← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

وورد عليه أمثلة إلا أنهم حصروا شمول فوائده في حيز ضيق ومثل مسماه لعل ذلك لأنه لم يكن لهم حاجة ماسة إلى أكثر كما هي الحال في عصرنا فما بال أئمة لغتنا اليوم لا ينشطون إلى تلافي هذا الخلل وتدارك هذا النقص يتخذون مثال الأجداد في النحت مع زيادة قوانين يترتب عليها وشروط يتقيد بها فهم إذا فعلوا يكفون أبناء جلدتهم المؤلفين والمترجمين مؤونة الكد وعناء الطلب العقيم في إيجاد ألفاظ جديدة قد لا تكون في محلها في مزج خالص كلامهم العربي بغريب الأعجمي أهو عار علينا وحط من مقام لغتنا الشريفة ومن قدر الأجداد الذين برزوا في أيامهم أن نبقى ساهين عن هذا الأمر الجليل مغضين الطرف عن قصور في لساننا مع توقد الذكاء في فؤادنا مما لا ينكره علينا عليم وحولنا من كل جانب قوم يفصحون عن المعاني الجديدة والعلوم الحديثة بألفاظ منحوتة يفهمها خاصتهم وعامتهم وهي وإن كانت ليست من أوضاع لغاتهم مأنوسة عندهم وغير أجنبية عنهم لمزاولتهم عموماً لغة الإغريق ثم لملابستها لألسنتهم. معالم الكتابة ومغانم الإصابة إنشاء عبد الرحمن بن علي بن شيث القرشي عني بنشره وتعليق حواشيه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي وطبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة١٩١٣. هذا كتاب جليل تشكر الآداب العربية ناشره الفاضل على إحيائه بالطبع وتعليق حواش على بعض متونه. أما المؤلف فقد استدل الناشر أنه كان في القرن السادس من الهجرة في زمان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي وأخيه الملك العادل وذكر له أنه كان مصري المولد استوطن القدس وكان كاتباً في ديوان الإنشاء كما يظهر من نفس كاتبه الذي أخذه ناشره عن أصل مخطوط محفوظ في مكتبة دير المخلص في لبنان في مجموعة خطية تشتمل أيضاً على كتابين ناقصين وهو في صدرها لم يذكر ناسخه اسمه ولا تاريخ اسمه لكن الغالب فيما يرى من خطه أنه كتب في آخر القرن السادس أوالسابع من الهجرة وربما كان بخط المؤلف وقد تقلبت هذه النسخة بين أيدي كثيرين وعلق علها غير واحد. وقد وقع هذا المختصر في ١٩٢ صفحة وهو فيما يجب تقديمه ويتعين على الكاتب لزومه في آداب كتاب الملوك وأركان الدولة وفي طبقات التراجم وأوائل الكتب وما يكون به

стр. 6442

التخاطب بين المتكاتبين على مقدارهما وذكر وضع الخط وحروفه وبري القلم وإمساكه وفي البلاغة وما يتصل بها وفي ألفاظ يقوم بعضها مقام بعض وفي الأمثال التي يدمجها الكاتب في كلامه ويستشهد بها وفيما لا بد للكاتب من النظر فيه والتحرز منه وكثيراً ما يسقط فيه الكاتب وهنا نحث كل متأدب على اقتناء هذا الأثر النفيس للأخذ من مضامينه والدمج على طريقته في الإنشاء العربي المتين والإيجاز اللطيف المرغوب فيه.

стр. 6443

أخبار وأفكار المكرر يحلو جاءنا من الأمير شكيب أرسلان ما يأتي: قد نقلتم عن (الشرق) مقالتي في صناعة السكر في الشرق واشتهار بلاد فلسطين بها وما ذكره ياقوت الحموي عن زراعة قصب السكر في غور بيسان وصناعته في تلك الأرجاء إلى غير ذلك. وأزيدكم الآن برهاناً آخر وهو أنه وجدت في طرف أريحا الغربي آثار ثلاث معاصر للسكر مما يعزز هذه الحقيقة ويقوي الحجة على أهل زماننا هذا في إهمالهم زراعة السكر وعمله في بلاد كانت منذ مئات من السنين معدنة ومخزنة. وأزيدكم أيضاً برهاناً آخر على عناية المسلمين بهذه الزراعة وتلك الصناعة وإن كان في جهة المغرب فالإسلام عالم واحد فأقول ورد في كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى عند ذكر المنصور السعدي واسطة عقد الملوك السعديين أصحاب فاس، مراكش أنه بنى قصر البديع المشهور في حاضرة مراكش وابتدأ ببنائه في شوال سنة ست وثمانين وتسعمئة واتصل العمل فيه إلى سنة ١. . ٢ ولم يتخلد ذلك ألفترة، قال: وحشد له الصناع حتى من بلاد الإفرنجة فكان يجتمع كل يوم فيه من أرباب الصنائع ومهرة الحكماء خلقاً عظيم حتى كان ببابه سوق عظيم يقصده التجار ببضائعهم ونفائس أعلافهم وجلب له الرخام من بلاد الروم فكان يشتريه منهم بالسكر وزناً بوزن على ما قيل وكان المنصور قد اتخذ معاصر السكر ببلاد حاقة وشوشاوة وغيرهما حسبما ذكره الفشتالي ﵀ في المناهل هذا وقد أدرك أهل سوريا الآن ما فرطوا من أمر عمل السكر وقصروا به عن أسلافهم وعرفوا ما فاتهم من الأرباح الطائلة بعدم وجود معمل واحد أومعملين للسكر في بلادهم في هذا العصر الحاضر الذي نشأ عن الحرب فضلاً عما اضطر بالأجسام من فقد السكر وغلاء الحلوى لأنه من المقرر أن الأمزجة تلتاث بانقطاعها عن الحلويات ولا شك أن الأمراض التي نشأت في هاتين العامين كان من جملة أسبابها قلة السكر وأجدر بهذه البلاد أن تنبهها الحرب العامة إلى استدراك فرطات كثيرة من جملتها هذه. الحرب ومنسوب المياه كتب أحد مهندسي برلين في عام ١٨٩٧ كتاباً سماه أدوار الحرب والاجتهاد العقلي في حياة

стр. 6444

الشعوب تنبئ فيه أن هذا الدور الذي نحن الآن فيه يكون فيه أدهش الحروب مستنداً في دعواه على منسوب مياه الأرض فإنها تختلف بموجب قانون لا يتغير بين طرفين متباينين: ألفيضانات الكثيرة واليبوسة والجفاف. وللوصول من طرف إلى آخر يقتضي من الزمان ١١. سنوات أي نصف الزمن اللازم وهو ٢٢. سنة التي تتم فيها حركات بعد الإبرة من خط نصف النهار وتتبدل الحرارة في الأقاليم الشمالية وهذا الدور من ١١. سنين ينقسم إلى أربعة أدوار مختلفة كل دور ٢٨ سنة اثنان منها تمثل الأكثرية واثنان منها تمثل الأقلية فأدوار الجفاف على حسب رأي المهندس المومأ إليه تولد الحرب وأدوار إدرار المياه تبشر الإنسانية بدور ارتقاء في المدنية والدور بحد ذاته يختلف طولاً وقصراً في الحرب والمدنية على معدل حدود الدور المقابل لها فقد حدث دور جاف عظيم من سنة ١٧٣٧ إلى ١٧٦٥ وكان ذلك عهد الحروب، فر بدر بك الكبير واتبع ذلك الدور من سنة ١٧٦٥ إلى ١٧٩٣ وقد علا منسوب الماء كثيراً فكان فيه العصر الذهبي في الآداب والارتقاء العام لراحة الإنسانية وعلى العكس في الدور التالي بين ١٦٩٣ و١٨٢١ وقد بلغ الجفاف حده فيه فجرت في خلاله الحرب العامة على عهد نابليون ومن سنة ١٨٢١ - ١٨٤٨ وهو عهد رطوبة كان ارتقاء الحضارة على قدم نشاط يسير في ظل السلام واتبع هذا الدور عهد الجفاف فوقعت فيه حروب ١٨٤٨ - ١٨٧٦ ثم جاء دور الرطوبة من سنة ١٨٧٦ - ١٩. ٤ وفيه تمت مدهشات الارتقاء الذي نعرفه وقد تنبأ المهندس المومأ إليه سنة ١٨٩٧ أن عهد الجفاف من سنة ١٩. ٤ - ١٩٣٢ سيكون طافحاً بالحوادث ولكنها تأتي على شدتها بين سنتي ١٩١. - ١٩٢. فحرب روسيا واليابان وحرب البلقان والحرب العامة الحالية تؤيد كلام هذا المتنبي. ومن رأيه أن عهد الرطوبة يبدأ سنة ١٩٣٢ وينتهي سنة ١٩٦. فيكون دور علم وحضارة ولكنه لا يفوق ما وقع من أمثاله بين سنتي ١٨٧٦ - ١٩. ٤ ومن سنة ١٩٦. إلى ١٩٨٨ يبدأ أيضاً دور الحروب وتبقى مع ذلك في حد معين وسط فتأمل. مدارسنا ومدارسهم كتب خالد ضيا بك الكاتب العثماني الشهير مقالة في إحدى صحف الأستانة قال فيها: أن أمور المعارف في ألمانيا معدودة من الشؤون الداخلية وعليه فإن هذه الإمبراطورية

стр. 6445

العظيمة المؤلفة من ولايات مختلفة تختلف إدارة مدارسها باختلاف ولاياتها فلكل منها تنسيق وترتيب يخالف تنسيق المدارس في ولاية أخرى ولكنا بقطع النظر عن الأمور ألفرعية نجد أن المدارس كلها في هذه الإمبراطورية ترجع إلى غرض واحد وتتبع غاية فذة ولا ينتظر من مملكة مؤلفة من ولايات مختلفة تساوت من حيث العلم والمدنية واتحدت أفكارها الحيوية والقومية غير هذه النتيجة. إن درجات المدارس في ألمانيا لا تختلف عن درجاتها عندنا إلا اختلافاً طفيفاً. المدارس الابتدائية فالإعدادية فالعالية ومتى جاز التلميذ هذه الثلاث سلاسل الكبيرة (وهو عندنا في درجة التخرج من المدارس السلطانية) فإما أن يبرز إلى ميدان الحياة تواً وإما (إن كان قصده دوام التحصيل) أن يقصد إلى مدارس الأخصّاء حيث يجد أمام المدارس العليا للأمور التطبيقية وشعبات دور ألفن المختلفة مفتحة الأبواب. دققت كثيراً في مجتازي هذه السلاسل المدرسية الثلاث وبحثت عن السبب الأولي في ألفائدة العظيمة المتأتية عن هذه المدارس فتبين لي أن السبب في ذلك لا كتب التدريس ولا الأساتذة ولا التلاميذ وإنما هو أصول التدريس وإن المدروسين آنفاً من حيث المكانة هم في الدرجة الثانية. وبعد أن بحث في كتب التدريس الألمانية المكملة المنقحة الخالية من الحشو والأطناب والمتبعة كلها في سلسلة التدريس غاية واحدة قال: أن أول ما يلفت النظر في هذه المدارس هو الارتباط والمحبة بين التلامذة والمعلمين أول ما يتبادر إلى الذهن عندنا من لفظة المعلم أنه (يأتي ساعة كذا ويذهب ساعة كذا ويأخذ أجرة كذا) أما عند الألمان فالمعلم مع تلميذه كالأب مع ابنه والمعلم عندهم لا يعرف اسم التلميذ فقط بل يعرف مزاياه ونقائصه وخاصيات مزاجه وقابلية ذكائه ويعرف أيضاً النقط المحتاجة إلى الإصلاح والتمريض إلى الإصلاح والتمريض في التلميذ فيوجه نحوها عنايته ويبذل وسعه في تقويمها. فالتلميذ عندهم بين يدي المعلم أشبه بالمريض تمضي عليه مدة طويلة تحت مراقبة الطبيب وتدقيقه وإليك أصول التدريس عندنا: بعد أن يصعد المعلم منصة التدريس يشير إلى أحد التلامذة بالقيام فيقول مثلاً مخاطباً التلميذ برقمه ١٦٦ دور سلطنة السلطان سليم الأول فإما

