Полный текст (499 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أم محمد وجعفر، وأم علي، وأم حسن، بني سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس: أم الحسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله: أن مصعب ابن ثابت أتى إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة، تحمل به في حاجة، فأهوى إلى مجلسه يجلس معه عليه، فكفت إبراهيم رجليه، وكان به النقرس. فجلس مصعب معه، فأدرك رجله فأصابها، فشق ذلك على إبراهيم وكشر. ثم كلمه في حاجته، فأبى عليه وقال: لا أقدر. فقال له: أما والله إنها لبدع من حوائجي إليك، ما كان قبلها شيء، ولا يكون بعدها. وقام، فسأل عنه، فقيل له: مصعب بن ثابت. فصاح به: ابن أخ، إني والله لم أعرفك، أقسمت عليك إلا رجعت. فرجع، فقال له إبراهيم: " شنشنة أعرفها من أخزم "، لا والله ما عرفتك، أقوم بحاجتك وكرامة لك. ففعل.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن المنذر بن عمر بن المنذر قال: وصل عكاشة بن مصعب بن الزبير إلى محمد بن عمران إذ كان قاضياً، فترافعا حتى أمر محمد بن عمران بعكاشة إلى السجن. فانتهى ذلك إلى خبيب ابن ثابت، فأتاه مستبطئاً في ذلك، فترافعا حتى أمر به إلى الحبس. فانتهى
стр. 107
ذلك إلى مصعب بن ثابت، فأتاه فقال له: عدوت على شيخ العشيرة وأحد وجوهها، فحبسته أن راجعك، وإن المرء ليزيل عن ابن عمه أكبر مما ابتغيت منه. ثم أتاك خبيب وهو هو، فعاتبك عما أتيت إلى شيخه وابن عمه، وكان يلزمك له ولصاحبه أن تراجع إلى ما هما وأنت أهله، فاستطعت عليه، وأردت تحميله من ذلك ما لم يكن لك، فمنعك الذي لم يكن لك أن تعطاه، ولا أن تأخذه لو أعطيته، فتلاحجت عليه حتى أمرت به إلى الحبس، فوالله ما حفظت مع ما أتيت الحرم، ولا وصلت الرحم. فقال له ابن عمران: أية رحم وأية حرم؟ قال: أما الرحم فرحم بني عبد الله بن الزبير التي كانت تأتصل بك، وتحمل لك ولا تحمل عليك. قال: صدقت، كذلك كانت رحمهم، فأخبرني عن الحرم. قال: نعم، الحرم التي جرتها تولية عبد الله بن الزبير إبراهيم بن محمد جباية العراق، أيام أتاه في ساجه الرث وجبته المخرقة. قال: خذ بيده يا جلواز، فأجعله مع أخيه وابن عمه في الحبس. فخرج مصعب وهو يقول:
فَمَا بِعُقُوبَةِ السلطانِ بأسٌ ... إذا لم يَجْنِها يوماً فُجُورُ
стр. 108
بسلطانك لعمري يا ابن عمران حبستنا! فلما أمعن مصعب قال ابن عمران: " شنشنة أعرفها من أخزم "، والله لئن ثن على هؤلاء الرهط حبسى، لا يبقى بالمدينة زبيري إلا حبسته! أطلقوهم. قال: فخلوا جميعاً.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن يحيى بم مسكين قال: كنا نرشح عبد الله بن محمد بن عمران، فوقف خبيب على عبد الله بن محمد بن عمران فقال له: يا ابن أخي، بئسما يكسبك أبوك، هو والله دائب يكسبك عداوة الرجال! حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب قال: لقيني إبراهيم بن علي بن هرمة فقال لي: يا ابن مصعب، ألم يبلغني أنك تفضل علي ابن أذينة؟ نعم ما شكرتني في مديحي أباك! ألم تعلم أني الذي أقول:
رأيتُكَ مُخْتَلاًّ عليكَ خَصَاصَةٌ ... كأنَّكَ لم تَنْبُتْ ببعض المَنَابِتِ
كأنَّكَ لم تَصْحَبْ شُعيب بن جَعْفَرٍ ... ولا مُصْعباً ذا المكرُمَاتِ ابنَ ثابتِ
стр. 109
قال قلت له: يا أبا إسحاق، أقِلْنِيها وأنا أعتبك، وهلم فروني من شعرك ما شئت. فرواني هاشمياته تلك.
حدثنا الزبير قال، وحدثني خالد بن وضاح قال: كان مصعب ابن ثابت ربما نزل قصره بالعقيق، فربما صلى في قرارته بالعقيق، ثم عرضت له الدعوة بعد ما ينصرف، فيرفع يديه يدعو، فيذهب الذاهب إلى المدينة فيقضي حاجته ويرجع، وهو في دعائه.
وحمل عن مصعب بن ثابت الحديث.
وتوفي مصعب بن ثابت وهو ابن أثنين وسبعين سنة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: كان
стр. 110
نافع بن ثابت أسن من خبيب بن ثابت بسنةٍ، أو سنةٍ إلا قليلاً. وكان خبيب ابن ثابت أسن من مصعب بن ثابت بليلة. وكان مصعب بن ثابت أسن من سعد أبن ثابت بأربعة أشهر. وكان بعضهم يعطي بعضاً لسنة عليه، ما يعطي ذو السن المتفاوتة. وكانوا يختصمون حتى يقال: لا يصلح ما بين بني ثابت أبداً! فإذا حضرت الصلاة جاءوا إلى نافع بن ثابت فخرجوا معه إلى الصلاة. وكانت كلمتهم واحدة، وكانوا يداً على من سواهم.
وفي بني ثابت بن عبد الله بن الزبير يقول المزني:
ألثابتُّيون قومٌ في وِدَادهمُ ... غُنْمُ الحياةِ وفي أحقادِهمْ تَلَفْ
أللاّحظُون بنور الله عن غضُبوا ... والشَّاملون بُيْمنٍ أينما انصرفُوا
والفارطون فلا تُوبَى حِياضُهُمُ ... بالواردين وإن ذُوَّادُها قَصَفُوا
ولبني مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يقول الملَلَىُّ:
стр. 111
بني مُصْعَبٍ أنتُمْ خِيارُ خِيارناَ ... أكابِرُكُمْ والمُعْقِبونَ الأصاغِر
بهَاليلُ قوّامون بالقِسط بيننَا ... لكُمْ خُطَبٌ تهتزُّ منها المنابرُ
ولهم يقول يونس بن عبد الله بن سالم الخياط:
والله لو عادَتْ بني مصعبٍ ... حَليلتي قلتُ لها: بِينِي
أو وَلَدي عَنْ حُبّهم قَصّروا ... سَعَطتُهم بالرَّغْم والهُونِ
أو نظَرتْ عيني خِلافاً لهُمْ ... فقأتُ من إجلاَلِهِمْ عَيْنِي
ولهم يقول أبو مسلمة، موهوب بن رشيد الكلابي:
تخطَّأتُ أعناقَ الرجالِ إليكُمُ ... بني مُصْعَبٍ واخترتُ خيْرَ المجالِسِ
стр. 112
ومن
وَلَدِ مصعب بن ثابت
عبد الله بن مصعب، كان مدره قريش وخطيبها، وواحدها شرفاً وقدراً وصوتاً، وعناية بهم وبجميع أهل المدينة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن مسلمة المخزومي قال: كان مالك بن أنس إذا ذكر عبد الله بن مصعب قال: المبارك، يتكلم في أمر أهل المدينة في العطاء والقسم.
