← Ансаб

Ансаб · id 26525

جمهرة نسب قريش وأخبارها

الزبير بن بكار

Полный текст (499 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أهل المدينة على عبد الملك بن يحيى، وسألوه أن يخرج، فخرج في ذلك ورفع حوتئجهم، وأقام بالعراق يطالبها. وكان رجلاً موسراً، وباع من أبي عبيد الله عيناً له يقال لها ملح بساية بعشرة آلاف دينار. ثم جاءه كتاب أنه ولد له غلام، ولم يكن له ابن قبل ذلك، فاستقال أبا عبيد الله، فأقاله، وانصرف إلى المدينة. وأمه أم ولد. وكان ربما قال من الشعر الأبيات. حدثنا الزبير قال، أخبرني موسى بن أبي مروان أنه أنشده لنفسه: ولقد قُلْتُ لبكّارٍ وعثمانَ ويَعْلَى إنَّماَ مَرْيَمُ همّي جُعِلَتْ للقلب شُغْلاَ أوْثِقُوا غُلِّى هُدِيتُهْم وأجعلُوا لِلغُلِّ قُفْلاَ لا أرِيمُ الدَّارَ أني طالبٌ في الدارِ ذَحْلاَ وقال في عينه التي يدعي خيفها منكوب، واسم عينها عين الرضا، وكان يقال لخيفها محبوب:

стр. 72

وجَدنا بحمْدِ اللهِ مَاءً ومَزْرَعاً ... وعَيْناً رَوَاءً بالمسَاحِي تفَجَّرُ فعيْنُ الرّضا عمّا قليلٍ غزيرةٌ ... وساكنُ محبوبٍ يُحَيَّي ويُنْشَرُ حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن داود بن عيسى قال، حدثني أبي قال: تزوجت بأسماء بنت بكر بن عبد الله بن صالح بن عبد الله بن الزبير، فكانت أكرم حرة وأجزله. ثم توفيت عندي، فوجدت عليها وجداً شديداً. وتوحشت. فأرسل أبي موسى من يرتاد له ولأخي موسى ولي ولغيري من ولده، نسوة من قريش بالمدينة، يتزوج فيهن ويزوجنا. فجاءه علم ذلك، فقال لي: يا بني، قد وجدت لك بنت عمتها، وشريكتها في نسبها، أم حسن بنت عبد الملك بن يحيى. وأراد أمير المؤمنين المهدي مكة ومرور المدينة، فقال لأبي موسى: هل لك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أرسلت مولاة لي، فنظرت لي ولعدة من ولدي نسوة من قريش نتزوجهن، فأحب أن تولى أنت تزويجنا. قال له: لست أرضى بنظر مولاتك حتى أرسل أنا مولاة من عندي تنظر لكم. قال: فقدم المهدي المدينة، فأرسل إلى ولاتهن فحضروا، فخطب خطبة زوج فيها أبا موسى، ثم خطب خطبة زوجنا جميعاً فيها. فلما

стр. 73

فرغ قال لهم الربيع: قوموا فقبلوا يد أمير المؤمنين واشكروه، ففعلوا جميعاً إلا عبد الملك بن يحيى، قال للربيع: وأي موضع شكر هذا؟ وقام فخرج. فقال أمير المؤمنين المهدي للربيع: ما قلت له وقال لك؟ فأخبره، قال له: صدق، وأي موضع شكر هذا! وقال محمد بن عبد الملك الأسدي، يمدح عبد الملك بن يحيى: أمدَحْ كريمَ بني العوامِ إن لَهُ ... مناقباً لم يَنلْهَا قبلَهُ بَشَرُ حاشَى النبيِّ وقَومٍ قد مَضَوْا مَعَهُ ... هُمُ الذين إليه دارَهُم هَجَرُوا أعنِي ابنَ يحيى بن عبّادٍ فإنّ لهُ ... سوابقَ المجْدِ قد قرّتْ بها مُضَرُ عبدَ المليك الذي عمَّتْ صَنائعهُ ... كما يَعُمُّ البلادَ المَحْلَةَ المَطُر قد أحكمْتُه النُّهَي في حُسْنِ تجرِبةٍ ... فهو البصيرُ بما يأتي وما يَذَرَ أني وجدتُ بني يحيى إذا جُهِرُوا ... هُمُ البحورُ بُحُورُ المجْدِ والغُرَرُ وقال أيضاً يمدحه:

стр. 74

إنّ الكِرَامَ جَرَوْا حتى إذا احتفَلُوا ... وجَاشَ كُلُّ كريم الجرْيِ سَبَّاقِ وأبصَرَ الناسُ من يَفْرِي ذَوِي مَهَلٍ ... ضافٍ وعّزٍ وأحْلاَمٍ وأعراقِ لاحَ ابن يحيىَ أمَام السابقين كَمَا ... لاحَ الصَّباحُ بفَجْرٍ قبلَ إشراقِ عبد المليك الذي فاضت صنائعُهُ ... على القبائل من عُرْفٍ وإطلاقِ وتوفي عبد الملك بن يحيى وهو ابن ثلاث وستين سنة. هؤلاء ولد عباد بن عبد الله بن الزبير. وأما ثابت بن عبد الله بن الزبير، فكان لسان آل الزبير جلداً وفصاحة وبياناً. حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: لم يزل بنو عبد الله بن الزبير، خبيب وحمزة وعباد وثابت، عند جدهم منظور بن زبان بالبادية، يرعون عليه الإبل كما يفعل عبيدة، حتى تحرك ثابت فقال لإخوته:

стр. 75

انطلقوا بنا نلحق بأبينا. فركبوا بعض الإبل حتى قدموا على أبيهم، واتبعهم منظور فقدم على آثارهم، فقال لعبد الله بن الزبير: أردد على أعبدي هؤلاء. فقال: إنهم قد كبروا واحتاجوا إلى أن نعلمهم القرآن، ولا سبيل إليهم. قال: أما إن الذي صنع بهم الصنيع أبنك هذا، ومازلت أخافها منذ كبرز يعني ثابتاً. حدثنا الزبير قال، قال عمي مصعب عبد الله: فزعموا أن ثابتاً جمع القرآن أولهم، جمعه في ثمانية أشهر. وزوجة عبد الله بن الزبير قبلهم بنت ابن أبي عتيق، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فولدت له جاريتين، يقال لإحداهما حكمة. وكان يكنى أبا حكمة. وكان زمعة يكنى أبا حكيمة. وزوجها عيسى بن مصعب المقتول مع أبيه، وماتت عنده. ثم خطب الأخرى، فأبى عبد الله أن يزوجه إياها، فماتت ولم تزوج. وكان ثابت يشهد القتال مع أبيه ويبارز بين يديه، فعل ذلك غير مرة.