стр. 6446

أن يأخذ التلميذ بسرد صحيفة أوصحيفتين مما بقي في ذهنه من الحفظ متلجلجاً متلعثماً يطلب مساعدة حافظته له ومداخلتها في الأمر وإما أن ينقطع من أول الأمر فيشير إليه المعلم بالجلوس وينهض غيره قائلاً ٢٧٥ وهكذا تمضي مدة الدرس بين مختلف الأرقام أما التلامذة غير المعرضين للأسئلة فإما أن يشتغلوا بحفظ ما أهملوه من هذا الدرس وعندها لا نر إلا أعيناً مغمضة وشفاهاً تهتز وتضطرب وإما أن يخط هذا رسماً ويبري ذلك قلماً ويكتب ذلك مكتوباً. أما الحال في ألمانيا فليس على هذا المنوال وقد زار الكاتب ودخل إلى أحد الصفوف أثناء درس التاريخ فقال: إن التلاميذ بعد أن سلموا علينا للجلوس على مقاعدهم وأعينهم محدقة في معلمهم فقط ينتظرون ولم يكن أمامهم كتاب ولا ورق. ذكر المعلم موضوع درسه في جملة واحدة والموضوع هو هذاتبسيط دولة بروسيا والأسرة المالكة وبعد أن مكث ثانية أورد سؤالاً في هذا الموضوع فرفع التلاميذ أيديهم وكان هذا الصنف بأجمعه مستعداً لإعطاء الجواب ولكن المعلم أشار إلى أحدهم باسمه فنهض التلميذ حالاً وأجاب عن السؤال بنحو صحيفة مما كان حفظه وتعلمه ولكن لم يكن ما أورده تكراراً لعبارة كتاب معين ربما ينسى اليوم أوغداً وربما يحفظها دون أن يعرف معناها بل كان الجواب الذي أورده بلسانه نفسه حسب فهمه. وهكذا تسلسلت الأسئلة وتوالت وارتفعت الأيدي ثم انحطت ومضت نصف ساعة على هذا الموضوع أوالمباحثة وكان المعلم بلا شبهة قد تعب أكثر من كل التلامذة. وكانت هذه المباحثة أشبه بامتحان عمومي منها يدرس لأن الأجوبة كانت ترد علناً والأسئلة تثب من هنا إلى هناك والأيدي تعلوثم تنزل وبهذا الأسلوب لم يبق نقط مجهولة في هذا الموضوع وكان المعلم في الدرس الذي قبل هذا الدرس قد كتب تقريراً في (تبسيط دولة بروسيا والأسرة المالكة هو هنزلون) فقرأه التلامذة وأضافوا الذي بقي في ذهنهم من هذا التقرير إلى ما قرؤوه في هذا الكتاب الذي بأيديهم واليوم في هذه المباحثة أوالمجاوبة العلمية فإن الذين كان فهمهم ناقصاً أوأهملوا الدرس أونسوه أصبحوا كأنهم درسوه من جديد. وقال الكاتب أن الألمان قد طبقوا هذا الأسلوب في التدريس ليس على درس واحد فقط بل

стр. 6447

على دروس الحساب والجغرافية والكيمياء والحكمة الطبيعية والتاريخ الطبيعي حتى على الألسن والأدبيات وختم مقاله بقوله: ليست المدارس الألمانية الابتدائية بأحسن من المدارس العثمانية ولكن التلميذ الألماني متعلم أكثر من التلميذ العثماني وفضلاً عن ذلك فإن الأول يمكنه أن يستعمل علمه فيما يفيده في حياته وهذا على ما أظن الغاية المهمة التي يجب أن نسعى إليها. رومانيا وجيوش التحالف شهرت ألمانيا الحرب على النمسا والمجر هذا الشهر لتفتح ترانسلفانيا وتضم من فيها من الرومانيين أبناء عنصرها فشهرت ألمانيا والعثمانية وبلغاريا الحرب عليها والحرب الآن قائمة بين جيوش الرومان وقد أطلعنا على إحصاء أخير نشره أحد أساتذة كلية غراز قال فيه أن مساحة رومانيا السطحية تبلغ ١٣٩. ٧٩ كيلومتراً مربعاً عدا ما دخل في ملكها من أرض بلغاريا سنة ١٩١٣ وهو ٧٧٢٦ كيلومتراً وهو أكثر من مساحة ربع ألمانيا وسكانها نحوسبعة ملايين ونصف أي أنه يسكنها ٥٤ نسمة في كل كيلومتر وبحسب إحصاء سنة ١٨٩٩ يوزع هذا الشعب على النحوالآتي خمسة ملايين ونصف روماني و١. ٨. . . نمساوي ومجري و٢٤. . . عثماني و٣٢. . . من رعايا مختلفين من الممالك البلقانيا و٨. . . ألماني و٢٦٧. . . إسرائيلي وخمسة ملايين ونصف من سكانها يدينون بالمذهب الأرثوذكسي و١٥. ألفاً كاثوليك و٢٣ ألفاً من البروتستان و١٨ في المئة من السكان هم من أهل المدن و٨١ وكسر من سكان الحقول وسكان العاصمة بكرش ٣٤١ ألفاً وفيها كلية كان عدد طلبتها سنة ٩. ٨ - ٤٢٨. طالباً وميزانيتها مليون ونصف مارك وفي رومانيا كلية ياسي وهذي هي ثاني مدينة في رومانيا وكانت ميزانية حكومة رومانيا سنة ١٩١٥ - ٤٨٦ مليون مارك وكسور من الدخل والخرج يصرف منها ٤٧ مليون مارك على التعليم و٧٩ مليوناً على الحربية وكان الدين عليهم ١٦٨ مليار مارك و٧ في المئة من صادرات رومانيا تصدر إلى ألمانيا ويرد إليها من ألمانيا ٤. في المئة من الواردات و٢٣ في المئة من النمسا والمجر. العلماء لا يحاربون ذكرت جريدة الديلي نيوز الإنكليزية أنه جرى مؤخراً في لندرا توقيع ألحان من تأليف

стр. 6448

واكنر الألماني المتوفي سنة ١٨٨٣ وأنه هذه هي المرة الأولى منذ إعلان الحرب لحنت فيها أغان لهذه الموسيقى بحضور جمهور كبير من الأهلين ومنهم ضباط بألبستهم الرسمية وربما عد بعضهم تلحين مؤلف ألماني انحطاطاً في الوطنية وعده آخرون علامة جيدة على تقرب الشعبين وقد ذكرت إحدى الصحف الألمانية أن القوم في ألمانيا لم يفتؤوا يتلون ويلحنون أقوال المؤلفين الذين هم من أمم معادية لألمانيا اليوم، فلم يتل موليير ألفرنسي ولا شكسبير الإنكليزي شيء من الحرب والحرب ليس مع الأفراد النوابغ وهم لكل أمة شرع. وهكذا الحال في بلاد النمسا والمجر فإن نوابغ المؤلفين من لفرنسيس والإنكليز والروس تقرأ مصنفاتهم وتمثل رواياتهم كما كان في السابق واللغة ألفرنسية واللغة الإنكليزية تدرس في مدارس المجر كما كانت قبل الحرب وقد احتفلت ألمانيا منذ أشهر في مدينة نيمار بمرور ثلاثمائة سنة على وفاة شكسبير الشاعر الإنكليزي احتفالاً يليق بتكريم أمة عالمة للعلماء والأدباء من أي عنصر ولسان كانوا وناب عن المجر رئيس مجمعها العلمي ولم يكدر صفوهذا الاجتماع مكدر ولم يذكر شكسبير إلا بالتجلة كأنه من شعراء ألمانيا نفسها فتأمل هذا التسامح في إكرام العلماء حتى زمن ألفتن والحروب.

стр. 6449

العدد ٩٣ - بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٤

стр. 6450

الألمانية والإفرنسية شعر العامّة والخاصّة في العهد الأخير بالحاجة الشّديدة إلى معرفة اللغة الألمانيّة في هذه الدِّيار وفي غيرها من البلاد التي حالفت جرمانيا وكانت هذه الحرب التي أدهش فيها الألمان بعلومهم وتفنُّنهم في المسائل الحربية والاجتماعية والاقتصادية من أكبر الدواعي إلى ذلك وكان الخاصة من قبل يشعرون هذا الشُّعور ولكن قلَّة أطماع ألمانيا في امتلاك بلاد الشَّرق الأقرب لم يحملها كما حمل فرنسا منذ القديم على أن تبذل همَّتها لنشر لغتها فيه وتركت المسائل لطبيعتها خصوصاً ومن سياسة ألمانيا أن لا تميل إلى تجزئة قوتها فتفضِّل نشر علمها على قطعةٍ صغيرة وراء حدودها على أن تستعمر مملكةً واسعةً في إفريقية وآسيا كما هو حال فرنسا. وحال ألمانيا في نشر لغتها تبعاً لسياستها بالطَّبيعة. ولم نفتأ بالمناسبات منذ خمس عشرة سنةً نشير على ناشئتنا بتلقُّف هذا اللسان ونحسن لأصحاب الشأن في الأمر ودعاة العلم الصحيح نشره في مصر والشّام خاصةً ولقد قلنا في رحلتناغرائب الغربالتي نُشِرت سنة١٣٢٧ - ١٩. ٩ ما نصُّه: إنَّ اقتصارنا نحن معشر العثمانيين والمصريين والسُّوريين خاصَّةً على اللغة ألفرنساوية في الأكثر هو من الاحتكار الضّارّ فيجب أن نعرف كلّنا أو بعضنا لغة أمَّةٍ كبرى تريد أن تحارب العالم حرباً اقتصادية حتى لا يكون مثلنا مثل لفرنسيس مع جيرانهم الألمان قبل حرب السَّبعين جهلوا ما لديهم نم ماديَّاتهم فخسروا في ماديّاتهم ومعنوياتهم. نعم نتوفَّر على الأخذ من أوربا كل ما تمتاز به مملكة من ممالكها فنحول وجهتنا بعد الآن إلى جرمانيا نتعلَّم علومها واقتصادها ومتاجرها وبريَّتها ونأخذ من فرنسا الزراعة والحقوق وعن إنكلترا السِّياسة والعلوم البحريَّة وعن إيطاليا الصنائع النَّفيسة ونجعل للغة الألمانية والإيطاليَّة حظَّاً من عنايتنا حتَّى لا نكون حكرةً مضَّرةً لحكومةٍ خاصَّةٍ من حكومات الغرب فنحن كما نريد في السِّياسة أن نعامل الدُّول كلّها بوئام يجب أن نأخذ عن كلِّ دولةٍ راقيةٍ أحسن ما عندها حتى لا نكون من الجامدين على أمَّةٍ بعينها والجامدون في مسائل الِّين كالجامدين في مسائل الدُّنيا لا يخلو حالهم من ضرر على المجتمع ولمّا رحلنا إلى الغرب في رحلتنا الثَّنية نبحث عن موادٍّ قديمةٍ وحديثةٍ لكتابنا خطط الشَّامالذي أخذناه منذ زمنٍ نعني بتأليفه اجتمعنا بالعلاّمة كويدي المستشرق الإيطالي فكان مما سألنا إياه فيما إذا كنّا نعرف اللغة الألمانيَّة فأسف كثيراً على هذا القصور وقال لنا لو

стр. 6451

كنتم تعرفون هذه اللغة كما تعرفون الإفرنسيَّة لسهل عليكم اقتباس المواد التي تحتاجونها إلى كتابكم وكشف حقائقٍ عن تاريخ عمران بلادكم. ثم انقلبنا بعد شهرين إلى بلاد المجر واجتمعنا بالعلاَّمة غولدصير المستشرق المجري وهو كالسّنيور كويدي من أئمة المشرقيَّات في الغرب المشار إليهم بالبنان فسألنا في خلال الحديث ونحن نسترشده لإيجاد موادًّ لكتابنا إذا كنّا نعرف الألمانية فقال لنا مثل مقال صاحبه الإيطالي وزاد تلهفنا كثيراً قوله أن معظم ما نريده في هذا الموضوع مكتوبٌ محضَّر بهذه اللغة لا يحتاج إلا إلى ترجمةٍ ونشرٍ ولا عجب أن أصبح اللسان الألماني مصدراً لنا في تاريخ أمّتنا ونحن أمّةٌ متأخِّرة في مضمار العلم فالألمان لكثرة الأخصّائيين في كلِّ شيءٍ عندهم أصبحوا حجّةً في العلوم والآداب في الغرب كلِّه ويكفي أن أهم كتب الطِّبِّ في اللغة الإنكليزيَّة منقولة عن مؤلفي الألمان وأهمُّ كتب الفلسفة عند لفرنسيس مترجمةٌ عن علماء ألمانيا وفلاسفتها وانَّ زهاء نصف ما نُشر باللغة العربيَّة من آداب قومنا وتاريخهم وعمرانهم ولسانهم نشره الألمان وعلَّقوا عليه الشُّروح والحواشي والتّحقيقات الممتعة والفهارس النَّافعة والباقي نشره الأمريكان والإنكليز ولفرنسيس والرّوس والطّليان والإسبان والسّويسريّون والنّمساويّون والمجريّون والهولنديون والسّويديّون وغيرهم من أمم الحضارة وكان علينا بعد أن انتشرت تجارة ألمانيا في العالم ونازعت التجارة الإنكليزيَّة الأميركيَّة وغيرها أن نسعى إلى أن نحذق هذا اللسان كما حذقنا الإفرنسيّة والإنكليزيّة حديثاً وحذقنا الإيطاليَّة قديماً وتعلَّم بعضنا الرّوسيّة واليونانيَّة وإلى اليوم لا يوجد سوى أفراد قلائل تحقّقوا بأجزاء هذه اللغة من رجال الجيش العثماني أو من سكان فلسطين وسورية ممن درسوا في مدارس القدس وحيفا ويافا وحلب وكلها معاهد في التعليم جديدةٌ نشأت وارتقت بعد استحكام صلات التقّرب بين ألمانيا والعثمانيّة وبعد إنشاء الخطِّ البغدادي ومسيس الحاجة إلى موظفين من أبناء هذه البلاد الألمانية كما يعرفون العربية والتركيّة. فقصّر الألمان وقصّرنا في نحن أيضاً في هذا السّبيل. ومن الأسباب التي قعدت حقيقة باللغة الألمانية عن الانتشار في هذه الديار أيضاً أن بروسيا كانت كألمانيا اليوم تحب أن ترقي بنفسها وجيرانها أولا والأقربون أولى بالمعروف وكانت من الدول الثانوية في الغرب فلما أصبحت ألمانيا بالوحدة الألمانية دولة كثيرة الحصا كبيرة

