← Джавами‘

Джавами‘ · id 26523

مجلة المقتبس

محمد كرد علي

Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

ابن إن كنت تفصح عن خفيٍّ ... يضيق بسرّه صدر الأبيّ أتخترع النّكال لكلّ حيٍّ ... وللإنسان فيك أذىً وهون كأنّ نفوسنا أضحت متاعاً ... يساومنا المنون لها ابتياعاً وإن طارت على سومٍ شعاعاً ... فما غير ألفناء لها وكون أنسقط من جهين على خبيرٍليصدقنا الحديث عن الدّهور فقدماً قيل غير مقال زورٍ ... (وعند جهين الخبر اليقين) شكونا داءنا حيناً فحيناً ... وأعضل داؤنا منّا وفينا وكلّ رزيّةٍ صبّت علينا ... فأدوى دائها فينا كمين شغفنا بالتّمدّن وهو داءٌ ... عضالٌ لا يرام له دواء وليس لدائه أبداً شفاءٌ ... وهل تشفى الحقائد والضّغون هل التّمدين غير مثار حربٍ ... ومدعاةٌ لكلّ أذىً وكرب ومنذر فرقةٍ ورسول رعبٍ ... وداعيةٌ بكلّ رديّ قمين متى الإنسان يصبو التصافي ... ويخلع عنه أردية التجافي ويهجر ورد رنقٍ غير صافي ... إذا لذّت لشاربها الأج - ون يرى حملاً وفي برديه ذئب ... هجيرة مخادعة ووثب وأن طمعٌ أهاب به وكسب ... يريك الليث أظهره الع - رين غرائز فيه شتى لاتحد ... وجمّ خلائق ليست تعد وكم منها له خصم ألدّ ... عريكته لخطبٍ لا تلين وظل وما رهى دنيا ودنيا ... يسوق لنوعه حتفاً مهينا ولم يقض إلى طمع ديونا ... وقد قضيت وأغلقت الرهون عزا للدين تفريقاً وظلماً ... وكم قد راح ينثر منه نظماً ولم يلف بغير الدين ضمّاً ... وهل يدعوا إلى التفريق دين متى للسلم يجنح والتّآخي ... ويحكم للمؤاخاة الأواخي يرقّ لكلّ معولة الصراخ ... ويعطف من حشاشته الحنين متى يغدو على طرف الثمام ... تودد كل مصريّ لشامي

стр. 6512

وينزع معرق للقا تهامي ... ونجدي لمن ضمّ الحجون ويعطف كل غربي لشرقي ... حشاشته ويرتق كل فتق ويطلق ذاك هذا بعد رق ... وقسوة ذاك لذا تلين النبطية سليمان ظاهر

стр. 6513

أخبار وأفكار البسيكومتر اخترع عالمان من علماء النفس الأستاذ جونغ من جامعة زوريخ والأستاذ بترسن من جامعة نيويورك آلة دعواها البسيكومتر الكهربائي أن لم يمكن بها قراءة أفكار من يخضعون للتّجربة برضاهم أبغير رضاهم فلا أقلّ من الوقوف على حقيقة أقوالهم والآلة مؤلفة من كالفانومتر ومن آلة تقيد تنوع ألفكر وظهوره في الكلام وذلك على الوجه الآتي: أ، الكالفانومتر متصل مع مصباح ينزل لهيبه أو يصعد بحسب قوة المجرى الكهربائي ويقاس علو هذا اللهيب بمرآة ذات درجات تنعكس عليها فلا جل فحص إنسان توضع يده الوحدة على قطب من الزنك والأخرى على قطب من ألفحم ومن ذلك ينشأ مجى كهربائي تختلف قوته بحسب شدّة الحواس النفسية أو الطبيعة التي تجري في خاطر الإنسان الذي يراد اختباره فإذا كذب هذا الرجل كان من اضطراب حركة الدماغ الحادثة من التناقض بين ألفكر والإرادة التي تظهر العكس أن يحدث منه مجرى كهربائي يختلف ضعفاً وقوته بعلو اللهيب المار ذكره. وقد أثبتت التجارب الكثيرة صحة هذا الاختراع الذي هو من أغرب ما سمع. ألمانيا الاقتصادية الظاهر أن ليس في العالم أمة كالألمان عرفت طرق الاقتصاد وادخرت وفرها للأيام الشّداد وعالجت كلّ أسباب هذا الباب حتى أعجب بها الأعداء قبل الأحباب. وقد قدّر العارفون ثروة الشّعب الألماني قبل من ٣٣. إلى ٣٩. مليار مارك وثروة بريطانيا من ٣. . إلى ٣٦. وثروة فرنسا من ٢٦. إلى ٢٩. ودلّت كثرة الوارد على صناديق التّوفير خلال الحرب أيضاً أن ثروة ألمانيا ما برحت في نمو مع أن أصحاب هذه الأموال اشتركوا في إقراض حكومتهم أربعة قروضٍ كبيرةٍ وكانت قيمة القرض الأخير عشرة مليارات وسبعمائة مليون مارك اشترك فيه ٦٤٥، ٢٧٩، ٥ ألمانيا ومع ذلك زاد ما وضعوه في صناديق التوفير عن ٦٦. مليون مارك خلال سنةٍ واحدةٍ آخرها سلخ سنة ١٩١٥م. كانت ألمانيا قبل الحرب تملك ٤٥ مليون رأس من الماشية وفرنسا تملك ٢. مليوناً وإنكلترا ١٣ مليوناً وبلغ محصول القمح والجاودار في ألمانيا ١٦. ٨مليون طن في حين لم يبلغ

стр. 6514

محصول فرنسا من ذلك أكثر من ١. ومحصول إنكلترا ١. ٤ مليون وبلغ محصول ألمانيا من البطاطا ٥٤ مليون طن ومحصول فرنسا ١٣ مليوناً وإنكلترا ٦ ملايين. كان في بنك ألمانيا في أواخر السنة ألفائتة ما قيمته ٥٥ مليون من السندات المستهلكة في حين كان بنك فرنسا ٢. ٩١. ملايين وفي بنك إنكلترا ٢. ١٩٣ ويفهم من ذلك أنّ ألمانيا قضت الأسابيع الأولى من الحرب دون أن تعتمد إلى تأجيل دفع الديون (موراتوريوم). ويستفاد من الأرباح التي أعطتها الشركات الألمانية لمساهميها مدّة هاتين السّنتين في الحرب العامّة أنّ ٣. . . شركة دفعت لمساهميها ٦. ٤٨ في المئة سنة١٩١٤م ودفعت ٨. ٣٧ في المئة في السنة التالية هذا مع انقطاع ألمانيا عن أقطار العالم الأخرى. وكان الدَّين الذي على إمبراطورية ألمانيا والإمارات المتّحدة الألمانية قبل الحرب ٢١ملياراً وديون بريطانيا العظمى ١٤ مليار مارك ومعظم الدَّين الذي على حكومة ألمانيا هو ثمن سككها الحديدية التي ابتاعتها من الشركات بعشرين مليار مارك فالديون الألمانية يقابلها ما لألمانيا من الخطوط الحديدية ويضاف إلى هذه ما تملكه من المناجم والأملاك والغابات التي تساوي أربعة مليارات فلألمانيا ملكٌ يساوي ٣٤ملياراً من الديون لقاء ٢١ ملياراً من الديون على حين ليس لحكومة إنكلترا من الملك سوى ٧٨. مليون مارك وباقي ما عليها أي ١٣ملياراً و٦. . مليون مارك ديناً لا مقابل له ومثل ذلك يقال عن فرنسا التي يقلٌّ ما تملكه أكثر من ذلك ويصيب ألفرد من دين الحكومة في ألمانيا ٣١٢ ماركاً وفي إنكلترا ٣١٣ وفي فرنسا ٦٦٤. وقد أنفقت حكومات أواسط أوروبا على تسليحها من سنة١٩. ٥ إلى ١٩١٤م، ٨١ ملياراً وكانت نفقات حكومات الوفاق ٤٢ مليار مارك ويصيب من هذه النفقات كلّ فردٍ في ألمانيا٢. ٢ مارك وفي النمسا ١١١ وفي إنكلترا ٣. ٥ وفي فرنسا ٢٥٩ وعلى هذه النسبة كانت نفقات الحرب ويؤخذ من المجلّة الاقتصادية الإنكليزية أن حكومات أوروبا الوسطى يصيبها ٣٥ في المئة من المئة نفقات الحرب ويصيب حكومات الاتفاق ٦١ في المئة فتنفق كل يوم حكومات أوروبا الوسطى كل يوم ١٢ مليون مارك وينفق خصومها ٢٤٥ مليوناً وقد زاد سعر القطع في الاقتراض في جميع الممالك وهو في ألمانيا أقل منه في غيرها فارتفع فيها من ٣. ٩. في المئة إلى ٥. . ٥ في المئة وفي فرنسا من ٣٦. إلى ٥٧٥ وفي إنكلترا من ٣. ٣٣ إلى ٥. ٢١ فالزيادة في ألمانيا ٣. في المئة وفي فرنسا ٦.

стр. 6515

وفي إنكلترا ٥٧ وزاد تداول أوراق المصارف فكان في أواخر سنة ١٩١٥ في ألمانيا نحو ستّة مليارات ورقة في حين كان لفرنسا منها ١١ مليار ورقة وأكبر دليل على قوّة الحياة الاقتصادية في ألمانيا أنّ المودعات في المصارف الألمانية زادت عشرة في المئة على حين نقصت في فرنسا ٢٨ في المئة. وسعر القطع كان في ألمانيا قبل الحرب أرقى من غيرها فأصبح الآن خمسة مثل سائر الممالك أما سعر القطع الخاص فهو الآن أقل مما في إنكلترا مما لم يعهد إلى هذا اليوم. وأكبر دليل على وفرة المال في ألمانيا أن المصارف لا تعطي من ألفائض عن المال المودع عندها أكثر من ١. ٥ بالمئة وتدفع مصارف إنكلترا ٣. ٥ في المئة وهذا من الأدلة الناصعة على ارتقاء القوة في ألمانيا ويدل أنها أرقى من خصومها في الاقتصاد والمالية فقد أبانت الحرب الحاضرة أن ألمانيا أول دولة في العالم وأخذ علماؤها يعنون ببيان أن المدنية الألمانية أرقى من كل خصومها وقد نشر أحدهم مؤخراً في كتابٍ له أرقاماً هي أصدق شاهدٍ على تقدّم ألمانيا على فرنسا وإنكلترا فتبين أن ألمانيا أصدرت سنة ١٩١٣م - ٣٤ ألف كتاب وإنكلترا أصدرت تلك السّنة ٢١ ألفاً وفرنسا ٩ آلاف وأنّ ألمانيا تنفق على مدارسها ٨٧٨ مليون مارك وإنكلترا ٣٨٤ مليوناً وفرنسا٢. ١مليون وأنّ الألمان أحرزوا من جوائز نوبل مكافأةً لأبحاثهم العلمية ١٤ جائزة وإنكلترا ٣ وفرنسا ٣ وأن نفوس ألمانيا زادت في تلك السّنة ٨٢. ألفاً وإنكلترا١٣٤ وفرنسا٢. ألفاً وأنّ محصول ألمانيا من الحنطة ٢٥مليون طن وإنكلترا ١٦ وأن لألمانيا ٥١ مركز بريد ولإنكلترا ٢٤ ولفرنسا١٤ ولها ١٣١٥ مركز تلفون ولإنكلترا ٧٣٣ ولفرنسا ٣. ٤ وتجاربها الخارجية عدا المستعمرات ١. مليارات مارك ولإنكلترا ٦ ولفرنسا ٤ وثروة الشعب الألماني ٣٧٥مليار مارك والإنكليزي ٣٤٥ والفرنساوي ٢٤٥ فألمانيا أرقى في معظم ما تقدَّم ضعفين من إنكلترا وفرنسا معاً وإليك أيضاً أرقاماً أخرى تدلّ على ارتقائها في سلّم الحضارة أكثر من خصيمتيها ففي كل ١. . . . . جندي ألماني أميّان اثنان وفي كل ١. . . . . انكليزي ١. . وفي كل ١. . . . . فرنساوي ٣٢. ويصيب ألفرد في ألمانيا من ديون الحكومة ٣١. ماركات وفي إنكلترا ٣٢٣ وفي فرنسا ٦٥٧ ويدفع ألفرد من الضرائب في الأولى ٤. ماركاً وفي الثانية ٧٣