стр. 76

وكان حمزة بن عبد الله بن الزبير قد قال لبني عبد الله: لا تطلبوا أموالكم من عبد الملك - حين قبضها - وأنا أنفق عليكم. فأبى ثابت بن عبد الله، وقدم على عبد الملك بن مروان، فدخل عليه، فأكرمه، ورد على ولد عبد الله بعض أموالهم بكلامه، وأنصرف بها ثابت معه. حدثنا الزبير قال، وحدثني سعيد بن عمرو بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير قال: أخبرني شيخ من أهل أيلة، عن أبيه قال: بينا أنا في حمام بأيلة، إذ دخل على فتى صبيح علمت أنه من العرب حين رأيته، فسألته من هو؟ فقال: ثابت بن عبد الله بن الزبير، ثم قال: لمّا رأيتُ أنَّها إحْدَى الإحَدْ وبَرَق الموتُ لناَ ثم رَعَدْ أمَّمتُ هذا الخليفةَ الأسَدْ حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد الله، ومصعب ابن عثمان، عن جدي عبد الله بن مصعب، يختلفان في بعضه، وقد كان عمي حدثني بعض ذلك، وكتبته في كتاب النسب الثامن، قال: كان عبد الملك

стр. 77

أبن مروان قد كتب إلى هشام بن إسماعيل يأمره أن يقيم آل علي عند المنبر يشتمون علي بن أبي طالب، ويقيم آل الزبير عند منبر يشتمون الزبير وعبد الله بن الزبير. فقال آل علي وآل الزبير: والله لا نفعل حتى نموت! وتكفنوا وتحنطوا. فركبت إلى هشام أخته فقالت له: يا أحول مشئوماً، أما تخاف أن تكون الأحوال الذي على يديه هلاك قريش؟ تأمر القوم أن يسبوا آبائهم! أتراهم يفعلون حتى يموتوا؟! فقال لها: فما أصنع؟ كتب إلى أمير المؤمنين بذلك، ولا يحتمل لي أن أراجعه. فقالت: فأمر دون ذلك يرضيه، ويكون أيسر عليهم. قال: وما هو؟ قالت: تأمر آل علي يسبون الزبير وابن الزبير، وتأمر آل الزبير يسبون علياً. قال: فذاك. فأمرهم بذلك. فمشى القوم بعضهم إلى بعض، آل علي إلى آل الزبير، وآل الزبير إلى آل علي فقالوا: إن هؤلاء يقيموننا غذاً، فيسب بعضناً بعضاً فيشتفون بذلك، فالله والرحم. فقال آل الزبير لآل علي: أنتم تقامون قبلنا، فما قلتم فلنا مثله. فكان أول من أقيم حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وأمه: خولة بنت منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري، أخت تماضر بنت منظور، أم بني عبد الله الأكابر، لأمها وأبيها فقام في المرمر، وهشام بن إسماعيل

стр. 78

المخزومي على المنبر وآل لعبد الملك بن مروان، فقال: سب آل الزبير، فأبى، فاقبل هشام على حرسي إلى جنبه فقال له: أضربه وعلى حسن قميص كتان، وكان حسن رجلاً رقيقاً فضربه الحرسي ضربة بالسوط أسرعت في جلده حتى سال دمه تحت قدمه في المرمر، فقال حسن: إن لآل الزبير رحماً أبلها ببلالها وأربها بربابها، (ياَ قَوْمِ مَاليِ أدْعُوكُمْ إلَى النَّجَاةِ وتَدْعُونَني إلَى النَّارِ) ؟. فلما رأى أبو هاشم عبد لله بن محمد بن علي امتناع الحسن وما لقي، قام فقال: أصلح الله الأمير، عندي ما تريد. فقال: هلم لك. وقال للحسن: أجلس. فقام أبو هاشم فسب آل الزبير، وقال عبد الله بن عروة وحمزة بن عبد الله فسبا آل علي. قال عبد الله بن نافع بن ثابت: وحمزة حين قام في ثوبين، قد أضطبع بردائه كما يصنع من رمل حول البيت، يضطبع.

стр. 79

قال عمي في حديثه عن جدي عبد الله بن مصعب: وكان ثابت بان عبد الله غائباً عن الخطب، فلما قدم جاء إلى هشام بن إسماعيل المخزومي، فقال: إني كنت غائباً، ومثلي لا يغيب عن مثل هذا المشهد. فقال هشام: ذاك موطن قد تفادى منه الناس، فما تصنع به؟ قال آخذ بحظي من ذلك. فجمع له الناس، ثم قام فأستقبل الناس فقال: (لَعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وكَانُوا يَعْتَدُونَ) ، بم أيها الناس لعنوا؟: (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، لعن الله من لعنة كتاب الله، ولعن الله من لعنته قوارع القرآن، لعن الله المتمني ما ليس له، هو أقصر باعاً وأوهن ذراعاً، لعن الله ابن شر العضاه، أقصرها فرعاً، وأقلها مرعى، لعنه الله ولعن الذي أخذ حباءه، لعن الله الأثعل الأحول المترادف الأسنان، الرامي أمير المؤمنين عثمان برؤوس الأقانيز، ثم قال: " إن الله رماك "، وكذب، لو رماه الله ما أخطأه، المتوثب في الفتن توثب الحمار في القيد، لعنه الله ولعن التي كانت

стр. 80

تحبه، لعن الله العفلاء الوطباء التي بيعت بسوق ذي المجاز بغير عهدة، لعنها الله ولعن تقرد قفاها. حدثني هذه الخطبة عمي مصعب بن عبد الله، ومصعب بن عثمان، عن جدي عبد الله بن مصعب، يختلفان في أقل ذلك، وأسمياَ لي من شتم ثابت في خطبه، فكنيت عنهم. قال عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب: فأقبل عليه هشام بن إسماعيل فقال: ما أراك تسب منذ اليوم إلا رهط أمير المؤمنين! وأمر به إلى السجن، فأخذه الأعوان يسحبونه، يقع مرة ويقوم أخرى، حتى يمر برجل قاعد قد كان أقيم مع من أقيم هو ورجلان معه ليسوا من آل علي ولا من آل الزبير، فقال: أبعدك الله! فقال ثابت: أما والله عذراً إليك، ما منعني أن أذكر خالك نسيان، ولكن كنت في مقام ذكر فيه الأشراف، ولم يكن منهم، فكرهت أن أخلطه بهم.

