Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
يظهر أنّ كثيراً منهم ينقصهم المنطق والانتقاد بل ويزيد فيهم الإهمال والتهون والجهل فإنّ بعضهم يأخذ عمله عن رسومٍ إفرنجية ويريد أن يعمل على شكلها ويحب انيتفلسف فيها فيحذف المهم ويضيف ما يرى انه حسنٌ فيظهر عمله مشوّهٌ وهو يظنّ أنه جاء بما لم يأتِ به الأولون
علم لامباني فنٌّ من ألفنون الجميلة بل هو أحسنها فإذا قارنّا بينه وبين الموسيقى نجد أنّ كليهما مطربٌ للإنسان فالأول مكوّنٌ من نغماتٍ غير متنافرةٍ منتظمة الأوقات والثاني مكوّن من تراكيب وأوضاع غير متنافرة الأجزاء
يظهر الأول مذببات العدد والأوتار يحملها الهواء إلى الآذان فيطرب به الإنسان ويظهر الثاني الظلّ والضوء واللوان فتراها العين في أتمّ ما يكون موضوعةً بنسبٍ محفوظةٍ ما بين مزخرفٍ وبسيطٍ تظهر عليها المتانة والراحة فتشتاق إليها النفس فكلا ألفنّين جميلٌ غير أن الأول تذهب محاسنه في الهواء وبعد ذهابها لا بشعر بها وتبقى محاسن الثاني ما دام لها ظلٌّ
لا يحتاج الموسيقار في تركيب دور الموسيقى إلا لمعرفته النغمات والأزمان وانطباقها على معنىً ما يلحّنه من فرحٍ وطربٍ ولوعةٍ وحزنٍ ولكن في عمل البناء صعوباتٌ جمٌّة من بين فحص الأدوات المختلفة ووضعها وعمل حساب أثقالها ومقاومتها وجمعها وعلى ذلك فإنّ فنّ البناء هو أصعب ألفنون الجميلة وأحسنها وهو في الحقيقة أول شيءٍ يبحث عنه في كلِّ فنٍّ وهوجوابٌ لهذا السؤال الخطيرأوجد لي محلاًّ جميلاً يليق بفنّي أو عملي وأنت ترى تقدّميفيجب والحالة هذه أن لا يعهد في الأعمال إلا إلى المهندسين ألفنيين الأكفاء لا إلى المعلّمين والصنّاع كما هو شأن معظم من يبني في هذا القرن الرابع عشر في بلاد الشّام وياللأسف
ومما يجب أن يلاحظ في هذه المباني حين عملها جودة أدواتها وتحكيم ترتيباتها ودقّة زخرفها ومجانسة وكمال تركيبها العموميّ وطرازها وملائمتها لما يحيط بها ووجود كل ما يحتاج له في محتوياتها وتخطيطها وتناسب كلّ ذلك بعضه مع بعضٍ
وليس في كلّ ذلك من بأسٍ على المهندسين فإنهم معذورون بل المسؤول في ذلك هم أصحاب هذه المباني فإنهم يضنّون بالقليل أجرة أتعاب المهندس الذي يضع لهم تصميماً
стр. 6477
تامَّاً عن مبانيهم ويفكّرون أنّ ذلك شيءٌ لا ضرورة له ومن ذلك ظهرت هذه النتيجة المعيبة في الأبنية
إنّ الذين يحكمون على الأمة ليس لهم إلا الظّاهر منها وأنّ أول شيءٍ يظهر لهم هو حالتها الاجتماعية وكيفيّة معيشتها ومبلغ مدنيّتها وذلك لا يظهر إلا في مبانيها فإذا كانت مستكملةً الشروط حكموا لها بالّقيّ وإلا فيحكمون عليها بالجهل والانحطاط وربما يعترض بعض المطّلعين بقولهم إنّا عهدنا لبعض المهندسين بأعمالنا فقدّموا لنا رسوماً لمبانينا ولكنّا بعد أن أتممنا بناءها وجدنا شكلها ليس كما يرام فيجاب على ذلك بجوابين: الأول أنهم ضنّوا على مهندسيهم بجميع قيمة أتعابهم. الثاني: إنّ الرسوم المقدّمة إليهم كانت بنسية تلك الأتعاب ونتيجة ذلك أنّ الرسم المقدّم إليهم كان الشّكل التخطيطي فقط وليس ذلك بالكفاية خصوصاً وأنهم لم يفهموه في الغالب وهم في ذلك معذورون والمهندسون لا يمكنهم تقديم رسوم مستكملة الشّروط بهذه الأتعاب القليلة
والنتيجة أنه يجب عمل الرسوم اللازمة لأي بناء قبل الشروع فيه ويجب أن تكون الرسوم المقدّمة من المهندس أربعةً على الأقل أولها المسقط الأفقي ثانيها شكل أهم واجهة في البناء ثالثها قطّاع رأسي عن جميع البناء مبيّنٌ فيه الإرتفاعات وغير ذلك رابعها رسم تفصيلي عن أهم ما يراه المهندس في البناء
وبعد فإن المانع في فلسفة ألفنون الجميلة من أن نقول هذا البناء بلغ حدّ الكمال لم يزل إلى الآن ولا ندري إن كنّا بلغنا درجةً محسوسةً في الرّقي تظهر آثارها لمن يأتي بعدنا أو لا فإنا لم ننسى الزمن الماضي ومبانيه وقد بقي منه كثيرٌ من القصور الكبير إلى الآن فإذا نظرنا واجهة إحداها التي كانت في زمانعا آية الآيات في الزخرف والرواء عند صانعيها نقابلها الآن بابتسامةٍ فهل ما نصنه اليوم ونظنّه جميلاً سيقابل من رجال المستقبل بهذه الابتسامة أيضاً؟ لا ندري: ولكن الذي يجب علينا هو أن نصنع أعمالنا على قواعد أساسية يقررها العلم ويستحسنها العقل وترتاح لها النفس حتى إذا جاء الذي بعدنا ونظر عملنا يعتقد أننا كنّا نشتغل بفكرٍ وعلى قواعد ويكون ملزماً باحترام أعمالنا كما نحترم نحن الآن الآثار الجميلة التي تركها ألفراعنة والعرب التي هي موضع الإعجاب لعهدنا عندنا وعند غيرنا
стр. 6478
إنّ الحكم على شيءٍ أو المقارنة بينه وبين شيءٍ آخر هو فرعٌ عن تصوّره وذلك لا يكون إلا نتيجة مبلغٍ رقيّ المقارن في الهيئة الاجتماعيّة ومبلغ علمه فيما سيحكم فيه فما علينا إلا أن نجتهد ونرقى ونعرف وبعد ذلك نحكم فيكون حكمنا على أساس متينٍ يقبله العقلاء وتطأطئ له الرؤوس
المنزل مأوى الإنسان مع أهله بل هو المملكة الصّغيرة التي تدبّرها مدبّرته وهو ذلك الحريم الشّرقيّ الذي تعيش فيه المرأة الشّرقيّة مع أولادها بل المدرسة الأولى لأفراد الأمة المستقبلة وهو المكان الذي يأوي إليه ربّه بعد تعبه من أشغاله فيجد فيه الراحة والهناء. فيجب والحالة هذه أن يكون محتوياً على جميع أسباب الراحة مستوفياً جميع الشّروط الصحّيّة سواءً كان ذلك في البيوت داخل المدن أو في المنازل الخلويّة أو في طباق العمارات الكبيرة
إنّ رقيّ الأمة أو وجوب رقيّها يضطرّها إلى تغيير النّظام الذي سارت عليه في القرن الماضي لإيجاد المحالّ الكافية من كلّ وجهةٍ لمعيشة عائلةٍ شرقيّةٍ إسلاميّة أخذت ترجع إلى المعيشة الديمقراطية ثم سهولة الأعمال العظيمة بواسطة العدد والإختراعات الحديثة تساعدنا على إنشاء هذه المحالّ بأشكالٍ جميلةٍ ونظامٍ تامٍّ حتى يجد الأفراد فيها راحتهم وسرورهم. يلاحظ المهندي المعماري قبل وضع تصميمه شيئين: الأول ملاحظة عموميّة والثانية تفصيلية وكلتا الملحوظتين تنقسم إلى عدّة أقسامٍ فالأولى يجب على المهندس أن يضع نصب عينيه - نقطة البناء وشكلها - منظر واجهته وتلافيها بالنظر - استقلال محلاّته - الاقتصاد الممكن في البناء وكذلك مراعاته للسكان - ما يقي السكّان عند حدوث الخطر - ملاحظة المفروشات ونظامها - وحفظ الصّحّة ومراعاتها. الثانية تفصيل المحالّ من غرفة استقبال الرجال أو المطالعة وغرفة النوم والملابس والحمّام وما يتبعه وغرفة أشغال ربّة المنزل وأخرى لاستقبال السّيّدات وغرفة الأطفال والمطبخ والأنبار وغرفة الأكل. . الخ ولا يوجد قانون لجمع هاتين الملحوظتين وفروعهما وإنما يأتي ذلك بقوة ومهارة المهندس الذي يضع التّصميم ومبلغ ذكائه وخبرته وعليه أن ينظر لكل نقطة من هاتين الملحوظتين وغيرهما ويهيّئ لها جميع الأفكار التي تناسبها في خاطره ثم ينتقي أحسنها وعليها يبرز تصميمه
стр. 6479
وبعد فلا تدخل المدن الشّاميّة في طور العمران الحقيقي إلا إذا جعل مصوَّرٌ عامّ لكل مدينةٍ لا يسمح لأحدٍ أن يبني إلا بحسب ما تقرر. وان يشتغل المعول زمناً في هدم الحلل والأحياء والأزقة الضيقة والدور الكئيبة مع ملاحظة السكّان وحالة البلاد واتباع سنّة التدريج وأن لا يبني الباني داره ولا حانوته ولا مصنعه إلا بحسب الطراز الذي ترسمه البلديات والأبعاد التي تعيّنها للجادّات
ومن الغريب أنّ جميع مدن سورية ليس لها خريطةٌ سوى مدينة حلب وما عداها فيبني البانون فيها بحسب رغائبهم يختارون الطراز الذي يروقهم ويلتئم مع مصلحتهم المؤقتة ويبعدون عن الشارع أو لا ينحرفون عنه بحسب ذممهم وقلّ أن شاهدنا بلداًً من بلادنا أحسّ بسلطة مهندسي مجالس البلديّة عليه وكثيراً ما يعينه المهندس على ضلالته لقاء عرضٍ قليلٍ يبتاع به ذمّته. فإذا وفِّق رجال الإدارة إلى تتميم ما بدأوا به من هذا القبيل لا يمضي نصف قرنٍ على الأكثر حتى تصبح مدن الشّام بل قصباتها الصغرى عامرةٌ مستوفاةٌ شروط الذّوق والراحة وافيةً بالمراد من حيث الصّحّة والغناء
ونشير على كلّ من تحدّثه نفسه بإقامة دارٍ أو حانوتٍ أو مصنعٍ أو قهوةٍ أو مسرح أو فرنٍ أو معملٍ أن لا يشرع بعمله قبل أن يفزع إلى مهندسٍ ماهرٍ ولا يتطلّب من أرباب هذا ألفنّ الذي يرتضي بالقليل بل يؤثر الذي يتناول أجرةً جيدةً ويعمل ويعمل عملاً يماثله وبذلك يتوفّر عليه ماله وتبقى بنايته القرون قائمةً تتوارثها أعقابه من بعده وكلما طال عليها العهد حلت وأصبحت لها قيمةٌ وأصبحت لها قيمةٌ فيكون كمن استرخص طبيباً وطبّ الأرواح كطبّ الأشباح متلازمان ولولاهما لما عاش إنسانٌ ولا حيوانٌ ولخرب العمران وابذعر السكان. إنّ بيوت مهاجرة الإسرئيليين في يافا وجاليةالألمانيين في حيفا أعظم معلّمٍ لمهندسينا وأهل الأملاك فينا ينظرون كيف أنشأ بانوها من ألفقر غنىً ومن العدم راحةً وجمالاً وزخرفاً ورفاهيّةً.
стр. 6480
أعلام المدن والبلدان
لا خفاء أنّ كثيراً من الدواعي القديمة والحديثة والآتية تتخذ أسباباً لأسماء البلدان والمدن والأماكن على اختلافها واختلاف اللغات والقبائل والزمان والمكان ونحو ذلك من المؤثّرات التي تعمل في الإعلام عمل المؤثّرات الطبيعية من حرارةٍ وبرودةٍ ونحوهما في سيّارنا الأرضي فتقلب الجبال سهولاًوالسهول تلالاً واليابسة بحاراً والبحار يابسةً حتى إنك إذا درست طبقات الأرض وأنعمت فيها النّظر توصّلت بالبحث إلى استطلاعٍ تلك ألفواعل وتعاقبها وما سبّبته البراكين والزلازل والمؤثّرات الأخرى مهما كانت. فتقف حائراً عندها مسبِّحاً الخالق الذي أعطاك عقلاً مدقّقاً وأرشدك إلى معرفة العلل والأسباب لتقتنع وتلتذَّ بما تكتشفه من مبهماتٍ الشؤون وغرائب الحوادث
ومن الثّابت أنّ تأثير العبادات وتيّار الأديان وتعاقب ألفاتحين وتداخل اللغات أو تزاحمها هي من أهمّ هذه ألفواعل في أعلام الأماكن فترى الأمّة التي تقف على عَلَم مكانٍ كان قد وضعه من قبلها أمّا تحوّله إلى لغتها أو لغة جيرانها أو تتمحل له سبباً بغويّاً آخر لتمييزه ومعرفة معناه أو داعي تسميته. ثم تأتي أمّةٌ أخرى بعدها تطرّس على آثارها فتنقض رأيها وتؤيّد رأياً جديداً لها فيه نظرٌ آخرٌ أو تقتفي أثرها بنقل سبب تلك التسمية على علاّتها فيقع الإشكال في ردِّ الأعلام إلى نصابها وإرجاع الألفاظ إلى مظانّها ومعرفة اللغة التي وضع فيها العلم وما كان القصد من وضعه إلى ما يساوق مثل هذه التّعليلات ويدخل في حيّز اللغات الميّتة أو الحيّة ويرشد الباحث إلى الوقوف على ما هو الأرجح والأثبت. ولا سيّما إذا كان قد درس علم الآثار القديمة (الأركيولوجي) والأساطير (مثولوجية) وعلم الأزمنة والأعداد التاريخيّة (الكرونولوجية) وعلم مقابلة اللغات وعلم الديانات ونحو ذلك من العلوم التي لها أكبر علاقةٍ في معرفة الأمم وعباداتها ولغاتها وتعاقبها
ولقد وضعت تواريخٌ كثيرةٌ مطوّلةٌ لسورية وبعض مدنها وبلدانها مثل (تاريخ زحلة) الذي طبع و (تاريخ سورية المجوَّفة) أي سهل بعلبك والبقاعين و (تاريخ قضاء المتن) وغيرها مما لم يطبع وحللت فيها أسماء القرى والأماكن تحليلاً تاريخيّاً أثريّاً لغويّاً يبيّن شؤون القدماء وعباداتهم ومن هذه المؤلّفات اقتطفت هذه المقالة الآن.