стр. 6516

وفي الثالثة ٨. ونفقة الأولى على الجيش والأسطول ٢١. ٨٦والثانية ٣٣. ٥. والثالثة ٦٧. ٢٩ ومن الغريب أن ألمانيا لم تؤثّر الحرب فيها كما أثّرت في غيرها وأنّ ما أنفقته حكومتها على إعداد الأساطيل والجيوش تسرّب إلى خزائن رعاياها فقد قال الدكتور هلفريش الأخصائي المشهور أن أكثر من نصف ما أنفقته تلك الدولة تحول إلى ريع للملتزمين والمتعهدين في حين ترى سائر الدول المحاربة لم يكد يبقى لها ولرعاياها مما أنفقت سوى الربع على أكثر تعديل فأنفقت ألمانيا في السنتين نحو ٢. - ٢٥ مليار مارك والنمسا والمجر ١. - ١٢ ملياراً وإنكلترا ٤. وفرنسا ٢٥ وروسيا ٣. ففقدت ألمانيا من مجموع ثروتها نحو ٦ في المئة وإنكلترا أكثر من الضّعف وقد قدّر أحد رجال ألمانيا أنّ أمّته يقتضي لها ثلاث أو أربع سنين بعد الحرب لتستعيد مكانتها الاقتصادية على شرط أن لا يحسب في باب النفقات إلا ما أنفقته مباشرة على الحرب. وقال أن ثروتها تريد عشرة مليارات في العادة كل سنة منها ثمانية مليارات إلى ثمانية ونصف قيمة عمل وإذا قلت الزيادة بعد الحرب قليلاً فثلاث أو أربع سنين تكفي وأن ما يبهظ العوائق في ألمانيا من الضرائب مدّة الحرب ينزل بعدها فتتعادل الحالة الاقتصادية هذه حقائق تشهد شهادةً صادقةً بارتقاء حليفتنا ومن أعدّ للمستقبل مثل هذه العدّة المالية يستحيل على جيوشه أن تغلب وعلى خزانته أن تنضب ومثل هذه القوى المادية إذا وقفت إلى إيجادها أمّةٌ لا تحارب حولين فقط بل عشراتٍ من السنين. الجرائم والحرب كتب الغربيون كثيراً في الدواعي والبواعث على الإخلال بالأمن والقتل والانتحار وقام أناس يدّعون في العهد الأخير أن الحرب من العوامل التي تساعد على كثرة الجرائم بالواسطة لأنها تحسّن حالة الاستكثار من التسليح وهو على ما يزعمون سبب معظم الشرور التي يقاسي منها المجتمع وخصوصاً في كثرة الجرائم وزعموا أن التسليح العام سببٌ عظيمٌ من أسباب الانحلال الطبيعي والأدبي. وهذا القول يصحّ على إطلاقه بالنظر للفرنسيس والطليان مثلاً حيث يضعف الوازع الديني وتطلق للنفوس حريتها المطلقة ولا يصح على النمسا والمجر وألمانيا حيث تجد للآداب الدّينية والمدنيّة شأنها ذلك لأنّ ضابط

стр. 6517

هاتين الأمتين الأخيرتين يتعلمون تعلماً يتمكنون به من إحسان الخدمة زمن السلم وزمن الحرب وهم للمجتمع هناك مادة قوّة لا سبب ضعف أمّا الجنود فإن التدقيق في نظامهم وتدريهم في الثكن يؤثر فيهم تأثيراً فيهم تأثيراً أخلاقيّاً مهمّا. وكثير من أهل الدّعارة قضوا خدمتهم الجنديّة فلمّا عادوا إلى قراهم كانوا مثال حسن السّلوك وذلك لأنهم النظام وهذا أكبر أعداء الجرائم. ولذا فإن قوانين بعض البلاد تقضي بأن لا يجعل المجرم الصغير في دار الإصلاح إلى ما بعد الحادية والعشرين من عمره فينقل إذ ذاك إلى الثّكنة لأنّ الملحوظ أنّها تطهره بنظامها وتوفي ما عجزت عنه الحبوس ودور الإصلاح للنّفوس فالجنديّة إذا هي من العوامل الّتي تؤثّر تأثيراً حسناً في تقليل الجّرائم وليست عاملاً من عواملها ولا سبيل إلى الدّفاع عن دولة والاحتفاظ بمصالح الجماعة إلاّ بقوة السّلاح. منذ قرون بل على عهد نابليون كانت الجيوش مؤلفّة من حثالة من اللصوص ومن أناس لا خلاق لهم بحيث لا يستغرب أنّ الناس يخشونهم كما يخشون قطّاع الطّوق أرباب الشقاوة وكانت فرنسا إلى القرن السابع عشر تتخذ حتى الحامية الملوكية من الدّعار بحيث كان الجند مصيبة على الأمّة كما قال بعض مؤرخيهم وإذا نظرنا إلى حرب النّمسا وبروسيّا سنة ١٨٦٦ وحرب ألمانيا وفرنسا سنة١٨٧. - ١٨٧١ نجد كما قال بعضهم أن عدد الجرائم والجنايات في المجر سنة ١٨٦٦ ٣٦٦٣ وعدد الجنح٩٥٨٣ أي أقل مما كان في السنين التي سلفت. فارتكبت سنة١٨٦٥ - ٢٨٦٤ اعتداء على الآداب وفي سنة ١٨٦٦ كان عدد هذا النوع ٢٥٨٨ وسنة ١٨٦٧ - ٢٧٣٢ وارتكبت سنة١٨٦٥ - ٥٩٦ جناية قتل وسنة ١٨٦٥ - ٥٣٩ وسنة ١٨٦٧ - ٦١٨ وارتكبت سنة١٨٦٥ - ٤٤. ١٦٢ سرقة وسنة ١٨٦٦ - ٤٣. ٥٧٥ وسنة ١٨٦٧=٤١. ٧١٧ وجميع الجرائم والجنح تقل زمن الحرب ولكن تزيد زمن الحرب جرائم أخرى مثل جرائم تناول الملوك بسوء أو تفوهات ردينه كما جرائم سك النقود زادت الجنح في السّنة التّالية لسنة حرب ألمانيا=فرنسا زيادة مهمّة. . . . وأهمّ الأسباب المؤثرة مباشرة في تقليل الجرائم مدّة الحرب هو أن عناصر الشّعب التي تجترح الجرائم تكون في ساحة الحرب مشغولة فقد جيّشت ألمانيا في حرب السّبعين مليوناً ومائتي ألف جندي فخف بذلك عدد المجرمين ولكن زاد عدد المجرمات وذلك لأن النَساء

стр. 6518

بقين بدون معين خلال الحرب ودفعتهنّ ألفاقة إلى ارتكاب المحظورات الحرب تؤثّر في أخلاق الشّعب المحارب وعقل سكّانه المدنيّين فتحدث فيهم حماسة من شأنها أن تحمي ألفرد من العوامل الدّافعة إلى الجرائم ويقلّ ارتكاب الشرّ في الإنسان. ومتى زاد ألفحش في أمّة تشتد الحاجة إلى عاصفة مطهّرة تشتد إلى حرب تخلّص النّفوس من شقوتها وقد أثبت علماء الإحصاء في ألمانيا أنّ هذا الانقلاب في الأخلاق مع ألفكر المتّحد والحماسة الوطنية الّتي ولّدتها حروب الألمان هي أيضاً من أسباب قلّة الجرائم. وهناك سبب ثالث غير هذين العاملين الطبيعي والأزليّ وهو أنّ الأفراد قد لا يشكون زمن الحرب في المسائل الطفيفة والحكومات تكون أوسع صدراً في هذا الشّأن فلا الصّغائر فيقلّ الضّرب على يديّ المجرمين حتّى يظنّ النّاس أنّ الجرائم قلّت أكثر ممّا هي في الحقيقة. والجرائم أيّام الحرب تختلف باختلاف طبيعتها ومهما كان الشعب راغباّ في إشهار الحرب فإنّ من النّاس من يحملون تبعة ذلك على ملك البلاد فيطيعون فيه ألسنتهم ولذلك يحكم عليهم بأحكام إهانة الملوك وجرائم الإفلاس تزيد زمن الحرب لاشتداد الأزمة الماليّة. والجنايات بعد الحرب وأنّ لم تطل أيّامها تكون أكثر لوقوف دولاب الصناعة بقلِّة المال وقلِّة اليد العاملة وإذ يهلك كثير في الحرب ومنهم من تقعد بهِ جراحته عن العمل فيزيد شقاء العائلات ويختلّ نظام البيوت وبذلك تزيد جنايات الانتحار كما قال ستارك. وزيد عقبى الحرب الاعتداءُ على الأفراد لأنّ عدداً كبيراً منَ الجندِ يعودونَ إلى الحياة المدنيّةِ وقد فقدوا شعور احترام الحياة الإنسانيّة والملكيّة أو قلّ هذا الشّعور وهذا ما يحقّ بهِ قول من يقول أنّ فكرةَ الحربِ لا تشبَعُ بغيرِ الذّهب والدّم. . وممّا لا ينكرُ أنّ الدّورِ الّذي يعقب الحربَ يحمل في مطاويه القرْم إلى السّفك والتّخريب لا المتسامح فيه بل المحرّض عليه من الرّؤساء. وهذه الأهواء الّتي تعمل عملها بالإغواء والقدوةِ يحاول المجتمع والممالك المتحاربة أن يؤجِّجُّوا نيرانها بكلّ ما لديهم من الذّرائع تغرس في النّفوس أصولاّ يصعب اقتلاعها في الحال وتظلُّ تنمو حتّى إذا مدّ السّلام رواقهُ لم تعد حاجة إليها فوجب استئصالها أو منعها من النّماء. وهنا واجبات سياسيّة اجتماعيّة يجب علينا زمن الحرب وبعده أنّ نأخذ بمحظ مّنها وهو أنّه وهو أنّه يجب على الحكومة والمجتمع أن يجتهدا في القضاء على الشّقاء والأمراض الّتي

стр. 6519

أحدثتها الحرب وأن يقوي في غضون الحرب في جميع طبقات الشعب الاعتقاد بالظّفر النّهائي وأننا على حقٍّ فيما نحارب لأجله وأن نثلم من النفوس بعد الحرب وحشيّتها وقسوتها وذلك بوساطة الصّحافة والتّمثيل والمحاضرات العامّة الألعاب الرياضيّة كتب الدّكتور ماكس نودرو العالم الإسرائيلي الألماني الكبير مقالة في إحدى المجالات الإفرنسيّة في الرّياضات والألعاب الرّياضية قال ما تعريبهُ: لقد دعي عصرنا حتى الآن بجميع الأسماء الممكنة فسمّي عصر الطّفل وعصر المرأة وعصر الطّيران وعصر السّرعة. وإذا قلنا عصر الرّياضات كانت هذه التّسمية من أصحِّ التّسمياتِ. كانت الألعاب الرّياضية بالإنكليز جسمها واسمها أمّا اليوم فقد أصبحت المسألة الكبرى بل هذه جميع الشّعوب الممدنة ولها المقام الأول في خطط تهذيب الشّبيبة والمرأة فهي في نظر الجيل الرّاقي تنوب مناب جميع الكماليّات التّقليديّة والأخلاقيّة والجماليّة والاجتماعيّة تهتمّ لها الحكومات فتبذلُ لها من العناية الإدارية مثل ما تبذل لمسائل الخراج والجيش. لا جرم أنّ الوقت قد كاد يحين لتنشيئ فيه كل حكومة منظّمة وزارة الرّياضات فإن الاستعداد للقيام بالألعاب الأولمبية الدولية يجري على أتمِّهِ في كل مكان كما يجري الاستعداد لحملة. وكلُّ ظفر يحرز في هذه الألعاب يصبح علامة محد وطنيّ وكل انّكسار يتحوّل إلى ذلِّةِ ينال شرّها شعباً برأسه. ويظهر الجمهور أهمّ الصّحف وأكبر عناوينها الخاصّة بالألعاب الريّاضية من يوم إلى آخر وقد لا تشبعه هذه الحال فيميل إلى الحصول على صحف لا يتحدّث في الأمور التّافهة كالسّياسة الدّاخلية والخارجيّة والاقتصاد السّياسيّ والآداب والفنون والتّمثيل وأنّ لا تنشر له إلّا ما ينفعه حقيقة وأعني بذلك الرّياضات وأنّ الصّحف المستقلِّة الّتي تعني بالبحث في الألعاب الريّاضيّة قد كثرت في كلِّ مكان وكثرة المطبوع منها يدل على مبلغ الحاجة العامّة التي تبيدها لممارسة الألعاب الريّاضيّة تاريخ قديم في إنكلترا فهو أحد المظاهر المهمِّة يتبع الطّبقات الاجتماعيّة الشّغب الإنكليزي فقد أخذ الفاتحون الرّومانيّون على أنفسهم حكم جمهور السّلتيين الإنكليز السّكسونيّين ممّن غلبوا على أمرهم وحرموا من حقوقهم فألفوا طبقة خاصّة يدخل فيها غيرهم إذا كان يستحقُّ أن يعدَّ في جملتهم وهذه الطّبقة معينة والألعاب وعلامة لأهل تلك الطّبقة.