стр. 81

وانطلقوا به إلى السجن، فلقيه آخر من الثلاثة الذين أقيموا سوى آل علي وآل الزبير، فقال له ثابت: أنت الشاتم عبد الله بن الزبير! والله ما يحمد منك إلا ما يحمد من الحمار، ضرسه وحافره. ولقيه طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، وهو أحد الثلاثة، وقد كان قد تناول سبًّا، فقال له: يا طلحة، قد علمت مقامك: فولاَ أنَّ تَغْلِبَ خالُ أمّي ... وأنّكَ بعدُ منّي ذُو مكانِ ترامَيْنا بِمُرِّ القَوْلِ حتى ... يقالَُ كأنّنَا فرساَ رِهَانِ فلم يزل في السجن حتى كتب عبد الملك في إطلاقه، وأعجبه ما قال، وقال: ذكر أخابث خلق الله، وأمر بشتمهم. وكانوا قوماً خالفوا على عبد الملك بن مروان. حدثنا الزبير قال، وحدثني سعيد بن داود، عن مالك بن أنس قال: قال هشام بن إسماعيل حين أراد أن يقيمهم: نقيم فيهم عامر بن عبد الله ابن الزبير فقيل له: لا يفعل عامر. فقال: إن لم يفعل ضربت عنقه. فقيل له: إن ضربت عنق عامر لم تأمر أحداً إلا أطاعك. فترك عامراً. فكانوا يتكلمون وعامر رافع يديه يدعو، فكانوا يرون أنه يدعو عليهم. وكان من تناول ثابت بن عبد الله في هذا الحديث في خطبته،

стр. 82

ومن تناول حين ذهب به إلى السجن، فمعروفون، إلا أني كرهت تسميتهم، فكنيت عنهم. حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان ثابت بن عبد الله كأنه من رجال العرب. قال، وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر لن إبراهيم وغيره: أن سليمان بن عبد الملك، إذ كان خليفة، قال لثابت بن عبد الله: من أفصح الناس؟ قال: أنا. قال: ثم من؟ قال: أنا. قال: ثم من؟ قال: أنا. قال: ثم من؟ قال: أنت. فرضى بذلك منه سليمان بعد ثلاث. وكان سليمان فصيحاً. حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر قال: قال بعض أتباع محمد بن علي بن أبي طالب: زار محمد بن علي أبنة أخيه نفيسة بنت حسن بن علي، وهي عند عبد الله بن الزبير، فوجده عندها، فتحدثا ساعة. ثم خرج علي محمد بن علي وهو يقول: ما ظننت أن تلد النساء مثلك يا ابن الزبير! ثم تمثل: إذا الله أبقَى سيّداً لعشيرةٍ ... فدَبَّرْتَها حتى تكون المؤخَّرَا

стр. 83

ولم يلبث أن خرج عبد الله بن الزبير وهو يقول: لله درك يا ابن الحنفية، فما رأيت كاليوم رجلاً! ثم تمثل البيت الذي تمثله محمد بن علي. قال: وخرج ابن الزبير متكئاً على يد غلام له أسمر مقرون الحاجبين، مترادف الأسنان، وقاداً، فوقفا على نجائب في الدار، فجعل ابن الزبير يسأله، فما رأيت رجلاً أجلد مسألة، ولا فتى أظرف جواباً، منهما. فقلت لمحمد: من الفتى؟ قال: ثابت بن عبد الله بن الزبير. حدثنا الزبير قال، وحدثني عمامة بن عمرو السهمي، عن مسور ابن عبد الملك قال: كنا نأتي مسجد رسول الله ﷺ ما ينزعنا إليه إلا استماع كلام ثابت بن عبد الله بن الزبير، والعجب بألفاظه. حدثنا الزبير قال، وأخبر عمي مصعب بن عبد الله قال: مات ثابت بن عبد الله بن الزبير بسَرْغٍ من طريق الشام منصرفاً من عند سليمان ابن عبد الملك إلى المدينة. وكان سليمان له مكرماً، وولد عبد الله بن الزبير، ورد عليهم أشياء لم يكن ردها عبد الملك. وكان سليمان بن عبد الملك يشكر لعبد الله بن الزبير أن عبد الله

стр. 84

ابن الزبير أتى بسليمان من الطائف، وكان غلاماً يومئذ، فكساه وجهزه إلى أبيه بالشام، وأحسن إليه وإلى من معه، وعبد الملك يومئذ يحاربه. وأوصى ثابت بولده وهم صغار: نافع وهو أكبرهم، وخبيب، ومصعب، وسعد، وهم لأمهات أولاد شتى إلى أخيه عباد بن عبد الله. وتوفي وهو ابن سبع أو ثمان وسبعين سنة. قال، وأخبرني عبد الله بن نافع: أن ثابت بن عبد الله توفي بمعان من طريق الشام منصرفاً من عند سليمان. وموته بسَرْغٍ أثبت عندنا. حدثنا الزبير قال، وحدثني إبراهيم بن عثمان بن سعيد بن مهران قال: وفد إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله على هشام بن عبد الملك، فوافى بابه وقد قام هشام، فقام إليه الحاجب فقال: قد قام أصلحك الله. فقال: اللهم غلقت دونه الأبواب، وقام بعذره الحجاب! فبلغ ذلك هشاماً، فأذن له، فكلمه ووقفه على ما قال واغلظ له، وقال: يا لحان. فقال إبراهيم: أما والله ما أعدو في ذلك أن أحكيك. فقال له هشام: أما والله لئن قلت ذاك، ما وجدت لها طلاوة بعد أمير المؤمنين سليمان. فقال له إبراهيم: وأنا والله ما وجدت لها موضعاً بعد بني تماضر من بني عبد الله بن الزبير.