стр. 6452

الواقعة وغلبت فرنسا في حرب السبعين أخذت لغتها تنتشر في الغرب بطبيعة الحال. أما الآن فإذا كتب النصر الأخير للألمان على خصومهم تصبح لغتهم أو تكاد عامة بين الأمم كما أصبحت اللغة الإفرنسية من قبل وانتشرت بالقوى التي بذلها لويز الرابع ونابليون. جاء في تاريخ جودت أن المعارف ألفرنساوية انتشرت بكثرة على عهد لويز الرابع عشر حتى حصل للأمم جمعاء آنسة بها وانتشرت آداب لفرنسيس في كل أمة وأصبح هذا الملك يتدخل في شؤون الممالك الأوروبية فعم تعليم اللسان ألفرنساوي منذ ذاك العهد وأصبحت الأمور السياسية تكتب بالافرنسية. وذكر أيضاً أن معاهدة قينارجة بين العثمانيين والروسيين كتبت من جهتنا بالتركية والإيطالية ومن جهة روسيا بالروسية والإيطالية وفي ذلك دليل اللغة الإيطالية كانت إلى ذاك الوقت معتمداً علها أكثر من الإفرنسية في الغرب. وذكر سنيوبوس أن الآداب الفرنسوية انتشرت في القرن الرابع عشر حتى عمت الغرب وأصبح اللسان ألفرنساوي لغة جميع المجتمعات الراقية بل اللسان الرسمي (١) هي قصبة صغيرة على ٧. كيلوامتراً من جنوب سلسترة في بلغاريا اشتهرت بأنها كانت محل عقد المعاهدة بين العثمانية وروسيا على عهد عبد الحميد الأول وكاترينا الثّانية سنة ١٧٧٤م (٢) تاريخ الحضارة لشارل سنيوبوس يتخاطب به رجال السياسة في الحكومات وبه ينشؤون المعاهدات وأصبح من المألوف في كل مكان تعليم أبناء الأسر الشريفة اللغة ألفرنسية وأن تمثل القصص ألفرنسية ويتحدث الناس ي القاعات باللسان ألفرنسي وبالغ الألمان في هذا السبيل كثيراً حتى أن الأمراء ورجال البلاط الملوكي أمسوا لا يعرفون حتى اللغة الألمانية وينظرون إلى هذه اللهجة بأّنها تصلح للقرويّين والعملة وألف ملك بروسيا كتبه باللغة ألفرنسية وأخذت ماري تيريز تراسل وزراءها بالافرنسية واقترح المجمع العلمي في برلين أواخر القرن الثامن عشر أن يكون موضوع المسابقة في بيان شرف اللغة ألفرنسية. والغالب أن اللغة ألفرنسية لم تحرز كل هذا القبول في قلوب الأمم لمزية فيها ليست لغيرها بل لأن السياسة قضت بانتشارها ولأن أهلها توفروا على نشرها بأن نشأ لهم أدباء وفلاسفة

стр. 6453

وعلماء استفاضت بن العالمين شهرتهم واللغات في الدول تابعة في النباهة والخمول لحالة الدولة التي تحمي حماها وإلا فليست الإيطالية مثلاً دون الإفرنسية بجمالها ورنتها بل ربما كانت أسهل منها ومع هذا نازعتها الإفرنسية من عهد لويز الرابع عشر الذي طالت أيامه واشتهرت بكثرة نوابغها في الشعر والأدب والنقد الأخلاقي والفلسفة والتاريخ والفنون. قالت مدام دي ستايل في كتابها (ألمانيا) الذي ألفته في سنة ١٨١. منذ عهد لويز الرابع عشر أخذت جميع المجتمعات الجميلة في القارة الأوروبية تحصر وكدها في تقليد ألفرنساويين ما عدا الإسبانيين وإيطاليا وقد اعتقد القوم في فينّا (وكانت إذ ذاك مهد الألمانية) وأفرطوا في اعتقادهم أن من إمارة الظرف أن لا يتكلم المرء بغير الإفرنسية على حين ليس المجد ولا الظرف في كل بلد إلا عبارة عن ألفكر الوطني والصفات الوطنية وقد أُدهش الفرنسويون أوروبا ولا سينا ألمانيا ببراعتهم في الرقائق والأضاحيك ولقد كان البولونيون والروسيون وهم بهجة المجتمع في فينّا لا يتكلمون بغير اللغة ألفرنسية ويحاولون أن يبعدوا عن تلك العاصمة روح الألمانية. وللبولونات أساليب تأخذ بمجامع القلوب في مزجهم التصورات الشرقية إلى مرونة ألفكر ألفرنساوي وحدته - انتهى المقصود منه. قلنا وقد كان للروس غرام لارنسية بدأ ذلك على عهد بطرس الأكبر مصلح روسيا الحديثة وواضع أساس نهضتها الذي خبع رقبة القديم ولغتها المدنية الغربية بدون قيد ولا شر وكان في روسيا من حيث حب التجدد كالسلطان سليم الثالث العثماني ولكن المحيط ساعد الأول أكثر من هذا الثاني فقبل المدنية الهولندية والمدنية الفرنسوية وأسس الكليات وأسس الكليات العظمى ونظم الأساطيل ودرب الجيوش ومن عهده شاعت الإفرنسية بين طبقات الشعب الراقية وكادت تكون لغة التخاطب في القصور والمجامع العامة وعمت قواعد البلاد الروسية ولا يزال إثر ذلك ظاهراً للعيان في مملكة القياصرة حتى اليوم. وكل دروب الغرب تعني بتعليم اللغة ألفرنسية عناية فائقة في كلياتها وجامعاتها بل في مدارسها الوسطى وقل في خاصة الأم الأوروبية والأمريكية من لم يحأول أن يتكلم بها الباريزي نفسه لمسيس حاجته إليها في العلم والسياسة والتجارة والصناعات بحيث

стр. 6454

أصبحت على طول الزمن عامة حقيقة ولها شيء من المرونة واللّطف وهذا على ما تظن ماحدا بعلماء هذه اللغة وأهل الأدب منها أن يتوفّروا على تحسينها وترويجها الكتب المنوّعة والمجلات وجميع أساليب النّشر. أمّا في هذا الشّرق الأقرب ونعني به البلاد العثمانيّة والمصرية والإيرانية فقد انتشرت في أواخر القرن الثّامن عشر وزاد انتشارها أكثر بعد عهد نابليون بونابرت فإنّ الحكومة العثمانية بعثت بعثات علمية كثيرة إلى مدارس فرنسا يتعلمون فيها العلوم ويتخرّجون في هذه اللغة وكذلك محمد علي الكبير فإنّه اقتصر في إرسال التّلامذة إلى مدارس فرنسا ليعودوا منها فينظّموا شؤون بلاده على أحدث الطّرق الغربية وكان مستشاروه جماعة من أكابر علماء فرنسا وهم الذين اكتشفوا الآثار المصرية باكتشاف الخطّ الهيروغليفي وأنشأوا المتاحف والحدائق العامة والقناطر والسّدود وأقاموا عمران مصر الحديثة وكان منهم جماعة نابليون ومنهم الذين جاؤوها بعد وبواسطة المدارس والبعثات التي أسسها محمد علي انتشرت اللغة ألفرنسية في وادي النيل. وكلما كانت المطامع السياسية في هذه البلاد تزداد كانت المدارس تشاد وتنفق عليها فرنسا عن سعة. قال صاحب كتاب المسألة الشرقية لما صح العزم على تخريج طبقة من الناس في المملكة العثمانية يتولون أعمالها ويستلمون زعامتها بدون أن يكون لتعاليم الدينية تأثير فيهم أنشأت الحكومة العثمانية في الأستانة تحت حماية كلٍّ من فؤاد باشا ناظر الخارجية وسفير فرنسا إذ ذاك بحسب الخطّة التي رسمها فيكتور دروي (وزير المعارف في فرنسا) مدرسة غلطة سراي وهي مدرسة وسطى فتحت أبوابها لقبول الرعايا العثمانيين وأدار شؤونها أساتذة أوروبّيّون يعلِّمون باللغة الإفرنسيّة وكان ذلك رمزاً لعمل فرنسا الحريصة على تعليم الشّعوب الشّرقيّة بلغتها مبادئ المدنيّة الغربيّة فافتتحت هذه المدرسة يوم١أيلول ١٨٦٨م واشتدَّ الاعتراض على هذا العمل وثارت خصّيصاً ثورة المتعصّبين الجامدين وأنشأ الرّوسيّون يهزؤون من هذا البابل في اختلاط الألسنة في هذه المدرسة وبلغ تلامذتها في السّنة القابلة ستمائة تلميذاً وكان ذلك أسعد دورٍ في التّنظيمات الخيريّة. وقال رينيه بينون يعجب السّائح ألفرنساوي ويداخله السّرور عندما يدخل الشّرق إذ يسمع حيثما ينقلب نغمة لغته يرنُّ صداها ويجد حتّى في صميم بلاد آسيا الصّغرى مدارس

стр. 6455

فرنساويّة غاصّة بالأطفال من جميع العناصر والأديان يتعلّمون تهجئة حروف لغتنا ويستعدّون لمعرفة بلادنا تحت إدارة راهبةٍ أو أختٍ فرنساويّة صالحة يختلف أكثر من مئة ألف تلميذٍ إلى المدارس التي معظمها لرهبانٍ خصَّتها الحكومة ألفرنساويَّة بشيءٍ من المال مسانهةً أو حمتها حمايةً فقط ويزيد عدد هذه المدارس سنةً بعد أخرى وهؤلاء الأطفال ينبثون في أطراف المملكة وفي البيوت التّجاريّة والسّكك الحديديّة والمصارف يحسنون سمعة فرنسا وينشرون لغتها وآدابها ومدنيّتها. قال ومن كلّيّة بيروت الزّاهرة التّي يديرها الآباء اليسوعيون والّتي كتب في حقّها غوستاف لوردميه أنّ ليس في فرنسا مدينة كبرى تكون معاهد تعليمها العالي أكثر استعداداً من كلّيّة بيروت حتّى تصل إلى المدارس الحقيرة في المدن الصّغرى في أرمينية ومكدونية تجد أخوات القدّيس منصور يوزّعن بدون نظر إلى مذهب وقوميّة قليلاً من المعلومات ويقمن بالإسعافات الطّبية ويعملن كثيراً من الإحسان. قلنا وهذا سرّ حماية فرنسا لرجال الدّين في الشّرق يطردونهم من بلادهم ويحمونها في غيرها لأنهم هنا يتوفّرون على نشر لسانهم ومناحيهم وما تخال يرجع ذلك لهم بعد الحرب بعد أن نزعت منهم امتيازات الأجانب وشعرت الأمة العثمانية بالحاجة إلى تعليم وطنيّ تكون صيغته حبّ البلاد ومعرفة ما ينعشها. ثم غمرت فرنسا (المقتبس م ٧ ص ١٦٢) بلادنا بالمعاهد الخيريّة والتهذيبية بهمة جمعية أخوة المدارس المسيحية وجمعية راهبات المحبة وكان مبشّروها ينزلون ربوع سوريا بالرغم مما قام في سبيلها من المصاعب وكانت فرنسا أبلغت مخصصاتها لمدارس مخصصاتها لمدارس سوريا وفلسطين إلى زهاء مليوني فرنك منها ٤٥. . . . لمدارس الرهبنات و٣٨٣. . . للمدارس المدنية و٤٥. . . لمدارس مختلفة ١٢٢. . . للمعاهد الطبية هذا هو الظاهر في ميزانيتها عن سنة ١٩١١م وهناك جمعيات تعمل على نشر التربية ألفرنساوية مثل جمعية أعمال مدارس الشرق التي أسست عام ١٨٥٦م وجمعت اموالاً طائلة وزعتها على المعاهد الخيرية ومدارس الرهبنات في الشرق تبلغ قيمتها ٣. . . . . فرنك ومثل مدارس الاتحاد الإسرائيلي ومثل مدارس الجمعية العلمانية وكلما كانت فرنسا ترى ألمانيا وإيطاليا وإنكلترا وأميركا تعنى بفتح المدارس في هذه الربوع كانت فرنسا تزيد المال المبذول في هذا السبيل وتنوّع الأساليب لبلوغ الغاية.

стр. 6456

ونمت في السنين الأخيرة أعمال ألمانيا نموّاً غريباً إذ أسست كثيراً من المدارس الابتدائية وعدّة مدارس عالية ومدرسة إكليريكية في القدس وغيرها من صناعية ومستشفيات معتمدة في كلّ ذلك على الجمعيات الكاثوليكية الإنجيلية الألمانية وعلى اللجان الجنسية التي تستمد قوتها من الاتحاد النمساوي العام وقد فتحت في ميزانيتها اعتماد قدره ٨٥. ألف مارك ينفق على معاهدها في سوريا وفلسطين. هذا إلى المدارس التي أنشئت منذ القديم في بيروت وحيفا ثم في حلب والأستانة وجميع ما تقدّم من منافسة الألمانية للإفرنسية قليل جداً لأننا لم نسمع برجل منّا نبغ حتى الآن في اللغة الجرمانية ويرى النابغين في ألفرنسية أكثر من أن يعدوا في قواعد البلاد مثل مصر والإسكندرية والأستانة وأزمير وسلانيك وبيروت حتى أن بعض الأُسرة تركت لفتها الأصلية وأصبحت تتخاطب وتتكاتب باللغة الافرنسية وكثيرا ما يشمئز الوطني وهو لا يسمع غير نغمة هذه اللغة ويرى المرزين فيها أكثر من لغتهم ومن كل لغة مما عمت به البلوى لا يقل المتكلمون باللغة الألمانية اليوم عن مئة مليون وهذا العدد هو ضعفا المتكلمون بالافرنسية ولكن عدد الذين تعلموا الافرنسية من غير ألفرنساويين يربو كثيرا عن عدد من تعلموا من ير الألمانيين واللغة الألمانية هي لغة يعرفها الخاصة في المجر وروسيا وايطاليا وفرنسا وانكلترا والبلجيك وهولاندة والدانمرك والسويد منورج وأمريكا وتعلم لغةٍ غير اللغة الوطنيّة في أكثر هذه الممالك إجباري في المدارس وأكثر اللغات رواجاً اللغة الإفرنسيّة في غير البلاد ألفرنساويّة واللغتان الإنكليزيّة والألمانيّة في غير بريطانيا وجرمانيا كانت اللغة الإيطالية رائجةً كثيراً في مصر والشّام في القرن الثّامن عشر فنازعتها اللغة الإفرنسيّة في القرن التّاسع عشر حتّى قلَّ عدد العارفين بها فهل تصبح اللغة الألمانيّة في هذه الدِّيار في القرن العشرين لغة العلم والتّجارة والسّياسة يا ترى ويكثر العارفون بها على مستوى العارفين باللغة الإنكليزيّة على الأقل أم تظلُّ للإفرنسيّة تلك الرّغبة وتحافظ بعد الحرب على تلك الشُّهرة؟ سؤالٌ ليس غير الأيّام كفيلةٌ بالجواب عنه.