فإذا بحثا في أسماء القارّات العظيمة نجد أنّ اسم قارّة (آسية) إما من كلمةٍ شرقيّةٍ قديمةٍ بمعنى (النّور) أو من كلمة (إؤس) اليونانيّة بمعنى ألفجر. وإما باسم (آسية) في الأساطير
стр. 6481
وهي ابنة أوقيانوس وكلٌّ من هذه الآراء هو ممكنٌ لما غي اشتراك التّسمية كما لا يخفى. والاسم اليوناني فيها أرجح لسكنى اليونان فيها قديماً
واسم قارّة (إفريقية) ربّما كان فينيقيّاً بمعن (ألفرَق) أو (المهجر) لأنّ القرطجنيين منهم أول من أطلق عليها هذا الاسم لافتراقها عن قرطجنة مستعمرتهم وأما لأن فرقة القرطجنيين نزلتها وتديَّرتها أو لمهاجرتها إليها
وكلٌّ من اسمي (آسية) و (إفريقية) وغيرهما كما لا يخفى أطلق على القسم الذي نزلته أمّة اليونان في آسية الصغرى أو برّ الأناضول والقسم الذي نزلته الأمّة ألفينيقيّة وهو شمالي إفريقية حيث تونس والجزائر وطرابلس الغرب. فسمّي الكلّ باسم البعض مجازاً وعذا كثيرٌ في التّسميات المكانيّة وغيرها
واسم قارّة (أوروبا) إمّا نسبةٌ إلى أوروبة ابنة آجنور ملك فينيقية لأنّ المشتري (جوبّيتير) حملها إلى هناك في زعمهم. وإما من كلمة فينيقية بمعنى البياض لبياض لون سكّانها أو محرَّف (عروب) أو (أربة) ألفينيقيّة أيضاً بمعنى الغروب والظّلمة لوقوعها غربي آسية
واسم قارّة (أميركة) نسبةً إلى أميركيوس ثسبوستيوس التّاجر الفلورنسي المتوفّى سنة١٥١٢م لأنّه أول من وصفها بعد اكتشاف كريستوفورس كولمبس لها وكان حقّها أن تسمى باسم مكتشفها ولكن تأثير اسم الثاني كان اعمّ فغلبت التسمية به وسمّيت أقسامٌ فقط منها باسم المكتشف مثل (كولومبية) فتأمّل: وتسمّى (العالم الجديد) لجهل القدماء لها و (جزائر الهند الغربية) لأنّهم ظنّوها من الهند في أول الأمر
واسم قارّة (أوسترالية) لاتيني من أوسترالس بمعى الجنوب
واسم قارّة (أوقيانية) نسبةً إلى الأوقيانوس المحيط لأنها واقعةٌ فيه والأوقيانوس في الأساطير القديمة نهرٌ عظيمٌ كانوا يعتقدون أنه يحيط باليابسة.
هذا هو المشهور في تسمية القارّات السّتّ وهناك أقوالٌ أخرى وأقوالٌ متلوّنة تراها بعيدةً عن الصحّة نافرةً عن مضاجع التحقيق. ولعلّ الآتين بعدنا يتوصّلون في أبحاثهم وتحقيقهم إلى ما هو أقرب إلى الصّحّة وأدنى على الحقيقة
ربّما أنّ القدماء مثل ألفينيقيين واليونان والرّومان كثرت مخالطتهم للأمم ودخلوا معظم القارّات تركوا آثار لغاتهم في أسماء البلدان والمدن وشاعت بين الأمم الأخرى من طريق
стр. 6482
لغاتهم ومؤلّفاتهم وأساطيرهم ونحو ذلك فمثرت هذه التّسميات ومازجتها امم الكلدان والمصريين والآشوريين والبابليين والحثّيين والفرس والعبران والعرب والتّرك والإفرنج فبقيت آثار تسمياتهم أيضاً ومن كان من هذه الأمم أشدّ حرصاً على حفظ لغته واتّساع نطاقها واستبقاء أسمائها ظفر بأمنيته وأبقى للآتين تأثير فتوحه أو امتزاجه أو عباداته ونحو ذلك مما هو جديرٌ بالاعتبار وحرٌّ بالاستقراء
فمن (الأعلام ألفينيقيّة) (بيروت) وهي جمع بئر أو اسم الإله ألفينيقيّ (بيروت) ولا صحّة لما يتمحله كثيرٌ من مؤرّخي الأمم وبينهم العرب من الأسباب الأخرى والمزاعم الإشتقاقيّة التي لا وجه لها من الصّواب في ما مرَّ وما يأتي من مثل هذه التّسميات الأجنبيّة * ومن ذلك البيرة بمعنى القصر والحصن * والمجدل بهذا المعنى ومشتقّااها كمجدليّاً ومجيدل ومجدلون * ونهر المُوت بضمِّ الميم وهو إله الجحيم المسمّى بلوتون * والفرزل بمعنى الحديد * ومالطه * بمعنى الحديد * وقرطاجنة بمعنى البلد الجديد * ونهر ادونيس أي تمّوز وهو نهر إبرهيم وربّما بدادون من بيت أدون ثمّ حذفوه بالإبدال والحذف أو أنّه مركّبٌ من بيت وداد الإله السّامي وأُلحق بأون تبعاً للغة السّريانيّة فكان معناها بيت داد. ومنها بغداد. ومثلها دده في الكورة وبادودة في الصّلت ولعلّها من الإله ألفينيقي ديده ومنها اسم (دَدَن) في بلاد العرب * والبعل ومنه تركّبت أسماء كثيرة مثل بعلبك أي بعل البقاع وبعل فاغور وبعل تامار * وجد من آلهتهم ومنه اسم جدّايل (أي الإله جدّ) وربّما كان إله الحظ وهو اسمه عندنا * ومنها اسم ميّومية وهي بلدة ذات ينابيع فاسمها من المياه * وقبراشمون قرب عيناب على طريق بيت الدين من بيرت وقرية بشامون من بيت أشمون وأشمونأحد مثلّثات الآلهة ألفينيقيّة في صيداء. وهيكل أشمون في صيداء اكتشف في بستان الشبخ فوق وادي نهر الأولى. وأخربة أشمونيت في بطرام الكورة (لبنان) وهو إسكولاب إله الطّبّ عند عند اليونانيين. وأشمونين في مصر. وأشمونيت عين في ظاهر حلب في جنوبيها قال فيها ابن أبي الخرجين:
وهل عين أشمونيت تجري كمقلتيّ ... عليها وهل ظِلُّ الجنان مديدُ
وعلينتحريف عليون أي زحل في جوار زحلة ويترجّح أنّ اسم المدينة من هذا المعبود * وحمّاتا من حمّون بمعنى المحرق وهو من معبودات القرطجنيين
стр. 6483
ومنالأعلام الكلدانيّة والآراميّة والسّريانيّةالإله قمر ومنها دير القمر * والمعرّة بمعنى المغارة مثل معرّة النّعمان ومعرّة مصرين ومعرّة صيدنايا ومعرّة باش * والكفر بمعنى القرية والحقل ومنها مركّبات أسماء قرى كثيرة مثل كفر عاقب وكفر عقاب * وبيت مريوالأصل موريبمعنى بيت بعل مرقد إله الرّقص * ورشعين وريشعينا ورشميّا بمعنى رأس العين ورأس الماء * وديرأحوبشة بمعنى بيت الحبس * ودمشق بمعنى المزهرة * ورامون إله سرياني تركّبت منه أعلامٌ كثيرةٌ مثل برمّاتا أي بيت الإله رامون. وعين الرّمانة وعرمّان في حوران وتعرف اليوم باسم عرمان * وبيت لهيا بمعنى بيت الآلهة * والكرك والكرخ بمعنى الحصن والمعقل * ونيحة أي المستريحة * واليمّونة تصغير يمّ بمعنى البحيرة * ويونين منيوالإله الكلداني بمعنى نور وأونينأبي البعل
ومنالأعلام المصريةاسم الإله فتّاح وراجح أنّ اسم فتوح كسروان نسبةً إلى فتّاح لا إلى فتوحها كما يذكر المؤرّخون والله أعلم * وباب مارع قريةٌ في البقاع مركّبةٌ منماآلهة مصرية ربّة العدل والحقّ أخت رعبمعنى الشمس عندهم أو إله الضوء. أو أنّها محرّف آمون رع بمعنى الشّمس الخفيّة * وآنحور عند المصريين هو مارس عند اليونانيين. وحور إله مصري أيضاً يسمّه اليونان أبلون. ومنه اسم عين حور على طريق دمشق * وآمون إله مصري ربّما كانت بلدة أميون في الكمورة باسمه * وماث نحاسيعين الجرّبمعنى مدينة النحاس * وجبّ جنين منجينونمعبود
ومن (الأعلام الآشورية) مكّة بمعنى بيت ومنها اسم مكّة المكرّمة وتسمّى أيضاً بكّة بالإبدال منبكَّاالدّالّة على قلة الماء أو على اسم نبات بالعبرانيّةبكاومنه وادي بكّة على طريق الشّام * ويثرب أصلهاأثربلد وربّعظيم فحُرِّفَت يثرب * ومأرب فماماءوربعظيم أي السّيل العظيم * وأدَد اسم إله عندهم ولعلّ الحدث محرّف عنها ولاسيّما حدث بعلبك لأنّ فيه هيكلاً قديماً ربّما كان لهذا الإله * وبنو عطارد ومنه اسم قصر نبا في البقاع وكفر نبّو في نواحي حلب وحصن نبو في بلاد العرب * وكيوان بمعنى زحل ومنها مراح كيوان في لبنان وعيتنيت منعنتوتنيتوهما اسم واحد لآلهة آشوريّة عرفت باسم سميرام وربّما كانت عيثا محرّف عنث وعيناتا أيضاً وكلتاهما في سوريا المجوّفة
ومن (الأعلام البابلية) (سين) بمعنى القمر ومنها درب السين أو دير سين أو دير بسيم
стр. 6484
شرقي صيداء. وكان له في حرّان هيكلٌ مشهورٌ اتصلت عبادته بسورية وكفر باسين في جبل سمعان غربي حلب والمعنى قرية بيت سين. وطور سينا كانت العرب يعبدونه في الجاهليّة ولعلّ الأيطوريين أي الجبلين العرب حملوا هذه العبادة إلى لبنان * ومردوخ المشتري ولعلّ قرية مدوخة في البقاع محرّفة عنه
ومن (الأعلام الحثّيّة) الحث وهي قرية تابعة لقرية شهباء في حوران * وكمش إله حثّي فكلمة كرك كميش بمعنى حصن كميش وهي على ألفرات. ولعلّ منها عرجموش قرب زحلة وهي المحلّة المعروفة اليوم بالغيضة فهي تحريف كركموش مثل كركميش وكموش إلهٌ مؤابي أدخله الآشوريون في جملة معبوداتهم كما عرف ذلك من الآثار * ومنها للشّاغورومشغرة وجسر الشّغَر قرب حلب
ومن (الأعلام ألفارسيّة) على ما يروى اسم الكعبة كه به وفيل أن مكّة تحريف مه كه أي معبد القمر * وقِبلة تحريف كابلاّ اليونانية بمعنى المعبد * وألفريديس ومنها فريديس حلب قرب قنسرين وفريديس الباروك وفريديس دمشق * ويرجّح أنّ الإشبانية فارسيّة بمعنى الحمر جداً من شبانة أي الخمر المشروبة ليلاً * والإيوان ومنها إيوان كسرى * والبرذون تحريف بَردَن بمعنى الإشتداد في العدو ولعلّ أسم نهر البردوني في زحلة منها. أو انه تصغير بَرَدى بمعنى البارد * والجمهور بمعنى الجماعة وهو اسم قريةٍ بظاهر بيروت فيها موقف القطار الحديدي * والجورة الحفرة أو القبر ومنها جورة البلّوط اسم قرية * والقوقاز بمعنى الأبيض
ومن (الأعلام العبرانيّة) حيفا بمعنى الفرضة والمر. . . . . . . وعميَّق بمعنى العمق * ومكسه بمعنى الضّريبة على البضائع * والبقاع بمعنى السهل * وحوران بمعنى المغاور ومنها قرية كفر حورا في الزّاوية بمعنى قرية المغارة وكفر حوار قرب دمشق * وأرجح أن عنجر عبرانية بمعنى عين الغريب
ومن (الأعلام اليونانيّة) طرابلس بمعنى المدن الثلاث لأنها كانت في العصر ألفارسي مقرّاً للمجلس المتّحد المؤلف من مندوبي صيدا وصور وأرواد وكلٌّ يقيم في قسم من المدينة فسمّاها اليونان تريبولي بمعنى المدن الثلاث وحُرّفت طرابلس وهي اثنتان في الشّام وفي بلاد المغرب ومنها تربل قربها في البقاع * وقنّوبين تحريف كنوبيون أي المجتمع
стр. 6485
والمنتدى * والفيجة تحريف بيجه بمعنى الينبوع ولعلّكلمة بجه في لبنان وبجة في حوران تحريفها أيضاً * وقب إلياس من قب إليوس بمعنى مركز الشّمس. وبر إلياس ابن الشّمس وأنطلياس بمعنى مقابل الشمس وبرجيليوس (جبل النصيرية) بمعنى برج الشمس وبوسفور ممر البقرة * وبرجا وطبرجا بمعنى قصبة المعاملة والديماس بمعنى الغرفة * ومن أسماء آلهتهم بكركة وكركة اسم إلاهة يونانية ساحرة * وطاميش الإله أرطاميس. وبلونه أبلون وبوذيس حُرّف بوذيه في بلاد بعلبك * وذورس إحدى بنات البحر دورس فيها * وصفيّه ابنة البحر ومنها حوش تل صفية * ووادي القرن (ترونوس) أي زحل. وقرنايل الإله زحل * وصربا سيرابيس * ومنها ماسمّي بأسماء الملوك مثل سلّوقيا (السويدية نسبةً إلى دانيها سالوقوس نيقاطور) وفيلاذلفية (عمّان) نسبةً إلى بطليمايوس فيلوقلفوس * وطبريّة إلى طيباريوس وغوطسة إلى أوغسطس وأوغسطة * فضلاً عن تسمياتٍ مختلفة هليوبوليس (بعلبك) أي مدينة الشّمس * وهيرابوليس (منبج) وكريسرواس أي مجرى الذّهب لنهر بردى * وكلشيس أوخلقيس (عين الجرّ) بمعنى مدينة النحاس * والقلمون بمعنى الإقليم والمناخ * وأنتيلبنان بمعنى مقابل لبنان * وكيلوسيري بمعنى سورية المجوّفة ويراد بها السّهل بين جبلي لبنان الشّرقيّ والغربيّ * والأناضول بمعنى الشّرق * وموناستير بمعنى دير * وإيبيروس أرض متسعة * واسطنبول بمعنى إلى المدينة * وكالينولي بمعنى المدينة الجديدة * والأرخبيل رأس البحر * ونابلس نيابوليس بمعنى المدينة الجديدة