وكان في صحابة أمير المؤمنين المهدي، وولاه اليمامة، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أقدم بلداً أنا جاهل بأهله، فأعني برجلين من أهل المدينة لهما فضل وعلم: عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الله بن محمد بن عجلان. فأعانه بهما، وكتب في إشخاصهما إليه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان سبب عبد الله بن مصعب إلى أمير المؤمنين المهدي، أن أمير المؤمنين المهدي قدم المدينة سنة ستين ومئة، فدق المقصورة، وجلس للناس في المسجد، فجعلوا يدخلون عليه ويأمر لهم بالجوائز، ويحضرهم الشفعاء من وزرائه. وكان رجال قد أحسوا بجلوس أمير المؤمنين المهدي وما يريد في الناس، فطلبوا الشفاعات. ودخل عليه عبد الله بن مصعب بغير شفيع، وكان وسيماً جميلاً مفوهاً فصيحاً، قد عرفت له
стр. 113
مروءته وقدره بالبلد قبل ذلك، فتكلم بين يدي أمير المؤمنين المهدي فأعجب به، وألحق جائزته بأفضل جوائزهم، وكساه كسوة خاصة، وأدخله في صحابته، وخرج به معه إلى بغداد، فقال عبد الله بن مصعب:
لمَّا أوْجَهَ الشفعاء قوماً ... عَلاَ خَطْبِي فَجَلَّ عن الشفيعِ
وجاءَ يُدافعُ الأركانَ عَنَّي ... أبٌ لي في ذُرَى رُكْنٍ مَنِيعِ
أبٌ يتَركَّعُ الأبْنَاء منْهُ ... إذا انتسُبوا إلى الشرَف الرفيعِ
سَعَى فَحوَى المكارمَ ثم ألقَى ... مَسَاعيَهُ إلى غيرِ المُضِيعِ
فورَّثني على رَغْم الأعادي ... مَسَاعِيَ لا ألفَّ ولا وضِيعِ
فقمتُ بلا تَنَحُّلِ خارِجيٍ ... إذا عُدَّ الفَعالُ ولا بَدِيعِ
فإن يكُ قد تَقَدّمَني صَنِيعٌ ... يُشرِّفُنيِ، فما دَنَّى صَنِيعِي
وكانت له من أمير المؤمنين المهدي، ومن أمير المؤمنين موسى ومن أمير المؤمنين هارون الرشيد، خاصة ومنزلة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: بعث أبو عبيد الله إلى عبد الله بن مصعب في أول ما صحب أمير المؤمنين المهدي بألفي
стр. 114
دينار، فردها وكتب إليه: " إني لا أقبل صلة إلا من خليفة أو ولي عهد ".
قال: ووجدت في كتاب من كتب محمد بن سلام: بعث أبو عبيد الله إلى عبد الله بن مصعب بألفي دينار صلة وعشرين ثوباً، فلم يقبلها وكتب إليه: أن لو كان قابلاً من سوى الخليفة قبلتها. وكتب إليه: " أصلحك الله وأمتنع بك، ما لسيبك ومياحتك أحببناك، ولا لاستقلال ما بعث به إلينا والتسخط له كان ردنا إياه عليك، ولكنا أحببناك ووددناك،
стр. 115
وشكرناك لفضلك ونبلك، وقسم الله لك في رأيك ومعرفتك، ورعايتك حق ذوي الحقوق. ولقد أصبحت عندنا بالمنزل الذي لا تزيدك فيه صلة وصلتنا بها، ولا يضرك ردُّناها ".
حدثنا الزبير قال، وحدثني أبي وعمي مصعب بن عبد الله: أن جدي عبد الله بن مصعب قال لأمير المؤمنين المهدي يستكثره في أول صحبته:
يا ابنَ الذي ورِثَ النبيَّ محَّمداً ... فَلَهُ تُراثُ محّمدٍ لم يُنْكَرِ
إنِّي عَقَدتُ ذِمَامَ حَبْلى مُعْصِماً ... بحبالِ وُدِّك عُقْدةَ المتخِّيرِ
يومَ المدينةِ بين قبر محّمدٍ ... وفِنائه ومَقَامِهِ والمِنْبَرِ
فأخذتُ منْكَ بذِمَّة محفوظةٍ ... مَنْ فاز منكَ بمثلها لم يُخْفَرِ
فكأننّي ألقيت رَحْلَي عائذاً ... بفِناَء بيتِ الله أو بالمَحْجَرِ
وأراك تصطنِعُ الرجالَ ولم أكنْ ... دُون أمرئٍ قدّمتَهُ بمؤخَّرِ
فَهلَ أنتَ مُتَّخِذِي لنَفْسِك جُنّةّ ... وعلىَّ عَهْدُ الله إنْ لم أشكُرِ
ولقد صَبْرتُ لنَبْوَةٍ صَادَيْتُها ... مِمَّنْ يُلاَقِينِي بخَدٍ أصْعَرِ
في حَوْمَةٍ قَصِفِينَ من أشياعِهِ ... يَلْقوننِي بتجهُّمٍ وتَنَكُّرِ
لما رأوك جَفَوْتَنِي فتركتَنِي ... إن آتِ أقْصَ وإن أغِبْ لا أذكَرِ
стр. 116
وإذا دخلتُ أكونُ آخرَ داخِلٍ ... مَرْمَى القَصِيّة بالمكان الأوْعرِ
فمجاهِرٌ لي بالعَدَاوة مِنْهُمُ ... جَهْلاً، وطاوِى غُلَّةٍ لم يَجْهَرِ
حَنِقٌ علىَّ ولا يزالُ ضميرُهُ ... يُبْدِي رَسيسَ عداوةٍ لم تَظْهَرِ
فإذا التقينا نَمَّ لي مِنْ طَرْفِهِ ... نَظَرٌ يُسَارِقُه كطَرْفِ الأخزرِ
واللهُ يعْلَمُ حَلْفةً من صادقٍ ... لولاكَ قد شمَّرتُ ذَيْلَ المِئزَرِ
وبعثُ حَرْبي عَنْوَةً فتضعضعوا ... ووسمْتُ أنْفَهُمُ مكانَ المَفْقَرِ
إني إذا بلغَ العدُوُّ حَمِيَّتِي ... فبرزْتُ، أمشي مِشْيَةَ المتبخْتِرِ
رَئمُوا المَذَلَّةَ صاغرينَ وحاذوا ... صَوْلاتِ ذِي لِبَدٍ هِزَبْرٍ مُخْدِرِ
وهي أكثر من هذا فأقبل عليه أمير المؤمنين المهدي بوجهه، وأعطاه حكمه، فقال:
يا أمين الإله في الشَرْق والغَرْ ... بِ عليناَ ويا ابنَ عِّم الرَّسُولِ
إنّ حُكْمِي عليك، تفديك نَفْسي ... وكَثيري وأسْرتي وقَبِيلىِ
مجلِسٌ في العَشِىِّ عندك في المَيْدَانِ والإذنُ مِنْك لي في الدخولِ
ليسَ شيءٌ من الأُمُور وإن كا ... نَ عظيماً عندي له بعَديِلِ
فأجابه إلى ذلك، وجعله في جلسائه بالعشى، وخص به، وأصاب منه أموالاً كثيرة، وقطائع رغيبة.