стр. 6520

الألعاب الرّياضيّة تستلزم صرف الوقت والمال والقوّة والخدمة والعناء والصّبر وتستدعي فراغاً وسعة ماديّة وقوّة طبيعية وصفات من الأخلاق في قوّة الإرادة والثّبات ومجموع هذه الصّفات العالية يتألف منها تعريف الارستقراطية. وقد اكتفت بعض طبقات من ألفاتحين بتملك الّثروة ونيل الامتيازات السّياسيّة والاجتماعية. فالبذخ والنّعيم هما اللّذان تأنّثت بهما أمّة الوزير غوت في إسبانيا ففسدت وكذلك شأن اللومبارديين في إيطاليا الشّمالية والمغزل والتّتار في روسيا والمنشور في الصين. ذلك إلى اليوم الّذي قضى فيه عليهم انحلالهم وقلّة مضائهم وكان ذلك من دواعي حمل العامّة عليهم لإخراجهم من مراكزهم الممتازة ودوسهم في الأرض. وكان الدينيمركيّون والنرويجيّون الّذين أصبحوا نورمانديّين ممّن يؤلّفون الارستقراطيّة ألفاتحة في إنكلترا على جانب من المكانة والذّكاء وبعد النّظر فأرادوا أن يبقوا شجعاناً بحسب الطّبيعة وأنّ يكونوا أشدّ قوّة لا من حيث القانون فقط بل كانوا يرغبون بأن يكون كلّ واحد منهم في كل مكان وفي كلّ ساعة قادراً أن يظهر بقوة زنده حقيقة استعلائه وتقدّمه على كلّ من يجرا على أن يشكّ فيه أو ينكر عليه تقدّمه ولذا كانوا يذهبون إلى أن هناك واسطتين لحفظ القوّة العضليّة وزيادتها فهم أمّا أن يقوموا على الدّوام بأعمال جسدية عظيمة وأن يعمدوا إلى الألعاب الأولمبية الحاوية على المشاهد والملاهي والدّقة ولم يكونوا يعملون أعمالاً هي من شأن العمامّة وعدوا إلى استخدام الألعاب الرّياضيّة التي كانت علامة مميّزة لطبقتهم. وقد أرى في هذا الباب كما يجري في كلّ مكان للمجتمعات الأوليّة الّتي تضع بصنعها خطّة تتّبعها الطّبقات الأخرى في الأمّة فإن الريّاضيات كانت بادئ بدء امتيازاً بل علامة للإشراف فغدت من أكثر ما تعنى به الأمّة. وبديهي أنّ الرّجل المنوّر يقوم على أحسن ما يكون بنوع من الألعاب الرّياضيّة على الأقلّ. وأنك لترى في الكتاب الّذي وضع للتّعريف بكل إنسان ذي مكانة في المجتمع واسم مشتهر بين النّاس في جملة التّفصيلات المعتادة عنه إشارة إلى نوع الرّياضة الّذي يميل إليه والمترجم له يرى أنّ ذكر المرء وما يرتاض به هو من الجوهريّات مثل مكان الولادة وتاريخها وإيراد سلسلة نسبة وحالة أسرته ودروسه المدرسيّة ومركزه وألقاب تشريفه وأعماله الّتي رفعته. ولما سئلت للمرّة الأولى أن أجيب على تسجيلٍٍ في هذا الكتاب ليرجع إليه عرانيّ الخجل

стр. 6521

أن أترك عنوان الملذ له من الرّياضيّات فكتبت بجسارة: المسايفة (لعب السّيف والتّرسّ) والعوم وإن لم يبلغ مبلغاّ من المهارة فيهما يصح أن يذكر وإن كت منذ سنين ممتنّعاً عن هاتين الرّياضيتين ويا للأسف ولم أستطع أن أصرف فيهما وقت قصير حدّاً وأنّك لترى القصص الإنكليزية الّتي تؤلفها النّساء وغيرها من أنواع الأقاصيص يوصف أبطال رجالها بقوّة لطماتهم ولكماتهم وثباتهم وصبرهم في هذه الألعاب وحذقهم في التّجديف ولقد ضحك السّياح الّذين أتوا من أقطار أوربا إلى إنكلترا من طريقة التّعليم العالي في هذه الدّيار وظهر لهم وهم يهزّون أكتافهم أنّ تربية العضلات هناك مقدّمة على التّربية العقليّة وأنّ صفوف الدّروس كانت فارغة على حين تغصّ ساحات اللّعب بالطّلبة وقد امّتازت كلّيتا كمبردج وأكسفورد قبل كلّ شيء عن المدارس العليا بلعبة الفوتبول والرّياضات المائيّة كالعوم وإنّ الشّبان الّذين ينالون ألقاب الأكاديميات كانوا يجعلون لقوّة الجسم ميّزة على تعلّم العلوم لا جرم أنّ إنكلترا تعجب بمن قام فيها من الرّجال أمثال داروين وماكسويل واللورد كلفن ورامسي ولكن هؤلاء العظماء لا يعزونها عن رؤيتها أن يكون رجلها في الملاكمة الثّقيل الجسم بومبارديه ولس يستحقّ مؤخّراً في ساحة اللّعب في ٧١ ثانية على يد شاب فرنساوي فظ اسمه كارانتيه وعمره تسع عشرة سنة. لا جرم أنّ إنكلترا كانت تؤثّر التّخلّي برضاها عن اكتشاف علمي نسب إليها تغلب مبارزها الذي كانت غلبته مصيبة وطنية عامّة سجلتها كبريات صحف لندرا بمداد الحدّاد وأشارت إلى أنّ ذلك الانكسار دليل انحطاط الشّعب الإنكليزي. ومع ذلك فإنّ الرّياضيات تكاد لا تكون الآن خاصيّة من خواص إنكلترا فقد أجازت الخلجان والبحار وهي الحاكمة المحكمة اليوم في اليوم العالمين وقد اتّفق على استحسانها مؤرّخو المدينة ورجال الأخلاق والنّاقدون واللّغويون في العصر ليدلّوا على ما في الألعاب الرّياضيّة من ألفرح والبهجة فهي تصغي الأخلاق لأنّها تستدعي نظاماً قاسيا وتضطّر صاحبها إلى القناعة والعفّة وحيث انّتشر الولوع بها تراجعت ربّتا الخمر والجمال (باخوس وفينوس) وبتأثيرها يضمحلّ ما يضرّ بالخَلق والخُلق فهي تربّي النّوع على السّرعة والشجاعة والجمال والإنسانية مدينةٌ لها بجيلٍ من الأبطال. وهذا الرّأي الشّائع لا يجرأ

стр. 6522

على مناقضته إلا بعض علماء التربية ممن يصرّحون بأفكارهم ولا يحاذرون أن يطردوا من حظيرة الحظوة وأن يوصموا بالارتجاع والجمود ليس للرياضيّات من ألفضائل ما ينسبونه إليها بل هي تستفيد من الخطأ الشّائع الذي به يخلطون بين الألعاب الطّبيعيّة والألعاب في الهواء الطّلق ولا يراد بلفظ الرّياضة البراز ولا الجمناستيك بل للرياضة البدنيّة غاياتٌ أخرى ومقدّماتٌ طبيعيّة فهي تقوم بمؤثّراتٍ أخرى وفي مطاويه عدّة فروقٍ في العواطف بل إنّ الرياضة مع الجمناستيك لعى طرفي نقيضٍ فإنّ المتعصّبين للرّياضة ينظرون إلى الجمناستيك نظر ازدراءٍ ويرون أنفسهم في ألعابهم مجددين وأنّهم صورة الارتقاء والتّنوير ويعبّرون عن مرامي العصر أما المنصرفون إلى الألعاب الجمناستيكيّة فيجيبون على ذلك أنّ جميع النّتائج الميمونة التي تدّعي أنّها تحويها الرّياضة يحتويها الجمناستيك على حين ليس في هذا كما في ذاك من العوائق فالرياضة الجسمية أو الجمناستيك يبحث عن نظام الجسم وعن الكمال العامّ في قواه وعن قمع مجموع العضلات وعن تربية الإرادة وتنمية الثّقة بالنّفس والمصارع المدرّب تدريباً حسناً ينال بدون تعمل من أعماله كلّ ما فيها من النّتائج فيبلغ هادئاّ آمناً مطمئنّاً إلى أقصى الحدود التي تستطيع بلوغها قواه الجسديّة. والرّياضة لا تعمد إلى تربية جميع القوى الطّبيعيّة تربيةً واحدةً وغايتها التّفريق والتّخصيص ولا تستلزم من الجسم إلا حالةً واحدةً ولكن يجب أن تكون في أرقى مظاهر الكمال. والسّرعة هي التي تطلب من جميع الرّياضات ولا يعدّ من أهل الارتياض في شيءٍ من لا يعجّل ويقطف ثمار الظّفر في رياضاته. والمرتاض يحمّل طاقته فوق قوّتها ولا يسوّغ له أن يضعف لا لأجل نفسه بل ضدّ غيره. وقد قال شيلر: إنّ المصارع يتعلّم في طيّ السّكوت والمرتاض بين جلبة العالم. وتقاس قوة المرتاض ضدّ خصومه ويقام أبداً مع منافسين يحاول أن يتفوّق عليهم ولا يشعر بأدنى سرور في حالةٍ حسنةٍ في ذاتها كانت أحطّ من غيرها فإذا بلغت به الحال أن يصل بتكرار العمل أن يكون الأول يجب عليه أن يدافع عن مركزه من التّالين له أو أن يترك العراك ويعترف بأرجحيّة غيره عليه ويرضى صاغراً بالتّصريح بأنّه تجاوز أقصى درجات قوّته وانّ الخطّ المستدير من حياته أخذ بالهبوط. يتأتّى أن يكون المرء مصارعاً

стр. 6523

إلى سنٍّ متقدّمةٍ ولا يكون مرتاضاً إلا في أوائل سنّ الشباب وقوّته على لقاها لم تصبّ بما ينقصها. ومن النّادر أن يكمل المرء في الصّراع بعد الثلاثين من عمره ولا أعلم أحداً في الأربعينات وفِّق إلى تعلّم السرعة. البراز هو الوساطة التي يبقى بها المرء زمتاً طويلاً أما المرتاض فإنّ صحّته تعجّل عليه فتنحّيه عن عمله. البراز يمكن أن يكون مشغلاً ومسلاّت لوضع الموازنة بين النشاط الطبيعي والعمل العقلي والإرتياض حاكمٌ حسودٌ لا يسمح لغيره بأن يقف معه. ولكي ينال المرء ما في التبريز في الإرتياض من الشرف يقتضي عليه أن ينصرف إليه كلّ الانصراف وإنّك لتطلب من محترفٍ بحرفةٍ أكثر مما تتطلب من مولّع بها. والرّياضة تستلزم أن تشغل حياة من يطمع في التّبريز فيها بأسرها. الإرتياض يضرّ بالجمال ويقضي على تناسب الأعضاء بإحداثه خللاً في نظام القوى وانبساط قلبٍ مفرطٍ إلى جانب هزالٍ مضنٍ. فليس هو بمناسبٍ للصّحّة بل يؤدّي بها إلى الخطر. والمتنافسون في الإرتياض معرّضون لأمراض القلب ولداء الأعصاب وقلّما يعمّرون طويلاً. الإرتياض لا ينشئ جنساً قويّاً والمرتاض الحقيقي لا يعدّ شيئاً إذا خرج عن اختصاصه فهو إذا قفز لا يحسن الجري وإذا رمى بالإطار (الطارة) لا يُطلَب منه عملٌ آخر. ولا عمل له في تحسين الجنس وبكثرة إنهاكه لقواه العصبيّة وإفراطه في عمله يكون متوسّطاً فيما يتمّ على يديه أو بالمجد والغنى وقد احتفل بالفائزين في سباق الرياضات أكثر مما احتفل بالعلماء الأعلام ولا فائدة منه إلا أنّه يدلّ أنّ المرء يستطيع أن يسير أبرع من حصان السّباق وأنّه يجري شوطاً أوسع من شوط الذّئب ويقفز أكثر من النّمر القضاء والعلم دعا ناظر مدرسة حقوقٍ تلامذة الصّف الآخر من مدرسته وخاطبهم فقال: إنني مسرورٌ لرؤيتكم مرّةً أخرى مجتمعين قبل حصولكم على شهادتكم النهائية ومفارقتكم للمدرسة. لا تتصوّروا بعد حصولكم على الشّهادة أنّ باب الدّرس أقفل فالإنسان لا يستغني أبداً عن المطالعة والدّروس وعليه فأنا أميل كثيراً إلى أن تكونوا نادياً أو جمعيّةً يكون القصد منها إيجاد مكتبةٍ فيها تطالعون وترجعون إليها في أبحاثكم في المستقبل وبداعي قرب الامتحان ألفتُ نظركم إلى مسألةٍ كثيراً ما تنسونها وتعتقدون أنّ فيها ضياعاً للوقت تلك المسألة هي الراحة والفسحة فأعطوا أنفسكم نصيبها من ذلك إذا أردتم نجاحاً

стр. 6524

يهمّني كثيراً قبل مفارقتكم لنا أن أملي عليكم بعض الصّفات التي يجب أن تتحلّوا بها في مستقبلكم والتي عليها تتوقّف علوّ منزلتكم واعتباركم بين زملائكم أنّ أول ما أذكّركم به عزّة النّفس واعتماد الإنسان على نفسه تلك أمورٌ كثيراً ما تدور على الألسن وينصح بها كلّ إنسانٍ غيره ولكن قلّ من يطبّقها على نفسه. إنّ ذلّ النفس أمرٌ مرذولٌ جدّاً. فإذا أحاطت بالإنسان أحوال احتياجٍ فعليه أن يسعى بقدر الإمكان في كتمانها وان يتظاهر أمام الناس بأنّه في غنىً وأنّه لا يريد المزيد. تلك صفاتٌ تجعل صاحبها مهيباً موقّراً في أعين أقرانه فإنّ كثيرين من الناس يبثّون الشّكوى لغيرهم من سوء حالتهم ويذكرون لهم أموراً متعلّقةً بأشخاصهم وقد لا يميل المشكو إليه إلى سماعها مثال ذلك يقول شخصٌ لغيره إنّي فقيرٌ ومحتاج وأريد تنمية ثروتي. فهذا كلامٌ لا لزوم له ولا محصّل يجب على الإنسان أن لا يصرّح بكلّ ما في ضميره خصوصاً مما لا يهمّ الغير. فإذا كان أحدكم في وظيفةٍ فلا يلزمه أن يشكو ويقول أنّ فلاناً كان معي وكان أقلّ منّي في المرتبة وهو الآن رئيسي. فإنّ إفشاء مثل هذه الأمور ينقص اعتبار قائلها. الإنسان يسعى ليرتقي ولكن بدون أن يشكو ويبكي تجول في خاطري مسألةٌ أخرى كثيراً ما يقع فيها معظم الناس وأعني بها التسرّع في الغضب وعدم مقدرة الإنسان على كتمان فزعه. حقيقةً أنّ هذه أمورٌ قد يصعب في بعض الأحيان تجنّبها ولكن إذا تجنّبها الإنسان تجعله مهيباً مسموع الكلمة يلفت أنظار النّاس خصوصاً عندما يرون من هدوئه وسكونه إذا حلّ به أمرٌ يوجب القلق. إنّ اللين يفعل ما لا تفعله الشّدّة. خذوا مثالاً بسيطاً. افرض أنّ عندك خادماً أتى أمراً أوجب سخطك فانهلت عليه بالشّتائم فقل أن يفعل زجرك في خادمك فعلاً حسناً وقل أن يهابك ولكن وبّخه بطريقةٍ ليّنةٍ مذكّراً إيّاه أنّ له حقوقاً وعليه واجبات فإنّ ذلك يفعل فيه ما لم تفعله جلبتك فضلاً عن أنّك تصون نسك. هذه الصّفة العالية شديدة اللزوم في حرفتكم سواء كنتم قضاةً أو محامين فيجب على القاضي أو المحامي أن يسعى بقدر الإمكان في كتمان إحساسه ولا يتأثّر بسرعةٍ ولا يأخذه انزعاجٌ ولا دهشةٌ حتّى يكون حكمه مبنيّاً على عقلهِ لا على وجدانه. فإذا كان أحدكم محامياً وعامله القاضي بغلظةٍ وبشدّةٍ فلا يجب أن يفزع من أول الأمر بل عليه أن يصبر مرّة وأخرى ويدافع عن حقّه بدمٍ ساكنٍ وبذلك يؤثّر في نفس القاضي ويزداد