ومن (الأعلام اللاتينية) ما هو من هذا القبيل ولعلّ غريفة تحريف أغريب صهر أوغسطوس قيصر أو أغريب الأول * وتيرون من تيرو بمعنى الجنديّ وهي اسم (شقيف تيرون) أحد الحصون القديمة * والفسطاط تحريف خندق وعسقلان من أسكلانيا أي البصل لجودة بصلها * واللجون (مرج بني عامر) وهناك قرية لجون حيث كانت تقيم فرقةٌ رومانيّة * وبرقطة في لبنان بمعنى شلاّلة * وقبصريّة نسبةً إلى قيصر مثل قيصرية فيلبس وهي بانياس وقيصرية فلسطين ويقال أنّ غسم كسّارة قرب زحلة هو تحريف قيصيرية
ومن (الأعلام العربية) النّبك وهي أصغر تلّة ارتفعت عن سطح الأرض والجديدة المحيدثة
стр. 6486
وأنفة وجون وقارة وهي الجبل الصّغير المنقطع والمرج والمريجات وزحلة والمعلقة والمشرع والوادي والبرج والبريج وسوق وادي بَرَدى. وجبل الشّيخ وفم الميزاب. والمشيرفة والأشرفية والمشرفة. والكلمات المركّبة من دار ودير وقصر وأشباهها مثل دار بعشتار أي دار عشتروت ودير الغزال وقصر نبّا أي قصر عطارد فتؤلّف من لغتين فأكثر وهذه الأعلام الممتزجة اللغات كثيرةٌ عندنا
ومن (الأعلام التركية) الزّوق في لبنان وعكّار بمعنى المنزل أدخلها التّركمان الذين حكموا تلك الجهات * وآستانة عتبة * وأسكي شام أي الشّم القديمة وهو أسم بصرى في حوران * ومرسين بمعنى آس * وقرق كليسة أربعون كنيسة * وجركس كوي قرية الشّركس * وقللي برغاس برج برغاس * والجنتلك بمعنى المزرعة وتطلق على الأرض التي هي بإدارة الحكومة خاصّةً مثل الجفتلك السّلطاني * وتوفّي بازار من نوفي اليونانيّة بمعنى جديد وبازار بمعنى السّوق ويقال لها يكي بازار * ونهر قره صوالنهر الأسود * ونهر سودلينهر اللبن
ومن (الأعلام المؤلّفة من لغات مختلفة) حملايا فهو من لفظتين سنسكريتين بمعنى موطن الثّلج * وأمازون هنديّة بمعنى محطِّم القوارب * وبومبي بالبرتغاليّة المرفأ الحسَن ولاصا عاصمة تّبث معناها في لغتهم أرض الآلهةوفي لبنان قرية بغسو لاصّا * وداجون معبود فلسطين سمّيت بإسمه قرى مثل (عين الدوق) في زحلة وفلسطين * ومُتنا كلمة سومريّة أكّاديّة لبعل عشترت أيّ الزّهرة فأرجح أنّ اسم المتنفي قضاء لبنان والمتين منها وكذلك المتن في قضاء المرقب. وإلا فكان هذا الاسم أولى بالجبال العالية كجبل الشيخ وصنين * وقوس إله أدومي عرفه العرب باسم قيس ومنه اسم قوسايا في سوريا المجوفة. . . . إلخ
إلى أعلامٍ أُخر ممتزجة من أكثر من لغة واحدة وما أشبهها وهذه آراء حديثة في التّسمية قابلة للتّمحيص والتّحقيق فلعلّ مؤرّخينا المدققين يعيرونها اهتمامهم فيفيدون الباحثين والدارسين فوائد جمّة. والله الموفّق إلى سواء السّبيل وهو حسبُنا ونعم الوكيل.
زحلة
عيسى اسكندر المعلوف
стр. 6487
الشّعر التّهذيبي
الولد والمدرسة
بقلم عيسى أفندي اسكندر المعلوف صاحب مجلّة الآثار
أرى الشّبّان قد ملؤوا المدارس ... ليكتسبوا معارفها النّفائس
فلا يجني العلوم فتىً تربّى ... بحجر دلالها كالغصن مائس
ولا يجني العلوم فتىً تربّى ... على حسن المآكل والملابس
ولا يجني العلوم فتىً تربّى ... وقد شمخت به كبراً معاطس
ولا يجني العلوم فتىً تربّى ... على أوهامه والعقل طامس
فمن طلب العلوم فقد جناها ... باحيا الليل مجتهداً ودارس
يرى النّصب الكثير له هناءٌ ... ولست تراه في الأبحاث يائس
فيلقى في مكاتبه ارتياحاً ... وتلقاه بها نعم الممارس
فبين الكدّ والإهمال فرقٌ ... كفرقٍ بين راجلنا وفارس
وسبحان الذي خلق البرايا ... صنوفاً غيّرت أصل المغارس
فمنهم من غدا ملك الأهالي ... ومنهم من تسفّل كالأبالس
ومنهم من يحبّ الدّهر سلماً ... ومنهم من يثير حروب داحس
ومنهم من يسكنه لجامٌ ... ومنهم من تحرّكه منافس
ومنهم عاقلٌ قولاً وفعلاً ... ومنهم فاجرٌ للحقّ دائس
ومنهم مشبّه الزّنبور لسعاً ... ومنهم مشبّه النّحل الجوارس
ومنهم جاهلٌ للكذب راوٍ ... ومنهم عالمٌ بالصدّق نابس
وبعضٌ عقله كالصّبح نوراً ... وبعضٌ عقله كالليل دامس
فكن لفضائل الأخلاق مرأى ... وكن لمحاسن الآداب قابس
وكن للطافة الأرواح مغنىً ... وكن لطهارة الأجسام حارس
стр. 6488
مصنوعات الجيش
الصّنائع الدّمشقيّة
كانت هذه الحاضرة في جميع أدوار تاريخها محطّ رحال أرباب الصّنائع المختلفة لأنّها أمّ هذا القطر والأقطار التي تليه والأمّ مصدركلّ خير في العائلة. ولقد أُصيبت مصنوعاتها كما تُصاب البلد عادةً بأنواع الاضمحلال وخصوصاً في عهد تيمورلنك الذي خرّب كل بلد عصا عليه واستصحب معه إلى سمرقند أرباب الصّنائع قال ابن عربشاه أخذ تيمور من دمشق أرباب ألفضل وأهل الصّنائع وكلّ ماهر في فن من ألفنون بارع من النّاجين والخيّاطين والحجّارين والنّجارين والإقباعيّة والبياطرة والخيميّة والنّقّاشين والقوّاسين والبازدارية وفي الجملة أهل أي فن كان
فتراجعت الصّنائع بعد ذلك العهد في قاعدة البلاد ولم يبقَ منها إلا ما لا غنيةعنه لأهل كلّ بلد مهما انحطّ عمرانه وتفرّق سكّانه. وكانت الصناعات تبعاً للحالة العموميّة إن راقت السّياسة وصفا جوُّ السّلام تكثر حاجيّات الناس فيوجد لها العملة وصنّاع الأيدي بطبيعة الحال وإن كان على ضعفٍ أحياناً والعكس بالعكس. وكانت الصّناعات الدّمشقية تجد في القرن الماضي رواجاً أكثر وإتقاناً أوفر لولم تنازعها مصنوعات أوروبا بلطافتها ورخصها ومنشأ الرّخص استمتاع الأجنبيّ إذ ذاك بامتيازاته فكانت الكمارك التي يؤدّيها على بضاعةٍ قليلة والضّرائب معفى منها جملةً وحقوقه رعية في الحكام ولو كان هو على باطل وخصمه العثماني على حق وقد يحكم له لا عليه أحياناً وبهذا قضي أو كاد على صناعاتنا الوطنية ووقفت مصانعنا الوطنيّة العثمانية
ولما نشبت الحرب العامّة انتبه رجال الدّولة للأمر وعرفوا الدّقيق والجليل من نواقصنا فكانت مسألة مصنوعاتنا من أوليّات المسائل التي نظروا فيها فألغوا الامتيازات الأجنبيّة وهناك أخذت تعود إلى مصانعنا بعض حياتها وستقوى أكثر بعد الحرب ثمّ كان منهم أن جمعوا شمل الصنّاع في كلّ مركز من مراكز السّلطنة كما فعلوا في دار الخلافة وضواحيها مثلاً فأخرجوا لوازم الجيش من سلاح ومدافع وقنابر وقذائف وأجواخ وغيرها وجاء حظّ هذه المدينة بعد حظّ الأستانة فجمع الجيش الرّابع فيها شمل الصناعات بعد تشتّتها واستفاد من كلّ قوّة كانت كالنّار مخبوءةً تحت الرّماد لا تحتاج إلاّ إلى يد صادقة حتّى تهتدي إليها
стр. 6489
وترفع عن وجهها ما يغشاها لينتفع بنورها وحرارتها.
محا الجيش الرّابع عن البلاد عار العوز والكسل إذ رأى المواد الأولية كلّها موفورة فيما تنال على أيسر وجه وبقليل من العناية والمعرفة وشاهدٌ في أبناء البلاد بقايا من أهل المهن والصّناعات لا يقف بهم عن المضي في مضمار الرّقي إلا شيء من العناية والتّنشيط. ذكر جودت في تاريخه أنّ جمهوريّة البنادقة كانت ساعدت بإنشاء السفن عدونا علينا فاصطنع في دور صناعتها ما يستعين به على حرب الدّولة العلية فآخذت الحكومة إذ ذاك جمهورية البندقية على عملها المنكر فأجابت هذه ليس للدولة العثمانية أن تؤاخذنا على إنشائنا السّفن في معاملنا وبيعها ممن نحب فإنّ عندها جميع مواد السّفن وهي تستطيع أن تحرج مثل سفننا ولا تحتاجنا ولا غيرنا. وكان هذا الجواب عبرةً للدولة فشمّرت عن ساعد الجدّ وأخذت تنشئ في ذاك الدّور سفنها في معاملها وموادها من حديد وخشب ورصاص وزجاج وحبال كلّها من الرض العثمانية.
كانت الحرب الأخيرة أعظم واعظ لنا في هذا السّبيل فانتبهت الحكومة أولاً للوازم الجيش فرأت من الصناعات مالا أثر له عندنا ومنه الموجود ولكن على ضعفٍ يحتاج إلى إصلاح وتعديل ومن الصناعات التي أحياها الجيش الرّابع صناعة القطن المعقّم للجرحى والأغذية المربية من بقول وثمار وصنع القذائف والبيطرة وما يلزمها من الأدوات على الأصول الحديثة ومن الصناعات الموجودة على قلّة نسج الأكياس للتّحميل من القطن وقشر القنّب وصنع الحدّاجات للجِمال والشّقادف لنقل المرضى والجرحى والسّرج للجِمال والخيام واللجم والهمايين من الجلد والقرب والمطرات والأقمشة لألبسة الجنود الضّبّاط من نوع العبا وحياكة الطّنافس والبسط والجوارب والخيام وخياطة الثّياب وصنع الحذية وغيرها
وسنتكلّم على معاهد هذه الصّناعات في دمشق معهداً معهداً حسب التّرتيب الذي وقع لنا في زيارتها ونتوسّع في الكلام ماوسعنا المقام تنبيهاً للعاقل وبشرىً للمستبشر وتحدّثاً بالنّعمة وطلباً للمزيد وحثّاً للهمم وتبصرة للمستقبل.
التّجارة والحدادة والقنار والقذائف
اعتمد الجيش الرّابع في الأعمال الصّناعيّة على ألوفٍ من الجنود السوريين على الأغلب ومنهم منسبقت له معاناة صّناعة من الصناعات وآخرون لاعهد لهم بشيء منها بل تعلّموها
стр. 6490
منذ دخلوا في سلك الجنديّة المقدّس يوم إعلان النّفير العام. وقد استعمل منهم أولاداً من سن التّاسعة إلى الخامسة عشرة بصفة خرّيجين في تلك الصّناعات وعددهم ثلاثمائة وخمسون خرّيجاً علموا منها ما يناسب صحّتهم ويلتئم مع أعمارهم. وبالنّظر لزكاء أبناء هذه الدّيار ولنظام المصانع التي عُدّوا في جملتها والأعمال المرتّبة التي عهد إليهم أمرها وتنظيم أساليب عيشهم وعملهم برعوا أو أكثرهم في مدّة قليلة ومنهم من أقلعوا عن عادات كانوا ألفوها من مثل التّدخين وغيره ومرنوا على العمل حتّى قلّ الثّرثارون فيهم فأنت إذا دخلت مصانعهم أيّ وقت كان من أوقات العمل المحددة لاتسمع لغواً ولا صوتاً وكلّ عاملٍ أو ماهن يصرف ذهنه إلى ما يعمل فيه مخافة أن يضيع عليه الوقت ولا يكمل حصّته من العمل ولهذه الأخلاق دخلٌ كبير في نجاح هذه الأعمال والعمّال فإنّ العامل الذي يكثر على غير نظام تقلُّ عمالته ويوميّاته أما الذي يصرف كَدَّه لعمله جماةً واحدةً فيرجح عليه في الصّناعات حتى قالوا أنّ الصّانع الإنكليزي يأخذ ضعفي أجرة الصّانع الطّلياني لأن هذا ثرثار لا يحصر ذهنه في عمله ويلتهي بغيره بالضّرورة فعمله نصف عمل.