стр. 6457

جرمانيا الكبرى يدعو الدّعاة الآن إل ضمِّ شمل ممالك أوروبا الوسطى تحت لواءٍ واحدٍ تكون برلين العاملة الوحيدة فيها على نحو ما ضمّت بروسيا إليها شمل الحكومات الألمانيّة منذ ستّ وأربعين سنة. فتنشأ الآن مملكة جرمانيَّة كبرى كما نشأت مملكة ألمانيا الكبرى وبذلك يستحيل على سائر دول أوروبا أن تنال منالاً من هذه المملكة الضخمة التي تصدر عن رأيٍ واحدٍ مركزه برلين وقادته رجال الألمان وتكون حدود هذه المملكة الجديدة من نهر المارن إلى التّخوم الجنوبيّة من بولونيا ومن همبورغ إلى الأستانة وما وراءها إلى الشّرق وقد كتبت مجلّة المجر في هذا الشّأن فصلاً قالت فيه أن تباور الممالك الوسطى حول الأصل الجرماني قد بدأ وإذا كان خصومنا من الدّول قد شهروا علينا الحرب ليقضوا القضاء الأخير على تغالي ألمانيا في جنديّتها وميل جرمانيا إلى ابتلاع كلّ من يخالفها فهل يستطيعون أن يحولوا دون تأليف أوروبا المركزيّة الجرمانية؟ أيستطيعون أن يمنعوا هذا بالقوّة - قوة الجيوش والأساطيل والمجالس الحربيّة والخُطَب والشّكايات؟ فإذا كانت النّتائج السّلبيّة التي نالها خصومنا منذ سنتين لم تكفِ لإنارة فكرهم في هذا الشّأن فإن إلقاء نظرةٍ على الماضي تكفي لأن تزعزع ثقتهم. وذلك لأن حرب السّبع السّنين مثلاً قد هيّأت أسبابها وعقدت المحالفة الكبرى من النمسا وروسيا وفرنسا والسّويد لتلك الغاية نفسها وهي نزع ما امتلكه بروسيا من الأملاك الجديدة وتصغيرها بحيث تكون أمارة صغيرة ووضع حدّ لإفراطها بالتّجنيد مما كان يقلق أعداء فريدريك الثّاني كما يقلق له اليوم أعداء غليوم الثاني. ماذا نشأ من ذلك؟ نشأ منه أنّ سيلزيا لم تنفصل فقط عن روسيا بل إنّ هذه خرجت أكبر وأقوى مما كانت مع أنها حاربت أوروبا تقريباً. نعم أثّرت في بروسيا تلك الحرب كما أثرت في خصومها ولكنها خرجت منها وقد جعلت لها مركزاً بين الدّول العظمى فجذب جاذب القوة حول أعلامها الشّروب التي هي من عنصر ألماني فأصبحت برلين منافسةً لفيينا في التّفوق في ألمانيا وانحلّت مسألة هذا الامتزاج الألماني حلاًّ قطعيَّاً لا في موقعةكونيكراتزبل فيسيدانوحاول نابليون الثّالث أن تنعقد أواخي الوحدة الألمانيّة في وكانت إمارات ألمانيا متخالفة بينها على أمور تافهة وبعمله سارعت إلى تناسي اختلافاتها فدفع الألمان الخطر أولاً ثم الحماسة والمجد الباهر الذي أحرزوه بانتصاراتهم إذ ذاك إلى تنبيه

стр. 6458

عواطف لم يكونوا يعرفونها من قبل ونعني بها عواطف التّضامن العنصري وستكون الحال كذلك اليوم فإن أعدائنا يعزون ألفضل في نجاحنا إلى ألفكر العسكري الشّديد وإلى روح الجنديّة الوحشيّة المنبعثة من التّوتونيين أي الجرمانيين فيرون في ذلك الخطر على حرّيّة الشّعوب وسعادة العالم وحقوق الإنسان ولكن بلغ بهم الضّعف في التَّقدير وقلّة المنطق في السّرد أنهم يريدون أن يحاربوا هذا الشّرّ بشرٍّ مثله كبعث روح الجنديّة في كلِّ شيء وذلك بتحدّي ألمانيا واحتذاء مثالها وإن كان على شيءٍ من الضّعف وكيف ما كانت الحال فإنَّخلافة برلينكما سمّاها وزير خارجيّة روسيا أو هذا الإتّحاد بين الممالك الوسطى آخذٌ بالتّأليف وبرلين مقرّه لأن لهذه من قوتها وغناها ما تصبح به أقوى مما كانت في حرب السّبع السّنين وأقوى مما كانت في حرب السّبعين وأعشم مما كانت بمحالفتها مع النّمسا والمجر بفضل بيسمرك وأندرلسي وأكثر استمساكاً وبقاءً من التضامن الوقتيّ بين الشّعوب المتحالفة على الحرب الآن. لا جرم أنّ وحدة المصالح التّجارية والاقتصادية وضرورة الدّفاع عن الحوزة ستؤدي بالطبيعة إلى التوفيق بين قوانين كلِّ مملكةٍ من هذه الممالك فنصبح عمّا قريب متَّحدين اتّحاداً سياسيا يشبه اتّحاد الولايات المتحدة الأميركيّة التي تحكمها إرادة واحدة. هذه لمحة من مسألة اتّحاد دول أوروبا المركزيّة ومنه يستدلُّ جليَّاً أنّ ألمانيا أيقنت على ما أحرزته من الغلبة في هذه الحرب أنّ لا مناص من أن تقوي نفسها وحلفاءها للمستقبل وأن برلين كما قالت المجلة المجرية ترقّت من كونها عاصمة التحالف الثلاثي إلى كونها عاصمة تحالف ممالك أوروبا الوسطى بأجمعها ولكن لم يجر للدول العلية ذكر صريح في هذا ألفصل هل تدخل في جملة التحالف الجرماني هي وبلغاريا أيضاً أم لا؟ ونظن أن هناك بعض عقبات تحول بيننا وبين الدخول في هذه المعاهد إلا على حد محدود كما هي محالفتنا اليوم مع ألمانيا والنمسا والمجر. ومن جملة الأسباب التي تحول دون دخولنا بحسب ما نرى في اتحاد أوروبا الوسطى ما أوردت المجلة المجرية من الأسباب التي تربأ ببلاد المجر عن الدخول في هذه الوحدة قالت: ألمانيا عرفت مبلغ المجر من حسن البلا. وما امتازوا به من الصفات العالية وكانت لا تعرف منها إلا ذرواً قليلاً وليس في برلين من يريد أن يعبث باستقرار هنغاريا ولا بأوضاعها الوطنية ولولا ذلك لا يوجد في المجر

стр. 6459

إنسان يودّ الاقتراب من المملكة الجرمانية. إننا نحرص على لغتنا وأخلاقنا ودستورنا الوطني أكثر حرصنا على كل مغنم سياسي أو اقتصادي ونعلم أن هنغاريا لاى تتمكن من القيام بمهمّتها التّاريخية أي أن تكون واسطة بين الغرب والشّرق الآن تكون سوراً قوياً لأوروبا إلا إذا احتفظت بأخلاقها الوطنية المجرية وبحريتها السياسية وآدابها المستقلة. ومصلحة ألمانيا لا تنافي بتاتاً استقلال الأمة المجرية وعلى العكس فإن حلفاءها يعترفون بمشروعية هذه الأميال وكلما عرفوا أخلاق عنصرنا والأحوال الخاصة التي عيّنت لنا خطّتنا السياسية يفهمون مرامينا أكثر. وبعد أن تساءلت تلك الصحيفة عن كيفية تكوين هذا الاتحاد الجديد وقالت أن عدد العنصر الجرماني في اتحاد ممالك أوروبا الوسطى يزيد على سبعة أو ثمانية أضعاف العنصر المجري فيُخشى حينئذٍ من أن يمتزج المجر بطول الزمن بالعنصر الجرماني ويندمج فيه كما يندمج كل عنصرٍ أجنبيٍ في الولايات المتحدة الأميركية بالعنصر الإنكليزي السكسوني قالت عبثاً يقول الألمان أنهم لا يريدون أن يُكرهونا على تعلّم لغتهم ولا آدابهم ولا طرق تفكيرهم ولا طرز حياتهم العقلية والأدبية بقطع النظر عن التمثيل ببولونيا فإن هنغاريا تتجرمن بطبيعة الحال وتندمج في الأكثرية فتفقد جزءاً من أخلاقها القومية وأنه خيرٌ للشعوب الصغيرة أن تظل على استقلالها وإن أورثتها الحرب ضعفاً فتخرج رافعةً رأسها وتتنافس الدّول الكبرى أن تكون تبَعاً تخسر نفسها ومقوّماتها ومشخّصاتها هذا ما تحاذر منه الصّحيفة المجريّة تحاذر أن يندمج المجريّون في غيرهم ويفقدوا مشخصاتهم وقوميتهم والعنصر المجري في مملكة النمسا والمجر هم أقل من العنصر الجرماني ومن العنصر السلافي ومعلوم أن إمبراطورية النمسا والمجر مزيج من عناصر مختلفة طبائعها محتفظة بلغاتها ومشخصاتها لم يثبت الأعضاء أن عنصراً ربح من العنصر الآخر كثيراً في هذا الشأن بل هم في هذا الشأن بل هم في هذا المزيج كالفسيفساء البديعة في رقعة شطرنج فالألمان في غربي المملكة وشمالها الغربي والسلافيون في الشمال والشمال الشرقي والجنوب الغربي والمجر في الشرق وإلى جانب السلافيين في بوهيميا ومورافيا وسيلزيا تجد التشك وسلافيو غاليسيا والبورونيون والروتينيون وتجد السولفايين في شمالي البحر والسولفيين في كارنتيا وفي صقع آخر الخرواتيين أو الصربيين كما تجد

стр. 6460

الطليان في ترانتين وفريول وايستيريا والرومانيين في ترانسلفانيا وبوكوفينا. لا جرم أن سكان هذه المملكة النمساوية المجرية إذا تم تأليف الإتحاد الجرماني يندمجون مع الزمن على اختلاف أجناسهم في سكان ألمانيا الذين يجمعهم لسان واحد وعنصر واحد وتربية واحدة ومن العادة أن يتمثل الصغير في الكبير كما يبتلع الكبير الصغير ومهما حاولت بولونيا وهنغاريا والدانيمرك وهولاندة أن تحتفظ بلغتها وقوميتهافإن مدينة جرمانيا التي تفيض على الأطراف تتناول كل ما يقف يقف أمامها وتضمه إليها بالطبيعة والسيل يجرف ما في المنحدرات أمامه كما أنه حرب المكان العالي هذا الاندماج أمرٌ طبيعي في الأمم يتمّ في أجيال ولكن الإكثار من خشيته واتخاذ الأساليب غير المشروعة من تعليم وتربية مضرّ في الأمم المؤلّفة من شعوب وقبائل وأجناس. قال بلوك: إن من الناس من يتجرون باسم الوطنية والقومية كما أن منهم من يتجر باسم الدين. ومنم يتجرون بنغمة القومية في مملكة ضخمة وقوميتهم عبارة عن خمسين أو مئة ألف عائلة لا تستطيع أن تؤلّف على حدتها حكومة خاصة يضرون بالإنسانية لأن من مصلحة المجتمع أن تقوم فيه مراكز كبرى تنبعث منها أنوار المدنية وأصحاب هذه القومية بلغتهم التي لايفهمها غيرهم وتغاليهم بالتماهي بها لا يكون لهم مدنية خاصة ويبقون على اعتزالهم مؤلّفين من حثالات ورغبتهم في أن يكونوا مجتمعاً منفرداً عن غيره يضعف المجتمع الكبير الذي تضمّهم جامعته ولا يتيسّر لهم بحال وينطفئ نورهم المضيء ونارهم التي تقدف بالحرارة ومن يستحسنون عمل من يذهب هذا المذهب في استقلالهم بقوميّتهم هم أعداء البلاد في الدّاخل والخارج وأبناء الوطن الواحد إذاشجر بينهم مثل هذه الدعوة تجرّ عليهم شرّاً أكثر من الخير مثال ذلك. ببلاد النمسا والمجر المنقسمة إلى قسمين غير متساويين فأقل من نصف النمسا يتكلم بالألمانية ومنهم أهل لغة التشيك ومشقات اللغة البولونيّة والروتينيّة والسولفانيّة والصّربيّة أو الخرواتيّة والإيطالية والرّومانيّة والنّصف الآخر بلاد المجر نحو ثلثها يتكلّمون بالمجريّة والباقون بالرومانيّة والألمانية والأسكلافونيّة والصّربيّة والروتينية وغيرها من اللغات ففي بلاد النّمسا والمجر نشأت من مسألة الوطنيّة مشاكل للحكومة فعبث ذلك بنجاحها السياسي والأدبي والمادّي ونفوذها السياسي قال: أما في سويسرا فليس في