стр. 6525

هيبةً ووقاراً. ألفت أنظاركم إلى مسألةٍ تتعلّق بمعلوماتكم العلميّة إنّي لا أشكّ في أنّ مهمّة القاضي والمحامي من أشرف الأعمال وأشقّها. فكلٌّ منهما ليس مختصّاً فقط بمعرفة القانون وعندي أنّه لو درسه في أوسع موسوعاته لما عدّ قاضياً خطيراً أو محامياً نحريراً. إن إجادة درس القضايا والحكم فيها لا يحتاج فقط إلى معلومات قانونيّة بل إلى معلومات طبيّةٍ وزراعيةٍ وهندسيّةٍ وحسابيّة. إنّ القاضي يفصل في نقط قانونيّة بعد تقدير الموضوع ولكنّ هذا الأخير يحتاج إلى معلوماتٍ كثيراّ ما تكون غير قانونيّةٍ أنا لا أطلب أن يكون بيد رجل القانون شهادةٌ في العلوم الأخرى فذلك أمر مستحيلٌ وإنّما أطلب منه أن يكون ذلك الرّجل الّذي يمكنه أن يبدي رئياً في كلّ شيءٍ ولو إلى درجة محدودةٍ. أطلب منه أن يكون عموميّاً فكثيراً ما أهمل القضاةُ والمحامون ذلك الأمر وعند عرض نقط طبيّة أو هندسيّة ينفضون أيديهم ويقولون نحن لسنا أطبّاء أو مهندسين لنأخذ تقرير الاختصاصيّ. فذلك ما أنهاكم عنه قد يستعين رجل القانون بتقرير الاختصاصيّ فلا يجب أن يهمل المسألة ففي يده أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم وهو المسؤول عن حكمه لا الخبير. فيجب عليه أن يبحث بنفسه ويناقش الاختصاصيّ في رأيه ويطلب منه بيان الأسباب التي أدّته إلى تكوين اعتقاده حتّى يرتاح ضميره. لا جرم أنهلا يمكنه القيام بذلك إلا إذا كان عنده بعض معلوماتٍ بالطّبّ أو الهندسة أوغير ذلك يجب على المحامي أن يكون كذلك حتى يصون حقوق موكّله ويقوم بالدّفاع خير قيام. أستشهد بقضايا كثيرةٍ تحتاج إلى المعلومات العلميّة مثل قضايا التّنويم المغناطيسي والتّسميم وأشير أيضاً إلى قضيّةٍ حدثت في بلاد الإنكليز كان لها رنّةٌ بين رجال القانون. قضيّةٌ تضمّنت حيثيّاتها منشأ التّلغراف اللاسلكي وتاريخه وتركيبه وكلّ ما يتعلّق به حتّى قال بعضهم لمّا قُرأ الحكم: إنّ القاضي الذي أصدر الحكم كان بلا شكٍّ مرافقاً لمخترع هذا الاختراع في جميع أبحاثه. فهذا يبيّن لكم بأجلى بيانٍ المعلومات التي يجب على القاضي أن يعرفها فلا تحرموا إذا مكاتبكم من كتبٍ متعلّقةٍ بتلك الموضوعات حتّى تقوموا بحرفتكم أحسن قيام وكونوا في كلّ أطواركم مهذّبين من الرّقّة والأدب على جانبٍ أي ليكن كلٌّ منكم جنتلمان مرض المسكرات

стр. 6526

ألقى الطّبيب مطهر عثمان بيكأحد الأخصّائيين في الأمراض العقليّة والعصبيّة محاضرة في مرض السّكر أحببت أن أعبها قال: كان يحظّر على طبقة النّبلاء في الهند قديماً تناول السّكّر ومن أقدم على تناوله منهم فإنّه يسقط عن مكانته الأولى ولا يحسب في عداد النّبلاء. أمّا الصّين اليوم فإنّها ذاهبةٌ قرباناً للمسكر وإنّ أكبر عامل في انحطاط هذه الأمّة المؤلّفة من مئات الملايين من النّفوس هو المسكر وإنّه هو الذي جعلها تصل إلى هذه الدّركة من التّدنّي وأفقدها روحها وتركها بها يائسة ومما يؤثر عن أحد امبراطرة الصّين أنه قال: إذا دام فتك مرض السّكّر بهذه الصّورة فإنّي في شك من بقائنا على تخت السّلطنة في المستقبل وقد اتّخذوا تدابير كثيرة لوضع حد لتفشّي هذا المرض وأثر عن فلاسفتهم مثل قوا وكنفوشيوس كثيرٌ من القول في هذا الصّدد ولكن هذه المملكة الهرمة القاطنة في الشّرق الأقصى لا تزال سكرى ثملة ولا يزال أهلوها قاطبةً يتناولون أقراص الأفيون في منازلهم المنزوية بين ثنايا تلك الأزقّة الضّيقة ويقضون كلّ يوم ساعات كثيرة سكارى لا يعقلون تعاطي المسكر لم ينحصر في الهند والصّين فقط بل تفشّى عند التراك والعرب والعجم وبين كل المم الشّرقيّة غير أنّه في دور مبعث صاحب الرّسالة ﵇ أعلنت أكبر حرب على المسكر ونزل كثير من آيات القرآن الكريم المعجزة ورويت أحاديث نبويّة جمّة بأسلوبها الّطيف الوقور ومتانتها وكلّها تخطر على من دانوا بالإسلام تعاطي هذا السّمّ القاتل وبسبب هذه الحرب التي أعلنها الدّين الإسلامي على المسكرات دخل المسلمون إلى حظيرة من السّعادة ولم يجد المسكر بين ظهرانيهم محيطاً ملائماً ولا مناخاً سهلاً وإنّ هذه الشّدة التي جاء بها الدّين الإسلامي إزاء تعاطي المسكر يؤيّدها ألفن اليوم ويسعى للقيام بها بكل ما أوتي من قوّة المسكر أحد الأمراض الإنسانيّة الواجب معالجتها وهو أنواع جمّة متعددة ولكننا نستطيع أن نقول بصورة مطلقة أنّها كلّها مضرّة وأنّها تهدم البنية وتنخر الدّماغ والعصاب ولها تأثير كبير في الأنسال فإنّ أكثر المرتطمين في حمأة المسكر لا يلدون وإذا نسلوا ولابد فيكون ولدهم شخت الخلقة سيءّ التّركيب ضعيف البنية. المسكر ليس بغذاء يربّي الجسم أو يزيد الدّم أو يبعث القوّة ولا يصدق هذا على الإنسان

стр. 6527

وحده فقط بل على الحيوان أيضاً والتّجارب التي أجراها العلماء تؤيّد هذه الحقيقة. إنّ ألفراشة التي تعيش متطايرةً في حدائق الورد لتسكرها تلك القطرات المترقرقة على اوراق الأزهار الملوّثة المفتّحة في فصل الربيع، وإن القردة لتشرب المسكر من يد سقاتها بكل لذّة وشوق ولا تزال تعوي وراء أولئك السّقاة تستعطفهم ليزيدوها من هذا المسكر حتى تصل إلى جدران المدينة، والخيل إذا سقيت المسكر يقوى بها الشّبق الشّهوةوتعدو كثيراً ولهذا ترى فرسانها يحرصون كلّ الحرص على سقيها المسكرات قبيل السّباق، ولكن هذا الحيوان المسكين لا يلبث أن يسقط فيما بعد مريضاً، حتى أن الحمر ليمرضها تناول الجرعة الواحدة منه. يوجد في بلادنا اعتقادٌ غريب وهو أن المسكر يصلح أن يكون دواءً لبعض الأمراض وهذا بناءً على بعض روايات باطلة يعزونها إلى أطبّاء اليونان، لا، إنّ هذا الاعتقاد من الأمراض السّارية فالمسكرلم يكن في وقت من الأوقات نافعاً للحياة. وأعود فأكرر القول بأنّ المسكر سمّ قاتل لأنّه يبيد الحجيرات الدّماغية وانّه يأتي إلى العروق وإلى أدق الأعضاء وألطفها فينخرها. يبحث بعضهم عن فائدة تعاطي المسكربكميّة قليلة. وهذا يصلح أن يكون نموذجاً لإغلاط ألفكر الإنساني، نعم، إنّ كل القرابين التي قُدِّمت من بني الإنسان لهذا السّم بدأت أولاً تتعاطاه قليلاً قليلاً ثمّ تمكّن منهم وعُدّوا فيما بعد من صرعاه. وإنّ كل الجنايات والفضائح في العالم كله أثرمن آثار المسكر. في الغرب لا يتناول المسكر إلا الطبقات السفلى من البشر أمّا عندنا فإنّ كبار الأسرات تضعه على موائدها بين الأطعمة المغذّية وبين مختلف النّقول. وإنّ هذا الخائن الذي يُطرد اليوم من كلّ الممالك وُجِد له بين ظهرانينا مباءة صالحة. وأهم ما يجب عمله على الحكومة بلا شبهة أن تمنع تعاطي المسكر بين موظّفيها بصورة قطعية. المسكر لم يكن منذ زمن قريب معروفاً عند الأهلين وإنّما تسرّب إليهم من بعض الأورام المهاجرين من بلاد اليونان للإتجار في بلادنا فإنّ هؤلاء كانوا السببفي تفشّيه بين شبابنا في عامة الأنحاء فتراه اليوم يباع في الأناضول في كل مدينة وقصبة وقرية ومزرعة ومن المُحَقّق أنّه بعد مدّة يصبح دواء هذا الخطر من أعقد المسائل وعليه فينبغي اتّخاذ الأسباب اللاّزمة من الآن والتّحيّل لرد هذا العدو الأزرق الذي يسمّ النّسل ويضربه ضربة قاضية لا يقوم منها أبداً. رشدي

стр. 6528

الحكيم.

стр. 6529

العدد ٩٤ - بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٤

стр. 6530

ري اطنة إقليم أطنة أو آذنة أو كيليكيا هو اليوم عبارة عن لواءي أطنة وأيج آيل وكانت العرب تقول لها الثغور واسم الثغر كما قال جغرافيو هم يشمل بلاداً كثيرة وهي البلاد التي كانت معروفة في القرن السابع للهجرة ببلاد ابن لاون ولا قصبة لها لأن أكثر بلادها متساوية وكل بلد منها كان أهله يرون انهُ أحق باسم القصبة فمن مدنها بياس ومنها إلى الاسكندرونة مرحلة ومن بياص إلى المصيصة مرحلتان ومن المصيصة إلى عين زربة مرحلة ومن المصيصة إلى آذنة مرحلة ومن آذنة إلى طرسوس يوم ومن طرسوس إلى الجوزات يومان ومن طرسوس إلى أولاس على بحر الروم يومان ومن بياس إلى الكنيسة السوداء وهي مدينة أقل من يوم ومن بياس إلى الهارونية مثله ومن الهارونية إلى مرعش وهي من ثغور الجزيرة أقل من يوم وهذه الثغور الشامية تدعى بالعواصم. وقال جغرافيو الإفرنج في تحديد كيليكيا يحدها شمالاً ليكاونيا وكبادوكية وشرقاً سورية وغرباً بامفيليا وبيسديا وجنوباً البحر الرومي وهي سهول مخصبة منبسطة يسقيها وجيحان والبردان وكانت كيليكيا تقسم إلى قسمين شرقي وهو سهل كيليكيا وهو عبارة عن لواء أطنة اليوم وغربي وهو الجبل وهو عبارة عن لواء أيج آيل ومركز الشرقي منه طرسوس ومن مدنه سولس وماله وايسوس (اياش) وعين زربة وأهم مدن القسم الثاني سلفكة سيلنونتة (سلندي) كلندريس (كلندرة) أصل سكان هذه البلاد من السريان وكان يطلق عليهم اسم لوقو كيليكيان أي السريان البيض تمييزاً لهم عن أهل سورية وقد أعمر مهاجرة اليونان بعض سواحل هذه البلاد وجعلوها مدناً وفتحها كيخسرو وضمها إلى مملكة فارس وجاء الاسكندر فاتحاً ثم ضبطها بطالسة مصر وافتتحها بومبوس وضمها إلى المملكة الرومانية وكانت أصبحت ملجأ لقرصان البحر ووقعت من سهم المملكة الشرقية كما انقسمت المملة الرومانية إلى شرقية عاصمتها القسطنطينية وغربية عاصمتها رومه وقد فتح الأمويون هذا الإقليم وكان يحكمه على عهد الصليبين بنوليون الأرمن وافتتحها السلجوقيون بالتدريج ولما انقرضوا انقسمت بين أولاد قره مان ورمضان وحكومة ذو القدرية ثم أضيفت إلى المملكة العثمانية في عهد السلطان محمد خان الثاني وبايزيد الثاني ويازر السلطان سليم. هذه نبذة من جغرافية كيليكيا وتاريخها أما الأنهار التي تجري فيها ويراد اليوم إصلاح ريها