стр. 85

حدثني الزبير قال، وحدثني مصعب بن عبد الله قال: أنشدني أبي لأرطاة بن سهية المرى أبياتاً يمدح فيها ثابت بن عبد الله بن الزبير على الدال، فقلت لعمي: ما أعد أحداً يتقدمني يف معرفة شعر أرطاة بن سهية المرى، ولا أعرف هذه الأبيات له! ثم وجدت بعد ذلك في كتب إبراهيم بن موسى ابن صُدَيْقٍ، وكان من الفقهاء العباد الفصحاء الرواة للآثار والأخبار والشعر: قال أرطاة بن سهية المرى، يمدح ثابت بن عبد الله بن الزبير: رأيتُ مَخَاضِى أنكرتْ عَبِدَاتُها ... مَحَلَّ أولىِ الخَيْمات من بَطْن أرثَدَا إذا راعياَها أوْرَدَاها شريعةً ... أعَامَا على دِمْنِ الحياضِ وصَرَّدَا ولو جارُها ابنُ المازنَّية ثابتٌ ... لرَوَّحَ راعيها ونَدَّى وأوْرَدَا حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم

стр. 86

الجعفري قال، حدثني أبو مسعر المزني، عن هشام بن عروة: أن الوليد ابن عبد الملك عتب على أهل المدينة في شيء، ثم حج، فأحتاج أهل المدينة إلى من يعذرهم عنده، فكلوا في ذلك ثابت بن عبد الله بن الزبير، فكلمه مختطباً بعذرهم، فقال قولاً عجيباً، فقبل منهم الوليد وعفا عنهم، فقال مساحق ابن عبد الله بن مخرمة العامري: لسانُك خيرٌ كُلُّه من قبيلةٍ ... ومن كُلّ ما يأتي الفتى أنت فاعُلْه ورثتَ أبا بكْرٍ أباك بَيَانَهُ ... وسِيرَتُهُ في ثابتٍ وشَماَئِلُهْ فأنتَ أمرُؤٌ يُرْجَى لخير، وإنَّما ... لكلِّ امرئٍ ما أورثْتُه أوائِلُهْ ومن ولَدِ ثابت بن عبد الله نافع بن ثابت، كان من أعبد أهل زمانه. حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: صام من عمره خمسين سنة.

стр. 87

حدثنا الزبير قال، وحدثني يحيى بن مسكين قال: ما رأيت أحداً قط أطول صلاة من نافع بن ثابت. حدثنا الزبير قال: وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: كان البربر إذا قدموا المدينة للحج يكثرون عليه حتى يقيم في بيته. وكانت الخوارج تنتحله، ويزعمون انه موافق لرأيهم. قال: فأخبرني من لهُ علم به أنه كان يعظم المعاصي إعظاماً شديداً، ويفزع منها إذا ذكرت. وكان يقول من الشعر. أخبرني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: قال أبي نافع بن ثابت: أنا قاهِرُ الظَّالمِين الّذِي ... بِيَ الصَّعْب يُقْرَنُ حتَّى يليناَ لا أغبِطُ من كانَ لي ظالماً ... عذابِي أليمٌ على الظَّالميناَ عَذَابي أليمٌ لمنْ مَسَّهُ ... وصَفْحِى جميلٌ عن الجاهليناَ وأمرٍ عُنيت بهِ عُضْلَةٍ ... سَرَرْتُ بتفريجهِ الأقربيناَ وقومٍ جَدَعْتُ عَرَانينَهُمْ ... فجاءَ قَماَقِمُهُمْ يُهْرَعُوناَ

стр. 88

تَرَاهُمْ لَدَىَّ من الذُّلّ لي ... كمِثْل البائِم لا يَنطِقوناَ أجُودُ بمالي على سائلي ... وألْفَي بأسرَارِ هِنْدٍ ضَنِيناَ حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: بلغني أن ثابت بن عبد الله أشترى أم نافع بن ثابت من خبيب بن نجيح، أو من خبيب مولى ابن الزبير، بأربعين ألف درهم. حدثنا الزبير قال، وحدثتني عمتي أسماء بنت مصعب بن ثابت قالت: أشترى ثابت بن عبد الله أم نافع بن ثابت من خبيب بن نجيح بأربعين ألف درهم. قالت: وكانت بربرية. وتوفى نافع بن ثابت وهو ابن أربع وسبعين سنة. ومن وَلَدِ نافع عبد الله الأكبر بن نافع وأمه: فاختة بنت عامر بن حمزة ابن عبد الله بن الزبير.

стр. 89

وكان يلي أيتام آل الزبير بالكفاية والأمانة، وكان من أهل الفضل والدين وإصلاح المال. وخرج مرة على مسعاة بني كلاب فأحسن فيهم السيرة، ورجع ولم يصب شيئاً، وقد غرم من ماله خمسين ديناراً، فلم يعد يدخل للسلطان بعد ذلك في ولاية. حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن نافع الأصغر قال: كان أخي عبد الله بن نافع الأكبر متوكلاً لبعد الله بن مصعب بولده إذ كانوا صغاراً، وبماله. فكتب إليه عبد الله بن مصعب: أن أقبض من مالي عندك ألف دينار صلة لك، فأبى أن يأخذها، وكتب إليه: " إني والله ما توكلت لغرض دنيا، ولا توكلت لك إلا صلة لرحمك، وبرا بك، وكفاية لك ". وتوفى عبد الله بن نافع الأكبر، وأوصى إلى عبد الله بن مصعب ابن ثابت بولده وماله وأيتامه، وهو أبن أربع وسبعين سنة. وعبد الله بن نافع الأصغر، وكان يسميه " بقية "، ويحبه. قال عمي مصعب بن عبد الله: وكان يأتيه، فما بلغني، كثيراً وهو

стр. 90

في مصلاه، فيدعو له. فيرى أن بركة دعائه قد أدركته. فتوفى حين توفى وهو المنظور إليه من قريش بالمدينة في هدية وفقهه وعفافه. وكان قد سرد الدهر صياماً. وحمل عنه الحديث. حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: كان في آل الزبير رجل يشتم عبد الله بن مصعب بن ثابت لا يضعه من فيه. فكان عبد الله بن مصعب يدفع إلي في كل شهر دينارين، ويأمرني أن أعطيه إياهما ويقول: لا أحب أن يعلم أني وصلته. فلما مات عبد الله بن مصعب، أنقطع ذلك عنه مني، فاستبطأني، فأخبرته الخبر، فعاد يدعو له ويقرصني أنا، فقلت: شَتَمتَ أمرَءًا لم يَطْبَع الذمُّ عِرْضَهُ ... زماناً، ولا تدري بما كان يَفْعَل فلمّا تَيَقَّنْتَ الذي كان صانعاً ... عَدَوْتَ علىَّ اليومَ بالجَهْل تُخْطِل فما كان لي ذنْبٌ ولا لأِبن مُصْعَبٍ ... سِوَى أنّنَا جئنا التي هي أجْمَلُ وتوفي عبد الله بن نافع الأصغر في المحرم سنة ست عشرة ومئتين، وهو ابن سبعين سنة.

