Полный текст (6 802 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
وبين الزراع الذين ليس لهم ما يعلفون به دوابهم فيجب للتأليف بين هذين ألفريقين الظاهر تخالفهما كل التخألف بأن لا يشرع في العمل لذلك قبل إمعان الروية وإطالة النظر في المدخل والمخرج فينظر في اختلاف الحالة الاقتصادية في كل ناحية وفي سد حاجة الأهلين على غاية من التدقيق والعناية ثم يشرع في حل هذه المباينة وقد ظهر مما سبق أن تنظيم أصول المراعي يحتاج إلى تدقيق عميق طويل فإن كل الناس اليوم يقولون بأن بين المراعي والأشجار علاقة اشتراك ولذا فإن تخريب الغابات في الأماكن العالية يدعو إلى تغيير منابع المياه وجفاف المراعي فينشأ من ذلك تدني عدد الحيوانات من قلة المياه والمراعي فيكون الضرر لاحقاً في الأكثر بأصحاب المواشي. ولا جرم أن عدد الحيوانات آخذ بالتناقص ولا تنمو إلا بإحداث الغابات ونموها فهذه مقدمة لها فالواجب البداءة بهذا التحسين قبل كل شيء.
منع طريقة الرعي المتبادل
لإصلاح حق المرعى في الأراضي الخالية ولئلا يجري التزاحم على المراعي يجب أن يعين ما يلزم لكل قرية وناحية من المراعي وهنا نقسم المسألة إلى شقين فنجعل في الأول الكمية اللازمة للاستعمال في ألفلاحة والحمولة وما ماثل ذلك ليسد مجموعها حاجة القرية أو الناحية وفي الشق الثاني عدد الحيوانات التي تزيد في محصول هذا المجموع ورأس ماله بمعنى أننا إذا قلنا بأن نفادي بشيء لأجل حيوانات الطبقة الأولى فإننا لا نوافق على ذلك لحيوانات الطبقة الثانية أي أننا لا نفادي في هذا السبيل بقرض الحراج والغابات ونسوق البلاد إلى الخراب.
تحديد المراعي الخارجة عن الغابات
إن كثرة هذه المراعي في الأراضي السهلية يكون سبباً لعدم إدخال قطعان المواشي إلى الأراضي الجبلية ومع هذا فالواجب يقضي بمنع القطعان من دخول الغابات في الربيع لكثرة العشب فيه فإن ذلك مما يساعد الغابات على الراحة والتجدد وعلى تأصيل أصول الأشجار الصغيرة في الأرض وقت نشوءها الأول فيدخل في الإمكان إذ ذاك تجدد الغابات.
لا شبهة أن التزاحم من العناصر المضرة في تخريب المراعي وإن تنقيص عدد الحيوانات في بلاد يكون عدد أغنامها وماعزها متناسباً مع ثروتها ولها منها منافع كثيرة وعادات هو
стр. 6547
من الأمور الصعبة بل البطيئة وليس هذا خاصاً بنا وحدنا بل هو مشاهد في أعظم الممالك تمدناً. وقد عارضت أهالي الجبال في فرنسا فاضطرت الحكومة هناك إلى نشر قانون سنة ١٨٨٢ بشأن المراعي طبقت مفاصله كل التطبيق فعلى الرغم من شدته لم تنشأ منه النتائج المنتظرة كما قال مدير الغابات العام في تقريره سنة ١٩١١ آسفاً متلهفاً. ولم تقوَ النصائح والتنشيط الذي وقع على رفع الموانع العظيمة الحائلة دون تجدد المراعي وإحيائها.
الوسائل القانونية في التشجيع
أبنا سالفا مقدار التخريب العظيم الذي يحدثه الماعز للغابات ولذلك وجب التذرع بكل الأسباب التي من شأنها تنقيص عدد الماعز وتحديده والأبقار ليست من الضرر بدرجة الماعز ولذلك أرى أن تراعى البقر في وضع رسوم قليلة عليها ويؤخذ عن الماعز رسوم تامة وأن يلغى الرسم عن الغنم ويبقى الرسم على الماعز وان يطرد الجمال والماعز من الغابات طرداً كلياً وهذا من أوفق وسائط التشجيع بالوساطة لغرس الأراضي القابلة لزراعة الغابات. إلا أن الأربح للحكومة والواجب عليها أن تعمد إلى أسباب من التشويق بلا واسطة وهو أن تعفي من الخراج مدة ثلاثين سنة كل قطعة أرض جبلية جعلها صاحبها من أطرافها الأربعة بعيدة عن تخريب حق المرعى والرعي المتبادل في الأراضي الخالية.
إن هذه الأصول التي يجب اتباعها لتسهيل تجديد الغابات يتأتى أن يكون لها تأثير أسرع. ولذلك جاءت النوبة لاتخاذ وسيلة قانونية يكون لها التأثير العظيم بالنظر لارتقاء المملكة وسيرها نحو التكامل.
ولا يخفى أنه لم يبقى أثر للغابات في البلاد ولا سبيل لزراعتنا أن يتوقع منها شيءٌٌ في هذا السبيل وإن من نتائج ذلك أصبحت جبالنا وآكامنا معرضة للاتكال ولذلك تدعو الضرورة الشديدة إلى غرس الأشجار التي تجنى منها هذه الثمرة بعض الشيء وتحيا بها البلاد قليلاً فقد اشتهرت فلسطين بمحاصيلها من الحبوب ومع هذا فهي من الأقاليم التي تلائم كل التلاؤم زراعة الأشجار التي تُثمر هذه الثمرات بالنظر لأحوال هذا القطر وشؤونه الزمنية ووضعه الجغرافي ولنا عدة أبواب كبرى نصرف فيها هذا المحصول وإن مصر التي ليس فيها أراض صالحة لهذا الصنف من الزراعة قد أقامتنا الطبيعة لأن ندعي بأننا متعهدون لها بتقديم ما يلزمها من أرضنا من هذا القبيل ولذا أصبح من اللازم اللازب على الحكومة
стр. 6548
أن تعمد إلى اتخاذ جميع أسباب التشجيع لزراعة الغابات وتنميتها.
لئن نشر قانون يقضي بأن كل أرض جبلية غرست زيتوناً تعفى من الضرائب من ثلاث إلى عشر سنين فقد قل الأفراد الذين استفادوا من هذا الإعفاء على أن الحد الأعظم في هذا العفو وهو عشر سنين قليل بالنسبة لما ينبغي من وسائل التنشيط والواجب أن تعفى من الضرائب جميع الأراضي الجبلية التي تغرس زيتوناً مدة خمس عشرة سنة وهذا لإعفاء يشمل أشجار الخرنوب. والخرنوب إذا طعم يعطي من السكر ٤. % وقشره صالح لرعية الماعز وانك لترى في جزيرة قبرص ألوفاً من الدونمات مستورة بأشجار الخرنوب. والأولى أن يسن قانون لحفظ الأشجار البرية وتجديدها وتطعيمها ويحمل الناس على اتباعه ويعهد إلى حراس الغابات بالإشراف عليه ويجب أن تعفى من الضرائب مدة خمس عشرة سنة بعض الأصقاع التي يجود فيها التفاح والكثرى على أنواعهما وأن يطعم التفاح البري إن أمكن كما نعفى شجر الزعرور إعفاء الكروم في الأراضي الجبلية من الخراج عشر سنين وتنشيط الغابات لإحيائها وإحداثها
لا بأس من أن يشمل العفو عن الخراج عشر سنين في الكروم ليسارع ألفلاح إلى غرسها فيقف تجريد الغابات من كسوتها وتزيد محاصيل البلاد وأن كان ذلك لا يقوم مقام الغابات بحال بيد أن هذا الإعفاء الذي منح لمدة عشر سنين هو لمقاومة دودة الكرمة فإذا شمل العفو الكروم نفع أيضاً في بابه.
لم تتشبث الحكومة بأدنى تشبث من شأنه أن يحيي الغابات ويكثر عددها ولكن الأفراد تذرعوا في هذا السبيل بأمور وما تذرعوا به من هذا القبيل حري بمعاونة الحكومة من كل وجه وأهله جديرون بأن يميزوا بامتيازات خاصة وللوصول إلى هذا الغرض أرى من المناسب قبول القانونين اللذين سنتهما فرنسا ونتجت منهما لها فوائد كثيرة فقد جاء في المادة ٢٢٨ من قانون الغابات عندهم: تعفى من الخراج مدة ثلاثين سنة كل أنواع الأشجار التي تغرس على أكمة أو سطح مائل في الجبال وكل كثيب من الرمال. ولكن حكومة فرنسا أرادت أن تستفيد من هذا الحق جميع الأراضي الزراعية البائرة الفقيرة فوضعت المادة الآتية وهي مادة ١١٦ من قانونها وأيدتها سنة ١٩. ٧ بالبند الثالث من ميزانيتها ومعناها أن تقدر الأراضي التي تزرع أشجارا بربع قيمتها فقط وتعفى من الخراج من أول
стр. 6549
غرسها إلى مرور ثلاثين سنة عليها فنشط لذلك أصحاب الأراضي واستفادوا من هذه القوانين وأحيوا قسماً منها.
وعلى الحكومة علاوة على ذلك أن تحدث شركات أحياء الغابات تشوق الناس لاتخاذ الأصول الجديدة وتمنحها بعض الامتيازات وتخص بهذه الامتيازات تلك الشركات ليعم نفعها في أي نوع من الأراضي مملوكة كانت أو مستأجرة لمدة طويلة ومثل هذه الشركات كثير في الممالك المختلفة نتجت منها أعظم ألفوائد ومنها شركة إنشاء الغابات وأحيائها في الجزائر وشركة محبي الأشجار الدولية في تونس وشركة أشجار مدريد الوطنية. ولكن جميع هذه التشبثات لا تحل في وقت من الأوقات قضية أحداث الغابات وأحيائها فإن ذلك متوقف على أحياء الجبال وتثبيت الأكثبة وتجفيف البطائح ويحتاج ذلك إلى نفقات طائلة وأناس عارفين بالعلم وتحتاج الحكومة إلى سلوك القصد في عملها بيد أن الحكومة لم تقم بعمل شيء وتغييرها لكبار مأموريها على طريقة تبادل الوظائف مما يحول دونهم ودون معرفة البلاد وأقرب الطرق الآن أن تكتفي الحكومة بتنشيط الشركات وإنشائها لهذا الغرض وتبذل المعاونة ألفعلية والمعنوية لانتشار فن الغابات ولئن كانت الامتيازات في مثل هذه الأحوال غير معتبرة فنحن نعترف بذلك ولكن بلاداً ليس لها شركات ذات أموال كثيرة وليس عندها موظفون عالمون لا سبيل لها لأن تعمل غير ذلك ولذلك تجلب أناساً من متخصصي الأجانب يشرفون على الشروط التي نالها أصحاب الأمتياز ويهيمنون على العمل حتى ينتهي بأحسن النتائج. والقيام بعمل على خلاف هذه الصورة لا يكون منه إلا الفشل.
وبعد فقد ظهر بما تقدم ما تمس إليه الحاجة من الذرائع العظيمة لإنشاء الغابات في الجبال والمبالغة بالقيام على تعهدها ولتثبيت الأكثبة وتطهير البطائح وتجفيفها وللقيام لإدارة ذلك ينبغي إيجاد شركات ذات رؤوس أموال تكون مختلطة أو خاصة لتشرف على هذه الأعمال وتديرها وتنيل الربح لمساهميها على طرية معقولة وهذا مما يحفظ حقوق بيت المال والأهلين معاً ويصونها من الاعتداء ولا يجب بالنسبة للأحوال الحاضرة في البلاد أن يطوى شيء من هذه الإيضاحات التي هي عملية ونتيجة تجارب طويلة بل على العكس نرى في الإمكان أن يضاف إليها أمور كثيرة ولا نطالب الحكومة في حل هذه المسألة
стр. 6550
بالقيام بكل عمل فذلك خارج عن طاقتها ولكننا نطالب برفع الموانع والحوائل وتشجيع أحباب الغابات على إنشاء الجديد منها والاحتفاظ بالقديم.