стр. 6531

فهي سيحان وجيحان وبردان تسقي سهول آذنة البالغة على أقل تعديل مائتي ألف هكتار والهكتار (عشرة آلاف متر مربع) وينبع سيحان من قضاء عزيزية في ولاية سيواس ويجري إلى الجنوب الغربي ماراً بجبل قوزان وجبل بيك بوغاز في واد بديع ثم يمر بلواء قوزان فيضم إليه بعض الأودية المنسالة من تلك الجبال حتى يصل إلى لواء أطنة ثم ينضم إليه نهر آخر ينبع من قضاء عزيزية على اليمين ماراً من وراء جبال قوزان ويسمى هناك نهر زمنتي ثم قزيل ايرماق ثم قورشون صو ثم جكيدي فيجري إلى أطنة في سهول جقوراوة حتى يصل إلى البحر الرومي وطول مجراه ٤٥. كيلو متراً وهو يصلح لسير السفن في مصبه ولكن الرمال هناك تمنع من سير السفن الكبرى فلا يتيسر غير سير السفن الصغرى أما جيحان فينبع من لواء ملاطية ويجري إلى البستان ويسمى هناك سكودلي صو ويتألف من نهر خرماجى الجاري من جبال قوزان فيمر في أودية وجبال كثيرة حتى إذا بلغ مرعش يضم إليه نهر أق صو فيدخل ولاية أطنة ثم يأتي إلى سهل أطنة ويجري على موازاة نهر سيحان. أما بردان أو طرسوس جاي فينبع من حدود ولاية قونية ويتألف من عدة أودية تنساب من سفوح جبل بوغاطاغ ماراً بوادي جهنم ويضم إليه نهر كولك الآتي من مضيق كولك فيجري إلى السهل ويمر بالقرب من طرسوس وبعد أن يروي حدائقها. تتألف منه بحيرة ويصب في البحر الرومي غربي مصب نهر سيحان وطول مجراه ١. . كيلو متر على التقريب. وهذا هو النهر الذي اغتسل فيه الاسكندر المقدوني وهو قاصد إلى الشرق فمرض وكاد يقضي عليه كما حُمَّ المأمون العباسي لاغتساله بنهر قرب البدندون وحمَّ ومات هناك. وعدَّ المقدسي أنهار سيحان وجيحان وبردان من الأنهار ألفائضة في المملكة وقرنها إلى دجلة والفرات والنيل وجيحون ونهر الشاش ومهران ونهر الرس ونهر الملك ونهر الأهواز وقال إنه تجري فيها السفن قال: وأما سيحان وجيحان وبردان فإنهن أنهار طرسوس وآذنة والمصيصة يخرجن من بلد الروم ثم يفضن في البحر وكذلك سائر أنهار الشام إلا نهر بردى والأردن. وقال ابن حوقل: كانت المصيصة مدينتين إحداهما تسمى المصيصة والأخرى تسمى كفر بَيّا على جانبي جيحان وإنه يخرج من بلد الروم حتى ينتهي إلى المصيصة ثم إلى رستاق يعرف بالملون فيقع في بحر الروم وكان كثير الضياع

стр. 6532

غزير الكراع أي إن فيه خيلاً كثيراً وذلك لأن جقوراوة مشهور بمراعيه وكانت آذنة مدينة كأحد جانبي المصيصة على نهر سيحان في غربي النهر وسيحان دون جيحان في الكبر عليه قنطرة عجيبة البناء طويلة جداً ويخرج هذا النهر من بلد الروم أيضاً. وقال ياقوت إن سيحان نهر كبير بالثغر من نواحي المصيصة وهو نهر آذنة بين إنطاكية والروم يمر بآذنة ثم ينفصل عنها نحو ستة أميال فيصب في بحر الروم وإياه أراد المتنبي في مدح سيف الدولة أخو غزوات ما تغب سيوفه ... رقابهم إلا وسيحان جامد يريد انه لا يترك الغزو إلا في شدة البرد إذا جمد سيحان. وقال في جيحان إنه نهر با المصيصة بالثغر الشامي ومخرجه من بلاد الروم ويمر حتى يصب بمدينة تعرف بكفر بيَّا بازاء المصيصة وعليه عند المصيصة قنطرة من حجارة رومية عجيبة قديمة عريضة فيدخل منها إلى المصيصة وينفذ منها فيمتد أربعة أميال ثم يصب في بحر الشام قال أبو الطيب: سريت إلى جيحان من أرض آمِد ... ثلاثاً لقد أدناك ركض وأبعدا وقال عدي بن الرقاع العاملي: فبت أُلهى في المنام كما أرى ... وفي الشيب عن بعض البطالة زاجر بساجية العينين خود تلدّها ... إذا طرُق الليل الصحيح المباشر كأن ثناياها نبات سحابة ... سقاهن شؤبوب من الليل باكر فهن معاً أو أقحواناً بروضة ... تعاوره صنوان طلٌّ وماطر فقلت لها كيف اهتديت ودوننا ... دُلُوك وأشراف الجبال القواهر وجيحان جيحان الملوك وإلى ... وحزن خزارى والشعوب القوا سر وقال ياقوت في البردان إنه نهر بثغر طرسوس مجيئه من بلاد الروم ويصب في البحر على ستة أميال من طرسوس وهو الذي عناه الزمخشري بقوله: ألا إن قلبي في جوى لا يبله ... قويق ولا العاصي ولا البردان هذه هي البلاد التي تريد الدولة اليوم أن تعمرها بإصلاح طرق ريها والانتفاع من أنهارها الكبار التي تذهب جزافاً دون أن ينتفع بها حق الانتفاع فتصلح سهول هذا الإقليم الواسع

стр. 6533

وهي لا تقل عن مائتي ألف هكتارما عدا جقوراوة المشهور بمراعيه. ويقتضي ذلك أربعة ملايين ليرة عثمانية وينتهي العمل منه على الأكثر في عشر سنين إلا إن بعض فروعه تستثمر عقب إنجازها فيكون ألفرع الأول من هذا العمل معداً للانتفاع به بعد ثمانية عشر شهراً بمعنى إن كل فرع متى نجز ينتفع منه برأسه أما الأنهار التي يصلح مجراها فهي سيحان وجيحان والبردان. وأراضي ذاك الإقليم صالحة جداً لزراعة القطن الجيد وقصب السكر فتخرج سهول آذنة إذ ذاك ٥. . ألف طن الذي يفوق ما تخرج الآن كمية وكيفية والمملكة العثمانية كلها لا تخرج اليوم أكثر من ١٤. ألف بالة قطن دع ما يزرع بتلك المياه من البرتقال والليمون والزيتون. ومعلوم أن الخط الحديدي البغدادي يشق هذا الإقليم طولاً ومرسين متصلة بآذنة بسكة حديدية ثم إن ولاية أطنة اليوم أكثر الولايات العثمانية استعمالاً للأدوات الزراعية المستحدثة من حراثة وزراعة وحصاده ودراسة فإذا أضيف إلى تلك الأسباب تعليم ألفلاح طرق استثمار أرضه بالطرق الحديثة وتسميدها بحسب طبائعها بالسماد الكيماوي والطبيعي وكثرت السكان هناك بمن ينزلها من المهاجرين الذين تأتي بهم الحكومة من بلاد الروم ايلي وتكون قد جفت المستنقعات وأمنت تلك البلاد من وطأة الحميات المهلكات تصبح أطنة مصراً ثانية وأخت العراق. لا جرم أن أغوار الشام وسهول كيليكيا والعراق تخرج أجود الأقطان التي تفوق قطن مصر والهند فإذا تم هذا العمل نحمل معامل الغرب على أن تبتاع من حاصلاتنا لمعاملها بعد أن نعمل من قطننا ما يلزم للحياكة والنسج. بلاد كلها خيرات لا تحتاج إلا إلى اليد العاملة والعقول المدبرة وبقليل من المال يتيسر إصلاح زراعتها بحيث تكفي ملايين من البشر حتى يعيشوا براحة وهناء وكانت في القرون الحديثة بؤرة ألفتن والخلل تتنازعها العوامل المنوعة فهل تكون في هذا القرن الحديث دار سلام ومعهد خصب ورفاهة عيش وهذا ما نرجوه بفضل الناهضين للإصلاح من رجال الدولة العلية.

стр. 6534

أحياء الغابات في فلسطين غرائب زراعة أرض فلسطين. توفرت منذ ست عشرة سنة على التجارب الزراعية والأبحاث الطبيعية فظهر لي إن ما تحصل معي من البحث قابل للتطبيق في ولايتي سورية وبيروت فإن هذه الولايات لا تتخالف حدودها الطبيعية كما تتخالف حدودها الإدارية. من ألقى نظره في حال أراضي فلسطين الزراعية يرى أن السماد والمراعي والحطب قليل جداً فيها ويرى مع هذا أن فلسطين مع حاجتها إلى هذه الأصناف تصدر إلى البلاد الأخرى خشباً وتبناً وسمداً (فتخرج الحطب بعد أن تحرقه فحماً إلى مصر وتصدر التبن إلى جزائر البحر الأبيض والسماد إلى مصر). وإنّ إصدار هذه الأصناف الثلاثة إلى خارج البلاد لما يساعد على انقراض الغابات وخرابها لأن الربح من إصدارها لا يوازي خراب الغابات وقلة غذاء الحيوانات وبوار الأرض بقلة السماد والسباخ. وهذا ويا للأسف برهان ناصع على تقهقر زراعتنا وعلى ما آلت إليه حال فلاحنا من الجهل المطبق ومن ألفاقة الحافزة على حين نرى كل حكومة تود ضمانة منافع بلادها وترفيه حال تبعتها أن تنزع الشر من أساسه وهي مضطرة إلى استعمال أنجع الأدوية السريعة لكل مرض في الأمة. ماذا يحدث من التأثير بتخريب الغابات؟ بدأ خراب الغابات في فلسطين منذ الأزمنة التاريخية فكان من أهم التأثيرات المدهشة الأساسية أن عريت الجبال وتراكمت كثبان الرمال في الساحل وكثرت البطائح والمستنقعات. ومن المحقق أن حرمان الأراضي المائلة المسطحة من الأشجار والمراعي وتعرضها إلى للأحداث الجوية وتأثيراتها وانهيارها دعا إلى بقاء الجبال عريانة. ومن المشاهد أن الأمطار التي تسقط في شتاء كل سنة تؤلف مياهها شلالات صغرى وتنتقل من صخرة إلى أخرى وتحمل معها الحصا والحجارة مدة سنة إلى السهول الصالحة للزراعة ولذا أصبحت مملكتنا بتجرد جبالنا كلها أشبه بهيكل عظمي وما كان يروى من أن هذه البلاد كانت في القديم تفيض لبناً وعسلاً لا يتأتى تحققه لتعود إليها قوتها الإنباتية القديمة كما كانت إلا بصرف الهمم الكثيرة والاعتصام بالصبر والمتانة وبالسير في نور

стр. 6535

حكمة يشفعها تعمل وانكماش. ولا يجب أن ننسى أن جميع بلاد فلسطين جبلية وبتجريد هذه الجبال من غاباتها تخريب زهاء ثلثي الأراضي الصالحة للزراعة في هذه الديار. كثبات الرمال دعا تخريب الغابات وبعبارة أصح تخريب الأشجار إلى تأليف صحار من الرمال متحركة بتحرك الأهوية والعواصف والتاريخ يؤيد ذلك فقد مدح العارفون بأخبار الناس الظلال التي كانت تمتد شرقي قيسارية على ستة أو ثمانية كيلو مترات. ويروى أن نساء الرومان كن يقلن في الهاجرة بعد الظهر في ظل تلك الغابات أما اليوم فنرى جميع هذه الأرض وهي عبارة عن ستة أو ثمانية كيلو مترات غاصة بكثبان من الرمال ولم يبق بعد ما شوهد من التهافت اليوم بعد الآخر على تخريب الحراج إلا أشجار من الدلب صينت من الاحتطاب لتبقى نموذجاً صالحاً ولم يبقى عليها سوى أن بعض القائلين بالأساطير القديمة نظروا إليها نظر تقديس. ويؤخذ من التاريخ أن ما يشاهد من الرمال المتراكمة على عرض ستتم إلى ثمانية كيلومترات في ساحل فلسطين هو نتيجة عمل ألفي سنة ومن المحقق أن مساحة هذه الكثبان السيارة في سواحل فلسطين تبلغ مليون دونم على أقل تقدير وعلى هذا فإن قطع الأشجار في سواحل فلسطين كما أفقدنا حتى الآن مليون دونم من الأراضي يفقد كل سنة من زراعة فلسطين خمسة آلاف دونم فاقتضى من ثم أن تحصر الحكومة وكدها في إحياء الغابات وغرس الجديد منها لتقوم حاجزاً دون انهيال هذه الرمال. وهذا مما لا يصعب على الحكومة فإن مدينة بوردو في فرنسا كادت تهلك بانهيال الرمال حينها وتجد اليوم في ضاحيتها غابة كثيفة من السنديان الذي يسمونه شجر الذهب وإذا قد غرست هذه الغابة على الأصول العلمنة جاءت منها هذه المنافع في خمسين سنة تأليف البطائح. إن نسبة تأليف البطائح والمستنقعات لقطع الأشجار تُرى لأول وهلة غريبة وقد بلغت هذه النظرية اليوم درجة الثبوت وإليك البيان: عندما تمطر السماء الجبال المغشاة بالغابات تنقسم مياهها بين الأوراق والأغصان وتبطئ بسقوطها إلى الأرض وتمتص هذه المياه على غاية من السهولة تلك الطبقة القابلة للنفوذ المؤلفة من حثالات الأوراق والأغصان المتساقطة وهذا تترشح المياه تدريجاً وتنفذ إلى باطن الأرض وتحفظ في جذور الأشجار وما يتألف حواليها من شبكة الجزيرات وتسيل رويداً رويداً من السطوح المائلة تحت

