← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تراسل الأفكار حدث مرةً أن أميراً شهيراً من أمراء بلاد بعث بنفر من أخص اتباعه إلى إيالة يتولى أمرها رجل وافر الثروة عظيم الجاه نافذ الكلمة حتى صبح نداً للأمير المشار إليه يخشى بأسه ويحذر جانبه فلم ير الأمير من وسيلة للتفرد بالحكم والسلطان سوى التخلص من ذلك الند بطريقة من الطرق وبعد التروي في الأمر عول على اغتياله فأسر ذلك إلى الأتباع المنوه عنهم وبقي سراً مدفوناً في قلوبهم لا يعلم به أحد من البشر. وبينما الأتباع سائرون لقضاء مهمتهم في وسط واد وإذا برجل واقف على صخر شاهق يناديهم قائلاً أيها القوم ألا يكفي اثنان منكم لقتل فلان وذكر اسم الرجل فعرتهم الدهشة وتولاهم الهلع والذهول لأن رجلاً آخر في العالم وقف على سر الدسيسة وهم على يقين أنه لم يعلم أحد سواهم به إلا الأمير. وهذه الحقيقة وأمثالها التي كان يسخر منها العلماء منذ بضع سنين وينسبونها إلى الصدفة أو الأوهام قد أصبحت شغلاً شاغلاً لعلماء ما وراء المادة وسيكون لها شأن خطير في رفع ستار الإبهام عن حقيقة القوى العقلية التي لا نعلم من أمرها حتى الآن سوى النزر اليسير. الطريقة التي جرى عليها البشر في نقل الأفكار من دماغ إلى دماغ أو من عقل إلى عقل هي واحدة من اثنتين وهما اللفظ والكتابة ففي الأولى يكون عضو السمع هو الواسطة في نقل الفكر إلى الدماغ وفي الثانية يكون الواسطة عضو البصر إلا أنه قد تبين الآن بعد طول البحث والاختبار أن هنالك طريقة ثالثة ينتقل بها الفكر من دماغ إلى آخر في الفضاء على مسافة ألوف من الأميال دون وسيلة من الوسائل المادية وهذه الظاهرة الغريبة من ظواهر علم ما وراء المادة التي لم يتفق العلماء حتى الآن على وضع لفظ لها في اللغات الأجنبية يقع عليه الإجماع قد أطلقنا عليها في العربية لفظ تراسل الأفكار وهي الغرض من هذه المقالة. والمراد بتراسل الأفكار انتقال فكر من دماغ إلى دماغ دون توسط إحدى آلات الحس المعروفة فقد يتفق أن ينقل شاب في القاهرة وهو في حال النزع شعوره في لحظة حدوث تلك الأعراض لوالدة له قد تكون في باريس مثلاً فتشعر بنزع ابنها في تلك اللحظة عينها وليس فقط بل قد يتاح له أن ينقل إليها في تلك اللحظة أيضاً وصيته وأمانيه الأخيرة بحيث تتجلى لوالدته واضحة كل الوضوح وليس هذا من باب التخرصات والأوهام ولكنه حقيقة

стр. 667

علمية أجمع جلة الفلاسفة على الإقرار بصحتها ولكنهم اختلفوا في تعليلها وهم في ذلك فريقان فريق الماديين وفريق الروحيين. والشواهد على صحة ما تقدم كثيرة تعد بالألوف نجتزئ هنا بذكر واحدة منها يكون بمثابة أنموذج للمطالع اللبيب وهو أن شقيقة أحد الجنود الذين توجهوا إلى الترنسفال أثناء حرب البوير شعرت فجأة في لندرا أن أخاها أصيب برصاصة في صدره والدم ينزف غزيراً من جرحه وأفادها في تلك اللحظة عينها أنه عندما سقط جريحاً في ميدان الوغى عاونه رفيقان احتملاه من موضعه وأغاثاه جهد الطاقة وذكر اسميهما لها دون أن تكون قد سمعت بهما قبلاً على الإطلاق وأوصاها أن تخصهما بهبات مخصوصة من ملكه عينها لها تكون بمثابة تذكار منه إليهما اعترافاً بشهامتها فدونت الشقيقة هذا الشعور والتاريخ بالدقة ولم يكن سوى بضعة أسابيع حتى وردتها التفاصيل مؤيدة لما تقدم كل التأييد. وليس من داع إلى الأغراب في إيراد الأدلة والشواهد فقد جرى في نفس القاهرة منذ عام أو عامين ما هو بمثابة ثبت لما تقدم إذ جاء رجل وامرأة وأظهرا من البراعة في قراءة الأفكار ما حير الحاضرين وأدهشهم ولقد تفنن الحضور في الإضمار تفنناً حتى أن أحدهم أخذ دبوساً ووضعه ضمن لفافة وضعها مع لفائف أخرى في علبة جعلها في جيبه فلما اقتربت المرأة من الرجل اعترتها هزة عصبية كمن هو في حيرة ثم ما لبثت أن وضعت يدها في جيب الرجل وأخرجت منها اللفافة فقطعتها قطعاً وأخرجت من وسطها الدبوس وهي تنتفض انتفاضاً. ومن أهم شروط قراءة الأفكار أن يكون القارئ معصوب العينين لكي لا يستعين بقوة فراسته والاستدلال بملامح الوجه على ما يدور في خلد من أمامه وليتمكن من جمع قوى الذهن حتى تكون أشد تأثيراً وانفعالاً إذا كان مفتوح العينين وقد جلس مشاهير قراء الأفكار في حضرة أعظم ملوك العالم والقابضين على أعنة أحكامه فأدهشوا الحضور بما كانوا يأتونه من الإصابة في الحكم وكشف مخبآت الأفكار. غير أن هنالك فرقاً جوهرياً بين قراءة الأفكار وتراسلها إذ أنه لابد في الحالة الأولى للقارئ من لمس أطراف أنامل الشخص أو جبهته أما في الحالة الثانية فلا شيءٌ من الملامسة بل تنتقل الأفكار من دماغ إلى دماغ آخر على بعد ألوف من الأميال دون توسط

стр. 668

آلة من آلات الحواس المعروفة على ما مر بيانه وهو العقدة التي وقفت عندها الباب علماء ما وراء المادة حيارى يتلمسون لها حلاً ينطبق على شرائع الطبيعة ونواميسها. إذا رميت حجراً في بركة ماء ساكن تكونت نقطة الوقوع في دوائر لا تحصى من التموجات تزيد كل منها عن التي ضمنها حتى تتلاشى في المحيط وذلك لأن دقائق السوائل سهلة الحركة فتفعل فيها القوة فعلاً متساوياً إلى كل الجهات وهذا هو السبب في تكون الحركة الناشئة من سقوط الحجر على شكل دوائر مختلفة الحجم لها مركز واحد وهو نقطة الوقوع ونفس هذه التموجات التي تحدث في الماء تحدث أيضاً في الهواء الذي هو في عرف علماء الطبيعة سائل لطيف فإذا صفقت كفاً بكف أحدث الصفق تموجات في الهواء إلى سائر الجهات فتقع على الأذن فتهتز طبلتها اهتزازاً يختلف باختلاف شدة الصفق وتنتقل الاهتزازات المذكورة على طرق لا مجال لتفصيلها إلى العصب السمعي الذي ينقلها إلى حاسة السمع في الدماغ فيشعر بالصوت. إلا أن هناك سائلاً آخر في غاية اللطافة يملأ جوانب الفضاء ويتخلل إبعاد الأجرام السماوية ومسافات الكون لم تشاهده عين ولم تسمعه إذن ولم يخطر على قلب بشر في العصور السالفة أطلق عليه العلماء اسم الأثير واستدلوا على وجوده بأدلة ليس هنا محل شرحها فإذا تموجت دقائق هذا السائل تموجات خصوصية أحدثت الظاهرة الطبيعية التي نسميها بالنور وما اختلاف ألوان النور التي نشاهدها في قوس قزح سوى اختلاف تموجات الأثير فإذا انخفضت إلى درجة معلومة أصبحت حرارة أي أمواجاً لا تدرك بالعين بل يشعر بها بأعصاب الحس فالنور والحرارة إذاً صنوان إنما يدرك أحدهما بحاسة البصر والآخر بحاسة اللمس تبعاً لتموجات هذا الوسط اللطيف المسمى بالأثير. واعتقاد الفريق الأكبر من العلماء الآن هو أن الفكر الذي يتولد في الدماغ يحدث أمواجاً خصوصية في الأثير شبيهة بأمواج النور التي مر بك بيانها ولكل فكر تموجه الخاص كما أن للأزرق من النور تموجات خصوصية في الأثير وللأحمر مثلها فكذلك لكل نوع من الأفكار تموجه الخصوصي في الوسط المشار إليه وكما أن النور يسير بسرعة مدهشة تبلغ نحواً من مائتي ألف ميل في الثانية حتى يتاح لنا إبصاره لحظة حدوثه فكذلك يتاح للفكر أن يحدث تموجاته الخصوصية في الأثير سائراً بمثل هذه السرعة العجيبة وكما يتأتى للقوة

стр. 669

الباصرة في الدماغ أن تشعر بالنور على مثل هذه المسافة فكذلك يتأتى للدماغ أن يشعر بتموجات الفكر الصادر إليه من دماغ آخر لحظة حدوثها ولو كان أحدهما في جانب من الكرة الأرضية والآخر في الجانب المقابل. فإذا أدركت ذلك هان عليك أن تقفه كيف تنتقل الأفكار لحظة حدوثها من دماغ إلى دماغ على مسافات شاسعة وكيف يمكن لقريب أن يشعر بما يجول في دماغ قريب له يقضي نحبه غير أن ذلك لا يتأتى لكل فرد الحصول عليه إذ لابد هنالك من استعداد خاص في الدماغ يؤهله لهذا الشعور البالغ منتهى الرقة ولولا ذلك لكان كل فرد من البشر قارئ أفكار والواقع يدلنا على أن ذلك محصور بفئة قليلة جداً ثم إن هذا الشعور دليل على وجود نفس للإنسان تتجلى لقريبها لحظة انفصالها عن الجسد أو هو ظاهرة طبيعية محضة يكفي التعليل عنها بما تقدم فهو مما لم يقطع به العلماء حتى الآن وليس من راضنا الخوض به في هذه المقالة فلكل فريق أدلته ولكل عالم دينه. القاهرة الدكتورخليل سعادة

стр. 670

شاه إيران فقدت بلاد فارس صاحبها الحكيم ومدبرها العظيم وأباها البر الرحيم الطيب الذكر مظفر الدين شاه. توفاه الله في الشهر الماضي عقيب مرض طالت به برحاؤه واشتدت عليه بلواؤه. داء النقرس والكليتين. فشق نعيه على كل من عرف ما لاقته أمته في عهده من صلاح الحال وحسن المآل. ولد في ١٤ جمادى الثانية سنة ١٢٦٩ وأمه أميرة من الأسرة المالكة ولما شب أخذ في تلقينه العلوم الابتدائية ثم نصب وهو يافع ولياً للعهد وجعل والياً على أذربيجان وأقام في قاعدتها مدينة تبريز معهد أولياء العهد في الحكومة الفارسية وهناك أخذ يتلقى اللغات والعلوم فاحكم منها الفارسية والعربية والتركية والفرنسية وحذق الرياضيات والعقليات والتاريخ والجغرافيا وفن المدفعية وبقي يمارس أعمال الإدارة تسعاً وثلاثين سنة كان في خلالها مظهر العطف والرأفة ومثال العدل والحكمة حتى يروى أنه كان يقول لا وليت ملكا أبناؤه فيه عبيد. تولى عرش السلطة في ٢٣ ذي القعدة سنة ١٣١٣ وإبان فيها عن دراية واسعة ولقد حاول لأول أمره أن يدخل إلى بلاده من الإصلاحات ما تأمن به عوادي الأغيار ويعيش أهلها في نعيم وغبطة لكنه حاذر من نفوذ رجال الدين والإشراف في مملكته وتعصبهم الذي يمازحه جهل بالحديث وجمود على القديم فعزم أن يمهد لذلك بأن يرحل إلى أوربا ويصحب معه زمرة من رجال قصره وأكابر دولته ليروا بأعينهم ما في الغرب من حضارة رافعة وانتظام شامل فيعودوا وقد تشبعوا بفكر الإصلاح ويكونون يده اليمنى في العون عليه ولكن لم يجد منهم في رحلاته الثلاث ما كان يتوقعه وانصرف هناك معظمهم إلى شهواتهم وما خصوا للنظر فيما يقصد إليه مولاهم ولا نزراً من أوقاتهم ولا أعاروه نظرة من التفاتهم. حتى إذا كانت هذه السنة نزع جماعة من الأمة في طهران إلى الثورة ولجأ قسم منهم إلى السفارة الإنكليزية وهاجر قسم إلى الأماكن الطاهرة في العراق أو يدخل الشاه الإصلاح المطلوب وعندها وجد وسيلة إلى منح الأمة ما كان يجول في صدره منذ سنين فمنحها الدستور وشرع لها قاعدة الشورى الإسلامية ولقد خاف أن يدركه الأجل ولم تستحكم من مجلس الأمة قواعده ولما اشتد عليه المرض دعا إليه ولي عهده وأمره بأن يوقع على ورقة كان ألقاها إليه فوقع عليها بدون أن يراها تأدباً وقال له هذا هو الدستور الذي منحناه للأمة.

