← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

الحمى طبياً عرف العرب مرض الحمى مثل غيرهم من الأمم القديمة وعالجوه بالماء وغيره من الملطفات ووصفه أطباؤهم وألفوا فيها رسائل ومقالات ضافية من أهمها كتاب (الحميات) خمس مقالات لم يوجد أجود منه، وعلاجاته مجربة. ألفه إسحق بن سليمان الإسرائيلي الذي عمر فوق المائة ولم يتزوج ولا أعقب فعير على ذلك فقال: إن لي أربعة كتب تحيي ذكري أكثر من الولد وهي كتاب الحميات و (الأغذية والأدوية) و (البول) و (الاسطقسات) وتوفي هذا المؤلف سنة ٣٢. هـ (٩٣٢ م) ومن الرسائل في (الحميات) رسالة لمحمد بن إبراهيم ورسالة لجلال الدين السيوطي ولغيرهما رسائل وكتب أخرى ضمنت أنواع الحمى ومعالجاتها وكل ما يتعلق فيها مما هو مفيد اليوم. شعرياً ولقد وصفها الشعراء بقصائد ومقاطع كثيرة يحضرنا منها الآن قول المتنبي يصف حماه الليلية التي ظنها بعضهم حمى الدق (السل): وزائرتي كأن بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام وتصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحم فما حم اعتزامي وإن أسلم فما أقي ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام وقال ابن شيروية فيها: وزائرة تزور بلا رقيب ... وتنزل ألفتى من غير حبه وما أحد يحب القلب منها ... ولا تحلوزيارتها بقلبه

стр. 6407

تبيت بباطن الأحشاء منه ... فيطلب بعدها من عظم كربه وتمنعه لذيذ العيش حتى ... تنغصه بمأكله ومشربه أتت لزيارتي من غير وعد ... وكم من زائرلا مرحباً به وقال أبوبكر الخوارزمي أمير الكتاب يشير إلى ترك الغذاء فيها: ولي من أم ملدم كل يوم ... ضجيج لا يلذ له شمام مقبلة وليس لها ثنايا ... معانقة وليس لها التزام كأن لها ضرائر من غذائي ... فيغضبها شرابي والطعام إذا ما صافحت صفحات وجهي ... غدا ألفاً وأمسى وهو لام وقال الأمير ناصر الدين بن النقيب في نوبة الحمى موارياً: أقول لنوبة الحمى اتركيني ... ولا بك منك لي ما عشت أوبه فقالت كيف يمكن ترك هذا ... وهل يبقى الأمير بغير نوبه وقال أبوالحجاج الفهري الغرناطي في الوزير ابن الحكم وقد أصابته حمى تركت على شفتيه عقابيل (بثوراً): حاشاك أن تمرض حاشاكا ... قد اشتكى قلبي لشكواكا إن كنت محموماً ضعيف القوى ... فإنني أحسد حماك ما رضيت حماك إذا باشرت ... جسمك حتى قلبك فاكا وقال المتنبي مشيراً إلى توقيف الحمى في اصطلاح الأطباء وهو من التعليل الحسن المبني على الشك: ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتها أعجبتها شرفاً فطال وقوفها ... لتأمل الأعضاء لا لإذاتها ولم يخرج عنه أبوالفتح كشاجم الرملي فقال في سبب الحمى: ولقد أخطأ قوم زعموا ... أنها من فضل برد في العصب هو ذاك الذهن أذكى ناره ... والمزاج المفرط الحر التهب ومن ألطف ما قيل في حمى الأولاد قول أحمد بن بدر المعروف بالبلاط في ولد له حم: أعزز علي بني ما تلقى ... سدت علي شكاتك الطرقا

стр. 6408

قد كدت بالحمى أحق فليتني ... التي من الحمى الذي تلقى وقال أبو نواس يخاطب عناناً جارية الناطفي مشيراً إلى إمكان عدواها وقد مرض وشفيا ولم يعلم هو بمرضها إلا بعد برئه: إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى تحدث عوادي بشكواك فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا بحماك وخصلة كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك حتى إذا أنفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وذاك وقال إلياس صالح كنعان البيروتي لما ثقلت عليه وطأة الحمى وهو آخر نظمه مشيراً إلى تأثير الحمى في الأحشاء والرأس: إذا جن الظلام وغاب صبحي ... وفارقني أحبائي وناسي أتت تسعى إلي وليست ترضى ... مقاماً غير أحشائي ورأسي هذه طرف مختلفة من أوصاف الحمى الشعرية. فبقي علينا أن نذكر ما عرفه اللغويون عنها مما لم نره مجموعاً في رسالة أو كتاب بل استخرجناه بالبحث والاستقراء. لغوياً من الغريب أن الكلمات العربية المبدوءة بالحاء تدل على الحرارة والتوقد ونحوهما ولذا فنحن نستقري هذه السلسلة لنصل إلى اسم (الحمى) وصحة اختياره لهذا الداء ألفتاك الذي يذيب الدماغ والحشى بل يحرق الجسم ويهلك صاحبه. فإذا تتبعنا سلسلة الحاء وما يتركب معها من الحروف المضاعفة نجد: أنحب بمعنى عشق وحث الشيء حكه ليسقط وحثه على الشيء أحماه عليه وحج غلب بالحجة وفيه حدة وحد غضب وحذ قطع ومثلها جز وجذ. وحر ضد برد وحز قطع وفيه احتكاك وحرارة وحس البرد العشب أحرقه وحس اللحم جعله على الجمر زحش النار أوقدها والمحش ما تحرك به النار. وحص الشعر حلقه وأذهبه وحضه على الأمر أحماه عليه وحط وجهه خرج به الحطاط وهو نوع من البثور أي الحبوب يعرف بحب الصبا. والحظ التوفيق وحف الشيء كشطه. وحقت الحاجة نزلت واشتدت وحقه غلب على الحق وحكه دلكه وكشطه وحل الحرير استل خيوطه منه بالحرارة وحم التنور سجره أي أوقده وأحماه. وحن إليه أي

стр. 6409

اشتاق وانعطف وحي ضد مات. فإذا راجعنا هذه المادة نجد أنها من أشد المواد العربية دلالة على الحرارة والاشتعال ولذلك أخذ منها اسم الحمى التي هي من أشد الأمراض فتكاً بالأجسام اشتعالاً ومما يزيد قولنا هذا برهاناً أننا إذا حذفنا حروف هذه المادة الثنائية وأضفنا إليها حروفاً أخرى كان لنا من معنى المادة ألفاظ كثيرة تدل على الحرارة والاتقاد مثلاً حبحبت النار اتقدت والحباحب سراج الليل المتألق، وحبك شد وقطع. والحبوكرى الداهية. وحبت السفينة جرت وتحركت وحثحث إذا ضاعف الحث. وحجن عطف وجذب. وحدر الجدار ورم من الضرب، وحدث في السير أسرع، وحسم قطع إلى آخر المادة. ومن الكلمات التي تتعلق بالحمى من مادتها قولهم أرض وبلاد محمة ومحمة ذات حمى أو كثيرة الحمى، وحم الرجل فهو محموم إذا أصيب بها وأحمته البلد. إلى غير ذلك من الاصطلاحات. وأما حمى التيفوئيد فهي من كلمتين يونانيتين الأولى (تيفوس) أي السبات من الحمى والثانية بمعنى شكل فمجموع معناها شكل السبات أوشبه التيفوس. والتيفوس يونانية كما مر بمعنى سبات الدماغ ونحوه. أما كلمة الحمى في اللغات الإفرنجية فهي من كلمة اللاتينية بمعنى ليسخن وليحم فهي مثل الكلمة العربية ومنها اشتقت كلمة ألفرنسية وكلمة الإنكليزية الإسبانية والإيطالية وأشباهها. أما أنواع الحمى التي عرفها العرب فهي حمى مردم من أردمت عليه إذا لم تفارقه أياماً وحمى نائبة تنوبه كل يوم. والبرحاء شدة الحمى، وحمى الرس أول الحمى قبل أن تأخذه وتظهر فإذا كان مع الحمى قرة وجد مسها فهي العرواء (البردية) في اصطلاح العامة وعري إذا أصيب بها. وعك الرجل إذا وجد عرواء الحمى، فإذا عرق منها فهي الرحضاء وهو مرحوض وتقول أخذته رحضاء ورحض. والصالب الصداع من الحمى، وحمى صالب تسيل العرق من الصليب أي الورك وقد صلبت عليه الحمى وأخذته النفضة أي الرعدة، وأخذته حمى نافض ونفضته الحمى، والوعك الحمى التي معها حر خالص تقول وعكته الحمى فهو وعك، والورد يوم الحمى وقد وردته الحمى، وحمى ربع التي تأتي في اليوم الرابع وقيل التي تدع يومين وتأخذ يوماً وربع الرجل وأربع وأربعته الحمى وأربعت

стр. 6410

عليه وربعت، والقلد يوم تأتيه الربع والغب إن تأخذه يوماً وتدعه آخر وقد أغبته الحمى وأغبت عليه وغبت فهو مغب. وإذا أقامت الحمى فذلك الحين هو القلع وخمدت الحمى سكن فوارها، وصارت الحمى تتعهده وتتعاهده وتحاوده بمعنى تداومه وتنقطع عنه، والعقابيل ما يظهر على الشفتين من غب الحمى، وهو يتضور من الحمى أي يتلوى ويضج ويتقلب ظهراً لبطن، والمسبوت العليل الملقي كالنائم يغمض عينيه في أكثر أحواله وهي من أعراض الحمى، وحمى قبس اقتبسها من غيره بالعدوى وحمى عرض تعرض لها من تلقاء نفسه، والمليلة حرارة الحمى وتوهجها، والحمى الدائرة التي تأخذ وقتاً وتدع وقتاً، وأفرق المحموم إذا تركته الحمى. إلى كثير من أشباه هذه الاصطلاحات الكثيرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. زحلة (لبنان): عيسى اسكندر معلوف

стр. 6411

القصران العجيبان البديع وساروية ما أشبه الليلة بالبارحة والعلم متشابه في أعماله على اختلاف العصور والأصقاع لا تكاد تجد فروقاً يمتد بها. والإنسان حين كاد يوشك أن يكون واحداً في الشرق والغرب في تصوراته ومناحيه، ذكر الحازمي أن البديع اسم بناء عظيم للمتوكل بسر من رأى وقال اليعقوبي: بنى المتوكل قصوراً أنفق عليها أموالاً عظاماً منها الشاه والعروس والشبدار والبديع والغريب والبرج وأنفق على البرج ألف ألف وسبعمائة ألف دينار وذكر الأصفهاني أنه شغب ألفرسان على السلطان في بغداد سنة ٣١٥ فأحرقوا القصر المعروف بالثريا وانتهبوا ما فيه من الخزائن وخربوا القبة والقصر المعروف بالأترجة والكوكب وسلبوا ما كان فيه من الآلة والمتاع والوحش والطير ثم بكروا من الغد إلى الحلبة فأحرقوا أبوابها وقصدوا القصر المعروف بالحسن الذي ينزل فيه المقتدر فبقوا إلى المساء يشغبون ثم بكروا من الغد إلى القصر المعروف بالبديع وبهذا ظهر أن اسم البديع أطلق على قصرين في العراق الأول في سر من رأى والثاني في بغداد وكان هذان القصران موجودين إلى تاريخ المئة الرابعة وأنشأ في المئة العاشرة قصر اسمه البديع في مراكش خاصرة الغرب الأقصى أنشأه المنصور عام ستة وثمانين وتسعمائة من خلافته وأنفق جلائل الأموال ونفائس الذخائر ذلك أنه أراد كما في مناهل الصفا أن تكون لأهل البيت به مأثرة وشفوف على دولة البربر وغيرهم من المرابطين والموحدين ومن بعدهم بني مرين فكان كل من أهل تلك الدول ابتنى بناءً يحيى به ذكره ولم يكن لأهل البيت في ذلك المعنى شيء تزداد به حظوتهم مع أنهم أحق الناس بالجد الأصيل والسؤدد الأثبل فتصدى لبنائه بقصد تشريف أهل البيت لأن البناء كما قيل من فوائده: هم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبالسن البنيان إن البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدل على عظيم الشأن اتصل العمل في هذا البناء من سنة ٩٨٦ إلى ١. . ٢ ولم يتخلل ذلك فترة وحشر له الصناع حتى من بلاد الإفرنجة فكان يجتمع كل يوم من أرباب الصنائع ومهرة الحكماء خلق كثير حتى كان ببابه سوق عظيم يقصده التجار ببضائعهم ونفائس أعلاقهم وجلب له