стр. 6536

الأرض فتنبع في السهول صافية براقة تحمل المغانم للسكان ثم تسيل بصفائها تمد الأنهار والأودية وتسيل إلى الأقاصي والأمطار التي تهطل على جبالنا بكثرة تكون على غاية من الانهمار ولا يقف في سبيلها حاجز فتسيل المياه فوق الصخور العريانة والسطوح غير القابلة للنفوذ متبددة. وعندما تسيل مياه الأمطار إلى المروج تنشأ منها تيارات ومسايل كبيرة ويكون من هذه المسايل مدة بضع ساعات - وقد رويت تربة السهول من مياه الأمطار - طين مانع كبير ويتألف من هذا الطين صلصال مفيد يخرب زروع الحقول ويوسع مجاري المياه ويطمها وتتألف في السهول في مدة قليلة مستنقعات وبطائح كبيرة تكون مضرتها زمناً طويلاً وإذا وقع الضرر منها في مكان مرة واحدة تأخذ على الدوام في الزيادة ويتفاقم شرها ولذلك قال أصحاب الغابات: حافظوا على سلامة الجبال لإنقاذ السهول. إن هذه الأنهار التي تتبدل مجاريها وتسيل ببطء عندما تفيض بأوحال الجبال وتجري إلى البحار تصادف قرب مصابها رمالاً منتقلة تحول دون انبعاثها فمن أجل هذا ترى تلك السيول في الأراضي ذات اليمين وذات الشمال ويتألف منها بطائح. سبق أن قدرنا مساحة كثبان الرمال في فلسطين بمليون دونم والآن نقدر المستنقعات الواقعة على الساحل بعشرة آلاف دونم ولئن كانت مساحة المستنقعات أقل عشرة أضعاف من مساحة الكثبان فإنها من حيث الضرر أضر على البلاد مئة ضعف ومن المحقق أن المستنقعات هي السبب الرئيسي القديم في انتشار الحميات وهذا على رأي الأطباء كافة هو أعظم حائل يحول دون نمو السكان لأن الحمى بانتشارها يصاب بها الأطفال خاصة فتودي بالقسم المهم منهم. ليس لدينا إحصاء عام نعرف منه زيادة الولادات على الوفيات في الولاية بيد أن ماجرى من البحث في بعض القصبات قد أثبت أن عدد السكان يزيد ببطء كثير على الرغم من وفرة الولادات ويقع هذا البطء وإن كان الزراع على شئ من الرفاهة يتبلغون بميسور العيش ومعلوم أن ازدياد السكان هو العنصر الأساسي الذي تقوم عليه عظمة الأمة وقوتها الاقتصادية. اليد العاملة في فلسطين يكفي الكيلومتر الواحد في فلسطين لإعاشة أربعين أو خمسين نسمة ويدخل في ذلك سكان

стр. 6537

المدن وعلى كثرة الولادات وتيسر أسباب العيش وقيام أعمال عمرانية نافعة لماذا لم يترق عدد السكان في الكيلومتر المربع عن خمس وعشرين نسمة منذ ثلاثين سنة والجواب أن كثرة الوفيات مانعة من نمو السكان النمو المطلوب وأهم ما يكثر به الموتان الحميات وهي منتشرة بكثرة بين الزراع. إن بقاء الجبال عريانة وتوسع أكثبة الرمال السيارة حتى أحدثت مستنقعات هما أعظم آفة على زراعة فلسطين الأسباب الثانوية في خراب الغابات ترجع هذه الأسباب إلى ثلاثة الأول الإقليم والثاني فقدان الأشجار الثمينة والثالث ندرة الطيور النافعة في الزراعة. وبعد فقد مضى الزمن الذي كان يعتقد فيه الناس أن الغابات تجلب الأمطار فإن العلم الحديث أبطل هذه النظرية من أساسها ولنا عدة أدلة على أن القطر ألفلسطيني لم يتبدل مدة ألفي سنة تبدلاً محسوساً أكثر من كل الأقطار ذات المدنيات القديمة. وما يهطل الآن هنا من الأمطار لا يختلف كثرة وقلة عما كان عليه على عهد بني إسرائيل. إذا تقررت هذه الحقيقة تنتج لنا فائدة عظيمة عملية وهي أننا نستنتج أن قطع الغابات لم ينشأ منه خراب البلاد خراباً لا يتأتى إصلاحه وتلافي أمره وليس من الصواب أن نعتقد أن جبالنا التي حرمناها من نضرة الخضرة يتعذر أن نعيد إليها خضرتها لا جرم أن الأشجار تساعد على خزن المياه في الأرض وتؤلف مستودعات كثيرة لها ومن هذه المخازن يحدث ألفيضان الشديد وفي أيام الجفاف وانقطاع الأمطار تمدُّ الينابيع بما يرشح منها فتكون بهذا النظام كافية للغاية وتكاثف الأشجار يعدل من قوة الرياح ويعدل قوة التبخر في المياه المخزونة فتجد النباتات من التربة طراوة ثم إن الأشجار بمحافظتها على طراوة الأرض وظلها تساعد على تأليف طبقة ترابية غنية من المواد العضوية ومن الأوراق المتساقطة وتحولها البطيء. وقصارى القول فإن إنشاء الغابات لا يؤثر تأثيراً محسوساً يوجه من الوجوه في كثرة الأمطار ولا في كيفية نزولها ولكنها تحدث ظلالاً وتخفف من شدة الرياح وتدعو إلى إسالة المياه ببطء. جئنا إلى الكلام على قطع الأشجار الثمينة فإن لدي عدة براهين على كثرة الأشجار في القديم ومنها ما فقد تماماً أو أصبح نادراً للغاية أو وجد الآن وليس فيه ألفناء المطلوب

стр. 6538

بالنسبة لحاجة العصر ومن هذه الأشجار شجر الدلب والدردار والعرعر الخ ومن أراد زيادة بيان فليرجع إلى مجلة جمعية النباتات ألفرنساوية ففيها معلومات مختصرة عن الجغرافيا الزراعية في فلسطين غاية في ألفائدة. أما ندرة الطيور النافعة للزراعة فإنها لما كانت الطيور الجارحة كثيرة العدد في فلسطين والطيور النافعة قليلة أصبحت الخسائر الناشئة المزروعة من الحشرات المضرة على من الكثرة فالجوارح تختار من الأراضي الأعالي والصخور والحواجز لتجد ما تفترسه وعلى العكس في الطيور الآكلة للحشرات فإنها تنزل الظلال وفي الغابات التي يسهل بها اختباؤها وتعيش بما هناك من الطراوة وما يتفسخ فيها ويتحول من المواد العضوية ولذلك توسلت الحكومات المتمدنة بتكثير طيور الزراعة ومنت القوانين النافعة لبقائها ونمائها أم نحن فيقضي لنا في بادئ الرأي أن نحي غاباتنا أداؤنا الجزية ألفاحشة إلى غيرنا في حين استحواذ الخراب على غاباتنا لقد صرفت الهمة لقطع غابات فلسطين على صورة واسعة جداً حتى لم يبق في بعض المحال حطب للدفء والحرق. ذكرنا فيما سلف ما جرّ على زراعتنا من الضرر إخراج السماد من البلاد ولا ندري ما نقول الآن وقد استعظمنا الأمر هناك في انقراض مادة السماد النافع في المحروقات. وقد قيل أن بلاد الجنوب كانت فقيرة بغاباتها منذ ألفي سنة أيضاً ونعني بها بلاد يهوذا ولكن البلاد المشهورة بغاباتها وهي بلاد اجليل وجبل الشيخ قد أصابها ما أصاب غيرها على نسبة واحدة فالبلاد التي ليس فيها حطب للوقود لا يكون عندها بالطبع خشب ولا ألواح للبناء وإذا كانت الأناضول تصدر قليلاً من الخشب اضطررنا للتجارة أن نستبضع ما يلزمنا من هذا الصنف من البلاد الخارجية وإذ ليس لدينا إحصاء يظهر منه مقدار ما يصرفه كل سنة من المال في هذا السبيل لا نكون إلى المبالغة إذا فرضنا أن ما يصل ثغور بيروت وحيفا ويافا كل سنة من الخشب لا يقل عن أربعمائة ألف ليرة عثمانية والمثال الذي نأتي عليه الآن يدل دلالة قطعية على حالتنا المعيبة وأننا ندفع الجزية إلى الخارج كان ما تصدره هذه البلاد من صناديق البرتقال إلى الخارج قبل ثلاثين سنة بضعة ألوف وما يصدر اليوم من يافا وحدها يربو على مليون صندوق وبعد خمس منين سيكون ثلاثة ملايين والصناديق التي يحفظ فيها البرتقال يؤتى بها من روسيا والنمسا يبتاع ألواح منها بثلاثة قروش وبعبارة ثانية أننا

стр. 6539

نؤدي خراجا معيناً عن كل صندوق نصدره وهذا الخراج يزيد على ما تستوفيه الحكومة ثلاثة أو أربعة أضعاف دعا جهل حكامنا السابقين وإهمالهم إلى امحاء منابع الثروة وكان من الشعوب المختلفة التي أحسنت الاحتفاظ بمنابعها الطبيعية وثروتها من غاباتها باتخاذ الأساليب المعقولة أن أصبحنا نؤدي إليها الجزية الباهظة وحولنا وجوهنا عما منحتنا الطبيعة إياه من الامتيازات فأخذت الآن تنتقم من على هذه الصورة أهم الآفات التي ابتليت بها الغابات أهم هذه الآفات ثلاث الرعي المتبادل وحتى الرعي في الأراضي الخالية والحيوانات الصغيرة ولا سيما الماعز وفأس المرأة ألفلاحة. ونعني بالرعي المتبادل حتى رعي قطعان أهل ناحيتين أو أكثر في أرض لهم. ويطلع حتى المرعى في الأراضي الخالية على أهالي ناحية مواشيهم إلى ما يدخل في ناحيتهم من المراعي وما لهم من الحق برعيتها ولئن استبان أن الرعي المتبادل وحق الرعي في الأراضي الخالية شيئان متخالفان ولكنهما شيء واحد في الحقيقة فإن أصول المرعى في الأراضي الخالية إذا لم توجد لا يوجد رعي متبادل. وكانت هذه الطريقة في الرعي المتبادل والرعية في الأراضي الخالية شائعة في أوربا خلال القرون الوسطى فتبينت مضارها للزراعة وفي تربية البهائم فأبطلتها الممالك المتوفرة على تربية الحيوانات وبقيت أصول الرعي المتبادل في سويسرا وإنكلترا وهولندة إلى القرن الثامن عشر حتى أبطل منها بتة. وترى اليوم كل إنسان يقبح باسم ترقي الزراعة طريقة الرعي المتبادل وحق المرعى في الأراضي الخالية لأن ذلك مما دعا إلى هلاك قطعاننا وساعد على انتشار الأمراض السارية فيها وهذه العادة ضربة قاضية على حقوق أصحاب الأراضي تدعو إلى الأسف ولها دخل كبير في تخريب الغابات وانقراضها. تأصلت عادة الرعي المتبادل في نفوس الأهلين هنا فنزعها أو تجديدها يدعو إلى هلاك العشائر السيارة المعروفة بشن الغارة وتضطرهم إلى الرجوع أدراجهم أو أن يعودوا فيرجحوا العيش الثابت ويؤثروا حياة ألفلاح والتوطن ويطلقوا تقاليدهم القديمة منذ قرون من عيش الخيام ورعية الأنعام كما هي حال عشائر يوركلر في الأنضول وحال عشائر البدو الصغرى المختلفة في هذه الولاية ولما كانت هذه العشائر تعتقد أن طريقة الرعي المتبادل من الحقوق السماوية أصبح من الصعب أن يرجعوا عن تلك العادة حتى أن

стр. 6540

الأهالي الساكنين إذا أصابهم ضرر من هذا القبيل وجب على الحكومة أن تتداخل في الأمر بقوة السلاح فكما أن تراجان وكورنيليوس وبالما من قواد الرومان حموا على عهد حكومتهم الأراضي الزراعية بين صرخد وبصرى الساكنين في حوران والجولان من الأهلين ودوا عنهم غارة المغيرين من أهل البادية هكذا نعهد إلى الحكومة العسكرية اليوم أن تحمي حمانا في تلك الحال أيضاً من أبناء تلك العشائر القديمة وهم الرولة وولد علي وبني صخر. وبعد فإن الحكومة لم تمد يد المساعدة لمن أراد أن يقوم من الأهلين بنفسه يحمي المراعي من التخريب ليأمن على أرضه حتى أن مهاجري الجراكسة لما نزلوا القنيطرة وأرادوا الانتفاع من مروج الجولان يقطعون منه قصيلاً للشتاء أغمضت الحكومة عينها عنهم فاضطر الجراكسة أن يقتتلوا مع أهل البادية دفعاً لرد عادية هؤلاء عنهم وأصبحوا يحصلون لمواشيهم على قصيل زيادة عما يلزمهم. أوردت هذه الحادثة لأشير بها إلى أن عادة الرعي المتبادل مهما كانت متأصلة في طبيعة الأهالي ففي الوسع نزعها ومتى تم ذلك في أرض استفاد الأهلون والحكومة معاً. أن تخريب المراعي هو العامل الرئيسي في تخريب الغابات وقد أثبتت التجارب هذه الحقيقة على صورة لا تقبل الاعتراض وليس القطع أو الحريق من أعظم الحوائل في نمو الأشجار على اختلاف ضروبها وإيصال الأذى إليها من جذورها أو رأسها بل الضرر كل الضرر في إيصال الأذى إلى رأسها فتحول أسنان المواشي دون نموها فتتصلب سطوح الأراضي الثابتة وتنقسم الكثبان وبدلك يصعب أن تعود إلى الأشجار حياتها. تخريب الحيوانات الصغرى ولاسيما الماعز الماعز أعظم الآفات على غاباتنا وإذا اجتمعت على تخريب الغابة النار والفأس فلا يفعلان فيها كما تفعل أسنان الماعز. عرفت فيها هذه المضرة منذ القديم حتى جاء في قوانين بني إسرائيل صريحاً خطر تربية الحيوانات الصغيرة في فلسطين. وكان المنورون منهم يهتمون جدّ الاهتمام للمحافظة على هذا القانون ووضع القيود لتنفيذه. جاء في التلمود أن أحد حاخامي بني إسرائيل أصيب بسعال شديد فأوصه الأطباء أن يشرب لبن عنز سائغاً حديثاً فجاءه بحسب العادة المتبعة بعض رفاقه من الحاخامين يعودونه في مرضه فرأوا في فناء الدار تلك العنزة التي جعلت هناك للانتفاع بلبنها ولم يلبثوا أن رجعوا أدراجهم قائلين