стр. 117
وقال بعد الله مصعب لأمير المؤمنين المهدي، يسأله البيعة لأمير المؤمنين هارون الرشيد، وقد كان بايع لأمير المؤمنين موسى:
أشدُدْ بهارُونَ حبالَ العَقْدِ
ووَلِّهِ بعدَ وليِّ العَهْدِ
فلما بايع له بعد موسى، قال له عبد الله بن مصعب متمثلاً:
لاَ قصَّرا عَنْها ولا بَلَغَتْهُمَا ... حتى يطُولَ على يديكَ طَوَالُها
حدثنا الزبير قال وحدثني محمد بن أبي خالد الكاتب قال: كان أمير المؤمنين المهدي يقول: ثلاثة أضن بهم عن الولاية، وأراهم أكثر منها: عبد الله بن مصعب الزبيري، وإسحاق بن غرير الزهري، والربيع. قال: وكان إسحاق بن غرير من جلساء أمير المؤمنين المهدي، وكان حلواً، وكان لعبد الله ابن مصعب صديقاً مثافناً.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان أبي يكره الولاية، فعرض عليه أمير المؤمنين هارون الرشيد ولاية المدينة، فكرهها
стр. 118
وأبى أن يليها، وألزمه ذلك أمير المؤمنين الرشيد، فأقام بذلك ثلاث ليال يلزموها ويأبى عليه قبولها، ثم قال في الليلة الثالثة: أغد على بالغداة إن شاء الله. فغدا عليه، فدعا أمير المؤمنين بقناة وعمامة، فعقد اللواء بيده، ثم قال له: عليك طاعة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فخذ هذا اللواء. فأخذه، وقال له: أما إذ ابتليتني يا أمير المؤمنين بعد العافية، فلا بد لي من أن أشترط لنفسي.
قال له: فأشترط لنفسك. فأشترط خلالاً، منها أنه قال له: مال الصدقات مال قسمه الله بنفسه، ولم يكله إلى أحد من خلقه، فلست أستجير أرتزق منه، ولا أن أرزق المرتزقة منه، فأحمل معي رزقي ورزق المرتزقة من مال الخراج. قال: قد أحببتك إلى ذلك. قال: وأنفذ من كتبك ما أرى، وأقف عما لا أرى. قال: وذلك لك.
فولى المدينة، وكان يأمر بمال الصدقات يصير إلى عبد العزيز بن محمد الدراوردي وإلى آخر معه، وهو يحيى بن أبي غسان الشيخ الصالح، من أهل الفضل، فكانا يقسمانه.
ثم وله أمير المؤمنين هارون الرشيد اليمن، وزاده معها ولاية عكٍ، وكانت عكٌّ إلى والي مكة، ورزقة ألفي دينار في كل شهر. فقال يحيى ابن خالد: يا أمير المؤمنين، كان رزق والي اليمن ألف دينار، فجعلت رزق عبد الله
стр. 119
ابن مصعب ألف دينار، فأخاف أن لا يرضى أحد توليه اليمن من قومك، ومن الرزق بأقل مما أعطيت عبد اله بن مصعب، فلو جعلت رزقه ألف دينار كما كان يكون، وأعضته من الألف الآخر مالاً تجيزه به، لم تكن عليك حجة لأحد من قومك في الجائزة. فصير رزقه ألف دينار، وأجازه بعشرين ألف دينار.
قال: فأستخلف على اليمن الضحاك بن عثمان بن الضحاك، وكلم له أمير المؤمنين، فأعانه على سفره بأربعين ألف درهم. فأقام الضحاك خليفته حتى قدم عليه، فسلم للضحاك، مقام الضحاك إلى أن قدم، الألف دينار التي أرتزق في ولاية اليمن.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قسم أبي مال اليمن كله في السهمان التي أمر لله بها، ولم يرفع منه شيئاً. فأمضى ذلك أمير المؤمنين الرشيد.
حدثنا الزبير قال، قال عمي مصعب بن عبد الله: وأرسل أبي عبد الله ابن مصعب رسلاً غير قليل يستعفى من ولاية اليمن، فلا يعفيه أمير المؤمنين من
стр. 120
ولايتها حتى كنت أن آخر من خرج يستعفي له، فأعفاه. وسار في أهل اليمن من العدل بما هم يذكرونه بعد وفاته. وكانوا يصيحون بأمير المؤمنين الرشيد إذ حج: رد علينا ابن مصعب. فيقول لبعض من معه: واين ابن مصعب ﵀؟ حدثنا الزبير قال، وحدثني عثمان بن عمران بن عثمان بن عبد الله ابن زياد، عن أبيه قال: قال أمير المؤمنين الرشيد: كنا نظن عبد الله ابن مصعب يصحبنا على ما يصحبنا عليه الناس من طلب الدنيا، فعرضناها عليه فلفظها.
وأخرج أمير المؤمنين هارون الرشيد لأهل المدينة على يديه عطاء وكسوة مع العطاء، ونزل قصر عروة بن الزبير بالعقيق، وأخرج لأشراف القريشيين ومشيختهم ووجوه الناس جوائز كثيرة.
ولما ولى أمير المؤمنين الرشيد عبد الله بن مصعب اليمن، استعمل أمير المؤمنين ابنه أبا بكر بن عبد الله بن مصعب على المدينة، ورزقه على ولايتها ألف دينار، وذلك كان رزق واليها.
حدثنا الزبير قال، وحدثني العتبي، عن رجل سماه فأنسيت أسمه قال: أبا بكر بن عبد الله بن مصعب يتكلم فيعجبني كلامه، وأسمع شبيب
стр. 121
ابن شيبة التميمي يتكلم فيعجبني كلامه، فكنت أحب أن أسمع كلمهما مجتمعين لأعرف أبلغهما. فاجتمعا يوماً على باب أمير المؤمنين، فسمعن كلامهما. قال، فقلت له: فأي الرجلين سمعت أبلغ؟ قال: المتكلم حتى يسكت، غير أني رأيت لعبد الله بن مصعب إشارة تقع مع كلامه أعجبتني.
قال الزبير: وكان عبد الله بن مصعب رجلاً حليماً جواداً مملحاً، له يقول ابن المولى، محمد بن عبد الله:
ولمَّا رأيتُ الناسَ بينَ مُبَلِّدٍ ... حَرُونٍ، وصعبٍ ظَهْرُه شرُّ مركَبِ
أخذتُ بحبْلٍ من حِبالِ ابن مصعبٍ ... قريعِ قريشٍ والهِجانِ المهذَّبِ
وإنَّ أمرَاً بين الزُّبَيْر إذا انتَمى ... وبين أبي بكْرٍ لَمْحضُ المُرَكَّبِ
فَلَلْتُ به نابَ الزَّمان وقد عَدَا ... علىَّ بنابٍ ذي شَبَاةٍ ومِخْلَبِ
إليه تخطَّيْتُ المشاربَ كُلَّها ... إلى مَشْرَبٍ من وِرْده خيرِ مَشْرَبِ
فأتْرَع دَلْوي من هُنَاك وها هُنَا ... ببَسْطَة بسامٍ مَتَى يُعْطِ يُرْغِبِ
وقد علمت عُلْياَ لُؤَيّ بن غالبٍ ... إذا مَا لُقُوا بالصَّدْق لا بالتَّكذُّبِ
بأنَّ أبا بكْرٍ فَتاها وأنَّه ... أخُوها الذي ما يركبِ الليثُ يَرْكَبِ
стр. 122
تحمَّلها بالحِلْم عَطْفاً عليهمُ ... وألفَوْهُ ذا شَغْب على كل مِشْغَبِ
وأنَّ اقتباسَ العلم مِنْهُ، وأنَّهُ ... إذا كان منه الرأيُ لم يُتَعَقَّبِ
فإن يجْهلُوا يَحْلُمْ بِبّرٍ ورأْفَةٍ ... وإن يكُ صَدْعٌ في العَشيرةِ يَشْعَبِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي قال: كنا نأتي مسجد رسول الله ﷺ فنجلس فيه، ما ينزعنا إلى الجلوس فيه إلا استماع كلام عبد لله بن مصعب وألفاظه.