стр. 6412

الرخام من بلاد الروم فكان يشتريه منهم بالسكر وزناً بوزن وكان المنصور قد اتخذ معاصير للسكر ببلاد حاحة وشوشاوة وغيرهما وأما جبسه وجيره وباقي أنقاضه فإنها جمعت من كل ناحية حتى إذا وجدت بطاقة فيها أن فلاناً دفع صاعاً من جير حمله له من تينبكت وظف عليه في عمار الناس وكان المنصور مع ذلك يحسن للإجراء غاية الإحسان ويجزل صلة المعلمين بالبناء ويوسع عليهم في العطاء ويقوم بمؤنة أولادهم كي لا تتشوق نفوسهم وتتشعب أنظارهم. وهذا البديع دار مربعة الشكل وفي كل جهة منها قبة رائعة الهيئة واحتف بها مصانع أخر من قباب وقصور وديار فعظم بذلك بناؤه وطالت مسافته ولا شك أن هذا البديع أحسن المباني وأعظم المصانع يقصر عنه شعب بوان وينسى ذكره غمدان ويبخس الزهراء والزاهرة ويزري بقباب الشام وأهرام القاهرة وفيه من الرخام المجزع والمرمر الأبيض المفضض والأسود وكل رخامة طلي رأسها بالذهب الذائب وموه بالنصار الصافي وفرشت أرضه بالرخام العجيب النحت الصافي البشرة وجعل في أضعاف ذلك الزلاج المتنوع التلوين حتى كأنه خمائل الزهر أوبرد موش وأما سقوفه فتجسم فيها الذهب وطليت الجدارات به مع بريق نقشه ورائق الرقم يخالص الجبس فتكاملت فيه المحاسن وأجرى بين قبابه ماء غير آسن وبالجملة فإن هذا البديع من المباني المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوار العراق ومن المصانع التي هي جنة الدنيا وفتنة المحيا ومنتهى الوصف وموقف السرور والقصف وفي ذلك قيل: كل قصر بعد البديع يذم ... فيه طاب الجني وفيه يشم منظر رائق وماء نمير ... وثرى عاطر وقصر أشم إن مراكشاً به قد تناهت ... مفخراً فهي للعلا الدهر تسمو وبه من الأشعار المرقومة في الأستار والأبيات المنقوشة في الجهات على الخشب والزليج والجبص ما يسر الناظر ويروق المتأمل ويبهر العقول وعلى كل قبة ما يناسبها وفي بعض القباب مفاخرة على لسانها لمقابلتها فمن ذلك ما نقش خارج القبة الخمسينية لأن فيها خمسين ذراعاً بالعمل من إنشاء أبي فارس عبد العزيز ألفشتالي على لسان القبة المذكورة: سموت فخر البدر دوني وانحطا ... وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا

стр. 6413

وصغت من الإكليل تاجاً لمفرقي ... ونيطت بي الجوزاء في عنقي سمطا ولاحت بأطوافي الثريا كأنها ... نثير جمان قد تتبعته لقطا وعديت عن زهر النجوم لأنني ... جعلت على كيوان رحلي منحطا وأجربت من فيض السماحة والندى ... خليجاً على نهر المجرة قد غطا وهي طويلة وكلها من هذا النمط وقال أيضاً قصيدة كتبت بداخل القبة المذكورة وله أخرى كتبت في بهو ها بمرمر أسود في أبيض قال في مطلعها: لله بهو عز منه نظير ... لما غدا كالروض وهو نضير رصفت نقوش حلا ورصف قلائد ... قد نضدتها في الصخور الحور فكأنها والتبر سال خلالها ... وشي وفضة تربها كافور وكأن أرض قراره ديباجة ... قد زان حسن طرازها تشجير وإذا تصاعد نده نواً ففي ... أنماطه نور به تشجير شأ والقصور قصورها عن وصفه ... سيان فيه خورنق وسدير فإذا أجلت اللحظ في جنباته ... يرتد وهو يحسنه محسور وكأن موج البركتين أمامه ... حركات السحب صافحته دبور صفت بضفتها تماثل فضة ... ملك النفوس بحسنها تصوير فتدير من صفوالزلال معللاً ... يسري إلى الأرواح منه سرور ما بين آساد يهج زئيرها ... وأساود يعلولهن صفير وقال أيضاً وكتب في بعض المباني البديعية: معاني الحسن تظهر في المباني ... ظهور السحر في حدق الحسان وختمها بقوله: قصور مالها في الأرض شبه ... وما في المجد من للمنصور ثان وكان ألفراغ من بناء البديع عام اثنين وألف وفي تاريخه يقول الوزير علي الشياظمي وهو مما نقش في باب الرخام أحد أبواب الربيع: الحسن لفظ وهذا القصر معناه ... يا ما أميلح مرآه وأبهاه فهو البديع الذي راقت بدائعه ... وطابق اسم له فيه مسماه

стр. 6414

صرح أقمت على التقوى قوائمه ... ودل فيه على التاريخ معناه قال في نفح الطبيب اخترع المنصور من الصنائع ثلاثة أشياء فجاءت غريبة الشكل بديعة الحسن وهي البديع والمسرة والمشتهى ومما قال المنصور في ذلك مؤرخاً: بستان حسنك أبدعت زهراته ... ولكم نهيت القلب عنه فما انتهى وقوام غصنك بالمسرة ينثني ... يا حسن رمان به المشتهى والذي ذكره صاحب البيان المعرب عن أخبار المغرب وهو الشيخ أبوعبد الله أبوعذارى الأندلسي أن أول من أنشأ المسرة التي بظاهر جنان الصالحة عبد المؤمن ابن علي كبير الموحدين قال وهو بستان عظيم طوله ثلاثة أميال وعرضه قريب منها فيه كل فاكهة تشتهى وجلب إليها الماء من أغمات واستنبط له عيوناً كثيرة. قال ابن اليسع: وما خرجت أنا من مراكش في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلا وهذا البستان الذي غرسه يبلغ مبيع زيتونه وفواكه ثلاثين ألف دينار مؤمنية بحسب رخص ألفاكهة بمراكش ولعل المنصور جدد معالم المسرة بعد إندراسها وأفاض مجال الحياة على ميت أغراسها. وكان المنور يفتخر بالبديع كثيراً وبنوه بعده كذلك وفي ذلك يقول أبوفارس ألفشتالي: هذا البديع يعز شبه بدائع ... أبدعتهن به فجأة غريبا أضني الغزالة حسنه حسداً له ... أبدي عليه للأصيل شحوبا شيدتهن مصانعاً وصنائعاً ... أنجزن وعدك للعلا المرقوبا وجريت في كل ألفخار لغاية ... أدركتهن وما مسسن لغوبا فأنعم المسكك فيه دام موقراً ... تجني به فنن النعيم رطيبا ولما أكمل المنصور البديع وفرغ من تنميق بردته وتطويق حلته صنع مهرجاناً عظيماً ودعا الأعيان والأكابر فقدم لهم من ضروب الأطعمة وصنوف الموائد وأفرغ عليهم من العطايا ومن الجوائز ما لم يعهد من قبل ولكن دالت الأيام وأمر السلطان اسماعيل ابن الشريف بهدم البديع عام تسعة عشر ومائة وألف فهدمت معالمه وبدلت مراسمه وغيرت محاسنه وفرق مجموع حسنه وعاد حصيداً كأن لم يغن بالأمس حتى صار مرعىً للمواشي ومقيلاً للكلاب ووكراً للبوم وحق على الله ما رفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه ومن العجائب

стр. 6415

أنه لم تبق بلد بالمغرب إلا ودخلها شيء من أنقاض البديع. أما قصر سارويه فإن القليل الذي ظفرنا به من وصفه لا يشفي غله. قال الأصفهاني أنه في سنة خمسين وثلثمائة تهدم من البنية المسماة سارويه في داخل مدينة جي جانب منة وظهر عنه بيت في نحوخمسين عدلاً من جلود مكتوبة بخط لم ير الناس قبله مثله فلا يدرى متى أخرز ذلك في هذه البنية وسئلت عما أعرفه عن خبر هذه المصنعة العجيبة البناء فأخرجت إلى حضرة الناس كتاباً لأبي معشر المنجم البلخي مترجماً بكتاب أخلاف الزيجة ويقول فيه أن الملوك بلغ من عنايتهم بصيانة العلوم وحرصهم على بقائها على وجه الدهر وإشفاقهم عليها من أحداث الجو وآفات الأرض أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث وأبقاها على الدهر وأبعدها من التعفن والدروس لحاء شجرة الخدنك ولحاؤه يسمى التوز وبهم ابتدى أهل الهند والصين ومن يليهم من الأمم في ذلك واختاروها أيضاً لقسيهم التي يرمون عليها لصلابتها وملاستها وبقائها على القسي غابر الأيام فلما حصلوا لمستودع علومهم وجود ما وجدوه في العالم من المكاتب طلبوا لها من بقاء الأرض وبلدان الأقاليم أصحها تربة وأقلها عفونة وأبعدها من الزلال والخسوف وأعلكها طيناً وأبقاها على الدهر بناء فانتفضوا بلاد المملكة وبقاعها فلم يجدوا تحت أديم السماء بلداً أجمع لهذا الأوصاف من أصبهان ثم فتشوا عن بقاعها فلم يجدوا فيها أفضل من رستاق جي ولا وجدوا في رستاق جي أجمع لما راموه من المواضع التي اختط من بعد فيه بدهر داهر مدينة جي فجاؤوا إلى قهندز (قصر) وهو في داخل مدينة جي. فأودعوه علومهم وقد بقي إلى زماننا هذا ويسمى سارويه ومن جهة هذه البنية درى الناس من كان يأتيها وذلك انه لما كان قبل زماننا هذا سنين كثيرة تهدمت من هذه المصنعة ناحية فظهروا فيها على أزج معقود من طين الشقيق فوجدوا فيه كتباً كثيرة من كتب الأوائل مكتوبة كلها على لحاء التوز مودعة أصناف علوم الأوائل بالكتابة ألفارسية القديمة فوقع بعض تلك الكتب إلى من عني به فقرأ فوجد فيه كتاباً لبعض ملوك ألفرس المتقدمين يذكر فيه أن طمهو رث الملك المحب للعلوم وأهلها كان انتهى إليه قبل الحادث المغربي الذي كان من جهة الجوخبره في تتابع الأمطار هناك وأفراطها في الدوام والغزارة وخروجها عن الحد والعادة وأنه كان من أول يوم من سني ملكه إلى أول

стр. 6416

يوم من بدوهذا الحادث المغربي مائتان وإحدى وثلثون سنة وثلثمائة يوم وأن المنجمين كانوا يخوفونه من أول ابتداء ملكه تعدي هذا الحادث من جانب المغرب إلى ما يليه من جوانب المشرق فأمر المهندسين بإيقاع الاختيار على أصح بقاعه تربة فاختاروا له موضع البنية المعروفة بسارويه وهي قائمة الساعة داخل مدينة جي فأمر ببناء هذه البنية الوثيقة فلما فرغ له منها نقل إليها من خزانته علوماً كثيرة مختلفة الأجناس فتحولت إلى لحاء التوز فجعلها في جانب من تلك البنية لتبقى للناس بعد احتباس هذا الحادث وأنه كان فيها كتاب منسوب إلى بعض الحكماء المتقدمين فيه سنون وأدوار معلومة لاستخراج أوساط الكواكب وعلل حركاتها وأن أهل زمان طهمورث وسائر من تقدمهم من ألفرس كانوا يسمونها سني وأدوار الهزارات وأن أكثر علماء الهند وملوكها الذين كانوا على وجه الدهر وملوك ألفرس الأولين وقدماء الكلدانيين وهم سكان أحوية من أهل بابل في الزمان الأول إنما كانوا يستخرجون أوسط الكوافي كب من هذه السنين والأدوار وأنه لما أذخره من بين الزيجات التي كانت في زمانه لأنه وسائر من كان في ذلك الزمان وجدوه أصوبها كلها عند الامتحان وأشدها اختصاراً وكان المنجمون الذين كانوا مع رؤساء الملوك في ذلك الزمان واستخرجوا منها زيجاً وسموه زيج شهريار ومعناه بالعربية ملك الزيجات ورئيسها فكانوا يستعملون هذا الزيج دون زيجاتهم كلها فيما كان الملوك يريدونه من معرفة الأشياء التي تحدث في هذا العالم فبقي هذا الاسم لزيج أهل فارس في قديم الدهر وحديثه وصارت حاله عند كثير من الأمم في ذلك الزمان إلى زماننا هذا أن الأحكام إنما يصح على الكواكب المقدمة منه وإلى ههنا حكاية ألفاظ أبي معشر في وصف البنية القائمة الأثر بأصبهان وأبومعشر إنما وصف آزجاً من آزاج هذه البنية انهار منذ ألف سنة أقل أوأكثر فعبر منه إلى زيج شهريار فأما الذي انهار في سنة خمسين (خمسين؟) وثلثمائة من سنة الهجرة فآزج آخر لم يعرف مكانه لأنه قدر في سطحه أنه مصمت إلى أن انهار فانكشف عن هذه الكتب الكبيرة المكتوبة التي لا يهتدي إلى قراءتها ولا خطها يشبه شيء من خطوط الأمم وفي الجملة أن هذه البنية إحدى الآيات القائمة ببلاد المشرق كما أن بنية مصر المسماة الهرم إحدى الآيات القائمة ببلاد المغرب.