стр. 6541

والغضب آخذ منهم، في باب الحاخام المذكور أشقياء مسلحين لا جرم أن العنزة كانت تعيش بما تخضمه وتقضمه من هنا وهناك. وقد جرت الولايات المتحدة في تربية الحيوانات على قاعدة أن تجعل لكل مئة رأس بقعة من الأرض مساحتها ١٥. دونماً تروح الماشية فيها وتغدو سنتين على أن يقطع المرج من أساسه ولا شك أن ماشية ولاية بيروت لا تقل عن مليون رأس تخرب كل سنتين من الغابات١٥. . . . . دونم وبعبارة أخرى أن تخريبها لا يقل مانهة عن٧٥. . . . دونم إلى مليون. فالرعي المتبادل وحق الرعي في الأراضي الخالية لا يحول فقط دون حفظ الغابات ويقرضها بل يمنعنا من تربية الماعز ويسوقنا إلى هذه النتيجة سوقاً تخريبات المرأة ألفلاحة تجيء المرأة القروية بعد الماعز في باب تخريب الغاب لأن من شأن المرأة في هذه الأصقاع أن تتدارك الحطب اللازم للدار والحطب المقتضي بيعه في السوق ويضيف هؤلاء النساء إلى ضعفهن الطبيعي أنهن يتسلحن بفؤوس رديئة يضربن بها الأشجار ألفتية ويحولن وجوههن عن الأشجار الكبرى ذات الأغصان المستطيلة والجذوع المتأصلة. وأن في دخول البنات والنساء إلى قراهن وقد احتطبن وجعلن حطبهم على رؤوسهن باسمات شاديات من المناظر الغريبة ولم ينحصر هذا العمل في النساء وحدهن بل يشاركهن فيه الرجال في ضواحي القرى ليحرقوا من أحطابها كلساً. ومن المشاهد أن أكمة أو جبلاً يعرى في بضعة أسابيع من مراعيه وأحطابه ليجعل من حطبه وقود لفرن أو فرنين من أفران الكلس الفقيرة أو بضعة أحمال صغيرة من ألفحم وهذا ولا شك من الجنايات التي لا ينظر إليها قانون من قوانين مملكة نظر تسامح وأغضاء. ما قام به الأفراد لأحياء الغابات مما يؤلم النفس أن الحكومة لم تقم حتى الآن بعمل يذكر في باب إحياء الغابات وتنميتها في أطراف المملكة على اختلاف اصقاعها ولا سيما في هذه الولاية ولم تنشط من أرادوا التشبث بذلك وقد قام فريقان من النازلين في هذه الديار وأتوا بعمل وإن كان صغير الجرم ولكنه كبير القدر في مسألة الغابات. فالفريق الأول أهل المستعمرة الألمانية قام بالتحريج على صورة محدودة ولكنها عاقلة والفريق الثاني أهل الاستعمار الإسرائيلي تذرعوا بمثل

стр. 6542

هذا العمل على صورة أوسع وأشجع ولما وضع ألمان حيفا أيديهم على الأقسام المهمة من جبل الكرمل رأوا أن يتذرعوا إلى الاستفادة من هذا الجبل بعض الشيء فغرسوا فيه أشجار الصنوبر وغرسوا أثمن أنواعه فأتت منها نموذجات نادرة وهو صنوبر حلب وغرسوا أيضاً من صنوبر الحبّ والصنوبر المشاهد نموذجات منه في لبنان وبيروت ولا تزال هذه البقعة من الغابات تتوسع فتدخل البهجة إلى قلوب من نزلوا في جوارها وعلى مقربة منها من الألمان. ولئن كان هذا التوفيق درس عبرة لنا فأنا لست مع هذا من القائلين بغرس أشجار الصنوبر في ساحات واسعة وقولي هذا مستند على أسباب مهمة معروفة في فن الغابات وذلك لأن عامة أشجار ألفصيلة الصمغية سريعة الاحتراق وإذا احترقت فلا يعزب عن بالنا أن نوعها ليس من الأنواع التي تعود فتنمو وكثيراً ما يقع حريق الغابات في موسم الصيف وليليه الحارة وإذا كان ولا بد من غرس الأشجار من ألفصيلة الصمغية فيجب أن تحاط بأشجار الأوكاليبتوس المعروفة بشدة مقاومتها للحريق. والخوف من الحريق ليس من الأمور النادرة بل وقع كثيراً في تونس والجزائر وكثرت الحوادث المكدرة بسببه فوجب علينا أن نعتبر فإن أهل الإخصاء في هذا ألفن فن التحريج لا يكتفون بما رسمه العلم من النظريات بل يراعون حال المحيط وروح الأهلين فإن هناك بعد المصاعب ألفنية موانع معنوية وروحية. ما تذرع به الإسرائيليون لإحياء الغابات حصدت الحميات منذ عشرين سنة الإسرائيليين وإذ كان شجر الأوكاليبتوس من موانع الحمى لم يكتفوا بالذي ذكرناه من الحرج الضعيف بل توسعوا في الغابة وغرسوا من الأوكاليبتوس كثيراً فكثر عددها حتى بلغت بحسب الجهات المئات والألوف فمنذ سنة ١٢ - ١٣ كانت هذه الساحات خالية بالكلية من الأشجار فأصبحت بحرمانها من فأس الحطاب غابات غبياء وأراضي شجراء والعمل جار الآن في كيفية استحصال طريقة أربح من غيرها من خشب الأوكاليبتوس وهذه القضية صعبة في الحل بعض الصعوبة. وهنا مجال لأن أقول أنني في رحلاتي إلى تونس والجزائر للبحث في أحوال الغابات رأيت أشجارا وأردت اختبار أكثرها ملائمة لهذه الديار وقد بلغت أنواعها مئة نوع ولكن ما

стр. 6543

جربناه هنا فجاد بلغ اثني عشر نوعاً. وقد جربنا الأشجار المعتمد عليها في البلاد الحارة وشبه الحارة مثل أميركا وأوقيانوسيا فلم نجدها صالحة للغرس والنمو وسائط لمنع تخريب الغابات سبق لنا في ألفصول السابقة وصف النتائج التي آلت إليها الغابات بتخريبها رأينا أن الحالة من ناحيتها مخوفة داعية إلى القلق. إن انقراض الغابات آخذ بالارتقاء ويزيد فيه جهالة الأهلين نعم قامت بدل الغابات مروج وهذه تدعو الحاجة إلى الاحتفاظ بها فكما أن من اللازم اللازب قبل استرجاع ثروة فقدت بالتبذير والإسراف أن يحافظ على البقية الباقية منها فمن الواجب قبل التذرع بوسائط لاحياء الغابات أن يفكر في عدم انقراضها وتوقيف تيار الأضرار بها. والواجب في هذا لباب وضع قوانين والعناية بتطبيق مفاصلها لأن الأضرار بالغابات لم ينشأ من القوانين الخاصة بها بل من أهماها وعدم العناية بتنفيذها ولذا بات مستقبل البلاد مهدداً وتظهر فيه أنفع القوانين من الخطة التي تجري عليها في الإنقاذ فإن انفع قانون يعمد في تنفيذه إلى مأمور جاهل لا يكون إلا ذريعة لتشديد الحكم الكيفي ويزيد في الشدة على الأهلين ويبالغ في تضعيف أضرار خزانة الحكومة بواسطة بعض أهل المنافع من أرباب الأفكار الخسيسة ولذا نقترب من هذا البحث والرهبة والاحتراز آخذان منا. لئن قل في الحكومات من وقف أمام تلك الحالة التي أضنت على انقراض الغابات في فلسطين فليست حكومتنا فقط اشتغلت بإحياء الغابات وحل قضيتها المغمضة ولكن هذه القضية المذكورة مع سهولتها على الحكومات المومأ إليها فقد شوهد أن حلها ليس من السهولة بالمكان الذي تصوروه وأدركت الحكومات التي عُنيت بالاحتفاظ بالغابات وبأحياء الجديد منها بفضل ما قامت به من التجارب الخاصة أن حل هذه القضية المعقدة بطئٌٌ يحتاج إلى نفقات طائلة وإذا خالف التوفيق من يعنى باتخاذ الطرق إليها فيكون بتنفيذ القوانين بشأنها حق التنفيذ بالحرف وتوزيع المخصصات على صورة رشيدة واسعة وأن يعهد في العمل لطبقة مختارة من الموظفين ويبالغ في البحث والاستقراء العلمي. وهب أن الحال ساعدت على وضع قوانين لا تكلف نفقة وعهد إلى موظفين بالإشراف عليها وتطبيق مفاصلها فإن تنظيم خطط هذا التجديد وإخراجه إلى ألفعل يحتاج إلى

стр. 6544

موظفين أخصوا في هذا العلم وهناك أيضاً صعوبة في جلبهم وجمعهم. لأن التبريز في صناعة يقتضي لمن يديره أن يقضي دور الاستعداد في دائرة نظريات العلم ويعقبه دور طويل يقضيه في العمل وليس في البلاد حتى الآن علماء بالغابات على هذه الصورة وإذا صرفنا النظر عن الصعوبات الكثيرة التي تعترضنا في جلب علماء بالغابات من الخارج فهناك صعوبة واحدة يكتفى بإيرادها وهو أنهم يكونون ولا شك غرباء بعيدين عن معرفة ما يلزم لإنشاء الغابات في مثل هذا المحيط غير ملمين بأحوال القطر ولا بحالته الاقتصادية. أرى هنا أن أورد بعض التجارب التي عمدوا إلى تطبيقها في بعض الممالك التي تشبهنا وأهم الأقطار التي يجب على رجال حكومتنا أن يبالغوا في البحث فيها: الجزائر وتونس وقبرص فإن بلادنا هذه تشبه تلك الأقطار من وجوه كثيرة فالمناخ فيها عينه عندنا وما يشاهد من الإسراف في قرض الغابات في فلسطين قد شوهد مثله في تلك الأصقاع أيضاً وإذ كان سكان هذه البلاد وسكان تلك من المسلمين فلهم نفس التقاليد والتواريخ ثم إنه استعملت في تلك الأقطار نفس الأشجار التي توافق بلادنا والواجب قبل كل شيء تحديد المقطوع من الخشب والحطب وتعيين شروط إصدار حاصلات الغابات ولئن كنا لا ننكر أن عندنا كثيراً من القوانين في هذا الشأن فإننا نقول بأنه لم يجر تنفيذها بتة على أن الواجب أيضاً تعديل هذه القوانين ببعض لوائح حسب محيط كل بلد وطبيعة كل أقليم وعادته فوضع القوانين واستعمال الجد في إنفاذها يجب أن يكونا توأمين متلازمين. حرّاس الغابات يجب أن يعهد إلى حرّاس يشرفون على الغابات على شرط آن لا يراعى في تطبيق القوانين والنظامات المذكورة الأصول القديمة وأن يختاروا من الذين تعلموا تعليماً ابتدائياً صناعياً في الجملة فإن الأصول التي اتبعت فيما مضى فدعت إلى أن يعهد إلى الجهال بمثل هذه الوظائف قد ألحق الضرر الكثير بالآهلين وإن إحداث وظائف الكسالى لا يكون إلا ذريعة لتشديد الضرر الذي يراد توقيفه. وكنا نرجي أن يكون ألفرق بين الحراس القدماء والحراس المحدثين في الغابات كالفرق بين أفراد الدرك اليوم وأفراد الدرك أمس على الأقل وما أشبه الليلة بالبارحة. تنظيم قطع الغابات