стр. 6461

مسألة اللغات ما يهدد كيان كيان هذه الجمهوريّة. وسويسرا أحسن مثالٍ للشّعوب المختلفة بلغتها تعيش في بلد واحد حول جبال واحدة بحيراتٍ واحدة تتكلم الأكثرية فيها الألمانية والألمان ثلاث أرباعها والربع الآخر يتكلّم الإفرنسيّة والإيطالية والرومانشية وغيرها من اللغات والبلجيك تشبه سويسرا من بعض الوجوه نصف أهلها يتكلمون بالإفرنسية والآخر بالفلامندية ومنهم من يتكلم بهاتين اللغتين معاً وغيرهم يتكلم بالألمانية وغيرها من اللغات قال: وأما بقية بلاد أوربة ما عدا الدولة العثمانية وفرنسا وألمانية والدانيماركأسلاندة والسويد والنويج لايون فليس فيها سوى شعوب قليلة تتكلم لغة خاصة بها وقد كان من الحوادث المعلومة أن أنقذت البلاد العثمانية من عدة قوميات غريبة عن العنصر الحاكميعني بذلك البلغار والصرب واليونان والرومان وليس في هذا الباب إحصاء يعتمد عليه. لا جرم أن حبّ الإنسان للغته غريزية في البشر ويزداد شعوراً بذلك وتفانياً فيه كلما تقدّم خطوات في طريق الحضارة. ومن كتبت له الرحلة إلى بلاد النمسا والمجر وبلاد سويسرا وبلاد البلجيك وغيرها من البلاد المختلفة السكّان يشهد غرائب من ذلك قال صاحب كتاب بلجيكا الحديثة: لقد صُرفت العناية بعد سنة١٨٣. لفرنساألفلاندر (من أقاليم البلجيك) فشقّت عصا الطاعة وعصت على كلّ ما أريدت عليه وظلّ تركيبها العقلي ثابتاً كصفاتها التشريحية ولم يطرأ أدنى تبدّلٍ على أفكارها وتقاليدها وشعورها وطرقها في التفكير والتقدير وما اللغة إلا عنوانٌ لأمّة وما من أمةٍ بدون لغةٍ ولهذا ينهض سكان فنلاندة لدفع الغارات عن أمّتهم وكذلك أهل بولونيا والنمسا والمجر وسويسرا وإسبانيا وغيرهم في كل صقعٍ ونادٍ. ويجب الإعتراف بأنّ الوطنيين الفلامنديين يصدرون عن صوابٍ في رأيهم إذا رأوا لغتهم القوة الموجدة التي وحدها يمكن أن تؤثّر فيهم وذكر المؤلِّف أيضاً أن دعاة الاتحاد الجرماني عفوا اثر حدود مملكة ألمانيا بل تخطّوها إلى غيرها فنُشرت بطاقات بريد مصوِّرةً ممالك أوروبا سنة ١٩٥. م وقد توارث منهم البلجيك وهولندا والدانيمارك والنمسا وقسم من روسيا ورومانيا قد اندمجت في الأمة الجرمانية. ويرى اليوم دعاة الجرمنيَّة أكثر من نصف بلجيكا ألمانيا بلسانه وأنَّ لهجة هولندا وليموج المستعملة في عدَّة ولايات من تلك البلاد ليست إلا ألمانيّة محرّفة دجة في شمالي ألمانيا

стр. 6462

فالحدود الألمانيّة قد ألقت بخمسة ملايين من البشر في هولندا وجوارها وثلاثة ملايين ونصف في بلجيكا وتوسَّع بعضهم فقال أنّ فلاندرا الشّرقيّة والغربيّة هما أيضاً ألمانيّتان جنساً. كما أنّ هولندا شمالي فرنسا هما أيضاً من هذا الطّراز. هذا ما قاله المؤلِّف قبل الحرب بأعوامٍ قليلةٍ أما الآن وقد افتتحت ألمانيا بالسّيف بلاد البلجيك وبضع ولايات في شمالي فرنسا فماذا يكون مصيرها منالجَرْمَنَةلا ريب أنّ ألفاتح يهوى نشر لغته ولايكلِّفه ذلك إلا صدور الأمر ومرور الزّمن وبذلك تتحقق أماني دعاة الجرمنة فتكبر رقعة مملكة جرمانيا المتحدة ولا يمضي على سكّانها جيلٌ أو جيلان إلا وتصبح كلُّها ألمانيّة المنحى والمنزع. وربما دعت حالة أوروبا وأميركا إلى تأليف الأمم بحسب العناصر فيكون العنصر الجرماني أو الاتحاد الجرماني شقَّاً والعنصر السّلافي شقّاً آخر وكلاً من العنصر اللاتيني والعنصر الإنكليزي والسّكسوني شقّاً كما يكون الجنس الأصفر في الشّرق الأقصى برأسه فسبحان مفرّق اللغات واللهجات وملوِّن الصّور والسِّحنات

стр. 6463

الخطابة عند العرب الخطابة ملكة كسبية وفطرية الخطابة كالكتابة وقرض الشِّعر ملكةٌ فطريّة وملكةٌ كسبيّة إذا صاحبت فيها الكسبيّة ألفطريّة جاء من الخطيب كلُّ قولٍ عجيب، وقد كان دمرستينوس وهو أخطَب خطيبٍ عند اليونان. كما أنّ شيشرون أخطب خطيبٍ عند الرومان - خطب في الجمهور أول مرةٍ ولم يحسن الإلقاء لأنه كان ألثغ مثل واصل بن عطاء شيخ المعتزلة وكان ضعيف الصّوت فحاول إصلاح ذلك وتمكّن منه بوضع حصاةٍ في فمه وإنشاد آياتٍ وهو يركض على شاطئ البحر ويرتقي الرّوابي والآكام قال الجاحظ: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب كاتب زهير مولى بجيلة وكان شاعراً راويةً وطلاّبة علمٍ علامة قال: سمعت أبا داوودٍ ابن جرير يقول وقد جرى شيءٌ منذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه وصعوبة ذلك المقام وأهواله فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل البادية بغض، والنظر في عيون الناس غيٌّّ، ومس اللحية هلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب، وقال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ، والمحبة مقرونةٌ بقلّة الإستكراه وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلاً عن مقدار علمه كما أكره أن يكون مقار علمه فاضلاً على مقدار عقله، قال أبو عثمان الجاحظ: هذا الكلام شريفٌ نافعٌ، فاحفظوا لفظه وتدبّروا معناه، ثمّ اعلموا أنّ المعنى الحقير ألفاسد، والدنيء السّاقط، يعشش في القلوب، ثم يبيض ثم يفرخ فإذا ضرب يجرانه، ومكن بعروقه، استفحل ألفساد وبزل، وتمكّن الجهل وفرخ، فعند ذلك يقو داؤه، ويمتنع دواؤه، ولأنّ اللفظ الهجين لرديء، والمستكره الغبي، أعلق باللسان، وآنف المسمع، وأشدّ التحاماً بالقلب، من الللفظ النّبيه الشّريف، والمعنى الرفيع الكريم، ولو جالست الجهّال والنوكى، والسخفاء والحمقى، شهراً فقط لم تنقذ من أوضار كلامهم، وخيال معانيهم، بمجالسة أهل البيان والعقل دهراً، ولأنّ ألفساد أسرع إلى النّاس، وأشدّ التحاماً بالطبع واللسان، بالتّعلّم والتّكلّم، وبطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكمة، يجرّد لفظه،

стр. 6464

ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التّعلّم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخيّر قال معاوية بن أبي سفيان لصحار بن عياش العبدي ما هذه البلاغة التي فيكم قال: سيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا فقال له رجلٌ من عرض القوم يا أمير المؤمنين هؤلاء باليسر والرطب، أبصر منهم بالخطب، فقال صحار: أجل والله لنعلم انّ الريح لتنقحه، وأن البرد ليعقده، وأنّ القمر ليصبغه، وأنّ الحرَّ لينضجه. قال أبو عثمان: قال صاحب البلاغة والخطابة، وأهل البيان وحبّ التبيين إنما عاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلّم المتنادقين والثرثارين والذي يتخلل بلسانه، كما تتخلل الباقرة بلسانها، والأعرابي المتشادق، هو الذي يصنع بفكّيه وشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباه أل الدّرّ فمن تكلّف ذلك منهم فهو أعيب والذّم له ألزم وقد كان الرّجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدّة أمثالٍ سائرة، ولم يكن الناس جميعاً يتمثّلون بها إلا لما فيها من المرافق والإنتفاع، ومدار العلم على الشّهد والمثل وإنما حثّوا على الصّمت لأنّ العامّة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. ومعنى الصامت في صمته، أخفى من معنى القائل في قوله، وألا فالسكوت عن قول الحقّ، في معنى النّطق بالباطل ولعمري أنّ النّاس إلى الكلام لأسرع، لأنّ في أصل التركيب أنّ الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول، وليس الصّمت كلّه أفضل من الكلام كلّه، ولا الكلام كلّه أفضل من السكوت كلّه، بل قد علّمنا أنذ عامّة الكلام، أفضل من عامّة السكوت، وقد قال الله : (سمّاعون للكذب آكلون للسّحت فجعل سمعه وكذبه سواءً) وقال الشاعر: بني عديّ ألا ينهى سفيهكم ... أنّ السّفيه إذا لم ينهَ مأمور وقال آخر: فإن أنا لم آمر ولم أنهَ عنكما ... ضحكت له حتى يلج ويستشري وكيف يكون الصّمت أنفع، والإيثار له أفضل ونفعه لا يكاد يجاوز رأس صاحبه، ونفع الكلام يعمّ ويخصُّ، والرواة لم يرووا سكوت الصّامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام أرسل الله أنبيائه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة

стр. 6465

كثيرة، وطول الصّمت يفسد البيان. وقال ابو بكر بن عبد الله المرني: طول الصّمت حبسةٌ كما قال عمر: ترك الحركة عقلة. وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره وتبدّلت نفسه، وفسد حسّه، وكانوا يروّون صبيانهم الإرجاز، ويعلّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصّوت، وتحقيق الإعراب، لأنّ ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الحرح (الصوت)، واللسان إذا أكثرت تحريكه رقّ ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسا وغلظ، وقال عبابة الجعفي: لولا الدربة وسوء العادة، لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضاً، وأية جارحةٍ منعتها الحركة ولم تمرنها على الأعمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك المنع نصائح لمن يتطال للخطابة مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب وهو يعلّم فتيانهم الخطابة فوقف بشر فظنّإبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أوليكون رجلاً من النظارة فقال بشر: اضربوا عمّا قال صفحاً، واطووا عنه كشحاً، ثم دفع إليهم صحيفةً من تحبيره وتنميقه وكان أول ذلك الكلام: خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإنّ قليل تلك الساعة أكرم جوهراً وأشرف حسباً، وأحسن في الإسماع، وأحلى في الصّدر، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين، وعزّةٌ من لفظٍ شريفٍ ومعنىً بديع، واعلم أنّ ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطاولة والمجاهدة، وبالتّكلّف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولاً قصداً، وخفيفاً على اللسان سهلاً وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه، وإياك والتوعر فإنّ التوعر يسلّمك إلى التّعقيد والتّعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراع معنىً كريماً فليلتمس له ال٥فظاً كريماً، فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجّنهما وعما تعود من أجله إلى أن يكون أسوأ حالاً منك قبل أن تلتمس إظهارهما وترتهن نفسك بملابسهما وقضاء حقّهما، وكن في ثلاث منازل، فإنّ أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عذباً، وفخماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً وقريباً معروفاً، أما عن الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وأما عن العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرّف بأن يكون من معاني الخاصّة، وكذلك ليس يتصنّع بأن يكون من معاني العامّة، وإنما مدار الشّرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكلّ مقامٍ من المقال، وكذلك اللفظ

стр. 6466

العامي والخاصّي فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك وإقدارك على نفك، على أن تفهم العامّة معاني الخاصة، تكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفّاء، فأنت البليغ التام كالبشر: فلمّا قرئت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء ألفتيان. قال أبو عثمان: أما أنا فلم أرَ قوماً قطّ أمثل طريقةً في البلاغة من الكتّاب رىأألفنزائل فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشيّاً ولال ساقطاًسوقيّاً وإذا سمعتموني أذكر العوام، فإنّي لست أعني ألفلاحين والحشوة، والصّنّاع والباعة، ولست أعني الأكراد في الجبال، وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل البرد والطّيلسان، ومثل موقان وجيلان، ومثل الزنج وأمثال الزّنج، وإنما الأمم المذكورون من جميع النصّ أربع: العرب وفارس والهند والروم، والباقون همجٌ وأشباه الهمج وأما العوام من أهل ملّتنا ودعوتنا ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا فالطّبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم لم يبلغوا منزلة الخاصّة منا، عل أن الخاصّة تتفاضل في الطبقات أيضاً، ثم رجع بنا القول إلى بقية كلام بشر بن المعتمر إلى ما ذكر من الأقسام قال بشر: فإن كانت المزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك لا تسنح لك عدّ أول نظرك وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة التي لم تقع موقعها، ولم تصل إلى قرارها وإلى حقّها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها، وفي نصابها ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها فإنك إذا لم تتعاطَ قريض الشّعر الموزون ولم تتكلّف اختبار الكلام المنثور، لم يعبك بتْرَكَ ذلك أحدٌ، وإن أنت تكلّفتها ولم تكن حاذقاً مطبوعاً ولا محكماً لسانك، بصيراً بما عليك أو ما لك، عابك من أنت أقلُّ عيباً منه ورآى من هو دونك أنه فوقك فإن ابتليت بأن تتكلّف القوم وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطّباع في أول وهلةٍ، وتعصى عليك بعد إجابة ألفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعوده عند نشاطك وفراغ بالك بأنك لا تعدم الإجابة والموافاة إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق فإنّ تمنع ذلك عليك بعد ذلك من غير حادثً شغل عرَض، ومن غير طول إهمال والمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصّناعة إلى أشهر الصناعات