стр. 6551
الخطابة عند العرب
تابع لما في الجزأين التاسع والعاشر
(١.) خطباء الجاهلية والإسلام
قال الجاحظ: كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم أن نذكر أسماء الجاهلية على مراتبهم. وأسماء أهل الإسلام على منازلهم ونجعل لكل قبيلة منهم خطباء ونقسّم أمورهم باباً باباً على حدته ونقدم من قدمه الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم في النسب وفضله في الحسب ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده تكلفت ذكرهم في الجملة.
في الخطباء من يكون شاعراً ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغاً مفوهاً بيناً وربما كان خطيباً فقط وشاعراً فقط وبين اللسان فقط ومن الشعراء الخطباء الأنبياء الحكماء قس بن ساعدة الأيادي والخطباء كثير والشعراء أكثر منهم. ومن يجمع الخطابة والشعر قليل ومنهم عمرو بن الأهتم المنقري وهو المكحل. ومن الخطباء الشعراء البعيث المجاشّعي واسمه خدّاش بن بشر بن لبد. ومن الخطباء الطّرماح بن حكيم الطائي وكنيته أبو نفر. ومنهم عمران بن حطّان وكنيته أبو شهاب رئيس القعدة من الصغّرية وصاحب فتياهم ومقرهم عند اختلافهم ومنهم دغفل بن حنّظلة النسابة الخطيب العلاّمة. ومنهم القعقاع بن شور. ومنهم نصر بن سيار أحد بني ليث بن بكر صاحب خراسان. ومنهم زيد بن جندب الأيادي وعجلان بن سحبان الباهلي وهو سحبان وائل وخطيب العرب.
ومن الشعراء العلماء أعشى همدان ومن الشعراء الخطباء عمران بن عصام العرني ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم بشار الأعمى وهو بشار بن برد وكنيته أبو معاذ. ومن الخطباء الشعراء ومن يؤلف الكلام الجليل ويصنع المناقلات الحسان ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة مع بيان عجيب ورواية كثيرة وحسن دل وإشارة عيسى بن دأب أحد بني ليث بن وكنيته أبو الوليد. ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطبة والشعر الجيد والرسائل ألفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمر والعتابي وكنيته أبو عمرو. وممن جمع الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار والكتب الكبار المجلدة والسير الحسن المولدة والأخبار المدونة سهل بن هرون بن راهييوني الكاتب صاحب كتاب ثعلة وعفرة
стр. 6552
في معارضة كليلة ودمنة وكتاب الأخوان وكتاب المسائل وكتاب المخزومي والهذلية وغير ذلك من الكتب ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة ولا أعلمه يكنى إلا أبا الحسن.
ذكر الجاحظ ثمامة بن أشرس فقال: ما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف. ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه وكان لفظه في وزن إشارته. ومعناه في طبقة لفظه ولم يكن لفظه إلى بأسرع من معناه إلى قلبك. قال بعض الكتاب: معاني الظاهرة في ألفاظه الواضحة في مخارج كلامه. كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف حيث يقول:
له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف
كان ألفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس وكان متكلماً وكان قاضياً مجيداً وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد وهشام بن حسام وأبان بن أبي عباس وكثير من ألفقهاء وهو رئيس ألفضيلة وإليه ينسبون. وكان يزيد بن أبان عم ألفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي من أصحاب أنس والحسن كان يتكلم في مجلس الحسن وكان زاهداً عائداً وعالماً فاضلاً وكان خطيباً وكان قاضياً مجيداً. قال أبو عبيدة: وكان أبوهم خطيباً وكذلك جدهم. وكانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب نزعهم ذلك العرق فقاموا في أهل هذه اللُغة كمقامهم في أهل تلك اللُغة وفيهم شعر وخطب وما زالوا كذلك حتى أصهر الغرباء إليهم ففسد ذلك العرق. ودخله الخور. ومن الخطباء زيد بن عالي بن الحسين وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. وكان شاعراً بيناً وخطيباً لسناً. ومن أهل الدهاء والنكراء. ومن أهل اللسن واللقن. والجواب العجيب والكلام الصحيح. والأمثال السائرة والمخارج العجيبة هند بنت الحسن وهي الزرقاء وجمعة بنت حابس.
ومن الخطباء خالد بن سلمة المخزومي من قريش. وأبو ماضر وسالم وقد تكلم عند الخلفاء. ومن خطباء بني أسيد الحكم بن زيد بن عمّير وقد رأس. ومن أهل اللسن منهم البيان الحجاج بن عمّير بن زيد.
ومن الخطباء سعيد بن العاصي بن سعيد العاصي بن أمية قيل لسعيد بن المسيب من أبلغ الناس: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقيل له: ليس من هذا نسألك قال: معاوية
стр. 6553
وابنه وسعيد وابنه وما كان ابن الزبير بدونهم ولكن لم يكن لكلامه طلاوة مقبولة. فمن العجب أن ابن الزبير ملأ دفاتر العلماء كلاماً وهم لا يحفظون لسعيد بن العاصي وابنه العاصي من الكلام إلا ما له بال.
ومن الخطباء عمرو بن سعيد وهو الأشدق وسعيد بن عمرو بن سعيد وكان ناسباً خطيباً وأعظم الناس كبراً وهو خطيب ابن خطيب. ومن الخطباء سهيل بن عمرو الأعلم أحد بني حسل بن معيص. ومن الخطباء عبد الله بن عروة ابن الزبير قالوا وكان صفوان يشبه به وما علمت أنه كان في الخطباء أحد أجود خطباً من خالد بن صفوان وشبيب بن شبيبة الذي يحفظ الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما وما علمنا أن أحداً ولد لهما حرفاً واحداً.
ومن النسابين العلماء عتبة بن عمرو بن عبد الرحمن الحارث بن هشام وكان من ذوي الرأي والدهاء وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف وعمرو بن الرحمن خامس خمسة في الشرف وكان هو الساعي بين الأزد وتميم في الصلح. ومن بني الحرقوس شعبة بن القلعم. وكان ذا لسان وجواب عارضة وكان وصافاً فصيحاً
. وبنوه عبد الله وعمرو وخالد كلهم كانوا في هذه الصنعة غير أن خالداً كان قد جمع بين بلاغة اللسان والعلم والحلاوة والظروف وكان الحجاج لا يصبر عنه.
ومن بني أسيد بن عمرو تميم أبو بكر بن الحكم كان ناسبة راوية شاعراً وكان أحلى الناس لساناً وأحسنهم منطقاً وأكثرهم تصرفاً ومنهم معلل بن خالد أحد بني أنمار بن الهجيم وكان نسابة علامة راوية صدوقاً مقلداً ومنهم من بني العنبر ثم من بني عمرو بن جندب أبو الخنساء عباد بن كسيب وكان شاعراً علامة وراوية نسابة وكانت له حرمة بابي جعفر المنصور ومنهم عمرو بن خولة كان ناسباً خطيباً وراوية فصيحاً من ولد سعيد بن العاصي والذي أتى سعيد بن المسبب ليعلمه النسب ومن خزاعة بن مازن أبو عمرو بن العلاء وأخوه أبو سفيان ومنهم أبو نوفل بن أبي عقرب كان نائباً خطيباً فصيحاً وهو رجل من كنانة أحد بني عريج ومن بني كنانة ثم من بني ليث ثم من بني الشداخ يزيد بن بكر بن دلب وكان يزيد عالماً ناسباً وراوية شاعراً. وولد يزيد بن يحيى وعيسى وهو الذي يعرف في العامة بابن داب وكان من أحسن الناس حديثاًَََ وبياناً وكان شاعراً راوية وصاحب رسائل وخطب وكان يجيدها جداً.
стр. 6554
وكان أبو الأسود الديلي وأسمه ظالم بن عمر، وبن جندل ابن سفيان خطيباً عالماً وكان قد جمع شدة العقل. وصواب الرأي. وجودة اللسان وقول الشعر والظرف ومنهم زياد بن ظبيان التميمي العاشي وكذلك ابنه عبيد الله كان أفتك الناس وأخطب الناس. ومنهم صعصعة بن صوحان من خطباء الخوارج وعبيد الله بن زياد ويضرب به المثل. وكان عثمان بن عروة أخطب الناس وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيباً شاعراً، وفصيحاً جامعاً، وجيه الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء.
ومن خطباء قريش خالد بن مسلمة المخزومي وهو ذو الشفة ومن خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة وهو كان الخطيب عند النبي ﷺ . ومن الخطباء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان مع ذلك راوية ناسباً شاعراً. وكان الجارود بن أبي سبرة ويكنى أبا نوفل من أبين الناس وأحسنهم حديثاً وكان راوية علامة شاعراً مغلقاً. ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عباس ذكره حسان بن ثابت فقال:
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فضلاً
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي أربة في القول جداً ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقة ... فنلت ذرها لا دنيا ولا وغلا
ومن خطباء بني هاشم أيضاً داود بن علي وكان يكنى أبا سليمان. وكان أنطق الناس وأجودهم ارتجالاً واقتضاباً لقول ويقال أنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط وله كلام كثير معروف محفوظ. ومنهم عبد الله بن الحسن. ومن خطباء بني هاشم ثم من ولد جعفر بن سليمان سليمان بن جعفر والي مكة قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون انه لم يرد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام غلا وسليمان لبين منه قاعداًن وأخطب منه قائماً. وكان داود بن جعفر إذا خطب استحقر ومضى مسرعاً فلم يرده شيء وكان في لسانه شبيه بالرثة وكان أيوب فوق داود في الكلام والبيان ولم يكن له مقامات داود في الخطب. وكان إسماعيل بن جعفر من أدق الناس لساناً، وأحسنهم بياناً. ومن خطباء بني هاشم جعفر بن الحسين بن علي وكان أحد من ينازع زيداً في الوصية فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوبتها فقط وجماعة من ولد العباس في عصر واحد لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي، وفي الكمال والجلالة وفي العلم بقريش والدولة، ولأقدار الرفيعة، وكانوا فوق الخطباء،
стр. 6555
وفوق أصحاب الأخبار، وكانوا يجلون من هذه الأسماء، إلا أن يصف الواصف بعضهم ببعض ذلك. منهم عبد الله بن صالح والعباس بن محمد واسحق بن عيسى واسحق بن سليمان وأيوب بن جعفر هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة وبرجال الدعوة من المعروفين برواية الأخبار. وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان بأمة من الأمم. ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي فأما بصر فكان صاحب أخبار وأحاديث وكان لا يعد، وحديث ابن الكلبي والهيثم. وأما إبراهيم فأنه كان رجلاً لا نظير له وكان خطيباً، وكان ناسباً، وكان فقيهاً، وكان نحوياً عروضياً، وحافظاً للحديث راوية للشعر شاعراً، وكان فخم الألفاظ، شريف المعاني.
ومن خطباء تميم جحدب وكان خطيباً راوية ومن ولد المنذر عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن المنذر وكان فقيهاً عالماً قاضياً، وكان راوية شاعراً، وكان خطيباً ناسباً، وكان حاضر الجواب مفوهاً، وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي وكان يكنى أبا شبرمة. ومن الخطباء المشهروين في العوام والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان الأهتمي. ومن خطباء بني ضبة حنظلة بن ضرار وقد أدرك الإسلام وطال عمره حتى أدرك وقعة الجمل ومن خطباء بني ضبة وعلمائهم مشجور ابن فيلان ابن خرشة وكان مقدماً في المنطق.
ومن خطباء الخوارج قطري بن الفجاءة وله خطبة طويلة مشهورة وكلام كثير محفوظ. ومن خطباء الخوارج ابن صديقة وهو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة وكان صغرياً خطيباً ناسباً ويشوبه ببعض الظرف والهزل ومن علماء الخوارج شبيل بن غرزة الصنبعي صاحب الغريب وكان راوية خطيباً وشاعراً ناسباً. ومن الخطباء المذكورين روح ابن زنباع والحجاج بن يوسف. ومن خطباء الخوارج وعلمائهم عمران بن حطان ومن علمائهم حبيب بن خدرة الهلالي. ومنهم المقعطل قاضي عسكر الأزارقة أيام قطري. ومنهم عبيدة بن هلال اليشكري ومنهم الضحاك بن قيس ونمهم نصر بن فلحان.
