عن سيطرة معاوية وأبنائه ورهطه وهمما هم في مناهضة العلويين ومطاردتهم في كل صقع ومصر فكان الشيعة متمسكين بحبال الثقة لايقدرون على إظهار انفسهم فاستولى الغموض على مبدأ أخبارهم ومنتهاه في هذه البلاد ولم يكونوا كما كان إخوانهم في البلاد النائية عن مركز السلطة الأموية.
لماذا لقبوا بالمتأولة دون غيرهم من الشيعة
ما زالت الشيعة منذ وجدوا في بلاد الشام مستضعفين عند ولاة الأمر وعند العامة التي امتازت في بر الشام بكرهها الشديد للشيعة وبرميهم بكل تهمة شنعاء تؤلب عليهم الغوغاء وكان مجرد لفظ الشيعة داعياً لإثارة التعصب لما تأل من كرههم في أخلاق الأكثر نقل الجاحظ مخبراً عن بعض التجار خبر ذلك الشيخ السيء الأخلاق الطويل الأطراق الذي كان إذا سمع اسم الشيعة غضب وأربد وجهه وزوى من حاجبيه أخرجه صاحب العقد ألفريد في ذلك العصر كان أحب إلى الرجل أن ينبز بكل نبز قبيح ولا يقال له شيعي لما استحكم من بغضهم في نفوس العامة بفعل السياسة والساسة وإنك لتجد مثل ابن حزم من
стр. 6384
العلماء المشهورين وصاحب كتاب ألفصل في الملل والنحل يرمي الشيعة بكل وصمة ويلصق بهم كل غريبة وهم هم إلى اليوم لم يغيروا ولم يبدلوا وهذه كتبهم منشورة ومشهورة لم يخالف قديمها حديثها فليقابل بينها المنصفون ولينظروا في كثير من كلام ابن حزم ليعلموا ما نسبه إليهم العلامة المشهور وترى ابن تميمة الملقب بشيخ الإسلام وحافظ الأنام لا يذكرهم إلا مع التشيع دون برهان يستند إليه أو دليل يعتمد عليه اللهم إلا عصيبة غير صالحة استحكمت في الأخلاق بحكم البيئة والمعاشرة واتباعاً للتقليد ولعل المثير لها مناظرته مع العلامة الحسن ابن المظهر الحلي وإن لم يسلك هذا مسلك ذاك من السباب والشتم في مثل تلك الحال كان شيعة بر الشام مستمسكين بحبال التقية مما كان حولهم من العصبية التي سنها الأمويون في هذه الديار وكان أصلح أرض لنوها أرض الشام فدعوا بالعلويين تفادياً من لفظية الشيعة المكروهة وكان هذا الاسم لهم إلى أن بدلوه بلفظة (المتأولة) كما سيأتي قال الأمير حيدر الشهابي في تاريخه في حوادث سنة ٥٨٤هأ ما نصهوكان حاكم القرايا (كذا) التي بالقرب من صور رجلاً علوياً منشأ العجم وكان يحكم على ستين ألفاً من العلويين وكان حين تملك الإفرنج تلك الجهات هادنوهم على جزبة تدفع لصاحب صور وينسبون إلى العلويين القاطنيين بعلبككان شيعة بلاد الشام كما قال عنهم واحد منهم وهو الشيخ علي يونس النبطي من علماء الماية الحادية عشرة في مقدمة تفسيره مختصر مجمع البيانعلماؤهم تحت الخمول فلا تقول لأنفسهم ولاضر يتظاهرون بغير ما اعتقدوا فلا قوة لهم ولا ظهر رماهم بأنواع الأذبات الظالمون يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركونكانوا كلما نبغ فيهم عالم اختار إحدى ثلاث أما الهجرة إلى بلاد الشيعة في سائر الأقطار كبلاد إيران حيث ينال المهاجر منهم الكرامة وكبلاد الهند والحجاز والعراق حتى بلاد اليمن لم تخل منهم وبلاد الروم وغيرها. وأما السكون إلى التقية والتكتم في موطن غلب عليه ألفقر واستحكمت فيه المسكنة وامتد فيه الاضطهاد ذكر صاحب أمل الآمل في علماء جبل عامل أكثر من خمسين عالماً هجروا بلادهم هرباً من الضغط والاستبداد بعضهم إلى بلاد فارس حيث أصبح الكثير منهم شيوخ إسلام وقضاة فيها وبعضهم إلى بلاد الهند وبعضهم إلى بلاد الحجاز في مكة والمدينة المنورة وبعضهم إلى القسطنطينية وبعضهم إلى أرض اليمن وبعضهم إلى العراق - فكان
стр. 6385
من نصيب بلاد إيران في المائة الحادية عشرة الشيخ بهاء الدين العاملي والشيخ إبراهيم البازوري والسيد بدر الدين الأنصاري والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي شيخ الإسلام والسيد محمد بن علي نحيب الدين القاضي بطوس والسيد محمد ابن مهدي والسيد ميرزا محمد معصوم والشيخ محمد ابن علي الحرفوشي والسيد علي رضا شيخ الإسلام بأصفهان والسيد حيدر بن نور الدين وكثير أمثالهم ومن نصيب البلاد الهندية الشيخ أحمد بن مكي الجزيني والسيد جمال الدين بن نور الدين والشيخ حسين المشغري والشيخ حسين بن شهاب الدين والسيد رضي الدين والسيد محمد بن أحمد العاملي والشيخ محمد بن خاونت والسيد محمد بن علي الحسيني وأمثالهم وهؤلاء بعضهم في كشمير وبعضهم في حيدر أباد وبعضهم في جيلان ومن نصيب القسطنطينية الشيخ الشهيد زين الدين بن علي الجبعي والشيخ إبراهيم ابن الحسن الحر ومن نصيب الحجاز السيد حيدر بن نور الدين والسيد نور الدين بن علي العاملي والشيخ زين الدين محمد بن الحسن ومن نصيب اليمن الشيخ زين العابدين الحر بصنعاء وفي العراق كثيرون في النجف والحلة وببغداد والبصرة.
وإما أن يبلغ عزلته في بلده فيعرف أمره وربما كانت عقباه القتل أوالتشريد وكأني بالشهيد شمس الدين محمد بن مكي الجزيتي المقتول سنة ٧٨٦ وقد طبق ذكره الآفاق حتى استدعاه إليه صاحب خراسان لذلك العهد ليتولى مشيخة الإسلام بها كأني به يساق إلى السجن في دمشق مهاناً ثم يفتي بقتله بعد حبس سنة فيقتل ثم يصلب ثم يحرق وليس له ذنب سوى فضله وشهرته والتعصب الذميم في ذلك العصر الوخيم. ولم يكن حظ الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني بأحسن من حظ زميله الشهيد الأول فقد شرد عن وطنه يطارده قاضي صيدا المعروف باسم معروف إلى أن استصدر أمراً سلطانياً بالقبض عليه وإرساله إلى القسطنطينية فأدركه الطالب بمكة زمن الحج ولم يمهله أن يؤدي حجه إلا بعد الالتماس والتضرع ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر وجعجع به إلى بلاد الروم ثم قتله الموكلون بقتله بعد بلوغه القسطنطينية ثم شمل القتل غيرهما مثل الشيخ ابن سودون العاملي من علماء القرن الحادي عشر وغيره كانوا في ذلك الضغط وفي تلك الحال يعرفون في بلاد الشام باسم العلويين وفي غيرها باسم الشيعة، هذا عند العامة وأما الخاصة وأهل العلم فكانوا تارةً يسمونهم شيعة وتارةً رافضة وتارةً إماميه إلا أن اسم العلويين لم يكن ثقيلاً على أسماع
стр. 6386
العامة الذين كرهو ااسم الشيعة ونفروا منه وإنما اختص به من سكن منهم أرض الشام لأنهم كانوا أبعد الناس عمن يناصرهم لما احتف بهم من الغوغاء الذين رباهم الأمويون على كره أتباع آل البيت الكرام.
حقيقة لفظة متوالي
إن هذه اللفظة (متوالي) من وإلى إذا أحب ومنه ما ورد في الحديث اللهم وال من والاه، قال في لسان العرب وإلى فلان فلاناً إذا أحبه ولكن اسم ألفاعل منها موالي والفعل من متوالي توالي وفي اللغة توالى الشيء إذا تبع بعضه بعضاً وقد استرسل هؤلاء القوم في محبة آل البيت استرسالاً تبع الخلف فيه سنة السلف.
ولكن جمعه هل يكن على متأولة أومتوالية؟ القياس يقتضي الثاني وصحح السماع الأول كما جمع غساني على غساسنة.