стр. 91

وخبيب بن ثابت، وكان شديد العارضة، منيع الحوزة، جدلاً. حدثنا الزبير قال، حدثني عبد الله بن محمد بن المنذر قال: قال ريحان الخضري في زوجة له: أعيِّرُها لتغضَبَ هُلْكَ فِيها ... وقد سقطتْ رَبَاعِيَتي ونابِي وأبصَرُ بالخصومَةِ من خُبَيبٍ ... وأجرأ من عُمَير بن الحُبَاب وأمسَتْ قُلِّدَتْ خَرَزاً وكانتْ ... لعَمْرُ الله طَيِّبَةَ السِّخابِ حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن عبد الله بن عمرو البياضي، فلم يقره، وقراه خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فقال أبو معدان: أتيناَ ابنَ عمرٍو على باَبِهِ ... فخيَّم كالناَزح البارِقِ كفاك الزُّبَيْريُّ حَقَّ الطُّرُوقِ ... فَنْم، لا هَبَبْتَ عن الطارِقِ

стр. 92

وقال التيمي يذكر خبيباً وشدة عارضته، ويذكر أخويه مصعباً ونافعاً أبني ثابت: إن تَكُ غُمْرَ الرأي ذَا عُنْجُهِيَّةٍ ... تَبيَّنُ ما يأتي به اليومُ في غدِ فلعلَّك أن تلقَى خُبَيْبَ بن ثابتٍ ... فيخبرَكَ الأخبارَ من لم تُزَوّدِ تُلاقِي امرءًا لا يملأُ الهَوْلُ صدرَهُ ... إذا همَّ أمراً كان كالأخْذِ باليدِ له أخَوَا صِدْقٍ أبيَّانِ للخناَ ... طبيبانِ بالأمرِ الذي لمْ تُعَوّدِ إذا قال فيهم مصعبٌ قال نافعٌ ... فأبصَرَ غِبَّ الرأي مَنْ كان ذَا دَدِ حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن يوسف ابن عباس قال: كان خبيب بن ثابت شديداً أيداً. قال: كنت معه يوماً فسمعنا نذكر الشدة، فقال: وما هذا؟ تعال! ورفع رجله وقال لي: قم على ساقي. ففعلت، وإنه لمقيم رجله ما تقع الأرض. وكان يوسف بن عباس جسيماً.

стр. 93

ومن ولد خُبَيب بن ثابت الزبير، والمغيرة، وثابت، بنو خبيب أمهم: أم المغيرة بنت لوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وكان الزبير من وجوه قريش جمالاً وعبادة وفقهاً وعلماً. حدثنا الزبير قال، أخبرني عمي مصعب بن عبد الله: أن الزبير بن خبيب أقام في مسجد في ضيعته بالمُرَيْسِيع سنين، لا يخرج منه إلا لوضوء.

стр. 94

سماع هذا الجزء سمع جميع هذا الجزء على القاضي الأجل السيد العالم تاج الدين شرف الإسلام أبي الفتح محمد بن أحمد بن المندائي، بحق روايته، إجازة عن أبي بكر محمد ابن عبد الباقي قاضي البيمارستان، عن أبي جعفر محمد بن المسلمة، عن أبي طاهر محمد ابن عبد الرحمن المخلص، عن أبي عبد الله أحمد بن سليمان الطوسي، عن المؤلف، بقراءة الشيخ الأجل عماد الدين نجم الإسلام أبي أحمد بن محمود بن أحمد الفقيه، ولدي المسموع عليه أبو حامد محمد، ويحيى بن الحسين بن أبي معه "؟ " وأخوه يوسف، وأبو جعفر هرون بن العباس الرشيدي، وأبو نصر أحمد بن الحسن ابن محمد سبط الفارقي، وأبو عبد الله الحسين أخو القارئ للجزء، والشيخ عبد القادر بن داود المقرئ البقار "؟ "، وعلى بن أبي الفتح بن سهيل الطيبي، والحسين ابن أبي منصور السند القزاز، ومقبل بن عبد الله الحر، وعبد الكريم بن راري المترس الضرير، ومثبت الأسماء أبو شجاع مقابل بن أحمد بن علي العنبري المعروف بأبن دواس القنا.

стр. 95

ثبت سماع وسمع من أول الجزء إلى " ولد حمزة بن عبد الله "، أبو الفرج عبد الله محمد بن مخلد، وأبو المكارم أحمد بن الحسن بن عسكر، وناوله الباقي مناولة لأبي المكارم خاصة. وسمع من " ولد حمزة بن عبد الله " إلى آخر الجزء، أبو المعالي ابن أبي الفتح وذلك في مجلسين آخرهما يوم السبت رابع شهر رمضان من سنة ثلاث وثمانين وخمسة، وصح وثبت وسمع السماع من أول الكتاب إلى ههنا، وكمل له ذلك. الجزء الرابع عشر بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، سمعت أبي يقول: قال لي أمير المؤمنين هارون الرشيد: دلني على رجل من أهل المدينة من قريش له فضل منقطع. قال قلت له: عمارة بن حمزة بن عبيد الله بن عبد الله ابن عمر بن الخطاب. قال: فأين أنت عن ابن عمك الزبير بن خبيب؟ قال قلت له: إنما سألني عن الناس، ولو سألتني عن أسطوان من أساطين المسجد قلت لك: الزبير بن خبيب! وكان الزبير وفد على أمير المؤمنين المهدي، ومعه أخوه المغيرة ابن خبيب صاحباً له ومتوصلاً به، فأمر أمير المؤمنين المهدي للزبير بن خبيب بسبعمئة دينار، فأنصرف إلى المدينة، وأبي المغيرة أن ينصرف، فأعطاه مئة دينار وأقام المغيرة، وتسببت له صحبة العباس بن محمد. ثم طلبه أمير المؤمنين المهدي من العباس بن محمد، فصار إليه، وكانت له به خاصة. ثم وفد الزبير بن خبيب على أمير المؤمنين هارون الرشيد حين ولي الخلافة، فأعطاه أربعة آلاف دينار. حدثنا الزبير قال، وحدثني أبو غزية قال: جرى صلح بين