стр. 6417

بعض معامل الدولة شاهدنا في دار صنع المدافع (الطوبخانة) في الأستانة صنع المدافع الجديدة من عيار ٧ السريع المرمى على الأصول الألمانية الحديثة وهذا النوع هو أقوى من النوع ألفرنسي وشاهدنا صنع مدافع الصحراء وهي من عيار ٤ أيضاً أقوى من المدافع الجبلية وأسرع منها تطلق في الدقيقة ٣. قنبلة ترمي إلى مسافة ٨. . . متر وشاهدنا صنع (مدفع أوبس) وهو من عيار ١٢ وأثقل من المدافع الجبلية ومدافع الصحراء وهذا من الاختراعات حديثة الطراز وهذا المدفع يدار لكل جهة من الجهات وهو خاص بالتخريب، وشاهدنا مدفع البومبة أوالقذائف وهو من اختراع رجالنا اخترعوه جديداً لإطلاق القنابل المفرقعة وهو يرمي إلى مسافات بعيدة تنفجر قنبلته وتفجر كل ما تجده بطريقها وكان لهذا الاختراع أعظم التأثير في حربنا الحاضرة، وشاهدنا مسدساً من اختراع رجالنا أيضاً وهذا المسدس يطلق رصاصة ثخينة تضيء ضوءً كهربائياً لأجل رؤية العدوعن مسافة بعيدة وكان لهذا الاختراع أيضاً نفع كبير في حربنا الحاضرة وهو من المخترعات المدهشة وشاهدنا مصانع القنابل (الكلل) وصبها من جميع العيارات حتى من عيار ٣٥ التي ثقل قنبلتها ٧١٢ آقة ورأينا مصانع المارتين الحديث الطراز بقطر ٥٦ مع التعديل التام ومسافة مرماه كمسافة الموزر الألماني وشاهدنا الغنائم التي غنمتها دولتنا العلية من (الإنكليز والفرنسيس) وهي مدافع المتراليوز تحول إلى طراز تكون به صالحة لاستعمال الرصاص العثماني ومنها البنادق (ليئن فيلد) وهو من غنائم الإنكليز وبنادق (لوبل) وهو من غنائم لفرنسيس فقد كانت هذه الغنائم تتحول إلى أسلحة عثمانية وتعاد إلى دار الحرب ليقاتل جيشنا الأعداء بنفس أسلحتهم ثم شاهدنا دوائر خاصة لصنع الأخشاب وما يلزم الأسلحة من هذا النوع وكل هذه المصانع تدار بالكهرباء. يحتوي معمل الأسلحة والقذائف والقنابل في زيتون بروني على عدة مصانع ودوائر أول دائرة دخلها وفدنا هي دائرة عمل الرصاص (الخرطوش) الخاص بالمارتين والموزر فشاهد محلات صنع الظروف النحاسية وصب الرصاص وصقلها وملئها باروداً وتركيبها ثم صقلها ثانياً ثم طبعها بالمكنات الحديدية وإرسالها إلى الموازين الخاصة توضع في محل تمر على ميزانين فإذا كان عيارها تاماً أوناقصاً تسقط كل منها في المحل المعد له وهكذا يوضع صحيح الوزن في علب خاصة وترتب ترتيباً للإرسال إلى دار الحرب. يصنع

стр. 6418

المعمل يومياً زهاء نصف مليون رصاصة إذا اشتغل نهاراً وإذا اشتغل ليلاً تتضاعف الكمية وشاهدنا أيضاً معمل صب المدافع الرشاشة (شرابنل) وهذه أشهر المدافع الحديثة المدمرة التي لها التأثير العظيم في الحرب وشاهدنا تذويب ألفولاذ لصب القنابل المتنوعة العيار وقد صب أمامنا في قوالبها الخاصة من عيار ١٥ و٢١و٢٤ ثم أخرجت من قوالبها وأرسلت إلى الصقال كما أنا شاهدنا محل الصقال وإملاء هذه القنابل والقفل عليها بصورة تدهش الرائين وشهدنا صنع البارود والكبسول وما يلزم ذلك لتركيب الأشياء المدمرة يشتغل في هذا المعمل زهاء خمسة آلاف عامل بينهم ٥. . بنت تشتغل في عمل الرصاص ويصرف على العمال يومياً ما يقارب ١٥. . ليرة كما أن معمل الطوبخانة العامرة يحتوي على هذا المقدار تقريباً ويصرف مثل هذه النفقة. أنشئت الأحواض في دار الترسانة (دار الصناعة) العامرة في زمن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز وزادت انتظاماً وبهجة تدريجياً إلى أن وصلت إلى الدرجة المطلوبة التي تستوعب أكبر باخرة أوبارجة للإنشاء أوالتصليح وتملأ هذه الأحواض وتفرغ ٦. طناً في الدقيقة بالآلات الكهربائية وشاهدنا تصليح الحديد مهما كان ثخيناً فإنه كان يقطع ويثقب بقليل من الزمن بواسطة الآلات الكهربائية وشاهدنا آلة من صنع ضباطنا البحريين وهي من أعجب الآلات الحديثة صنعت لرمي القذائف الديناميتية لمحوالأعداء وشهدنا مصنعاً لعمل القوالب الترابية الخاصة لتذويب أصناف المعادن الحديدية والفولاذية ومعملاً لصنع المرميات ومحلاً لتوليد الكهرباء على أحدث الطرق العصرية وشهدنا معمل طوربيد وهو على هيئة سمكة من نحاس بطول مترين وسماكة ٥. سنتيمتراً محشواً من القذائف المهلكة يرسل بالآلات الكهربائية تحت الماء فحين وصوله إلى دارعة مهما كانت ضخامتها ينفجر وتهو ي تلك الدارعة إلى أسفل الماء. شاهدنا هذا الاختراع العجيب يعمل في معمل الترسانة العامرة كما أننا شاهدنا أيضاً معملاً جسيم البناء مفرزاً على حدة وهو للأعمال الخشبية الحديثة الاختراع ومحلاً لعمل القوالب الخشبية لأجل تعليم العساكر ألفنون البحرية ومحلاً لعمل قوالب مختلفة يدوية وغيرها لأجل التخريب مملوءة بالديناميت غير المؤذي لأن هذه القوالب مصنوعة لتمرين الجنود على ألفنون الحربية البحرية. أنشئ معمل الثياب في زمن الحرب على طراز جديد وهو يشتمل على طابقين فيهما عدة

стр. 6419

غرف مستطيلة الشكل خاصة بخياطة الأثواب العسكرية شاهد فيه الوفد الآلات الحديثة التي تدار بواسطة الكهرباء وفيه زهاء ألف ومائتي عاملة من سن ١٢ إلى سن ٥. ينجزن يومياً ثلاثة آلاف بدلة عسكرية مع ما يلزمها ورأى في معمل الطربوش القديم (فسخانة) الذي أسسه ساكن الجنان السلطان عبد المجيد خان في محلة أبي أيوب الأنصاري ﵁ وهو يحتوي على الأبنية العظيمة الجسيمة معامل لصنع المنسوجات اللازمة للجيش المظفر وشاهد فيه الصوف يوضع في ماكنات الغسيل فيغسل وينظف ثم ينشف بالآلات الخاصة ثم يندف وينعم وكل ماكنة تصنع يومياً ٢. . آقة ومنها يرسل إلى ماكنات ألفتل فيفتل خيوطاً فيحاك أقمشة من الجوخ الجيد لا يميز عن الحرير لنعومته ولطافة حياكته وشاهدنا تفصيل الألبسة العسكرية بوضع مثلاً عشرة طاقات من الجوخ ويقطع بمقراض الكهرباء فيخرج عشرة تفصيلات وقد تجلى لنا حينما شاهدنا هذا المقراض سر سرعة الرخص الذي تقوم به معامل أوروبا وشاهد صنع الحرامات والبطانيات فيصنع يومياً ٥. . حرام للجيش و٧. بطانية للمستشفيات. وشاهد صنع الجوارب فيصنع يومياً ٢. . . زوج إلى الجيش وهناك محل خاص لصبغ الصوف والأقمشة وكل ما يلزم لتلوينه من الأنواع الأخرى وجميع الماكنات الموجودة تدار على البخار والكهرباء بسرعة تفوق الحد. وأنشئ معمل الدباغة والأحذية في زمن ساكن الجنان السلطان محمود خان ثم احترق وجدد في زمن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز خان ووسعت دوائره واستحضر له عدة آلات حديثة في زمن مولانا السلطان الغازي محمد رشاد خان نصر الله. وشاهد الوفد في هذا المعمل المهم إدخال جلود الجاموس والبقر والغنم إلى مكان القشط بحيث ينزع منها الصوف فتغسل وتنظف وترسل إلى مكان الدباغة فيوضع لها ما يلزم من أجزاء الدباغة وتترك ساعات ثم ترسل إلى ماكنات التجفيف على البخار فتجف حالاً ومنها تدخل في مكنات ترقيق الجلد وتسويته ثم إلى أدوات الصقال ثم إلى غرف الدهن والصباغ فتصبغ من الألوان كافة وتصبغ هذه المكنات في كل يوم ٥. . من جلد البقر والجاموس و٥. . من جلد الغنم ثم تدفع إلى دوائر التفصيل وعمل الأحذية فتفصل هذه الجلود بالآلات القاطعة الكهربائية.