قال بلال بن جرير بن الخطفي، يمدح عبد الله بن مصعب:
مَدَّ الزُّبيرُ أبوكَ إذ يَبْنِي العُلَى ... كفَّيْك حتَّى نالَتَا العَيُّوقَا
ولَوَ أنّ عبد الله فاضَلَ مَنْ مشَى ... فضَلَ البرِيَّة عِزَّةً وبُسُوقَا
стр. 123
قَرْمٌ إذا كان يومُ نُفُورةٍ ... جَمَع الزبيرَ عليك والصِّدِّيقاَ
ولئن مَسَاعِي ثابتٍ أو مُصْعبٍ ... بلغتْ سَناَ أعلى المكارم فُوقاَ
لو شِئتَ ما فاتُوكَ إذ جاريتَهُمْ ... ولكنتَ بالسَّبْق المُبِرِّ حقيقاَ
لكن أتيتَ مُصَلِّياً بِرًّا بهِمْ ... ولقد تَرَى ونَرَى لديكَ طريقاَ
ألقتْ إليك بنُو قُصَيٍ مَجْدَهَا ... فورِثْتَ أكرمَها سَناً وعروقاَ
وقال خارجة بن فليح المللى، يمدح عبد الله بن مصعب:
دعانا لعبد الله والدّهرُ باسطٌ ... علينا جناحَ البُؤْس والجودُ عَاثِرُ
تواتُرُ أخبارٍ يَرِدْنَ بحَمْدِه ... عليناَ وللمعروف والنُّكْر آثِرُ
فإنّي لِمَا أوْليتَني يا ابن مصعبٍ ... يداً بعد أيْدٍ مُنْعِماتٍ لَشاكِرُ
وإنّكَ والحيَّ الذي أنتَ منهُمُ ... لَكالبَدْر حَفَّتْه النجومُ الزَّواهِرُ
ويسمُو بكُمْ مَجْدُ الزبير وفَخْرُهُ فيكُمُ ... فتُغْضِى لَها عنك العيون الشوازِرُ
стр. 124
فإن يكُ قومٌ قوَّضُوا عَرْشَ مجدِهْم ... فقدْ رَبَّ مجداً أوَّلاً منك آخِرُ
رأيتُكَ تسمُو للمكارمِ والعُلَى ... فلا زاهقٌ عَنْها ولا أنت قاصِرُ
وتعلُو بك الأيامُ للذِّرْوَةِ التي ... لَها كَنَفٌ يأوِى إليه المعاشِرُ
لكُمْ مَنْكِباها حيثُ قَرَّ قَرَارُهَا ... وفرعُكَ منها أيْمنٌ مُتياسِرُ
وجادت يدك المستهلُّ نَداهُما ... فأغْنَى وأقْنَى سَيْبُك المتظاهِرُ
فلا مجدَ إلاّ منكُمُ فيه أوَّلٌ ... ولا مجدَ إلاَّ مِنكُم فيه غَابِرُ
ولا حَرْبَ إلاّ قد قَرَعتُمْ كُماتَهَا ... عليها بكم كانتْ تدور الدوائِرُ
لعمرُكَ ما سُدَّتْ علىَّ مواردِي ... لديك، ولا ضاقتْ علىَّ المصادِرُ
وهي أكثر من هذا.
حدثنا الزبير قال، وحدثني من سمع خالد بن الأسود بن عمرو الفزاري، يحدث عن أبيه، عن جده: أن بني سيار بن عمرو بن جابر لما شاركت قريشاً، قالت بنو حصن بن حذيفة بن بدر، وتأمروا بينهم: " لا تزوجوا من قريش إلا لباباً "، ليدركوا ما فاتهم به لف منظور. قال: فكان يرغب في شركتهم المصلصل، فإذا حمدوا حسبه ذموا نشبه، فإن تواليا له، ضاق
стр. 125
عن مبلغ غايتهم جاهه، فإن كرم حسبه وكثر نشبه وأوسع جاهه، لم يرضوا حركاته وهزته فيما عراهم. فإن لم يسخطوا ذلك منه، نالتهم عجارفه. فإن أمنوا بوائقه، لم يعدموا منا صماد حيا يحلق الشعر، ويكلم البشر، ويغمض البصر. فكانوا بذلك شطر دهرهم، حتى شاركوا أبا بكر عبد الله بن مصعب، فكان نسيج وحده.
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان قال: كان عبد الله ابن مصعب يأمر من قريش من يفتش له عن خلتهم، ليتعاهد ذلك منهم، فيسد خلتهم، ويصلح شأنهم. فقال في ذلك ابن الوليد بن عدي النوفلي:
أتاَنِي عَنْك أنَّكَ قلتَ يوماً ... لذي رَحِمٍ وكنتَ به خبيراَ
تبَغَّ لِيَ السواقِطَ من قريشٍ ... لِتَنْعَشَهَا وكنتَ بِه جَديراَ
ومثْلُك يا ابن مُصْعَبَ للَّتِي قد ... سَبقت بفضْلها، جَبَر الكسيراَ
أبانَ اللهُ فيك لمنْ تَوَخَّى ... سِرَاجَ الخيرِ حين براكَ نُوراَ
وقومُكَ أهلُ مملكة كِرامٌ ... يَرَوْنَ العارَ مُطَّلَعاً كبيراَ
إذا نَظَرتْ إليك بنو قُصَيٍ ... رأوْا قمراً بساحتهمْ مُنيراَ
стр. 126
وقال أبو عاصم، عبد الله بن حمزة الأسلمي، يمدح عبد الله بن حمزة الأسلمي، يمدح عبد الله ابن مصعب، إذ كان والياً على اليمامة:
مَنْ كان عن سُوقٍ لمجدٍ سائلاً ... فيه النَّدَى، فلَهُ بِحَجْرٍ سُوقُ
سُوقٌ لعبد الله من يَحلُلْ بِهِ ... فلَهُ صَبُوحٌ من نَدًى وغَبُوقُ
جمُّ الفوائد ما يُفِيدُ فَوَائداً ... إلا أفيد له بهنَّ حقُوقُ
يأكُلْنَها حتَّى يدعْنَ شريدَها ... فَلَلاً، ويحمَدُ غِبَّها المرْهُوقُ
أنت المهذّبُ من قريشٍ والذي ... لفروعِه فوق الفُرُوع بُسُوقُ
فلكُلّ بابِ نَدًى بكفِّك مِفْتَحٌ ... ولكلِّ معروفٍ عليك طريقُ
وإذا أكُفُّ القوم لم تَنَلِ العُلَى ... مدَّ الزبيْرُ يديْكَ والصِّدّيقُ
فبلغتَ ما لا يبلغون، وعَادةٌ ... لكم التوسُّع حين يُخْشَي الضِّيقُ
قَرْمانِ ما تركاَ لخيرٍ غايةً ... إلاَّ لهَا سببٌ إليكَ وثيقُ
وإذا المَنَاسِبُ حَصَّلتك تعطَّفَتْ ... من كُلّ ذِي كرَمٍ عليك عُرُوقُ
وقال أيضاً يمدحه إذ كان والياً على اليمامة، ويمدح أبنه أبا بكر ابن عبد الله:
أبا بكْرٍ ذكرتُكَ حين ضاقتْ ... علىَّ الأرْضُ وأمتنَع الهُجُوعُ
دعوتُك والحوادث مُوبِقاتٌ ... نِبالُ الكُرْهِ أكثرُها القُروعُ
وبِتُّ مُرَوَّعاً مِنْهنَّ حتَّى ... أجَبْتَ فزاحَ عنِّي ما يَرُوعُ
стр. 127
دعوتُكَ فاستجبتَ وكان بيني ... وبينَك ما يَصَمُّ بِهِ السَّمِيعُ
ولم يبلُغْك صوتِي حين أدْعُو ... ولكن بَّلغ الحسَبُ الرفيعُ