ومن الخطباء معبد بن طوق العنبري. ومن خطباء عبد القيس مصقلة بن رقبة ابن مصقلة وكرب بن رقبة. ومن الخطباء قيس بن خارجة. وكان أبو عمار الطائي خطيب مذبح كلها. ومن الخطباء أيوب القرية. ومن خطباء غطفان في الجاهلية خويلد بن عمر والعشراء بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة وخويلد خطيب بوم ألفجار. ومن
стр. 6556
الخطباء الوضاح بن خشيمة ومن أصحاب الأخبار والنسب والخطب والحكام عند أصحاب النفورات نبو الكوأ. ومن الخطباء القدماء كعب بن لؤي وكان يخطب العرب عامة ويحض كنانة خاصة على البر فلما مات اكبروا موته فلم نزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام ألفيل.
ومن الخطباء الأنبياء العلماء الذين جروا من الخطبة على إعراق قديمة شبيب بن شبيبة قال أبو الحسن: كان أبو بكر خطيباً. وكان عمر خطيباً. وكان عثمان خطيباً. وكان علي خطيباً. وكان من الخطباء معاوية ويزيد وعبد الملك ومعاوية بن يزيد ومروان وسليمان بن الوليد ووليد بن يزيد والوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. ومن خطباء بني هاشم زيد بن علي وعبد الله بن حسن وعبد الله بن معاوية خطباء لا يجارون. ومن خطباء النساك والعباد الحسن بن أبي الحسن البصري. ومطرف بن عبد الله الحرشي، ومورق العجلي، وبكر بن عبد الله المزني، ومحمد بن واسع الأزدي، ويزيد بن أبان الرقاشي، ومالك بن دينار السامي. وليس الأمر كما قال في هؤلاء القاص المجيد والواعظ البليغ وذو المنطق الوجيز فأما الخطب فأنا لا نعلم أحداً يتقدم الحسن البصري فيها وهؤلاء وإن لم يسموا خطباء فأن الخطيب لم يشق غبارهم. ومن الخطباء من بني عبد الله بن غطفان أبو البلا وكان راوية ناسباً. ومنهم هاشم بن عبد الأعلى الفزاري. ومن الخطباء حفص بن معاوية الغلابي. ومن بني هلال بن عامر زرعة بن ضمرة وكان ابنه النعمان بن زرعة بن ضمرة من أخطب الناس. ومن الخطباء عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي. ومن خطباء بني تميم عمرو ابن الأهتم وكان يدعى المكحل لجماله لم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه ومن بني منقر عبد الله بن الأهتم وكان خطيباً ذا مقامات ووفادات. ومنهم صفوان بن عبد الله بن الأهتم وكان خطيباً رئيساً وابنه خالد بن صفوان. ومنهم عبد الله بن الأهتم وقد ولي خراسان ووفد على الخلفاء وخطب عند الملوك ومن ولده شبيب بن عبد الله بن الأهتم وعبد الله بن عبد الله ابن الأهتم وخاقان بن الأهتم. ومن خطبائهم محمد الأحول بن خاقان وكان أخطب بني تميم. ومن خطبائهم معمر بن خاقان. ومن مؤمل بن خاقان ومن خطبائهم خاقان بني صريم ابن الحارث الخرج بن الصدى. ومن خطباء بني تميم ثم من مقاعس عمارة بن أبي سليمان. ومن ولد مالك بن سعيد عبد الله والعباس ابنا رؤبة. وكان العباس
стр. 6557
علامة عالماً ناسباً راوية وكان عبد الله أرجز الناس أفصحهم وكان يكنى أنا الشعثاء وهو العجاج. ومن خطباء هذيل أبو المليح الهزلي أسامة بن عمير. ومنهم أبو بكر الهزلي كان خطيباً قاصاً وعالماً بيناً وعالماً بالأخبار والآثار.
ومن خطباء عمان مرة بن فهم التليد. ومن العتبك بشر بن المغبرة بن أبي صغرة ومن خطباء اليمن ثم من حمير الصباح بن ثقي الحميري كان أخطب العرب. ومنهم ثم من الأنصار قيس بن الثماس. منهم ثابت بن قيس بن الثماس خطيب النبي. ومنهم روح بن زنباع. ومن خطبائهم الأسود بن الكذاب كعب العنسي. وكان طليحة خطيباً وشاعراً وشجاعاً وكاهناً وناسباً. ومن خطباء الأنصار سعد بن الربيع. ومن القدماء في الحكمة والخطابة والرياسة عبيد بن شربة الجرهمي وأسقف نجران وأكيدر صاحب دومة الجندل وأفيعى نجران وذرب بن حوط وعليم بن مناب وعمرو بن ربيعة وهو الحي بن حارثة بن عمرو مزيقيا، وجذيمة بن مالك الأبرش. ومن القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنكراء لقمان بن عاد لقيم بن لقمان ومجاشع بن دارم وسليط بن كعب بن يربوع سموه بذلك لسلاطة لسانه ولؤي بن غالب وقس بن ساعدة وقصي بن كلاب. ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيغي وربيعة بن حذر وهرم بن قطبة وعامر بن الظرف ولبد بن ربيعة.
ومن النساك والزهاد من أهل البيان عامر بن عبد قيس وصلة بن أشيم وعثمان ابن أدهم وصفوان بن محرز والأسود بن كلثوم والربيع بن خيثم وعمرو بن عتبة بن فرقد وهرم بن حيان ومورق العجلي وبكر بن عبد الله بن الشخير الحرشي ومالك بن دينار وحبيب أبو محمد ويزيد الرقشي وصالح المزي وأبو حازم الأعرج وزياد مولى عيّاش بن أبي ربيعة وعبد الواحد بن زيد وحيان أبو الأسود ودهثم أبو العلا.
ومن النساء رابعة التيسية ومعاذة العدوية امرأة صلة بن أشيم وأم الدرداء ومن نساء الخوارج البلحاء وغزالة وقطام وحمادة وكحيلة ومن نساء الغالية ليلى الناعطية والصدوق وهند. وأبو الوليد الحكم الكندي ومحمد بن محمد الحمراني وكلاب وكليب وهاشم الأوقص وأبو هاشم الصوفي وصالح بن عبد الجليل والخطفي وهو جد جرير بن عطية بن الخطفي وهو حذيفة بن بدر بن سلمة.
стр. 6558
ومن القصاص أبو بكر الهزلي وهو عبد الله بن أبي سليمان كان خطيباً بيناً صاحب أخبار وآثار وقص ابنه مطرف بن عبد الله بن الشخير في مكان أبيه. ومن كبار القصاص ثم من هذيل مسلم بن جندب وعبد الله بن عرادة بن عبد الله بن الوضين. ومن القصاص موسى بن الأسواري وكان من أعاجيب الدنيا كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية وكان يجلس في مجلسه المشهور به فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية ثم يحول وجهه إلى ألفرس فيفسرها لهم بالفارسية فلا يدري بأي لسان هو أبين واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منها الضيم على صاحبتها إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار الأسواري.
قال أبو عثمان: وشأن عبد القيس عجب وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين فرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب ولم يكونا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن معدن ألفصاحة وهذا عجب ومن خطبائهم المشهورين صعصعة بن صوحان وزيد بن صوحان وشيخان بن صوحان ومنهم صحار بن عياش وصحار من شيعة عثمان وصوحان من شيعة علي ومنهم مصقلة بن رقبة ورقبة بن مصقلة وكرب بن رقبة.
نقل ابن النديم من خط ابن مقلة أسماء الخطباء فإذا هم: أمر المؤمنين علي ﵇ طلحة بن عبيد الله، خالد واسماعيل ابنا عبد الله القسري، عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب، جرير بن يزيد بن خالد، يزيد بن عبد الله بن خالد، خالد بن صفوان، عبد الله بن الأهتم، صعصعة بن صوحان، بن القرية، محمد بن قيس الخطيب، زياد بن أبي سفيان، قطري بن الفجاءة، الوليد بن يزيد، أبو جعفر المنصور، المأمون، شبيب بن شبيبة، العباس بن الحسن العلوي، محمد بن خالد بن عبد الله القسري وعبد الله ابنه، شعبة بن عقال.
(١١) من خطب البلغاء
قال أبو جعفر النحاس: أن حفظ خطب البلغاء والتفنن في أساليب الخطباء من آكد ما يحتاج إليه الكاتب وذلك أن الخطب من مستودعات سر البلاغة ومجامع الخطب بها تفاخرت العرب في مشاهدهم وبها نطقت الخلفاء الأمراء على منابرهم بها يتميز الكلام وبها يخاطب الخاص والعام وعلى منوال الخطابة نسجت الكتابة وعلى طريق الخطباء
стр. 6559
مشت الكتّاب. قال أبو الهلال العسكري: الرسائل والخطب متشاكلتان في أهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية وقد يتشاكلتان أيضاً من جهة الألفاظ والفواصل فألفاظ الخطب تشبه ألفاظ الكتاب في السهولة والعذوبة وكذلك فواصل الخطب مثل فواصل الرسائل والفرق بينهما أن الخطبة يشافه بها بخلاف الرسالة والرسالة تجعل خطبة والخطبة تجعل رسالة في أيسر كلفة لها.
وعلى هذا رأينا أن ننقل هنا نموذجاً من خطب الرسول وأصحابه وبلغاء الخطباء جاهليةً وإسلاماً ونحن نوصي القارئ أن لا يغفل خصوصاً عن خطب علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فأن نهج البلاغة أكبر نهج للخطيب والكاتب يستقيان منه مادة عقل وعلم وأدب وبلاغة وسياسة وإدارة ونحن نضمن لما كان له طبع شفاف إذا استظهر نهج البلاغة وتفطن لما فيه من النكات العلمية معتمداً مثلاً على شرح أبي الحديد المطول وتمرن في أساليب الخطابة على مناحي البلغاء والعرب المستعربة والعاربة والعرباء يوشك أن يكون من لغة هذا الشأن في هذا العصر أيضاً فإن كلام أمير المؤمنين ﵁ لا تبلى ديباجته وجدته، وكلما كرر حلاً، ومهما تأملته علا، ففي كلامه عبقة من النور الآلهي، ونفحة من الروح النبوي، ولو لم يكن للسان العرب غير خطب الخليفة الرابع، لكان كافياً في شرفه وبيانه، أن يجر على لغات الشرق والغرب ذيول ألفخر والمباهاة.
خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع
أن الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته واستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم أني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد علمي هذا في موقفي هذا. أيها الناس أن دمائكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت أللهم أشهد فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها. وأن ربا الجاهلية موضوع وأن أول ربا بدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وأن دماء الجاهلية موضوعة وأن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب. وأن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية.