стр. 6420

وهناك دوائر الأحذية (الجزمات والكنادر) فقسم من العملة تجمع الجلود المفصلة وقسم تجمع الجلد والنعل وقسم تصنع المسامير وكل منها يوضع في المكنات التي تتحرك بالكهرباء بغاية الدقة والضبط وبأسرع ما يمكن من الزمن يتحول إلى جزمات وأحذية حسب اللزوم. هذا إلى دائرة خاصة لعمل الأحذية ذات نعال من الخشب وهذه الأحذية تصنع خاصة لأجل الجيش في زمن الحر ب وأيام البرد للمحافظة على الصحة وفي المعمل من العملة زهاء ١٨. . عامل من أفراد العساكر فينجز يومياً (١. . .) قطعة من الجزمات والأحذية. وأنشئت دار اللوازم العسكرية في (آخور قبو) في استانبول في زمن ساكن الجنان السلطان محمود خان وكانت إذ ذاك ثكنة عسكرية وجعلت بعد الانقلاب معملاً عظيماً للخياطة وفيها مصنع لتوليد الكهرباء على البخار ومصنع على الماء ومحل خاص (كالمدرسة) لتعليم بعض أفراد الجند فن الخياطة وفيها يجري تفصيل صنف اللباس والقميص الخام وصنف الكبوت والمعاطف (الجوكتة) والسراويل (البنطلونات) فينجز يومياً من خمسة آلاف إلى ستة آلاف قطعة وهناك الغرف التي تخاط فيها الخيام على أنواعها وقماش هذه المضارب الخام والكتان هو من حياكة ومعمولات معملي إزميت وطرسوس هذا إلى غرف خاصة لتصليح الأتوموبيل يوجد بها كل الماكنات الحديثة للتصليح وتصب أيضاً الأدوات الحديدية والفولاذية الخاصة بآلات الأتوموبيل في نفس هذا المعهد الذي يحوي ٥٦. ماكنة تدار بالقوى الكهربائية ومن العملة على ١٢. . عامل من أفراد الجند و٦. . امرأة تشتغل في المعمل كما أن هذا المعمل يشغل مئات من حريم ألفقراء في بيوتهم. أما معمل الأخواج في إزميت فهو من مؤسسات ساكن الجنان السلطان عبد المجيد خان أهمل زمناً طويلاً ثم أعيد فتحه في عهد مولانا السلطان الغازي محمد رشاد خان، وجعل من أعظم المؤسسات الصناعية وفيه خمسة أحواض حديدية على أحدث طراز لأجل غسل الصوف ثم ماكنات التجفيف والتنظيف من الأوساخ والتراب ثم يندف الصوف ويعمل خيوطاً فيحاك أقمشة فاخرة ثم يرسل إلى ماكنات تنظيف الأقمشة من الزوائد وغسلها وتنظيفها من الزيوت وغير ذلك ثم تجفف وتجمع فترسل إلى ماكنة مخصوصة لإزالة الغبار من المنسوج ثم إلى الطي والكبس فيخرج حينئذ جوخاً لطيفاً ويوجد فيه ماكنات

стр. 6421

للصباغ من جميع الألوان وإدارة خاصة لأجل مزج الصوف الأبيض بالأسود ليكون بهيئة واحدة وماكنات حديثة لإصلاح الأدوات الحديدية والخشبية إذا احتاج المعمل لإصلاحها وفيه من العملة ٥. . عامل من أفراد الجند. ومعامل هركة من مؤسسات ساكن الجنان السلطان عبد المجيد خان وكان يزاد في نطاق توسيعها وانتظام إدارتها في كل دور من الأدوار حتى أصبحت تضاهي المصانع العظيمة وهذا المصنع مشهور بصنع السجاد ألفاخر على اختلاف أنواعه وفي غرف السجاد الموجود فيها مئة وعشرون نولاً للصوف والحرير يشتغل عليها العاملات بكل جد ونشاط وهناك مكنات خشبية لصنع الشريط الحريري المختص بأنواع الأوسمة التي تحسن بها الدولة العلية. وماكنات لصنع الأقمشة الحريرية ألفاخرة من جميع أصنافها وهذه الأقمشة على غاية من الدقة بل تضاهي أقمشة أوربا وتفوقها حسناً ورونقاً ومصانع لصنع قمصان الفانلا والجوارب والزنانير ودائرة خاصة لأجل صباغ الأصواف والحرير من كل أنواعه ومعمل الطربوش بكل أصنافه وقد حاز هذا المعمل ٩ ميداليات من معارض عديدة في أوربا تقديراً لمل فاق به غيره من الإبداع في العمل والإتقان في الأشغال. أسست دار الضرب العامرة في زمن ساكن الجنان السلطان أحمد الثالث وأضيف عليها دوائر عديدة في زمن السلطان عبد المجيد خان وأخذت بالتنسيق حتى أصبحت على ما هي عليه الآن من السرعة والانتظام فأول ما شاهد الوفد فيها غرف التحليل والتركيب بحيث تكون العيارات الذهبية والفضية طبق التعديل المطلوب ثم تذويب الذهب في الأفران وفي القوالب الخاصة المركبة من دقيق العظام وبعد الذوبان يصب في قوالب حديدية فتخرج سبائك بطول نصف ذراع وعرض ٥ سنتيمترات ثم ترسل إلى ماكنة تمدها زهاء ثلاثة أمتار فإلى أخرى تصقلها وتمدها زهاء خمسة أمتار حتى تصبح بسماكة الليرة وتسلم هذه السبائك بعد ذلك إلى ماكنة تقطعها ليرات بدون نقش فتقطع كل سبيكة ما يعدل ٥. . ليرة ثم توضع هذه الليرات في محل خاص فتسير على الموازين المعدة لها فالموزونة تسقط في محل والناقصة في محل آخر ثم يؤتى بالموزونة تماماً فتوضع في آلة النقش فتنقش ليرة عثمانية وتسقط في محل خاص وهكذا في كل ١٥ دقيقة تنقش كل ماكنة ٥. . ليرة عثمانية وهكذا الحال في النصف والربع ليرة ومثلها باقي النقود ألفضية كالريال المحيدي والنصف

стр. 6422

والربع والعملة البيضاء (النيكل) كالقرش والنصف والربع. ولكل صنف من العملة ماكنة خاصة. وعامة هذه الأدوات تدار بالقوة الكهربائية بغاية من السرعة، تصنع دار الضرب وتذوب كل يوم ٦. . آقة من الذهب وقد صنعت في هذه السنة ثلاثة ملايين من الليرات ويوجد في دار الضرب العامرة من المديرين والمعاونين ورؤساء العملة زهاء ١٢. عاملاً. هذه بعض إحصائيات ساعد الوقت على التقاطها من الأفواه أثناء زيارة الوفد العلمي ولعل فيها ما ترتاح له النفوس ويخلد في سجل التاريخ ليرى الأولاد والأحفاد كم كان مبلغ الآباء والأجداد من المعالي والأمجاد والحرص على سعادة البلاد والعباد وهناك أمور كثيرة يعد إفشاؤها من الأسرار الحربية لا يتسع لها كتاب وإنما اجتزأنا بما يمكن الإشارة عليه واللبيب تكفيه الإشارة.

стр. 6423

نبذة في وصف الأناضول عظمة بلادنا واتساعها ينبغي لمن يريد أن يوصف الأناضول أوآسيا الصغرى ومساحتها السطحية خمسمائة ألف وثلاثة آلاف كيلومتر مربع أونحومساحة فرنسا أن يطوفها على الأقل كما طفنا جزءاً منها في السكة الحديدية والمركبات وهذا لا يتيسر في أقل من بضعة أشهر على أقل تعديل ولا يرى الإنسان مع ذلك إلا الطرق العامة الموصلة بين الولايات. ولقد سألت كثيراً ممن طافوا ولايات كثيرة من كبار المأمورين عن مجموعة ما رأى من أرض السلطنة فلم أسقط حتى الآن على رجل رأى الأناضول الشرقي والغربي كله مثلاً ولا على رجل جمع في ذهنه معرفة الشام والحجاز واليمن ونجد والعراق والجزيرة وذلك لترامي أطراف هذه المملكة المحروسة وقلة سككها الحديدية وطرقها المعبدة بالنسبة لمساحتها السطحية. كل ولاية من ولايات السلطنة تبلغ بمساحتها السطحية مساحة مملكتين صغيرتين من ممالك أوروبا فمساحة ولاية أطنة قبل أن يفصل عنها لواء إيج إيل (سلفكه) ٣٩. ٩. . كيلومتر مربع وسكانها أقل من أربعمائة ألف في حين تجد مساحة الدانيمارك ٣٨. ٨. ٢ كيلومتر وسكانها مليونان ونصف ومساحة هولاندا ٣٣ ألف كيلومتر مربع وسكانها نحوخمسة ملايين ونصف ومساحة بلجيكا٢٩. ١٥٦ كيلومتر وسكانها زهاء سبعة ملايين وبينما تجد مساحة ولاية قونية ١. ٢. ١. . كيلومتر مربع وسكانها ١. ١. . . . . . تجد جمهورية البرتغال٩٢. ٣٤٦ كيلومتر وسكانها خمسة ملايين ونصف ومساحة سويسرا٤١. ٣٤٦ كيلومتر وسكانها نحوأربعة ملايين فالمملكة العثمانية ينقصها والحالة هذه السكان العاملون والخطوط الحديدية والطرق السالكة. آسيا الصغرى يجتاز القطار بعد مدينة حلب قضاء كليس وهو المتاخم لولاية أطنة فيسير فيه نحو خمس ساعات على ما قدرت فتأمل قضاء يقطعه قطار البخار بمثل هذا الزمن. أراضي كليس تشبه سهو ل مصر تربتها جيدة وأشجارها مثمرة ولاسيما الزيتون الذي يزيد في بركتها. متى أتيت على آخر عمل حلب وأشرفت على سهل الإصلاحية من عمل أطنة يتجلى أمامك جبل اللكام الذي يسمى اليوم جزء منه باسم جبل بركت أوكاورطاغ وهو جبل شاهق

стр. 6424

كأنه حاجز طبيعي بين أرض الشام وآسيا الصغرى أوحد بين بلاد العرب والثغور كما كانت العرب تطلق عليها هذا الاسم والثغور هي طرسوس وأذنة وملطية والحدث ومرعش والهارونية والكنيسة وعين زربة والمصيصة (مسيس) أوأكثر عمل ولاية أطنة اليوم وربما أدخلوا المصيصة وطرسوس في العواصم والعواصم هي حصون موانع وولاية تحيط بها بين حلب وأنطاكية وقصبتها أنطاكية كان قد بناها قوم واعتصموا بها من الأعداء وأكثرها في الجبال فسميت بذلك. بين فروق والشام في هذا الجبل خرق القائمون بتمديد الخط البغدادي أكبر نفق في المملكة العثمانية وثامن نفق بطوله في العالم وهو السمبلون ٢. كيلومتراً ويجيء بعده نفق سان غوتار وطوله أقل من ذلك وقد كتب لي الحظ أن ركبت في خط الديكوفيل أي السكة الحديدية الضيقة الموقتة ومررنا من هذا النفق في الليل مع رئيس وفدنا العلمي الأستاذ الشيخ أسعد الشقيري وثلاثة من رصفائي أرباب الصحف فقط فشاهدنا هناك عالماً يعمل كأنه الجن وقد جهزوه بآخر ما وصل إليه العلم الحديث في فتح الأنفاق وتقريب الأبعاد فتجده مناراً بالكهرباء وفيه آلات لتجديد الهواء وأنابيب لجر المياه وهم الآنن يهذبون من حواشيه ويعقدونه بالحجارة. وهذه الشعبة من الخط البغدادي تنتهي بعد عشرة أشهر كما كان أخبرني المهندسون فيه فلا تبقى غير شعبة وروس التي يعمل فيها الآن وتنتهي بعد سنة ونصف وعندئذ يتصل الخط البغدادي العريض المتقن من حيدر باشا من ضواحي الأستانة إلى حلب فرأس العين والمسافة بين الشهباء ورأس العين ٣٢٨ كيلومتر نجزت مؤخراً بمعنى أن الخط البغدادي من دار الخلافة إلى بغداد يكون طوله قريباً من طول الخط الحديدي بين باريز والأستانة أي نحوثلاثة آلاف كيلومتر والراكب يسير بين هاتين العاصمتين اثنتين وسبعين ساعة فيطوف قسماً من أرض فرنسا وبلاد سويسرا أوألمانيا وأرض النمسا والمجر بطولهما وبلاد البلقان والروم إيلي. فما أسعد اليوم الذي يركب فيه ابن أدرنة مثلاً ويصل إلى بغداد أوإلى المدينة المنورة أومكة المكرمة إن لم نقل إلى صنعاء في القطار الحديدي مرتاحاً مرفهاً. كان أجدادنا يجتازون المسافة بين دمشق والأستانة في ثلاثين مرحلة