يمكن أن يكون أصل اللفظة متولي من تولى أي اتخذ ولياً ومتبوعاً وتولى بمعنى اتبع نص عليه صاحب مجمع البحرين ومطلع النيرين وجعل منه قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهموقال صاحب لسان العرب وروي أن النبي ﵌ قال من تولاني فليتول علياً معناه من نصرني فلينصره ثم حرفت فصارت متوالي وجمعت على متأولة وأما ما قيل من أن متوالي محرفة عن متولي المركبة من كلمتين (مت ولي) وأصلها أن الشيعة كانوا زمن اضطهادهم يحرضوا بعضهم بعضاً على الثبات في حب علي ﵇ فيقول بعضهم لبعض (مت ولياً لعلي) ثم اقتصر على مت ولي وركب منها متولي - فهو بعيد وإلا فكيف اختص به شيعة جبل عامل ولبنان دون غيرهم ولم اختصت به العصور المتأخرة دونما تقدمها مع أن زمان الاضطهاد ومكانه لم يكونا محصورين في جبل عامل إن لم نقل أن ما نال العامليين منه كان أقل مما نال غيرهم لشدة تمسكهم بالتقية التي ألفوها منذ نشأتهم لأن سلطة الأمويين أعدائهم لم تتزعزع عنهم زمناً من الأزمان فشبوا ودرجوا على التخفي والتقية والتجنب عن الوقوع في التهلكة مهما أمكن.
والغريب من المذاهب في هذه اللحظة لفظ ما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن لفظ متأولة مسهل عن متأولة، واحدها متأول لأن الشيعة من أهل التأويل!! والظاهر أن صاحب هذا القول لا يعرف من مذهب الشيعة شيئاً وإلا لما جعلهم من أهل التأويل وهم ليسوا منهم
стр. 6387
كما لا يخفى على كل من عرف مذهبهم.
ولعل صاحب هذا القول وهم في ما نقله صاحب العقل ألفريد عن الشعبي من قوله ما شبهت تأويل الروافض في القرآن إلا بتأويل رجل مضعوف من بني مخزوم. . . . . الخ. ولكن يظهر أن المراد الشعبي بالروافض (كما يدل عليه كلامه في الخبر الذي بعده) أنهم هم الذين أحرقهم علي ﵇ ونفاهم إلى البلدان ومنهم عبد الله بن سبأ الذاهب إلى الغلو في علي ﵇ وتأليهه وقد خرجوا عن ربقة الإسلام والشيعة منهم براء وكيف كان، فالشعبي مع شدة تعصبه على الشيعة لا يكون كلامه حجة عليهم إذا صح أنهم هم المراد في قوله، وربما حمل صاحب هذا القول عليه المشابهة بالحروف بين متأولة ومتأولة وإن كان لا يساعد عليها المعنى ومع ذلك فلوصح ذلك في الجمع فكيف يصح في المفرد وبين لفظتي متأول ومتوالي فرق واضح.
زمن إطلاقه عليهم
بحث الكتاب في زمن تحديد إطلاق هذا اللقب (متأولة) على شيمة جبل عامل وجبل لبنان وبعلبك فذهب بارينوس إلى ما وراء الأمير حيدر الشهابي في تاريخه أنه كان في سنة ٦٣٥ هجرية لما أتوا من بلاد العجم وسكنوا عشر مدن بإذن أجناد الهيكليين المتسلطين يومئذ على تلك الجهات. . . . يومئذ أطلق عليهم اسم متأولة وفي قوله هذا بعد لأنه إن أراد ظهو ر مذهبهم يومئذ فمذهبهم معروف من صدر الإسلام. وإن أراد إطلاق الاسم فقط فهم لم يعرفوا به إلا في القرن الثاني عشر الهجري بدليل أن كل المؤرخين وأصحاب السير السابقين على القرن الثاني عشر الذين ذكروا بلادهم لم يكونوا يعرفون هذا اللقب ولوعرفوه لأطلقوا عليهم كما فعل صاحب سلك الدرر المتأخر زمنه فإنه لا يذكرهم إلا نبذهم به وصاحب خلاصة الأثر عند ذكره الأمير فجر الدين المعني قال أنه كان درزياً لكنه عند ذكره رجال الشيعة من جبل عامل مثل بهاء الدين العاملي وكثير أمثالهم لم ينبذهم بالمتأولة مع أنهم من لباب الشيعة (المتأولة)، ولما ذكر شقيق آرتون (قلعة الشقيف) قال أن هذا العمل رافضة وفي ترجمة الأمير موسى الحرفوش البعلبكي قال أن البعلبكيين من الولاة في الرفض وفي كل ذلك، بل في كل تاريخه لم يذكر لفظة متأولة ولوعرفها لأطلقها.
وقبل خلاصة الأثر مر ابن بطوطة الرحالة بصور وهي خربة في سنة ٧٢٦ وبخارجها
стр. 6388
قرية معمورة سكانها من الأرفاض وصاحب نخبة الدهر، قال عند ذكر جبل عامل وأهله رافضة أمامية وصاحب صبح الأعشى قال مثل قوله.
ولم يذكر لفظ متأولة وكلهم متأخرون عن سنة ٦٣٥ التي ذكرها بارينوس، وعلى الجملة أن هذا اللقب لم يعرف عند مؤرخي العصور السابقة على القرن الثاني عشر ولوعرفوه لذكروه كما فعلوا بغيره مؤرخوالقرن الثاني عشر عرفوه فذكروه فيكون حدوثه في هذا القرن دون ما سبقه.
ورأيت في بعض التقاويم التركية (سالنامه) في جدولها التاريخي أن ابتداء ظهور المتأولة سنة ١١. . هجرية ولا شك أن هذا تقريبي والمراد أنهم عرفوا حوالي تلك الأيام وذلك يؤيد برهاننا السابق.
على أن رواية بارينوس باطلة لبطلان جميع ما ورد فيها فقد جعل المتأولة قادمين من بلاد العجم في تلك السنة مهاجرين حيث سكنوا عشر مدن بإذن أجناد الهيكليين وظاهر ذلك أنه كان في جبل عامل فيما فوق مدينة صور التي كانت في حوزة فرسان الهيكل يومئذ ولم يخرجوا منها إلى نهاية القرن السابع الهجري.
ومهاجرة أهل يربوعلى الستين ألفاً كما قال من بلاد العجم إلى بلاد الشام لا تخفى على أحد ولا تكون سراً مكنوناً فكيف لم ينتبه لها أحد سوى بارينوس من المؤرخين على أن بلاد العجم يومئذ كانت خاضعة لسلطة المغول ولم يكن مذهب الشيعة قد أخذ بالانتشار فيها وأول من نصره ونشره في تلك البلاد هو السلطان أولجانيومحمد خدابنده المغولي وتبعه من كان بعده إلى زمن الدولة الصفوية فعم المذهب يومئذ أقاصي البلاد.
وقد خبط أيضاً بروايته فقال: إن الشيعة يدعون أنهم من نسل علي بن أبي طالب وأن الخلافة بعد عمر بن الخطاب كانت لهم، فرجل هذا مبلغ علمه بالشيعة كيف يعتمد على روايته في شيء من أمورهم.
والحق أن هذا اللقب إنما صح إطلاقه عليهم لما أظهروا وجودهم السياسي وخلعوا طاعة أمراء لبنان وأعلنوا استقلالهم عنه واجتمعوا جملة واحدة ثم ظاهرهم ظاهر العمر الصفدي هنالك كانوا يتحمسون في حروبهم وينتدبون باسم (بني متوال) ومن تتبع أزجال شعرائهم يومئذ ظهر له حقيقة مقالنا.
стр. 6389
وهذا اللقب لم يعرف لأحد من الشيعة إلا الذين أطلقوه على أنفسهم يوم خاضوا غمار ألفتن في المائة الثانية عشرة وهم شيعة جبل عامل الذين ظهروا يومئذ بزعامة الشيخ ناصيف النصار والشيخ علي ألفارس وعشيرتهما وشيعة بعلبك الذين قادهم أمراء آل حرفوش وشيعة شمالي لبنان الذين كانوا تحت لواء المشايخ آل حمادة.
وما عدا من ذكرنا من الشيعة في سورية كشيعة الديار الحلبية وكشيعة بلاد حماة وحمص وكشيعة نفس دمشق وكلهم لا يعرفون بهذا اللقب إلى اليوم ومن الغريب أن شيعة دمشق الأصليين ينبذون باسم الرافضة عندما لا يريد تكريمهم ومهاجرة بعلبك وجبل عامل في نفس دمشق يعرفون باسم المتأولة وما ذلك إلا إتباعاً للقبهم في ديارهم فقط ويتوهم كثير من العامة أن بين ألفريقين اختلافاً في المعتقد وليس الأمر كذلك.