стр. 6560
والعمدقود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس أن الشيطان قد يش أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس أنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحقرونه عاماً ليواطنوا عدة ما حرم الله. وأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وأن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله الموات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان ألا هل بلغت أللهم أشهد. أيها الناس أن لنسائكم عليكم حقاً وأن لكم عليهن حقاً لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرّح فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالعمروف وأنما النساء عندكم عون لا يملكن لأنفسهم شيئاً أخذ تموهن بأمانة الله وأستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في الناس واستوصوا بهن خيراً ألا هل بلغت ألله أشهد. أيها الناس إنما المؤمنين أخوة فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت أللهم أشهد فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فأني قد تركت فيكم ما أن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله وأهل بيتي ألا هل بلغت أللهم أشهد. أيها الناس أن ربكم واحد وأن أباكم واحد كلكم لآدم آدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ألا هل بلغت قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب أيها الناس أن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر من دعي إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فغليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نموذج من خطبة الوفود
لما فتح رسول الله ﷺ مكة وفدت وفود العرب على حضرته الشريفة فقدم وفد بني تميم في جملة من وفد مع حاجب بن زرارة بن عدس وفيهم الأقرع بن حابس
стр. 6561
والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم والحتات ومعتمر بن زيد في وفد عظيم ومعهم عييتة بن حصن الفزاري فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ أن أخرج إلينا محمد فآذى ذلك رسول الله ﷺ وخرج إليهم فقالوا جئنا نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا فأذن لهم فقام عطارد فقال: الحمد لله الذي له علينا ألفضل الذي جعلنا ملوكاً ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عدداً فمن يفاخرنا فليعدد مثل عددنا فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس: أجب الرجل فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي له السموات والأرض خلقة قضى فيهن بما أمره ووسع كرسيه عليه ولم يكن شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً واصطفى من خير خلقه رسولاً أكرمهم نسباً وأصدقهم حديثاً وأفضلهم حسباً فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله تعالى من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس نسباً وأحسن الناس وجوهاً وخير الناس فعالاً ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعاه نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبداً وكان قتله علينا يسيراً والسلام عليكم. فقالوا يا رسول الله ائذن لشاعرنا فأذن له فقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل العرب يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم ي﴾ نس القرع
نما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هوياً ثم نصطنع
فننحر الكوم غبطاً في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم ... إلا استقادوا وكان الرأس ينقطع
إنا أبينا ولم يأب لنا أحد ... إنا كذلك عند ألفخر نرتفع
فمن يفاخرنا في ذاك يعرفنا ... فيرجع القول والأخبار تستمع
قال وكان حسان بن ثابت غائبا فدعاه رسول الله ﷺ ليجيب شاعرهم قال حسان فلما سمعت قوله قلت على نحوه
стр. 6562
إن الذوائب من فخر وأخونهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا التفع في أشياعهم نفعوا
يرضى بها كل من كانت سريرتهم ... تقوى الإله وكل البر يصطنع
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لا دنى سبقهم تبع
لايرقع الناس ماأوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون مارقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا
أعفة ذكرت في الحي عقتهم ... لا يطمعون ولا يزري بهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الزرع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع ... أسد ببيشة في أرساغها فدع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم ... إن جد بالناس جد القول أو سمعوا
فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس إن هذا الرجل لأوتي له خطيبهم أخطب من خطيبنا وشاعرهم أشعر من شاعرنا ثم أسلموا وأجارهم رسول الله ﷺ وفيهم أنزل الله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون - انتهى عن الكامل لابن الأثير
قال أبو بكر الصديق ﵁ وقد اختلف الأنصار والمهاجرون في يوم السقيفة: (إن الله قد بعث فينا رسولا شهيدا على أمته ليعبدوه ويوحدوه وهم يعبدون من دون الله آلهة شتى من حجر وخشب عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم وتكذيبهم إياه وكل الناس لهم مخالف زار عليهم فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم فهم أول من عبد الله في هزه الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أوليائه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده لاينازعهم إلا ظالم وأنتم يامعشر الأنصار من لاينكر فضلهم في الدين ولاسابقتهم في الإسلام رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله وجعل غليكم هجرته فليس بعد
стр. 6563
الأولين المهاجرين عندنا بمنزلتكم نحن الأمراء وأنتم الوزراء لاتفاتون بمشورة ولاتقضى دونك الأمور).
فرد عليه حباب بن المنذر قائلاً: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترى على خلافهم ولا يصدروا إلا عن رأيكم أنتم أهل العز وأولوا العدد والمنعة وذو البأس وإنما ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير.
فأجابه عمر ﵁ قائلاً: هيهات لا يجتمع اثنان والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبينا من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ولنا بذلك الحجة الظاهرة من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته.
فأجابه حباب قائلاً: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبو عليكم فاجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فأنه بآسيافكم وأن الناس لهذا أدين أنا جذيلها المحك وعذيقها المرحب أنا أبو شبل في عرينة الأسد والله لئن شئتم لنعيدها جذعة.
وقال أبو بكر في هذا الموقف أيضاً من رواية أخرى:
يا معشر الأنصار لو شئتم أن تقولوا أنا آويناكم في ظلالنا وشاطرناكم في أموالنا لقلتم فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين ازلفت ... بنا نعلنا في الواطنين فزلت
أبوا أن يملوها ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا مللت
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت ادفأت وأظلت
يا معشر الأنصار أن العرب لا تدين لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على أخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله.
إلى آخر ما ورد في هذا المقام على اختلاف الروايات فيه عند المؤرخين وكذلك ينسى الإسلام للخطابة صنيعها يوم اليرموك إذ خرج المسلمون متساندين فخطبهم خالد بن الوليد ﵁ قائلاً: هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه ألفخر والبغي اخلصوا جهادكم وأرضوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية وأنتم
стр. 6564
متساندون. فأمروه عليهم ونبذوا التساند ظهراً فأنزل الله عليهم نصره وأيديهم بروح منه وهو ولي المؤمنين.
من خطب أكثم بن صيفي بني تميم:
يا بني تميم لا يفوتكم وعظي أن فاتكم الدهر بنفسي أن بين حيزومي وصدري لكلاماً لا أجد له مواقع إلا سماعكم ولا مقار إلا قلوبكم فتلقوه بإسماع مصغية وقلب واعية تحمدوا مغبته الهوى يقظان والعقل راقد والشهوات مطلقة والحزم معقول والنفس مهملة والرؤية مقيدة ولم يعدم المشار مرشداً والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ومن سمّع سمع به ومصارع الرجال تحت بروق الطمع من سلك الجد أمن العثار ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ويشغل فكره ولا نجاوز مضرته نفسه يا بني تميم الصبر على جرح الحلم أعذب من جنى ثمر الندامة ومن جعل عرضه دون مال استهدف للذم وكلم اللسان أنكى من كلم البيان والكلمة مرهونة ما لم تخرج من ألفم فإذا نجمت فهي أسد محرب أو نار تلهب ورأي الناصح دليل لا يجوز ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب
ولما دعا النبي ﷺ بمكة إلى الإسلام أرسل أكثم ابنه حبشياً فأتاه بجبره فجمع بني تميم وقال:
يا بني تميم لا تحضروني سفيهاً فإن من يسمع يخل أن السفيه يوهن من فوقه ويثبت من دمنه لا خير فيمن لا عقل له كبرت سني ودخلتني زلة فإذا رأيتم مني حسناَ فأقبله وأن رأيتم مني غير ذلك فقوموني استقم أن ابني شافه هذا الرجل مشافهة وأتاني بخبره وكتابه يأمر فيه المعروف وينهى عن المنكر ويأخذ بمحاسن الأخلاق ويدعو إلى توحيد الله تعالى وخلع الأوثان وترك الحلف بالنيران وقد عرف ذو الرأي منكم أن ألفضل فيما يدعو إليه وأن الرأي ترك ما ينهى عنه أن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم فأن يكن الذي يدعو إليه حقاً فهو لكم دون الناس وأن يكن باطلاً كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته وسفيان بن مجاشع يحدث به قبله وسمّى ابنه محمداَ في أمره أولاً ولا تكونوا آخراً ائتوا طائعين قبل أن تأتوا كارهين أن الذي يدعو أليه محمد لو لم يكن ديناً لكان في أخلاق الناس حسناً أطيعوني وأتبعوا أمري اسأل لكم أشياء لا تنزع عنكم أبداً وأصبحتم أعز شيء في العرب وأكثرهم عدداً فأني أرى أمراً لا
стр. 6565
يجتنبه عزيز إلا زل ولا يلزمه ذليل إلا عز أن الأول لم يدع للآخر شيئاً وهذا أمر له ما بعده.
فقال مالك بن نويرة قد خرف شيخكم فقال أكثم ويل للشبحي من الخلي ولهفي على أمر لم أشهده ولم يسبقني. ومن أمثاله السائرة ما قاله في وصيته لبنيه
تباروا فإن البر يبقي عليه العدد، وكفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه، أن أقول الحق لم يدع لي صديقاً، الصدق مناجاة، لا ينفع الوقي مما هو واقع، وفي طلب المعالي يكون العناء، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه، التقدم قبل التندم، اصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح ذنبه، لم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمر من جاهله، يتشابه الأمر إذا أقبل وإذا أدبر عرفه الكنيس والأحمق، البطر عند الخاء حمق والعجز عند البلاء أفن. ومنها: تباعدوا في اليار تغاربوا في المودة، لا تغضبوا من اليسير فأنه يجني الكثير، لا تجيبوا قيما لم تسألوا عنه، ولا تضحكوا مما لا يضحك منه، نعم لهو الحرة المتزل، حيلة من لا حيلة له الصبر، المكثار كحاطب ليل، من أكثر أسقط، لا تجعلوا سراً إلى أمة. ومن هذا النوع خطبته أمام كسرى وهي:
أن أفضل الأشاء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعاً وخير الأزمة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها والصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطيء الرأي الهوى والعجز مفتاح ألفقر، وخير الأمور الصبر حسن الظن، ورطة وسوء الظن عصمة، اصلاح فساد الرعية خير من اصلاح فساد الراعي، من فسدت بطالته كان كالغاص بالماء شر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافة البريء، المرء يعجز لا المحالة أفضل الأولاد البررة خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة، أحق الجنود بالنصر من حسنت سيرته، يكفيك من الزاد ما بلغلك المحل، حسبك من سماعه الصمت حكم، وقليل فاعله البلاغة الإيجاز من شدّد نفّر ومن تراخى تألف.
خطبة لقس بن ساعدة الأيادي أسف نجران:
لما قدم وفد أياد على رسول الله ﷺ قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة الأيادي قالوا كلنا نعرفه قال فما فعل قالوا هلك قال يرحم الله قساً أني لأرجو أن يأتي يوم القيامة أمة وحده أني لا أنساه بسوق عكاظ في الشهر الحرام على جمل له أحمر وهو
стр. 6566
يخطب الناس ويقول:
اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكا ما هو آت آت أن في السماء لخبراً وأن في الأرض لعبراً، سماء تمور ونجوم تغور في فلك يدور ويقسم قس قسماً أن لله ديناً هو أرضى من دينكم هذا مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ارضوا بالإقامة فأقاموا أم تركوا فناموا. أيكم بروي من شعره. فأنشد بعضهم:
في الذاهبين الأولين ... من القروين لنا بصائر
لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر
لا يرجع الماضي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر
أيقنت أني لا محا - لة حيث صار القوم صائر
وكان قس يفد على قيسر ويزوره في قصره فسأله يوماً ما أفضل العقل قال: معرفة المرء نفسه قال: فما أفضل العلم قال: وقوف المرء عند علمه قال: فما أفضل الموءة قال: استبقاء الرجل ماء وجهه قال: فما أفضل المال قال: ما قضي به الحقوق.
ومن خطبه في إياد قوله: تباً لأرباب الغفلة والأمم الخالية والقرون الماضية يا معشر إياد أين الآباء والأجداد وأين المريض والعواد وأين ألفراعنة الشداد وأين من بني رشيد وزخرف ونجد وأين المال والولد، أين من بغى وطفى وجمع فأوعى وقال: أنا ربكم الأعلى ألم يكونوا أكثر منكم أموالاً وأطول آجالاً طحنهم الدهر بكلكله ومزقهم بطوله فتلك عظامهم بالية وبيوتهم خاوية عمرتها الذئاب العاوية كلا بل هو الله المعبود ليس بوالد ولا مولود.
стр. 6567
الشعر المنثور
وداع غوطة دمشق
وداعاً غوطة ألفيحاء، مجلى الطبيعة ومغنى النس، وروضة الطيبات، ومهبط التجليات، سلام زكي كتربتك المسكية، جميل جمال بيطك السندسية، عطر كأنوار أدواحك الجنبة، وتحية طيبة تتساقط على عمرانك تساقط الوابل والطل على جناتك الغبياء وجراحك الغلباء، وأشجارك الملياء، وغلاتك الكثيرة الأتاء.
سلام عليك يا مستقر النعماء، وقرارة الهناء والرخاء، وخير خلوة يفزع إلى أرجائها الناسكون والعالمون، ويتقلب في أجوائها عشاق الطرب وأرباب المجون فيك تتجسم عظمو خالق السموات إذا بالغ في الأفضال على الأرضين، وتبدو قمة الخلق إذا صحت عزائمهم أن يكونوا عالمين لا خاملين، فليس في الأقاليم ما يفوتك باعتدال المواسم وانترار المباسم، وتلون المظاهر، وتنوع الثمرات والأزاهر، وتلي الجداول والأنهار، وتجلي الطبيعة في العثايا والأسحار.