стр. 671

ولما بلغه وهو على فراش الموت أن ولي عهده غير راض عن الدستور سأله عن معنى ذلك فقال له والعبرات تتساقط من مآقيه: أيجدر بالمملوك أن يخالف أمر مولاه. ومن جملة ما قام به من أعمال الإصلاح أنه تنازل عن راتبه الملوكي وكان خمسة ملايين فرنك فأنزله إلى ٧٥ ألفاً بما له من الثروة العظيمة الخاصة وألغى كثيراً من المكوس والضرائب وأسس في عاصمته مدرستين على الطراز الحديث ليعلم أولاد الفقراء مجاناً وحبس لهما ما يكفيهما من ماله وحث قومه على إنشاء المدارس فنشئت في طهران عشرات من المدارس على الأصول الجديدة وكذلك في معظم المدن الفارسية ما خلا مدارس الحكومة وكان طاب ثراه متديناً غيوراً مفكراً جداً يقرب العلماء والشعراء ويغدق عليهم من جوائزه وعطاياه وهو ثاني ملك شرقي منح أمته الدستور عن طيب خاطر ومات وهو حريص على تنفيذه محاذر أن ينقض ما أبرمه ويهدم ما أقامه. ولذلك كان خطبه جسيماً والأسف عليه عميماً. أما خلفه الشاه محمد علي فقد ولد في ١٤ ربيع الثاني سنة ١٢٨٩ وأقيم ولياً للعهد وحاكماً على أذربيجان يوم وفاة جده ناصر الدين شاه وتولي والده منصة العرش الفارسي وقد تعلم حد الكفاية من العلوم واللغات وهو يعرف العربية والإنكليزية والروسية والفرنسية مولع بالضرب على بعض أدوات الطرب موصوف بالنباهة قوي البنية تغلب عليه حدة الشباب في الأحايين ولعل بلاد الأكاسرة تلاقي منه خير نصير في إتمام ما بدأ به والده من الإصلاحات النافعة في عمران ذلك الملك وارتفاع شأنه.

стр. 672

المسلمون في الفيليبين الفيليبين هي أرخبيل أو مجموع جزائر في الإقيانوس الكبير تتألف من نحو ألف ومائتي جزيرة صغرى وكبرى. وهذه الجزر هي القسم الشمالي من ماليزيا اكتشفها ماجللان الملاح البرتغالي ودعيت باسم فيليب الثاني ملك إسبانيا وهي ممتدة على ١٥٠٠ كيلومتر من الشمال الشرقي من بورنيو بين بحر الصين والمحيط الباسيفيكي وتبلغ مساحتها السطحية ٢٩٦. ٠٠٠ كيلومتر مربع وأهم محاصيلها البن والأبازير البهارات وقصب السكر والأرز والتبغ والقنب ومن بحرها وأنهارها يستخرج عرق اللؤلؤ والدر بكثرة ومناخها شديد ولذلك كان أهلها وعددهم زهاء سبعة ملايين نسمة أشداء أقوياء. وقد اضمحل سكانها الأصليون إلا قليلاً بما داهمهم من بأس الفاتحين من الماليزيين وأكثر سكانها تمدناً اليوم هم التاغال وعددهم مليون ونصف والفيزايا وعددهم مليونان ونصف والفيكول وعددهم أربعمائة ألف والمورو أي المغاربة وهم المسلمون وعددهم كثير في الجزائر الجنوبية. وهم أخلاط من الماليزيين والصينيين والهنديين والعرب والجاحدين من الأوربيين ويعد في جملة المسلمين قوم من الجورامانتادو يقدمون أرواحهم فدية لله ويتقربون إليه بقتل الكافرين وهم متعصبون على الجملة على ما وصفهم أكثر من كتبوا عنهم. ولقد استولت إسبانيا على هذه الجزر زمناً ولكنها لم تعمرها وغاية ما صرفت وكدها إليه تنصير السكان ليدينوا بالكثلكة فأصبح المتظاهرون بها والمنتحلون لها تسعين في المائة من السكان ولما لقي التاغال والميتيون ما لقوا من سيطرة رجال الدين وسوء الإدارة قاموا يريدون تخفيف ما نالهم وأن يعاملوا بالمساواة مع البيض فنشبت ثورة سنة ١٨٩٦ ولم تنطفئ شعلتها إلا بوعد زعيم الثائرين أن تقوم إسبانيا بالإصلاح المنشود ولما لم تقم هذه الحكومة بوعدها عاد ذاك الزعيم يبدي نواجذ الشر في السنة التالية بمعاونة الولايات المتحدة وبعد أن حاربت الحكومة الأمريكية إسبانيا من أجل هذه الجزائر استولت على الفيليبين وكوبا وبورتوريكو ونكست أعلام إسبانيا وراح الأمريكان يستعمرونها فيحسنون استعمارها. ولما مد السلام رواقه على هذا الأرخبيل وانتهى دور الكتائب والحسام جاء الدور للكتب والأقلام وأخذت المجامع العلمية تبعث برسلها للبحث والتنقيب لتنظر في تاريخ الفيليبين واجتماعها وعمرانها فانتشر منذ سنة نحو عشرين مصنفاً في الكلام على هذه الجزائر ومن

стр. 673

جملتها كتاب المورو أي مسلمي الفيليبين لوطنينا الفاضل الدكتور نجيب صليبي. ولقد اطلعنا على مبحث في مجلة العالم الإسلامي الفرنسية اقتطفته من مصادر كثيرة ومنها كتاب جزائر الفيليبين الذي ظهر مؤخراً بالإنكليزية من قلم جون فورمان فآثرنا تحصيله للقراء ليقفوا على أحوال أولئك القوم ويعرفوا مبلغ عناية الغربيين بكل فرع من فروع العلم والاجتماع قالت المجلة الباريسية: شغل المؤلف جزءاً عظيماً من كتابه بالكلام على المسلمين بعد أن أطال عشرتهم وخالط زعماء الثورة ورجال الحكومة منهم فجاء من ذلك ببيان رائده الإنصاف وسداه ولحمته التحقيق وقد أبان في كتابه علاقة مسلمي الفيليبين مع الإسبانيين سابقاً ومع الأمريكيين لاحقاً إلى أواسط سنة ١٩٠٥. المسلمون اليوم هم عبارة عن ثمانية أو تسعة أعشار جزيرة مينداناو الكبرى وجميع أرخبيل سولو مع جنوبي بالوان وكانوا منتشرين في الشمال من تلك البلاد على عهد الفتح الإسباني ولما نزلت الحملة الإسبانية الأولى في جزيرة لوسون سنة ١٥٠٧ اختلطت لأول أمرها مع الراجا (حاكم) توندو وابن أخته الراجا سليمان في مانيلا حاضرة الفيليبين اليوم وكان قائد الجيش الإسباني العام إذ ذاك يرى سكان توندو ومانيلا مسلمين ويطلق عليهم في مكاتباته الرسمية لفظ المورو أي المغاربة ولم يكن لأحد من الإسبانيين شك في ذلك لأن المغاربة لم يطردوا الطرد الأخير من إسبانيا إلا سنة ١٤٩٢. ولقد اختلفت الأقوال في دخول الإسلام إلى تلك الجزر والمرجح أن الجزر الجنوبية مثل ميداناو وسولو انتشر فيها الإسلام لقربها من مسلمي شمالي بورنيو فاستولى المسلمون على سلطنة بورنيو عقيب أن خربوا مملكة الماجاباهيت من بلاد جاوه سنة ١٤٧٣ ولم يتحارب الإسبانيون مع سلاطين المسلمين إلا في سنة ١٥٧٧ وقد تقدم السلطان عبد القهار عدة ملوك مسلمين ومنه بدأ تاريخ الفتن بين المسلمين والإسبانيين. وبالجملة فإن الإسلام انتشر في مينداناو وبورنيو بمساعي دعاة العرب على أنه لم ينتشر حقيقة في جنوبي الفيليبين إبان الفتح الإسباني ولم تنتحل سولو الإسلام إلا بعد أن جاءها دايكس من بورنيو وتزوج أحد زعمائهم المدعو اندازولان - وكان استولى أولاً على جزيرة بازيلان ثم على سولو - من ابنة زعيم من أعيان المسلمين في مينداناو وانتحل الإسلام وأسس سلطنة سولو ثم

стр. 674

قويت شوكته باتحاده مع بورنيو ومينداناو. وعادت الأحقاد القديمة فتجددت بين الإسبانيين والمسلمين وحمل الإسبانيون على هؤلاء مدفوعين بعامل السخط الشديد وفي سنة ١٥٧٦ ثار لاكاندولا والراجا سليمان في جزيرة لوسون ولكن قوة الإسبانيين إذ ذاك حالت دون انتشار الكلمة الإسلامية وإن بقيت اليوم بقية من ذرية لاكاندولا في بعض القرى فقد انحط مقامهم وأصبحوا نكرة لا تعرف حتى أن أحدهم كان خادماً في مطعم فرنسي في مانيلا سنة ١٨٨٥. وقد بعثت إسبانيا سنة ١٥٩٦ حملة على مينداناو فقتل قائدها عند نزوله إلى البر وأغار والي سولو بنفسه سنة ١٦٣٨ فاحتل بعض المراكز في شاطئ ميداناو حيث لقب الراجا سيبوجي سنة ١٦٤٠ بلقب السلطنة. ولم تكن هذه السلطنة وذاك الاحتلال إلا اسماً لا حقيقة لهما إذ بقيت الفتن قائمة قاعدة بين المسلمين الأصليين والمسيحيين الفاتحين ولاسيما في القرصنة. فدامت الغزوات البحرية بين الفريقين بلا انقطاع مدة ثلاثة قرون فريق يعتقد أنه يجاهد جهاداً مقدساً وهم المسلمون وفريق يدعي أنه يحارب باسم الصليب وهم المستعمرون الإسبانيون. وفي أواسط القرن الثامن عشر حدثت بين المسلمين والإسبانيين فترة غريبة ذلك بأن المفاوضات بينهم انتهت بأن يكاتب ملك إسبانيا سلطان سولو الذي قاوم أحد أخوته مكانه فجاء مانيلا يطلب مساعدة حاكمها. ورأى السلطان محمد عليم الدين أن يتنصر فتعمد ولحقت به أسرته وبدأت تتعلم في مانيلا التعليم الإسباني المسيحي وبعد سنتين رخص له بأن يذهب من مانيلا إلى سولو وزامبوانكا في موكب له فاضطر أولاً أن يكتب إلى السلطان محمد أمير الدين في مينداناو وينصح له بلسان شديد اللهجة أن ينضم إلى الإسبانيين. وبعد سفره بقليل تبين للحاكم الإسباني أن العبارة العربية كانت مخالفة للعبارة الإسبانية التي كتبها بنفسه ووقع عليها ولذلك أمر بسجنه في زامبوانكا ثم أعيد إلى مانيلا ولم يسع الوالي الإسباني إلا أن يعود إلى تنصير ذاك الحاكم المسلم ولو صورة. ولما احتل الإنكليز مانيلا سنة ١٧٦٣ وجدوا السلطان مسجوناً فأطلقوا سراحه فراح إلى سولو وأقام على استئصال شأفة الإسبانيين في مينداناو وأصاب الإنكليز أيضاً شيءٌ من شره وإن أحسنوا معاملته. وقد بعث الإنكليز إلى سولو بمائة وخمسين رجلاً لتوطيد قدمهم