ديار الشيعة في سورية
معظم الشيعة الإمامية في سورية في جبل عامل وهو البلاد الواقعة ما بين مصب نهر الأولى شمالاً إلى وادي نهر القرن (شمالي صفد) جنوباً ومن غور الحولة شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً ويربوعددهم في هذا الجبل على المائة ألف نسمة وقد تقدم الكلام على أول عهدهم بالتشيع. وفي مدينة دمشق بضعة آلاف منهم وعهدهم بمذهبهم قديم وربما سبقوا العامليين في ذلك مدة قليلة. وفي ضاحية حلب قرى أهلها من الشيعة مثل الفوعا وكفريا ونبل والنغاولة ومعرة مصرين وفي نواحي حماة قرى أخرى كالشيخ علي كيسون والبويضة وسمنة وتليل وفي نفس حمص وفي القرى التي في شرقيها أم العمد، البويضة، تل الأغر، أم دالي، أم تويني وفي غربيها الغور سمعليل دلابوس، أم حارتين وعهد هؤلاء أجمع بالتشيع لا يتأخر عن زمن الدولة الحمدانية التي ملكت حلب وكانت عريقة في التشيع لا يتأخر عن زمن الدولة الحمدانية التي ملكت حلب وكانت عريقة في التشيع وكانت مدينة حلب في عهدهم زاهرة بفقهاء الشيعة وفي كتب ألفقه الإمامي أقوال مشهورة تعزى إلى فقهاء حلب وكان نقباء الأشراف آل زهرة الحسينيون الذين منهم السيد أبوالمكارم بني زهرة من جلة علماء الشيعة، يومئذ كان المؤذنون يؤذنون بحي على خير العمل في كل المآذن الحلبية ولما أراد سليمان بن أرتق بناء أول مدرسة شافعية في حلب لم يمكنه الحلبيون من ذلك إذ كان الغالب عليهم التشيع وكانت نار التعصب يومئذ مستجورة
стр. 6390
بين الطائفتين
ومن ديار الشيعة في سورية قرى مقاطعات كسرونا والمتن والشوف والبترون والهرمل وشمسار وجزين وجبل الريحان (الجرمق) فهما داخلان في حدود جبل عامل وجزين كانت ذات مدرسة دينية فقهية للشيعة الإمامية وازدهت بعلمائها المشهو رين وأشهرهم الشهيد محمد بن مكي من أشهر علماء الشيعة في القرون الوسطى وهو صاحب المؤلفات المشهورة المعروفة في مدارس الشيعة والذي طلبه إليه صاحب خراسان ليتولى مشيخة الإسلام بها فلم يجبه إلى ذلك وكانت داره تحتوي على خمسة من العلماء والعالمات فكان أولاده الاثنان من خيرة العلماء وابنته أم الحسن وزوجته إليهما مرجع النساء في العلوم الشرعية وفاقت ابنته في العلوم العربية ولا تزال سلالته في جبل عامل لا تخلومن عالم فاضل منذ القرن الثامن إلى اليوم. والشيعة في لبنان لا يقل عددهم عن الخمسة والعشرين ألفاً.
ومن ديار الشيعة في سورية مدينة بعلبك وما إليها وأكثر سكان تلك الجهة من الشيعة ولم يظهر لنا بدء عهد البعلبكيين بالتشيع ولكنه كان منذ القرن العاشر الهجري معروفاً بينهم ولم يخبرنا التاريخ بتقدمه على ذلك العصر كما لم ينف لنا وجوده قبله وأول ما اشتد أزر الشيعة فيها في عهد الأمراء الحرافشة الذين ملكوا بعلبك بعد دخول السلطان سليم إليها.
وعهد الشيعة اللبنانيين بالتشيع إما في الجهات الشمالية فكان من مهاجرة بعلبك حوالي القرن الثاني عشر وأما في الجهات الجنوبية فعهدهم به كعهد العامليين أوقريب منه أي أنه قديم جداً.
وفي حوران في بصرى فريق من الشيعة من مهاجرة جبل عامل استوطنوا ذلك البلد ويقارب عدد الشيعة الإمامية في جهات سورية المائتي ألف وربما يزيدون ولنجعل للبحث صلة في أحوالهم الاقتصادية وشؤونهم الاجتماعية وبالله التوفيق.
النبطية (جبل عامل)
أحمد رضا.
стр. 6391
الخرافات والأوهام
في تأثير الفلك والأيام
لا ترقب النجم في أمر تحاوله ... فالله يفعل لا جدي ولا حمل
مع السعادة ما للنجم من أثر ... ولا يضرك مريخ ولا زحل
(البهاء زهير).
إنّ الأوهام والخرافات في الظواهر الجوية قديمة في العمران تترامى إلى العصور الأولى وأهم مسبباتها عبادة الأجرام ألفلكية وحب استكشاف المغيبات ومعرفة المستقبل والاستعداد والاستشقاء ولاسيما في الأقاليم الشرقية التي يصفوجوها في معظم أيام السنة وتتجلى فيها الظواهر الجوية بأبهى أشكالها فنزعت نفوس سكانها منذ فطرتهم إلى استطلاع المؤثرات واستنطاق النيرات والكواكب التي رأوها من مقومات الحياة الأولية. فكان تلون أشكالها واختلاف مظاهرها وتبدل مواقعها وتغير ألوانها وما شاكل داعياً إلى عبادتها ثم استرشادها لما في نفوس تلك العصور من البساطة وهم في مهد الحضارة وفي سرير النشأة فاشتهر بذلك المصريون والفينيقيون والكلدانيون والآشوريون والبابليون والفرس واليونان والرومان إلى أن دالت دولتهم وقامت دولة العرب ثم الدول التي تلتها فظلت الاعتقادات الوهمية سائدة بينهم إلى مدة قرنين، ولذلك كثر الاشتغال خاصة عند القدماء بعلوم التنجيم كالكهانة والقيافة والعيافة والزجر والخط في الرمال وتعبير الرؤيا. ووضعوا أقاصيص للمعبودات والكواكب فوجد عندهم علم الذي كثرت فيه تجرصات الأوهام وتفشت الخرافات والأقاصيص.
ومنه نشأت العلوم التنجيمية والسحرية بأنواعها وامتلأت كتب القدماء بأخبارهم وأحاديثهم القصصية في العصر الخرافي فألفت فيها الكتب الكثيرة من أهمها السندهند عند الهنود، وقد أمر الخليفة أبوجعفر المنصور بتعريبه فعربه الفزاري وقرب الخلفاء المنجمين واعتمدوا على أوهامهم فتفشى ذلك بينهم حتى لم يستطع اقتلاعه علماء الشّرع الصادعون بتخطئته. ونبغ من الغرب الخوارزمي فألف على مثال السندهند زبجه المشهو ر جامعاً فيه بين مذاهب ألفرس والهند والروم وهو جداول حركات الكواكب التي ترشد إلى التقويم والتوقيت. ثم اشتهر بعد ذلك أبومعشر البلخي ألفلكي فألف كتابه المملوء بالخرافات
стр. 6392
والأوهام ثم البتاني والبيروني والوسي وأمثالهم وقد نجوفي مؤلفاتهم نحوالاختبار والتحقيق أكثر من غيرهم.
وسموا علم البحث في إحكام كل وقت وزمان من الخير والشر وما يندمج في سلك ذلك من السعد والنحس إلخ، علم (الاختيارات) وفي مفتاح السعادة لطاش كبري وكشف الظنون للحاج خليفة وأسماء مؤلفات كثيرة بهذا ألفن. وسموا علم الرصد وما يبنى عليه من النافع والضار وما شاكل علم الزيج والزايرجة ولهم أزياج كثيرة عددوا أسماءها في كشف الظنون وغيره.
ولذلك ترى مؤلفاتهم كثيرة في أحداث الجو والآثار العلوية وأحكام النجوم والتأثيرات العلوية والزجر وألفال واستخراج الحب والضمير والتوفيق بين الطب والنجوم والاستدلال بالكسوفات على الحوادث وفي المذنبات وأيام العجوز وليعقوب ابن اسحق الكندي رسائل كثيرة في هذه الموضوعات كما نرى لغيره بعضها مثل أرسطووابن الخمار البغدادي والفارابي وابن سينا وابن خطيب الري والفضل بن حاتم النيريزي وأمثالهم.
فتحولت خذه العلوم من النجامة إلى الرمل وحساب النسيم والزايرجة. وقيل لها في أيامنا التبريج والتنجيم. وهكذا بقي الإنسان سحابة عصور طويلة وأحقاب مستفيضة منهمكاً بمراقبة النجوم ورصد الطوالع والمنازل يوفق بين سعودها وأعماله ويحذر من نحوسها ومستقبله فينقاد بأزمة الأوهام ويسكن بمسكنات الإنذار بالويلات ولله در القائل يخاطب أمثال هؤلاء الضالين:
يا راصد الخنس الجواري ... ما فعلت هذه السماء
مظلمونا وقد زعمتم ... أنكم اليوم أملياء
ولا نرى غير زور قول ... إذاك جهل أم ازدراء
إنا إلى الله قد علمنا ... أن ليس يستدفع القضاء
رضيت بالله لي إلهاً ... حسبكم البدر أوذكاء
ما هذه إلا نجم السواري ... إلا عباد يد أوإماء
يقضي عليها وليس تقضي ... وما لها في الوري اقتضاء
فمن هذه الاعتقادات ما هو مبني على قواعد علمية ومشاهدات إخبارية مثل علاقة القمر
стр. 6393
بالمد والجزر وتقلبات الهواء وحدوث العواصف حتى ثبت عند بعض الراصدين بعد مراقبة سنوات طويلة: أن الزوابع والعواصف تكون أكثر عدداً إذا كان القمر هلالاً وتقل إذا أبدر.