وعندي بالبلادِ معي رجالٌ ... وعندك كُلُّهم لِيَ مُسْتَجِيعُ
تركتُهُمْ إليك بغير ذمٍ ... كذلكَ يَغْنَمُ القَرْمُ القريعُ
وحقِّي واجبٌ تَرْعاهُ منِّي ... إذا ما ضيَّع الحقَّ المُضِيعُ
ووُدٌّ ثابتٌ منَّا مُقِيمٌ ... عليه الله يشهَدُ والبقيعُ
بَقيعُ بني الزُّبَيْر وكلُّ خيْرٍ ... إلى آل الزبير بهِ ذَرِيعُ
هُمُ الرأسُ المقدَّمُ من قريشٍ ... وغيرُهُمُ هُمُ الذَّنَبُ القَدِيعُ
تَرَى عنه الحوادثَ نَابَياتٍ ... كما يَنْبُو عن العَلَم الصَّقيعُ
وقال عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني، يمدح عبد الله ابن مصعب بن ثابت بن الزبير، وأبنيه أبا بكر ومصعباً ابني عبد الله:
стр. 128
يا أيُّها الرجُلُ المُهْدِي الغِنَاءَ لَهُ ... من كلّ شِعْبٍ يُدَانِي ثم يختَلِفُ
دَعْ عنْكَ ليلَى، فما ليلَى بجازيةٍ ... لا تجهَلَنَّ ولا يَلْجَجْ بك الكَلَفُ
وأذكُرْ بأحسَنِ قولٍ أنت قائُله ... آلَ الزبير فقد أعطوْا وقد عَطَفُوا
وقد سَقَوْكَ بسَجْلٍ من سِجَالهُم ... حتى رَوِيت وقد زادوا وقد لطُفوا
وقد كفاك نَدَاهم نَوْءَ غَيْرهِمُ ... فلا تَعُولُ على الغَرْف الذي غرفُوا
قد كان لي في أبي بكر ووالدِه ... ومصعبٍ ذي النَّدى من تالِدٍ خَلَفُ
والثابتُّونَ قَوْمٌ في ودادهُمْ ... غُنْم الحياةِ وفي أحقادهم تَلَفُ
أللاحظونَ بنُور الله إن غضبُوا ... والشاملُون بُيْمنٍ حيثُ ما انصرفُوا
والفارطونَ فلا تُوبَى حِيَاضُهُمُ ... بالوَاردين وإن ذُوّادُها قَصَفُوا
إنّ ابنَ مصعبٍ الميمونَ طائرُهُ ... ثَبَّى على خير ما سَدَّى له السَّلَفُ
لا يُدْرك الناسُ في المَجْراةِ غايتَهُ ... ولو تعاَلَوْا ولو خَبُّوا ولو خَنَفُوا
تمشي الملوكُ على أذيالِ لأمَتِهِ ... إن سَار ساروا وإن أوْ مَا قِفُوا وقفُوا
стр. 129
يا ابنَ الزبير قد فرّجْتَ من كُرَبي ... ورفَّلَتْنِي لك الفَيْضاتُ والتُّحَفُ
وقد جَبَرتَ جناحِي بَعْدَ رقّتِهِ ... حتَّى أنتهضْتُ وحتى مَسّنِي التَّرَفُ
وقد تَخَلَّصْتَنِي من بين مَأْسَدَةٍ ... أذَلَّنِي لَهُمُ السُّلْطانُ والصُّحُفُ
أدركتنيِ بعد مَا دارتْ عُقَابُهمُ ... وقد بَلَلْتُ لهَا رأسي وقد وَحَفُوا
وقال أيضاً عبد الله بن عمرو بن أبي صبح، يمدح عبد الله ابن مصعب الزبيري، وأبنه أبا بكر بن عبد الله:
أكرِمْ بذي شَرَفٍ ألفَى مَكارمَهُ ... فوقَ الثريَّا فعَلَّى فوقَ ما وجَدَا
ذاك ابنُ مُصْعبٍ المُوفِي بذمّتِه ... أعطى الجزيلَ وأوْفَى كُلَّ ما وعدَا
من فتيَةٍ صبَرُوا في كُلَّ نائبةٍ ... حتى نَفوْا عنهُمُ ما عابَ فانتَقدَا
بِيضٌ بهاليلُ سيماَ المُلْك شامِلُهُمْ ... لا يسألُ الناس عنْهم من هُمُ أبدَا
إن أمتدحْكُمْ فقد جَلَّتْ صَنائِعكُمْ ... مَجْرَى المديح وقد راخَيتُمُ الأمَدَا
قدْ رِشْتُموني فهذا رِيشكُمْ خَضِلٌ ... بادٍ علىّ وقد أنعمْتُمُ رَغَدَا
стр. 130
إن الحَواريّ والصدّيقَ وأبنَهُمَا ... وابن الرَّبَابِ بنَوْا بُنْيَانكُمْ صُعُدَا
ثم الأميرانِ شدَّا عَقْدَ عُرْوتكُمْ ... ولا سبيلَ إلى حَلّ الذي عَقَدَا
نِعْمَ الأميرَانِ بكّارٌ ووالدُهُ ... ما أشرفَ الوالدَ الميمونَ والولَدَا
المالئانِ بَعْدلِ الله قبضَتَهُ ... والمصلحانِ بإذن الله ما فسَدَا
والحافظانِ لما أوصَى الإلهُ بِهِ ... من حقّ ذي الحقّ إن غابا وإن شهدَا
والصادرانِ معاً عن كُلّ ما تركاَ ... والواردانِ جميعاً كلَّ ما وَرَداَ
والطاعنانِ صدورَ الخيل مُقْبِلًة ... والضاربانِ إذا غابَ القَنَا قِصَدَا
أعْززْ بمنْ كان عبدُ الله ناصِرَهُ ... ومن يكونُ أبو بكْرٍ له عَضُدَا
وله أيضاً يقول ابن أبي صبح المزني:
لعمرُك إن المُنْتَمِي بابنِ مُصْعَبٍ ... لَمُعْتدِلُ الَمجْرَاةِ جَزْلُ المواهبِ
وإن امرَأً بين الزبير إذ أنْتُضِى ... وبين أبي بكر لمَحْضُ المضَارب
وله يقول محمد بن عبد الملك الأسدي:
حَيَّاكَ يا ابنَ مُصْعَبٍ حَيَّاكاَ
ربُّ السَّموات الذي أعطاكاَ
مكارماً وَرثْتَها أَباَكاَ
لا تنبَغِي لأحدٍ سِوَاكاَ
إنّ الحَوَاريَّ إذا عَزَاكاَ
стр. 131
عازٍ وصِدِّيقَ الهُدَى جَدّاكاَ
فخيرُ كَهْلَىْ رَجُلٍ كَهْلاكاَ
كم من غَنيّ كان من غِنَاكاَ
ومن فقيرٍ عاش في ثَراكا
ومن أسِيرٍ كانَ في أسْرَاكاَ
فَفكّ عَنْه غُلَّهُ تَقواكاَ
وقال أيضاً محمد بن عبد الملك الأسدي يمدحه:
حيَّا الإلهُ أبا بكْرٍ وكرَّمَهُ ... وزادهُ الله من تفضيلِهِ شَرَفاَ
إنا نراهُ أدامَ الله مُدّتَهُ ... من الحواريّ إلا سَبْقَهُ خَلَفا
هو الحُلاحِلُ حِلْماً والحَيَا كرماً ... والليثُ عيْناً إذا ما همّ أو عَسَفَا
كأنه حين يَعْتَنُّ البيانُ بِهِ ... غيثٌ يَسُحَّ سِجالاً لم تكُنْ نُزُفَا
في وابلٍ بَرِدٍ يحتثُّ وابِلَهُ ... منه صَبِيرٌ ترى في نَقْعهِ غُرَفَا
إنِّي وجدتُكَ في جُرْثُومة فَرَعَتْ ... فرعَيْ قريشٍ إذا ما واصفٌ وصَفَا
إنّ الحواريَّ والصدّيقَ إن نُسِباَ ... جَدَّاكَ نالا العُلَى واستوجباَ الغُرَفَا