هذا ما لحظناه من أساليب الرّقي الحقيقي الماثلة في مصانع الجيش في دمشق فقد رأينا الحديد يُذاب ويُطرق على أيسر صورة وتعمل منه أدوات العجلات والمحفّات. والأخشاب تُقطع وتُنجر وتُصقل. وأكثر الآلات التي تستعمل في هذا السّبيل جُلبت من حلب وعينتاب وطرسوس ولبنان وبيروت وكانت مبعثرةً لاتستفاد منها ألفائدة المطلوبة فلمّا ضمّ الجيش شملها وعرف كيف يستخدمها أخرجت أجمل المصنوعات في أسرع وقت ووفّرت على العاملين عناءً ووقتاً لولاهما لاقتضى العمل أيدياً كثيرة عاملة ووقتاً أطول.
كنّا عاجزين فيما مضى عن اصطناع عجلات النّقل والركوب ومحفّات الجرحى والمرضى في مصانعنا الوطنيّة وقد اختار الجيش أسهل أنواعها وأمتنها وألطفها على آخر طرز وصنع منهت ألوفاً بحيث تظنّها إذا رأيتها من صنع معامل أوروبا في حين تجد حديدها وخشبها من سوريا واليد التي اشتغلتها سوريّة وهي تُستعمل في خدمة سوريا وهذا ما يقِلُّ في جانبه كل شكر للحكومة السّاهرة على إنجاح الوطن والأخذ بأيدي أبناءه العاملين
تقوم مصانع بأعمال نفيسة من حاجيّات الجيش كالقدّوم والمنشار والكلاّب واللوالب والرّفوش والقدور والمراكن والمراجل والدّلاء والبراميل وغيرها زكلّ ذلك إذا رأيته تظنّه
стр. 6491
من صنع الغربيين وَردَ على هذه البلاد في علب مزيّنة وصناديق مقفلة وأوراق ملفوفة وطوى المراحل الطّويلة وتعاورته الأيدي الكثيرة حتى جعل رهن أمر جيشنا والحال أنّه من بلادنا وصنع أبنائها صنعوه ليدفعوا فيه عن حياضهم ومن صنع إبرةً لخدمة الجيش بحسب طاقته ومعرفته فحكمه حكم من صنع مدفعاً ومن مشى خطوةً في طريق الخير فأجره أجر من مشى خطوةً في طريق الخير فأجره أجر من مشى خطوات والتّكليف على قدر الاستطاعة
أمّا ملئ الخرطوش وصنع القذاف واستجادة أحسنها طرازاً وأفعلها وقت الحاجة فهذا ليس من شأننا البحث فيه وإنّما يقال على وجه الإجمال أنّ هذا النّوع من أنواع قوّة الجيش يعمل منه هنا القدر اللازم مما يوفّر عناء النّقل من جنسه المصنوع في معامل دار الخلافة العلية على ما هو معروف.
السّروج والخيام
ربّما كان من قليلي الخبرة من إذا سمع أنّ الحكومة متوفّرة الليل والنّهار على اصطناع السّروج للخيل والمحفات والحداجات للجمال وما يلزم المسافر في البوادي من الخيام والقرب والرّوايا والمطرات وخرائط الخرطوش وغيره أن يقول وهل هذا من المكانة بالموضع الذي تضعونه فيه فكلٌّ منّا يرى ويسمع أن هذه الصناعات موجودة في البلاد لم تفقد ولا في زمن من الزمان ومصنوعاتها مبذولة بأهون الأسعار لكل طالب.
ولكن من عرف أنّ جيشنا يحتاج إلى عشرات الألوف من السّروج والحداجات للخيل والجمال ومن هذه المصنوعات الجلديّة إلى مئات الألوف ليستخدمها في حلّه مرتحله يدرك ما يقتضي لصنع هذا العدد الكبير من المواد والرّجال العاملين ولتهيئة مصنوعاتهم على صورة مقبولة متينة رخيصة، من ألفكر والقياس والبحث والحساب.
كلٌّ منا يعرف أنّ قطارات السكك الحديدية نازعت قطارات الجمال حتى في ألفيافي والبوادي وإن سفن البحر وسفن البرّ قضت أو كادت على الجمال والبغال والحمير والبقر والفيل في معظم أقطار الأرض ولكن من الأقطار مالا مندوحة لها عن الاستغناء عن هذه الحيوانات في مهماتها زمن الحرب وزمن السّلم ومهما كثرت آلات البخار في الأقطار لم نكف لأن تطوِّق البلاد كلّها بطوق من قطاراتها وتغدو وتروح في نقل الإنسان وحاجاته
стр. 6492
وقد كانت بعض هذه الصّناعات في برّ الشّام أُصيبت بفترة بعد أن امتدّت الخطوط الحديدية من بيروت إلى دمشق فحوران ومن رياق إلى حلب فالإصلاحية ومن حلب فرأس العين ومن حمص إلى طرابلس ومن يافا فالقدس ومن حيفا فدرعا ومن دمشق إلى المدينة المنوّرة وانتقل بعض السّروجيين والخيميين إلى صناعات أخرى ولكن هذه الحرب عادت فأحيت صناعاتهم وتبيّن نفعها في داخليّة البلاد وأنّ الجيش المرابط والمجاهد في كل مصر وعصر لا يستغني عنها بحال من الأحوال.
زرنا هذه المصانع على حين فجأة فرأينا الصّنّاع على اختلاف درجاتهم مكبّين على عملهم لا يلتفتون إلى شيءٍ يجري أمامهم ومنهم قدماء أرباب الصّناعات يُرزق الواحد في اليوم العشرين والثّلاثين قرشاً وأكثرهم الجنود ومنهم طبقة الخرّيجين من صغار العملة يُعلّم في أربعة أشهر فيأتي منه ماهن ماهر كالذي تعلّم هذه الصّناعة السنين الطويلة واستعمال الآلات اللازمة للعمل ليس بعيد العهد ومنه ما يرد تاريخه إلى ستّة أشهر ومع هذا ترى الصّناع يعملون عليها كالعملة الممرّنين في معامل الغرب.
صناعة السّجاد والنّسّاجون والخيّاطون والأساكفة
راقنا جدّاً ما شهدناه في مصانع النّسيج والأقمشة وقد تمثّلت أمامنا آلات القرون القديمة من النّسيج وآلات القرون الوسطى وآلات القرن الحديث وفي كلّ واحدة من هذه الآلات يعمل النّسّاجون أقمشة نفيسة لكسوة الضّباط والجند فكأنّ لسان هذه المصانع يقول: لا جديدلمن لاقديم له. وهنا يُستفاد من كلّ قوّة
نعم استفاد الجيش الرّابع من كلّ قوّةٍ وجدها أمامه في هذه الدّيار واستعمل علمه ونشاط من عهد إليهم العمل من أصغر عاملٍ يكنس الأرض إلى المديريين ورؤساء الأدوات وبذلك صحّ فيه أن أوجد شيئاًمن لا شيء. وليست المهارة في أن يتجر التّاجر برأس مال قدره مئة ألف ليرة فيربح معاشه ولكن المهارة في أن يربح ذو رأس المال الصّغير معاشه على نسبة ذلك التّاجر الغني بأمواله
لو توفّرت هنا جميع المعدّات الكافية للنّسيج والخياطة وعمل الأحذية لما استغربنا شيئاً يعمله الجيش لأنّ الآلة بقليل من النّظر يتيسّر للقائم عليها أن يستفيد منها. ولكن أكثر العمل بالأدوات البسيطة التي تخرج مقداراً كافياً من المصنوعات بل أكثر من المأمول من مثلها
стр. 6493
وهذا وجه الغرابة وداعية الحمد والثّناء.
يخيط الخيّاطون أقمشةً وأجواخاً وطنيّةً في الغالب على صورة سريعة مقبولة. والحذّاءون يعملون أحذية متينة وجلودها وخيوطها من محصول هذه الدّيار
رأينا مصنوعات البسط والسّجاد المعمول في هذه المعامل ليجعل في خدمة الهلال الأحمر والجند عامّةً ممايسرّك خبره ومخبره لمتانة وثبات ألوانه. تمنّياً لوزادت مصنوعاته على المطلوب لاقترحنا على كلّ بيت في سوريا أن يقتني سجّادةً منها عنوان العمل الوطنيّ ودليل تنشيط كلّ صاحب دار للصّناعات الوطنيّة
وفي هذه المعامل فرعٌ لعمل الجوارب التي كانت تُصنع في حلب وعينتاب واطنه فقط ومازال لها معامل هناك. ونوع هذه الجوارب وافٍ بحاجة الجندي بالطّبع ينفع في الدفء والسّتر وهو متين لابأس به. أما نوع جوارب التّرف كجوارب الحرير البرّاق الشّفاف وغيرها فهي ليست من شأن هذا العمل وإنّما ينظر في الأقمشة وحياطتها والجوارب والأعبئة والأحذية إلى متانتها أولاً والفائدة التي يتوقّعها منها الجندي ولو أحبّت هذه المعامل أن تخرج بما لديها من الأدوات وجوارب وأنسجة للمترفينلما عسر عليها ذلك.
ولم نلاحظ في هذه المعامل ألاّ تفرّقها وعدم اجتماعها في صعيد واحد ليكون أدعى إلى حضور الذّهن وأجدر عنايةً بالعمل ولا ينظر الآن إلاّ إلى حالة المحل الصّحيّة أماصغره وترصيفه وتبييضه فأمر ثانوي لم يتّسع الوقت للتفكير فيه
والنّيّة معقودة أن تجعل هذه المصانع بعد الحرب في القدم جنوبي دمشق قرب معامل السّكة الحجازيّة فيختار لها أرضاً مساحتها كيلومتران ونصف كيلو متر وتجعل العامل كلّها في بقعةٍ واحدةٍ فيسهل التّفتيش على هذا المقر العسكري وتحسن إدارته ويكون منعزلاً عن المدينة مستقلاًّ في عمله
وهذا مقصدٌ حسن لأنّ العادة جرت في المعامل الكبرى في الغرب أن تكون منعزلة عن المدن والقرى بعيدة عن العمران.
معامل المحفوظات والمربيات والخمر
هذه الصناعة من الصناعات التي لم تعرف في دمشق قبل الحرب فأدخلت إليها بطرقها الكيماويّة وأدواتها المستحدثة وتعلّمها العملة من الجند والنّساء فتجد في محلّها فرعاً لعمل
стр. 6494
الحساء الشّورباذروراً ثمّ يُذاب في ماء حار وقت الاستعمال فيأتي منه حساءٌ لطيف كأنه طبخ السّاعة. ويُستخرج أشربةً كثيرةً مثل ماء الزّهر وماء الورد وشراب قشر الليمون وشراب قشر البرتقال فتُجعل روحه في زجاجات تكفي القطرة منه لكأس ماء حتّى تكون حلوة ذات نكهة طيّبة كأنّه عمل لساعته. وهذه الأشربة تنفع الجيش كثيراً ولاسيّما في مستشفيات البادية.
وفي هذا المعمل فرعٌ لاستخراج مرق اللّحم من العظام وتعقيمه بحيث لا تذهب العظام التي تخرج من مسالخ الجيش في هذه الحاضرة من دون فائدة وللنّساء العاملات هنا دخلٌ كبير في هذا الصّنف فتراهنّ لابسات المآزر الكحليّة يعملن على الدّوام على نظامٍ تام وتُرزق الواحدة منهن ثلاثة قروش وثلاثة أرغفة في اليوم ويتناولن طعام الظّهر في المعمل بالاشتراك بينهن وقد نُصبت لهم موائد وأمام كلّ واحدةٍ منهن صحفتها وكأسها وكذلك الرّجال في مكانٍ آخر. وأهمّ ما يستخرجه معمل المحفوظات والمربّيات حفظ الثّمار والبقول على طريقةٍ لا تنقص من تغذيتها وتكون عند الاستعمال كأنّها طريّة حديثة عهدٍ بالقطف من الشّجرة أو المسكبة ويبلغ عدد البقول المربية عشرة أنواع يتناولها الجندي في كلّ وقت كأنّما يتناولها في إبّانها ناضجة طريّة. وفي هذا المعمل فرع لعمل الخل للجيش ويُعمل كلّ ذلك على طريقة صحّيّة اقتصاديّة بحيث لا ترى جزءاً لا ينتفع به حق الانتفاع على النّحو الذي جرى عليه الغرب في معامله.
ومن الصناعات المستحدثة التي كانت هنا موجودة في حكم المفقودة صناعة عجن الخبز وخبزه بآلات تُدار بالكهرباء بسيطة في ذاتها ولكنّها تغني الغناء المطلوب فقد كان يعجن خبز الجند في أفران الجيش بالأيدي وأحياناً بالأرجل فارتأى القائد العام إحداث هذه الطّريقة الجديدة فوفّر من عمل الأيدي وخلّص الخبز مما كان يدخله من عرق الخبّازين وأوساخهم وصار معمل دمشق وحده يخرج في اليوم العشرين والثّلاثين ألف رغيف على أيسر وجه وأسرع طريقة وأنظف واسطة ويوزَّع خبز اليوم من الغد رعايةً للصّحّة.
وقد كان معمل الخبز في هذه الحاضرة منذ أشهر احترق فأُعيد على هذه الصّورة البديعة التي سداها ولحمتها مراعاةً للنظافة بل المبالغة فيها حرصاً على صحّة الضّبّاط والجند وأصبح معمل خبزنا على مثال المعامل الغربيّة وحبّذا يوم تصحّ عزيمة جمهورٍ من أرباب
стр. 6495
الأفران فيعمدون إلى تأليف نقابات لعمل الخبز على هذه الصّورة يراعون في صنعة جانب الاقتصاد والجودة والنّظافة
إنّ معامل التّعقيم والسّوائل واستخراج الأشربة الصّحيّة وتجفبف الثمار والبقول وخَبز الخبز بهذه الطّريقة كل ذلك يدل على براعة زائدة ويُسجّل عناية الجيش بما يدخل معد أفراده من الأطعمة والأشربة على وجه يجمع بين الاقتصاد والصّحة وسرعة التّحضير بحسب ما وصل إليه العلم في هذا العصر.