وكذلك معرفة الكسوف والخسوف بأوقاتهما ومواعيد رجوع المذنبات وقياس أبعاد الكواكب ومعرفة قطر الأرض ومحيطها وكرويتها ودورانها حول الشمس. وعلاقة السفع الشمسية (أي سواد الشمس) باضطراب حالة الأرض الجوية والداخلية فثوران البراكين والزلازل وشدة حرارة الصيف وبرد الشتاء والزوابع تكون إذا كانت السفع في معظمها أوأقلها لما يحدث من الاضطراب المغناطيسي. ومن مفاعيل حرارة الشمس أنها تسبب الرياح والغيوم والأمطار واختلاف الدورتين الهوائية والمائية فهي بحصر الكلام حياة الحيوان والنبات والجماد. وعرف المراقبون أن أكثر أيام الشهر مطراً يكون في اليوم التاسع من الهلال وأكثر ساعات النهار مطراً يكون في الساعة الرابعة بعد الظهر.
كل هذه الإستقراآت والمشاهدات حملت الناس على تأليه الشمس والقمر وعدهما سبب حياة العالم.
ومن هذه الاعتقادات ما لم يقم على صحته دليل قاطع حتى الآن وإن كان بعضها من الممكنات مثل اصطدام الأرض بالمذنبات أوبحلقة الشهب والنيازك التي تلتقي بمعظمها كل ثلاثين سنة مرة وميعاد رجوعها سنة ١٩٢٩ م. أما ملتقى الأرض بالمذنبات فيكون بموعد كل منها بحسب مدته وهي كثيرة الأنواع مختلفة المدات. على أن الرصد أفادنا أن اصطدام المذنبات بالأرض لا يضر هذه لأن مذنب بيالا سنة ١٨٥٢ انقسم بصدمته شطرين ثم تفتت وكان آخر العهد به، فلذلك كان تكهن بعض العلماء من هذا القبيل لا يريب العقلاء والمفكرين وإن كان قد أقلق العامة في أزمان مختلفة. على أن مخاطر الأرض كثيرة فقد يمكن أن يكون تفانيها بجفاف البحار والأنهار وانقطاع الأمطار ونضوب المياه وتوسيع نطاق الرمضاء كما هو الحال في المريخ الآن أويكون بفقدها هو اءها وزوال بخارها المائي فلا تنعقد السحب في جوها ولا يجد المتنفس أوكسجيناً يدخل رئتيه فتموت الناس اختناقاً كما هو الحال في القمر الآن أويكون موت الناس غرقاً بمياه البحار التي تدفعها البراكين المنفجرة في قلبها فترفعها من أماكنها وترسلها على البر فتجعل النجاد سهو لاً
стр. 6394
وتصير الكرة ملساء بلا تضاريس وتغير سطحها فتغمرها المياه. وكذلك إذا تراكمت الثلوج وقطع الجمد في القطبين الجنوبي والشمالي فتجتمع وتزيد مساحتها إلى أن تصل إلى المحيطين فتملأها وتدفق مياههما على الأرض فتغرقها وتغطيها بالجمد. ومثل هذا أيضاً إذا كثر سجل المياه للشواطئ وجرف السيول للأتربة ووضعها في البحار فقد تزول اليابسة متوارية تحت أعماق المياه.
فمثل هذه الأسباب ممكنة منتظرة ولكن لا يعلم وقت حدوثها إلا خالق العالم الذي تسمح إرادته العالية بفناء العالم كما سمحت ببقائه لأسباب يريدها هو ونحن لا نعرف لها وجهاً ولا يمكن التذرع إلى استطلاعها بوسيلة.
فبعد أن عرفنا من هذه المقدمات هذه النتائج نقول أن أول من سلك البحار بدلالة النجوم الفينيقيون سكان شواطئ آسيا وجرى مجراهم اليونان منذ حرب طروادة سنة ١٢. . ق م والعرب أيضاً في إبان مجدهم ومعرفتهم الملاحة، فكان نجم القطب وغيره من السور الثابتة قائداً لهم ودليلاً في أسفارهم حتى إذا توارت هذه الأدلة بالغيوم عمدوا إلى الاستدلال بالإبرة المغناطيسية. ولكن بقي المقام الأول للملاحة معتمداً على النجوم ومطالعها.
ولما كانت النيرات والكواكب أساساً لتقسيم الوقت كان القدماء من مثل السريان والعبران والعرب والهنود والصينيين قد قسموا السنة إلى اثني عشر شهراً والشهر إلى أربعة أسابيع والأسبوع إلى سبعة أيام فجعلوا لكل يوم من الأسبوع كوكباً من السيارات السبع لعهدهم والشمس والقمر والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد وزحل ولا تزال تسمية الأيام عند الفرنج مبنية على هذه العلاقة، ونسبوا إلى ذلك كثيراً من التأثيرات الغريبة في طبائع الكائنات مع أنهم كانوا يجهلون شؤونهم الخاصة على حد قول شاعر العرب:
وما الذي تدريه في فلك العلي ... إذا كنت في أحوال دارك جاهلاً
أما العرب فقد قسموا الأفلاك إلى تسعة منها سبعة للكواكب السيارة والثامن للكرسي وهو فلك النجوم الثوابت أو الفلك المكوكب والتاسع وهو العرش ويعرف بالأطلس لخلوه من الكواكب، ولهذه الكواكب في الأفلاك أبراج عددها اثنا عشر فبعضها له منها برج والبعض برجان، وهذه البروج تنقسم إلى نارية ومائية وهو ائية وترابية وإلى صيفية وخريفية وشتوية وربيعية وإلى شمالية وجنوبية ومرتفعة وهابطة وسعيدة ونحسة. ومنازل القمر
стр. 6395
ثمان وعشرون منزلة يحل كل يوم من الشهر منزلة منها ويستتر.
والكواكب السيارة منقسمة إلى سعد ونحس وممتزج، ولكل نجم شرف في المنازل فشرف زحل في إحدى وعشرين درجة من المنيران وشرف المريخ في ثمان وعشرين من الجدي والشمس في تسع عشرة من الحمل. وعطارد في عشرين من السنبلة. والزهرة في سبع وعشرين من الحوت والمشتري في أربعة عشرة من السرطان والقمر في الدرجة الثالثة من الثور إلى غير ذلك من أمثال هذه الاختيارات
ومن كلفهم في هذا التأثير أن الخليل بن أحمد الفراهيدي مخترع العروض قد وجد اتفاق الحروف مع النجم فقال أن عدد الحروف العربية بعدد منازل القمر (٢٨) وغاية ما بلغ إليه الكلام مع الزيادة (٧) أحرف كعدد السيارات. وصور الزوائد (١٢) كعدد البروج. وما يدغم من الحروف مع لام التعريف عدده (١٤) ويعرف بالشمسي وهو مثل منازل القمر التي يسيرها تحت الأرض و (١٤) فوقها. فتأمل
ولم ينحصر ذلك في اللغة بل تجاوزها إلى صناعة الطب فإنهم اعتمدوا على كثير من العلاجات على مثل هذه الموافقات والظواهر ألفلكية فهذا ابن أبي أصيبعة قد روى في كتاب (طبقات الأطباء): أنه نقل من بعض الكتب أن بختيشوع (الطبيب المشهو ر) كان يأمر بالحقن والقمر متصل بالذنب فيحل القولنج من ساعته. ويأمر بشرب الدواء والقمر على مناظرة الزهرة فيصلح العليل من يومه.
ولا بأس أن نلم بمعتقدات القدماء في مثل هذه المظاهر ألفلكية فقد ذهب أرسطو وتبعة العرب وأهل القرون الوسطى: أن المذنب ليس إلا أبخرة تتصاعد عن الأرض حتى تبلغ طبقة الهواء المجاورة لكرة النار فتتحرك بحركة تلك الطبقة على الاستدارة ثم تستطيل وتتكاثف إلى أن تحترق فتتوقد وتتألف حتى تنطفي نارها فتتوارى وهو من أعقم المذاهب وأدناها في نظر المحققين من العلماء.
ومن مزاعم هذا ألفيلسوف أيضاً أن كرة الهواء تقسم إلى ثلاث طبقات فالسفلى تعيش فيها الحيوانات والنباتات وهي غير متحركة كالأرض التي تحتها والوسطى عليها وهي بغاية البرودة غير متحركة أيضاً. والعليا مجاورة لكرة النار تتحرك بحركة ألفلك الأعظم اليومية، وإن الأبخرة التي تتصعد من الأرض تسخن في طبقة الهواء التي تجاور كرة النار فتحمى
стр. 6396
وتتألف ثم تستطيل بدورانها.