стр. 96

عبد الله بن عمرو بن أبي صبح، وبين حاتم بن مدرك السلمي، فقال حاتم: دَعَاني أبو عمرٍو إلى الله دعوةً ... أصابَ بها ما في فؤادي ولا يَدْرِي إلى حَلَقٍ من خير مَنْ وَطِئ الحَصاَ ... وفي روضةٍ بينَ الأساطين والقبْرِ فتُبْنَا وأشهدناَ الزُّبَيْرَ وإن نَعُدْ ... بنَقْضٍ فما منه تَوْبَةٍ آخرَ الدَّهرِ قال أبو غزية: يريد الزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. وأبنه ثابت بن الزبير بن خبيب، وكان يتبدى بالرائع، فزاره فُلَيْح بن إسماعيل بن جعفر بن أبي كبير، فقال فُلَيْح:

стр. 97

عنَّيْتنا يا ثابتَ بن الزُّبيْر ... جَشَّمْتَنا جَوْبَ حِرَارٍ وعُورْ سَقْيًا لجَدَّيك وجَدَّيهْماَ ... ومن له جَدٌ كمِثْلِ الزَّبيْرْ وحمل الحديث عن الزبير بن خبيب. وتوفي الزبير بن خبيب بوادي القرى في ضيعة له، وهو أبن أربع وسبعين سنة. وأما المغيرة بن خبيب، فكان لطيفاً بأمير المؤمنين المهدي، ولاه عطاء أهل المدينة، وكان يوليه القسوم، وأعطاه ألف فريضة يضعها حيث شاء، ففرضه مشهور بالمدينة.

стр. 98

حدثنا الزبير قال، وحدثني يونس بن عبد لله بن سالم الخياط، قال: لما أعطى أمير المؤمنين المهدي المغيرة بن خبيب ألف فريضة يضعها حيث شاء، جاءه أبي عبد الله بن سالم فقال له: ألفٌ تَدُورُ عَلَى يَدٍ لمُمَدَّحِ ... ما سُوقُ مادحِهِ لَدَيْه بكاسِدِ الظنُّ منِّي لو فرضتَ لواحدٍ ... في الأعْجمِينَ خَصَصْتَنيِ بالواحِدِ قال: فقال له المغيرة: أيهما أحب إليك، أفرض لك أو لأبنك يونس؟ قال: أنا شيخ كبير هامة اليوم أو غد، أفرض لأبني يونس. قال: ففرض لي في خمسين ديناراً. قال: فلما خرجت الأعطية الثلاثة على يدي أبي بكر بن عبد الله الزبير في ولاية أمير المؤمنين الرشيد، قال لي خليفة هرثمة وخليفة أيوب ابن أبي سمير، وهما يعرضان أهل ديوان العطاء: أنت من هذيل، ونراك قد كتبت مع آل الزبير، فنردك إلى فرائض هذيل، خمسة عشر ديناراً. فقال لهما أبو بكر ابن عبد الله الزبيري: إنما جعلتما لتتبعا ولا تبتدعا، أمضياه وأعطياه. فأعطياني مئة دينار وخمسين ديناراً.

стр. 99

حدثنا الزبير قال، وحدثني يحيى بن محمد قال: قسم أمير المؤمنين المهدي قسماً على يد المغيرة بن خبيب سنة أربع وستين ومئة، فأصاب مشيخة بني هاشم، أكثرهم خمسة وستون ديناراً، وأقلهم خمسة وأربعون ديناراً، ومشيخة القرشيين، أكثرهم خمسة وأربعون ديناراً، وأقل القرشيين سبعة وعشرون ديناراً، ومشيخة الأنصار، أكثرهم سبعة وعشرون ديناراً، وأقل الأنصار سبعة عشر ديناراً، والعرب أكثر من الموالى، ولا أدري كم أعطوا، ومشيخة الموالى خمسة عشر ديناراً، وأقل الموالى على الشبر: السداسي ستة دنانير، والخماسي خمسة دنانير، والرباعي اقلهم، أربعة دنانير. وكان عدد الناس الذين اكتتبوا ثمانين ألف إنسان. قال: وقال المغيرة بن خبيب: ربما رأيت الإنسان الهيئ قد قصر به نقيبه وكتبه في غير نظرائه، فأعطيه من مالي، حتى غرمت مالاً. حدثنا الزبير قال، حدثني يونس بن عبد الله بن سالم الخياط قال: لما خرج هذا القسم جاء أبي عبد الله بن سالم إلى مغيرة بن خبيب فقال له: يا ابنَ خُبَيْبٍ أخِّروا قَسْمَكُم ... وراجعُوا فِيهِ ولا تُوهَمُوا أحِبُّ أنْ تُؤْتَى بِه أرْضُنَا ... فيُوضَعَ المالُ ولا يُقْسَمُ داينْتُ فيه الناسَ طُرًّا مَعاً ... أطْرُقُهُمْ ليلاً إذَا نَوَّموا رَهَنْتُه هَذا وهَذا وَذَا ... وكُلُّهُم بالرَّهْنِ لا يعْلَمُ

стр. 100

وكُلُّهُم يَرْهُنُه مُعْصِمٌ ... يَرجُو السَّلاَماتِ ولَنْ يَسْلَمُوا مُغِيرَ لو تَسْمَع ياذا النَّدَى ... لَجَّتَهُمْ حَوْلِى إذَا خيَّموا وصَّيح الأضجمُ فيهم، فذا ... يصيحُ أو يلكُزُ أو يَلْطِمُ لقلتَ أهلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ قد ... عَجُّوا إلى الله وقد أحْرَمُوا قال: فلما قال: يرجوا السلامات ولن يسلموا قال المغيرة: فعل الله بك وفعل إن سلموا! يا فلان، اذهب إلى الذي يعطي القسم فقل له يعطيه قسمه. فأعطاه خمسة عشر ديناراً. حدثنا الزبير قال، وحدثني أن أباه قال يمدح المغيرة بن خبيب: يا بَنِي نَوْفَلٍ هنيئاً هَنَا كُمْ ... طِيبُ أعْراقكم وبِرُّ المغيرة ولقد خصَّكُمْ بنَفْعٍ ورَفْعٍ ... حين نال الغِنَى وعَمَّ العشيرةْ أصلَحَ الله بالمِغيرَة ما قَدْ ... كَدَّحَتْ منكُمُ السِّنُونُ العَسِيرَةْ