الصّنائع المحدثة
من الموجود من الصناعات وكان في حكم المفقود، صناعة البيطرة أو علم البيطرة، والبيزرة أو طبّ الحيوان كالخيل والجمال والبقر. وهذه الصّناعة قديمة في البشر ولكن هذا القرن أُدخل فيها من أسباب الرّقي حتى أصبحت تُدَرّس في الغرب كما يُدَرّس الطّب. والبيطار لا يقلّ في منزلته عن الطّبيب وكلاهما يطبُّ هذا الإنسان وذاك الحيوان. بّيد أنّ الجيش الرّابع رأى أن يعمد إلى طريقة عمليّة في تعليم البيطرة فأخذ يعلّمها في أربعة أشهر فيخرج التّلميذ وفي الغالب أن يكون من الطّبقة التي لم يسعدها الحظّ بتعلّم القراءة والكتابة بيطاراً من الدرجة الأولى جمع بين النّظريات والعمليّات.
يقرأ الطّالب في المدرسة وهو جنديٌّ أو معاون له من أبناء ألفقراء مستخدم بأجرة معيّنة درسه ويجيء إلى تطبيقه في الحيوانات على مقربةٍ منه ويشرح المعلّم للطلبة باللسان العربي طبّ الحيوان والمعلّم أيضاً ممن تخرجوا على هذه الصّورة فأصبح معلّماً بعد أربعة أشهر من تعاطي هذه المهنة ولكنّه يقرأ ويكتب بالطّبع. وقد جعل الطّلبة هناك فِرَقاً فِرَقاً وكلّهم يلبسون قفطاتاً أزرق حاسرين رؤوسهم ويتعلّمون بلسانٍ يفهمونه أي لسان العامّة.
وبجانب هذا المعمل معمل لصنع النّعال للخيل الأوروبية وكذلك معمل لنع مساميرها وفي هذا المعمل أيضاً زمرة من الأطفال الذين يتعلّمون هذه الصّناعة وينافسون فيها الشّبّان والكهول. والدوات المستعملة لتطريق النّعال ومساميرها بسيطةً للغاية ولكنّها متقنة تدل على روح تجدد.
وينشئ الجيش الآن معلّمين مما تشتدّ الحاجة إلى مصنوعاتهما وسيتمّان قريباً مضافين إلى المعامل والمصانع الكثيرة التي أحيا بها القديم من الصّناعات وأوجد بها المفقود منها هنا.
стр. 6496
وقديماً قالوا أنّ الصناعات إذا فقدت من مكان يتعذّر إرجاعها إليه على صورة سريعة ولكن الجيش الرّابع كذّب هذه القضية في أشهرٍ قليلةٍ وعلّم كتائب من أبناء الوطن وبناته صنائع شريفة والصّنعة في اليد أمان من ألفقر.
فطن الجرحى والمرضى
من أهمّ الصّناعات التي لم يكن لهذه الدّيار بل ولا للمملكة العثمانيّة عهدٌ بصنعها قطن الرّباطات واللفافات للجرحى فاتّخذ الجيش لصنعه أبنية حسنة بالقرب من مستشفى الغرباء في البرامكة وقسّمه أقساماً قسم الرّجال وهو لحلج القطن وندفه وقسم النّساء وهو لتنظيفه وغسله وصنعه حتى يخرج كأحسن ما يصنع من نوعه.
والنّظافة في كلّ هذه الأقسام مما يدهش له النّاظر وربّما لا نغالي إذا قلنا أنّها كادت تبلغ حدّ الإفراط ولانذكر أننا رأينا معهداً صناعيّاً في المملكة العثمانية بلغ بتأنّقه ومراعاة شروط الصّحة فيه مبلغ معمل قطن الجرحى هنا
تتمثّل لعينيك روح الإسلام العاملة الاقتصاديّة عندما ترى نساء شابّات وكهلات يتسابقن للعمل في هذا المصنع على أسلوب جديد وقد لبست كلّ واحدة منهن قفطاناً أبيض غاية في النّظافة يغطّي قامتها ووضعت على رأسها طاقيّة سترت شعرها ولم يعد يبدو غير وجهها أي أنّ المرأة هنا احتجبت بالحجاب الشّرعي وعملت عملاً يليق بها تنفع به نفسها وذويها ووطنها.
وقد نصبَ القيم عليهنّ ضابطاً كوسجاً قزماً دفعاً لكل ريبة وجُعل لهنّ مخدعان واسعان يحفظن فيهما ثيابهن ويستخدمن في المساء ماهناك من مغاسل للتّنظيف والوضوء وما يصلحهن ليعدن إلى سابق حالهن
وهذه هي الأرستقراطيّة الإسلامية ممزوجةً بروح الدّيمقراطيّة أي أن العاملات هنا جمعن بين الاجتماع على العمل الحر ولم تفُتهن الرّفاهيّة ولم يمنعهن حجابهن من الاحتراف بل عُدنَ به إلى سذاجته الأولى وأنشأن يخدمن أمّتهن من طريق الصّناعة كما كان في العصور الأولى ويكون الآن منهن الممرّضات في المستشفيات النّقّالة والثّابتة أيام الحرب.
وقد أثمر هذا العمل فوائدٌ كبيرةٌ جدّاً فلم تقتصر مصنوعاته على مستشفيات الجيش الرابع بل أرسل منذ إنشاء إلى جميع السّاحات الحربيّة قطنه ولفائفه وعصباته أرسل إلى جناق
стр. 6497
قلعة وإلى فقآسيا وإلى العراق جميع ما يلزم الجيوش العثمانيّة هناك بحيث استغنى الجيش العثماني عن جلب هذا الصنف من الغرب وهيهات أن يحصل عليه زمن الحرب وهو محظورٌ إصداره من كل مملكةٍ محاربةٍ أو غير محاربة يعدّ من المواد الحربيّة كالبارود والسلاح فيصادر حيث كان
دلّ هذا المعمل على روحٍ عاليةٍ في التّجدد وأننا أخذتا نحسن الانتفاع بقوانا وأنّ المسلمات كالمسلمين ليس في كتابهنّ ما يمنعهنّ عن مشاركة الرجال في الأعمال وإذا كان القطن يجود كلّ الجودة في سهول أطنة وأغوار الشّام وعندنا ما يلزمنا من الأدوات فلا تقتصر عقولنا عن القيام بالنافع ومراعاة المصلحة حرصاً على الوطن وسلامة لصحّة المجاهدين في الذب عن حياضه نعم قرأنا في تصفّح شؤون معامل القطن أنّ العثمانيات لم يقعد بهنّ الحال عن احتذاء مثال العثمانيين فحبّذا العمل وحبّذا إطّراده زمن الحرب وزمن السّلم
من يزُرْ مصانع الجيش الرابع يحكم حكماً قطعيّاً أنّ الدّولة التي تنظّم مثلها وتخرج مثالاً من المصنوعات التي سبق لنا وصفها صناعةٌ تحارب أربعين سنةً وهي تكاد تكون في استغناءٍ عن الغرب الذي كان بالأمس يعيّرنا بفقدان كلّ شيءٍ عندنا وانسلاخنا من كلّ استعدادٍ حتى كان عيالاً عليه في الخيط والإبرة
رعى الله أحمد جمال باشا قائد هذا الجيش كم له على بلاد الشّام من أيادٍ بيضاء فهو لم يكتف بدفع عاديّة العدو عنهم عنها بل جمّلها جمّل الله أحواله بالطّرق والجسور والمدارس والمشاريع الاقتصاديّة والعلميّة ومن أحسن آثار عمله هذه الصناعات التي استفاد منها جيشنا اليوم وغداً يستفيد منها الجيش والأمة التي يتألف منها هذا الجيش المحبوب
نعم غداً تنتهي الحرب ويخرج من تحت السّلاح مئات الألوف من أبناء هذا الوطن العزيز زمنهم من أسعده الطّالع بتعلّم صناعةٍ من هذه الصناعات فبعد أن كان قبل الحرب متشرّداً أو في حكم المتشّرد يستطيع غداً أن يكسب معاشه من صناعته ويعتمد على كدّه وعمله وقريحته
غداً يكون من أبنائنا بفضل الجيش الرابع أمهر النّسّاجين والخيميين والخيّاطين والحاكة والحدادين والنّجارين والسّروجيين والبياطرة وعملة المربّيات والمحفوظات من البقول والثّمار وغيرها مما لم تعهده ديارنا من قبل ويخرج خرّيج هذه المعامل وقد تعلّم قدر الوقت
стр. 6498
والعمل وانتظامه وما نظنّ من يدخل صناعةً على قومٍ يتعلّمون بها ما ينعشهم من هوّة الحاجة بأقلّ في حسن الأثر والأحدوثة ممن يفتح بلداّ أو يستعمر قطراً ولذلك يحمد الوطن صنيع قائد الجيش الذي عرف كيف ينتفع من كلّ قوّةٍ في البلاد وامتاز بأنّه كان من الرّجال الذين يحسنون انتخاب عمّالهم والمباشرين لجميع فروع إدارة الجيش فقد كان الصّالح للعمل في الإدارات الكبرى قبله عشرة في المئة وباقيهم خشب مسندةٍ أو كالسّوس في الخشب وهاقد أصبح بفضله وبفضل أنصاره عدد الصالحين للعمل يربو على التسعين في المئة وذلك لأنه موفّقٌ في حسن الاختيار وطرح المرذول والإتيان بالمحمود واختيار المرء قطعة من عقله ولذلك ترى فروع أعمال الجيش هنا يحلّق عليها على الدّوام طير اليمن والبركة
إنّ الروح التي بثّها في الجيش العثمانيّ أجمع صاحب الدّولة أنور باشا وكيل القائد الأعظم وناظر الحربيّة قد كان أثرها عظيماً جدّاً في هذا الجيش الرابع أيضاً إذ وجد لها مثل أحمد جمال باشا عالماً عاملاً يطبّقها ويزيد ما يرى الحاجة المحلّيّة ماسّةً إليه من الأعمال الخطيرة ومن أهمّ دواعي النجاح أنّ جمال هذا الجيش لم يتقيّد بحرفيّة القانون بل اهتمّ بجوهره وإذ كان مفطوراً على حبّ العمران جاءت على يديه مثل هذه الصناعات ونفّذ رغائبه في ذلك أناسٌ أكفاء اختارهم للعمل فبرزوا فيه وأدركوا أسراره وخوافيه
يعدّ الجيش اليوم المدرسة العادليّة أكبر مدارس الشّافعية في القرون الوسطى بدمشق ليأوي إليها ثلاثمائة وخمسون طالباً من طلاّب الصناعات في الجيش في هذا السبيل ألفاً وخمسمائة ليرة لتكون صالحةً لسكناهم ويعيشون فيها عيشاً منتظماً تجود به صحّتهم وتفتح قرائحهم وتصير أيديهم مرنةً حاذقة وعقولهم مفكّرةً مدبّرةً.