ويروى أن ديموقريطس زعم أن بعض المذنبات ليست إلا أرواح المشاهير حتى تابعه بودين من فلاسفة القرن السادس عشر. ومن أقواله في هذا الوهم: إنني أعتقد اعتقاد ديموقريطس أن الكواكب هي أرواح المشاهير تصعد إلى السماء ظافرة مزدهية ولذلك كانت الحروب والأوبئة والمجاعات وأمثال هذه النكبات الجائحة تدمر الأرض عند ظهورها إذ تفقد عظماءها ونوابغها فلا يبق فيها من يدبر شؤونها.
وعلى هذا العزم الباطل توهموا أن مذنب هالي الذي ظهر سنة ٤٣ ق م هو روح جوليوس قيصر إمبراطور رومية الذي قتل بعد ظهوره بقليل. وأشاعوا بينهم هذه الرواية وهي أن قيصر هذا تحول كوكباً وهاجاً وانتظم في سلك الآلهة العلوية وأيد قولهم شدة تألقه حتى كان يرى في الهاجرة.
ومن أغرب هذه المعتقدات أن تبقى راسخة في الأذهان حتى أوائل القرن الماضي فإن ألفرنسيين مع مدنيتهم العصر يتفاءلوا يوم ولادة نابليون بونابرت بظهور مذنب في ٨آب سنة ١٧٦٩ وذلك قبل ولادته بأسبوع، وتشاءموا بظهور مذنب في ٢١ كانون الثاني سنة١٨٢١ واشتداد تألقه في أوائل أيار ولاسيما في ٥ منه يوم مات نابليون فجمعوا بهذا بين المعتقدين.
ومن مزاعم القدماء في كسوف الشمس وخسوف القمر اضطرابهم جميعاً حتى الملوك والعظماء فكان هؤلاء كثيراً ما يوصدون أبواب القصور ويلحقون شعور أولادهم حزناً وحداداً ويقدمون القرابين للآلهة وللكواكب دفعاً لغضبها وتمويهاً على الشعب بإلقاء الرعب في قلوبهم، ولاسيما عند اليونانيين والرومان.
وأما الهنود والصينيون فيشهدون الأهازيج ويطلقون البنادق ويقرعون النحاس لإعادة نظام النيرين ومثل ذلك يجري عندنا حتى اليوم في بعض الأماكن.
وكثير من الإفرنج ينسبون للقمر أيام نحس وسعد فمنهم من يتفاءل بالزواج في ليالي نموه وإبداره ومنه من يتفاءل بمحاقه فيفضل أهل أثينا ليلة الهلال.
وأهل اسكتلندا اليوم الأخير من السنة، يعتقد الدانمركيون أن المولود والقمر في الزيادة بولد بعده من جنسه وبالعكس إذا كان القمر في النقصان.
стр. 6397
وإذا ولد والقمر في الحضيض مات قبل سن الرشد وإذا ولد في سنة كبيسة مات هو وأمه في ليلة واحدة وعند بعضهم أن دلك اليدين في ضوء القمر يذهب الثآليل والدمامل، وعندنا أن عد النجوم يولد الثآليل، ومن مزاعم الإفرنج في الشهر أن مولودة كانون الثاني مديرة للمنزل مائلة للسويداء والكآبة ولكنها كريمة الأخلاق. . . . وشهر تشرين الثاني عند ألفرنسيين شهر الأموات وعند الهولنديين شهر السرور وألفرح فيكثر فيه الزواج، ويعتقدون أن شهر آب تحت حكم الأسد والعذراء فمن أوله إلى ٢١ منه يحكم برج الأسد ومن ٢٢ إلى نهايته يحكم برج العذراء فمن ولد في الأيام التي يحكم فيها برج الأسد ينال الثروة والمجد ويكون من أرباب الترف واللهو ولكنه يصاب بالخصام في أسرته والحزن عليها وقد ينال ربحاً من إرث أونصيب.
ومن ولد في الأيام التي يحكم فيها برج العذراء كانت حياته معرضة لخطر عظيم في صغره ولا أمل له بغير الإرث وكل ما يرثه يكون موضوع النزاع.
والرومانيون واليونان وألفرنسيون والإنكليز يتشاءمون من شهر أيار ولا يتزوجون فيه والزواج في حزيران وتشرين الأول ميمون إلى غير ذلك.
وأما الاعتقاد في أيام الأسبوع فالأميركان كانوا يقولون أن مولود يوم الاثنين يكون جميل الوجه والثلاثاء ممتلأ من نعمة الله والأربعاء مسروراً وبشوش الوجه والخميس تعساً شقياً والجمعة هبة إلهية والسبت منهمكاً في تحصيل معاشه والأحد مستغنياً لا يحتاج إلى شيء. والعطاس يوم الاثنين ينذر بالخطر والثلاثاء يدل على قبلة من أجنبي والأربعاء للحصول على رسالة والخميس لليمن والجمعة للحزن والسبت لمقابلة حبيبة والأحد للعياذ من الشيطان.
ويوم الأربعاء أحسن الأيام والخميس آلام والجمعة خسارة والسبت خطر على العروس والأحد ندم على ما فعلت وأما بالنظر إلى الأشغال فالأربعاء عندهم أقبح الأيام والسبت أحسنها.
وتقليم الأظافر يوم الاثنين للأخبار والثلاثاء لزوج أحذية جديد والأربعاء للصحة والخميس للثروة والجمعة للحزن والسبت للسفر والأحد للمصيبة.
والزواج يوم الاثنين للثروة والثلاثاء للصحة والأربعاء أفضل يوم والخميس للبلايا والجمعة
стр. 6398
للخسران والسبت لحرمان الحظ ونيل التعاسة.
ورأيت في تعاليق بعض المخطوطات التي أحرزها من مكتبتي ولاسيما (شرح السبط المارديني لفرائض السخاوي) وهو من نوادر المخطوطات ما يوافق هذه النظرات عند العرب فمما ينسب إلى الإمام الشافعي قوله في أيام الأسبوع وتنسب إلى الإمام علي أيضاً:
لنعم اليوم يوم السبت حقاً ... لصيد إن أردت بلا امتراء
وفي الأحد البناء لأن فيه ... إبان الله إطباق السماء
وفي السماء إن سافرت فيه ... فترجع بالمليح وبالثناء
وإن رمت الحجامة في الثلاثا ... ففي ساعاته هرق الدماء
وإن شرب امرؤ منكم دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاء حاج ... لأن الله يأذن بالقضاء
وفي الجمعات تزويج وعرس ... فتجتمع الرجال مع النساء
ولابن حجر العسقلاني:
قص الأظافر يوم السبت آكلة ... تبدووفيما يليه يذهب البركة
وعالم فاضل يبدوبتلوهما ... وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكة
ويورث السوء في الأخلاق رابعها ... وفي الخميس يأتي لمن سلكه
والقسم والعلم زده في عروبتها ... عن النبي رويانا فالتفوا نسكه
وسعود الأيام ونحوسها هو بحسب ما ورد في كتاب (جامع ألفنون وسلوة المحزون)
لابن شبيب الحراني المتوفي سنة ٦٩٥ هـ (١٢٩٥م) من نوادر مخطوطات مكتبتي ونسخه عزيزة الوجود. إن يوم الجمعة أفضل الأيام يحمد فيه الزواج والراحة وتقليم الأظافر والسبت يوم راحة لا يجوز فيه صرم النخل. والأحد أول يوم للخليقة يصلح فيه البناء وابتداء كل عمل، والاثنين مبارك ترفع فيه الأعمال والثلاثاء للحجامة والقعود وإصلاح حال النفس والأربعاء قليل الخير ولاسيما آخر أربعاء الشهر فهو يوم نحس مستمر يشرب فيه الدواء ويحمد فيه دخول الحمام وترك الشغل والخميس مبارك للابتداء بالسفر ولطلب الحوائج وفي المأثور عن الرسول بورك لأمتي في بكور سبتها وخميسها ويكره فيه الحجامة والقصد.
стр. 6399
وشهر محرم أوله عند ملوك العرب يجلسون فيه للهناء كالأعياد، وصفر القعود فيه أولى من الحركة، وربيع الأول شهر مبارك. وجمادى الأولى مبعث الحوادث العجيبة حتى قالوا العجب كل العجب بين جمادى ورجب. ورجب الأصم يمتنع فيه الحرب والاستئثار عند عرب الجاهلية ورمضان شهر مبارك للصوم والاستغفار إلى غير ذلك مما اقتطفته من صفحات كثيرة للاستدلال على اعتقاد العرب.