стр. 6545

أشرنا فيما سلف من ألفصول إلى ما تحدثه المرأة القروية من الأضرار بالغابات عند احتطابها منها ولأجل توقيف هذا التخريب يجب توقيف الاحتطاب بتاتاً أيام نمو الأشجار والاحتطاب يبدأ في أيام الحر من ١٥ تموز إلى ١٥ أيلول فلا يسمح للمرأة ألفلاحة أن تحتطب إلا في هذا الموسم ومن الممكن أن يمتد هذا التوقيف عن الاحتطاب إلى كانون الثاني. وهذه حقائق ثابتة وفوائدها ظاهرة المحسنات فلا تحتاج إلى تفصيل. قلع الجذور جرم أبنا فيما سلف عند البحث على عمل الكلس والفحم الأضرار الناشئة من الطريقة التي يعمد إليها وأهم هذه الخسائر قطع جذور الأشجار مما لا يحول فقط دون نموها بل يقرضها أبديّاً فالواجب عمل الكلس والفحم على الأصول النظامية وفي الزمن الذي لا يمنع من نمو الأشجار وربما رأى الناس شدة في هذه الطرق والأساليب ولكنها في الحقيقة ليست مهمة فبدلاً من أن يقوم فلاحونا ويربحوا قليلاً من عمل ألفحم بقرض الغابات نوصيهم بأن يعمدوا إلى طرق أخرى فإنهم يضمنون لأنفسهم أرباحاً أكثر وما يكسبونه قليلاً من إصدار السماد والتبن يتأتى لهم استحصاله من طريق آخر ليعدلوا ميزانيتهم وإن ما تعلمه الوطنيون من مستعمرة الألمان والإسرائيليين في الثلاثين سنة الأخيرة من طريقة استعمال الأسمدة للأراضي أصبح في حكم قانون ثبتت فوائده في أرباض القرى وما يفعله في نمو البقول والأثمار ليس مفيداً فقط بل ضروري للغاية أما التبن فإنه يساعد ألفلاح على علف أبقاره وثيرانه على صورة أحسن فيكون من العوامل في تربيتها. وسنذكر في ألفصول التالية عند الكلام على صورة تنظيم أصول الرعي في الأراضي الخالية أن من المفيد جداً للحكومة تحديد عدد الماعز ومعاونة الأهلين على تربية البقر. هذا ولا يتردد الرعاة بتة في قطع أغصان الأشجار ليطعموا بها قطعانهم فإن تجريد الأشجار الكبرى من بعض أغصانها يكون داعية انقراضها. تنظيم المراعي رأينا فيما سلف مقدار الضرر من الرعي المتبادل في الأراضي الخالية وحق الرعية فيها فعلى الحكومة إذا صحت عزيمتها على توقيف الضرر أن تبادر إلى تنظيم مراعيها. قد يشاهد في الظاهر تناقض بين مسألة تنظيم المراعي لما فيه مصلحة أصحاب المواشي

стр. 6546

وبين الزراع الذين ليس لهم ما يعلفون به دوابهم فيجب للتأليف بين هذين ألفريقين الظاهر تخالفهما كل التخألف بأن لا يشرع في العمل لذلك قبل إمعان الروية وإطالة النظر في المدخل والمخرج فينظر في اختلاف الحالة الاقتصادية في كل ناحية وفي سد حاجة الأهلين على غاية من التدقيق والعناية ثم يشرع في حل هذه المباينة وقد ظهر مما سبق أن تنظيم أصول المراعي يحتاج إلى تدقيق عميق طويل فإن كل الناس اليوم يقولون بأن بين المراعي والأشجار علاقة اشتراك ولذا فإن تخريب الغابات في الأماكن العالية يدعو إلى تغيير منابع المياه وجفاف المراعي فينشأ من ذلك تدني عدد الحيوانات من قلة المياه والمراعي فيكون الضرر لاحقاً في الأكثر بأصحاب المواشي. ولا جرم أن عدد الحيوانات آخذ بالتناقص ولا تنمو إلا بإحداث الغابات ونموها فهذه مقدمة لها فالواجب البداءة بهذا التحسين قبل كل شيء. منع طريقة الرعي المتبادل لإصلاح حق المرعى في الأراضي الخالية ولئلا يجري التزاحم على المراعي يجب أن يعين ما يلزم لكل قرية وناحية من المراعي وهنا نقسم المسألة إلى شقين فنجعل في الأول الكمية اللازمة للاستعمال في ألفلاحة والحمولة وما ماثل ذلك ليسد مجموعها حاجة القرية أو الناحية وفي الشق الثاني عدد الحيوانات التي تزيد في محصول هذا المجموع ورأس ماله بمعنى أننا إذا قلنا بأن نفادي بشيء لأجل حيوانات الطبقة الأولى فإننا لا نوافق على ذلك لحيوانات الطبقة الثانية أي أننا لا نفادي في هذا السبيل بقرض الحراج والغابات ونسوق البلاد إلى الخراب. تحديد المراعي الخارجة عن الغابات إن كثرة هذه المراعي في الأراضي السهلية يكون سبباً لعدم إدخال قطعان المواشي إلى الأراضي الجبلية ومع هذا فالواجب يقضي بمنع القطعان من دخول الغابات في الربيع لكثرة العشب فيه فإن ذلك مما يساعد الغابات على الراحة والتجدد وعلى تأصيل أصول الأشجار الصغيرة في الأرض وقت نشوءها الأول فيدخل في الإمكان إذ ذاك تجدد الغابات. لا شبهة أن التزاحم من العناصر المضرة في تخريب المراعي وإن تنقيص عدد الحيوانات في بلاد يكون عدد أغنامها وماعزها متناسباً مع ثروتها ولها منها منافع كثيرة وعادات هو

стр. 6547

من الأمور الصعبة بل البطيئة وليس هذا خاصاً بنا وحدنا بل هو مشاهد في أعظم الممالك تمدناً. وقد عارضت أهالي الجبال في فرنسا فاضطرت الحكومة هناك إلى نشر قانون سنة ١٨٨٢ بشأن المراعي طبقت مفاصله كل التطبيق فعلى الرغم من شدته لم تنشأ منه النتائج المنتظرة كما قال مدير الغابات العام في تقريره سنة ١٩١١ آسفاً متلهفاً. ولم تقوَ النصائح والتنشيط الذي وقع على رفع الموانع العظيمة الحائلة دون تجدد المراعي وإحيائها. الوسائل القانونية في التشجيع أبنا سالفا مقدار التخريب العظيم الذي يحدثه الماعز للغابات ولذلك وجب التذرع بكل الأسباب التي من شأنها تنقيص عدد الماعز وتحديده والأبقار ليست من الضرر بدرجة الماعز ولذلك أرى أن تراعى البقر في وضع رسوم قليلة عليها ويؤخذ عن الماعز رسوم تامة وأن يلغى الرسم عن الغنم ويبقى الرسم على الماعز وان يطرد الجمال والماعز من الغابات طرداً كلياً وهذا من أوفق وسائط التشجيع بالوساطة لغرس الأراضي القابلة لزراعة الغابات. إلا أن الأربح للحكومة والواجب عليها أن تعمد إلى أسباب من التشويق بلا واسطة وهو أن تعفي من الخراج مدة ثلاثين سنة كل قطعة أرض جبلية جعلها صاحبها من أطرافها الأربعة بعيدة عن تخريب حق المرعى والرعي المتبادل في الأراضي الخالية. إن هذه الأصول التي يجب اتباعها لتسهيل تجديد الغابات يتأتى أن يكون لها تأثير أسرع. ولذلك جاءت النوبة لاتخاذ وسيلة قانونية يكون لها التأثير العظيم بالنظر لارتقاء المملكة وسيرها نحو التكامل. ولا يخفى أنه لم يبقى أثر للغابات في البلاد ولا سبيل لزراعتنا أن يتوقع منها شيءٌٌ في هذا السبيل وإن من نتائج ذلك أصبحت جبالنا وآكامنا معرضة للاتكال ولذلك تدعو الضرورة الشديدة إلى غرس الأشجار التي تجنى منها هذه الثمرة بعض الشيء وتحيا بها البلاد قليلاً فقد اشتهرت فلسطين بمحاصيلها من الحبوب ومع هذا فهي من الأقاليم التي تلائم كل التلاؤم زراعة الأشجار التي تُثمر هذه الثمرات بالنظر لأحوال هذا القطر وشؤونه الزمنية ووضعه الجغرافي ولنا عدة أبواب كبرى نصرف فيها هذا المحصول وإن مصر التي ليس فيها أراض صالحة لهذا الصنف من الزراعة قد أقامتنا الطبيعة لأن ندعي بأننا متعهدون لها بتقديم ما يلزمها من أرضنا من هذا القبيل ولذا أصبح من اللازم اللازب على الحكومة

стр. 6548

أن تعمد إلى اتخاذ جميع أسباب التشجيع لزراعة الغابات وتنميتها. لئن نشر قانون يقضي بأن كل أرض جبلية غرست زيتوناً تعفى من الضرائب من ثلاث إلى عشر سنين فقد قل الأفراد الذين استفادوا من هذا الإعفاء على أن الحد الأعظم في هذا العفو وهو عشر سنين قليل بالنسبة لما ينبغي من وسائل التنشيط والواجب أن تعفى من الضرائب جميع الأراضي الجبلية التي تغرس زيتوناً مدة خمس عشرة سنة وهذا لإعفاء يشمل أشجار الخرنوب. والخرنوب إذا طعم يعطي من السكر ٤. % وقشره صالح لرعية الماعز وانك لترى في جزيرة قبرص ألوفاً من الدونمات مستورة بأشجار الخرنوب. والأولى أن يسن قانون لحفظ الأشجار البرية وتجديدها وتطعيمها ويحمل الناس على اتباعه ويعهد إلى حراس الغابات بالإشراف عليه ويجب أن تعفى من الضرائب مدة خمس عشرة سنة بعض الأصقاع التي يجود فيها التفاح والكثرى على أنواعهما وأن يطعم التفاح البري إن أمكن كما نعفى شجر الزعرور إعفاء الكروم في الأراضي الجبلية من الخراج عشر سنين وتنشيط الغابات لإحيائها وإحداثها لا بأس من أن يشمل العفو عن الخراج عشر سنين في الكروم ليسارع ألفلاح إلى غرسها فيقف تجريد الغابات من كسوتها وتزيد محاصيل البلاد وأن كان ذلك لا يقوم مقام الغابات بحال بيد أن هذا الإعفاء الذي منح لمدة عشر سنين هو لمقاومة دودة الكرمة فإذا شمل العفو الكروم نفع أيضاً في بابه. لم تتشبث الحكومة بأدنى تشبث من شأنه أن يحيي الغابات ويكثر عددها ولكن الأفراد تذرعوا في هذا السبيل بأمور وما تذرعوا به من هذا القبيل حري بمعاونة الحكومة من كل وجه وأهله جديرون بأن يميزوا بامتيازات خاصة وللوصول إلى هذا الغرض أرى من المناسب قبول القانونين اللذين سنتهما فرنسا ونتجت منهما لها فوائد كثيرة فقد جاء في المادة ٢٢٨ من قانون الغابات عندهم: تعفى من الخراج مدة ثلاثين سنة كل أنواع الأشجار التي تغرس على أكمة أو سطح مائل في الجبال وكل كثيب من الرمال. ولكن حكومة فرنسا أرادت أن تستفيد من هذا الحق جميع الأراضي الزراعية البائرة الفقيرة فوضعت المادة الآتية وهي مادة ١١٦ من قانونها وأيدتها سنة ١٩. ٧ بالبند الثالث من ميزانيتها ومعناها أن تقدر الأراضي التي تزرع أشجارا بربع قيمتها فقط وتعفى من الخراج من أول

стр. 6549

غرسها إلى مرور ثلاثين سنة عليها فنشط لذلك أصحاب الأراضي واستفادوا من هذه القوانين وأحيوا قسماً منها. وعلى الحكومة علاوة على ذلك أن تحدث شركات أحياء الغابات تشوق الناس لاتخاذ الأصول الجديدة وتمنحها بعض الامتيازات وتخص بهذه الامتيازات تلك الشركات ليعم نفعها في أي نوع من الأراضي مملوكة كانت أو مستأجرة لمدة طويلة ومثل هذه الشركات كثير في الممالك المختلفة نتجت منها أعظم ألفوائد ومنها شركة إنشاء الغابات وأحيائها في الجزائر وشركة محبي الأشجار الدولية في تونس وشركة أشجار مدريد الوطنية. ولكن جميع هذه التشبثات لا تحل في وقت من الأوقات قضية أحداث الغابات وأحيائها فإن ذلك متوقف على أحياء الجبال وتثبيت الأكثبة وتجفيف البطائح ويحتاج ذلك إلى نفقات طائلة وأناس عارفين بالعلم وتحتاج الحكومة إلى سلوك القصد في عملها بيد أن الحكومة لم تقم بعمل شيء وتغييرها لكبار مأموريها على طريقة تبادل الوظائف مما يحول دونهم ودون معرفة البلاد وأقرب الطرق الآن أن تكتفي الحكومة بتنشيط الشركات وإنشائها لهذا الغرض وتبذل المعاونة ألفعلية والمعنوية لانتشار فن الغابات ولئن كانت الامتيازات في مثل هذه الأحوال غير معتبرة فنحن نعترف بذلك ولكن بلاداً ليس لها شركات ذات أموال كثيرة وليس عندها موظفون عالمون لا سبيل لها لأن تعمل غير ذلك ولذلك تجلب أناساً من متخصصي الأجانب يشرفون على الشروط التي نالها أصحاب الأمتياز ويهيمنون على العمل حتى ينتهي بأحسن النتائج. والقيام بعمل على خلاف هذه الصورة لا يكون منه إلا الفشل. وبعد فقد ظهر بما تقدم ما تمس إليه الحاجة من الذرائع العظيمة لإنشاء الغابات في الجبال والمبالغة بالقيام على تعهدها ولتثبيت الأكثبة وتطهير البطائح وتجفيفها وللقيام لإدارة ذلك ينبغي إيجاد شركات ذات رؤوس أموال تكون مختلطة أو خاصة لتشرف على هذه الأعمال وتديرها وتنيل الربح لمساهميها على طرية معقولة وهذا مما يحفظ حقوق بيت المال والأهلين معاً ويصونها من الاعتداء ولا يجب بالنسبة للأحوال الحاضرة في البلاد أن يطوى شيء من هذه الإيضاحات التي هي عملية ونتيجة تجارب طويلة بل على العكس نرى في الإمكان أن يضاف إليها أمور كثيرة ولا نطالب الحكومة في حل هذه المسألة

стр. 6550

بالقيام بكل عمل فذلك خارج عن طاقتها ولكننا نطالب برفع الموانع والحوائل وتشجيع أحباب الغابات على إنشاء الجديد منها والاحتفاظ بالقديم.
следующие страницы →