стр. 101

وأنشدني أيضاً لأبيه يمدح المغيرة بن خبيب: مُغِيرَ قد أصبَحْتَ مَلْجَأ من لَجاَ فكُلُّ مَنْ رجّاكَ لاقَى ما رَجاَ لاقى تَبَاشِيراً ولاقَى فَرَجاَ هذا وثوْبايَ مَعاً قد انْهَجاَ إِليهما النَّاظِرُ يلقَى حَرَجاَ تَهَتَّكاَ وانسَحَقاَ وانسَحَجاَ لَوْ نُقِضاَ وغُزِلاَ ما نُسِجاَ وقال بعض المدنيين يمدح المغيرة بن خبيب: إذا كنتَ مُرْتادَ الكرام لوُدِّهِمْ ... وللرِّفْدِ يوماً فابْدَ بابن خُبَيْبِ يُجِبْكَ فتًى لا يُعْسِرُ الدَّهرَ جارُهُ ... أغرُّ عَرِيقٌ مَنْجبٌ لِنَجِيبِ وأقطعه أمير المؤمنين المهدي عيوناً رغاباً بإضم من ناحية المدينة، مها عين يقال لها النِّيقُ وأُلات الحب، وأعطاه أموالاً عظاماً، ربما أعطاه

стр. 102

في المرة الواحدة ثلاثين ألف دينار، ويعطيه المسك والعنبر الكثير، ولاثياب الفاخرة من ثياب الخاصة. قال: وسمعت أصحابنا يزعمون أن المغيرة بن خبيب أعتق أم ولده صغيرة ثم تزوجها، فأصدقها عنه أمير الم ؤمن ين المهدي مكوك لؤلؤ. وهي أم أبنه يحيى. قال: ولما توفي المغيرة بن خبيب عن صغيرة، ورثته ثمن ما ترك. ثم مات ابنها يحيى بن المغيرة فورثته. فتزوجها يونس بن خبيب بن ثابت بن عبد الله ابن الزبير، ثم توفى عنها فورثته. ثم تزوجها يوسف بن خبيب بن ثابت، فأولدها جارية، ثم توفى عنها فورثته. وفيها يقول بعض المدنيين: أفْنَتْ صَغِيرةُ آلَ الزّبيرِ ... بيومِ نِكَاحٍ ويومٍ حَزَنْ ومن ولَدِ خبيب بن ثابت يوسف بن خبيب أمه: كبيشة بنت عثمان بن المغيرة بن عمرو ابن عثمان بن عفان ويونس بن خبيب أمه أم ولد وإدريس بن خبيب، أمه أم ولد.

стр. 103

وفي المغيرة بن خبيب يقول عبد الله بن سالم الخياط يرثيه: أتاناَ رَسُولٌ يجوبُ المَلاَ ... ويرفَعُهُ بَلَدٌ سَمْلَقُ يخبِّرُنا أن خير الوَرَى ... تضَّمنَهُ جَدَثٌ مُوثَقُ أصِبتُ بأفضلِ مَنْ يحتَفِي ... وينتعِلُ النعْلَ أو ينطِقُ بمفتاحِ يُسْرٍ إذا ما العِبَا ... دُ دُونَ صَنائعهمْ غَلَّقُوا فَجُرَّدْتُ من ثوبِ زَيْنِ الجمَالِ ... وجُرِّدَ من سَرْجِهِ الأبلقُ مُغيرةُ، مَنْ لِي إذا ما البَخيلُ ظَلَّ برِيقِتهِ يَشْرَقُ ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، أمه مولدة في كلب. حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، حدثتني عمتي أسماء بنت مصعب بن ثابت قالت: كانت أم مصعب بن ثابت عند سكينة بنت حسين، بعث بها إليها خالها الكلبي تبيعها له، وتشتري له بثمنها إبلاً. وكان القرشيون يختلفون إلى سكينة يسلمون عليها. وقد كان عمرو بن حسن بن علي أراد شراءها، فكرهته، فغضبت عليها سكينة وقالت: تكرهين ابن عمي! وامتهنتها بالخدمة. فلقيته أم مصعب وفي يدها رأس كبش يسيل دمه على ذراعها،

стр. 104

تذهب به إلى بعض أهلها. وكان ثابت بدويا يتفاءل، فوقع في نفسه أنها ستلد رجلاً يكون رأساً. فدخل على سكينة فسألها عنها، فأخبرته خبرها. وكان ثابت صاحب إبل، فقالت له سكينة: أنت صاحب إبل، فاشتراها مني بإبل. فقال: قد أخذتها بمئة ناقة، فباعته إياها، فحملت بمصعب بن ثابت. وكان من أعبد أهل زمانه، صام هو ونافع بن ثابت من عمرهما خمسين سنة. حدثنا الزبير قال، وحدثني يحيى بن مسكين قال: ما رأيت أحداً قط أكثر ركوعاً وسجوداً من مصعب بن ثابت، كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، ويصوم الدهر. حدثنا الزبير قال، وحدثتني عمتي أسماء بنت مصعب قالت: كان أبي مصعب بن ثابت يصلي في يومه وليلته ألف ركعة، ويصوم الدهر. حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان، وخالد بن وضاح قالا: كان مصعب بن ثابت يصلي يومه وليلته ألف ركعة ويصوم الدهر. وكان حسن الوجه من رجل قد قشم جلده على عظمه من العبادة. وكان من أبلغ أهل زمانه.

стр. 105

قال، وحدثني مصعب بن عثمان قال: ما سمعت مصعب بن ثابت قط يتكلم إلا قلت: لو سمعته يتكلم من وراء حجاب لقلت: بهذه في كتاب. حدثنا الزبير قال، وحدثني عثمان بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قدم مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير البصرة، فسمع به بنو سليمان بن علي ابن عبد الله بن العباس، فجاءوه وأكرموه، ثم بعثوا إليه يقولون: إنا من قد علمت، أمتع الله بك، قرابتنا ومعرفتنا حقك، وإنا نحب أن تخرج إلينا ابنتي عمتنا وخالتنا خديجة وأسماء ابنتي مصعب، إلى فلان وفلان لرجلين منهم. فقال لهم مصعب بن ثابت: إني والله ما أجهل قرابتكم، وإنكم للأرضياء عندي في الحال كلها، ولكني أكره أن ترى العشيرة أني إنما خرجت إلى البصرة أتعرض لهما، فلست منكحهما أحداً دون أن أرجع. وأم خديجة وأسماء ابنتي مصعب بن ثابت: فاطمة بنت جعفر ابن مصعب بن الزبير وأمهما مليكة بنت حسن بن حسن بن علي ابن أبي طالب