стр. 6425

وسنجتازها قريباً في ثلاثة أيام أوأقل فنقطع شطراً من ولاية سوريا وولاية حلب وولاية أطنة وولاية قونية وشطراً من ولاية خداوندكار (بورصة) ولواءي اسكيشهر وأزميد المستقلين ولكم يفتح هذا الخط للبلاد من أبواب السعادة والرزق ويقرب بين أبعادها ويعرف سكانها بعضهم إلى بعض فنخلص من نقل حاصلاتنا على الجمال والبغال والحمير ومن ركوب العجلات المستطيلة المعروفة في الأناضول باسم بايلي وهي من صنع مدينة آماسية المعروفة في القديم بخرشنة أوعجلات (تخنة عربة) التي لا تبقي لراكبها عضواً لا تزعجه مهما كانت الطريق معبدة. سألت صديقاً كان نصب قائم مقام على قاش من أعمال أنطالية من ألوية ولاية قونية مدة حولين كاملين هل زرت مدينة قونية قال: كيف أزورها والمسافة على الراكب من قضائي وهو على ساحل البحر المتوسط إلى قونية عشرون يوماً وهكذا المسافات في الأناضول فإن العشرين والثلاثين بل الأربعين والخمسين يوماً بين ولاية وولاية ولواء وآخر هي من الأمور الغير المستهجنة والولاية السعيدة هي التي ارتبطت مع الولايات المتاخمة لها بطرق عجلات. المملكة العثمانية تحتاج لمائتي مليون ليرة تنشأ فيها خطوط حديدية وطرق عجلات وتجفف البطائح والمستنقعات وتقام لها الخزنات وتطهر الأنهار وتعدن المناجم وتغرس الغابات وعند ذلك لا تشكوولاية أطنة من الغرق ولا ولاية قونية من الشرق ولا غيرها من غير ذلك وتكون بعمرانها ووفرة سكانها كالبلجيك وهولاندا والدانيمارك وسويسرا والبرتغال. قيلقية أومملكة ذوالقدرية ولاية أطنة أوقيلقية كما عرفها القدماء ذات شأن بموقعها الطبيعي والاقتصادي قدروا ما تخرجه من القطن فقط بمليونين ونصف مليون من الليرات وأن قرية درت يول وحدها وسكانها أرمن بلغوا نحوخمسة آلاف نسمة باعت لأوربا في العام الذي قبل هذا ستين مليون برتقالة هذا إلى ما فيها من الحبوب الوفيرة والحيوانات التي تنمو في سهل (جقوراوه) كما تجود الحيوانات في سهو ل المجر والغابات فيها الكثير من الصنوبر والسنديان والزان وولاية من عملها جبل اللكام أوطوروس وفيها من السهو ل التي دونها سهو ل حوران والكرك لتحسدها الممالك وتبغضها على خيراتها كل أمة عاقلة ولذلك طمع

стр. 6426

فيها الفاتحون منذ القديم ففتحها ألفرس فالإسكندر فالرومان وأصبحت ساحة حرب بين البيزنطيين والفرس ثم بين البيزنطيين والخلفاء العباسيين الذين فتحوها أوائل حكمهم وكانوا يختلفون إليها ويعنون بإعمارها فأذنة بناها صالح بن علي العباس والهارونية بناها هارون الرشيد العباسي وطرسوس أعمر مدينة قيلقية في القديم والحديث غلب عليها الإفرنج زمن بني أمية إلى أن أخذها منهم أمير المؤمنين المأمون العباسي وبها مات وهو مدفون فيها كما دفن أبوه في طوس بخراسان ثم خرب ولاية أطنة جنكيز خان وتيمورلنك في القرون الوسطى. مناظر ولاية أطنة كلها جميلة لأنها سهلية جبلية ساحلية داخلية فيها من الأنهار سيحان وجيحان وكوصوونهر البردان ومن الجبال سلسلة جبال وروس الجسمية وشعباته الجنوبية وجبال قوزان وبيك بوغا وآلاطاغ وصوماق وكوسه وكلها تأخذ بمجامع القلوب لما حوته من البدائع الطبيعية ومن طرسوس إلى بوزانتي نحوعشر ساعات في العربة. جبال وروس وهنا مضيق يسمونه اليوم (كولك بوغازي) ومعناه مضيق الكيلة كيلة الحبوب وكانت العرب تسميه الدرب أوالدروب ذكره امرؤ القيس ملك الشعر في الجاهلية في شعره لما توجه إلى قيصر الروم وكان مشى معه صاحب يقال له عمروبن قميئة فلما رأى عمر الدرب وهو الحاجز بين بلاد العرب وبلاد العجم بكى جزعاً لفراقه بلاد العرب ودخوله بلاد العجم ففي ذلك قال امرؤ القيس: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أونموت فنعذرا أما نحن فابتهجت أنفسنا وأيم الله واطمأنت لما اجتزنا الدرب وعلمنا أننا نركب بعده القطار ولم يمض لنا إلا ساعات معدودة لنبلغ دار الخلافة بهجة الدنيا وعاصمة الإسلام وقرارة الدعة ومدينة المنعة ومعهد الظرف واللطف وبلد الشعر والخيال. إن الدرب أومضيق (كولك بوغازي) هو كما قلنا واد تتخلله الأنهار والجداول ويكسوشجر الأرز نجاده ووهاده على صورة تظنها من هندسة أعظم مهندسي الزراعة لعهدنا وما هو في الحقيقة إلا مما نبت واستطال بنفسه أنت لا تنفك منذ تطأ عتبة جبال وروس تشم أريج شجرها ورندها

стр. 6427

وعرارها ولا تسأم من مناظرها لأنها منوعة في تقاطيعها وجمال هندستها بحيث لا تمل العين النظر ولا الأنف الشم ولا الأذن السماع لحفيف الأشجار وتمايل أغصانه وثغاء حملانه وخرير مياهه وأصوات عندليبه وعصفوره. إن من يسمع من بعد وصف (كولك بوغازي) يقول في نفسه ماذا عسى يكون في هذا المضيق وجبال الدنيا كثيرة متشابهة صخور وتلعات وأكمات ومنفرجات وبطون وشيح وقيصوم وسنديان وزان ولكن جبلنا هذا لا يشبه إلا جبل بحال لأن مدبر الأكوان خلقه على غير مثال من الجبال ولون صخوره وأحسن قطعها فمنها الكبير الهائل ومنها الصغير الحقير وتربته حمراء وسوداء وبيضاء ترى تارة في الهضاب طريقاً معبدة من الصم الصلاب أومرصوفة بالتربة الذكية غرست فيها يد القدرة أشجار الأرز غرساً يتخلل الهواء بينها ولا تنبوالعين عنها لعدم نظامها واختلال هندستها وترامي أبعادها وهناك الأشكال الهندسية برمتها فمن تلعة مستطيلة إلى أخرى هرمية وبجانبها ذروة ذات شكل بيضوي وآخر محدود أومربع أوقائم الزوايا أومنفرجها جعل بعضها إلى جانب بعض ومساحتها السطحية متقاربة وكلها مزينة بالأشجار. أنت هنا تجتاز وادياً ولا كالأودية بحيث تعطي الحق لمن قال في القديم ماء ولا كصدأ ومرعى ولا كالسعدان وفتى ولا كمالك ولورأى القائل الدرب لقال مضيق ولا كهذا وجبال لا كطوروس. هذه العظمة في الخلق التني تراها ماثلة على أتمها في جبال وروس التي أعجزت ألفاتحين من الأقدمين والمحدثين فكانت كالحاجز الطبيعي الذي لا يرام بين الثغور وبين بلاد الروم عامرة بطبيعتها هندسها ألفاطر وحفها بأنواع البهجة والزينة بحيث لا تملها نفس مهما اكتأبت وتود لوتقضي فيها شطراً من العمر بعيدة عن ضجة العالم وأوهام الخلق وترهات المتمدنين والمتبربرين. . جبال وروس البديعة لقد أعجزت ألفاتحين عن اجتيز مضائقك كما أعجزت الشعراء والمصورين عن رسم بدائعك وخصائصك فما هذا الإبداع الذي عز نظيره في الأصقاع والبقاع. إيه يا منطقة البكم بالشعر ومعجزة المتكلمين في ذكرى فضائلك وفواضلك. إن جبال الألب التي استبت الألباب ببدائعها وجبال الكاريات التي اشتهرت بصياصيها الطبيعية وجبال حملايا المعروفة بسموها هي دونك في جمع كل هذه المعاني ولوهيأ لك ما

стр. 6428

تهيأ لتلك من يد صناع تحسن حواشيك وتحسن من أطرافك وتتعهد أزهارك وأشجارك بآخر ما اهتدى إليه العقل البشري من ضروب الصناعة لكنت لعمر الحق معهد اجتماع المصطافين والمرتبعين ومسرح أنس طلاب اللذائذ الطبيعية والصناعية وخزانة ثروة لا هلك ولا ينضب معينها أوتنضب مياه الرافدين دجلة والفرات ولكنه تعالى لا يمنح بلداً كل ما يحتاجه ولا يجمع في شخص كل الصفات والمزايا فسبحان من قسم الخصائص بين البلاد كما قسم الحظوظ بين الجماعات والأفراد. مصنوعات الأناضول في ولاية أطنة صناعات لطيفة من الأقمشة والخام والألاجة والبسط وغيرها ولاسيما في مدينة طرسوس التي فيها معمل للخام أنشأه رجل مصري اسمه راسم بك فيه ١٢. . عامل كما أن في ولاية قونية يصنع مثل هذه الصنائع وفيها يعمل السجاد. وهاتان الولايتان تخرجان أنوع الحبوب والثمار الطيبة ولاسيما الزيتون ومن ولاية قونية يصدر الأفيون أيضاً والقنب ولكن معظم حاصلاتها من الحبوب فإن سهو لها واسعة جداً تشبه سهو ل بلاد العرب والجبال بعيدة عنها وحاضرتها قونية عاصمة ابن قرمان والسلاجقة ثم عاصمة ابن عثمان الأولي وهي سرة الأناضول وعش التركية وما أظن نفوسها تتجاوز الخمسين ألفاً قال القرماني: إنها مدينة ذات خيرات كثيرة وبساتين وافرة ولها جبل ينزل منه نهر ويدخل البلد من غربيها وبها قبر جلال الدين الرومي الشهير بملاخنكار وقبر صدر الدين القونوي أحد المشايخ الصوفية. وبينما تجد الأبنية في صميم بلاد الأناضول من الطين واللبن تجدها في ولاية بروصة وما والاها من سواحل البحرين الأبيض والأسود القريبة من الأستانة معمولة من الخشب شأن أكثر بيوت دار الخلافة القديمة ولذلك ترى الحريق يسرع إليها ورصفها لا يوازي سرعة عطبها ولكن القوم انتبهوا في العهد الأخير فأصبحت الدور التي تجدد وتعمر بالحجر والقرميد والحجر المطبوخ والآجر وغيره من المواد المتينة الجميلة على أحدث طراز. يكثر العمران في الأناضول وتزيد مدينة السكان على نسبة قرب البلاد من البحر وقربها من دار الملك فكلما سهل الطريق إلى الأستانة تزيد السعة ويتوفر التعليم فأهل ولايتي خداوندكار وآيدين أرقى بمراحل من أهل قونية وأنقرة كما أن أهل سيواس وأرضروم أحط

стр. 6429

من أهل أطنة وطرابزون ولسرعة المواصلات اليد الطولى في ذلك فالولاية التي كتب لها أن تصدر حاصلاتها إلى الخارج يأتيها النقد وتتكاثر همم سكانها وتتوفر على الربح فيتعلم بعض أفرادها في المدارس الوسطى والعليا فيكونون رسل المدنية الحديثة ومتعلم واحد في أسرة كبيرة كلها من الأميين يؤثر فيهم وينشلهم من جاهليتهم الجهلاء والولاية المرتبطة بالساحل بخطوط حديدية تكثر السياحة في أهلها والسياحة مدرسة الكبار كما أن المدرسة للصغار. تحس النفس بانبساط عندما تنتهي من ولاية قونية وتدخل في ولاية خداوندكار ولواءي اسكيشهر وإزميت فإن العمران هنا يبدوفي السهل والجبل وتكثر الأنهار والبحيرات والغابات ولا تقل فيما أحسب جبال بروصة وإزميد في عمرانها عن أرقى جبال الأرض عمراناً والصنائع على هذه النسبة حتى أن مصنوعات بروصة الحريرية من أجمل ما حاكه قول نساج وألطف ما طرزته يد صناع يجمع إلى الرخص متانة وجمالاً فحبذا اليوم الذي نتعلم فيه دروساً في الوطنية ونقتصر على مصنوعاتنا الخاصة ونزهد كل الزهد بأقمشة أوروبا ولا نلبس منها ولوأعطيناها مجاناً. بلادنا تخرج الصوف والقطن والحرير والقنب والكتان وغيرها من لوازم الأقمشة للدفء والزينة ومع هذا لا نزال متعلقين بما تصنعه لنا المعامل الغريبة الغربية ونزهد فيما تنتجه مصانع دمشق وحلب وحماه وطرابلس إلخ إن الثوب من الأقمشة الوطنية يكتسي به أحدنا يكون عوناً لأسرة صانعه الذي تعيش بربحه اليوم واليومين فمن لي بأن أرى كبراءنا وخاصتنا يبدأون أولاً ليكونوا قدوة فيلبسون وعيالهم من أقمشتنا الوطنية في الصيف والشتاء. إن جوخ إزميت وحرير بروصة وقماش أنقرة تكفي الآن لحاجاتنا وكمالياتنا فتبقى أموالنا في بلادنا وتنشط صناعنا فتكثر اليد العاملة من نسائنا ورجالنا ونخلص من البطالة فإن رأس البطال معمل الشيطان. التقليد والاقتصاد بعد الحرب ستزيد الدولة ولا شك الرسوم على البضائع الأجنبية فتحمي الصناعات الوطنية حماية حقيقية خصوصاً وقد خلصنا من شر الامتيازات وأصبح الأجنبي يدفع من الرسوم مثل ما يدفع الوطني ولا يحميه من الحقوق قنصله ولا ترجمانه فليت جمعية الاتحاد