стр. 675

فيها فدعاهم أحد زعماء المسلمين إلى مأدبة وذبح منهم ١٤٤. وبعد أن انجلت إنكلترا عن قاعدة تلك البلاد عدل الإسبانيون من معاملتهم للمسلمين فاعترفوا سنة ١٨٣٦ باستقلال سلطانهم هناك حتى إذا كان عام ١٨٨٤ سيروا عليه حملة واستولوا على حاضرة بلاده فراح السلطان وخاصة رجاله يحتفظون بألقابهم فأدرت حكومة إسبانيا عليهم رواتب ومشاهرات إلا أن المسلمين لم يبرحوا يلجؤون إلى الغارة والنهب في السواحل حتى قيل أن غارات المسلمين قويت شوكتها سنة ١٨٧٦ فلم يعد حكم إسبانيا في سولو إلا اسمياً. وهكذا جرت حوادث بين الحكام الإسبانيين والسلاطين المسلمين يخضع هؤلاء تارة وينتقضون أخرى مثل سلاطين باكات وبوهاين وكودارنكان المتحالفين مع داتواوتو ولما ضاقت إسبانيا ذرعاً ببعض القبائل المسلمة وانتقاضها الحين بعد الآخر عزمت غداة ثورة سنة ١٨٩٦ أن تطرد المسلمين من عقر دارهم وتسكن فيها جماعة من المسيحيين الوطنيين ثم خضع بعض أولئك الأمراء للإسبانيين خضوع حب لأن منهم من كان يقدر المدنية الغربية قدرها ولذلك ظلوا على موالاة الأمريكيين أيضاً بعد أن استولوا على هذه الجزائر. ويؤخذ مما كتبه فورمان أن الأحقاد القديمة بين الإسبانيين والمسلمين دامت على أشدها مدة ثلاثة قرون وظل المسلمون هناك يذكرون ما وقع لإخوانهم مسلمي إسبانيا. ومما كانت تجري الشروط عليه بين مانيلا الإسباني وحاكم سولو المسلم أن لا تمس شعائر المسلمين. وعلى ما حاولته إسبانيا من تنصير المسلمين فقد خرجت من الجزائر كيوم دخلتها ولم تفلح فيما قصدت إليه. ولا شك أن جمهورية الفيليبين تحسن معاملة المسلمين كالإسبانيين وكذلك المسلمون لم يكونوا أقل عداء لسكان البلاد المسيحيين من معاداتهم للبيض. ولما استولى الأمريكيون على الجزائر لم يمسوا المعتقدات الإسلامية ولا عملوا على نقض شرع أهل الإسلام وإن كانوا ينكرون عليهم ترتيباتهم في حكومتهم وهي حكومة أعيان ارستوكراطية وقد انتقد أحدهم على حكومة الولايات المتحدة أن وطدت نفسها على انتظار إدخال تعديل في حال المسلمين هناك وتعليلها الأمل بأن نشر التعليم العام بينهم سيؤدي بعد إلى نتيجة حسنة. على أن الأمريكان كانوا يوجسون خيفة من نظام الإقطاعات الشائع بين المسلمين هناك. وقد نادت حكومة أميركا بأن يظل أهل ولاية المسلمين يحكمون أنفسهم

стр. 676

بأنفسهم ولم تتداخل إلا بعض الشيء في حكومتهم وإدارة بلادهم وتمتاز حكومة أميركا عن إسبانيا بأن طريقتها في حكم تلك الجزيرة والمسلمين من أهلها خاصة هو بتدريب الأهلين على المبادئ الديمقراطية أما إسبانيا فقد أرادت أن تحمل على الإسلام نفسه لتخلص من المسلمين. ولو اقتربت بعض الزعماء المسلمين من الأمريكان سياسياً مع احتفاظهم بأخلاقهم من الوجهة الاجتماعية لما طال على البلاد عهد السلام. وقد عنيت الحكومة الأمريكية بتنظيم شؤون المسلمين وتأسيس بلديات لهم في الجزر تقيم مع المجالس الوطنية وتعمل بالعادات الوطنية ما أمكن وهي العادات التي لا تنافي عادات الشعوب المتمدنة ولا أخلاقها وقد بلغ عدد جيش الاحتلال الأميركي النازل في جزيرة سولو وحدها ٤٨٣٩ رجلاً و٢٩٤ ضابطاً على أن المحاربين من أهلها لا يتجاوزون العشرين ألف رجل. وفي تلك الولاية ٤١ مدرسة فيها ٢١١٤ تلميذاً و١٥ معلماً أمريكياً و٥٠ معلماً مسيحياً وطنياً و٩ معلمين مسلمين والمدارس غاصة بالتلاميذ والمتعلمين حتى أن ٢٤٠ طفلاً من المسلمين حرموا من الدرس الآن فباتوا ينتظرون لأن المدارس ملئت بالتلاميذ والطلاب من المسلمين.

стр. 677

إحدى نقائص الاجتماع ٢ شيخ كثير الذكر والتسبيح ... ينهى عن المنكر والقبيح يقول قال الله والرسول ... وأثبت المنقول والمعقول ويكثر الصلاة في المساجد ... والدور إذ يدعى إلى الموائد وربما أزورّ عن الطعام ... مخافة الوقوع في الحرام وصدَّ ظمآناً عن الشراب ... كيلا تطول مدة الحساب صارت له منزلة جليلة ... وشهرة عريضة طويلة فأمه الغنيّ والفقير ... وزاره الكبير والصغير هذا يريد مطلباً عسيراً ... وذاك يرجو نشباً وفيراً وذا يروم البرء من أدوائه ... إذ عجز الأساة عن دوائه وازدحمت في دارة النساءُ ... فما لهنَّ دونه رجاءُ هذي جفاها الزوج منذ حين ... ولجَّ في الغلظة بعد اللين وتلك لا تُملاءُ الأولادا ... فقلبها يتقد انقادا وهذه قد رغب الخطاب ... عنها فأشقى عيشها العذاب وهكذا استسلمت العقول ... للشيخ فهو الله والرسول وكاد أن يعبد دون الخالق ... سبحانه عن عمه الخلائق وإنني لفي ممرّ خال ... ساق إليه سائق الأحوال في ليلة أودى شقاء أجد ... بحليها فاستسلمت للوجد أحزنها تصرف الخطوب ... فدمعها منهمر الشؤبوب إذ عنّ شيخ لو بعيني نائم ... مرَّ لكان مثل وهم الواهم فكان لي من أمره المريب ... وشغفي بالنادر الغريب داع إلى السير على آثاره ... لا عرف الغائب من أخباره فانسرب الشيخ إلى مضيق ... أفضى به وبي إلى طريق لمحت فيه وجهه المقنعا ... فخلت أن ناظري قد خدعا

стр. 678

فمن يظن ذلك الإماما ... يرضى الخنا ويؤثر الحراما قال لمومس هناك تخطر ... لعلها بابن غنيّ تظفر عمي مساء وهلمي فأنا ... نعم المرجى للفسوق والخنا سلي ألم أبل البلاَء الحسنا ... واجتن الحمد فنعم المجتنى لا تزعميني وكلاً ضعيفاً ... إن صار هذا الشيب لي حليفا ولا شحيحاً أو أخا أعسار ... لكن حياً ينهلُّ بالنضار لاسيما حين تدار الاكؤُس ... ويستقرّ بكينا المجلس قالت أصبت فالمراد المال ... هو الشباب الغض والجمال لولا طلاب القوت لم تجدني ... بحيث أبلي صحتي وأفني وأبذل العرض وما إدراكاً ... ما العرض أغلى ما رأت عيناكا لو رام مني ولك الكرامة ... ما رمت كلب مفرط الدمامة لم يك مني دونه امتناع ... مادام لي بماله انتفاع ودخلا البيت فعدت واجماً ... احسبني فيما رأيت واهماً ما أولع النفوس بالحرام ... وأسرع النقص إلى التمام بل ما أشد نكد الأيام ... وأتعب العاقل في الأقوام فاز المراءون وخاب الصادق ... والتبست على النهى الحقائق وانتشر الفساد والضلال ... وخرجت عن حكمها الأحوال فيا سماءُ أمطري الأرضينا ... ناراً تبيد الخلق أجمعينا أما لهذا الحلم والإغضاءِ ... من غاية ترجى أو انتهاءِ دمنهور أحمد محرم

стр. 679

ضمان الحياة أفاضت المجلة الفرنسية في وصف شركة لضمان الحياة أنشئت في مدينة تورين من أعمال إيطاليا في العهد الأخير وقد خالف القائمون بها جميع شروط الشركات المؤسسة من هذا النوع حتى الآن وإليك محصل ما قالت: من نقص شركات ضمان الحياة الحالية أنه لا يمكن للفقراء أن ينتفعوا منها فلو فرضنا أن أحدهم مثلاً أراد أن يضمن حياته على عشرة آلاف فرنك عند إحدى الشركات المعروفة يقضى عليه أن يؤدي مسانهة خمسمائة فرنك فإن مات قبل الأجل المضروب وهو عشرون سنة مثلاً تقبض أسرته عشرة آلاف فرنك وإن عاش إلى ما بعد هذه المدة يقبض رأس ماله أي عشرة آلاف بدون فائدتها. وفائدتها مهما قلت لا تنزل عن ثلاثة ونصف في المائة فيكون مجموع فائدة هذا المبلغ في خلال هذه المدة ألفا فرنك على أن شركات الضمان الكبرى تأخذ فائدة أموالها من خمسة إلى ستة في المائة. وهاك إحصاء فيما وزعته شركات الضمان الرئيسة في العالم منذ تأسيسها حتى ٣١ ديسمبر سنة ١٩٠٤. اسم الشركة وزمان تأسيسها ما أعطته للمساهمين ما دفعته للمضمونين فرنك فرنك العمومية (باريس) ١٨١٩ ١٣١. ٥٠٣. ٧٠٦١٠٤. ٦٨٧. ١٥٣ الاتحاد ١٨٢٩١٩. ٤٣٥. ٨٨٨١٨. ٧٧٨. ٩١٧ الوطنية ١٨٣٠١٠٣. ٤٠٢. ٧٥٠٧٧. ٣٣٨. ١٢٢ عنقاء مغرب ١٨٤٤٢٦. ٥٠٥. ٨٤٧٣٩. ٧٢٥. ٠٤٥ نيويورك لم تعط شيئاً ٤١١. ٥٧٤. ٩٤٣ ومن هذا الإحصاء يتضح لك أن شركات الضمان أخذت ممن ضمنت لهم حياتهم ملياراً من الفوائد وزعت منها ٢٨٠ مليوناً على المساهمين و٢٤٠ مليوناً على المضمونين ولذا كان من يضمنون حياتهم آلة لهذه الشركات المالية تستعملها لتنال منها كل فائدة وعائدة ولا بدع إذا حرصت كثيراً على أن يعيش المضمونون المدة المتفق عليها لئلا تعطيهم قبل الوقت ما لم تكن قبضته كله منهم وربحت منهم الفائدة. أما الشركة الجديدة فقد أسست بدون رأس مال ورأس المال يستدعي أناساً يقومون على