стр. 6467

إليك وأخفّها عليك، فإن لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسبٌ والشيء لا يحسن إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات لأنّ النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود به مع المحبة والشهوة (٨) ما يجب على الخطيب وما لا يجب قالوا: وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين وبين اقدار الحالات فيجعل لكل طبقةٍ من ذلك كلاماً ولكل حالةٍ من ذلك مقاماً حتى تقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات فإن كان الخطيب متكلّماً تجنّب ألفاظ المتكلّمين كما انه إن عبّر عن شيءٍ من صناعة الكلام واصفاً أومجيباً أو سائلاً كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلّمين إذا كانوا لتلك العبارات أفهم وإلى تلك الألفاظ. . . . . . . . . وإليها أحسن وبها أشغف ولأنّ كبار المتكلّمين ورؤساء النّظّارين كانوا فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء وهم تخيّروا تلك الألفاظ لتلك المعاني وهم اشتقّوا لها من كلام العرب تلك الأسماء وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسمٌ فصاروا في ذلك سلفاً لكل خلف وقدورةً لكل تابع. قالوا: وفبيحٌ بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين أو على المنبر أو في سدّة دار الخلافة أو في يوم جمعٍ وحفل أما في إصلاحٍ بين العشائر واحتماء دماء القبائل واستلال تلك الضعائن والسّخائم فيقول كما قال بعض من خطب على منبرٍ ضخم الشّأن رفيع المكان: ثمّ إنّ الله بعد أن أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّن لهم لاشاهم فتلاشوا ولو. . . . . . المتكلّم. . . . . . إلى أن يفظ بالتّلاشي لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده، وخطب آخرٌ في وسط دار الخلافة فقال في خطبته: وأخرجه الله من باب الليسية فأدخله في باب الأيسية. . . . . . . . . قال: وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميّاً ساقطاً سوقيّاً فكذلك لا ينبغي أن يكون غريباً وحشيّاً إلا أن يكون المتكلم بدويّاً أعرابيّاً وكلام الناس في طبقاتٍ كما أنّ الناس أنفسهم في طبقات فمن الكلام الجزل والسّخيف والمليح والحسن والقبيح والسميج والخفيف والثّقيل وكله عربيٌّ وبكلٍّ قد تكلّموا وبكلًّ قد تمادحوا وتعايبوا

стр. 6468

فإن زعم زاعمٌ أنه لم يكن في كلامهم تفاضلٌ ولا بينهم في ذلك تفاوتٌ فلم ذكروا العيّ والكيّ والحصر والمفحم والخطل والمسهل والمتشدّق والتّفيهق والمهماز والثرثار والمكسار والهمّاز ولم ذكروا الهجر والهذر والهذيان والتخليط وقالوا رجوا تلقاع (كثير الكلام) وتلهاع (متشدّق) وفلانٌ يتليع في خطبته وقالوا فلانٌ يخطىء في جوابه ويحلّ في كلامه ويناقض في خبره ولو أنّ هذه المور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمّي ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الأسماء وأنا أقول أنه ليس في الأرض كلامٌ هو أمتع ولا أنفع ولا آنق ولا ألذّ في الإسماع ولا أشدّ اتّصالاً بالعقول السّليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويماً للبيان من طول استماع حديث الأعراب ألفصحاء العقلاء العلماء البلغاء. يروى أن مطرف بن عبد الله كان يقول: لاتطعم طعامك من لا يشتهيه. ويقول: لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه. وقال عبد الله بن مسعود: حدّث الناس ما حدّجوك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم فإذا رأيت منهم فترةً فأمسك قال: وجعل ابن السمّاك يوماً يتكلّم وجارية له حيث تسمع كلامه فلمّا انصرف إليها قال لها كيف سمعت كلامي قالت: ماأحسنه لولا أنك تكثر ترداده فقال: أردده حتّى يفهمه من لم يفهمه قالت: الحد أن يفهمه من لم يفهمه يكون قد ملّه من فهمه. قال عبّاد بن عوام عن شعبة عن قتادة قال: مكتوبٌ في التّوراة لا يعاد الحديث مرّتين. وسفيان بن عيينة عن الزّهري قال: إعادة الحديث أشدّ من نقل الصّخر. وقال بعض الحكماء: من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤنة الاستماع منك وجملة القول في التّرداد نفسه أنه ليس فيه حد يحصره من العوام والخواص قال تمامة بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس قد جمع الهدوء والتّسهل والجزالة والخلاوة وإفهاماً يغنيه من الإعادة ولو كان في الأرض ناطقٌ يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة وقال مرّة: ما رأيت أحداً كان لا يتجسس ولايتوقف ولا يتلجلج ولا يتنحنح ولا يرتقب لفظاً كان قد استدعاه من بعد ولا يلتمس التّخلص إلى معنى قد تعصى عليه طلبه أشد اقتداراً ولا أقل تكلّفاً من جعفر بن يحيى. وقال تمامة: قلت لجعف بن يحيى ما البيان: قال أن يكون الاسم يحيط بمعناك ويجلي عن مغناك وتخرجه من الشّركة وتستعين عليه بالفكرة والذي لابدّ منه أن يكون

стр. 6469

سليماً من التّكلف بعيداً من الصنعة بريئاً من التّعقيد غنيّاً عن التّأويل. قال أبوعثمان أعيب عندهم من دقّة الصّوت وضعف مخرجه وضعف قوته أن يعترض الخطيب البهر والارتعاش والرّعدة والعرق قال أبو الحسن قال سفيان بن عيينة: تكلّم صعصعة عند معاوية فعرق فقال معاوية: بهرك القول فقال صعصعة: إنّ الجياد نضّاحةٌ بالماء. والفرس إذا كان سريع العرق وكان هشّاًكثير العرقكان ذلك عيباً وكذلك هو في الكثرة وإذا أبطأ ذلك وكان قليلاً قيل قد كبا وهو فرسٌ كابٍ وذلك يجب أيضاً. نصائح لطالب الإجادة في خطبه رأيت بما مضى بعض العيوب التي يجب على الخطيب أن يربأ بنفسه عنّا مما ذكره أبو عثمان الجاحظ وهاك الآن قطعةً أخرى له قال: قال بعض الرّبّانيين من الأدباء وأهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التّشادق والتعمق ويبغض الإغراق في القول والكلف والإجتلاب ويعرف أكثر أدواء الكلام ودواؤه وما يعتري المتكلّم من ألفتنة بحسن ما يقول ويعرض للسامع من الافتتان بما يسمع والذي يورث الاقتدار من التّهكّم والتسلّط والذي يمكّن الحاذق المطبوع من التّمويه للمعاني والخلاّبة وحسن المنطق. قال في بعض مواعظه: أنذركم حسن الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام فإنّ المعنى إذا اكتسى لفظاً حسناً وأعاره البليغ مخرجاً سهلاًومنحه المتكلم قولاً مقنعاً صار في قلبك أحلى ولصدرك أملأ والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة وأُلبِست الأوصاف الرفيعة تحولت في العيون عن مقادير صورها وأربت على حقائق أقدارها بقدر ما زيّنت وعلى حسب ما زخرفت فقد صارت الألفاظ في معنى المعارض وصارت المعاني في معنى الجواري والقلب ضعيفٌ وسلطان الهوى قويٌّ ومدخل خدع الشيطان خفيٌّ فاذكر هذا الباب ولا تنسه وتأمّله ولا تفّرط فيه فإنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يقل للأحنف بعد أن احتبسه حولاً مجرَّماًتامَّاًليستكثر منه وليبالغ في تصفح حاله والتّنفيرعن شأنه إنّ رسول الله ﷺ قد كان خوَّفنا من كلّ منافق عليم وقد خفت أن تكون منهم إلا لما كان راعه من حسن منطقه ومال إليه لمّا رآى من رفقة وقلّة تكلّفه قال الجاحظ: فالقصد من ذلك أن تجتنب السّوقيّة والوحشيّة ولا تجعل همّك في تهذيب الألفاظ وشغلك في التّخلّص إلى غرائب المعاني وفي الإختصار بلاغٌ وفي التوسّط مجانبة للوعورة وخروجٌ من سبيل من

стр. 6470

لا يحاسب نفسه وقال أحد العلماء وجرى شيءٌ من ذكر الخطب وتمييز الكلام: تلخيص المعاني رفقٌ والاستعانة بالغريب عجز والتّشادق في غير أهل البادية نقص والنّظر في عيون النّاس عيٌّ ومس اللحية هلكٌ والخروج مما بني عليه الكلام إسهاب. وكان يقول: رأس الخطابة الطّبع وعمودها الدّربة وحليّها الإعراب وبهاؤها تحبير اللفظ والمحبّة مقرونة بقلّة الاستكراه وأنشد في خطبة إياد يومون باللفظ الخفيّ وتارةً ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء وقد ردّ الجاحظ على من زعم أنّ البلاغة أن يكون السّامع يفهم معنى القائل وجعل ألفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرّب كلّه سواءً وكلّه بياناً قال: وكيف يكون ذلك كلّه بياناً ولولا طول مخالطة السّمع للعجم سماعه لمفاسد من الكلام لما عرفه ونحن لم نفهم عنه إلا للنّقص الذي فينا وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لايستدلّون على معاني هؤلاء بإكمالهم كما لا يعرفون ركاكة الرّوميّ والصقلبيّ وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيراً من حوائجهم فنحن قد نفهم بحمحمة ألفرس كثيراً من حاجاته ونفهم بضغاء السّنّور كثيراً من إرادته وكذلك الكلب والحمار والصبيّ الرضيع قال: وكانوا يمدحون شدّة العارضة وقوّة اللسنة وظهور الحجّة وثبات الجهاد وكثرة الرّيق والعلوّ على الخصم ويهجون بخلاف ذلك. ثمّ قال: وهم وإن كانوا يحبّون البيان والطّلاقة والتّحبير والبلاغة والتخلّص والرشاقة فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر والتّكلّف والإسهاب والإكثار لما في ذلك من التزيّد والمباهاة واتّباع الهوى والمنافسة في العلوّ والقدر وكانوا يكرهون ألفضول في البلاغة لأنّ ذلك يدعو إلى السّلاطة والسلاطة تدعو إلى البذاء وكلّ مراءٍ في الأرض فإنّما هو من نتاج ألفضول ومن حصّل كلامه وميّزه وحاسب نفسه وخاف الإثم والذّمّ أشفق من الغرارة وسوء العادة وخاف ثمرة العجب وهجنة القبح وما في حبّ السمعةمن ألفتنة وما في الرّياء من مجانبة الإخلاص قال: وكانوا يأمرون بالتبيّن والتثبّت وبالتحرّز من زلل الكلام ومن زلل الرأي ومن الرأي الدبّري والرأي الدبّري هو الذي يعرض منه الصّواب بعد مضي الرأي الأول وفوت استدراكه وكانوا يأمرون بالتحلّم والتعلّم وبالتّقدّم في ذلك أشدّ التّقدّم. قال: أوصيك أن لا

стр. 6471

تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أنّ لك فيهما طبيعةً وأنهما يناسبانك بعض المناسبة ويشاكلانك في بعض المشاكلة ولا تهمل طبيعتك فيستولي الإهمال على قوة القريحة ويستبدّ بها سوء العادة وإن كنت ذا بيانٍ وأحسست من نفسك بالنّفوذ في الخطابة والبلاغة ويقوة المنّة يوم أحفل فلا تقصّر في التماس أعلاها سورةً وارفعها في البيان منزلةً ولا يقطعنّك تهيّب الجلاء وتخويف الجبناء ولا تصرفنّك الروايات المعدولة عن وجوهها والأحاديث المتنأولة على أقبح مخارجها فإن أردت أن تتكلّف هذه الصّناعة وتنسب إلى هذا الأدب فقرضت قصيدةً أو حبرت خطبةً أو ألفت رسالةً فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك ويدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدّعيه ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو إشعارٍ أو خطبٍ فإن رأيت الأسماع تصغي له والعيون تحدّج إليه ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله فإن كان ذلك في ابتداء أمرك وفي أول تكلّفك فلم ترَ طالباً ولا مستحسناً فلعله أن يكون ما دام. . . . . . قضيباً أن يحلَّ عندهم محلّ المتروك فإن عاودت أمثال ذلك مراراً فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية فخذ في غير هذه الصناعة واجعل رائدك الذي يكذّبك حرصهم عليه أو زهدهم فيه. فقال: وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام ويكون له طبيعة في التجارة وليس له طبيعة في ألفلاحة ويكون له طبيعة في الحداء أو في التعبيرات في القراءة بالألحان وليس له طبيعة في الغناء وإن كانت هذه الأنواع كلّها ترجع إلى تأليف اللحون ويكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي ويكون له طبيعةٌ في القصبتين المضمومتين ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرها ويكون له طبع في تأليف الرسائل والطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر ومثل هذا كثيرٌ جدّاً وقال: ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع ولا آنق ولا ألذّ في الأسماع ولا أشدّ اتصالاً بالعقول السّليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويماً للبيان من طول اتماع حديث الأعراب ألفصحاء العقلاء والعلماء البلغاء وقد أصاب القوم في عامّة ما وصفوا إلا أنّي أزعم أنّ سخيف الألفاظ مشاكلٌ لسخيف المعاني وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل ألفخم ومن اللفاظ الشريفة الكريمة من المعاني كما أنّ النّادرة الباردة جدّاً قد تكون أطيب من النّادرة الحارّة جدّاً وإنما الكرب الذي يختم على القلوب