سلام على وادي دمشق إنه آية الحسن والإحسان، فيه تتجدد الحياة كل حين لأنه بمنزلة الربيع من الزمان، ويحلو العيش في ظل أفيائه على سذاجته مهما كان مراً وتطمئن النفس إلى التنقل في رباعه برداً كان أو حراً، إيه غوطة جلق لم يؤثر عنك أن أمسكت خيراتك عاماً عن أبنائك فلا تفتأين على الدهر تخرجين لساكنيك أفلاذ أكبادك على تعاقب الأمم والدول، وتصدقين الود لكل من يطلب قربك فيعيش معك في رخاء وصفاء.
سلام على سكونك في الليالي الظلماء والقماء، ربيعاً كان أو صيفاً أو خريفاً أو شتاءً، وهنيئاً مريئاً لمن يستمتعون بالنظر إليك من الصباح إلى المساء، ويتعهدونك بالحرث والكرث والتقليم والتنقية والزرع والأرواء، سواء عندهم حمارة القيظ وصبارة القر وظلمة الليل وشمس النهار، سلام غليهم أنهم مثال النشاط في المزارعين، لا يضنون على أرضهم بأوقاتهم وأتعابهم وهي تجردهم ضروب الخير والمير كلما جودوا زراعتها، وتزيدهم بركات على بركات كلما رعوها فأحسنوا رعايتها، وهم مهما صهرت جسومهم حراتها، وصفرت سحناتهم رطوبتها، بيض الوجوه شم الأنوف، لأن رزقهم مناط أيديهم العاملة، لا يعتمدون في تحصيل قوتهم، على غير قوّتهم، ولا يتكلون إلا على من ينزل الغيث ويمع
стр. 6568
الزرع، ويدر الضرع، ولو حسن فيها نزع ألفضول من العقول، وأنيرت بأنوار علوم المدينة على الأصول، فتعهد أبناؤها بالتربية كما تربى عندهم الرياض والحقول، وتوقى مما يؤذي الزروع والثمار والبقول، لكانت خير بقعة يسكنها ساكن في الحياة، ولصلح عليها قول من قال طوبى لمن كان له في أرضها مربط شاة.
سلام غوطة دمشق كلما غردت اطيارك فلك على المشاعر سجع الحمام واليمام، وهديل العندليب والهزاز وتغريد العصفور والشحرور، كيف لا تستهوين النفس وتعيق الغربان ونقيق الضفادع إذا رددهما الصدى في لياليك يفسرهما القلب بمعان لا تفهم منها في الكور الأخرى، كما يفسر في النهار ثغاء الماعز والحملان، وخوار البقر وجؤار الثيران.
فسلام وألف سلام عليك يا كريمة الطبع، وبديعة الصنع، وعريقة المجد، ونبيلة الجد والجد، وزكية العرق ن وهنية الزرق، وطيبة النجار، والمحسنة للأهل والجار، ففي مغانيك تصفو النفس من كدورات هذه الحضارة الملفقة، وتنجو من سماع فظائع الإنسانية المعذبة، وبقليلك - وإن كان قليلك لا يقال له قليل، يغطبط الإنسان، ولا يتكالب على حطام الدنيا تكالب الضاري من الحيوان، وبتطلع الزهرة ربة الجمال من منافذ أفقك توحي إلى الخيال روحاً من عندها فتفيض القرائح وترق العواطف، وفي منبسط صعيدك الطيب يسلو الخاطر همومه وتطرب الحواس، من دون ما كاس ولا نغمة أوتار وأجراس.
وفي هذا الريف العجيب تقرأ سور العدل الآلهي في تقسيم الأرزاق فلا فقر مدقح ولا غنى مفرط، ويعيش القائمون على تعهده عيشاً متشابهاً ألا قليلاً ن يغتني أفراد منهم بذكائهم واقتصادهم، فلا ترى في فقرائهم سلاطة الجياع أرباب النهم، ولا في أغنيائهم قسوة قلوب أهل الرفاهية والنعم، فسبحان من وفر للغوطة قسطها من الغنى والغناء، وضاعف لها حظها من الجمال والإعتدال، وأجزل لها عناصرها الحيوية فزادها كرماً لجديدين نماء إلى نماء.
وداع الشام
عنيت بشرق الأرض قدماً وغربها ... أجوب في آفاقها وأسيرها
فلم أر مثل الشام دلر إقامة ... لراح أغاديها وكأس أديرها
مصحة أبدان ونزهة أعين ... ولهو نفوس دائم سرورها
стр. 6569
مقدسة جاد الربيع بلادها ... ففي كل أرض روضة وغديرها
هذا ما وصف به البحتري القطر الشامي منذ نحو ألف سنة وهو يصدق عليه اليوم وإلى ما بعد اليوم فقد منح الفاطر تعالى هذا القطر من ضروب الجمال والاعتدال ما هو قرة العيون وبهجة النفوس فقضى أن تأخذ فيه ألفصول الأربعة حكمها وأن تتم في قيعانه وجباله وأسباب النعيم في الحياة: أهويته معتدلة، وأمطاره وثلوجه متهاطلة، وتربته مخصبه، وغاباته ومعادنه ليست بقليلة، وأنهاره جارية، وبحيراته غريبة وأجواؤه بهجه، ورباعه منبسطة.
تعشق الشام لأنها رأت طلعة موسى وعيسى وأحمد صلوات الله عليهم من النبين وأمثال الإسكندر وابن الخطاب وابن الوليد ونور الدين وصلاح الدين وسليم وابراهيم ونابليون من ألفاتحين وعمر بن عبد العزيز والمأمون من الخلفاء العادلين فقل في الممالك كما قال كورتيوس المؤرخ الألماني ما اندمج فيه الكثير من التواريخ في بقعة ضيقة كهذه.
يضم الشام بين جوانحه معظم المعتقدات والمذاهب ولذلك كثر بالأمس الطامعون به فكان من حسنات هذه الحرب أن قضي على مطامعهم آخر الدهر إن شاء الله وعرف من لم يكن يعرف أن الجامعة العثمانية أشرف الجامعات وأقواها وأن التفكر في غيرها مثلبة مهلكة.
وداعاً بلاد الشام فقد اخذت بمجامع القلوب بخصائصك الطبيعية فكل تعب يهون في خدمتك وكل مفاداة يستهان بها في سبيل مرضاتك فأرضك معشوقة الأنفس، وتربتك عليها درجنا وفيها ندرج ولن نتخذ عنك بديلاً مهما تحملنا من المشاق وما عناؤنا إلا ابتغاء المبالغة في العناية بأمرك.
سلام عليك بلاد الشام معدن الخيرات والبركات مهوى الهوى ومغاني الخردالعين سلام على مناظر حرمون وصنين والصبر وقاسين ويوشع والأرز والهرمل والكمل، سلام على أغوارك وأنجادك وعلى بحيراتك وأنهارك، سلام على الأردن واليرموك والعاصي والفرات وبردى والساجور والليطاني والزرقاء والعوجاء والأعوج والأولي وقاديشا والموجب وغيرها من أنهارك وجداولك التي تفيض البركات على أبنائك.
سلام على جبال الشراة والخليل وعامل وسئير وحوران وعجلون وحرمون ولبنان وعكار واللكام وأنطاكية والقصير وريحا، سلام على سهول حوران والجولان والجيدور والغوطة
стр. 6570
والبقاع والبقيعة وحمص ومرج ابن عامر وشارون والبلقاء، سلام على آثارك وعادياتك قديمها وحديثها، ولا سيما جرشك وبتراؤك وبعلبكك وتدمرك. أحبت القلوب هذا القطر السعيد لأنه حوى على ضيق مضطربه ما لا تحويه الأقطار بل القارات من الحسنات وفيه من الغرائب الطبيعية والصناعية ما دعا الأمم إلى شد الرجال إليه والحج إلى مزاراته وزيارة مصانعه ومعاهده. يعرف ذلك كل من فارقه مدة وقابل بينه وبين غيره في عمرانه وطبيعته.
إيه سورية مجموعة غرائب العالم تستودعك قلوبنا فإن بك حيث كنا قد شغلت عقولنا أننا نودعك على أمل اللقاء القريب ونحن نحمل إليك من أنباء جاراتك التي يظلها علم الهلال المنصور ما ينفس الكربة ويزيل الغمة ويفيض النعمة بحول الله ولا قوة إلا به.
في شبه جزيرة كليبولي
إلى هذه البقعة الطيبة بمناظرها وغاباتها وسهولها وجالها يهوي اليوم ويحق له أن يهوي فؤاد كل عثماني يحب هذا الوطن المحبوب ويتفانى في التيرك بتربته ويخاف عليها من عوادي المعتدين ويكره لها ظل المستعمرين من الغربين.
جزيرة مستطيلة كهذه يبلغ عرضها فيما أذكر من ستة كيلوا مترات إلى ثلاثين وطولها ٨٥ كيلوا متراً تتقاذفها القنابل والقذائف والمدمرات والمتفجرات وطيارات السماء ودوارع الماء منذ زهاء سبعة أشهر وهي لا تزال صابرة على الأذى باسمة الوجه للقاء العدى.
في هذه الشبه الجزيرة تجلى العقل العثماني وتمّ آخر ما وصلت إليه مدارك أبناء هذا الوطن قي استكمال أسباب الدفاع والأخذ بحظ أوفر من أساليب الكر والفر والتعبئة والمصاف ولولا هذه العناية والإستهانة بكل عزيز في سبيل الذود عن حمى هذه الشبه الجزيرة لتبدلت وجة الحرب الأوربية ولنلنا من الإضطهاد ما لا يخطر لناعلى بال.
هذه الأرض المحاطة بالبحر من أكثر أطرافها عرفت دول الإتفاق المربع ولا سيما انكلترا وفرنسا منهن أن هناك قرة أسمر من قوة البشر وهي القوة الآلهية التي استبد إليها العثمانيون قبل كل شيء ودونها قوى الأساطيل والغواصات والطيارات والمقذوفات والمفرقعات يضاف إليها يقين مازج الأفئدة والأرواح من الإنتصار وكراهة ليس بعدها غاية لحكم الأجنبي والتشبع بعاني الوطنية والجنسية. وقفت على جبهات الحرب في مواقع
стр. 6571
أري بروني وأنافورطة وجناق قلعه وأشرفت على أنحاء سد البحروهي المواقع الأربعة التي دار ويدور عليها القتال واشتد فيها الطعن والنزال فعظم في عيني غناء جيشنا وفاخرت نفسي بقواتنا وضباطنا وجندنا وأيقنت أننا إذا ضمنا شملنا في كل نازلة وكل شأن وتذرعنا بعامة الأسباب التي يتذرع بها البشر المدن نضاهي أعظم الدول منعة ومضاء وها قد قضينا باعتصامنا بحبل الله على مطامع الطامعين من الإنكليز والفرنسين وهم ما هم بقواهم البرية والبحرية.
سبعة أشهر مضت على دفاع جناق قلعه والعدو يمخر العباب بدوارعه وطراداته ورعاداته ومدمراته ويخرج إلى البر الكتائب اثر الكتائب ويستجلب السلاح ويتذرع بأقصى ما وصل إليه طرق الإنسان من التفنن في إرهاق الخصم واقتحام السبل فلم يستطع التقدم شبراً عن المكان الذي نزله أول يوي ولا يزال جيشه تحت حماية أساطيله لا ذرى له ولا أكمات وجيشنا يطل عليه اطلالاً يذيقه كل يوم مرارة الهزائم وألواناً وأشكالاً ويفحش القتل في رجاله حتى قدر الهالك منه بنحو مئة ألف فقدها وفقد معها جانباً من أسطوله وأنفق مئات الملايين من الدنانير وهو في مكانه لم ينل ولن ينال بحول الله ما تطمع به نفسه من استباحة حمانا.