стр. 680

استثماره. بل أن أعضاء صندوق الضمانة هم متكافلون متضامنون فيصفي كل سنة حساب ما يجمع من جميع المضمونين أي أنه يوزع بين أسرات من ماتوا في خلال السنة من المشتركين فيعود المجموع من المال على عيالهم إذا مات أحدهم وربما بلغ المال مبلغاً حسناً. ويشترك في هذه الجمعية الرجال والنساء والشبان والشيوخ والأغنياء والعملة فإذا مات من كل ألف شخص منهم في خلال السنة اثنتان وعشرون نسمة وهو معدل الوفيات في كل ألف ساكن في إيطاليا وفي جملتهم الأولاد الذين يكثر الموت بينهم واستثني من ذلك من استثنتهم الشركة من الأطفال والشيوخ وكان المشتركون كما هي قاعدة الجمعية من أهل سن العشرين إلى الخامسة والأربعين ممن لا يتجاوز المتوفى منهم عشرة في الألف - إذا كان هذا فيصيب أسرات من مات عميدها مبالغ من المال وهذه الجمعيات تنقسم إلى طبقات لا يسوغ لكل طبقة أن تعمل ما خصصت نفسها له قبل أن يبلغ عددها ألف نسمة فإذا فرضنا أن أعضاء طبقة يدفع كل منهم فرنكاً في الشهر أو اثني عشر فرنكاً في السنة فيكون مجموع ما يدفعون كلهم في السنة ١٢٠٠٠ فرنك. يوزع هذا المبلغ على العشر أسرات التي يموت أربابها في خلال السنة بحسب التقدير فيصيب كل أسرة مات أحد من ضمنوا حياتهم لمنفعتها بعدهم ألف ومائتا فرنك. فإذا وضع الفرد في مدة خمس عشرة سنة مائة فرنك في السنة ومات في خلال هذه المدة تأخذ أسرته عشرة آلاف فرنك وإذا عاش فلا يأسف على المبلغ الذي وضعه كل سنة لأنه زهيد. ولا يحتقر مبلغ عشرة آلاف فرنك تناله أسرة بعد فقد ربها وبدونه تتمزق وتتشتت أما هذا المبلغ فيكفيها لوفاء بعض الديون واستئجار مسكن والإنفاق ريثما تجد لها مورداً آخر أو تهاجر بها أو تعلم بها ولداً. ومن الصعب على صغار المستخدمين كمعلمي المدارس وصغار التجار وفتيان القضاة والأطباء أن يدفعوا كل سنة مثلاً خمسمائة فرنك كما هو الحال في شركات الضمان القديمة في زمان كثرت فيه ضروب النفقات وإذا قدر المشترك أن يدفع سنة لا يستطيع أن يدفع الثانية وإلا فإنه يضطر أن يحرم نفسه من كل لذة ونعيم ليوفي قسطه السنوي وعلى العكس في هذه الجمعية أو الشركة الجديدة. ولذا أخذت شركات الضمان الأخرى تحاربها وتتهمها بسوء القصد على أن الناس لم يدخلوا فيها بالألوف بل بعشرات الألوف ومادام أمرها بيد

стр. 681

القائمين عليها فإنها مضمونة النتيجة وقوة المجموع أكثر من قوة الأفراد.

стр. 682

حوادث السنة من الجدير بالتدوين من حوادث هذه السنة ما وقع في هذا القطر من الخلاف في طور سيناء على التخوم المصرية العثمانية فجرى التحديد وكان يخشى حدوث فتنة بين العثمانيين والمحتلين من الإنكليز وكادت تتكدر كأس الصفاء بين المصريين والإنكليز لأن هؤلاء رموا أولئك بالتعصب فقامت الجرائد الوطنية تنفي عن قومها هذه التهمة وكانت مناداة المصريين بحب الدولة هي الباعثة على هذه التهمة. ومن حوادث العلم والاجتماع أن الشركات الأوربية وغيرها كثرت في هذه السنة بمصر لاستثمار أرضها وأموالها وعقاراتها. واهتم بعض أعيان الأقاليم بإنشاء كتاتيب للأطفال وحبس أطيان عليها كما عني بعض أعيان بني يوسف بإنشاء مدرسة صناعية وجمعوا شيئاً من المال اللازم لها واهتم أعيان البحيرة بإنشاء مثلها في إقليمهم بمدينة دمنهور. وقامت فئة من رجال العلم والوجاهة في العاصمة وأرادوا منذ الصيف الماضي إنشاء مدرسة جامعة مصرية تغني أبناء مصر عن التعلم في مدارس الحكومة ومدارس البلاد الأجنبية وكان زعيم تلك الفئة سعد باشا زغلول فلما عين في خلال ذلك ناظراً للمعارف المصرية عهد بإدارة هذا العمل إلى صديقه قاسم بك أمين فأخذ هذا يثير الأرواح بفصاحته ويهز أكفَّ السماح بحميته. والخلف كالسلف مشهور بفضل علمه وقوة إرادته. وقد جمع حتى الآن نحو عشرين ألف جنيه. ووهب روكلفر المثري الأمريكي عشرين ألف جنيه لمدرسة أسيوط الأمريكية دفعة واحدة. وزادت حركة العمران في ربوع السودان ولاسيما بعد أن فتح بور سودان واتصل بالبحر الأحمر من قرب سواكن بناحية بربر على النيل بالسكة الحديدية التي أنشأتها الحكومة في سنتين وكلفت مليوناً وثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف جنيه وطولها زهاء ٣٥٠ ميلاً. وتوفر الأهلون في أكثر البلاد العثمانية على الزراعة والتجارة فارتفعت أثمان العقارات في المدن والأراضي في الضواحي والدساكر وارتفعت أسعار الحاجيات بكثرة الاختلاط وسهولة النقل عن ذي قبل فقد مدَّ من خط الأستانة - بغداد قرابة ثلاثمائة كيلومتر ومد من سكة حديد الحجاز نحو ثمانمائة كيلومتر وقطارات البخار الآن يرن صداها في وسط جزيرة العرب. واتصل الخط الحديدي بين بيروت ودمشق بمدينة حلب وأنشئت تراموايات كهربائية في بعض الحواضر العثمانية كما شرع بإنارة بعضها بالكهرباء. وحدث بين الدولة العثمانية والحكومة الإيرانية اختلاف على الحدود لم يسوَ بعد. وضرب الجيش

стр. 683

العثماني إمام الزيدية في اليمن يحيى بن حميد الدين والثوار من أتباعه واسترجع صنعاء منه فاكتفى القائم بما كان تحت حكمه من صعدة وأعمالها وظلت الدولة تحكم ما كان لها. وقوي الأمير عبد الرحمن بن سعود وتبعه أهالي نجد فقتل الأمير ابن الرشيد واستولى على معظم الصقع النجدي وأقيم الأمير متعب مكان أبيه أميراً على ما بقي له من البلاد. ومنح الشاه مظفر الدين صاحب إيران حكومة نيابية لأمته برضاه وطلب بعض المشايخ والأعيان وتوفي في الشهر الماضي وخلفه الشاه محمد علي ثاني أنجاله. وتوفي سيدي محمد الهادي باي تونس وخلفه سيدي محمد الناصر باي وزار الأمير حبيب الله خان اللورد منتو حاكم الهند العام كما زار الهند ومصر البرنس دي غال ولي عهد إنكلترا. وقابل وفد من رجال المسلمين من الهنود حاكم الهند وسألوه أن ينظر في أحوالهم السياسية فوعدوهم خيراً. واجتمع مؤتمر التربية الإسلامية في مدينة دكة الهندية وحضره ثلاثة آلاف مندوب من جميع الأصقاع الهندية. وزار ملك كمبودج من أقيال الهند الصينية بلاد فرنسا وصار فيها أضحوكة كما صار من قبل بهنزين ملك الداهومي وغيره من ملوك الشرق المنحطين. وأخذت اليابان ترقي بحريتها وجنديتها أكثر مما كانت بعد أن نفضت عنها غبار الحرب الروسية اليابانية. وأنفذت الصين لجنة للبحث في قوانين الأمم المتمدنة في الغرب وعادت فأخذت تطبق العلم على بالعمل وصدر أمر الإمبراطور بمنع الأفيون من مملكته. ووافقت الصين على المعاهدة التي أبرمت بين حكومة الهند وحكومة تبت. وكادت العلائق السياسية تنقطع بين الولايات المتحدة واليابان لأن طلاب العلم اليابانيين طردوا من مدارس سان فرنسيسكو الجامعة بدون مسوغ. وعقد في الجزيرة الخضراء من أعمال إسبانيا مؤتمر قوامه نواب من الدول الكبرى للنظر في شؤون الفوضى في مراكش وذلك بتأثير إمبراطور ألمانيا فتقرر أن تنظم شرطة من الإسبانيين والفرنسيين وأن ينشأ مصرف للحكومة المراكشية ولم تزل الفوضى قائمة هناك. ومن كوائن أوربا هذا العام تولي الأحرار زمام الوزارة الإنكليزية بعد الاتحاديين وكانت فاتحة أعمالهم منح الترنسفال مجلساً نيابياً ودستوراً تجري عليه أمورها. وزيارة الإمبراطور ادورد السابع لأكثر مدن أوربا واجتماعه بالإمبراطور غليوم الثاني في ألمانيا والإمبراطور فرنسيس يوسف في النمسا. ووفاة الملك كرستيان التاسع صاحب السويد

стр. 684

وكان محباً للعرب مولعاً بآثارهم وخلفه ابنه فريدريك الثامن. ومنها تتويج هاكون الأول ملكاً على بلاد نروج بعد أن انفصلت عن السويد أو أسوج. وأمر القيصر نقولا الثاني بحل الجمعية العمومية (الدوما) التي كان منحها لأمته وهي بمثابة مجلس نيابي معتدل عقيب الثورات التي نشبت في بلاد روسيا بعد حربها مع اليابان وبعد انقضاض الدوما حدثت ثورات في هلسنفورغ وكرونستاد بيعت فيها الأرواح بيع السماح كما بيعت في بطرسبرج وموسكو وفرسوفيا وغيرها من أمهات المدن الروسية وقويت نفوس الثوار على البطش بالأشراف وزعماء الحكومة ومن ذلك الاعتداء على رئيس النظار والقائد تريبوف والكونت ابناتيف وغيرهم كثيرون. وانتخب المسيو فاليير رئيس مجلس الشيوخ في فرنسا رئيساً للجمهورية عوضاً من المسيو لوبه الذي انتهت مدته وتألفت الوزارة الفرنسية مرتين ثم سقطت وجردت فرنسا الكنائس وفصلتهما عن الحكومة وضيقت السبل في وجوه رجال الدين وطردتهم وشردتهم. وأهم ما حدث في ألمانيا حل مجلس الأمة وانتخاب آخر مكانه. وفي إسبانيا زواج ملك إسبانيا وكاد يلاقي حتفه في موكب زواجه بقنبلة ألقاها أحد الفوضويين فنجا هو وزوجته بعد أن قتل عشرات من الأنفس. واستقال البرنس جورج حاكم كريت وأقيم مكانه رئيس وزارة اليونان السابق المسيو دليانس. وانتخب الدكتور بينا رئيساً لجمهورية برازيل وهو رابع رئيس تولى زمام جمهوريتها منذ سنة ١٨٨٩ عندما حدثت الثورة بالمطالبة بالجمهورية. وأهم الأحداث الطبيعية انفجار مناجم لاكوريير في فرنسا هلك فيه زهاء ألف عامل وثوران بركان فيزوف في إيطاليا وزلزال مدينتي فالباريزو وسان فرنسيسكو في أميركا وهما الزلزالان اللذان قضي فيهما ألوف من الأنفس وراحت فيهما أموال وعروض كثيرة ودمرت مدينة كنغستون عاصمة جزائر الجاماييك الإنكليزية. وانتشرت المجاعة في بعض بلاد روسيا وقحطت بعض ولايات اليابان فتداركت الحكومتان أمر ذلك كما قحطت بعض ولايات الصين. وحدثت ثورة في الناتال كما حدثت فتنة في جزيرة كوبا.