وحمزةُ الليثُ والعبَّاسُ إن ذُكرَا ... خالاكَ لم يُوِرثاَ ضَيْقاً ولا حَفَفَا
стр. 132
فأنتَ من هاشمٍ في سِرِّ نَبْعتها ... بحيثُ حَلَّتْ وسِيطاً لم تكن طَرَفَا
وأنتَ من أسَدِ العُزَّي لأِكرمِهَا ... كهْلاً وافضَلهِا إن عَدَّدَتْ سَلَفاَ
وقال أبو المعافي، يمدح عبد الله بن مصعب:
أقولُ لناقتِي ما تشكَّتْ ... أظَلَّيْها مِنَ امْعَزَ ذِي نِقَال
إذا بَلَّغتِ عبدَ اللهِ رَحْلِى ... أبا بكُرٍ فمُوتِى لا أبَالِي
حواريُّ النبيّ أبوهُ، بَخْ بَخْ ... وفارسُهُ إذا دُعِيَتْ نَزَالِ
ببدرٍ كان فارسَهُ المُسَمَّى ... إذا اعتنقُوا غَداةَ هَبٍ وهَالِ
ويومَ يهودِ خيْبَرَ فَضَّ جَمْعاً ... وغادَرَ ياسراً تحت العَوَالي
ويوم حُنَيْنَ إذ وَلَّوْا وخامُوا ... وعينُ الله تنظُرُ في مَجالِ
ويومَ الخندقِ الحامِي لَظاهُ ... وقد زاغَتْ قلوبٌ من رجالِ
ويوم قَفَا الحَجُونِ وكان يوماً ... تَشِيبُ له مَقاديمُ القذَالِ
ويومَ بني قُرَيْظَةَ كان فيهِ ... بحمد الله محمودَ الفَعَالِ
وبالصِّدِّق نَفْخُر، إنّ بيْتاً ... هُما رَفعاَ دعائمَهُ لَعَالِ
стр. 133
فلم يَحْوِ الرِّياسَة من بعيدٍ ... ولم يَرِثِ السَّماحَة من كَلالِ
وما قَصُرتْ يداكَ عن المعالِي ... وما طاشت سِهَامك في نِضَالِ
فأين لنا نظيرُك من قريشٍ ... يُجيٍر كما تُجيرُ من الليالِي
وأين لنا نظيركَ من قُريشٍ ... لقد بَعُدتْ يمينٌ من شِمالِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قال شبيب بن شيبة لأمير المؤمنين المهدي في عبد الله بن مصعب بن ثابت: لا والله ما كان في آبائه أحد إلا وهو أكمل منه، ولا والله ماله في الناس نظير في كماله.
ومديح عبد الله بن مصعب كثير.
وحمل الحديث عن عبد الله بن مصعب بن ثابت.
وحدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عبد الله قال: مات عبد الله ابن مصعب بن ثابت، وهو ابن سبعين سنة.
стр. 134
حدثنا الزبير قال، وحدثني أبي وكل من سألت من أصحابنا: أن عبد الله بن مصعب بن ثابت مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة بالرقة، يوم الأحد لثلاث ليال بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين ومئة.
حدثنا الزبير، قال وحدثني اليسع بن أيوب قال، حدثني ذفافة ابن عبد العزيز العبسي قال، حدثنا الفضل بن الربيع قال: مات عبد الله بن مصعب وقد فتح أمير المؤمنين هارون العرق، فدخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين: مات عبد الله بن مصعب. فنكس ونقر الأرض بقضيب في يده، ثم رفع رأسه إليَّ فقال: يا فضل، مات أبو بكر؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! ففعل ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يقول لي: يا فضل، مات أبو بكر؟ فلما قال ذلك في الثالثة وقلت له: نعم يا أمير المؤمنين، قال:
جَبَلٌ تضعضَعَ ثم مالَ بجُمْعِهِ ... في البحر لا رتَقَتْ عليه الأبْحُر
حدثنا الزبير قال، حدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: وفدت إلى عبد الله بن مصعب ومات وأنا عنده. وكان أمير المؤمنين الرشيد قد فتح العرق يوم مات عبد الله بن مصعب، فأرسل أبنه عبد الله المأمون فصلى عليه، وبلغ معه قبره فجلس عليه.
стр. 135
وجلس معه أبو البختري وهب بن وهب، وهو يومئذ قاضي القضاة، فنزلت في قبره، وصحت بأبي البختري: أنزل يا أبا البختري. فقال لي: لا أقدر أنزل. قلت له: أنزل كما أقول لك. فقال: لا أقدر والله أنزل. فقلت له: لمن تخبأ نفسك بعد أبي بكر؟ فقال: أني رجل بادن، أخاف الله إن نزلت في قبره أن أموت! قال: ثم قال أمير المؤمنين الرشيد للفضل بن الربيع: يا فضل، إن عبد الله أبن مصعب كان مثوى للوفود، يفدون إليه وينزلون عليه، فيصلهم فيكلمنا فيهم، فأخافأن يكون عنده منهم من عجل عليه الموت قبل أن يكلمنا فيهم، فأعرفهم وأحصهم لي. فأحصانا الفضل وأخبره بنا، فكنت فيهم أنا، وعبد الله ابن محمد بن المغيرة الزهري، ومحمد بن عبد الله الأكبر بن نافع بن ثابت. فأمر لي أمير المؤمنين الرشيد بخمسمئة دينار، وأمر لعبد الله بن محمد بن المغيرة الزهري بخمسمئة دينار، وأمر لمحمد بن عبد الله الأكبر بن نافع بن ثابت بثلاثمئة دينار. وكتب إلى أبنه أبي بكر بن عبد الله بن مصعب، وهو عامله على المدينة، يعزيه به، ويذكر شركته إياه في مصيبته.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عثمان بن عبد الرحمن قال: لما كان اليوم الذي أظهر فيه أبو بكر بن عبد الله وفاة أبيه عبد الله بن مصعب، دخل الناس عليه ليعزوه عنه. قال: فسبقني حسين بن زيد بن علي بن حسين بن علي ابن أبي طالب بكلام كثير جزل من تخطبه، فاتني ولم أحضره، وألفيته ولم ينصرف. فلما راد الوثوب للقيام، أقبل عليه فقال: أيها الأمير، لم يفقد ممن
стр. 136
خلف مثلك في صلتك الرحم، ورعايتك الحرم، إلا جاهه وشخصه، فأحسن الله عقباك، ورحم أباك.