стр. 106

أم محمد وجعفر، وأم علي، وأم حسن، بني سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس: أم الحسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب. حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله: أن مصعب ابن ثابت أتى إلى إبراهيم بن محمد بن طلحة، تحمل به في حاجة، فأهوى إلى مجلسه يجلس معه عليه، فكفت إبراهيم رجليه، وكان به النقرس. فجلس مصعب معه، فأدرك رجله فأصابها، فشق ذلك على إبراهيم وكشر. ثم كلمه في حاجته، فأبى عليه وقال: لا أقدر. فقال له: أما والله إنها لبدع من حوائجي إليك، ما كان قبلها شيء، ولا يكون بعدها. وقام، فسأل عنه، فقيل له: مصعب بن ثابت. فصاح به: ابن أخ، إني والله لم أعرفك، أقسمت عليك إلا رجعت. فرجع، فقال له إبراهيم: " شنشنة أعرفها من أخزم "، لا والله ما عرفتك، أقوم بحاجتك وكرامة لك. ففعل. حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن المنذر بن عمر بن المنذر قال: وصل عكاشة بن مصعب بن الزبير إلى محمد بن عمران إذ كان قاضياً، فترافعا حتى أمر محمد بن عمران بعكاشة إلى السجن. فانتهى ذلك إلى خبيب ابن ثابت، فأتاه مستبطئاً في ذلك، فترافعا حتى أمر به إلى الحبس. فانتهى

стр. 107

ذلك إلى مصعب بن ثابت، فأتاه فقال له: عدوت على شيخ العشيرة وأحد وجوهها، فحبسته أن راجعك، وإن المرء ليزيل عن ابن عمه أكبر مما ابتغيت منه. ثم أتاك خبيب وهو هو، فعاتبك عما أتيت إلى شيخه وابن عمه، وكان يلزمك له ولصاحبه أن تراجع إلى ما هما وأنت أهله، فاستطعت عليه، وأردت تحميله من ذلك ما لم يكن لك، فمنعك الذي لم يكن لك أن تعطاه، ولا أن تأخذه لو أعطيته، فتلاحجت عليه حتى أمرت به إلى الحبس، فوالله ما حفظت مع ما أتيت الحرم، ولا وصلت الرحم. فقال له ابن عمران: أية رحم وأية حرم؟ قال: أما الرحم فرحم بني عبد الله بن الزبير التي كانت تأتصل بك، وتحمل لك ولا تحمل عليك. قال: صدقت، كذلك كانت رحمهم، فأخبرني عن الحرم. قال: نعم، الحرم التي جرتها تولية عبد الله بن الزبير إبراهيم بن محمد جباية العراق، أيام أتاه في ساجه الرث وجبته المخرقة. قال: خذ بيده يا جلواز، فأجعله مع أخيه وابن عمه في الحبس. فخرج مصعب وهو يقول: فَمَا بِعُقُوبَةِ السلطانِ بأسٌ ... إذا لم يَجْنِها يوماً فُجُورُ

стр. 108

بسلطانك لعمري يا ابن عمران حبستنا! فلما أمعن مصعب قال ابن عمران: " شنشنة أعرفها من أخزم "، والله لئن ثن على هؤلاء الرهط حبسى، لا يبقى بالمدينة زبيري إلا حبسته! أطلقوهم. قال: فخلوا جميعاً. حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن يحيى بم مسكين قال: كنا نرشح عبد الله بن محمد بن عمران، فوقف خبيب على عبد الله بن محمد بن عمران فقال له: يا ابن أخي، بئسما يكسبك أبوك، هو والله دائب يكسبك عداوة الرجال! حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب قال: لقيني إبراهيم بن علي بن هرمة فقال لي: يا ابن مصعب، ألم يبلغني أنك تفضل علي ابن أذينة؟ نعم ما شكرتني في مديحي أباك! ألم تعلم أني الذي أقول: رأيتُكَ مُخْتَلاًّ عليكَ خَصَاصَةٌ ... كأنَّكَ لم تَنْبُتْ ببعض المَنَابِتِ كأنَّكَ لم تَصْحَبْ شُعيب بن جَعْفَرٍ ... ولا مُصْعباً ذا المكرُمَاتِ ابنَ ثابتِ

стр. 109

قال قلت له: يا أبا إسحاق، أقِلْنِيها وأنا أعتبك، وهلم فروني من شعرك ما شئت. فرواني هاشمياته تلك. حدثنا الزبير قال، وحدثني خالد بن وضاح قال: كان مصعب ابن ثابت ربما نزل قصره بالعقيق، فربما صلى في قرارته بالعقيق، ثم عرضت له الدعوة بعد ما ينصرف، فيرفع يديه يدعو، فيذهب الذاهب إلى المدينة فيقضي حاجته ويرجع، وهو في دعائه. وحمل عن مصعب بن ثابت الحديث. وتوفي مصعب بن ثابت وهو ابن أثنين وسبعين سنة. حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: كان

стр. 110

نافع بن ثابت أسن من خبيب بن ثابت بسنةٍ، أو سنةٍ إلا قليلاً. وكان خبيب ابن ثابت أسن من مصعب بن ثابت بليلة. وكان مصعب بن ثابت أسن من سعد أبن ثابت بأربعة أشهر. وكان بعضهم يعطي بعضاً لسنة عليه، ما يعطي ذو السن المتفاوتة. وكانوا يختصمون حتى يقال: لا يصلح ما بين بني ثابت أبداً! فإذا حضرت الصلاة جاءوا إلى نافع بن ثابت فخرجوا معه إلى الصلاة. وكانت كلمتهم واحدة، وكانوا يداً على من سواهم. وفي بني ثابت بن عبد الله بن الزبير يقول المزني: ألثابتُّيون قومٌ في وِدَادهمُ ... غُنْمُ الحياةِ وفي أحقادِهمْ تَلَفْ أللاّحظُون بنور الله عن غضُبوا ... والشَّاملون بُيْمنٍ أينما انصرفُوا والفارطون فلا تُوبَى حِياضُهُمُ ... بالواردين وإن ذُوَّادُها قَصَفُوا ولبني مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يقول الملَلَىُّ:
следующие страницы →