ومن نوادر المنجمين عندهم أن هارون الرشيد مرض فأتى بمنجم فأخذ المنجم له تقويماً فتغير وجهه، فقال له هارون الرشيد أصدقني ما سبب تغير وجهك وما ظهر لك وأنت في أمان فأجابه أنه لم يبق لأمير المؤمنين إلا أيام قليلة وبينما هارون الرشيد مضطرب لهذا النبأ إذا بجعفر البرمكي وزيره قادم عليه فأعلمه بالقصة فاستدعاه إليه وقال له: كم عمرك؟ فقال ثلاثون سنة فقال له جعفر خذ تقويمك لنرى كم تعيش فقال ثلاثاً وثلاثين سنة فقال له هارون مر بقتله فقتل فقال له: لوكان صادقاً لصدق بنفسه. وعاش بعد ذلك هارون أعواماً.
ولما أراد الخليفة المعتصم العباسي فتح عمورية سنة ٢٢٣ هـ (٢٣٨ م) جمع المنجمين ليختاروا له الطالع السعيد للهجوم عليها فحذره من ذلك لأن المذنب هالي كان قد ظهر قبل ذلك أي سنة ٢٢٢ هـ (٨٣٧م) وقد وصفه المؤرخون مثل ابن الأثير وابن أبي أسامة وغيرهما. ولكنه اضطر إلى فتحها فظفر بها واكتسحها فقال أبوتمام قصيدته البائية المشهورة ساخراً بالمنجمين وهي من مشهورات القصائد الواقعية جاء فيها:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصفائح في ... متونهن جلاء الشك والريب
والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية بل أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصاً وأحاديثاً ملفقة ... ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
عجائباً زعموا الأيام مجفلة ... عنهن في صفر الأصفار أورجب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة ... إذا بدا الكوكب الغربي ذوالذنب
وصيروا الأبراج العليا مرتبة ... ما كان منقلباً أوغير منقلب
يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ... ما دار في فلك منها وفي قطب
стр. 6400
إلى آخر ما هنالك من التهكم ووصف بسالة المعتصم وإقدامه وتنكيله بأعدائه
ومن لطيف ذلك أن عبد الملك بن مازة البخاري دخل عليه مملوك وفي يده قوس فقال مشيراً إلى حلول الشمس بالقوس سعد وبالعقرب نحس:
تهاني لما بدا عقرب ... على خده أن أروم السفر
فقلت وفي يده قوسه ... أسير ففي القوس حل القمر
ومثل ما عند العرب كان عند الأعاجم فالتاريخ يروي لنا: أنه بينما كان أسطول اليونان على أهبة السفر لمحاربة السبرطيين في ٣ آب سنة ٤٣١ ق م وكان بيركليس على ظهر السفينة حدث كسوف فتشاءم البحارة من ذلك الظلام القاتم وكادوا يتقهقرون جزعاً فأسرع بيركليس ووضع رداءه على وجه أحد القواد قائلاً له: أست في ظلمة وهل في ذلك ما يخيفك؟ وأي فرق بين هذا الظلام وذاك القتام سوى أن الأول ناتج عن شيء أعظم من ردائي وهكذا استبقى قواهم واستعاد نشاطهم. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
هذا ما احتمله المقام من النظر في أوهام الناس في الأفلاك والمواقيت ونحوها مما يتعلق بالجو وظواهره وفي فرصة أخرى إن شاء الله نعود إلى الكلام في تأثير النجم من سيّار وثابت على البسطاء عند الأمم قديمها وحديثها.
زحلة (لبنان):
عيسى إسكندر المعلوف
стр. 6401
في فن الأدب
حدث رواة الأخبار أن حميدة بنت النعمان بن بشير الأنصاري تزوجت الحرث بن خالد بن العاصي بن هشام وكان شيخاً هرماً فلم تطب لها الإقامة معه وكانت تسكن دمشق فقالت في ذلك:
فقدت الشيوخ وأشياعهم ... وذلك من بعض أقواليه)
قولها (فقدت) إنشاء وليس بخبر: فهي تدعوعلى الشيوخ المسننين بأن تفقدهم عن آخرهم وتفقد كل من يتشيع بهم.
ولعل مرادها بالمتشيعين لهم سماسرة السوء الذين يسعون لدى الأسر في تزويج فتياتهم من أولئك الشيوخ الطاعنين في السن فيقعن من عشرتهم في جحيم ومن العيش معهم في بلاء مقيم، ثم قالت حميدة أن دعاءها على الشيوخ هو من بعض أقوالها فيهم أي هو أقل ما يجب أن تقوله في حقهم وفي إظهار النفرة منهم والزراية عليهم.
ترى زوجة الشيخ مغمومة ... وتمسي لصحبته قاليه)
(قالية) مبغضة كارهة. والشيخ هنا لم ترد به حميدة الواحد من شيوخ العلم الديني ولوكان شاباً حسبما اصطلح عليه المتأخرون وإنما أرادت به المعنى اللغوي وهو الرجل الذي شاخ وطعن في السن وبلغ من الكبر عتياً عالماً كان أوجاهلاً. وللشيخ سبعة جموع استوفاها بعضهم في هذين البيتين فقال:
مشايخ مشيوخاء مشيخة كذا ... شيوخ وأشياخ وشيخان فاعلما)
ومع شيخة جمع لشيخ وصفرا ... بضم وكسر في شييخ لتفهما)
قوله (شيخة) على وزن عنبة ولكنه سكن الياء لضرورة الشعر وقوله (بضم وكسر) يريد أنك إذا صغرت كلمة (شيخ) فقلت (شييخ) جاز لك إذ ذاك أن تضم الشين وهو الأصل في الاسم المصغر وأن تكسرها مراعاة لليائين التي بعدها ليسهل النطق باللفظ ويخف على السمع.
نكحت الهشامي إذ جاءني ... فيالك من نكحة غاوية)
تلوم نفسها على تسرعها بزواج ذلك الرجل فهي لم تتريث إن رضيت به مذ جاءها خاطباً ثم أظهرت الدهشة والعجب من هذا الزواج الذي كلفها ثمناً غالياً: عمراً خسرته وشباباً أبلته وجمالاً ابتذلته ومستقبلاً أضاعته:
стр. 6402
له فتحتان كصنان ... التيوس أعيا على المسك والغالية)
(الذفر) بفتحتين كل رائحة شديدة سواء كانت طيبة أوخبيثة: يقال مسك أذفر ورجل ذفر بكسر ألفاء له صنان وخبث ريح. والصنان بضم الصاد الرائحة الكريهة تنبعث من تحت الإبط واستعملتها الشاعرة هنا في رائحة التيوس بطريق النجوز.
و (الغالية) ضرب من الطيب مركب من جملة أجزاء، تقول أن لزوجها ريحاً خبيثاً أعياها الأمر في إزالتها وتخفيف شرها وقد استعانت على ذلك وعالجته بأنواع الطيوب فلم تفلح.
وإن دمشق وفتيانها ... أحب إلي من الجالية)
الجلاء بفتح الجيم الخروج من بلد إلى آخر. ويقال جلا القوم عن الموضع الفلاني إذا تفرقوا عنه. والقوم الذين يخرجون هذا الخروج يسمون جالية ويسمى أهل الذمة جالية لأن عمر بن الخطاب أجلاهم عن جزيرة العرب. ومراد الشاعرة بالجالية هنا أولئك الذين كانوا يجلون عن ديارهم في الحجاز ويسكنون دمشق لذاك العهد ويظهر أن لدمشق في نفوس القوم إذ ذاك مكانة عالية فكانوا يتنافسون بالعيش فيها ويضربون المثل بحسن عشرة أهلها. ولم يزل هذا أدبها إلى اليوم فهم إذا أرادوا أن يصفوا إنساناً بالذوق وطيب العشرة وكرم الطباع قالوا أنه (مدمشق) على وزن اسم المفعول أي أنه كأهل دمشق ذوقاً وأدباً كما يقولون في مصر فلان (ابن بلد) يعنون به ما نعنيه نحن بكلمة (مدمشق) ويستعمل الأوروبيين في هذا المعنى كلمة (جنتلمان) الإنكليزية. وقد ذكر سليم أفندي سركيس في بعض أعداد مجلته: أن جريدة التيمس رأت أن تضع لكلمة (جنتلمان) الإفرنجية لفظة عربية أومعربة فقالت في وصف أحد سلاطين آل عثمان القدماء أنه كان يسمى (محمود الشلبي) وفسرتها لقرائها بقولها أن معنى الشلبي هو (الجنتلمان) ثم قال سليم أفندي: وما دمنا لليوم لم نقع على كلمة ترادف (الجنتلمان) في لغتنا العربية فلنرض بم رضيته لنا التيمس أي من استعمال كلمة (الشلبي) بمقام (الجنتلمان) وكلمة شلبي بالشين العربية محرفة عن (جلبي) بالجيم ألفارسية ذات النقط الثلاث وهي كلمة تركية معناها الشريف واللطيف والظريف. وقد غاب عن سليم أفندي أن يذكر في معاني (الجنتلمان) كلمة (مدمشق) كما غاب عنه أن يذكر أيضاً كلمة (عايق) التي يستعملونها في ذلك المعنى نفسه. ولا أذكر ما هو أصل اشتقاق (عايق) وكيف استعملت في هذا المعنى في لغتنا العربية.