стр. 6472

ويأخذ بالأنفاس النادرة ألفاترة التي لا هي حارّة ولا هي باردة وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط وإنما الشّأن في الحارّ جداً والبارد جداً وكان محبر بن عباد بن كاسب يقول: والله لفلانٌ أثقل من مغنً وسط وأبغض من ظريفٍ وسطٍ. قلنا: وهذا يشبه ما قاله لابرويير في كتابه الأخلاق: من الأشياء ما لا يطاق فيه التوسط: الشعر والموسيقى والتصوير والخطاب العامّ. قال إسحاق بن حسّان بن فوهة: لم يفسّر البلاغة تفسير ابن المقفّع أحدٌ سئل ما البلاغة قال: البلاغة اسمٌ جامعٌ لمعانٍ تجري في أمور كثيرة منها ما يكون في السكوت ومنها ما يكون في الاستماع ومنها ما يكون في الإشارة ومنها ما يكون في الحديث ومنها ما يكون في الاحتجاج ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون ابتداءً ومنها ما يكون شعراً ومنها ما يكون سجعاً وخطباً ومنها ما يكون رسائل. فعامةً ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين فالإكثار في غير خطلً والإطالة في غير إملال وليكن في صدر كلامك دليلٌ على حاجتك كما أنّ خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته كأن يقول: فرقٌ بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد وخطبة الصّلح وخطبة المذاهب حتى يكون لكل فنٍّ من ذلك صدرٌ يدل على عجزه فإنه لا خير في كلامٍ لا يدلّ على معناك ولا يشير إلى مغزاك وإلى العمود الذي إليه قصدت والغرض الذي إليه نزعت قال فقيل له فإن ملَّ المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حقّ ذلك الموقف قال: إذا عطيت لكل مقامٍ حقّه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام وأرضيت من يعرف حقوق الكلام فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو فإنه لا يرضيهما شيءٌ وأما الجاهل فلست منه وليس منك ورضا جميع الناس شيءٌ لا ينال.

стр. 6473

علم الماني رأينا في العهد الأخير حركة مباركةً نحو العمران في هذه الدّيار فقد فتحت في دمشق وبيروت وحلب والقدس ويافا وحمص وحماه وطرابلس وغيرها شوارع وجادات واستجدّت الهمّة لتغيير صورة المدن القبيحة بصورٍ جميلةٍ من الطّرز الجديد في البناء وشعر القوم وولاة امرهم بأنّ الطّرز العتيق في الأبنية ينبو عنه النظر ولا يسدّ الحاجة المطلوبة في البناء ولا ينمّ عن ذوقٍ بحيث أصبحت مدننا بعد ضياع فن الهندسة منها عبارةً عن قرى حقيرة واكنها واستعيض عن الحجر والآجرّ بالطين واللبن مما يسّع إليه البلا والحريق والشرّ الأعظم في تراجع العمران في هذه البلدان عدم الاحتفال بفن هندسة البناءأو علم المباني فأصبح كلّ امرئٍ وما يختاره من البناء يبني على ذوقه بحيث لا تكاد تجد في أكثر المدن الداخلية أبنية من القرن الثاني عشر والثالث عشر هجرية إلا كئيبةً ينفر منها الذّوق وتتجافى عنها العين ولاتقوم بما تقوم به المباني في البلاد الممدّنة من الاقتصاد في النّفقة والرّاحة للسّاكن وجمال الدّاخل والخارج ولا ينافي ذلك كون بعض الدّور الجميلة داخل البلاد ولاسّما في دمشق جميلةٌ مزخرفةٌ تتوسطها أحواض الماء الدّافق وتعرّش على حوائطها النباتات والزهور وقد جعلت طابقين طابق أسفل للصيف وطابق أعلى للشتاء فإن هذه الدور قليلة العدد لاتكاد تجد في الحيّ الواحد داراً أو دارين منها أما الحوانيت والمخازن فالجيّد منها أقل من القليل. علم البناء هو علم إنشاء المباني على نسبةٍ معيّنةٍ وبحسب قواعد مقررة يجب أن يكون كلّ بناءٍ نافعاً من وجوهٍ فإن الحاجات المادية والإلهامات الروحية وطمأنينة المرء تملي على المهندس مجموع الخطة أو التّصميم الذي يطلب منه وتقسيم داخل البناء واتّساعه وغناه أوفقره ومن أجل ذلك انقسمت المصانع المعاهد كما قال الإفرنج منذ القدم حتّى زماننا إلى ثلاثة تقسيماتٍ كبرى وهي الهندسة الدينية والهندسة المدنية والهندسة الحربية. كانت مصر وآسيا مهد علم المباني وأجمع الباحثون أن أهرام منفيس أقدم المصانع التي عرفناها وأبا الهول المنحوت في الصخر في الجيزة القائم تحت رجليه معبدٌ من الصوان والرّخام الأبيض لا يتأتى فصله عن الأهرام ولم تعرف المسلات في مصر إلا على عهد الدولة الثانية عشرة من دول ألفراعنة وارتقت الهندسة المصرية زيادةً عن ذي قبل على عهد الدولة التاسعة عشرة والدولة العشرين.

стр. 6474

ظهرت الهندسة في بابل ونينوى في بناء السدود والأسوار أولاً وحازت حدائق سميراميس ومعبد بعل شهرةً مستفيضةً وبحقٍ ما اشتهرت ولم يقض على بنيانها ويدخل البلاد إلى تضاعيفها إلا ما جعل فيها من القرميد. وكان للمعادن شأنٌ عظيمٌ في معاهد الفينيقيين واليهود وكانت الهندسة الهندية تتمثل في معابد الهند ومدافنها وبيوت أصنامها. وعُرفت أثينا بأنها مهد الانقلاب الهندسي في العالم فبلغت فيها الهندسة في عهد بركليس وفيدياس أرقى درجاتها وتمثل الذوق اليوناني في المعابد أكثر من أي شيء وأثّر في هندسة الغرب حق التأثير. وتفنن الرومان في البناء وخلّفوا في كل مكانٍ امتدّ سلطانهم عليه من آثار الهندسة في الطرق والمجاري والأسوار والمسارح والحمامات ما شهد لهم باتساع ألفكر والهندسة العملية والمتانة في العمل. ولما انتشر الدين المسيحي واعتُبر ديناً لإمبراطورية الرومان على عهد قسطنطين أخذ المسيحيون يبنون معابدهم على مثال معابد الوثنيين مع تزيين ظواهر البناء وتضاف إليها أبراجٌ وقبابٌ للأجراس. وتفنن البيزنطيون بالنقوش في البناء ويدخل فيها الرّخام والمعادن والفسيفساء وكنيسة آياصوفيا في الأستانة وهي أجمل مثالٍ من هندسة الكنائس في القرن السادس. قال العارفون من ألفرنجة: لم يخترع العرب أبنية خاصة بهم بل تجلى في هندستهم حبهم للزخرف واللطف واخترعوا القوس المقنطر ورسم البيكارين وكان تفننهم في هندسة القباب والسقوف والمعرشات من الأشجار والأزهار مماجعل لجوامعهم وقصورهم بهجةً لا يبلى على الدّهر جديدها ودلت كل الدلالة على إيغالهم بالنقوش والزينة كأن أبنيتهم ومصانعهم هي قماشٌ من أقمشة الشرق تفنن حائكها في رقشها ونقشها. جاء القرن الثاني عشر في أوروبا وهندسة البناء تنتقل من طورٍ إلى طور حتى إذا كان القرن الخامس عشر كانت إيطاليا بفضل نهضتها صاحبة المقام الأول في الهندسة وعن هندسة معاهدها ودورها نقل لفرنسيس والإسبان ولإنكليز والألمان والسويسريون. ومن أمم أوروبا من أضاعت أصولها القديمة في البناء واتخذت من أصول الطليان نموذجاً حسناً سارت عليه كما لا تزال الأمم تتخذ من طرز الهندسة العربية الأندلسية نموذجاتٍ إلى هذا العهد ومنها محطة السكة الحجازية الحديثة في دمشق وهي أبدع بنايةٍ حديثةٍ في هذه

стр. 6475

الحاضرة ولو سار الناس على نموذجٍ معيّنٍ في البناء لكانت مصانعنا ودورنا جميلةً كمصانع الإفرنج وبيوتهم ولم يوفّق في ذلك بعض الشّيء إلا أصحاب البيوت المحدثة في بيروت ولبنان والقاهرة والإسكندريّة والأستانة وسلانيك وغيرها من الساحل. ولو تطلّعنا إلى الصين لرأيناها منحطّةً في هندستها ومثلها اليابان تأثرت في هندستها القديمة بجوارها الصّين ولكنّ بناياتها الحديثة حسنةٌ كالهندسة الأوروبية قال مهندسٌ مصريٌّ: إنّ ما تفهمه العامّة في المدن الصّغرى من أنه لا فرق بين المهندس المعماريّ والبنّاء وكثيرٌ من البنّائين الذين عندهم بعض الذّكاء والمعرفة يقومون بكثيرٍ من الأعمال ليس على حقيقته. فالمباني ليست بهذه السهولة التي اختبروها. نعم إنّ كلّ إنسانٍ قادرٌ على أن يفصّل منزله الذي يرغب في سكناه ويتخيّله ولكنّه لا يدري كيف يجعل شكل واجهته جميلاً فمنهم من يفتكر أنّ حسن المباني بكثرة الزّخرف فيملؤها به فتظهر كشكولاً قبيحاً من الأشكال المتنافرة تدلّ على خفّة واضعها. ومنهم من لا يفكّر في ذلك مطلقاً إلا بعد تمام بنائه فلا يدري كيف يفعل إذ يظهر له كثيرٌ من العيوب وللمطّلع أن يردد طرفه في شوارع القاهرة فيرى ما يدهشه من مثل هذه المباني فإذا زار القاهرة أحد المهندسين الغرباء لأول مرّةٍ فإنه يدهش كثيراً إذ كان يتخيّل قبل رؤيتها مدينةً شرقيّةً جميلةً من الطراز العربيّ التركيِّ وألفرعوني فإذا به يرى خليطاً مدهشاً من المباني لا يدري كيف يعبّرعنه فإذا دقّق النظر في كلّ بناءٍ على حدته وجد اختلافاً عظيماً بينها فبعضها مصنوعٌ على أتمّ ما يكون وهو القليل وبعضها مضحكٌ بل منفّر لا يقدر محبُّ ألفنون الجميلة أن يطيل النظر إليه إلى غير ذلك من مختلف الأشكال والألوان فإذا فحصها لا يرى في ترتيبها ونظامها مشابهةً مطلقاً فيعرف بذلك أن لا قوميّة لهذه البلاد ولا ارتباط ف أذواق أهلها وقد يلاحظ أيضاً في بعض العمارات أنّ أصحابها ليست فيهم القدرة على بنائها فلذلك حذفوا كثيراً مما كان متمماً لها ابتغاء الإقتصاد ولا يهمهم إلا أن تكون لهم عماراتٌ كبيرةٌ من غير أن يلتفتوا إلى جودة أدواتها ودقّة صنعها ومنهم من يريد أن يجعل مبانيه في غاية المتانة والإتقان فيكثر في الإنفاق عليها دون فائدةٍ وفي كلتا الحالتين تظهر مبانيهم في غاية القبح

стр. 6476

يظهر أنّ كثيراً منهم ينقصهم المنطق والانتقاد بل ويزيد فيهم الإهمال والتهون والجهل فإنّ بعضهم يأخذ عمله عن رسومٍ إفرنجية ويريد أن يعمل على شكلها ويحب انيتفلسف فيها فيحذف المهم ويضيف ما يرى انه حسنٌ فيظهر عمله مشوّهٌ وهو يظنّ أنه جاء بما لم يأتِ به الأولون علم لامباني فنٌّ من ألفنون الجميلة بل هو أحسنها فإذا قارنّا بينه وبين الموسيقى نجد أنّ كليهما مطربٌ للإنسان فالأول مكوّنٌ من نغماتٍ غير متنافرةٍ منتظمة الأوقات والثاني مكوّن من تراكيب وأوضاع غير متنافرة الأجزاء يظهر الأول مذببات العدد والأوتار يحملها الهواء إلى الآذان فيطرب به الإنسان ويظهر الثاني الظلّ والضوء واللوان فتراها العين في أتمّ ما يكون موضوعةً بنسبٍ محفوظةٍ ما بين مزخرفٍ وبسيطٍ تظهر عليها المتانة والراحة فتشتاق إليها النفس فكلا ألفنّين جميلٌ غير أن الأول تذهب محاسنه في الهواء وبعد ذهابها لا بشعر بها وتبقى محاسن الثاني ما دام لها ظلٌّ لا يحتاج الموسيقار في تركيب دور الموسيقى إلا لمعرفته النغمات والأزمان وانطباقها على معنىً ما يلحّنه من فرحٍ وطربٍ ولوعةٍ وحزنٍ ولكن في عمل البناء صعوباتٌ جمٌّة من بين فحص الأدوات المختلفة ووضعها وعمل حساب أثقالها ومقاومتها وجمعها وعلى ذلك فإنّ فنّ البناء هو أصعب ألفنون الجميلة وأحسنها وهو في الحقيقة أول شيءٍ يبحث عنه في كلِّ فنٍّ وهوجوابٌ لهذا السؤال الخطيرأوجد لي محلاًّ جميلاً يليق بفنّي أو عملي وأنت ترى تقدّميفيجب والحالة هذه أن لا يعهد في الأعمال إلا إلى المهندسين ألفنيين الأكفاء لا إلى المعلّمين والصنّاع كما هو شأن معظم من يبني في هذا القرن الرابع عشر في بلاد الشّام وياللأسف ومما يجب أن يلاحظ في هذه المباني حين عملها جودة أدواتها وتحكيم ترتيباتها ودقّة زخرفها ومجانسة وكمال تركيبها العموميّ وطرازها وملائمتها لما يحيط بها ووجود كل ما يحتاج له في محتوياتها وتخطيطها وتناسب كلّ ذلك بعضه مع بعضٍ وليس في كلّ ذلك من بأسٍ على المهندسين فإنهم معذورون بل المسؤول في ذلك هم أصحاب هذه المباني فإنهم يضنّون بالقليل أجرة أتعاب المهندس الذي يضع لهم تصميماً