وهذا العدد من الطلاّب إذا أضيف إليه ألوف الصنّاع الذين يعملون في مصانع الجيش اليوم يغنون ولا شكّ البلاد بمصنوعاتهم في كل فرعٍ من فروع الصّناعة ويكون ذلك من بعض حسنات القائد العامّ أحمد جمال باشا ومضاء رجال الإدارة مثل مفتّش المنزل كاظم بيك الذي له فضلٌ عظيمٌ في تنظيم هذه الصناعات وغرامٌ شديد بتخريج أبناء الوطن على حبّها
стр. 6499
أنا والشّلال
قالت: عهدتك لا تهاب مُلمّةً ... ما لي أراك جزعت من شلاّلِ
ولّيت عنه وكنت تعشق قربه ... ولربّما ولّى المحِبُّ السّالي
يا نفس حسبك أن ترومي والهاً ... بها والطبيعة دائم البلبالِ
إني لأعشق كلّ غصنٍ يلتوي ... وأحنّ من طرب السلسالِ
يهتاجني العصفور وهو مصوِّتٌ ... يدعو ذويه إلى ارتشاف الزّلالِ
ويروقني الجبل الرَّفيع كأنّما ... هو طامعٌ من جوّه بنوالِ
إني لَيَشغفني هوىً وصبابةً ... نبتٌ بجانب جدولٍ سيّالًِ
عبثت به أيدي النّسيم فأوّدت ... أعطافه فاهتزّ غير مبالِ
ويروقني الشّلاّل منحدراً هوى ... نحو البسيطة من أشمٍّ عالٍ
يغلي كأنّ النار بين ضلوعه ... ويثور مندفعاً إلى الأدغال
شابت غدائره فأرسلها على ... وجه الرّمال وهمّ بالإعوال
ولقد دنوت مقبِّلاً قطراته ... فرميت من قطراته بنبالي
شلاّلٌ ويحك أنت مثلي في الهوى ... أو لم تُشبكِ قوارع الأهوال
وعلامَ تدفعني وأنت معربدٌ ... خفّف عليك فأنت من أمثالي
أشكو وتشكو الحادثات وإنّما ... هي علّة الإدبار والإقبال
تابعتُ في القمم المسير فلم يرُق ... للنّائبات سراكِ في الأجبال
واليت خطوَكِ هادئاً فتمثّلت ... لكِ في السّبيل فعدت غير موالِ
صدّتكَ عن حيث ابتغيتَ عوائقٌ ... حاولن بي صدّاً عن الآمالِ
فهوَيتَ من علٍ هائجاً، ولبثتُ لا ... متململاً، والكارثات حيالي
هلاّ صبّرتَ كما صبّرتُ فإنّه ... بالصّبر يُدفع فاجئ الأجوالِ
(الزِّركلي)
стр. 6500
الوافي بالوفيّات
صلاح الدين خليل بن أيبك الصّفدي أحد رجال قرن القرن الثّامن وُلد في صفد سنة ٦٩٦هـ - (١٢٩٦م) وتوفّي سنة ٧٦٤هـ - (١٣٦٣م) وهو إمام في اللغة والشّعر والتاريخ وألفقه تخرّج على علماء دمشق في عصره فأخذ الشّعر عن جمال الدين بن نباتة واللغة عن أبي حيّان وألفقه الشّفعي عن الحافظ المزّي وابن جماعة والتّاريخ عن الذّهبي والمغازي والسِّيَر عن الحافظ بن سيّد الناس وتولّى عدّة مناصب إداريّة وماليّة في صفد والقاهرة وحلب ودمشق وقبره إلى اليوم معروفٌ في صفد وهو في حيّ الإسرائليين هناك وقد كان من المؤلّفين المجيدين ذكر له بروكلمان في تاريخ آداب اللغة العربية ثلاثين مصنّفاً تحتوي على نحو مئة مجلّد وكانت له عنايةٌ خاصّةٌ بالشّعر والنّثر ومما طبع له في الأستانة سنة ١٢٩٩م كتاب جنان الجناس في علم البديع وطبع له في مصر سنة ١٣٢٩م كتاب نكت الهميان في نكت العميان ويكاد يكون أخصّائياً في التراجم وأهمّ كتبه الوافي بالوفيّات يدخل في بضع مجلّداتٍ كبرى تحتوي على زهاء عشرة آلاف ترجمةٍ من أول الإسلام إلى عهد المؤلّف وفيه ما في وفيّات الأعيان لابن خلكان وطبقات الأدباء لياقوت مع زياداتٍ كثيرةٍ فاتت هذين المؤلّفين أو حدثت بعدهما
ولقد كان يظنّ أنّ كتاب الوافي فقد في جملة ما فقد من كتب العرب لكن تبيّن بعد أنّ أجزاءه مبعثرةٌ في خزائن الكتب في ديار الغرب ولاسيّما خزائن أكسفورد وباريز وفيينا وفي الخزانة التيموريّة والخزانة الزّكية في القاهرة ودار الكتب الخديوية عدّة أجزاءٍ منه إذا جمعت الأجزاء من مصر وأوروبة كان من مجموعها نسخةٌ تامّةٌ فيما نظنّ. وإذا صحّت نيّة إحدى المطابع أو الجمعيّات العلمية في البلاد المصرية أو الألمانية أو الإنكليزيّة أو الهولاندية على طبعه جاء منه كتابٌ لا يقلّ في النّفاسة والفائدة عن تاريخ الطّبري وطبقات ابن سعد والمكتبة الأندلسيّة العربية والمكتبة الجغرافيّة العربية ومعجم البلدان ومعجم الأدباء لياقوت والمخصّص لابن سيده وصبح الأعشى وغيرها من الأسفار المهمة التي أحيتها مصر وأوروبا
افتتح المؤلّف كتابه في من اسمه محمد فبدأ باسم صاحب الشّريعة ﵊ وثنى بمن اسمه محمد من الرجال ثم عاد فساق التراجم على حروف المعجم وكلامه بشفّ عن تحقيقٍ إذ تهيّأت له موادٌ من التاريخ معقودٌ بعضها اليوم بحكم الضّرورة وعبارته من
стр. 6501
السهل الممتنع فيها الأدب الغضّ مع السلاسة الساحرة فكان من صدر عفو القريحة من قلم الصلاح الصفدي أقرب إلى مناحي ألفصحاء من عبارات المتكلّفين المتنطعين
ذكر في مقدمته البديعة أعاظم رجال الملّة الذين قال فيهم أنّ علماءها كأنبياء بني إسرائيل وأمرائها كملوك فارس في التنويه والتنويل ذاكراً فيه الخلفاء والصحابة والتابعين والأمراء والقضاة والعمال والوزراء والقرّاء والمحدّثين والفقهاء والشيوخ والأتقياء والأولياء والنّحاة والأدباء والكتّاب والشّعراء والأطبّاء والعلماء وأهل العقل والذّكاء وأرباب المقالات ورؤساء المذاهب والمتفلسفين وكل من اشتهروا بعلمٍ أو شأنٍ وقد جعل المقدّمة على فصول الأول في مصطلحات الأمم ولاسيّما العرب والفرس واليهود وغيرهم على حساب السنين والتاريخ. الثاني بحث فيه بحثاً نحويّاً. الثالث في كيفيّة كتابة التاريخ. الرابع في الأنساب. الخامس في الكنى والألقاب والعلم. السادس في الهجاء والإملاء والاختصار. السابع فيمن كتب في التاريخ. الثامن فيما يراد بالوفاة والوفيّات. التاسع في فائدة التاريخ. العاشر في صفات المؤرّخ. الحادي عشر ذكر فيه تواريخ الشرق
قال في ألفصل الثالث: تقول للعشرة وما دونها خلون لأن المميز جمع والجمع مؤنّثٌ وقالوا لما فوق العشرة خلت ومضت لأنهم يريدون أنّ الجمع مميزه واحدٌ وتقول من بعد العشرين لتسعٍ إن بَقَين تأتي بلفظ الشّكّ لاحتمال أن يكون الشّهر ناقصاً أو كاملاً وقد منع أبو علي ألفارسي رحمه الله تعالى أن يكتب لليلةٍ خلت كما منع من صبيحتها أن يقال المستهلّ لأن الاستهلال قد مضى ونصّ على أن يؤرّخ بأول الشّهر في اليوم أو بليلةٍ خلت منه وقال الحريري في درّة الغوّاص: والعرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير فيقولون لأربعٍ خلَون ولأربع عشرة ليلةٍ خلت قال: ولهم اختيار آخر وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشدّدة كما نطق به القرآنإنّ عدة الشّهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعٌ حُرُمٌ ذلك الدِّين القيّم فلا تظلموا فيهنّ أنفسكمفجعل ضمير الأشهر الحُرُم بالهاء والنون لقلّتهنّ وضمير شهور السّنة الهاء والألف لكثرتها وكذلك اختاروا أيضاً أن ألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء فقالوا أقمت أياماً معدوداتٍ وكسوته أثواباً رفيعاتٍ وعلى هذا جاء في سورة البقرةوقالوا لم تمسّنا النار إلا أياماً معدودةًوفي سورة آل عمرانإلا أياماً معدوداتٍكأنهم
стр. 6502
قالوا أولاً بطول المدّة ثمّ إنّهم رجعوا عنه فقصروا المدّة انتهى والواجب أن تقول في أول الشهر لليلةٍ خلت منه أو لغرّته أو لمستهلّه فإذا تحقّقت آخره قلت انسلاخه أو سلخه أو آخره. قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرخ بالأقلّ فيما مضى وما بقي فإذا استويا أرّخت بأيهما شئت قل بل إن كان في خامس عشر قلت منتصف أو خامس عشر وهو أكثر تحقيقاً لاحتمال أن يكون الشّهر ناقصاً وإن كان في الرابع عشر ذكرته أو السادس عشر ذكرته
فائدة: ورأيت ألفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا وبعضهم لم يذكروا بعدها شهراً وطلبت الخاصّة في ذلك فلم أجدهم أتوا بشهرٍ إلا مع شهرٍ يكون أوله حرف راءٍ مثل شهري ربيع وشهري رجب ورمضان ولم أدرِ العلّة في ذلك ما هي ولا وجه المناسبة لأنّه كان ينبغي أن يحذف لفظ شهر من هذه المواضع لأنه يجتمع في ذلك رأيان وهم قد فرّوا من ذلك وكتبوا داود وناوس وطاوس بواوٍ واحدةٍ كراهة الجمع بين المثلين وجرت العادة بأن يقولوا في الشّهر المحّرم شهر الله وفي شهر رجب شهر رجبٍ ألفرد أو الأصمّ أو الأصب وفي شعبان شعبانُ المكرّم وفي رمضان رمضانُ المعظّم وفي شوّال شوالُ المبارك ويؤرخوا أول شوّال بعيد ألفطر وثامن ذي الحجّة بيوم التّروية وتاسعه بيوم عرفة وعاشره بعيد النّحر وتاسع المحرّم بيوم تاسوعاء وعاشره بيوم عاشوراء فلا يحتاجون أن يذكروا الشّهر ولكن لابدّ من ذكر السّنة
ومما قاله في ألفصل الخامس: إذا عرفت العلم والكنية فسردها يكون على الترتيب تقدّم اللقب على الكنية والكنية على العلم ثمّ النسبة إلى البلد ثمّ إلى الأصل ثمّ إلى المذهب في ألفروع ثم إلى المذهب في الاعتقاد ثم إلى العلم أو الصناعة أو الخلافة أو السّلطنة أو الوزارة أو القضاء أو الإمرة أو المشيخة أو الحجّ أو الحرفة كلّها مقدّمٌ على الجميع فتقول في الخلافة أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو العباس أحمد السامري إن كان وُلد بسرّ من رأَى البغدادي فرقاً بينه وبين الناصر الأموي صاحب الأندلس الشافعي الأشعري إن كان يتمذهب في ألفروع بفقه الشافعي ويميل في الاعتقاد إلى أبي الحسن الأشعري ثم تقول القرشي الهاشمي العباسي وتقول في السلطنة السلطان الملك الظّاهر ركن الدِّين أبو ألفتح بيبرس الصَالحيَ نسبةً إلى أستاذه الملك الصالح التركي الحنفي البندقدار أو السلاح دار وتقول في الوزراء الوزير فلان الدين أبو كذا فلان وتسرد الجميع كما تقدّم ثم تقول وزير
стр. 6503
فلانٍ وتقول في القضاة كذلك القاضي فلان الدين وتسرد الباقي إلى أن يجعل الآخر وظيفته قبل الإمرة مثل الجاشنكير أو السّاقي وغيرهما وتقول في أشياخ العلم العلاّمة أو الحافظ أو المُسند فيمن عُمِّر وأكثر الرواية أو الإمام أو الشيخ أو ألفقيه وتسرد الباقي إلى أن نختم الجميع بالأصولي أو المنطقي أو النّحويّ وتقول في أصحاب الحِرَف فلان الدين وتسرد الجميع إلى أن تقول الحرفة أما البزّاز أو العطّار أو الخيّاط فإن كان النّسب إلى أبي بكر الصديق ﵁ قلت القرشي التيميّ البكريّ لأنّ قريشاً أعمّ من أن يكون تيميّاً والتّيميّ أعمّ من أن يكون من ولد أبي بكر ﵁ وإن كان النّسب إلى عمر بن الخطاب ﵁ قلت القرشي العدوي العمري وإن كان النسب إلى عثمان بن عفّان ﵁ قلت القرشيّ الأموي العثماني وإن كان النسب إلى علي بن أبي طالب ﵁ قلت القرشي التيميّ الطلحيّ وإن كان النّسب إلى الزبير ﵁ قلت القرشي الأسدي الزبيري وإن كان إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ قلت القرشي الزّهريّ السّعديّ وإن كان النسب إلى سعد ﵁ قلت القرشيّ العدوي السعدي إلا أنه ما نُسِب إليه فيما علم وإن كان النسب إلى عبد الرحمن بن عوف ﵁ قلت القرشي الزهري العوفي من ولد عبد الرحمن بن عوف وإن كان إلى أبي عبيدة بن الجرّاح قلت القرشي من ولد أبي عبيدة
وقال في أدب المؤرخ: نقلت من خط الإمام العلاّمة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ما صورته: يشترط في المئرّخ الصّدق وإذا نقل يعتمد اللفظ والمعنى وأن لا يكون ذلك الذي نقله أخذه في الذاكرة وكتبه بعد ذلك وأن يسمي المنقول عنه فهذه شروطٌ أربعةٌ فيما ينقله ويشترط أيضاً لما يترجمه من عند نفسه ولما عساه يطول في التّراجم من القول أو يقصر أن يكون عارفاً بحال صاحب الترجمة علماً وديناً وغيرهما من الصفات وهذا عزيزٌ جدّاً وأن يكون حسن العبارة عارفاً بمدلولات الألفاظ وأن يكون حسن التصوّر حتى يتصوّر حال ترجمته جميع حال ذلك الشّخص ويعبّر عنه بعبارةٍ لا تزيد عليه ولا تنقص عنه وأن لا يغلبه الهوى فيخيّل إليه هواه الإطناب في مدح من يحبّه والتّقصير في غيره بل إما أن يكون مجرّداً من الهوى وهو عزيزٌ وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه ويسلك طريق الإنصاف فهذه
стр. 6504
أربعة شروطٍ أخرى ولك أن تجعلها خمسةً لأن حسن تصوُّره وعلممُه معهما الاستحضار حين التصنيف فيجعل حضور التّصوُّر زائداً على حسن التّصوُّر والعلم فهي تسعة شروطٍ في المؤرِّخ وأصعبها الاطّلاع على حال الشّخص في العلم فإنّه يحتاج إلى المشاركة في علمه والقرب منه حتى يعرف مرتبته وما ذكرت هذا الكلام غلا بالنسبة إلى تواريخ المتأخّرين فإنّه قلّ فيهم اجتماع هذه الشّروط وأمّا المتقدّمون فأما أتأدّب معهم. . .