стр. 685

الشيخ إبراهيم اليازجي فجعت العربية في الشهر الماضي بكبير من أكابر أهلها المنشئين وأستاذ من جهابذة المعربين والمؤلفين الطيب الذكر والأثر الشيخ إبراهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء. توفاه الله في هذه العاصمة عن ستين عاماً قضاها بين المحابر والدفاتر وقد وقف حياته على الإفادة والاستفادة فانتفع به خلق كثير في جميع البلاد التي تقرأ فيها العربية ولاسيما في مصر والشام. ولقد عزَّ نعيه على كل من عرف فضله وأخلاقه وما خصَّ به من دماثة الخلق ولين الجانب وعزة النفس وحسن العهد ولا عجب فقد فقدت المطبوعات بفقده عضواً عاملاً ورجلاً نافعاً. ورثاه جمهور كبير من العلماء والفضلاء وابنته الصحف والمجلات على اختلاف الملل والنحل واللغات لأن المصيبة بفقده كانت عامة جازاه الله أفضل ما يجازي المحسنين على إحسانهم. وهاك ما كتبناه في المؤيد الأغر يوم وفاة هذا الفقيد العزيز من تأبينه وترجمة حياته: كان فقيد اليوم عالماً مدققاً ولغوياً ضليعاً ومترسلاً تحريراً ومفتناً فكهاً ونقاداً غيوراً وكاتباً فريداً وشاعراً مجيداً قضى حياة المتعلم والمعلم والعالم على أكمل وجوهها وبرز خاصة في علوم العربية على أقرانه فعد من آحاد زمانه. نشأ من بيت كان ربه يتغنى ليله ونهاره بالشعر والأدب فشبَّ وشاب فيما نشأ عليه أنشئ له. وناهيك بمن يرضع اللغة من صغره ويعاني الأدب في جميع أدواره لا يصل إلى وسمعه غيره ولا تقع عينه على ما سواه والجميع مستحسن له ومصفق ومؤمن على أقواله ومصدق. فانصرف في مدينة بيروت كوالده الشيخ ناصيف إلى التعليم والتصنيف فتخرج به جهابذة أدباء وأكثرهم اليوم هم الحركة الدائمة في مصر والشام وألف على ذاك العهد كتباً وصحح أخرى منها شرح ديوان المتنبي. وصحح التوراة كما نقح كتب والده المدرسية في الصرف والنحو والبيان والعروض ووقعت له محاورات مع صاحب الجوائب وغيره كطرفة الطرف وكتب مجلة الطبيب سنة كاملة بمساعدة صديقيه العالمين الدكتورين زلزل وسعادة. هبط مصر في شتاء سنة ١٨٩٧ لإنشاء مجلة علمية وطبع معجم عربي كان عني بتأليفه منذ سنين ولكن خانته الأقدار فرأى ما كان يسمعه عن نهضة مصر العلمية مبالغاً فيه وأن

стр. 686

سوق العلم والأدب كاسدة لا لإقبال عليها فأصدر أولاً مجلة البيان سنة بمعاونة الدكتور زلزل ثم أصدر وحده مجلة الضياء فدامت مطردة الصدور إلى صيف هذه السنة وقد شحنها من عرائس أفكاره وتحقيقاته اللغوية وأماليه الأدبية ما لو كتب بغير هذا اللسان لأعجب به أهله وكبروا مثل مقالات اللغة والعصر ولغة الجرائد وأغلاط العرب وأغلاط المولدين وطبع في العهد الأخير كتاب نجعة الرائد في اللغة ولم يوفق إلى طبع معجمه لأسباب أهمها قلة النصير والظهير. كان الفقيد شديد الغيرة على لسان العرب بحيث لا يدانيه في ذلك غير خاصة الخاصة. مبالغاً في التدقيق والتمحيص حتى أنه كان يألم ممن يرتكب غلطاً لغوياً إنشائياً ألمه ممن يسيء مباشرة إليه أو يصادره في أعز الأشياء عليه ولذلك قلما كان يغفل كتاباً أو ديواناً من النقد اللغوي والأدبي وكثيراً ما تأخذه الحمية العربية فينحني على المنتقد عليه وربما وصلت المسألة من العموميات إلى الخصوصيات كما جرى في نقده معجم أقرب الموارد وكتاب الدرة اليتيمة وغيرهما. ولابد لمن يتمحض للانتقاد أن يلاقي ما لقي الشيخ اليازجي فيصاب ويصيب خصوصاً والناس في زماننا لم يألفوا الانتقاد وأكثر المنتقدين يعدونه ثلماً لشرفهم وحطة لأقدارهم والناقد كيفما كانت الحال لا تصفو له القلوب إلا علي الندرة ولاسيما إذا عامل منتقديه بأنه هو المسيطر على كل ما يبدر من خطاءٍ وخطل والكفيل بحل كل إشكال ومعضل فكان انصراف قلوب بعض العالمين والمتأدبين عنه لعدم اضطلاعه بسياسة التعليم وهو داء العلماء من القديم حتى عقد ابن خلدون فصلاً في أن العلماء أبعد الناس في السياسة. وعلى الجملة فقد كان فقيد اللغة والأدب اليوم آية في سعة اطلاعه على شوارد اللغة واوابدها محيطاً بأقوال أئمة البيان العربي عارفاً بصحيح الكلام من فاسده بصيراً ببعض العلوم كالفلك والرياضيات وله إلمام تام بالفرنسية والإنكليزية (والعبرانية والسريانية) ويد طولى في الخط والرسم والنقش والحفر بحيث لو أتيح له أن يعمل بما يهوي وينصرف إلى ما يغلب على طبعه لاختار أن يكون رساماً من أهل الفنون الجميلة. ولولا أنه آثر خدمة العربية كما قال لي عن نفسه مخافة أن يغلق بيته على حين في وسعه فتحه ويتوانى عن خدمة لغة عرف أبوه وأخوته من قبله بالتوفر على خدمتها والغرام بآدابها لجاء منه

стр. 687

مصور ماهر ربما خلف وراءه مالاً وكان أهنأ عيشاً وأهدأ بالاً. خدم الشيخ إبراهيم لغتنا بوضع بعض ألفاظ لمسميات إفرنجية وعرب بعض المصطلحات وله شعر جيد وبعضه سائر على الألسن وإن لم ينسب إليه تقية مثل قصيدته المشهورة في القطرين التي يقول في مطلعها. دع مجلس الغيد الأوانس ... وهوى لواحظها النواعس إلى أن يقول سامحه الله: فالشر كل الشر ما ... بين العمائم والقلانس والخير كل الخير في ... هدم الجوامع والكنائس وإن صحَّ ما قيل لي أمس من أن الشيخ اليازجي مات بسرطان في الكبد فيكون ما كان قاله هو في نعي فقيد الشرق السيد جمال الدين الأفغاني قضى. . . بعلة السرطان وقد تشبث منه بين الفك والنحر ودب في مجرى الفصاحة منه ولا عجب أن يدب السرطان في البحر قد نعى به نفسه وهو جدير أن يطلق عليه فإنه بلا مراءٍ رافع لواء الأدب وشيخ العاملين على إحياء لغة العرب فلا عجب إذا اهتزَّ عالم الأدب اليوم أسفاً على فقده. عوضنا الله عنه خيراً وألهم المصابين بفقده جميل الصبر والسلوان.

стр. 688

مطبوعات ومخطوطات قانون الصين ترجم الرحالة الفاضل الشيخ سعيد العسلي الطرابلسي هذا القانون عن اللغة الصينية وهو تأليف جلالة تونجي خانكدي إمبراطور الصين السابق. والمترجم ممن ساحوا الأقطار الشرقية ولاسيما فارس والهند وبعض الصين وتعلم بعض اللغات الآسيوية. وهو قانون مدني لا علامة على الانحطاط فيه وقد قال المترجم أنه أفرغ في قالب الحكمة والموعظة وجله موافق للشريعة المطهرة ومن مواده: الإنسان مضطر إن لم يأكل أنهكه الجوع وإن لم يلبس الثخين والصفيق بقي عرياناً وأهلكه القر فمن أراد أن لا يجوع فعليه بالحرث والغرس ومن أراد كعم كلب البرد فليرب (الفلة) أي دود القز وليتخذ الحرير والحراثة من أعمال الرجال وتربية الفلة وعمل الحرير من عمل النساء فاحرثوا يا معشر الرجال وازرعوا واجروا المياه واحفروا الآبار واكروا الأنهار واحيوا الموات واغرسوا أشجار الفواكه الطيبة اللذيذة واكثروا ما أمكنكم من غرس الفرصاد والتوت والحور والخلاف والصفصاف وغير ذلك للوقيد والاحتطاب والعمارة وكذلك اكثروا من زرع الخضر والبقول وعليكم بالقنب والكتان والقطن وقصب السكر والقنى ولا يغب عن أذهانكم نفع الشاي فإذا فعلتم ذلك أمرعتم وأخصب عيشكم واتسع لكم المأكل والمشرب (تعطف) من أراد إحياء موات أو زراعة أرضه وليس عنده بذر ولا أدوات الحرث فليطلب من أمير الأراضي في تلك الناحية ما يلزمه من الغلة والبقر والآلة وعلى ذلك المأمور أن يمهله ثلاث سنين لا يطلبه بالخراج ثم يسند منه ما أعطاه بلا زيادة وكذلك من عمد إلى قفر فأحياه وأجرى إليه الماء الكافي وجعله قابلاً للزراعة والغرس والسكن فإن جزاءه أن يمنح رتبة بك ويجعل أميراً على ناحية وإن كان معزولاً لذنب عفي عنه ورد إلى منصبه وإن كان من أرباب المذهب رقي أو زيد في مدته وإن لم يكن أهلاً لذلك أجزل له الخاقان الأنعام وخلد له ذكراً حسناً. وإذا لزم لك الحرير أيتها المرأة فخذي قدر ما يكفيك من البذر واحتاطي عليه بأن تجعليه في زجاجة وتحفظيه في خرق الحرير في الموضع الحار حتى إذا جاء فصل الربيع فابسطيه على الملاحف والأطباق وغذيه بأوراق التوت كما تعلمين حتى إذا استعد لعمل القز ضعي له ما ينسج عليه حتى إذا تم ذلك فخذيه وحليه واعملي

стр. 689

الحرير وليكن حريرك رفيعاً نفيساً لتزداد الرغبة فيه وعليك بنسج أنواع الأقمشة الملونة الفاخرة المحتوية على كل شكل غريب ونقش بديع وليكن ذلك متفاوت الوزن والنسج والمقدار والثمن ليأخذ كل ما يليق به وليشترك في تربية الدود وعمل الحرير وفتله ونسجه الجم الغفير منكن ليتحصل لكن الكثير من ذلك فإن التعاون والاشتراك في الأعمال مما يجعل القليل كثيراً والنزر غزيراً وبهذا لكثر أنواع الملبوسات وبكثيرة المأكول والملبوس يطيب العيش وتصلح الأحوال وتكفى الحياة مؤونة الإفلاس والتكفف على أبواب الناس. أليس هذا بصدق. أليس هذا بأشرف من الكسل والغفلة والقعود تحت الجدران وملازمة البيوت كالعميان والنسوان وجزاء من تقاعد عن ذلك حتى جعل يشكو الجوع والعري وسلك طرق أهل الغي والفساد يذكر. وفي آخر القانون أن من ارتكب جريمة من المسلمين أجري عليه الجزاء بما يقتضيه شرع مجين شنك رين (وهو اسم محمد ﷺ ومعناه الإنسان المقدس) أيها المسلمون احترموا دينكم واعتصموا بما جاء به نبيكم فمن أتى منكم منكراً فعلى القاضي أن ينفذ فيه حكم شريعته ومن أبى أجرينا عليه حكم (لي) من الضرب والهوان وإذا قضى القاضي أو أفتى المفتي بخلاف شرعه جرد وأجرى عليه حكم المفتري على الدين. المسألة المصرية ترجمت إدارة صحيفة المنبر الغراء رسالة للمستر جون روبرتسون أحد أعضاء دار الندوة الإنكليزية إلى العربية ذكر فيها المسألة المصرية ومما جاء فيها أن تاريخ العالم السياسي يثبت أنه من الاغترار أن يطلب من أمة أن تكون شكورة لأخرى أجنبية عنها تتولى السيادة عليها. ولطالما قيل في الأيام الماضية للإيطاليين قبل أن يحصلوا على استقلالهم أنه يجب عليهم أن يكونوا راضين عن النمسا لأنها ساعدت على ترقيتهم وأسعدتهم وحفظتهم من اعتداء بعضهم على بعض ووقتهم غارات الأمم الأخرى فلم تفلح هذه الأقوال مع الطليان ولم تحملهم على الرضى والقبول. ثم مثل بالبولونيين مع روسيا والأيرلنديين مع إنكلترا وقال أنه إذا كانت القرون الطويلة قد مرت ولم يسد الوفاق بين أمتين (الأيرلندية والإنكليزية) تتكلمان لغة واحدة وتصاهر إحداهما الأخرى وتتعلمان آداب لغة واحدة فهل يظن بدون الرجوع إلى مبادئ المودة والانعطاف والصفاء أن يسود الوفاق بيننا وبين أمم