стр. 6403
وإن كانت حميدة ذكرت دمشق في أثناء التهكم بزوجها والزراية عليه فإن شاعراً آخر ذكر دمشق في غضون عتابه لزوجته وتهديده لها فقال:
دمشق خذيها واعلمي أن ليلة ... تمر بعودي نعشها ليلة القدر
أكلت دماً إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوي القرط طبيبة النشر
دمشق منادى: يقول خذي يا دمشق زوجتي التي هربت من بيتي إليك واعلمي أن الليلة تموت فيها تلك الزوجة الغادرة وأراها فيها محمولة على أعواد نعشها هي عندي بمنزلة ليلة القدر.
ثم أرى أن توقع الخلاص منها بانتظار موتها أمر يطول شرحه، فالتفت إلى الزوجة الناشزة واستحضرها في ذهنه وجعل يتهددها ويتوعدها فدعا على نفسه بأن يموت أحد الأعزاء عليه ويأكل ديته إن كان لا يتزوج ويدخل عليها الذعر ويضرم في قلبها نار الغيرة بانتقاء ضرة لها تكون أجمل منها، وأجمع لصفات الحسن.
وفي البيت الثاني كنايتان من أشهر الكنايات التي يتمثل بها البيانيون في كتبهم وهما) أكلت دماً) و (بعيدة مهوى القرط).
ومن أخلاق العرب أنهم يأنفون من ترك أخذ الثأر اكتفاءً بأخذ الدية من جمال وأنعام ويكنون عن هذه الدية الحيوانية بالدم ويعير بعضهم بعضاً بأكلها والرضا بها فشاعرنا يقول أنه إن لم يتزوج على امرأته تلك التي هربت إلى جلق فالله يبتليه بهذه الضعة والخزاية والعار الذي لا يمحى وهي أن يأكل دية قريبه بدل أن يأخذ بثأره فيقتل من قتله أما الكناية الثانية فهي قوله في صفة الضرة أنها بعيدة مهوى القرط فهو يصفها بالطول: إما طول العنق أوطول القامة. إذ أن مهوي القرط موضع هو يه وسقوطه وهو إما الكتف فالطول للعنق. أوالأرض فالطول للقامة وقوله في صفتها (طيبة النشر) أي طيبة الرائحة. وقوله مخاطباً لدمشق دمشق خذيها يشعر بأن لهذه البلدة مزية أومعنى يجتذب القلوب إليها وينزل الرحال لديها.
وإنما هدد ذلك الشاعر زوجته الناشزة بما هددها به لكونه بعلم مبلغ غيرة النساء وجزعهن من الضرة، وأبلغ ما قيل في ذلك قول الآخر:
خبروها بأني قد تزوجت ... فظلت تكلم الغيظ سراً
стр. 6404
ثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعاً ليته تزوج عشرا
يقول أنها عزمت أولاً على الصبر وكتم الغيظ وأسرار الغيرة في نفسها ثم غلبتها نفسها فباحت ببعض الشيء لكنها مع ذلك ظلت متجلدة متماسكة متظاهرة بقلة المبالاة فقالت لأختها ولصاحبة لها أخرى ليت زوجي بدل الزوجة الواحدة تزوج عشر زوجات فإني كارهة له غير راغبة في القرب منه.
وأشارت إلى نساء لديها ... لا ترى دونهن للسر سترا
يقول ثم ارتقى الحال بها واستولت الغيرة علليها فلم يعد يمكنها إخفاء الخبرالذي أضناها وأطار الرقاد عن عينيها: فقالت إلى نساء كن في مجلسها تأمن جانبهن بحيث لا ترى ضرورة لستر هذا السر عنهن وخاطبتهن مشيرة إلى قلبها تقول:
يا لقلبي كأن ليس مني ... وعظامي كأن فيهن فترا
من حديث نما إلي فظيع ... خلت في القلب من تلظيه جمرا
تريد بكون قلبها ليس منها أنه أصبح كتلة نار من شدة الغيظ والكمد فهو ليس منها لأنها هي لحم ودم لا جهنم ولا أتون وفي عظامها فتر أي ضعف ووهن وانكسار ومعنى البيتين واضح لا يحتاج إلى بيان وتفسير. على أننا نشرح في الأحايين أبياتاً تكون جليلة المعنى لا غموض فيها حباً في تنبيه الطالب أوالناشئ إلى حل الشعر وتحويل معناه إلى نثر وبسط ألفاظه ومعانيه بسطاً يقوي في نفس الطالب ملكة المقدرة على تأليف الكلام وحسن التصرف فيه وتأدية المعنى الواحد بالطرق المختلفة والأساليب المتعددة وهذه هي الطريقة التي تعمد إلى منظوم فتحله إلى كلام منثور من أحسن الطرق في تحصيل فن الإنشاء وتقوية ملكة الكتابة في النفس.
وقد وضع ابن الأثير صاحب (المثل السائر) كتاباً لطيف الحجم سماه (حل المنظوم) شرح فيه هذه الطريقة وإبان وجه ألفائدة منها لطلاب ذلك ألفن.
هذا الذي تزوج على امرأته رجل يحب الانتقام ويريد لنفسه شفاء غيظها وتبريد غلها أما زوج أنيسة فقد رأى أن قطع علاقته بالمرة مع أنيسة خير له ولها من تحمل مشاكل الضرة فطلقها وقال:
رحلت أنيسة بالطلاق ... وعتقت من رق الوثاق
стр. 6405
أنيسة بهيئة التصغير، يقول أنها رحلت هي إلى دار أبيها وتخلصت أنا من الرق والأسر لها، ومن ثم قالوا في المرأة سيئة الأخلاق أنها (غل قمل وجرح لا يندمل)
الغل واحد الأغلال وهو طريق من حديد أوجلد، يجعل في اليد أوفي العنق.
وقمل بكسر الميم ذوقمل أي فيه قمل فيؤذي الأسير ويحرمه لذيذ الوثن فالمرأة السوء في إرهاقها زوجها مثل هذا الغل:
بانت فلم يألم لها ... قلبي ولم تبك المآقي
ودواء ما لا نشتهيه ... النفس تعجيل ألفراق
أرسل هذا البيت مثلاً سائراً وحكمة بالغة فهو ينصح لكل من ابتلي بما لا تشتهيه نفسه أن يعجل فيفارقه ويقصيه عنه. وقد يقال أن هذا كان منه لمجرد هو ى النفس ونزاع الشهوة في لؤم وخسة وإن كان لضرورة قاضية وليكون في بيته ذا عيشة راضية فلا عتب ولا لوم:
لولم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالأباق
وصبرت نفسي لا ... أريد حليلة حتى التلاقي
(أرح) مبني للمجهو ل من الراحة. وأصل الأباق فرار العبد من بيت سيده واستعمله هنا في مطلق الهروب. ومراده بالتلاقي اليوم الذي يموت فيه فيلاقي فيه أجله أويلاقي وجه ربه. يقول: لولم تتيسر لي أسباب طلاق أنيسة وبقيت جاثمة في وجهي جثوم الأفعى، لكنت فررت منها فرار الآبق. وفارقتها فراق غير الوامق.
وكنت بذلك أستريح من شرها، ثم أحرم النساء من بعدها لكن قد أسعدني الحظ بتسهيل أسباب طلاقها بالطلوع والرضا فشكراً لتدبير القضاء وعفا الله عما مضي.
دمشق:
المغربي
стр. 6406
الحمى
طبياً
عرف العرب مرض الحمى مثل غيرهم من الأمم القديمة وعالجوه بالماء وغيره من الملطفات ووصفه أطباؤهم وألفوا فيها رسائل ومقالات ضافية من أهمها كتاب (الحميات) خمس مقالات لم يوجد أجود منه، وعلاجاته مجربة. ألفه إسحق بن سليمان الإسرائيلي الذي عمر فوق المائة ولم يتزوج ولا أعقب فعير على ذلك فقال: إن لي أربعة كتب تحيي ذكري أكثر من الولد وهي كتاب الحميات و (الأغذية والأدوية) و (البول) و (الاسطقسات) وتوفي هذا المؤلف سنة ٣٢. هـ (٩٣٢ م) ومن الرسائل في (الحميات) رسالة لمحمد بن إبراهيم ورسالة لجلال الدين السيوطي ولغيرهما رسائل وكتب أخرى ضمنت أنواع الحمى ومعالجاتها وكل ما يتعلق فيها مما هو مفيد اليوم.