стр. 6430

والترقي التي حمت الدستور حتى الآن بتضامن أفرادها تصح عزيمتها مذ اليوم الأول فتعاون الحكومة في هذا الشأن كما هو برنامجها وتبين للأهلين بالعمل مقدار ألفوائد التي تنجم عن اقتصارهم على لبس الأقمشة الوطنية مهما كان نوعها كأن يشرع أعضاؤها وكل من ينتمي إليها وعامة المأمورين ونساؤهم وأولادهم بلبس الخام والديما والألأجة والقطنية والحبر التي تعمل في المصانع العثمانية في ولايات الأناضول وسورية والعراق واليمن. والناس مفطورن على التقليد من يعتقدون فيهم العقل والذوق من رؤسائهم ومشايخهم وعمالهم كما أن المغلوب مولع بشعار الغالب في زيه ولباسه وسائر حالاته ونتعاهد بيننا أن نلوي وجوهنا عما يبعث لنا به الإفرنج مهما أرخصوا بضائعهم ونستعيض عما يرسلونه لنا بما صنعنا بأنفسنا وعندها تكثر المعامل بالأدوات الحديثة في أرضنا ونكون بعد عشر أوعشرين سنة كالغربيين أمة زراعية صناعية فقد نخرت السلع الأوروبية عظامنا وعرقت لحمنا وما ذلك إلا من ضعف مداركنا في المسائل الاقتصادية التي بها حياة الأمم اليوم. مسألة اللغة رأيت في طرسوس وأذنة أمراً سرني وهو أن معظم أهلها يتكلمون باللغتين التركية والعربية مع أن بلادهم تركية على ما هو عرفنا فحبذا يوم نرى أهل العنصرين الكبيرين في هذه السلطنة يسيران على طريقة أهل طرسوس وأطنة فيتعلم العربي التركية على نحوما يتعلم التركي العربية قال أحد كبار عمال السلطنة ممن تولى الولايات في بلاد الترك وبلاد العرب أن أحسن حل لمسألة اللسان الاجتماعية أن يتترك العرب ويتعرب الأتراك أي أن يتعلم أهل كل عنصر لسان العنصر الآخر إذ لا مناص لكل منهما من هذا الأمر فالعربية لسان دين الإسلام وتاريخ المسلمين والتركية لغة السياسة والإدارة فإذا وقفت جمعية الاتحاد إلى إنفاذ هذه الخطة في الولايات جمعاء فتعلم العربي بعد إتقانه للغته التركية كما تعلم التركي بعد إتقان لغته العربية تكون قد عملت عملاً معقولاً في باب سياسة العناصر العثمانية كما أن الواجب علينا إذا أردنا أن ننافس الغربي في صناعاته ومتاجره وعلومه أن يتعلم كل فرد منا لغة أولغتين من لغات العلم والمدنية وبعبارة أخرى الألمانية والفرنسية والإنكليزية لغات الحضارة الحديثة لهذا العهد وأكثر ألسن الأمم انتشاراً. أنا لم أر في الأناضول شيئاً يقال له عرب وترك بل رأيت أخواني الترك يقدسون ابن

стр. 6431

العرب ويتبركون به رأيتهم مثل قومي يقرون الضيفان ويحبون مكارم الأخلاق ويغلب عليهم التدين والتمسك بالفضائل والمناغاة بذكرى الآباء والأجداد رأيتهم لا يفرقون بين أهل الدين الواحد والعلم الواحد والتاريخ الواحد ولوأضيفت إلى هذه الحسنات معرفة اللسان العربي كما أضيفت إلينا معرفة اللسان التركي لذهب كل ما نتوهمه من فرق بين أكبر عناصر السلطة المحبوبة. ولعل رجال الحل والعقد يجعلون هذه القضية نصب أعينهم بعد الحرب فيوسدون أمر المعارف إلى أناس جبلت عليها نفوسهم وهضموا ما تعلموا وعرفوا من أين تؤكل الكتف لئلا يسيروا على قاعدة من جهل شيئاً عاداه. فأعظم بلايانا جهلنا وأعظم أنواع جهلنا أن يجهل أحدنا من هو أخوه وما هو محيطه وزمانه.

стр. 6432

حرب القرن العشرين دم صبغ الثرى أم أرجوان ... وسد الأفق سحب أم دخان وشهب في الفضا انتشرت تهاوي ... كما انتثرت من العقد الجمان وعرس ما تهادى الناس فيه ... المسرة والهنا أم مهرجان وحرب في السما والأرض قامت ... لها سوق بها نفذ الطعان أجل يوم تداعى الناس فيه ... لملحمة بها افتقد الجنان فليس يرى بها إلا دماء ... وأعناق تقطع أوبنان وأشلاء يفصلها حسام ... وأكباد يخيط بها سنان أرانا الهول لم يشبهه هو ل ... زمان ليس يشبهه زمان فللحرب الزبون به اعتزاز ... ولكن فيه للسلم امتهان به جبن الكمي كما تسامى ... على البطل الكمي به الجبان وأفحم خططه البلغاء حتى ... جفا اللسن البليغ به البيان وعدن به الأوانس من قواف ... أوابد لا يراض لها حران وكم هجر الصهيل به حصان ... ومزقت الحجاب به حصان وفي الغبراء قامت معمعان ... وفي الخضراء قامت معمعان وجن الناس في طعن وضرب ... كأن الناس ليس لهم جنان وقد ألغوا لظي الهيجاء حتى ... كأن لظى معاركها جنان ونصل السيف تصقله قيون ... لهم كالعود تجلوه القيان كأن الحرب معبود فنسر ... له الخطي والغصب المدان كان معارك الهيجاء مصلى ... وهمهمة الرجال بها أذان ولاذ المالكون بسقي جو ... وماء تستسر وتستبان وفيها الأنس قد برزت لأنس ... وفيها قد سطا بالجان جان وفي رهج الكفاح الشمس غابت ... وفي البارود غاب الزبرقان تلاعب في كلى وهام ... قناً وظبى وألحانا وحان كأن نفوسنا أكر دحاها ... لعبث في ألفضاء الصولجان زمان كل ما فيه هزال ... خلا أن الخطوب به سمان

стр. 6433

هو أن كل عيش فيه حتى ... هو أنا والهواء به هو أن كأن له ديوناً ليس تقضي ... وأنفسنا على الدين الرهان نقاد بحكمه طوعاً وكرهاً ... وما غير الهوان لنا عنان وللعقل الذكي به اعتقال ... وللمال الصفي به احتجان ويخطئ قصده ذواللب فيه ... ويدرك ما يحاوله الهدان وبكر للحوادث جاء فيها ... لها بنفوسنا حرب عوان فلم تر قط عين الدهر حرباً ... تماثلها ولا بصر الزمان عجائبها تطيش بها عقول ... وهن بكل حادثة رزان فدع أثراً يكذبه عيان ... وخذ خبراً يصدقه العيان إذا خاض الوغى دب وحوت ... ونسر قل متى يلفى الأمان تفانى الناس إرهاقاً وقتلاً ... ومن هذين لم يخل مكان وكم عطف (الهلال) على البرايا ... وما أجدى التعطف والحنان بدا بدراً ومذ ساموه نقصاً ... تعطف مثل ما انعطف السنان تألبت الملوك على مليك ... تدين له الملوك ولا يدان وإن تعاون الأملاك جهل ... على ملك بخالقه يعان سرت بفيالق (الحلفاء) روح ... بها ضعف العدو وما استكانوا فروا (للاتفاق) هشيم جمع ... كما يذري على الريح الدخان تبدد شملهم تبديد عقد ... تبدده الولائد والحسان إذا جهلوا لسان الحرب يوماً ... فما غير البنادق ترجمان وللألمان فيها معجزات ... بمحكم أيها الدنيا تزان لهم فيها كما في العلم نجم ... له في كل محمدة قران مشوا فيها بكل قريع حرب ... يخف إذا مشى فيها إبان لقد رضعوا ثدي الحرب حتى ... كأن دم الكماة لهم لبان إذا خفقت بنود في الثريا ... فنسرهم هناك له معان فسل فالكاربات تجيبك عنهم ... بأنهم الجحاجحة الرزان

стр. 6434

وفي فرسوفيا نبأ عظيم ... لهم ترويه ألسن واللقان وهل ألفرس كانت في الصياصي ... من الألمان حوزتها تصان إذا نزل القضاء فلا حصون ... مشيدة تفيد ولا حصان ولولا بأسهم لم يروا رلو ... عجائبها ولم ينطق لسان وأصدق ما روى عنها لسان ... المدافع والمثقفة اللدان كأن حصونها كانت كعاباً ... محجبة ففارقها الصيان مشوا والموت في حلف وثيق ... وتدمير الحصون له ضمان أسلمهم علوم واقتصاد ... وحربهم فتوح واضطعان أم التمسوا الأمان من المنايا ... وشنات المنايا والأمان فخاضوا الحرب وهي لهم سلام ... وشبوا النار وهي لهم جنان أعصر (الكهرباء) حفظت عهداً ... ولكن فيه أهل العصر خانوا أضأت لهم طريق العز عفواً ... فهانوا إذ بغايته استهانوا أتلك نتائج (العشرين قرناً) ... فنون للفناء بها افتنان إذا ترضى به توراة موسى ... وإنجيل ابن مريم والقرآن وكم بسياسة الغربي أضحى ... لأهل الشرق في الغرب افتتان ما هي لووعوا إلا خداع ... وكذب أورياء أورهان إذا لأن السياسيون قولاً ... فما لان ألفعال ولا استلانوا روى التاريخ أهوالاً ولكن ... كهذي الحرب لم يرو الزمان النبطية (جبل عامل): سليمان ظاهر

стр. 6435

مخطوطات ومطبوعات الرحيق المختوم في المنثور والمنظوم. تأليف السيد محسن الحسيني العاملي طبع في المطبعة الوطنية بدمشق سنة ١٣٣٢ ص ٤٢٦ هو كتاب حوى شعر هذا المؤلف ونثره قدم له مقدمة في منافع الشعر قال فيها: إنه صقيل الأذهان وزينة الإنسان وقد سمع رسول الله ﵌ الشعر واستنشده وارتاح له وأجاز عليه وعفا عن المجرمين بسببه ونظم أمير المؤمنين ﵇ من الأشعار ما هو مشهور معلوم في كتب السير والآثار وإن كان الديوان المنسوب إليه لم يصح كونه من نظمه بل علم كون بعضه ليس من نظمه ﵇ ونظم غيره من الصحابة أيضاً كما نظم العلماء والفضلاء وحسبك بالسيدين المرتضى والرضي ﵄ وما لهما من جلالة القدر والمكانة العظمى في العلم وديوان الرضي مشهور وديوان المرتضى في عدة مجلدات. . . وورد في أخبار أهل البيت ﵈ من الحث والثواب على رثائهم ومدحهم بالأشعار ما هو مشهور إلى غير ذلك مما يدل على أن الشعر معدود في ألفضائل. ومن شعر المؤلف الشاعر في القطار الحديدي: سرت بنا الغيطان وإلا كما ... تسابق الريح مهما هب أونسما بزلاء ليس لها رحل ولا قتب ... ولا زمام ولا شدوا لها حزما من السوابق في المضمار ما حملت ... سرجاً ولا مضغت في دهرها اللجما تخب طوراً وطوراً سيرها رمل ... وتارة تسبق السيل الذي دهما ذلولة المتن تسري طوع سائقها ... بلا شعور ولم تفهم له كلما يغدو القريب بعيداً إذ نفارقه ... وإذ تؤم بعيداً يغتدي أمما تغدو بقطر وتمسي في سواه وفي ... سواهما لمراسيها الصباح رمى عجماء ناطقة صماء سامعة ... فأعجب لعجماء تحوي السمع والصمما