стр. 690

غريبة عنا في الدم والعنصر واللغة والتقاليد والعادات - ويعني بذلك مصر والهند. ثم تكلم على التعليم في مصر ورد أقوال من يذهبون من ساسة الإنكليز الآن إلى أنه يجب أن لا تكون الغاية التي يرمى إليها تكثير عدد التلاميذ إلى حد فائق بل أن تكون بتعليم عدد محدود تعليماً تاماً فإن الحكومة لم تزل بعد بعيدة عن تلك الحالة التي يمكنها فيها تعليم أكثر الأهالي تعليماً موافقاً وأبطل مزاعمهم هذه بالبراهين محتجاً بأن الهبة التي تدفعها الإمبراطورية الإنكليزية للتعليم في اسكتلندا هي سبعمائة ألف جنيه وهو مبلغ يزيد عنه كثيراً المصروف فعلاً على التعليم في تلك البلاد مع أن عدد سكنها لا يزيد عن نصف عدد سكان القطر المصري وعلى ذلك يعبر هؤلاء الذين يظنون أنهم يحسنون صنعاً في مصر أن صرف ٦٦. ٨٨٨ جنيهاً كل سنة كاف للتعليم فيها. وختم قوله بأن الإحصاء الرسمي يدل على أن عدد القارئين والكاتبين في مصر من الرجال هو ٣٨٩. ٤٠٧ بموجب إحصاء سنة ١٨٩٧ ولم تترق المعارف بعد ذلك ترقياً يذكر وعدد القارئات والكاتبات ١٠. ٢٦٩ أي من حيث المجموع ٥ في المائة من أهالي القطر وقال في الاحتجاج للمصريين وهم يرون أن مبلغ ربع مليون من الجنيهات يصرف فقط على مدارسهم على حين تبذل الحكومة ثلاثة ملايين وثلاثة أرباع المليون إلى حملة القراطيس المالية من الأوربيين فائدة للذين لم يستلموا من أصله إلا القليل. ثم قال فإن شوهد بأن الجرائم تكثر في مصر فليس لها إلا أن تعمد إلى ما تقوم به البلاد المتمدنة فإن ترقية آداب مصر هي الدواء الناجع والحل الصحيح للمسألة المصرية. معجم البلدان ظهر الجزء الثامن من معجم البلدان لياقوت الحموي الذي طبعه في مصر الأديب محمد أمين أفندي الخانجي وشركاؤه فتم به الكتاب كله وهو الآن آخذ بطبع المستدرك عليه الذي سماه منجم العمران وقد عني بتصحيحه الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي فجاء سليماً من الغلط على الجملة ولاسيما في المحال التي عثر فيها على أصل صحيح يرجع إليه مثل نسخة وستنفيلد المطبوعة في ألمانيا وغيرها من المخطوطات وإنا لنثني أطيب الثناء على الطابع الأديب وهو يطلب من مكاتبه في مصر والأستانة وتونس وغيرها وثمنه ثمانون قرشاً وبعد إنجاز طبع الملحق مائة قرش وهو رخيص جداً إذا قيس

стр. 691

بالطبعة الأوربية التي نفدت أو كادت أو إذا حسبت أكلافه ونفقاته. تاريخ الأندلس وهو المسمى بالمعجب في تلخيص أخبار المغرب للشيخ الحافظ الفقيه محيي الدين المراكشي وهو الكتاب الذي تكلمنا عنه مطولاً في الجزء التاسع من المقتبس وبينا فوائده وجودة تأليفه بتطويل طبعه في مصر هذه الآونة الأديب محمد أفندي هاشم الكتبي على النسخة المطبوعة في أوربا فجاء في ٢٥٠ صفحة صغيرة جيدة الطبع حرية بأن يصحبها المرء معه في خلواته ويقرؤها في سمره ومتنزهاته وقد رخص ثمنها فجعله ثلاثة قروش صحيحة بعد أن بيعت الطبعة الأوربية بأربعين فنحت كل أديب على مقتناه ويطلب من طابعه في دمشق ومن أكثر مكاتب القاهرة. مرآة علوم هي مجلة علمية صناعية أدبية اجتماعية صدرت هذا الشهر في القاهرة باللغة التركية يحررها زمرة من رجال الأدب والفضل منهم رفيق بك العظم وحقي بك العظم والدكتور عبد الله بك جودت وعبد الحميد أفندي الزهراوي ويوسف سامح بك وكمال بك وغيرهم وقد أنشؤوها إجابة لطلب بعض عقلاء مسلمي قازان في روسيا ممن رأوا أن أحسن واسطة للتمدن أن يتعلموا اللغة التركية الحديثة ويتخلصوا من لغتهم الرديئة الجنتاي القديمة. وقد تلونا فيها أبحاثاً ممتعة منها بعد المقدمة اللطيفة مقالة في جزائر الكومور وسكانها المسلمين. وخلاصة تاريخية في الإسلام والمدنية ونبذة من كتاب روح الأمم معربة عن الفرنسية. ودليل مصر. ومقالة طبية ثم باب الاختراعات والأدبيات وقيمة الاشتراك بها ٤٠ قرشاً أميرياً فعسى أن ينتفع بها من أنشئت لأجلهم وعساها تأخذ بأهداب الحزم والصبر وفق الله القائمين بها خدمة للعلم والحضارة. روايات ورسائل جديدة (بديعة وفؤاد) مؤلفة هذه الرواية الكاتبة الأديبة العقيلة عفيفة كرم من الأدبيات السوريات في الولايات المتحدة وقد نشرت من قلمها فصولاً كثيرة في التهذيب والانتقاد والإصلاح في جريدة الهدى اليومية الغراء في نيويورك وكتبت هذه الرواية اللطيفة وجعلت نصب عينها ما ترمي إليه في كتاباتها من إنهاض شأن المرأة وتهذيب الرجل وهي تقع في ٣٦٨ صفحة

стр. 692

متوسطة مطبوعة طبعاً جميلاً على ورق جيد في مطبعة الهدى وقد جعلتها هدية لكل سيدة مشتركة في الهدى وما يباع منها يصرف في سبيل الإحسان بعد توفية نفقات الطبع ولاشك أن إنشاء الكاتبة وفكرها يتحسنان بكثرة تمرينها على ما وقفت نفسها عليه أكثر الله من أمثالها في مجتمعنا العربي. (رواية آخر الليل) عربها الأديب ركاردو حبيب صلبان وطبعت على نفقة إدارة الهلال وهي أدبية غرامية في زهاء ثمانين صفحة وتطلب من مكتبة الهلال. (المنظمات الجميلية الشطية) هي كراسة من منظومات الأديب مكرمتلو محمد جميل أفندي الشطي وأهدانا الأديب الموما إليه جدولاً له في الفرائض فنثني على نشاطه. (الطفل المفقود) أهدتنا مجلة مسامرات الشعب رواية الطفل المفقود لواضعها الكاتب الفرنسي مكسيم ويلمر ومعربها الكاتب الشاعر البليغ نقولا أفندي رزق الله وهي كسائر ما نقلته يراعة المعرب الفاضل من الروايات الحسنة الأدبية التي تجمع بين الفائدة والفكاهة وإنا لنثني على صاحب المسامرات الفاضل فإنه لا يألو جهداً في تحسين مشروعه الأدبي فلا غرو بعد هذا إذا لقي إقبال قراء العربية والبضاعة تباع مهما بلغ الكساد.

стр. 693

سير العلم تسميم المأكولات نشرت المجلة الفرنسية بحثاً في كيفية تسميم المأكولات والمشروبات في فرنسا ودخول الغش على الحاجيات كاللبن ومزجه بالماء وتزبده (قشه) والخمر وشوبه والجعة واتخاذ المواد الرديئة في صنعها وخمر التفاح والشوكولا واللوز الهندي والقهوة والشاي والمياه المعدنية وهذه أقرب جميع المأكولات والمشروبات إلى الغش والتدليس وكذلك السمن والدقيق والخبز وشحم الخنزير وزيت الزيتون واللوبياء والفلفل وغيرها من الأدوية والعقاقير. الجرائد في اليابان في طوكيو عاصمة اليابان ١٦ جريدة يومية ومعدل ما يطبع من كل منها اليوم ٣٥ ألف نسخة ومجموع ذلك ٥٥٠ ألفاً وليست تأثيرات الجرائد في اليابان كتأثيراتها في أوربا والكتاب هناك لا يتوقعون مما يكتبون إلا إرضاء قرائهم. مستقبل اليابان روت بعض مجلاتهم أن مستقبل اليابانيين لا يتوقع من رجال حكومتها ولا من رجال الحرب فيها بل من رجال الأعمال فيها فإنهم أدوات الحضارة يمهدون لها السبل بالبحث عن الطرق التي تغني البلاد من الوجهة الاقتصادية ولذلك أسست منذ ثماني عشرة سنة مدرسة تجارية في كيوجيجوكو فتخرج فيها حتى الآن نحو ألف تلميذ انتشروا في أطراف البلاد اليابانية. وقد زعمت المجلة بأن اليابان لا تكون دولة عظمى إلا إذا تحولت بالتدريج إلى أن تكون المركز الصناعي والتجاري في الشرق الأقصى. فلسفة سبينوزا بحث عالم في إحدى المجلات العلمية في فلسفة سبينوزا القائل بأن الله واحد أحد يحل في كل الكائنات فقال إن فلسفته أثرت في ألمانيا فقال بقوله الفلاسفة لسينغ وهردير وشيلرماشير وهيكل وكيتي وهين وأن كولريج ووردسورت وهربرت سبنسر في إنكلترا اسحبوا على منواله وإن فيكتور كوزين من حكماء فرنسا أحيا فلسفته أيضاً في بلاده. خطوط لندن تلفون

стр. 694

بلغ طول أسلاك الندى في العالم المتمدن زهاء خمسة ملايين وربع من الكيلومترات منها ١. ٥٣٤. ٠٠٠ في ألمانيا و٦٢٣. ٤٨٧ في فرنسا و١. ٣١٣. ٠٠٠ في إنكلترا و٢٠٠. ٠٠٠ في سويسرا و١٣٨. ٠٠٠ في روسيا و٩٢ ألفاً في نروج وما بقي موزع على سائر الأمصار والأقطار. نهضة الطليان كتبت في العهد الأخير رسائل وكتب كثيرة في نهضة الإيطاليين ونظر إليها المفكرون من الأمم نظر الإعجاب ونظر إليها بعضهم نظر الحسد ومما قيل فيها أن الشمال من شبه جزيرة إيطاليا هو موطن الحركة الاقتصادية كما كان في السالف منبعث القوة والوحدة الإيطالية وإن ليس كمثل حركة الاجتماع بإيطاليا في سائر أقطار المعمور. قضبان الحديد معروف أن الخطوط الحديدية قلبت نظام العالم بسرعة النقل وسهولته ولقد كان يستعمل منه لأول أمرها ما حسن وما لا يحسن من القضبان أما الآن فقد انصرفت العناية إلى استجادة أنواعها والاستعاضة عن القديم منها بأحسن منه جديداً. وقد كانت الولايات المتحدة من أكبر الدول المكثرة من استعمال القضبان الحديدية لأن خطوطها طويلة جداً وكانت معاملها تصنع بقدر ما يصنع في نعامل العالم كله على وجه التقريب فلم تكن زنة ما استعملته الولايات المتحدة سنة ١٨٧٨ من القضبان سوى نصف مليون طن فأصبح اليوم ثلاثة ملايين ونصفاً وقد زاد في الخمس عشرة سنة الأخيرة ثلاثة أضعاف فكان مجموع ما صرفته من الحديد لقضبان السكك الحديدية من سنة ١٨٧٠ إلى سنة ١٨٩٥ ٥٨ مليون طن أما ألمانيا وإنكلترا وفرنسا فإنهما بعد الولايات المتحدة في ما تخرجه معاملهن من القضبان ولكن النسبة بعيدة بينهن وبين الولايات المتحدة وكذلك الحال في كندا وإيطاليا واليابان والصين. العانسات العاملات نشرت إحدى الكاتبات في مجلة علم الاجتماع الدولية مقالة ضافية في حال المرأة البرتغالية فقالت أنها تشبه القاصر الذي هو لا يزال تحت وصاية مووليه وإن المرأة المتزوجة التي