وذكر في ألفصل الحادي عشر أسماء كتب التاريخ المؤلّفة لمن تقدّم من أرباب هذا ألفنّ فساق اسم ٢٨٢ تاريخاً من تواريخ المشرق وبلاده وتاريخ المغرب وبلاده والتواريخ الجامعة وتواريخ الملوك والوزراء والعمّال والقضاة والقرّاء والعلماء والشّعراء وتواريخ مختلفة وقال في آخره: وكتب الجرح والتعديل والأنساب ومعاجم المحدّثين ومشيخات الحُفَّاظ والرّواة فإنها لا شيءٌ يحصره حدٌّ ولا يقصره عدٌّ ولا يستقصيه ضبطٌ ولا يستدنيه ربطٌ لأنها كاثرت الأمواج أفواجاً وكابرت الأدراج اندراجاً. قلنا وأسماء هذه الكتب تنعي إلى الخَلَف قصورَه عن اللحاق بالسّلَف ومن الغريب أن لم يُطبع حتى الآن سوى جزءٌ قليلٌ من تلك التواريخ وقد فقد بعضها على ما يظهر من فهارس خزائن الكتب الغنيّة في أوروبا
وهذه المقدّمة وحدها كتاب علمٌ برأسه تنمّ عن فضل كاتبها وأنّ تاريخه جعبة ألفوائد والأوابد فهي أشبه بمقدّمة ابن خلدون لتاريخه ومقدّمة الصّلاح الصّفديّ تعلّي منزلة تاريخه الوافي الشافي وهاك الآن نموذجاتٍ قليلةً منه تعرف بها أسلوبه في ترجمة المشهورين ونمطه في إنشائه وتصوير الرجال وذكر المهمات من أخلاقهم وعلومهم وأحوالهم نقلناها عن نسخة الأمير كايتاني في رومية التي أخذت له بالتصوير الشمسي نقلاً عن الأجزاء المبعثرة في خزائن كتب أوروبا
قال الصفدي في سنة ٧. ٢ م: كان المصاف بين التتار والمسلمين في مرج الصفر فانهزم فلّهم في الزواريق واجتازوا ألفرات من دير يسير ومما قاله شمس الدين السيطبي في هذه الوقعة:
جاؤوا وكلّ مقامٍ ظلّ مضطرباً ... ومنهم كلّ مقامٍ بات يرتجف
فشاهدوا علم الإسلام مرتفعاً ... بالعدل فاستيقنوا أن ليس ينصرف
стр. 6505
لاقاهم الفيلق الجرّار فانكسروا ... خوف العوامل بالتّأنيث فانصرفوا
يا مرج صفر بيّضت الوجوه كما ... فعلت من قبل والإسلام يؤتلف
أزهر روضك أزهى عند نفحته ... أم يانعات رؤوسٍ فيك تقتطف
غدران أرضك قد أضحت لواردها ... ممزوجةٌ بدماء المغل تغترف
زلّت على كتف المصريّ أرجلهم ... فليس يدرون أنّا تؤكل الكتف
آووا إلى جبلٍ لو كان يعصمهم ... من هوج فرخ المنايا حين يختطف
دارت عليهم من الشجعان دائرةٌ ... فما نجا سالمٌ منهم وقد زحفوا
ونكسوا منهم الأعلام فانهزموا ... ونكصوهم على الأعلام فانقصفوا
ففي جماجمهم بيض الظِّبا زبرٌ ... وفي كلاكلهم سمر القَنا قصفُ
فرّوا من السيف ملعونين حيث سروا ... وقتلوا في البراري حيثما وجدوا
فما استقام لهم في أعوجٍ نهجٌ ... ولا أجارهم من مانعٍ كتف
قال الصفدي ما أعرف في كتب الأدب شيئاً إلا وقد اختصره جمال الدين بن مكرم فمما اختصره كتاب الأغاني ورتّبه على الحروف وزهر الآداب وكتاب الحيوان فيما أظنّ واليتيمة والذخيرة وشوار المحاضرة وغير ذلك حتى مفردات ابن البيطار وكان يختصر ويكتب في ديوان الإنشاء واختصر تاريخ ابن عساكر وتاريخ الخطيب ذيل ابن النجار وجمع بين كتاب الصّحاح للمجوهريّ والمحكم لابن سيده وكتاب الأزهري فجاء ذلك في سبعةٍ وعشرين مجلّداً ومات وترك بخطّه خمس مائة مجلّدٍ وقال في ترجمة حبيب بن محمد بن صمصامة أمير دمشق القائد أبو ألفتح وليّ دمشق مرّاتٍ من قبل خاله أبي محمودٍ الكتامي وكان جبّاراً ظالماً سفَّاكاً للدماء إذا للأموال كثر دعاء أهل دمشق عليه وابتهالهم إلى الله تعالى فيه فهلك بالجذام سنة تسعين وثلاثمائة
وقال في ترجمة الحرث بن عبد الرحمن بن الغار بن ربيعة الجرشي من وجوه أهل دمشق وفضائحهم وكان قد سرد بالغوطة قبل وصول مروان إلى مصر وكتبوا إليه بولاية دمشق وكان بداريّا يأتيه الأشراف يسلّمون عليه إلى أن أقبل عبد الله بن عليّ فنزل دمشق وقدم الحرث وافداً على المنصور مستعطفاً لأهل الشّام فقام وقال: أصلح الله أمير المؤمنين إنّا لسنا وفد مباهاةٍ ولكن وفد توبةٍ وقد ابتُلينا بفتنةٍ استقرّت كرمنا واستخفّت حلمنا فنحن بما
стр. 6506
قدمنا معترفون ومما سُلِب منا معتذرون فإن تعاقبنا فيما أجرمنا وإن تعفُ عنّا فبفضلك علينا فاصفح عنّا إذا مَلَكْْتَ وامنن إذا قدرت وأحسِن فطالما أحسنت فقال المنصور: قد فعلت
وقال: محمد ابن أحمد بن عبد الله أبو علي المعتزلي شيخ المعتزلة الداعية إلى مذهبهم كان يدرس الاعتزال والحكمة فاضطرّه أهل السّنّة إلى أن لزم بيته قال صاحب المرآة خمسين سنةً لا يتجاسر على الظّهور
وقال: ناصر الدين ابن المقدسي ولّي سنة ٦٧٨ هـ وكالة بيت المال ونظر جميع الأوقاف بدمشق وفتح أبواب الظّلم وخلع عليه بطرحة غير مرّةٍ وخافه النّاس وظلم وعسف وعدا طوره وتحامق حتى تبرّم به النّائب ومَن دونَهُ وكاتبوا فيه فجاء الجواب بالكشف عما أكل من الأوقاف ومن أموال السّلطان والبرطيل فرسموا عليه بالعذراوية وضربوه بالمقارع فباع ما قدر عليه وحمل جملةً وذاق الهوان واشتفى منه الأعادي وكان قد أخذ من النّاصريّ الزّنبقيّة وكان يباشر شهادة جامع العقيبة فحصل بينه وبين قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي نفرة فتوجه إلى مصر ودخل على الشَّجاعيّ فأدخله على السلطان وأخبره بأشياء منها أمر بنت الملك الأشرف موسى بن العادل وأنها باعت أملاكها وهي سفيهةٌ تساوي أضعاف ما باعته فوكّله السلطان وكالةً خاصّةً وعامّةٌ فرجع غلى دمشق وطلب مشتري أملاكها بعد أن أثبت سفهها فأبطل بيعها واسترجع الأملاك من السيف السامري وغيره وأخذ منهم تفاوت المغل وأخذ الخان الذي بناه الملك الناصر قريب الزنجيلية وبساتين بالنيرب ونصف حزرما ودار السعادة وغير ذلك الخ ثم طُلب إلى مصر فوجد مشنوقاً بعمامته
وقال: مؤيد الدين المهندس الدمشقي كان أستاذا في نجارة الدّفّ ثم برع في علم إقليدس ثمّ ترك نقش الرخام وضرب الخيط وأقبل على الاشتغال وبرع في الطب والرياضي وهو الذي صنع الساعات على باب الجامع سنة ٥٩٩ هـ
وقال الصفدي في ترجمة رجار صاحب صقلية: رجار ملك الفرنج صاحب صقلية هلك بالخوانيق سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة ويقال فيه أجّار بهمزة بدل الراء وجيمٍ مشددة وبعد الألف راءٌ كان فيه محبّة لأهل العلوم ألفلسفية وهو الذي استقدم إليه الشّريف الإدريسي صاحب كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق من العدوة ليصنع له شيئاً في صورة العالم
стр. 6507
فلما وصل إليه أكرم نزله وبالغ في تعظيمه فطلب منه شيئاً من المعادن ليصنع منه ما يريد فحمل إليه من ألفضّة الحجر وزن أربعمائة ألف درهمٍ فصنع منها دوائر كهيئة الأفلاك وركّب بعضها على بعضٍ ثمّ شكّلها له على الوضع المخصوص فأُعجب بها رجارٌ ودخل في ذلك ثلث ألفضّة وأرجح بقليلٍ وفضل له ما يقارب الثلثين فتركه له إجازةً وأضاف لذلك مائة ألف درهمٍ ومركباً موسقاً كان قد جاء إليه من برشلونة بأنواع الأجلاب الرّوميّة التي تجلب للملوك وسأله المقام عنده ومتى كنت بين المسلمين على فلك (كذا) ومتى كنت عندي أمنت على نفسك فأجابه إلى ذلك ورتّب له كفايةً لا يكون إلا للملوك وكان يجيءُ له راكب بغلةٍ فإذا صار عنده يتنحّى له عن مجلسه فيأتي فيجلسان معاً وقال له: أريد تحقيق أخبار البلاد بالمعاينة لا بما ينقل من الكتب فوقع اختياره على أناسٍ ألباء فطناء أذكياء وجهّزهم رجار إلى أقاليم الشرق والغرب جنوباً وشمالاً وسفّر معهم مصوّرين ليصوّروا ما يشاهدونه عياناً وأمرهم بالتّقصّي والاستيعاب لما لابدّ من معرفته وكان إذا حضر أحدٌ منهم بشكلٍ أثبته الشّريف الإدريسي حتى تكامل ما أراد وجعله مصنفا وهو كتاب نزهة المشتاق الذي للشريف الإدريسي وكان رجار المذكور قد أخذ طرابلس الغرب عنوةً بالسيف في يوم الثلاثاء سادس المحرّم سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقتل أهلها وسبى الحريم والأطفال وأخذ الموال ثم إنه شرع في تحصينها بالرجال والعدد ثم إنّه أخذ المهدية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة لأنّ صاحبها الحسين بن علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ الصهناجيّ عجز عن مقاومته فخرج من المهدية هارباً بما خفّ من النفائس وخرج من قدر على الخروج. ولما هلك رجار ملكَ بعده ولده غُليلم بضمّ الغين وبعده الميم المعجّمة بين اللامين الساكنين ياءٌ وبعده اللام وعليه قدم قلاقس الإسكندري سنة ثلاث عشرة وستّين وخمسمائة وامتدحه بقصيدةٍ إلى آخر ما قال.
هذه نموذجاتٌ من الوافي وهو من أجدر ما يجب الاهتمام بطبعه تتميماً لسلسلة تواريخنا
стр. 6508
الحقيقة في الخيال
متى تنجاب هاتيك الدّجون ... وعنّا تنجلي تلك الظّنون
متى يعلو على الشّكّ اليقين ... متى يصبو على الحزن الرّزين
أنبقى هكذا بيد الفجائع ... ضرائب للبنادق والمدافع
لنا في كلّ شارقةٍ مصارع ... تصيد نفوسنا فيها المنون
تقاضينا إلى حدّ الحسام ... على ما ليس يؤبه من خصام
وتقذفنا لمنذور الحطام ... لجارية القضاء نوّى شطون
يهيب بنا اللموع من السّرابِ ... لورد الحتف في حمس الضراب
ويخدعنا الجهام من السّحابِ ... فنحسب أنّه الغيث الهتونُ
يرينا المرء في سكنى الأطام ... خلال المرء في سكنى الخيام
ألذّ مُدامه كأس الحمام ... واهنأ عيشه الحرب الزّبون
له دانت مواليد الطبيعة ... فأضحت وهي صمّاءٌ سميعة
أطاعته وما برحت مطيعة ... تبوح بسرّها وهو المصون
فكم كشفت معارفه حجاباً ... وكم راضت مواهبه صعاباً
وكم دكّت عزائمه هضاباً ... وكم خضعت له بكرٌ وعون
فنونٌ كم له منها جنونٌ ... وإنّ جنونه أبداً فنون
وكلّ حديثه معها شجون ... وكلّ شجونه فيها فتون
تضاحكه فيطرب لا يبالي ... بما منها له تلد الليالي
وينسى ما جنته على الأوالي ... وما خبّأت له منها القرون
يطيع نداء ناقضة الذّمام ... ويعصي كلّ طيّعة الزّمام
هجيراه مجانبة الوئام ... وبين ضلوعه الدّاء الدّفين
سواءٌ عنده ركب ألفضاََء ... بتطلاب العلى أم خاض ماَء
ودأماء توسَّطُ أم دماَء ... له في كلّ حادثةٍ سفين
أجال بغامضٍِ الأكوان فكراً ... فأوضح مبهماً وابان سرّاً
وكم أوحت له آياً وسفرا ... ًوسَر كتابها فيه مبين
جلا سنن الطّبيعة فاجتلاها ... كواكب كم أبان له ضياها
стр. 6509
خفايا ليس يدرك منتهاها ... ولا ترقى لأيسرها الظّنون
رقى سيّارةً فوق الهواء ... تحكّ بروقها زهرُ السّماءِ
وراح بها يدلّ على ذكاءٍ ... وددت أنها منها تكون
يراها العلم معجزة العصور ... ومشكاةً جلاها للدهور
وأطلقها هوازئ بالبدور ... تقيّد في محاسنها العيون
تراها وهي ناشرةُ الجناح ... كدلاحٍ تلفع بالرياح
فما حملت سوى أجلٍ متاحٍ ... وبين ضلوعها حتفٌ مهين
فكم عنها تمخّضت السنين ... وما نشرت وكم طويت قرون
وما سمحت بمولدها البطون ... ولا بلغ الظّهور لها جنين
تخطّ بمهرق الآفاق سطراً ... فتقرأ منه للإعجاز شعراً
وللتدمير والتّفريق نثراً ... وحاصل معنييه أذىً وهون
يثور بصدرها غازٍ فتغلي ... مراجلها على حقدٍ وغلّ
وإن تنظر فليس لغير ذلٍّ ... وضيمٍ ذلك النّظر الشّفون
طوى خبر البساط لها عيانٌ ... به لبصائر الدنيا افتتان
وإن يسلس لراكبها عنانٌ ... فكم منها يعاصيه حرون