стр. 6436

من الجماد غدت لكن سرعتها ... نظيرها في ذوات الروج ما علما ومن حديد لقد أمست محجتها ... وجسمها من حديد عاد ملتئما تطير مسرعة من غير أجنحة ... تمشي وما استعملت في سيرها قدما تمشي على عجل مشياً على عجل ... كأنها السيل من فوق الزبى هجما تظن غضبى وما أن مسها غضب ... وذات داء وما أن صادفت ألماً تطبق الأرض من أصواتها زجلاً ... ولم تكن حركت عند الصراخ فماً والماء في جوفها تغلي مراجله ... والنار قد ألهبت من تحته ضرما وللبخار غدا في جوفها زجل ... وجوفها أبداً منه لقد فعما تظل تزفر إن جد المسير بها ... وقلبها يقذف النيران والحمما كأنها ملئت غيظاً واحتملت ... غماً وما عرفت غيظاً ولا غمما تنساب كالأفعوان الصل صادفه ... من يختشيه فولى عنه منهزما ما أن رأينا جبالاً قبلها قطعت ... كالبرق عرض الفلا تستصغر الهمما إن فارقت منزلاً أوقاربته غدت ... تصيح معلمة من لم يكن علما وقال في الحكم والمواعظ: لعمرك ليس العلم بالفرو والقبا ... وبالكم في عرض السموات والأرض وبالندب المسدول تحت عمامة ... تسد قضاء الجو بالطول والعرض ولا بإشارات الأكف كأنما ... يريد بها الأفلاك في البسط والقبض ولكنه قلب حفيظ ومسمع ... سميع وطرف قد جفا طيب الغمض إذا لم يزن علم ألفتى بتواضع ... وعقل وحفظ للنوافل والفرض فللجهل خير للفتى من علومه ... إذا لم تكن يوماً إلى عمل تقضي وهذا الديوان يدور كسائر الدواوين أوأكثرها على المديح والتقريظ والغزل والنسيب وعلى الشيب والتهاني والمراسلات والعتاب والرثاء والحماسة والحكم والمواعظ والآداب والمناجاة وشكوى الزمان والهجاء والصفات والمعميات والألغاز والملح والتاريخ والحنين إلى الأهل والأوطان، ومنثوره مسجوع كنثر أهل القرن الحادي عشر والثاني عشر ينظر فيه إلى الألفاظ أكثر من المعاني وقد ختم ديوانه بترجمة حاله بنفسه ترجمة طويلة ذكر فيها

стр. 6437

عائلته ومنشأه وأساتذته وإجازاته وما مدح به من القصائد فجاءت وحدها في ٦٦ صفحة ومعظم الديوان يدور في الحقيقة على مدح الرسول وآل البيت وأئمة الشيعة كأن قصد المؤلف الثواب على ذلك. البعثة العلمية إلى دار الخلافة الإسلامية. تأليف محمد كرد علي صاحب المقتبس ومحمد الباقر صاحب البلاغ وعبد الباسط الأنسي صاحب الإقبال وحسين الحبال صاحب أبابيل. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٣٣٤ - ١٩١٦ ص ٢٩٦ ارتأت الحكومة في السنة الماضية إرسال وفد من علماء سورية وفلسطين ووجهائها إلى دار الخلافة ليزوروا جناق قلعة ويشاهدوا ما آتاه أبطال العثمانيين من الخوارق في الدفاع عن جزيرة كليبولي الذي هو في الحقيقة دفاع عن الأستانة نفسها فسافر الوفد مؤلفاً من ٣١ رجلاً وفيهم كثير من المفاتي والفقهاء والشعراء وأرباب الصحافة اختار بعضهم أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع المخيم في ربوع الشام وناظر البحرية وبعضهم انتخبتهم الولايات ووقع الاختيار على الشيخ أسعد الشقيري رئيساً للوفد لكفاءته العلمية وتفرد بالخطابة في اللغتين العربية والتركية فقضى الوفد شهرين في الذهاب والإياب والمقام في دار السلطنة ودار الحرب وقرر أرباب الصحف المومأ إليهم برئاسة رئيس الوفدان يؤلفوا رحلة يذكرون فيها ما لقيه الوفد من العناية وما شاهد من عظمة الدولة وقوتها وقوة الدفاع في جناق القلعة وما ثأثرت به نفوس الخطباء والشعراء من أفراده وفاض على ألسنتهم نثرا ونظماً وما أقيم لهم من المآدب ودار فيها من الخطب. وقد عهد أرباب الصحف إلى صاحب المقتبس أن يؤلف هذه الرحلة فنسجها ونشرت وقد أوردنا في هذا الجزء نموذجاً منها مقالة بعض معامل الدولة ونبذة في وصف الأناضول وسنورد نموذجاً من شعرها. وقد صدر الكتاب برسم أحمد جمال باشا وفيه صورة الوفد في نظارة البحرية وصورة الرئيس والهيئة التحريرية. الرحلة الأنورية

стр. 6438

إلى الأصقاع الحجازية والشامية تأليف محمد كرد علي صاحب المقتبس. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٣٣٤ - ١٩١٦ ص ٣. ٢ زار أنور باشا وكيل القائد الأعظم وناظر البحرية ربوع الشام والحجاز منذ أشهر ولم يسبق لناظر في مثل مركزه العظيم أن بروز البلاد ويتفقد أحوال الجيش والرعية فضممنا ما تفرق من أخبار رحلته وما قيل من التنويه بأفضاله على الدولة والملة فجاءت الرحلة كتاب أدب ومحاضرة وخطب حوى نموذجاً من شعر الشعراء وخطب الخطباء في هذا العصر وهذا الدور تاركين لأقلام من كتبوا وخطبوا في هذا المجال حريتهم فإن نقل الشيء على حقيقته أدعى إلى تصور كل قائل بقوله فتتمثل للأنسال القادمة حالة عصرنا ومبلغ أهله من الأفكار والآداب وقد أوردنا ما قالته الصحف على اختلاف لغاتها بحرفه وأشفعناه بترجمته إلى اللسان العربي والكتاب مصدر بصورة صاحب الرحلة أنور باشا وفيه عدة رسوم تمثله وتمثل زميله أحمد جمال باشا في القدس الشريف تحت قوس النصر وفي الكلية الصلاحية في القدس وفي المسجد الأقصى والحرم القدسي وفي استعراض الجند في بئر السبع. السنة الثانية للحرب المركزية هي كراسة نشرتها إدارة جورنال بيروت سنة ١٩١٦ وفيها خلاصة ما نقله البرق من الحوادث عن ساحات الحرب المختلفة مما يدخل في سجلات التاريخ وقد قدم لها حليم بك حرفوش أحد محرري تلك الجريدة ألفرنسية بلغتها مقدمة لطيفة ختمها بلفظ الصلح في السنة الثالثة. الرسائل العصرية تأليف بطرس البستاني. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١. ص ٣٤٤ أجاد صديقنا مؤلف هذا الكتاب في مجموعته هذه التي حوت في مطاويها رسائل في عامة

стр. 6439

الموضوعات المألوفة في فن التراسل وقد أجاد كل الإجادة في تعريف المراسلة وأقسامها وأحوالها وطرقها مما لم يترك بعده مقالاً لقائل بعبارات من السهل الممتنع خالية من الحشو والتعقيد حالية بالسلاسة والرشاقة وقد اختار نموذجان من الرسائل منوعة ليتخرج بها الطالب فجاء كتابه من أوعى ما ألف في موضوعه دليل الخبرة في أحوال الطلاب وما ينبغي لهم للنبوغ في الإنشاء فنشكر المؤلف على كتابه الممتع وترجوأن يوفق إلى نشر أمثاله مما يفيد الطلاب والآداب. آداب المراسلة تأليف الخوري بطرس البستاني طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١٣ص ١٤٧ كتاب التلميذ هو مختصر في فن الإنشاء على طريقة السؤال والجواب ليتأتي للأحداث استظهارها وفيه نموذجان من الرسائل يصح للمبتدئ الأخذ بها والتطريس على منوالها. الفلسفة النظرية أوعلم الحكمة البشرية: تأليف الكردينال مرسيه رئيس أساقفة مالين في بلجيكا. عني بنقله إلى العربية وتعليق حواشيه الخوري أسقف نعمة الله أبي كرم الماروني رئيس المدرسة المارونية في رومية. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١. وهو في ستة أجزاء لا تقل عن ١٥. . صفحة. أهدتنا إدارة المطبعة العلمية هذا الكتاب وهو في الفلسفة المنطبقة مع روح الكثلكة وفيه ردود كثيرة على أصحاب الفلسفة الحسية من الماديين وغيرهم وقد تصفحنا جانباً منه فرأينا بعض الغموض في بعض صفحاته وما ندري إن كان ناشئاً من الترجمة أومن الأصل الذي فيه لبس وإشكال ومعان لم يحسن مؤلفها الأول تأديتها بألفاظ مفهومة وتقريبها من عقول القراء وقد قدم المترجم مقدمة نحو٩٥ صفحة قال في آخرها وإنني اصطلحت

стр. 6440

على بعض ألفاظ نقلتها عن أصل وضعها للدلالة على معان علمية حديثة أومذاهب جديدة لم أجد لها دلالة في لغتنا العربية لمسوغ ملابسة بين المعنى الوضعي والاصطلاحي كما هو شأن المؤلفين والمترجمين في كل اللغات وليس فوات مثل هذه الدلالة الجديدة نقصاً منحصراً في لغتنا العربية إنما هو شامل لكل الألسنة المستعملة بين الناس لأن واضعي اللغات تقصر بهم المدارك عن استغراق كل المعاني الموجودة والممكنة ويمتنع عليهم ضبطها في دلالات اللفظ على أن اللفظ وإن كان محدوداً بالفعل فلا يحبس قوته حد بدليل توسع نطاق الذهن بالممارسة ودوام تقدم العلوم تقدماً يزيد مع الأيام والأعصر حتى دهش العقل نفسه من سموترقيه وهو لا يزال يرغب فيه ويرتاده يوماً فيوماً بدافع نزعته ألفطرية. ولعل هذا النقص في الوضع هو كان السبب في توسيع التجوز والاستعارة في الكلام ثم في الاصطلاحات التي يسمونها الاصطلاحات الخاصة الرائج استعمالها في كل الألسن بيد أن هذا أيضاً لم يكن كافياً لسد الثلمة وقضاء اللبانة فكم من المعاني تبقى شاردة عن مصادر الألفاظ الوضعية والمجازية والإستعارية والاصطلاحية بالاصطلاح الخاص المستعمل فهذا الاختبار اليومي يشهد بشدة ما يقاسيه المؤلف والمترجم من عناء تقليب المعاجم وتصفح صحائف أهل اللغة وفرك جبهة الذاكرة فلا ينشد ضالته بل يعود حابط الجد والقلب شيق متطلع إلى ما يرى من بديع المعاني لامعة في فضاء ألفكر يشرئب عبثاً إلى اصطيادها بشراك اللفظ الواهية وعليه فإنك ترى علماء الغرب والمصنفين قد لجأوا إلى حيل النحت في الألفاظ وأكثر ما يكون هذا النحت عندهم من اللغة الإغريقية لتأصلها من أصل وضعها إلى بناء الكلمة الواحدة من ألفاظ كثيرة دالة وعدم حصر الأسماء في أوزان قياسية لا تتجاوزها فكأنما هذه الحلقة قد خلقت ينبوعاً للألفاظ العلمية في كل عصر يستقي من فيضه المؤلف والمترجم هذا وما كان أجدر بواضعي قواعد اللغات وخصوصاً بأئمة لغتنا العربية أن يصلحوا على طريقة يتهيأ لهم بها سد خلل الوضع والقيام بما لا يفي به من المجاز والاستعارة والكناية وذلك مثلاً بأن يسوغوا ما تسوغه اليونانية من النحت والتركيب رابطين قاعدة عامة يكون النحت بها قياساً مصطلحاً عليه فيستعمله المصنف أوالمترجم بلا حرج ويفهمه المطالع اللبيب بقليل من الإشارة ويعلق بحافظته لأنه مركب من ألفاظ يأنسها هي من لغته. وليس النحت بدعة في العربية ولا منكراً منه وله اسم عربي