هذا المضيق هو في الحقيقة مفتاح دار الخلافة وكان المتفقون على مثل اليقين بأن عملهم سهل يحتاج إلى بضعة أسابيع ولكن خيب المولى ظنونهم ونعى عليهم اعتدالهم بقوتهم وألقى عليهم أمثولة مما ينال الظلمة من سوء المغبة وأن التمويه للعبث بعقول الناس لحكمهم كما تحكم البهائم إن جاز يوماً فلا يجوز على الأمم في آخر وأن الله لا يضيع عمل عامل.
إن دفاعنا عن حمانا في جناق قلعه قطع آخر عرق من الآمال للمتفقين وقضى على مطامعهم فينا أند الدهر إن شاء الله ومن رأى ما رأيناه هنا من أبداعنا في طرق القتال وشاهد استعدادنا في حصولنا وطرقنا وسلاحنا ومدافعنا ونظام جيشنا وما ينبغي له من المؤنة والذخيرة والتمريض يجهر بصوته قائلاً هذا عمل لا يتهيأ إلا لأمة تحب أن تبقى ولا يتيسر إلا لمن كتبت له السعادة.
غابات شبه جزيرة كليبولي ونجادها ورهادها وسواحلها وسهولها لقد طلت في ربوعك دماء
стр. 6572
زكية من دماء العثمانيين ولكنها ستبقى على جبين الأيام مسكية الأريج عطرة الثناء تنم عن معرفة من استشهدوا في سبيل ألفرض الوطني وذاقوا معنى الوطن والوطنية. إن الدم الطاهر الذي أريق على تربتك جعل لها ريحاً من ريح الجنة وسيكون لمن فادوا بها من الذكر الجميل ما كان لأبطال المسلين في وقائع الصليبين وشعار ذلك: هذا عمل أفراد قتلوا ليحيوا أمة وفادوا بنفوسهم في سبيل الله ليحموا ذمار الخلافة المعظمة ويربأوا بهذا الوطن عن أن يستباح حماه ويحافظوا بأرواحهم على آخر دولة إسلامية مستقلة جمعت شمل الإسلام والمسلمين وحمت حمى الحرمين الشريفين.
كلما هبت الصبا والشمال على أرجاء شبه جزيرة كليبولي وطلعت عليها الشمس وغربت وأقمرت السماء وأمطرت وأثلجت وأرعدت وأبرقت يردد لسان الحال فيها هذه ثمرة التضامن بين أعضاء البيت الواحد. هنا قضى العربي والتركي واللازي وغيرهم لإعلاء كلمة الحق واتقاء عادية الدخيل الثقيل. هنا نظم العثمانيون أرقى جيش انتظم لهم منذ عهد ألفاتح وسليم وسليمان وتشبع أهله بروح الوطنية وغنم غزاتهم أحياءً وأمواتاً سعادة الدارين.
أرض شبه جزيرة كليبولي ستبقين مقدسة في نظر كل عثماني خاصة وكل مسلم عامة كما قدس الله الأرض المقدسة وستذكرك الأجيال عقيب الأجيال والدهور إثر الدهور بالإعظام والاحترام كما تذكر هذه الحرب العامة بالهول والاستغراب. أنت كذبت البشر في ادعائهم أن كل محصور مأخوذ وأكدت لهم عكس القضية في أن كل محصور محفوظ فسلام عليك محاربة ومسالمة. وألف ألف رحمة ورضى على عظام شهداء ضمتها تربتك الطيبة ومروجك السندسية وتلعاتك الزمردية.
стр. 6573
بلاد العرب
البلاد العربية على التحقيق هي كل شبه الجزيرة التي يحيط بها ألفرات وخليج فارس وخليج عمان شمالاً وشرقاً وجبال وروس والبحر المتوسط والبحر الأحمر شمالاً وغرباً والبحر الهندي فيما سوى ذلك بل ينبغي أن يضاف إليها معظم البلاد الواقعة بين نهري ألفرات ودجلة من عرض ماردين وديار بكر شمالاً إلى القرنة جنوباً فإن كل هذه البقعة كانت من أول فجر التاريخ إلى هذه الغاية يسكنها أقوام من الجنس السامي هم أقرب ما يكون إلى العرب والعادية العدنانية في أخلاقهم وعوايدهم ولغتهم فضلاً عن بنيتهم الجسمانية. وتشير التقاليد العربية على ما ذكر أشهر المؤرخين إلى أن العاديين في أقدم دولهم التي نزلت الأحقاف وحضرموت وبعدهم تمود هاجروا إلى الجنوب من العراق وما يجاوره.
والآثار دلت دلالة لا يختلف فيها أحد من العلماء الباحثين في العصر الحاضر على أن حمورابي الشهير كان عربياً والمتحقق أيضاً أن لغة بابل القديمة ولغة الآشوريين الذين شادوا فيما بين النهرين دولة من أعظم الدول القديمة كانت لغتهم عربية أو أقرب ما يكون إلى اللغة العربية العادية أو العدنانية المضرية. وإشباع البحث الآن في هذا الموضوع خارج عن مقصدنا وربما عدنا إليه في مقالة على حدة.
موضوع مقالتي الحاضرة هو بلاد العرب الأصلية الواقعة جنوبي خط موهوم يمتد من رأس خليج السويس إلى رأس خليج العجم بين البحر الأحمر غرباً والبحر الهندي جنوباً وشرقاً وخليج عمان وخليج فارس شرقاً وشمالاً. وحدودها واضحة كل الوضوح ليس في بلدان الدنيا ما هو أوضح منها إلا في جهتها الشمالية حيث يحدها الخط الموهوم كما أشرنا.
مساحة هذه البلاد
مساحة هذه البلاد بين مليون ومليون ومئتي ألف من الأميال المريعة ثلثها رمال دهناوية ونفودية (نسبة إلى دهناء ونفود) ومعظم هذه الرمال في الدهناء الكبيرة المعروفة بالربع الخالي بين اليمن وحضرموت وعمان وبلاد نجران إلى ما يصاقب قلعة بيشة غرباً وجنوباً وشرقاً وجنوبي شبه جزيرة قطر مما يلي عمان إلى واحة يبرين إلى الدواسر شمالاً ثم النفوذ الشمالي الكبير الذي يفصل بين صحراء سوريا شمالاً وبلاد شمر خيبر ومدائن
стр. 6574
صالح جنوباً.
وهناك رمال أخرى تفصل بين الحسا وهي كل البلاد الواقعة على الخليج ألفارسي من فاو تقريباً إلى شبه جزيرة قطر وبين نجد ثم الرمال التي تفصل شمر ونجداً عن العراق من مشد علي شمالاً إلى فاو جنوباً وهذا الثلث من الأرضين لا عمارة فيه أصلاً إنما ينزله الأعراب أو ينزلون أطرافه في الشتاء والربيع لرعاية أنعامهم وفي بعض هذا اثلث أحسن المراعي العربية في الزمن الذي أشرنا إليه.
والثلث الثاني صحار وحزون هي مراع للسائمة من الإبل والشاه وليس فيها عمران حضري إلا ما ندر حيث ثم بعض أعداد المياه. وأعداد المياه جمع عد وهو الماء الجاري لا ينقطع والقديم من الركايا.
وأما الثلث الثالث فأرض زرع وضرع لا ينفص في خصبه عن أخصب الأرضين في العراق وضفاف النيل في مصر والصعيد وفي هذا الثلث أغلب اليمن ومتصرفية عسير وقسم كبير من عمان ومعطم أودية حضرموت ونجد ولا سيما الفلج وأعراض اليمامة وواحات الحسا.
عدد السكان
يختلف الكتاب في تقدير عدد سكان هذه البلاد وحقهم أن يختلفوا لاتساع مساحتها وانفصال بعض أقسامها عن بعض وصعوبة الوصول إلى كل قسم من أقسامها أياً كان أما للحوائل الطبيعية أو لتنكر أهلها من غريب عنهم يجوس خلال ديارهم والذي رأيناه في مطالعتنا كلها لكتاب من الإنكليز. وهؤلاء لا يؤتمنون على الحقيقة في كل ما يتعلق بالبلاد العثمانية فإنهم منذ زمن بعيد لا يرون ولا يكتبون إلا ما يوافق سياستهم ومقاصدهم الخصوصية الخفية حتى في أمر كالذي نحن في صدده أي عدد السكان فأنهم يزيدون فيه أو ينقصون على ما يكون أمام غايتهم وقد رأيت لكاتب ورحالة منهم مشهور يعرف باسم كين مؤلفاً جغرافياً في مجلدين وفيه ما يقضي بالعجب فإنه يذكر في موضع من كتابه أن سكان هذه البلاد لا يزيدون عن خمسة ملايين في الأكثر ثم يذكر في موضع آخر أنهم يبلغون اثني عشر مليوناً وبين العددين تفاوت كبير. ولا أتصدى الآن لبيان الداعي الذي دعاه لذكر هذين العددين المختلفين اختلافاً بيناً من غير أن يظهر في كتابته أو في إشارة إلى أنه فطن
стр. 6575
إلى ما بينهما من التفاوت العظيم ولكبي أذكر ما ذكره عن المستر ولفرد بلنط الكاتب والسياسي الإيرلندي المشهور وهذا الرجل زار حائلاً مدينة ابن الرشيد وعاصمة بلاد شمر فقال كين عنه أنه (أي بلنط) تحقق أن موقع حائل بالنسبة إلى جبل أجا هو غير ما ذكره الجغرافيون وأهل العلم بتخطيط البلدان ومع علمه هذا لم يصلح الخطأ مخافة أن يقتنع العثمانيون من إصلاحه فيما إذا عرضت واقعة مهمة في المستقبل تقتضي معرفة موقعها الحقيقي. والظاهر من كتابته أنه لم ينكر عن بلنط ولا رأى فيما أتاه من إخفاء هذه الحقيقة لهذا الغرض ما يؤاخذ عليه. وأقوام هذه حالتهم وهكذا مقاصدهم ومتجه أفكارهم لا نلام فيما إذا كنا نشك في كل ما كتبوه ويكتبونه عن الحكومة العثمانية والبلاد العثمانية حتى عن عدد الأجناس المختلفة فيها ولا أظن أن كين يختلف عن بلنط من هذا القبيل فإنهما انكليزيان وكل انكليزي من غير طبقة الغوغاء يسابق صاحبه في خدمة مقاصد دولته وترويج سياسة الحكومة العليا في الخارج يكاد يفعل ذلك سليقة وبالبديهة وقائدهم في ذلك صحافتهم الداهية الخلابة والصخابة عند الإقتضاء.
والذي أرجحه في عدد سكان العربية أنهم يزيدون عن الإثني عشر مليوناً ف ن عمان بلاد واسعة خصبة جيدة الهواء قليلة الوبالة وأهلها يحسنون الزراعة ويشدون شيئاً من الصناعة الخاصة بهم والرائجة عندهم وفوق ذلك هم أهل تجارة واستعمار وفد كان معظم شرقي افريقية لهم بل امتددت سلطتهم وتجارتهم إلى قلب الكنغو وأواسط جنوبي إفريقية وما زالت كل بلاد زنجبار لهم إلى أن خالطوا البريطانين فعمل هؤلاء على التخفيف عنهم من ثقل مسؤوليتهم في افريقية ففصلوا هذه أولاً عن مركز السلطة في عمان ثم ما زالوا يخففون من مشاق العثمانيين وسلطان زنجبار في تلك الأصقاع ويتحملون هم تلك الأعباء الشاقة عنهم حتى لم يبقوا عليهم شيئاً من التعبئة يستحق الذكر فجزاهم الله عن أتعابهم جزاء يستحقونه!
بلاد كبلاد عمان بلاد زراعة وصناعة وتجارة واستعمار وتكاد تكون إلا في سواحلها أحسن بلاد في الدنيا طيب هواء وجمال مناظر وفوق ذلك لا تقل مساحتها عن خمسة وثمابين ألف ميل مربع أي مضاعف مساحة سورية من رأس خليج اسكندرون إلى العريش ولها بادية أيضاً هي ضعف بادية سورية مساحة على الأقل. بلاد هذه صفتها ما أظن ينقص عدد سكانها عن عدد سكان سورية وفي الراجح عندي أنهم لا يقلون عن أربعة ملايين.