стр. 695

ليس لها ثروة خاصة بها لا يصح لها أن تدعي أنها ربة البيت التي هي فيه. ويؤخذ من الإحصاءات الأخيرة أن في فرنسا ٢. ٦٢٢. ١٧٠ امرأة لم تتزوج بقين عانسات في بيوتهن على حين جاوزن الحادية والعشرين من العمر وإنه يمكن أن يكون في البرتغال نحو مليونين وقد شوهد أنه تكاثر في المدة الأخيرة عدد النساء اللاتي أخذن ينهلن على المدن البرتغالية يطلبن الاستخدام والامتهان بالحرف. آلة الاقترع هي آلة اخترعها أحد الطليان وعرها في ميلان أمام جمهور من الناس دعاهم ليبدوا آراءهم فيما إذا كان الأولى الإكثار من الجيوش والعدد أو الإقلال منها فيعرف بواسطتها عدد الموافقين وعدد المخالفين لهذا الرأي ولهذه الآلة مزية على الآلة المستعملة اليوم في الانتخابات لأنه لا يتيسر بها الغش ولا التدليس. فآلة البسوفوغراف تنفع كثيراً في دور الندوة ومجامع الأمة والمؤتمرات والمجتمعات على اختلاف أنواعها إذا قضت الحال أن يؤخذ قرار المجتمعين بعد المفاوضة بينهم. وربما استعملت في المخازن لتعداد الداخلين والخارجين منها كما تستعمل في الطرق العامة لإحصاء أبناء السبيل والعجلات الذاهبة الجائية وغير ذلك. ارتقاء أمريكا كتب أحد المفكرين في مجلة المجلات النيويوركية فصلاً عدد فيه ما تم في الولايات المتحدة من أسباب الحضارة والعمران. قال وعلى من أراد أن يدرك مقدار ما بلغته أمريكا من الارتقاء الاقتصادي الغريب أن لا يحسب بالملايين بل المليارات فإن الربع الأخير من القرن السالف كان أنجح دور في التاريخ الأمريكي ظهرت فيه غرائب وعجائب في كل فرع من فروع الأعمال. فبفضل توفر أسباب الري وإنشاء الخطوط الحديدية وكثرة استخراج الجديد من مناجمه الذي يبلغ نصف ما يستخرج في جميع العالم ارتقت الزراعة ارتقاءً لا مثيل له في أدوار الأمم. وكل هذا ليس بشيء إذا قيس لما تتوقعه البلاد في المستقبل الباهر ولا سيما بعد أربعين سنة أيام يكبر أبناء اليوم فيصير أهل الولايات المتحدة مائتي مليون نسمة وهم. إنشاء الحياة

стр. 696

رنت الأندية العلمية بما عرضه المسيو ستيفان لدوك على مجمع العلوم الباريسي من أنه يستطيع إنشاء أحياء حبة حقيقية من جواهر جامدة وخلق نباتات ذات سوق وأوراق بوضع قطعة من السكر وسولفات النحاس في محلول معدني فتكبر وتنمو وتصير نبتة تامة وقد ردت عليه الجرائد العلمية فقالت أنه أوهم الحضور بأنه استطاع تأييد مدعاه الذي قالوا أنه أصعب من الحصول على حجر الفلاسفة على حين انطلى على بعض البسطاء فتناقلوه وعدوه صحيحاً. قال المجلة لقد أعجب الناس لما قرؤوا صورة مدعاه في أعمال المجتمع ولم يروه يشير إلى ما قام به المسيو تروب الألماني عام ١٨٦٥ و١٨٦٧ من التجارب التي أدت إلى إنشاء نباتات حقيقية. وقد عد ما ادعاه هذا الباحث مثل حية فرعون وهي اللعبة التي يلعب بها الأولاد مؤلفة من شيءٍ من الزئبق إذا أشعلت انتفخت كالحية بعد أن كانت صغيرة الحجم وقال أحد أعضاء ذاك المجتمع متى حل الإنسان هذه المسألة يكون أخلق من الخالق وأقوى من الطبيعة كلها وأقدر من العالم اللامتناهي. الإنكليزي والمطالعة نشر أحدهم مقالة في حرب الكتب في إنكلترا قال فيها أن القارئ الإنكليزي من أطمح القراء في المطالعة وأن ميله إلى الإكثار منها يكاد لا يصدق وإن الإنكليزي ليطالع جريدة التيمس وهي تصدر في عشر صفحات وأحياناً في ست عشرة ولا تراه راضياً عن نفسه قانعاً بما أحرزه من الفوائد بل أن القوم لا يقبلون على مطالعة الموجزين في عباراتهم من المؤلفين بقدر إقبالهم على المكثارين منهم. فوالتير كوت تقرأ كتبه أكثر من هال كين وماري كورللي وفي المكتبة السيارة في لندن سبعة ملايين مجلد. الأطباء اليوم بحث أحدهم في مجلة المجلات الفرنسية في حالة الأغنياء منذ سبعمائة سنة ولا سيما الأطباء والجراحون وقابلها مع أهل طبقتهم في هذا العصر من الفرنسيين فقال أن الأطباء الأمراء كانوا يأخذون رواتب سنوية تختلف بين ٢٢٥٠ فرنكاً وهو المبلغ الذي كان يتناوله طبيب الكونت دي سافوا (١٤٠١) و٢٢٠٠٠ فرنك كانت مخصصة لجراح شال العاقل أما اليوم فإن الطبيب الباريسي الذي يطب القوم يعود ثلاثين مريضاً في اليوم فيكسب ثلاثين

стр. 697

ألف فرنك في السنة أما كبار الأطباء في باريس وهم نحو أربعين طبيباً فيربح كل منهم من مائة ألف إلى مائتي ألف فرنك. الحيوان والإنسان أنشأت إحدى كاتبات لندن مقالاً فيما أرتاه الإنسان في الحيوان في جميع أدوار التاريخ وكيف احترم الأول الثاني أو ظلمه فقالت أن أبولونيوس دي تيان أقام الحجة على تضحية الحيوانات التي كانت شائعة في كل مكان على عهد الرسل. أما آباء الكنيسة فلم يجسروا على إلغاء هذه العادة وأقدم الفلاسفة على القول بعدم أذية الإنسان للحيوان لأن الخالق تعالى أنشأ الخلق الناطق وغير الناطق على حد سواء في العالم فقام سلس من فلاسفة القرن الثاني للميلاد وبلوتين الإسكندري من فلاسفة القرن الثالث وبورفير الإسكندري من أهل القرن الثالث أيضاً ونادوا بالرفق بالحيوان. ثم إن الكنيسة تلونت في الحكم على الحيوان فحكم مجمع ورمس علناً بالموت على النحل ولكنه أجاز أكل عسلها. وفي سنة ١٣٧٩ حكم دوك بورغونيا بالموت أيضاً على خنزيرتين وخنزير. وللفيلسوف ديكارت الفرنسي ف القرن السابع عشر رأي في أرواح الحيوانات يعرفه من عرف فلسفته. ودافع شوبنهاور الألماني الحكيم عن الحيوانات وفضلها على الإنسان. ومنذ جاء داروين الإنكليزي وأعلن رأيه في النشوء والارتقاء أخذ الناس يعتبرون الحيوانات بأنها أخوتنا المنحطة عنا مقاماً ليس إلا. بيوت العلم الأمريكية نشر أحد المطارنة العلماء رحلته إلى أمريكا في إحدى المجلات الألمانية فمما قاله فيها أنه دهش مما شاهد من الميل إلى الترقي الذي أصبح غريزياً في المجتمع الأمريكي كما أعجب بكثرة المدارس والكليات الجامعة المنتشرة في كل صقع وبلدة وقرية في الولايات المتحدة وكل ذلك مما يلفت الأنظار ويأخذ بمجامع القلوب والأبصار. فإن كليتي يال وهارفرد مثلاً هما في الحقيقة مدن حقيقية فيهما معامل كيماوية من أحسن ما يتصور العقل وأدوات وآلات في كل ضرب من ضروب العلم والصنائع وخزائن كتب لا نظير لها وقال أن أساتذة المدارس الابتدائية ليسوا قساة جفاة ذوي هيئات مرعبة يضعون على عيونهم المناظير ويخيفون الكبير والصغير بل هم نخبة من الفتيان امتلأت أجسامهم نشاطاً

стр. 698

ووجوههم بشاشة. وإن صوت النساء اللاتي تعلمن على مثال تعليم الرجال أخذ يرن في جميع المناقشات العامة. الأديان والآداب كتب عالم في مجلة الإصلاح الاجتماعي بحثاً تساءل فيه عما إذا كان يتأتى لأمة أن تكون آدابها سالمة من الشوائب عندما تلغي حكومتها الأديان فأثبت بأنه كلما قل التدين واضمحل الاعتقاد بالأديان تضعف الآداب على نسبة تلك القلة وتنحط الأخلاق انحطاطاً محسوساً. الرياضة البدنية بحث أحدهم في تربية الأمة تربية طبيعية فقال أن اليابان قد قوي جنسها بتمريناتها العضلية المعروفة عندها باسم جيوجيتسو وإن السويد أدركت ما يتهددها من أخطار المشروبات الروحية فقاومتها وأخذت في الإكثار من الرياضات البدنية فعاد إلى الأجسام نشاطها بعد أن كادت تفقده وهكذا كل أمة تريد أن تتربى التربية الطبيعية ينبغي لها أن تكثر من أنواع الرياضيات وتمتنع عن الموبقات والمسكرات.

стр. 699

خاتمة السنة الأولى نحمده تعالى على أن هدانا للجري على الخطة التي وضعناها منذ البداية بهذا العمل العلمي وأن حقق آمالنا فيما قصدنا إليه من السعي في سبيل الإفادة والاستفادة فجاء ما كتبناه ونشرناه ما ترى لا ما يجب أن ترى. وإنما هي سنة الارتقاء تدرجنا فيها على ما اتضح ذلك للقارئ البصير ولا ملام على من بذل المجهود في درك المقصود. ولقد لقي المقتبس من الإقبال عليه ما لا يستحقه وصادف من المنشطات ومؤازرة العلماء والأدباء الباحثين ما قوي به عضده وزنده ولكنه استفاد في الأغلب من نقد الناقدين والمستهجنين أكثر من تقريظ المقرظين واستحسان المستحسنين وصديقك من صدقك لا من صدَّقك. وهنا نثني أعطر الثناء على تلك الفئة العاملة التي جادت على المقتبس بأفكارها وأبحاثها واتخذته مباءة لأنفاسها الطاهرة ومثابة آدابها الباهرة ونتقدم إلى رصفائنا حملة الأقلام وقادة الصحافة في مصر والشام والهند وأمريكا وبعض المجلات العلمية في أوروبا لنشكرهم على ما يتفضلون كل شهر بكتابته على هذه الصحيفة والتنويه بها والدعوة إلى تناولها والنقل عنها ترغيباً وتحبباً. كما نرفع عبارات الشكر لعمدة جمعية الشرق السورية في أومهانبراسكا من أعمال الولايات المتحدة لإقامتهم حفلة تذكارية للمقتبس في متنزه ماناوا على سبعة أميال من أومها في السادس عشر من شر أغسطس الماضي فخطبوا بما أملاه الإخلاص وحب التناصر وفاه صديقنا الفاضل الغيور يوسف أفندي جرجس زخم بما كان من بعض الأدلة على فضله وأدبه وكذلك إخوانه الفضلاء الذين أحيوا بعد شهرين ليلة أنس في محفلهم ووقف ٢٤ مدعواً من أعضاء المحفل وشربوا نخب صاحب المقتبس وألقوا أبياتاً أبانت عن كرم شرقي ونفوس سامية. والله نسأل أن يجعل عامنا الثاني أفضل من الأول ويوفقنا إلى خير الأعمال ويهديا من العلم الصحيح إلى أقوم سبيل إنه أكرم مسؤول.