حدثنا الزبير قال، وحدثني سعد بن بعد الله بن سعد بن ثابت أبن عبد الله بن الزبير قال: لما أظهر أبو بكر بن عبد الله بن مصعب نعى أبيه عبد الله بن مصعب، جاءه حسين بن زيد، وعمرو بن عبد الرحمن بن سهل، وهو إذ ذاك قاض، فأجلسهما كنفتيه، فكانا يعيشان تعزية من عزاه، ودعاء من دعا، بكلام جزل فخم بليغ، حتى قاما في أخريات الناس. فلما ناء عمرو أبن عبد الرحمن للقيام قال: النهار قصير، والكلام كثير، ولم يهلك من ترك مثلك أيها الأمير.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن حسن المخزومي قال: سمعت إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، يوم أظهر أبو بكر ابن عبد الله بن مصعب نعى أبيه عبد الله بن مصعب، وهو يقول له يعزيه: أيها الأمير، إن لكل شيء بصائر، والجهالة عمياء، وقد رفع الله قدرك عن أن يجهل أحد أمرك، وليس للمختصر المبلغ، ولا المعن المكثر المسقع، أن يتناول
стр. 137
واحد منهما حالك، ولا ينتهي إلى كل مالك، فقد عظمت عندنا بأبيك الرزية، وكثرت بك بعده لنا البقية، فأحسن الله مثوبتك، وجبر مصيبتك، وأمتنع بك رعيتك، وبعد هذا فأنا الذي أقول:
إذا ذكرتْ مُصِيبتَها قريشٌ ... بعبد الله أخضَلتِ الدُّمَوعَا
عليه، إنهّ حَدَثٌ جليلٌ ... فأظهرت التفجُّعَ والخضوعَا
فإن ذَكرت أبا بكْرٍ تراخَتْ ... بها الآمال وارتاحتْ جميعاَ
خليفة والدٍ أوْمَتْ إليه ... بنو فِهْر وكان لها قريعاَ
وقال مصعب بن عبد الله، يرثى أباه عبد الله بن مصعب، وعمه محمد ابن مصعب:
ألا قدْ أرى أن لاَ بقاءَ على الدَّهرِ ... وأن المناياَ يّطلِعْنَ مع الفَجْرِ
وأن غَداً غادٍ عليكَ بحادثٍ ... وبعد غدٍ حتى تُساَق إلى القبرِ
أبعدَ أبي بكْرٍ إذا ما ذكرتُهُ ... دعتْهُ المنايا فاشتَعَبْنَ فتى الدهرِ
وبعد أخيه الخيرِ يَتْبَعُ إثْرَهُ ... أرجِّى ثَراءٍ أو أزالُ على وَحْرِ
مضى سَلَفُ الأيام في كل حادثٍ ... ولم أرَ يوماً مثلَ يوم أبي بكْرِ
أقلَّ عزاءً لامرئ ذي جَلادةٍ ... وأثلَجَ للمُسْتوغِرِ الحَسِكِ الصَّدْرِ
فلا يَهْنِئ الأعداء أن أخطَأَتْهُمُ ... صروف اللَّيالِي واختلاف يَدِ العَصْرِ
فقد حَسِبوا أن يجعلونا أكُولَةٌ ... بها لَطَفٌ بين الجآجئ والصَّدْرِ
стр. 138
فإن التي مَنَّيتُمُوها نفوسَكُمْ ... أبتْ الأعادي أن تَلين على القَسْرِ
ويأبَى لَها أن يُعْلفَ الضّيْمَ ربُّها ... غِضابُ الموالي يَدَّعُونَ إلى النَّصْرِ
متى أدعُ فيهم دعوةً آل ثابتٍ ... ترى المُعْصَباتِ الشُّوسَ تفرغُ بالسُّمْرِ
كأنّ الأسُودَ الزُّرْقَ ركّبْنَ فوقها ... بإرماحِهمِ بين الحَمَاحِمِ والزَّجْرِ
وقال محمد بن عبد الملك الأسدي، ثم الفقعسي، يرثي عبد الله ابن مصعب:
ذكرتُ أبا بكرٍ على حين أشرفتْ ... عليّ العَوَادِي والعيونُ اللوامِحُ
فقلتُ ولم أملِكْ سوابقَ عَبْرةٍ ... لَهَا وَشَلٌ من ذارِفِ الدمع سَافحُ
سقَى جدَثاً بين الحُزَانَةِ والرُّبَى ... رُبَى رَقّة الشأم الذِّهابُ الروائحُ
فماذا حَوَى من سُودَدٍ ومروءةٍ ... ومن شرفٍ تُطْوَى عليه الصفائحُ
وزيرُ الملوك وابنُهُمْ وأخوهُمُ ... وأكرم من ناحتْ عليه النَّوَائِحُ
كأنّ أبا بكرٍ أخا الجودِ لم تّزُرْ ... بِهِ حَرَم البيتِ العتاقُ الطلائِحُ
ولم يشهَدِ الأبطالَ في يوم غارةٍ ... يعومُ بِهِ طرْفٌ من الخيلِ سابِحُ
ولم يقرع البابَ الذي لا يرومُهُ ... وحاجبَهُ إلا القُروم الجحاجحُ
أألآنَ لمّا أسْنَدَ العِزُّ رُكْنَه ... إليكَ ومَاحتْكَ الدِّلاء الموائحُ
стр. 139
ذهبتَ وأخليتَ البلادَ وعُرِّيَتْ ... رِكابُ الوفودِ والأمورُ الفوادحُ
ألا قاتل اللهُ المَقَادير والمُنَى ... وطيراً جَرَى منها سَنيح وباَرحُ
وإكذابيً الأخبارَ حتى تتابعتْ ... ونادى بها داعٍ عَدُوٌّ وكاشِحُ
وقولي لنفسِي: إنما الطيرُ هاجسٌ ... فدعْهاَ ولا تَذْعَرْك منها السَّوانحُ
فلما تبينّتُ اليقينَ وباحَ لي ... ببعض الذَّي قد كنتُ حاذَرت بائحُ
تجلّدتُ للأعداء ثُمّتَ عَزّني ... على الصبْر حُزْنٌ أضمرتْه الجوانحُ
فظِلْتُ تَجَلاَّني من الوجَد غَشْيَةٌ ... ومايَحَ من عَيْنَيّ دمعٌ مُمَايحُ
عَلَى رَجُلٍ أمّا نوافلُ جٌودِه ... فتُجْدِى، وأمّا الوجْهُ منه فَوَاضِحُ
وقال ابن أقيصر السلمي، يرثي عبد الله بن مصعب:
لعمرُكَ لا آسَى على هُلْكِ هالكٍ ... من الناسِ بعد الهِبْرِزيِّ ابنِ مُصْعبِ
فتًى كان للدنيا وللدّين عِصْمةً ... وللجار والمولَى الفقِير المعصَّبِ
تقَضَّتْ بعبد اله عنَّا غَضَارةٌ ... مِنَ العَيْشِ ما فيها لنا وجهَ مطْلَبِ
стр. 140
وكانَ لنا رُكناً نَلُوذُ بظهرِهِ ... إذا نحنُ خفْنَا حَد نابٍ ومخلَبِ
كريمٌ نماهُ للمكارمِ والعُلَى ... أبٌ ماجدُ الأعراق مَحْضُ المركَّبِ
فلَهْفي على ما فاَتَ من حُسْنِ هَدْيتهِ ... ومذهبِهِ للخير في كُلّ مَذّهَبِ
ولَهْفِي على القبر الذي غال وجهَهُ ... ولَهْفِي عليه من كريمٍ مُغَيَّبِ
لقد غيَّبَتْ منه المقابرُ سيِّداً ... همُاماً جوادَ الكفّ غيرَ مُؤَنَّبِ