стр. 6576
ومن الغريب أن كين يقدر عدد سكان عمان في كتابه المطبوع سنة ١٨٩٦ بمليون ونصف من النفوس ويقدر عدد سكان شمر والبحرين ونجد بثلاثة ملايين ونصف على أن بولفريف قدر في سنة ١٨٦٢ إمارة ابن الرشيد وكل بلاد نجد بدواً وحضراً بمليون وسبعمئة ألف نفس وقدر سكان عمان بمليونين ومئتين وثمانين ألف نفس على التفصيل الآتي:
عدد نفوس إمارة ابن الرشيد الحضر
اسم البلاد عدد القرى عدد السكان
جبال شمر ٤. ١٦٢،. . .
الجوف ١٢ ٤.،. . .
خيبر ٨ ٢.،. . .
القصيم العليا ٢. ٣٥،. . .
تيماء ٦ ١٢،. . .
عدد البدو
شمر ٨.،. . .
الشرارات ٤.،. . .
الحويطات ٢.،. . .
بنو عطية ٦،. . .
معاز ٤،. . .
طي ٨،. . .
وحيدية ٨،. . .
المجموع بدواً وحضراً أربع مئة وأربعون ألفاً تقريباً
عدد سكان إمارة نجد الوهابين من الحضر
اسم البلاد عدد القرى عدد النفوس
العارض ١٥ ١١.،. . .
اليمامة ٣٢ ١٤.،. . .
الحريق ٥. ٤٥،. . .
стр. 6577
اسم البلاد عدد القرى عدد النفوس
أفلاج ١٢ ١٢،. . .
وادي دواسر ٥. ١. .،. . .
سليل ١٤ ٣.،. . .
الوشيم ٢. ٨.،. . .
سدير ٢٥ ١٤.،. . .
القصيم (السفلى) ٦. ٣. .،. . .
الحسا ٥. ١٦.،. . .
القطيف ٢٢ ١. .،. . .
المجموع ٣١٦ ١، ٢١٩،. . .
عدد البدو أو الأعراب
اسم القبيلة عدد الأنفس
العجمان ٦،. . .
بنو هاجر ٤، ٥. .
بنو خالد ٣،. . .
بنو مطير ٦،. . .
بنو عطيبة ١٢،. . .
الدواسر ٥،. . .
السباعة ٣،. . .
قحطان ٦،. . .
حرب ١٤،. . .
عنيزة ٣،. . .
آل مرة ٤،. . .
بطون متفرقة ١.،. . .
المجموع ٧٦، ٥. .
стр. 6578
ومجموع البدو والحضر ١، ٢٨٥، ٥. .
فإذا أضفنا إلى هذا العدد نفوس إمارة ابن الرشيد أي أربعمئة وأربعين ألف نفس كان مجموع عدد السكان في شمر ونجد أي في إمارة ابن الرشيد وإمارة ابن سعود نحواً من مليون وسبعمئة وخمسة وخمسين ألفاً.
فلينظر ناظر إلى مقدار التفاوت بين تقدير الرجلين والذي أعتقده أن بولغريف زاد في عدد إمارة الرشيد بعض الزيادة ونقص من عدد ابن السعود لميله إلى الأول وكرهه الثاني.
وأما إمارة عمان فأرجح أيضاً أن بولغ ريف قدّر عدد سكانها بأقل مما هو حقيقة واعتمد في ذلك على بعضهم ممن كانو يعرفون الحكومة الإنكليزية في تلك البلاد أو على معرفته هو بالسليقة أو بالبداهة ثم جاء كين بعد ثلاثين سنة من أيام بولغريف وكانت المنازعات على عمان بدأت في شدتها بين الإنكليز والفرنساوين فقدر عدد تلك الامارة بما قدره تهويناً من أمرها على ألفرنساويين فيما أرجح وألا فلا يعقل أن تتراجع هذه البلاد على خصبها واستتاب الاظمن فيها إلى الوراء فيقل سكانها بعد مرور ثلاثين سنة نحواً من سبعمائة ألف أي ما يزيد على خمسة وثلاثين في المئة على حين كان يجب أن يكون العكس أن يزيد عدد سكانها في هذه المدة أربعين في المئة عما كانت هليه في أقل تقدير.
لنرجع إلى موضوعنا فنقول: قدر كين ولاية الحجاز بثلاثة ملايين نسمة وولاية اليمن بمليوني ونصف النسمة ولم يجر ذكراً لحضرموت ولا للقارة بين حضرموت وعمان وكذلك لم يشر أدنى إشارة إلى منطقة عدن وما حواليها مما هو داخل في نفوذ مملكته وكذلك لم يذكر شيئاً عن بلاد سبأ التي عاصمتها مارب ولا عن الجوف ولا عن نجران ولا ما يحوم حول هذه البلدان أو يتبعها تبعاً سياسيا أو تجاريا أو جواراً.
أما الحجاز ويراد به كل متصرفية عسير فضلاً عن أرض الحرمين فتقديره ولا يبعد كثيرا عن الصواب فيما أرى، وكذلك تقديره اليمن فأن الداخل منه في ولايتنا العثمانية كما هي ولاية سوريا لايزيد فيما أظن عن المليونين والنصف، إلا أن هناك ما هو عثماني ألا أنه تحت حكم أمرائه وشيوخه اليمانيين لا أثر فيه لنفوذ أجنبي وذلك كقبائل حاشد وبكيل وهمدان وخيوان في الجبال التي إلى الشرق والشمال من صنعاء والحكم فيه لأمام الزيدية ومقره الآن في صعدة على ما أرجح فكل هذا القسم من اليمن وفيه معظم مملك حاصور
стр. 6579
القديمة وصميم الدولة الحيرية ممن عرفو بالأزواء في آخر عهدهم ويلحق به بلاد مأرب ولاجوف ونجران لا ينقص عدد أهليته فيما أرجح عن المليون والنصف من السكان وهو غير بعيد فإذا قدرنا سكان حضرموت ومهرة بثلاثة أرباع المليون ويقدرون عادة بين المئتي والثلاثمئة ألف في أعلى تقدير واضفنا ذلك إلى الأغداد المذكورة سابقاً بلغ سكان العربية من أربعة عشر مليوناً والنصف مليون وان شئت قل خمسة عشر مليون على ما يأتي:
أسماء الإمارات والولايات - عدد السكان بالملايين
إمارتا أبن السعود وابن الرشيد ٣. . . . . .
إمارتا الحسا والقطيف ٣٥. . . . .
سلطنة عمان ٤. . . . . .
ولاية الحجاز ٣. . . . . .
ولاية اليمن ٢٥. . . . .
يافع ومأرب والجوف وبلاد حاشد وبكيل ونجران ١٥. . . . .
حضرموت ومهرة والقرى ٥. . . . .
المجموع ١٤٥. . . . .
نسبة هذه الولايات والإمارات عسكرياً
أما عمان فمنفصلة كل الانفصال لما يحبط بها من بحور الرمال من كل الجهات مما أدى إلى انقطاع طريق الحاج البرية بينها وبين مكة منذ مئات السنين بل الطرق التجارية بينها وبين الحسا والقطيفة قلما يسلكها احد الآن ومثل ذلك الطريق إلى نجد واليمامة، ولاقوم لا يحملون حقداً على العثمانيين وكثيا منهم أهل السواحل لم يسمعوا شيئاً مما يفتري أهل البريطانيين علينا لأن هؤلاء القوم الحملان يتحرجون اخلاصاً ويأثماً من التشنيع علينا عند العثمانيين في داخلية بلادهم لأن العثمانيين يخافون ما يخافون منهم إذا مر مار منهم زائرأً أكرموه وأحسنوا ضيافته كل الإحسان ثم يصرفونه من حيث أتى راجعاً أدراجه
وأما في السواحل فالقوم يعلمون عن البريطانون وعن مقاصدهم أكثر مما يعلمه العلمون منا نحن وقد اختبروا أمرّ أختبار ما أنتجته مداخلاتهم التجارية والسياسية منذ أواسط القرن
стр. 6580
الماضي إلى اليوم من إلقاء بذور ألفتنة ثم تحيزهم إلى ألفاتنين بما أوجب شق السلطنة وانتزاع كل شرقي افريقية منهم أخيراً
على أن العثمانيين يخافون قوة القوم البحرية ويدارونهم غاية المداراة ولكنهم على حذر منهم وتيقظ وذلك مما جعلهم حتى الساعة يستغنون عن مساعداتهم الخيرية ومعاهدهم التهذيب وسركاتهم التجارية وطرقهم الحديدية والفضل في ذلك عائد إلى أهل الجبال من الداخلية فأنهم مستقلون في داخليتهم عن حكومة مسقط استغناء كل ولاية عمن الولايات المتحدة عن حكومة واشنطن على أقل تقدير.
إن بولغريف الإنكليزي اليسوعي الشهير استطاع أن يلقي بعض المفاسد في حائل والرياض وكثيراً منها في الحسا والقطيفة أما في عمان فلم يستطع شيئاً من ذلك.
وقد ذكر عن حسن معاملة القوم للغرباء وكرم أخلاقهم وحسن ضيافتهم ما لو استطاع إخفاءه لإخفاه أو قوي على إنكاره لأنكره ويقول أيضاً أن العثمانيين على الساحل يخافون طمع الإنكليز ويرقبوهم بعين الحذر وأما في الداخلية وضمن جبالهم وهم هناك أهل النجدة والبأس فلا يبالون بالبريطان وإلى الآن لم يجسر أحد منهم على اختراق بلادهم ولو عابر سبيل.
وأشد من العثمانيين تجنباً للإنكليز ولكل أجنبي أهل مهرة وحضر موت ساحلهم وداخليتهم أما في الداخلية فلا وصول للإنكليز إليهم بوجه من الوجوه والمطلع على سياحة ثيودور بنت المترجمة إلى المقتطف سنة ٩٨ على ما أظن أن هذا الرجل الغني وفي حاشيته الإمام بهادور شريف وغيره من المسلمين لاقى من مقاومة السكان ما لاقى مع أنه كان معتمداً في سياحته على مساعدة سلطان مكلا وهي أكبر فرضة على ساحل حضرموت ولسلطانها معاملات كثيرة مع الهند وعدن سياسيا وتجارياً.
ومع ذلك لم يكن هذا الرجل يطأ داخلية حضرموت حتى اضطر أن يرجع أدراجه على غاية من الخوف والسرعة كما كان نصيب ليوهرش المستشرق النمساوي الشهير من قبله هذا في حضرموت أما عدن وما حولها حيث منطقة النفوذ الإنكليزي فإن معظم به حاكم عدن من رؤساء القبائل الذين تنتقدهم الحكومة الهندية راتباً معلوماً في كل سنة أن يؤمنوا طريق التجارة فلا يعرضون القادمين إلى عدن بمحصولات الداخلية ولا الراجعين منها
стр. 6581
بالبضائع الإنكليزية والهندية لا يطمعون منهم بأكثر من ذلك.
وأما أهل نجد فقل عنهم أضعاف ما قلناه من أهل حضرموت وعدن واليمن فإنهم يكرهون كل تداخل أجنبي ترى ذلك واضحاً في إجماع خاصتهم وعامتهم على البعد عن دهاة لجنة الخليج ألفارسي. ولطالما اجتهدت هذه اللجنة ومركزها في أنو شير في أن تقوي النجدين وتدخلهم في معاهدة أو رابطة معها فلم تفلح.