стр. 6441

وورد عليه أمثلة إلا أنهم حصروا شمول فوائده في حيز ضيق ومثل مسماه لعل ذلك لأنه لم يكن لهم حاجة ماسة إلى أكثر كما هي الحال في عصرنا فما بال أئمة لغتنا اليوم لا ينشطون إلى تلافي هذا الخلل وتدارك هذا النقص يتخذون مثال الأجداد في النحت مع زيادة قوانين يترتب عليها وشروط يتقيد بها فهم إذا فعلوا يكفون أبناء جلدتهم المؤلفين والمترجمين مؤونة الكد وعناء الطلب العقيم في إيجاد ألفاظ جديدة قد لا تكون في محلها في مزج خالص كلامهم العربي بغريب الأعجمي أهو عار علينا وحط من مقام لغتنا الشريفة ومن قدر الأجداد الذين برزوا في أيامهم أن نبقى ساهين عن هذا الأمر الجليل مغضين الطرف عن قصور في لساننا مع توقد الذكاء في فؤادنا مما لا ينكره علينا عليم وحولنا من كل جانب قوم يفصحون عن المعاني الجديدة والعلوم الحديثة بألفاظ منحوتة يفهمها خاصتهم وعامتهم وهي وإن كانت ليست من أوضاع لغاتهم مأنوسة عندهم وغير أجنبية عنهم لمزاولتهم عموماً لغة الإغريق ثم لملابستها لألسنتهم. معالم الكتابة ومغانم الإصابة إنشاء عبد الرحمن بن علي بن شيث القرشي عني بنشره وتعليق حواشيه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي وطبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة١٩١٣. هذا كتاب جليل تشكر الآداب العربية ناشره الفاضل على إحيائه بالطبع وتعليق حواش على بعض متونه. أما المؤلف فقد استدل الناشر أنه كان في القرن السادس من الهجرة في زمان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي وأخيه الملك العادل وذكر له أنه كان مصري المولد استوطن القدس وكان كاتباً في ديوان الإنشاء كما يظهر من نفس كاتبه الذي أخذه ناشره عن أصل مخطوط محفوظ في مكتبة دير المخلص في لبنان في مجموعة خطية تشتمل أيضاً على كتابين ناقصين وهو في صدرها لم يذكر ناسخه اسمه ولا تاريخ اسمه لكن الغالب فيما يرى من خطه أنه كتب في آخر القرن السادس أوالسابع من الهجرة وربما كان بخط المؤلف وقد تقلبت هذه النسخة بين أيدي كثيرين وعلق علها غير واحد. وقد وقع هذا المختصر في ١٩٢ صفحة وهو فيما يجب تقديمه ويتعين على الكاتب لزومه في آداب كتاب الملوك وأركان الدولة وفي طبقات التراجم وأوائل الكتب وما يكون به

стр. 6442

التخاطب بين المتكاتبين على مقدارهما وذكر وضع الخط وحروفه وبري القلم وإمساكه وفي البلاغة وما يتصل بها وفي ألفاظ يقوم بعضها مقام بعض وفي الأمثال التي يدمجها الكاتب في كلامه ويستشهد بها وفيما لا بد للكاتب من النظر فيه والتحرز منه وكثيراً ما يسقط فيه الكاتب وهنا نحث كل متأدب على اقتناء هذا الأثر النفيس للأخذ من مضامينه والدمج على طريقته في الإنشاء العربي المتين والإيجاز اللطيف المرغوب فيه.

стр. 6443

أخبار وأفكار المكرر يحلو جاءنا من الأمير شكيب أرسلان ما يأتي: قد نقلتم عن (الشرق) مقالتي في صناعة السكر في الشرق واشتهار بلاد فلسطين بها وما ذكره ياقوت الحموي عن زراعة قصب السكر في غور بيسان وصناعته في تلك الأرجاء إلى غير ذلك. وأزيدكم الآن برهاناً آخر وهو أنه وجدت في طرف أريحا الغربي آثار ثلاث معاصر للسكر مما يعزز هذه الحقيقة ويقوي الحجة على أهل زماننا هذا في إهمالهم زراعة السكر وعمله في بلاد كانت منذ مئات من السنين معدنة ومخزنة. وأزيدكم أيضاً برهاناً آخر على عناية المسلمين بهذه الزراعة وتلك الصناعة وإن كان في جهة المغرب فالإسلام عالم واحد فأقول ورد في كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى عند ذكر المنصور السعدي واسطة عقد الملوك السعديين أصحاب فاس، مراكش أنه بنى قصر البديع المشهور في حاضرة مراكش وابتدأ ببنائه في شوال سنة ست وثمانين وتسعمئة واتصل العمل فيه إلى سنة ١. . ٢ ولم يتخلد ذلك ألفترة، قال: وحشد له الصناع حتى من بلاد الإفرنجة فكان يجتمع كل يوم فيه من أرباب الصنائع ومهرة الحكماء خلقاً عظيم حتى كان ببابه سوق عظيم يقصده التجار ببضائعهم ونفائس أعلافهم وجلب له الرخام من بلاد الروم فكان يشتريه منهم بالسكر وزناً بوزن على ما قيل وكان المنصور قد اتخذ معاصر السكر ببلاد حاقة وشوشاوة وغيرهما حسبما ذكره الفشتالي ﵀ في المناهل هذا وقد أدرك أهل سوريا الآن ما فرطوا من أمر عمل السكر وقصروا به عن أسلافهم وعرفوا ما فاتهم من الأرباح الطائلة بعدم وجود معمل واحد أومعملين للسكر في بلادهم في هذا العصر الحاضر الذي نشأ عن الحرب فضلاً عما اضطر بالأجسام من فقد السكر وغلاء الحلوى لأنه من المقرر أن الأمزجة تلتاث بانقطاعها عن الحلويات ولا شك أن الأمراض التي نشأت في هاتين العامين كان من جملة أسبابها قلة السكر وأجدر بهذه البلاد أن تنبهها الحرب العامة إلى استدراك فرطات كثيرة من جملتها هذه. الحرب ومنسوب المياه كتب أحد مهندسي برلين في عام ١٨٩٧ كتاباً سماه أدوار الحرب والاجتهاد العقلي في حياة

стр. 6444

الشعوب تنبئ فيه أن هذا الدور الذي نحن الآن فيه يكون فيه أدهش الحروب مستنداً في دعواه على منسوب مياه الأرض فإنها تختلف بموجب قانون لا يتغير بين طرفين متباينين: ألفيضانات الكثيرة واليبوسة والجفاف. وللوصول من طرف إلى آخر يقتضي من الزمان ١١. سنوات أي نصف الزمن اللازم وهو ٢٢. سنة التي تتم فيها حركات بعد الإبرة من خط نصف النهار وتتبدل الحرارة في الأقاليم الشمالية وهذا الدور من ١١. سنين ينقسم إلى أربعة أدوار مختلفة كل دور ٢٨ سنة اثنان منها تمثل الأكثرية واثنان منها تمثل الأقلية فأدوار الجفاف على حسب رأي المهندس المومأ إليه تولد الحرب وأدوار إدرار المياه تبشر الإنسانية بدور ارتقاء في المدنية والدور بحد ذاته يختلف طولاً وقصراً في الحرب والمدنية على معدل حدود الدور المقابل لها فقد حدث دور جاف عظيم من سنة ١٧٣٧ إلى ١٧٦٥ وكان ذلك عهد الحروب، فر بدر بك الكبير واتبع ذلك الدور من سنة ١٧٦٥ إلى ١٧٩٣ وقد علا منسوب الماء كثيراً فكان فيه العصر الذهبي في الآداب والارتقاء العام لراحة الإنسانية وعلى العكس في الدور التالي بين ١٦٩٣ و١٨٢١ وقد بلغ الجفاف حده فيه فجرت في خلاله الحرب العامة على عهد نابليون ومن سنة ١٨٢١ - ١٨٤٨ وهو عهد رطوبة كان ارتقاء الحضارة على قدم نشاط يسير في ظل السلام واتبع هذا الدور عهد الجفاف فوقعت فيه حروب ١٨٤٨ - ١٨٧٦ ثم جاء دور الرطوبة من سنة ١٨٧٦ - ١٩. ٤ وفيه تمت مدهشات الارتقاء الذي نعرفه وقد تنبأ المهندس المومأ إليه سنة ١٨٩٧ أن عهد الجفاف من سنة ١٩. ٤ - ١٩٣٢ سيكون طافحاً بالحوادث ولكنها تأتي على شدتها بين سنتي ١٩١. - ١٩٢. فحرب روسيا واليابان وحرب البلقان والحرب العامة الحالية تؤيد كلام هذا المتنبي. ومن رأيه أن عهد الرطوبة يبدأ سنة ١٩٣٢ وينتهي سنة ١٩٦. فيكون دور علم وحضارة ولكنه لا يفوق ما وقع من أمثاله بين سنتي ١٨٧٦ - ١٩. ٤ ومن سنة ١٩٦. إلى ١٩٨٨ يبدأ أيضاً دور الحروب وتبقى مع ذلك في حد معين وسط فتأمل. مدارسنا ومدارسهم كتب خالد ضيا بك الكاتب العثماني الشهير مقالة في إحدى صحف الأستانة قال فيها: أن أمور المعارف في ألمانيا معدودة من الشؤون الداخلية وعليه فإن هذه الإمبراطورية

стр. 6445

العظيمة المؤلفة من ولايات مختلفة تختلف إدارة مدارسها باختلاف ولاياتها فلكل منها تنسيق وترتيب يخالف تنسيق المدارس في ولاية أخرى ولكنا بقطع النظر عن الأمور ألفرعية نجد أن المدارس كلها في هذه الإمبراطورية ترجع إلى غرض واحد وتتبع غاية فذة ولا ينتظر من مملكة مؤلفة من ولايات مختلفة تساوت من حيث العلم والمدنية واتحدت أفكارها الحيوية والقومية غير هذه النتيجة. إن درجات المدارس في ألمانيا لا تختلف عن درجاتها عندنا إلا اختلافاً طفيفاً. المدارس الابتدائية فالإعدادية فالعالية ومتى جاز التلميذ هذه الثلاث سلاسل الكبيرة (وهو عندنا في درجة التخرج من المدارس السلطانية) فإما أن يبرز إلى ميدان الحياة تواً وإما (إن كان قصده دوام التحصيل) أن يقصد إلى مدارس الأخصّاء حيث يجد أمام المدارس العليا للأمور التطبيقية وشعبات دور ألفن المختلفة مفتحة الأبواب. دققت كثيراً في مجتازي هذه السلاسل المدرسية الثلاث وبحثت عن السبب الأولي في ألفائدة العظيمة المتأتية عن هذه المدارس فتبين لي أن السبب في ذلك لا كتب التدريس ولا الأساتذة ولا التلاميذ وإنما هو أصول التدريس وإن المدروسين آنفاً من حيث المكانة هم في الدرجة الثانية. وبعد أن بحث في كتب التدريس الألمانية المكملة المنقحة الخالية من الحشو والأطناب والمتبعة كلها في سلسلة التدريس غاية واحدة قال: أن أول ما يلفت النظر في هذه المدارس هو الارتباط والمحبة بين التلامذة والمعلمين أول ما يتبادر إلى الذهن عندنا من لفظة المعلم أنه (يأتي ساعة كذا ويذهب ساعة كذا ويأخذ أجرة كذا) أما عند الألمان فالمعلم مع تلميذه كالأب مع ابنه والمعلم عندهم لا يعرف اسم التلميذ فقط بل يعرف مزاياه ونقائصه وخاصيات مزاجه وقابلية ذكائه ويعرف أيضاً النقط المحتاجة إلى الإصلاح والتمريض إلى الإصلاح والتمريض في التلميذ فيوجه نحوها عنايته ويبذل وسعه في تقويمها. فالتلميذ عندهم بين يدي المعلم أشبه بالمريض تمضي عليه مدة طويلة تحت مراقبة الطبيب وتدقيقه وإليك أصول التدريس عندنا: بعد أن يصعد المعلم منصة التدريس يشير إلى أحد التلامذة بالقيام فيقول مثلاً مخاطباً التلميذ برقمه ١٦٦ دور سلطنة السلطان سليم الأول فإما
следующие страницы →