تغرّد في الفضا تغريد شادي ... فيطرب شدوها سمع الجماد
وإن هامت بها في كلّ وادٍ ... عقولٌ فهي واديها الأمين
تريك على جمام الكدّ مزحاً ... فتشرح طبعك المكدود شرحاً
وإن محضتك بعد الغشّ نصحاً ... فكم من جدٍّ يولّده المجون
تطير وهل تباريها النسور ... ودون محلّها الشّعرى العبور
ولن يرقى لمرقاها الأثير ... وهل تُرقى الخواطر والظّنون
لمسترق النّجيّ غدت شهاباً ... تلهب في أضالعه التهاباً
وتقصيه وما بلغ اقتراباً ... لخافيها المراصد والعيون
تُرى بدراً وآونةً هلالاً ... إذا في الأفق أسرعت انتقالاً
وإن لاحت بوجه الكون خالاً ... فما غير الفضا لها جبين
стр. 6510
إذا جاشت بها قدرٌ تفور ... تدور كما يصرفها المدير
وإن زفرت يطير بها الزّفير ... وإن غضبت يجنّ لها جنون
كأن البرق أصدقها الودادا ... فملّكها بجبينه الفؤادا
وصيّرها لناظره سواداً ... ولكنّ الخفوق لها جفونٌ
بجانحة الزّمان غدت ضميراً ... وطرفاً في محاجره قريراً
وعضباً في سواعده طريراً ... ولكن غير ما صنع القيون
أيا عصر البخار إليك شكوى ... يغصّ بها فم الأيّام شجواً
ابن إن كنت تنطق لي بنجوى ... لها بأضالعي وجدٌ كمين
أينطق في معاجزك الجماد ... ولم يمطرهم رفقٌ ولين
أتجريها جواري منشِئاتٍ ... مواثل كالجبال الرآسيات
وتوقرها صنوف المجعزات ... تراع بها المعاقل والحصون
تخادعنا ببرّاق لموعٍ ... كذلك شيمة الختل الخدوع
وكم لك في البريّة من صنيعٍ ... تشيب له الذّوائب والقرون
فنونك لم تدع أرضاً خلاءً ... ولم تجرِ بها عسلاً وماء
وكم فيها أفاضت كهرباَء ... بساطعها اعتدى ضبٌّ ونونُ
لئن نصبت بنوكٌ لها دلائل ... فلم تكًُ للورى إلا حبائل
وإن أهلّت بآنسها المجاهل ... فما هي للنهى إلا حزون
وكم لبنيك من آي اختراع ... طوائلها تقصّر كلّ باع
وتذهب بالمذانب والتّلاع ... إذا يوماً لها فاضت عيون
لئن خلبت بوارقها العقولا ... فلم يكُ ومضها غلا نصولا
وكم فينا جلت عضباً صقيلاً ... مواقع حدّ منّا الوتين
إلى مَ حياتنا تفنى جهاداً ... وأنفسنا نقطّعها جلاداً
ونحمل في الدّنا نوباً شداداً ... تنوء بحملها الأجد الأمون
أعصرَ النّور لم نرَ فيك نوراً ... ولا منك البخار غدا مطيرا
ولكن من دمٍ أجرى بحوراً ... وأشلاء الأنام بها سفين
стр. 6511
ابن إن كنت تفصح عن خفيٍّ ... يضيق بسرّه صدر الأبيّ
أتخترع النّكال لكلّ حيٍّ ... وللإنسان فيك أذىً وهون
كأنّ نفوسنا أضحت متاعاً ... يساومنا المنون لها ابتياعاً
وإن طارت على سومٍ شعاعاً ... فما غير ألفناء لها وكون
أنسقط من جهين على خبيرٍليصدقنا الحديث عن الدّهور
فقدماً قيل غير مقال زورٍ ... (وعند جهين الخبر اليقين)
شكونا داءنا حيناً فحيناً ... وأعضل داؤنا منّا وفينا
وكلّ رزيّةٍ صبّت علينا ... فأدوى دائها فينا كمين
شغفنا بالتّمدّن وهو داءٌ ... عضالٌ لا يرام له دواء
وليس لدائه أبداً شفاءٌ ... وهل تشفى الحقائد والضّغون
هل التّمدين غير مثار حربٍ ... ومدعاةٌ لكلّ أذىً وكرب
ومنذر فرقةٍ ورسول رعبٍ ... وداعيةٌ بكلّ رديّ قمين
متى الإنسان يصبو التصافي ... ويخلع عنه أردية التجافي
ويهجر ورد رنقٍ غير صافي ... إذا لذّت لشاربها الأج - ون
يرى حملاً وفي برديه ذئب ... هجيرة مخادعة ووثب
وأن طمعٌ أهاب به وكسب ... يريك الليث أظهره الع - رين
غرائز فيه شتى لاتحد ... وجمّ خلائق ليست تعد
وكم منها له خصم ألدّ ... عريكته لخطبٍ لا تلين
وظل وما رهى دنيا ودنيا ... يسوق لنوعه حتفاً مهينا
ولم يقض إلى طمع ديونا ... وقد قضيت وأغلقت الرهون
عزا للدين تفريقاً وظلماً ... وكم قد راح ينثر منه نظماً
ولم يلف بغير الدين ضمّاً ... وهل يدعوا إلى التفريق دين
متى للسلم يجنح والتّآخي ... ويحكم للمؤاخاة الأواخي
يرقّ لكلّ معولة الصراخ ... ويعطف من حشاشته الحنين
متى يغدو على طرف الثمام ... تودد كل مصريّ لشامي
стр. 6512
وينزع معرق للقا تهامي ... ونجدي لمن ضمّ الحجون
ويعطف كل غربي لشرقي ... حشاشته ويرتق كل فتق
ويطلق ذاك هذا بعد رق ... وقسوة ذاك لذا تلين
النبطية سليمان ظاهر
стр. 6513
أخبار وأفكار
البسيكومتر
اخترع عالمان من علماء النفس الأستاذ جونغ من جامعة زوريخ والأستاذ بترسن من جامعة نيويورك آلة دعواها البسيكومتر الكهربائي أن لم يمكن بها قراءة أفكار من يخضعون للتّجربة برضاهم أبغير رضاهم فلا أقلّ من الوقوف على حقيقة أقوالهم والآلة مؤلفة من كالفانومتر ومن آلة تقيد تنوع ألفكر وظهوره في الكلام وذلك على الوجه الآتي: أ، الكالفانومتر متصل مع مصباح ينزل لهيبه أو يصعد بحسب قوة المجرى الكهربائي ويقاس علو هذا اللهيب بمرآة ذات درجات تنعكس عليها فلا جل فحص إنسان توضع يده الوحدة على قطب من الزنك والأخرى على قطب من ألفحم ومن ذلك ينشأ مجى كهربائي تختلف قوته بحسب شدّة الحواس النفسية أو الطبيعة التي تجري في خاطر الإنسان الذي يراد اختباره فإذا كذب هذا الرجل كان من اضطراب حركة الدماغ الحادثة من التناقض بين ألفكر والإرادة التي تظهر العكس أن يحدث منه مجرى كهربائي يختلف ضعفاً وقوته بعلو اللهيب المار ذكره. وقد أثبتت التجارب الكثيرة صحة هذا الاختراع الذي هو من أغرب ما سمع.
ألمانيا الاقتصادية
الظاهر أن ليس في العالم أمة كالألمان عرفت طرق الاقتصاد وادخرت وفرها للأيام الشّداد وعالجت كلّ أسباب هذا الباب حتى أعجب بها الأعداء قبل الأحباب. وقد قدّر العارفون ثروة الشّعب الألماني قبل من ٣٣. إلى ٣٩. مليار مارك وثروة بريطانيا من ٣. . إلى ٣٦. وثروة فرنسا من ٢٦. إلى ٢٩. ودلّت كثرة الوارد على صناديق التّوفير خلال الحرب أيضاً أن ثروة ألمانيا ما برحت في نمو مع أن أصحاب هذه الأموال اشتركوا في إقراض حكومتهم أربعة قروضٍ كبيرةٍ وكانت قيمة القرض الأخير عشرة مليارات وسبعمائة مليون مارك اشترك فيه ٦٤٥، ٢٧٩، ٥ ألمانيا ومع ذلك زاد ما وضعوه في صناديق التوفير عن ٦٦. مليون مارك خلال سنةٍ واحدةٍ آخرها سلخ سنة ١٩١٥م.
كانت ألمانيا قبل الحرب تملك ٤٥ مليون رأس من الماشية وفرنسا تملك ٢. مليوناً وإنكلترا ١٣ مليوناً وبلغ محصول القمح والجاودار في ألمانيا ١٦. ٨مليون طن في حين لم يبلغ
стр. 6514
محصول فرنسا من ذلك أكثر من ١. ومحصول إنكلترا ١. ٤ مليون وبلغ محصول ألمانيا من البطاطا ٥٤ مليون طن ومحصول فرنسا ١٣ مليوناً وإنكلترا ٦ ملايين.
كان في بنك ألمانيا في أواخر السنة ألفائتة ما قيمته ٥٥ مليون من السندات المستهلكة في حين كان بنك فرنسا ٢. ٩١. ملايين وفي بنك إنكلترا ٢. ١٩٣ ويفهم من ذلك أنّ ألمانيا قضت الأسابيع الأولى من الحرب دون أن تعتمد إلى تأجيل دفع الديون (موراتوريوم). ويستفاد من الأرباح التي أعطتها الشركات الألمانية لمساهميها مدّة هاتين السّنتين في الحرب العامّة أنّ ٣. . . شركة دفعت لمساهميها ٦. ٤٨ في المئة سنة١٩١٤م ودفعت ٨. ٣٧ في المئة في السنة التالية هذا مع انقطاع ألمانيا عن أقطار العالم الأخرى.
وكان الدَّين الذي على إمبراطورية ألمانيا والإمارات المتّحدة الألمانية قبل الحرب ٢١ملياراً وديون بريطانيا العظمى ١٤ مليار مارك ومعظم الدَّين الذي على حكومة ألمانيا هو ثمن سككها الحديدية التي ابتاعتها من الشركات بعشرين مليار مارك فالديون الألمانية يقابلها ما لألمانيا من الخطوط الحديدية ويضاف إلى هذه ما تملكه من المناجم والأملاك والغابات التي تساوي أربعة مليارات فلألمانيا ملكٌ يساوي ٣٤ملياراً من الديون لقاء ٢١ ملياراً من الديون على حين ليس لحكومة إنكلترا من الملك سوى ٧٨. مليون مارك وباقي ما عليها أي ١٣ملياراً و٦. . مليون مارك ديناً لا مقابل له ومثل ذلك يقال عن فرنسا التي يقلٌّ ما تملكه أكثر من ذلك ويصيب ألفرد من دين الحكومة في ألمانيا ٣١٢ ماركاً وفي إنكلترا ٣١٣ وفي فرنسا ٦٦٤. وقد أنفقت حكومات أواسط أوروبا على تسليحها من سنة١٩. ٥ إلى ١٩١٤م، ٨١ ملياراً وكانت نفقات حكومات الوفاق ٤٢ مليار مارك ويصيب من هذه النفقات كلّ فردٍ في ألمانيا٢. ٢ مارك وفي النمسا ١١١ وفي إنكلترا ٣. ٥ وفي فرنسا ٢٥٩ وعلى هذه النسبة كانت نفقات الحرب ويؤخذ من المجلّة الاقتصادية الإنكليزية أن حكومات أوروبا الوسطى يصيبها ٣٥ في المئة من المئة نفقات الحرب ويصيب حكومات الاتفاق ٦١ في المئة فتنفق كل يوم حكومات أوروبا الوسطى كل يوم ١٢ مليون مارك وينفق خصومها ٢٤٥ مليوناً وقد زاد سعر القطع في الاقتراض في جميع الممالك وهو في ألمانيا أقل منه في غيرها فارتفع فيها من ٣. ٩. في المئة إلى ٥. . ٥ في المئة وفي فرنسا من ٣٦. إلى ٥٧٥ وفي إنكلترا من ٣. ٣٣ إلى ٥. ٢١ فالزيادة في ألمانيا ٣. في المئة وفي فرنسا ٦.
стр. 6515
وفي إنكلترا ٥٧ وزاد تداول أوراق المصارف فكان في أواخر سنة ١٩١٥ في ألمانيا نحو ستّة مليارات ورقة في حين كان لفرنسا منها ١١ مليار ورقة وأكبر دليل على قوّة الحياة الاقتصادية في ألمانيا أنّ المودعات في المصارف الألمانية زادت عشرة في المئة على حين نقصت في فرنسا ٢٨ في المئة. وسعر القطع كان في ألمانيا قبل الحرب أرقى من غيرها فأصبح الآن خمسة مثل سائر الممالك أما سعر القطع الخاص فهو الآن أقل مما في إنكلترا مما لم يعهد إلى هذا اليوم. وأكبر دليل على وفرة المال في ألمانيا أن المصارف لا تعطي من ألفائض عن المال المودع عندها أكثر من ١. ٥ بالمئة وتدفع مصارف إنكلترا ٣. ٥ في المئة
وهذا من الأدلة الناصعة على ارتقاء القوة في ألمانيا ويدل أنها أرقى من خصومها في الاقتصاد والمالية فقد أبانت الحرب الحاضرة أن ألمانيا أول دولة في العالم وأخذ علماؤها يعنون ببيان أن المدنية الألمانية أرقى من كل خصومها وقد نشر أحدهم مؤخراً في كتابٍ له أرقاماً هي أصدق شاهدٍ على تقدّم ألمانيا على فرنسا وإنكلترا فتبين أن ألمانيا أصدرت سنة ١٩١٣م - ٣٤ ألف كتاب وإنكلترا أصدرت تلك السّنة ٢١ ألفاً وفرنسا ٩ آلاف وأنّ ألمانيا تنفق على مدارسها ٨٧٨ مليون مارك وإنكلترا ٣٨٤ مليوناً وفرنسا٢. ١مليون وأنّ الألمان أحرزوا من جوائز نوبل مكافأةً لأبحاثهم العلمية ١٤ جائزة وإنكلترا ٣ وفرنسا ٣ وأن نفوس ألمانيا زادت في تلك السّنة ٨٢. ألفاً وإنكلترا١٣٤ وفرنسا٢. ألفاً وأنّ محصول ألمانيا من الحنطة ٢٥مليون طن وإنكلترا ١٦ وأن لألمانيا ٥١ مركز بريد ولإنكلترا ٢٤ ولفرنسا١٤ ولها ١٣١٥ مركز تلفون ولإنكلترا ٧٣٣ ولفرنسا ٣. ٤ وتجاربها الخارجية عدا المستعمرات ١. مليارات مارك ولإنكلترا ٦ ولفرنسا ٤ وثروة الشعب الألماني ٣٧٥مليار مارك والإنكليزي ٣٤٥ والفرنساوي ٢٤٥ فألمانيا أرقى في معظم ما تقدَّم ضعفين من إنكلترا وفرنسا معاً
وإليك أيضاً أرقاماً أخرى تدلّ على ارتقائها في سلّم الحضارة أكثر من خصيمتيها ففي كل ١. . . . . جندي ألماني أميّان اثنان وفي كل ١. . . . . انكليزي ١. . وفي كل ١. . . . . فرنساوي ٣٢. ويصيب ألفرد في ألمانيا من ديون الحكومة ٣١. ماركات وفي إنكلترا ٣٢٣ وفي فرنسا ٦٥٧ ويدفع ألفرد من الضرائب في الأولى ٤. ماركاً وفي الثانية ٧٣
следующие страницы →