وفي سنة ١٨٦٤ على إثر بولغريف من الرياض خائباً ناقماً على الأمير فيصل الوهابي وعلى الوهابيين وكان جاء الرياض متنكراً على نفقة إمبراطور فرنسا ومر بحائل أيضاً فعلى إثر انصرافه برغث صدر الكونيل لوس بلي مدير سياسة الخليج ألفارسي فكتب رسالة خاصة إلى الأمير فيصل يستأذنه في زيارة إلى مقره في الرياض فأغفل الأمير جوابه فكتب ثانياً يسأل خفارة وأدلآ. ولما طال الوقت ولم يرد جواب الأمير عبر إلى الكويت ومن هناك أرسل ثالثة ما كان سأله من الخفارة والإدلاء وانظر عدة أسابيع وبعد أن طال انتظاره وكاد يفرغ صبره ورد عليه جواب الأمير بأوجز عبارة لا يزيد عن صريح الإذن بقبول زيارته ولكن لا دليل ولا خفراء فسافر هذا الرجل هو وحاشيته في بزّه أهل نجد لم يجسر أن يظهر بزّيه الإفرنجي ولما بلغ الرياض نزل في مقصف لابن الأمير خارج المدينة ولم يؤذن له بمواجهة الأمير فيصل إلا في اليوم الثاني وبه تردد مدة ثم بعد أن أقام ثلاثاً لم ير له أفضل من سرعة الرجوع فزم جماله واعتمد دليلاً من قناصة الصليب فقاده هذا في طريق غير مطروق نفذ به شمالي الهفوف. ومما يذكر في هذه الزيارة أن الكولونيل وحاشيته لم يجسروا أن يستعملوا شيئاً من سياحاتهم العلمية الجغرافية في أخذ عرض مكان أو طوله أو رسم خارطة للطريق الذي مروا فيه أو شيئاً آخر مما يحرص عليه أصحاب الرحلات من علماء الأوربيين. ومنذ عهده إلى هذا العهد لم يدخل نجداً بريطاني لا سائحاً ولا جاسوساً فيما نعلم ويعلمه أيضاً جورج هوغرث صاحب الكتاب المشهور المسمى اختراق البلاد العربية المطبوع سنة ١٩. ٤.
والخلاصة فإن أهل نجد هم من أبعد أهل العربية عن الإسترسال إلى الإنكليز بوجه من الوجوه مهما بلغ من دهاء سياستهم وخلابة مواعيدهم.
والشمريون لا ينقصون مثقال ذرة عن إخوانهم النجدين ولا يحتاج إلى اطالة الكلام في
стр. 6582
شأنهم فإنهم الآن جنباً إلى جنب مع العثمانيين يدفعون في صدر الإنكليز لم تؤثر فيهم رقاهم ولا خلبتهم مواعيدهم الغرارة التي هي كما نلم ويعلمون ولا يطعن فيما أوردناه من نفور عرب البادية من دهاة البريطانيين ورجال السياسة وذوي الوعود البراقة فيهم، عصيان أمير مكة السابق الشريف حسين عون وما تواتر عنه من أنه استهواه الذهب الإنكليزي فجوابنا لمن أراد نقض ما بنيناه بمثل هذا القول أن عمل الأمير حسين من الأعمال الخارقة للعادة التي لا تنجلي حقيقتها ولا تتضح أسبابها إلا بعد خمود نارها وحينذاك يصح للمعترض أن يؤسس ما يقوله على فكرة ثابتة وأما وأنباء حسين وأعوانه غامضة وراء ستار وهو وجمعه يأتون ما يأتونه من خلف أجبال وكهوف تحجب عنا أمرهم وتستر سرهم فلا يمكن للمؤرخ الاعتماد على نبأ غير مسبور الغور ولا واضح الحقيقة.
هذا ما اتفق لنا إيراده الآن في البحث عن الأقطار العربية. والإيغال في ذكره يعوزنا إلى المجلدات. وفوق كل ذي علم عليم.
بيروت
ج. ض
стр. 6583
العلم في ألمانيا
لم تحرز ألمانيا التفوق الباهر على الشعوب المتمدنة في فروع العلم والصناعة إلا بفضل انتظام جامعاتها وارتقاء كلياتها فهي تتجدد على مرور الزمان وتتطور بأطوار العصور وتراقب الاختراعات والاكتشافات في جامعات أوربا وأمريكا الكبرى فتناظرها وتنافسها فهي تبعث كل عام في العطلة المدرسية بوفود علمية مؤلفة من فحول العلماء والأساتذة ومعهم فريق من نوابغ التلامذة ونخبة أذكيائهم للطواف في عواصم العالم المتمدن والتفتيش عن نظامات دور العلم والصناعة والمجامع الأدبية والفلسفية والطبية والمحافل المالية والاقتصادية وذلك لاقتباس ما يناسب الروح الألمانية فتعود البعثة مزودة بأجد الأفكار وأحدث الأطوار وتطبق حينئذ العلم على العمل وعلى هذه الطريقة ترسخ أقدام التجدد في تلك الكليات التي أصبح لها ألفضل العظيم في تكوين الوحدة الألمانية، وتشييد أركان هذه الإمبراطورية الواسعة التي أرهبت العالم بقوتها وصوتها وامتداد سلطانها في قلب القارة الأوربية بعد أن كانت شعوباً متفرقة وإمارات متشتتة ومعرضة لإطماع ألفاتحين والغزاة من القياصرة والملوك. قال بسمارك في حديث له مع أحد المكاتبين الحربيين في حرب السبعين أن ألمانيا لم تنتصر على فرنسا في ميادين القتال والنزال إلا بفضل النظام ناشئتها ورجاحة عقول شبيبتها التي أدركت المنافع الوطنية من طريق المدرسة وعرفت أن حياة الافتراق والانشقاق لا تفرق كثيراً عن الموت الحقيقي والانقراض الطبيعي فليست مهارة القواد الألمانيين وكثرة الجيوش وقوة السلاح هي التي نصرت ألمانيا على عدوتها بل المدرسة الألمانية والعقل المدني هو الذي عقد ألوية النصر والفوز على رؤوس الألمانيين فالحروب الحديثة لا تأثير السلاح والكراع فيها وإنما العامل الوحيد للانتصار فيها هو العقل والتربية والنظام ونمو الروح الوطنية وفي الحقيقة أن ألمانيا لم تكن على جانب كبير من العلم والتمدين يوم اكتسحا نابليون وأخضعها لسياسته وجبروته فقد كانت حينئذ ميداناً للفتن وكان الخصام والنزاع والبغضاء سائدة مستحكمة في قلوب أمرائها وملوكها فلما أنشئت المدارس في أرجائها وشيدت الدارس في أمصارها وأقطارها وأشرقت شمس العلم والعرفان في البلاد أصبح من الخزي والعار أن يخضع الألمان لأجنبي فاتح فكان من آثار تلك النهضة العلمية نهضة سياسية أثمرت الوحدة الألمانية وأعقبها انقلاب عجيب في العلم والصناعة والتجارة والزراعة.
стр. 6584
للجامعات الألمانية بما تكتشفه وتخترعه فيما ينفع الحضارة والعمان المقام الرفيع بين كليات العالم المدني ولها الامتياز على غيرها من الكليات باتباعها خطة بث الاستقلال ألفكري والاعتماد على النفس وحب العمل والتجرد إلى ما ينفع الوطن والعنصر وقد فضلها بعض العلماء الباحثين على جامعات ألفرنسيين والإنكليز والأمريكيين من هذه الوجهة، ومما أذاع شهرة الكليات الألمانية وجود دور المساعي والمباحث العلمية التي أنشئت كفروع لها يطبق فيها التلميذ النظريات على العمليات بعد نيله الشهادة بالامتحان ففي إحدى كليات ألمانيا نحو خمسين فرعاً لها من دور البحث والتنقيب في المسائل العلمية وهي تشمل على عدد كبير من المكتبات والمتاحف والمصانع لإجراء التجارب ألفنية في الطب والكيمياء والهندسة وعلم طبقات الأرض والفلك وغيرها من فروع العلم والصناعة التي توسع مادة الدماغ الألماني وتعده أهلاً للاكتشاف والاختراع.
في ألمانيا اليوم دور خطيرة للمباحث العلمية غير ما تقدم من المصانع الخاصة بالجامعات وهي أوسع نطاقاً وأعظم دائرة منها اتفق على تجهيزها بالأدوات العلمية وتوفير أسباب البحث والتنقيب فيها مئات الملاين من الماركات فكان لها النتائج الحسنة والفوائد الغزيرة في الحرب العامة فقد توفق العاملون فيها وهم من خيرة علماء الألمان إلى اختراع أشياء كثيرة أفادت السلاح الألماني في ميادين القتال فاكتشفوا مادة كيماوية أطلقوا عليها لفظ - بروغليسيرين - فاستعملوا مقام مادة - الغليسرين - الذي كانت تجلبه ألمانيا من الديار الأجنبية قبل الحرب فانقطع وروده بسبب احتشاء أساطيل الأعداء في البحار وقد أنتج هذا الاختراع أثراً حسناً في إظهار مقام المدينة الألمانية ولما استعمل الأعداء المواد الخانقة في مقاومة الجيش الألماني بعد أن أعيتهم الحيل والمكائد الحربية وفشلت خططهم واختلت نظاماتهم اخترع علماء الألمان الباحثون في تلك المعاهد والمصانع مادة كيماوية أبطلت تأثير الغازات الخانقة التي حرمت القوانين الدولية استعمالها رأفة بالعنصر الألماني والجامعة البشرية وعلى أثر امتداد الحرب نفدت بعض المواد الإبتدائية في ألمانيا فاكتشف الكيماويون وعلماء النبات مواداً ثابت منابها وقامت مقامها فلم يمد الألمان يد العوز والافتقار إلى غيرهم من الشعوب المتحايدة واستغنوا عن سواهم بعقولهم وأعمالهم.
من حسنات دور ألفنون الألمانية إجراء التدريس في دائرة الاستقلال والحرية لإنماء ألفكر
стр. 6585
وتربية العقل، فالأستاذ في الجامعة غير مضطر إلى توفيق محاضراته وخطبه مع مستوى عقل التلميذ واقتداره فهو قانع أن طلابه مستعدون لقبول ما يلقيه عليهم من الدروس العالية ومختلف الأفكار والآراء. أما التلميذ في الكلية فهو حر مستقل كأستاذه يطلب العلم الذي يراه لائقاً بنفسه ويصبو إلى الأستاذ الذي يعتقد فيه النفع والفائدة لعقله ويشتغل بدروسه على مقدار ما تميل إليه الروح والنفس وما يفوته من شوارد خطب أستاذه يستطيع أن يجده في مكتبات الكلية الغاصة بمئات الألوف من المجلدات في علوم مختلفة فإن أحط جامعة في ألمانيا لا تخلوا من مكتبة واسعة تسد حاجة التلميذ وتوسع مادة علومه ومعارفه.
أما التدريس في المدارس التالية وهي التي تعد الناشئة للدخول إلى الجامعات الكبرى - وتقابلها عندنا المدارس السلطانية - فهو جار على أصول المجانسة فالأستاذ فيها يراعي قاعدة مراقبة التلامذة وأطوارهم وطباعهم وقياس عقولهم واقتدارهم فهو يتفنن في تلقين الطلاب وحثهم على استماعها والمل بعقولهم إليها، والمراد بأصول المجانسة في المدارس الألمانية هو التزام الجد والاعتناء في إجراء الامتحانات سواء في قبول التلامذة الجدد أو في الامتحانات السنوية بحيث لا يستطيع أحد أن يجد فرقاً في العلم والعقل والاقتدار والكفاءة بين تلامذة صف من الصفوف بخلاف مدارسنا التي يجلس على مقاعد صفوفها الذكي ألفاضل إلى جانب الغبي الخامل وهو ناجم فينا عن مراعاة العواطف والالتماس في ألفحص السنوي مما أخل بنظام مدارسنا خللاً بليغاً وللمدارس التالية الألمانية عناية خاصة بأطوار التلامذة فهي تنتخب لهم مشاهير الأطباء في الأجسام والعقول لإجراء الكشف الطبي فالتلامذة المصابون بأمراض وعلل مختلفة والمبتلون بالخمول والجمود أوالحماقة وخفة العقل بطريق الوراثة لا تجوز لهم مخالطة غيرهم في المدرسة بل ينقلون إلى مدارس خاصة بهم تتوفر فيها أسباب معالجاتهم ومداواتهم مع إعطائهم قليلاً من العلوم والفنون على ما يناسب اقتدارهم وتكون غالباً تلك المدارس قائمة بين الغابات والأحراج أو على ضفاف الأنهار حول المروج وغيرها من المواقع الطبيعية.
ومما هو جدير بإطالة النظر وإمعان الفكر قلة المدارس الليلية في ألمانيا بالنسبة إلى ما في بلاد الشعوب الأوربية والأمريكية. فالألمانيون لا يقبلون عليها ولا يميلون إليها وهي تكون على الأغلب ملجأ للمنقطعين وأبناء السبيل وغيرهم من ألفقراء والمسغبين الذين يتعذر
следующие страницы →