стр. 6477

تامَّاً عن مبانيهم ويفكّرون أنّ ذلك شيءٌ لا ضرورة له ومن ذلك ظهرت هذه النتيجة المعيبة في الأبنية إنّ الذين يحكمون على الأمة ليس لهم إلا الظّاهر منها وأنّ أول شيءٍ يظهر لهم هو حالتها الاجتماعية وكيفيّة معيشتها ومبلغ مدنيّتها وذلك لا يظهر إلا في مبانيها فإذا كانت مستكملةً الشروط حكموا لها بالّقيّ وإلا فيحكمون عليها بالجهل والانحطاط وربما يعترض بعض المطّلعين بقولهم إنّا عهدنا لبعض المهندسين بأعمالنا فقدّموا لنا رسوماً لمبانينا ولكنّا بعد أن أتممنا بناءها وجدنا شكلها ليس كما يرام فيجاب على ذلك بجوابين: الأول أنهم ضنّوا على مهندسيهم بجميع قيمة أتعابهم. الثاني: إنّ الرسوم المقدّمة إليهم كانت بنسية تلك الأتعاب ونتيجة ذلك أنّ الرسم المقدّم إليهم كان الشّكل التخطيطي فقط وليس ذلك بالكفاية خصوصاً وأنهم لم يفهموه في الغالب وهم في ذلك معذورون والمهندسون لا يمكنهم تقديم رسوم مستكملة الشّروط بهذه الأتعاب القليلة والنتيجة أنه يجب عمل الرسوم اللازمة لأي بناء قبل الشروع فيه ويجب أن تكون الرسوم المقدّمة من المهندس أربعةً على الأقل أولها المسقط الأفقي ثانيها شكل أهم واجهة في البناء ثالثها قطّاع رأسي عن جميع البناء مبيّنٌ فيه الإرتفاعات وغير ذلك رابعها رسم تفصيلي عن أهم ما يراه المهندس في البناء وبعد فإن المانع في فلسفة ألفنون الجميلة من أن نقول هذا البناء بلغ حدّ الكمال لم يزل إلى الآن ولا ندري إن كنّا بلغنا درجةً محسوسةً في الرّقي تظهر آثارها لمن يأتي بعدنا أو لا فإنا لم ننسى الزمن الماضي ومبانيه وقد بقي منه كثيرٌ من القصور الكبير إلى الآن فإذا نظرنا واجهة إحداها التي كانت في زمانعا آية الآيات في الزخرف والرواء عند صانعيها نقابلها الآن بابتسامةٍ فهل ما نصنه اليوم ونظنّه جميلاً سيقابل من رجال المستقبل بهذه الابتسامة أيضاً؟ لا ندري: ولكن الذي يجب علينا هو أن نصنع أعمالنا على قواعد أساسية يقررها العلم ويستحسنها العقل وترتاح لها النفس حتى إذا جاء الذي بعدنا ونظر عملنا يعتقد أننا كنّا نشتغل بفكرٍ وعلى قواعد ويكون ملزماً باحترام أعمالنا كما نحترم نحن الآن الآثار الجميلة التي تركها ألفراعنة والعرب التي هي موضع الإعجاب لعهدنا عندنا وعند غيرنا

стр. 6478

إنّ الحكم على شيءٍ أو المقارنة بينه وبين شيءٍ آخر هو فرعٌ عن تصوّره وذلك لا يكون إلا نتيجة مبلغٍ رقيّ المقارن في الهيئة الاجتماعيّة ومبلغ علمه فيما سيحكم فيه فما علينا إلا أن نجتهد ونرقى ونعرف وبعد ذلك نحكم فيكون حكمنا على أساس متينٍ يقبله العقلاء وتطأطئ له الرؤوس المنزل مأوى الإنسان مع أهله بل هو المملكة الصّغيرة التي تدبّرها مدبّرته وهو ذلك الحريم الشّرقيّ الذي تعيش فيه المرأة الشّرقيّة مع أولادها بل المدرسة الأولى لأفراد الأمة المستقبلة وهو المكان الذي يأوي إليه ربّه بعد تعبه من أشغاله فيجد فيه الراحة والهناء. فيجب والحالة هذه أن يكون محتوياً على جميع أسباب الراحة مستوفياً جميع الشّروط الصحّيّة سواءً كان ذلك في البيوت داخل المدن أو في المنازل الخلويّة أو في طباق العمارات الكبيرة إنّ رقيّ الأمة أو وجوب رقيّها يضطرّها إلى تغيير النّظام الذي سارت عليه في القرن الماضي لإيجاد المحالّ الكافية من كلّ وجهةٍ لمعيشة عائلةٍ شرقيّةٍ إسلاميّة أخذت ترجع إلى المعيشة الديمقراطية ثم سهولة الأعمال العظيمة بواسطة العدد والإختراعات الحديثة تساعدنا على إنشاء هذه المحالّ بأشكالٍ جميلةٍ ونظامٍ تامٍّ حتى يجد الأفراد فيها راحتهم وسرورهم. يلاحظ المهندي المعماري قبل وضع تصميمه شيئين: الأول ملاحظة عموميّة والثانية تفصيلية وكلتا الملحوظتين تنقسم إلى عدّة أقسامٍ فالأولى يجب على المهندس أن يضع نصب عينيه - نقطة البناء وشكلها - منظر واجهته وتلافيها بالنظر - استقلال محلاّته - الاقتصاد الممكن في البناء وكذلك مراعاته للسكان - ما يقي السكّان عند حدوث الخطر - ملاحظة المفروشات ونظامها - وحفظ الصّحّة ومراعاتها. الثانية تفصيل المحالّ من غرفة استقبال الرجال أو المطالعة وغرفة النوم والملابس والحمّام وما يتبعه وغرفة أشغال ربّة المنزل وأخرى لاستقبال السّيّدات وغرفة الأطفال والمطبخ والأنبار وغرفة الأكل. . الخ ولا يوجد قانون لجمع هاتين الملحوظتين وفروعهما وإنما يأتي ذلك بقوة ومهارة المهندس الذي يضع التّصميم ومبلغ ذكائه وخبرته وعليه أن ينظر لكل نقطة من هاتين الملحوظتين وغيرهما ويهيّئ لها جميع الأفكار التي تناسبها في خاطره ثم ينتقي أحسنها وعليها يبرز تصميمه

стр. 6479

وبعد فلا تدخل المدن الشّاميّة في طور العمران الحقيقي إلا إذا جعل مصوَّرٌ عامّ لكل مدينةٍ لا يسمح لأحدٍ أن يبني إلا بحسب ما تقرر. وان يشتغل المعول زمناً في هدم الحلل والأحياء والأزقة الضيقة والدور الكئيبة مع ملاحظة السكّان وحالة البلاد واتباع سنّة التدريج وأن لا يبني الباني داره ولا حانوته ولا مصنعه إلا بحسب الطراز الذي ترسمه البلديات والأبعاد التي تعيّنها للجادّات ومن الغريب أنّ جميع مدن سورية ليس لها خريطةٌ سوى مدينة حلب وما عداها فيبني البانون فيها بحسب رغائبهم يختارون الطراز الذي يروقهم ويلتئم مع مصلحتهم المؤقتة ويبعدون عن الشارع أو لا ينحرفون عنه بحسب ذممهم وقلّ أن شاهدنا بلداًً من بلادنا أحسّ بسلطة مهندسي مجالس البلديّة عليه وكثيراً ما يعينه المهندس على ضلالته لقاء عرضٍ قليلٍ يبتاع به ذمّته. فإذا وفِّق رجال الإدارة إلى تتميم ما بدأوا به من هذا القبيل لا يمضي نصف قرنٍ على الأكثر حتى تصبح مدن الشّام بل قصباتها الصغرى عامرةٌ مستوفاةٌ شروط الذّوق والراحة وافيةً بالمراد من حيث الصّحّة والغناء ونشير على كلّ من تحدّثه نفسه بإقامة دارٍ أو حانوتٍ أو مصنعٍ أو قهوةٍ أو مسرح أو فرنٍ أو معملٍ أن لا يشرع بعمله قبل أن يفزع إلى مهندسٍ ماهرٍ ولا يتطلّب من أرباب هذا ألفنّ الذي يرتضي بالقليل بل يؤثر الذي يتناول أجرةً جيدةً ويعمل ويعمل عملاً يماثله وبذلك يتوفّر عليه ماله وتبقى بنايته القرون قائمةً تتوارثها أعقابه من بعده وكلما طال عليها العهد حلت وأصبحت لها قيمةٌ وأصبحت لها قيمةٌ فيكون كمن استرخص طبيباً وطبّ الأرواح كطبّ الأشباح متلازمان ولولاهما لما عاش إنسانٌ ولا حيوانٌ ولخرب العمران وابذعر السكان. إنّ بيوت مهاجرة الإسرئيليين في يافا وجاليةالألمانيين في حيفا أعظم معلّمٍ لمهندسينا وأهل الأملاك فينا ينظرون كيف أنشأ بانوها من ألفقر غنىً ومن العدم راحةً وجمالاً وزخرفاً ورفاهيّةً.

стр. 6480

أعلام المدن والبلدان لا خفاء أنّ كثيراً من الدواعي القديمة والحديثة والآتية تتخذ أسباباً لأسماء البلدان والمدن والأماكن على اختلافها واختلاف اللغات والقبائل والزمان والمكان ونحو ذلك من المؤثّرات التي تعمل في الإعلام عمل المؤثّرات الطبيعية من حرارةٍ وبرودةٍ ونحوهما في سيّارنا الأرضي فتقلب الجبال سهولاًوالسهول تلالاً واليابسة بحاراً والبحار يابسةً حتى إنك إذا درست طبقات الأرض وأنعمت فيها النّظر توصّلت بالبحث إلى استطلاعٍ تلك ألفواعل وتعاقبها وما سبّبته البراكين والزلازل والمؤثّرات الأخرى مهما كانت. فتقف حائراً عندها مسبِّحاً الخالق الذي أعطاك عقلاً مدقّقاً وأرشدك إلى معرفة العلل والأسباب لتقتنع وتلتذَّ بما تكتشفه من مبهماتٍ الشؤون وغرائب الحوادث ومن الثّابت أنّ تأثير العبادات وتيّار الأديان وتعاقب ألفاتحين وتداخل اللغات أو تزاحمها هي من أهمّ هذه ألفواعل في أعلام الأماكن فترى الأمّة التي تقف على عَلَم مكانٍ كان قد وضعه من قبلها أمّا تحوّله إلى لغتها أو لغة جيرانها أو تتمحل له سبباً بغويّاً آخر لتمييزه ومعرفة معناه أو داعي تسميته. ثم تأتي أمّةٌ أخرى بعدها تطرّس على آثارها فتنقض رأيها وتؤيّد رأياً جديداً لها فيه نظرٌ آخرٌ أو تقتفي أثرها بنقل سبب تلك التسمية على علاّتها فيقع الإشكال في ردِّ الأعلام إلى نصابها وإرجاع الألفاظ إلى مظانّها ومعرفة اللغة التي وضع فيها العلم وما كان القصد من وضعه إلى ما يساوق مثل هذه التّعليلات ويدخل في حيّز اللغات الميّتة أو الحيّة ويرشد الباحث إلى الوقوف على ما هو الأرجح والأثبت. ولا سيّما إذا كان قد درس علم الآثار القديمة (الأركيولوجي) والأساطير (مثولوجية) وعلم الأزمنة والأعداد التاريخيّة (الكرونولوجية) وعلم مقابلة اللغات وعلم الديانات ونحو ذلك من العلوم التي لها أكبر علاقةٍ في معرفة الأمم وعباداتها ولغاتها وتعاقبها ولقد وضعت تواريخٌ كثيرةٌ مطوّلةٌ لسورية وبعض مدنها وبلدانها مثل (تاريخ زحلة) الذي طبع و (تاريخ سورية المجوَّفة) أي سهل بعلبك والبقاعين و (تاريخ قضاء المتن) وغيرها مما لم يطبع وحللت فيها أسماء القرى والأماكن تحليلاً تاريخيّاً أثريّاً لغويّاً يبيّن شؤون القدماء وعباداتهم ومن هذه المؤلّفات اقتطفت هذه المقالة الآن. فإذا بحثا في أسماء القارّات العظيمة نجد أنّ اسم قارّة (آسية) إما من كلمةٍ شرقيّةٍ قديمةٍ بمعنى (النّور) أو من كلمة (إؤس) اليونانيّة بمعنى ألفجر. وإما باسم (آسية) في الأساطير
следующие страницы →