стр. 700

العدد ١٣ - بتاريخ: ١٥ - ٢ - ١٩٠٧

стр. 701

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمدك اللهم على ما أقبستنا من قَبَس العلم بنور العقل السليم. فكان أفضل ما صدر عن كرمك الجزيل وفضلك العميم. ونستهديك لساناً لا يحلو له إلا النطق بما يعتقد صحته بعيداً عن التزلف والتقية. وبياناً مؤيداً بأيدك ليجد سبيل القبول من قلوب البرية. اللهم وقفنا إلى معالجة سم الجهل الناقع. بترياق التعليم النافع والأدب الرافع. وحبب إلينا التواصي بالحق والإنصاف. وجنبنا مضالَّ الاعتساف ومزالَّ الخلاف. وأشرب أفئدتنا حب الإقرار بحسنات العدو قبل الصديق. وأصرفنا عن مزالق التدليس ومغامز التلفيق. وافتح مغلق عقولنا برحمتك لنهتدي بما اهتدى به البشر الناهض بفضل البحث والتنقيب من نور علومه. واشدد عزائمنا لقرن العلم بالعمل فتمتزج روحه بأجزاء نفوسنا وننتفع بحديثه وقديمه. رب نسألك أن تطبع هذه الأمة بطابع التسامح المقبول. وتبغض إليها التعصب المنبوذ المرذول. لتقبل الحكمة من أي وعاءٍ خرجت. ومن أي جو تنفست. وعن أي لسان انبعثت. ولا تكلننا إلى أنفسنا لئلا نضل ونشقى. وبعد فقد قضى المقتبس عامه الأول وهو اليوم في فاتحة عامة الثاني يدبّ ويدرج. حرص - ولا يزال يحرص - على الانتفاع بنصح العقلاء. ونقد الجهابذة الفضلاء. وإرشاد المنزهين عن الأهواء. بما يؤهله إلى السير على سنة النمو والارتقاء. ولكل عمل عمره الطبيعي لا مندوحة من قضائه. والنتائج أبداً بالمقدمات مقرونة. وإذا جاز الفخر فيحق لهذه الصحيفة أن تفاخر بأنها قامت بمؤازرة العالمين والمفكرين. لا بمعونة الكبراء والموسرين. ولذلك فُرض عليها أن تشكر أيادي المتوفرين على إمدادها من معين دروسهم وأبحاثهم أضعاف أضعاف ما تشكر لغيرهم. وستظل أبحاثها على ما كانت عليه مع إشباع الكلام أكثر من ذي قبل في معظم ما تخوض عبابه من الموضوعات وتنشر في كل جزء رواية أو قصة أو أفكوهة تروّح عن النفس بعد تلاوة العلميات والأدبيات وذلك عملاً بما اقتضاه منا جمهور من القراء. فنلتزم كل مرة فتح باب نفاضة الجراب وكنا نود أن لا نعود إليه مؤتمرين بأمر بعض الأكابر لولا أن ثبت لنا بالاختبار أن الجدَّ البحث لا يروج بين أبناء الغرب وهم في تهذيبهم واستنارتهم ما هم فما بالك في هذا الشرق وهو ما هو. ومما وضعته هذه المجلة موضع العمل بعد الآن أن لا تعطي من عندها ألقاباً علمية وأن

стр. 702

تقتصر على الألقاب الرسمية فتورد اسم المعاصر كما تذكر العالم الغابر وتدعو الشرقيَّ باسمه كما تدعو الغربيّ وفي ذلك تخفيف على القراء واقتداء بالقدماء من أسلافنا الأقدمين وحملة لواء العلم والحضارة من الغربيين المحدثين والله ولي الهداية.

стр. 703

صدور المشارقة والمغاربة قطب الدين الشيرازي هو القاضي قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي كان إماماً مبرزاً في عدة علوم مثل العلم الرياضي والمنطق وفنون الحكمة والطب والأصول وله عدة مصنفات وفضائله مشهورة. كان مولده بمدينة شيراز في صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة وتوفي بتبريز سنة عشر وسبعمائة فتكون مدة عمره ستاً وسبعين سنة وسبعة أشهر ملخصاً عن تاريخ أبي الفدا وقال ابن الوردي أنه توفي وهو في عشر الثمانين وكان غزير العلم واسع الصدر حسن الأخلاق وجيهاً عند التتر وغيرهم ثم قال في رثائه: لقد عدم الإسلام حبراً مبرزاً ... كريم السجايا فيه مع بعده قرب عجبت وقد دارت رحا العلم بعده ... وهل للرحا دور وقد عدم القطب وقال الشيخ طاهر الجزائري في كُنَّاشه وقفت على كتاب من تراجم أناس من المشهورين جمع الإمام العلامة نجم الدين أبي الخير سعيد بن عبد الله الدهلي البغدادي وفيه ترجمة القطب الشيرازي وهي ناقصة في النسخة فأثبتها على ما وجدتها اعتناءً بهذا العلامة الأوحد: ومنها كتاب أقليدس وهو باللغة الفارسية أيضاً صنفه باسم البرواناه وزير الروم ومن جليل مصنفاته شرح كليات القانون في الطب لابن سينا وهذا الشرح لم تسمح قريحة بمثله لأنه يشتمل على خلاصة الشروح المصنفة لهذا الكتاب وهي عشرة شروح اجتمعت عنده مع تنقيحات لطيفة وزيادات غريبة من نتائج خاطره الغزيرة من كتب عزيزة الوجود قد لا يوجد مثلها إلا في خزائن الملوك وسماه التحفة السعدية يعني باسم الوزير سعد الدين محمد الساوجي وزير الملك غازان وبعده أخيه (كذا) خربنده واتفق أن هذا الكتاب تم شرحه وسيره إلى الوزير المذكور وفي أثناء هذه الحال توفي الشيخ قطب الدين ووقع الترسيم والتوكيل على الوزير المذكور وطولب بالأموال وذلك في أذربيجان سنة عشر وسبعمائة وقصد خربنده العراق والوزير صحبته لتحصيل المطلوب منه إلى أن قتله ليلة السبت حادي عشر شوال سنة إحدى عشرة بمحول قريب بغداد ومع ما كان فيه هذا الوزير من المضايقة رسم لقطب الدين جائزة هذا الشرح مبلغ ستة آلاف دينار رائج عنها من الدراهم ستة وثلاثون ألف درهم وراجعوا الوزير سعد الدين في ذلك وعرفوه بوفاة الشيخ قطب

стр. 704

الدين فقال الوزير أنا لا أعود في هبتي وخصوصاً لمثله وفي مثل كتابه فأحضر جميع المال المذكور وجمع له أرباب الديون فقضى عنه ما كان عليه من الديون القديمة والحديثة التي كانت قد اجتمعت عليه مدة المرض وكان قد بقي مريضاً أحد وخمسين يوماً وكان معظم نفقته في هذه العلة الصدقة على الفقراء وعلى طلبة العلم وبقيت من المال بقية وزعت على أولاده وخاصته وكان هذا الوزير قد أنعم بهذه الجائزة وهو يومئذ تحت التوكيل وهو مطالب بألف كومار من المال منها عشرة آلاف دينار روائج فانظر إلى علو همة هذا الرجل وسعة نفسه وصدق اعتقاد. . . وكان له مع المشايخ الصالحين والصوفية المحققين اتصال حقيقي ونفس روحاني يرتاح إليهم في أوقات خلواته وصفاء مشروباته قال: وقد لازمت ذراه المحروس ثماني عشرة سنة فشاهدت معظم سيرته تشتمل على الأخلاق الشريفة والفضائل الكاملة مع السخاء المفرط. كان لا يبقي على شيء مما يحصل بيده لا في سفر ولا في حضر وكان أكثر عطائه للفقراء وطلبة العلم وذوي البيوت القديمة وذوي الحاجات قال ولقد حضر عنده في بعض الأيام مائتا دينار فبلغه أن صفي الدين عبد المؤمن بن فاخر صاحب الموسيقا قد قدم من بغداد لضرورة ديون عليه قد غلبته فقال هذا من بيت له خدمة قديمة للخليفة العباسي فبعث إليه بالمبلغ المذكور واعتذر إليه أنه لم يكن عنده في هذا الوقت غير هذا المقدار. قال: وكان يقول في مرض موته ليست فائدة المهلة في حياتي إلا لأعطي الفقراء شيئاً فكان مصمماً على العطاء والإحسان وفعل الخير إل أن صار إلى أحسن مصير. قال وكان في أسفاره يصحبه من التلاميذ جماعات وخصوصاً في أيام توجهه إلى خراسان والروم فلقد اجتمع معه في سفره إلى الروم نحو الأربعين طالباً وغالبهم أرباب فضائل وعلوم راسخة وكان يخدمهم بالمال والنفس والعلم وكانوا مع هذا يتقصونه وما يفعله معهم من الخدمة والخير ويقولون هذا الرجل متطفل علينا لأن الناس إنما يخدمونه ويعطونه الأموال لأجلنا ونحن الذين نشيد كلمته ونظهر فضيلته ونجمله بين الناس. قال وكان يبلغه هذا وأمثاله عنهم فلا يغضب ولا يلتفت إلى قول القائل إليه ذلك ويقول: أنا أريض أخلاقي بالصفح عن زلات إخواني إلي. وقال الأربلي: وأخبرني الشيخ ضياء الدين الطوسي قال: اجتمعت بقطب الدين الشيرازي

стр. 705

بقزوين وهو يقرأ الفقه على الشيخ علاء الدين الطاووسي صاحب التعليقة قال فسألته عن بعض أحواله فحكة لي اشتغاله بالطلب وأنه ترك معالجة الناس وخرج من شيراز وقصد بلاد خراسان وأنه توفر مدة سنين على تحصيل علم المعقولات من علم الكلام قال وقال لي ما وجدت نفسي في عمري متوفراً على طلب العلم لم اشتغل بسوى (كذا) هاتين السنتين هما كانتا خير تحصيل حصل فيهما من العلوم النظرية ما أحياني لكني غير عالم بالفقه فقصدت الشيخ علاء الدين الطاووسي لأقرأ عليه الفقه فقرأت عليه الحاوي الصغير وكتاب الوجيز وكانت للشيخ علاء الدين نسخة من الوجيز محشاة بالفوائد اللطيفة من الفقه فسرقها وهرب من قزوين قال: وهكذا كانت عادته إذا أعجبه كتاب يتحيل حتى يسرقه وكان مشتهراً بين طلبة العلم في مبادئ أحواله بهذا الوصف قال وطلب علاء الدين نسخته فلم يجدها فقالوا لم يكن عندك غير محمود الشيرازي فقال ليس هو آخذها وقال لي مهذب الدين الشيرازي أحد تلاميذ قطب الدين إن قطب الدين كان يلقي الدروس من هذه النسخة بمدينة سيواس ويقول هذه النسخة سرقتها من شيخي علاء الدين الطاووسي بقزوين في مبدأ تحصيل العلم وكنت عاجزاً عن مشترى الكتب. ولما عمر ملك خوارزم نلك مارستاناً أنفذ الشيخ قطب الدين إليه برسم هذا المارستان كتباً طبية قيمتها بالتقريب أربعة آلاف درهم فأجازه بجائزة تشتمل على رقيق قماش ونقد قيمة الجميع ستة وثلاثون ألف درهم. وصنف كتاباً باسم الملك عز الدين ملك شيراز في علم الأخلاق والحكمة فأجازه ببغلة سنية وآلاتها ومعها ثلثمائة مثقال ذهباً وتخت قماش ذكر هذا وما قبله الأربلي قال: وكنت بماردين فسير لصاحبها الملك المظفر هدية تشتمل على مملوك صغير تركي وآخر رومي وتخت قماش منوع من الحرير وسجادة وكتاب صغير من تصانيفه فرد الملك المظفر الجميع وقبل السجادة والكتاب وأجازه عليهما باثني عشر ألف درهم وقال: هذا القدر هو الذي ينبغي أن يقبل من العلماء إما كتاب من فوائدهم وإما خرقة من بركاتهم. ولم يحمل؟ إلا في دملة غازان فإنه كان بينه وبين رشيد الدولة كراهية في النفوس بين الشخصين لأن قطب الدين كان يتنقص كثيراً برشيد الدولة وبتصانيفه ويستجهله ويحط عليه. وقد صنف تصانيف في تفسير الكتاب العزيز وفي غيره وكان قطب الدين يظهر نقصها
следующие страницы →