عليه سلام الله ما ذَرّ شارقٌ ... لِميقَاتِهِ أو حانَ وقْتٌ لمْغرِبِ
ولا زالَ مُنْهَلٌّ يُساقُ لقبرهِ ... حثيثُ العَزَالِي ذو رَبَابٍ وهَيْدَبِ
وقال عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني، يرثي عبد الله ومحمداً أبني مصعب بن ثابت:
قُلْ للأمير جزاهُ الله عارفَةً ... وأهِل وُدّي جميعاً من بني أسَدِ
إنِّي نذرتُ إنِ الرحمنُ سَلَّمَنِي ... حتى أقومَ صحيحاً غير ذِي أوَدِ
مَشْياً بحقِّكُمُ حتَّى أؤَدّيهُ ... هل يُبْرِدَنْ ذلك من حَرٍ على كبدِي
أو يُنْشِرَنْ ذاك عبدَ الله لي أبداً ... أو يُنْشِرَنْ لي أخاهُ آخِرَ الأبَدِِ
стр. 141
إن يشمَتِ اليومَ حُسّادي بمَوْتهما ... فقد يموتون قبل اليوم من حَسَدِي
وقد أرانا وعبد الله يَحْمِلُنا ... كحامِلِ الغَيْث بين الغَوْر والنُّجُدِ
فإن جَزِعتُ فمثلُ الشرِّ أجزعَنِي ... وإن صبرتُ فأدنَى لي إلى الرَّشدِ
وإن شكرتُ فقد أبقى الإلهُ لَنَا ... خلائِقاً من بنيه ثُبَّتَ العَمَدِ
إن يُعقِب الله يوماً من مصيبتهِ ... فبالأمر، وإلاّ لجَّ بي كَمدِي
وقال حماش بن الأبرش الكلابي، يرثي عبد الله بن مصعب:
لقد كفّنُوا عند الخليفة منهُمُ ... فتًى كان لا يرضَى بضْيمٍ سَمَيْدَعَا
فتًى يرهبُ الأعداء جانبه الذي ... يكون به صعْباً على القومِ أرْوَعَا
ولو جُمِع الأقوامُ إذْ أنتَ وسْطنَا ... لَما عَدَلُوا في موطنٍ بك إصبَعَا
فلا يحسَبِ الأعداء أن قَناتَهُمْ ... تلينُ وإن عضَّ الزمانُ فأوجَعَا
لقد بقيتْ منْهُمْ قناةٌ صَليَبةٌ ... ستَسْقِى عُدَاها السمَّ حتى تُضَلِّعَا
إذا مَا زُبَيْريٌّ مَضَى لسَبِيِلِهِ ... رَجَوْنَا زُبَيْريًّا وإن كان مُرْضَعَا
стр. 142
وقال أبو المشمعل، ويعرف بأبي المضاء كثير، مولى عبد الله ابن مصعب الزبيري، يرثيه:
بكيتُ أبا بكْرٍ وقد حِيلَ دُونَهُ ... وحُقَّ لأِن أبْكِي عليه وأجزَعَا
مضَى لا تُرَبِّى حُرةٌ فِي ثيابِهَا ... لَهُ شبَهاً ما عفَّتِ الريحُ أجرَعَا
وما طردَ الليلُ النَّهارَ وساقَهُ ... وما طَار قُمْريُّ الضُّحَى وتفجَّعَا
وما أستلَم البيتَ الحجيجُ وزارَهُ ... وما أذْمَلُوا العيسَ الحَراجيجَ خُضَّعَا
وما رحَلوها من بعيدٍ لِحَجَّةٍ ... وما تَهَمُوها سالماتٍ وظُلَّعَا
وسادَ معَدًّا ناشِئاً في شبابهِ ... وسَرَّ الذي ربَّى صغيراً وأرضَعَا
стр. 143
وسادَ مَعَدًّا كلَّها في شبابهِ ... وزادَ عليها كُلهَّا إذْ ترعرَعَا
فأنَّى كعبد الله يُرْجَى لكُرْبَةٍ ... وأنَّى كعبد الله للضَّيْم مَدْفَعَا
يُنِيلُكَ ما لا يُدْركُ الناسُ بَذْلَهُ ... هَنيئاً وللعاتِي العُتَاهِيّ مِرْدَعَا
وأرزنُ عند الجهل من رُكْنِ حَالكٍ ... تَظَلُّ وتُمْسِي حَوْله الطيرُ وُقَّعَا
وأقطَعُ عند الحقّ من حَدَّ صارمٍ ... حُسَامٍ، وأحيَي من فتاةٍ وأودَعَا
وأجرأ عند البأسِ من سِيدِ غابَةٍ ... وأمضَى حِضَارَ الموتِ منه وأسرَعَا
فلمَّا انقضتْ سبعونَ كانتْ نُهًى لَهُ ... وزاد على السبعين أن كان أربَعَا
стр. 144
دَعَاهُ مليكٌ لا يُعَاصَي وقَدْرُه ... فوافَى وَفاءً بالجزيرةِ مَضْجَعَا
فيا لحُتوفِ الدِّهر إذ ما أصبْنَهُ ... ويا لكَ مصروعاً ويا لك مَصْرعَا
ويا كبداً كادت من الوجْدِ لَوْعةً ... على أبن الحوَارِي بَغْتةً أن تصدَّعَا
ويا كبداً إن ضنَّ مولًى برِفْدِه ... عليكَ، وسِيمَ الرَّغْمَ جهلاً فأسرَعَا
لعمري لقد هَدَّ المدينَةَ هُلْكُهُ ... ومكةَ والمِصْرين والشَّأْمَ أجْمَعَا
لعمري لقد عَضَّ الزمانُ وريْبُهُ ... قريشاً بنابٍ جَارحٍ ثم أوْجعَا
بِهُلْكِ ابن أسماءَ النجيبِ الذي بهِ ... تلوذُ، فأمْسَى أمْرُها قد تضعْضَعَا
فمن لليتاَمَى والأرَاِمِل بعدَه ... بطَيْبةَ والمولَى إذا كان مُقْطَعَا
حَوَى الدهُر عَنْهم نَفْعَهُ ونَوالَه ... جميعاً، فكُلٌّ نَفعُهُ قد ترفَّعَا
وأبو بكر بن عبد الله بن مصعب بن ثابت، أمه: أم عبد الله عبيدة بنت طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وأم طلحة
стр. 145
ابن عبد الله: عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وأمها: أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وهي التي قال أبو بكر الصديق لعائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين: " ذو بطن بنت خارجة " أمها: مليكة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير، من بلحارث بن الخزرج خارجة بن زيد، عقبى بدري، استشهد بأُحد.
وحمل الحديث عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وعن أبنتها عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، عن عائشة أم المؤمنين. وحمل الحديث عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
وقال أبو بصير البكائي، يمدح طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق.
إنّ فَتَى تَيْمِ بن مُرّةَ لَلّذِي ... لِعائشة الصُّغْرى ولأبن أبي بكر
عائشة الصغرى: عائشة بنت طلحة، وعائشة الكبرى أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق.
следующие страницы →