شعرياً
ولقد وصفها الشعراء بقصائد ومقاطع كثيرة يحضرنا منها الآن قول المتنبي يصف حماه الليلية التي ظنها بعضهم حمى الدق (السل):
وزائرتي كأن بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام
إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام
كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام
وتصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام
فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحم فما حم اعتزامي
وإن أسلم فما أقي ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام
وقال ابن شيروية فيها:
وزائرة تزور بلا رقيب ... وتنزل ألفتى من غير حبه
وما أحد يحب القلب منها ... ولا تحلوزيارتها بقلبه
стр. 6407
تبيت بباطن الأحشاء منه ... فيطلب بعدها من عظم كربه
وتمنعه لذيذ العيش حتى ... تنغصه بمأكله ومشربه
أتت لزيارتي من غير وعد ... وكم من زائرلا مرحباً به
وقال أبوبكر الخوارزمي أمير الكتاب يشير إلى ترك الغذاء فيها:
ولي من أم ملدم كل يوم ... ضجيج لا يلذ له شمام
مقبلة وليس لها ثنايا ... معانقة وليس لها التزام
كأن لها ضرائر من غذائي ... فيغضبها شرابي والطعام
إذا ما صافحت صفحات وجهي ... غدا ألفاً وأمسى وهو لام
وقال الأمير ناصر الدين بن النقيب في نوبة الحمى موارياً:
أقول لنوبة الحمى اتركيني ... ولا بك منك لي ما عشت أوبه
فقالت كيف يمكن ترك هذا ... وهل يبقى الأمير بغير نوبه
وقال أبوالحجاج الفهري الغرناطي في الوزير ابن الحكم وقد أصابته حمى تركت على شفتيه عقابيل (بثوراً):
حاشاك أن تمرض حاشاكا ... قد اشتكى قلبي لشكواكا
إن كنت محموماً ضعيف القوى ... فإنني أحسد حماك
ما رضيت حماك إذا باشرت ... جسمك حتى قلبك فاكا
وقال المتنبي مشيراً إلى توقيف الحمى في اصطلاح الأطباء وهو من التعليل الحسن المبني على الشك:
ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها
أعجبتها شرفاً فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لإذاتها
ولم يخرج عنه أبوالفتح كشاجم الرملي فقال في سبب الحمى:
ولقد أخطأ قوم زعموا ... أنها من فضل برد في العصب
هو ذاك الذهن أذكى ناره ... والمزاج المفرط الحر التهب
ومن ألطف ما قيل في حمى الأولاد قول أحمد بن بدر المعروف بالبلاط في ولد له حم:
أعزز علي بني ما تلقى ... سدت علي شكاتك الطرقا
стр. 6408
قد كدت بالحمى أحق فليتني ... التي من الحمى الذي تلقى
وقال أبو نواس يخاطب عناناً جارية الناطفي مشيراً إلى إمكان عدواها وقد مرض وشفيا ولم يعلم هو بمرضها إلا بعد برئه:
إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى تحدث عوادي بشكواك
فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا بحماك
وخصلة كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك
حتى إذا أنفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وذاك
وقال إلياس صالح كنعان البيروتي لما ثقلت عليه وطأة الحمى وهو آخر نظمه مشيراً إلى تأثير الحمى في الأحشاء والرأس:
إذا جن الظلام وغاب صبحي ... وفارقني أحبائي وناسي
أتت تسعى إلي وليست ترضى ... مقاماً غير أحشائي ورأسي
هذه طرف مختلفة من أوصاف الحمى الشعرية. فبقي علينا أن نذكر ما عرفه اللغويون
عنها مما لم نره مجموعاً في رسالة أو كتاب بل استخرجناه بالبحث والاستقراء.
لغوياً
من الغريب أن الكلمات العربية المبدوءة بالحاء تدل على الحرارة والتوقد ونحوهما ولذا فنحن نستقري هذه السلسلة لنصل إلى اسم (الحمى) وصحة اختياره لهذا الداء ألفتاك الذي يذيب الدماغ والحشى بل يحرق الجسم ويهلك صاحبه.
فإذا تتبعنا سلسلة الحاء وما يتركب معها من الحروف المضاعفة نجد: أنحب بمعنى عشق وحث الشيء حكه ليسقط وحثه على الشيء أحماه عليه وحج غلب بالحجة وفيه حدة وحد غضب وحذ قطع ومثلها جز وجذ. وحر ضد برد وحز قطع وفيه احتكاك وحرارة وحس البرد العشب أحرقه وحس اللحم جعله على الجمر زحش النار أوقدها والمحش ما تحرك به النار. وحص الشعر حلقه وأذهبه وحضه على الأمر أحماه عليه وحط وجهه خرج به الحطاط وهو نوع من البثور أي الحبوب يعرف بحب الصبا. والحظ التوفيق وحف الشيء كشطه. وحقت الحاجة نزلت واشتدت وحقه غلب على الحق وحكه دلكه وكشطه وحل الحرير استل خيوطه منه بالحرارة وحم التنور سجره أي أوقده وأحماه. وحن إليه أي
стр. 6409
اشتاق وانعطف وحي ضد مات.
فإذا راجعنا هذه المادة نجد أنها من أشد المواد العربية دلالة على الحرارة والاشتعال ولذلك أخذ منها اسم الحمى التي هي من أشد الأمراض فتكاً بالأجسام اشتعالاً ومما يزيد قولنا هذا برهاناً أننا إذا حذفنا حروف هذه المادة الثنائية وأضفنا إليها حروفاً أخرى كان لنا من معنى المادة ألفاظ كثيرة تدل على الحرارة والاتقاد مثلاً حبحبت النار اتقدت والحباحب سراج الليل المتألق، وحبك شد وقطع. والحبوكرى الداهية. وحبت السفينة جرت وتحركت وحثحث إذا ضاعف الحث. وحجن عطف وجذب. وحدر الجدار ورم من الضرب، وحدث في السير أسرع، وحسم قطع إلى آخر المادة.
ومن الكلمات التي تتعلق بالحمى من مادتها قولهم أرض وبلاد محمة ومحمة ذات حمى أو كثيرة الحمى، وحم الرجل فهو محموم إذا أصيب بها وأحمته البلد. إلى غير ذلك من الاصطلاحات.
وأما حمى التيفوئيد فهي من كلمتين يونانيتين الأولى (تيفوس) أي السبات من الحمى والثانية بمعنى شكل فمجموع معناها شكل السبات أوشبه التيفوس. والتيفوس يونانية كما مر بمعنى سبات الدماغ ونحوه. أما كلمة الحمى في اللغات الإفرنجية فهي من كلمة اللاتينية بمعنى ليسخن وليحم فهي مثل الكلمة العربية ومنها اشتقت كلمة ألفرنسية وكلمة الإنكليزية الإسبانية والإيطالية وأشباهها.
أما أنواع الحمى التي عرفها العرب فهي حمى مردم من أردمت عليه إذا لم تفارقه أياماً وحمى نائبة تنوبه كل يوم. والبرحاء شدة الحمى، وحمى الرس أول الحمى قبل أن تأخذه وتظهر فإذا كان مع الحمى قرة وجد مسها فهي العرواء (البردية) في اصطلاح العامة وعري إذا أصيب بها. وعك الرجل إذا وجد عرواء الحمى، فإذا عرق منها فهي الرحضاء وهو مرحوض وتقول أخذته رحضاء ورحض. والصالب الصداع من الحمى، وحمى صالب تسيل العرق من الصليب أي الورك وقد صلبت عليه الحمى وأخذته النفضة أي الرعدة، وأخذته حمى نافض ونفضته الحمى، والوعك الحمى التي معها حر خالص تقول وعكته الحمى فهو وعك، والورد يوم الحمى وقد وردته الحمى، وحمى ربع التي تأتي في اليوم الرابع وقيل التي تدع يومين وتأخذ يوماً وربع الرجل وأربع وأربعته الحمى وأربعت
стр. 6410
عليه وربعت، والقلد يوم تأتيه الربع والغب إن تأخذه يوماً وتدعه آخر وقد أغبته الحمى وأغبت عليه وغبت فهو مغب.
وإذا أقامت الحمى فذلك الحين هو القلع وخمدت الحمى سكن فوارها، وصارت الحمى تتعهده وتتعاهده وتحاوده بمعنى تداومه وتنقطع عنه، والعقابيل ما يظهر على الشفتين من غب الحمى، وهو يتضور من الحمى أي يتلوى ويضج ويتقلب ظهراً لبطن، والمسبوت العليل الملقي كالنائم يغمض عينيه في أكثر أحواله وهي من أعراض الحمى، وحمى قبس اقتبسها من غيره بالعدوى وحمى عرض تعرض لها من تلقاء نفسه، والمليلة حرارة الحمى وتوهجها، والحمى الدائرة التي تأخذ وقتاً وتدع وقتاً، وأفرق المحموم إذا تركته الحمى.
إلى كثير من أشباه هذه الاصطلاحات الكثيرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
زحلة (لبنان):
عيسى اسكندر معلوف
следующие страницы →