Полный текст (499 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كأنّ الذُّرى من ثافِلٍ قُلّعتْ بِهِ ... عشَّيةَ لما زالَ عَنْهم فودذَعَا
وكان متَى يُسْأَلِ الحقَّ يُعْطِهِ ... هَنيئاً ويُنْكِى حَدُّهُ منْ تَتَرّعَا
وأنْوَكَ رَكّاضٍ إلى الغَيّ رُعْتَهُ ... على حينَ أن جَدَّ اعتزاماً وأوضَعَا
بمَسْمُومةٍ ممّا تخيَّرت العِدَى ... صِيَابٍ، شَبَاها خالط السَّمَّ مُنْقَعَا
وقد قلتُ إياك التي لا شَوَى لَهَا ... من اللائِى يُجزَي مثلَها القَرْضَ أشْنَعَا
فلمّا أبَى أهتالَتْ له وهو راغِمٌ ... يدَاكَ الهَصُورانِ الوفاءَ المَنزَّعَا
وقد كُنْتَ ممّا تَغْفِرُ الذنبَ قُدْرةً ... وتمنَعً هَوْناً ما أردْتَ لِتَمْنَعَا
وقال محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي، يبكيه:
قُلْ للَّذِين تباشَرُوا بنَعِيِّهِ ... ضَيْرٌ على الرجُل المُجَنّ قليلُ
ما مَات حتى لم يَدَعْ ذَحْلاً لَهُ ... وعليه منْ تِرَةِ الرجالِ ذُحُولُ
وقال جعفر بن حسين اللهبي، يرثيه:
стр. 177
ألا قدْ أرَى أن لا بقيَّةَ للدَّهْرِ ... ولا خيرَ في الأيَّام بعدَ أبي بَكْرِ
أبعدَ ابن عبد اللهِ أبكى لهالكٍ ... وأحفِلُ ما تأتي به نَوْبَةُ الدهْرِ
قَريعِ بني فِهْرٍ وحامِي ذِمارِهَا ... وسبَّاقِ غايات المكارمِ من فِهْرِ
ثَوَى بين أطْباقِ التُّرَاب مُخلَّفاً ... بمُوحِشةٍ غبراءَ مُظْلمِةِ القَعْرِ
لقد ضَمَّ ذاك القبرُ حِلْماً ونائلاً ... سَقَتْهُ الغيوثُ المسْتَهِلَّةُ من قَبْرِ
أقامَ به مَنْ هدَّ رُكْنِي مُقَامُهُ ... وغادَر أحزاناً تَجدَّدُ في صَدْرِي
ولو نالَ بالمجْدِ السّلامةَ واحدٌ ... فخُلِّد في الدُّنْيا خَلَدْتَ إلى الحَشرِ
فإن تكُنِ الأيّامِ نالك رَيْبُها ... فواراك منضُودٌ من التُّرْب والصخْرِ
وأخْنَى عليك الدهرُ من بعد عِزّةٍ ... فصِرْتَ غريبَ الدَّارِ بالمنزلِ القَفْرِ
فأشهدُ أنْ قد فُتَّ بالوِتر أهلهُ ... ومَا فاتكَ الأعداءُ إذْ مُتَّ بالوِتْرِ
ولا ضاعَ ثَغْرٌ كنت أنت سِدادهُ ... ولا لأنَ عند العَجْمِ عُودُك للكسْرِ
وأنْ كنتَ في الدُّنيا جمالاً ومَعْقِلاً ... تُسَاجِلُ من سَاجلتَ في العُرْفِ والنُّكْرِ
عَطُوفاً على القُرْبَى ثقيلاً على العِدَى ... جواداً لدَى المِقْرَى تَريش ولا تبْرِي
تُجازِى أخَا الوُدّ الكريمَ بوُدّهِ ... وتَجْرحُ بالنَّابِ العَدُوَّ وبالظُّفْرِ
وكم من فقيرٍ قد جَبْرتَ وعائلٍ ... وكم مِنْ أسيرٍ قد فَككْتَ من الأسْرِ
وأرمَلَةٍ تبكِي عليكَ وصِبْيَةٍ ... بوجْهِك كانوا يأمنونَ من الفقْرِ
فإن يقطع اليأسُ الرَّجَا ويفُوتُنا ... بك الدَّهْرُ يا ذا الجُودِ والنائل الغَمْرِ
فمنْ لِقراعِ الخَصْمِ في يَوْمِ مَأقِطٍ ... تَسامَى لهُ الأبْصَارُ بالنَّظَر الشَّزْرِ
стр. 178
ومن لِطَرادِ الخليلِ في حَوْمة الوَغَى ... إذا أفترَّ نابُ الحْرب عن عُصُلٍ كُشْرِ
ودارت رَحَاها واستطارَ شرارُهَا ... وأبرَزَتِ البِيضُ الخِدَامَ من الذُّعْرِ
ومن يحمِلُ الجُلَّى ويهتضِمُ العِدَى ... ويَحْنُو على الَموْلَى ويَجْبُرُ ذا الكَسْرِ
وقال عباد بن عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، يرثي أبا بكر بن عبد الله:
لقَدْ هَدَّ رُكْنِي حينَ أنْ لِيَ حُقِّقتْ ... وَفاُة أبي بكْرٍ وفارقنِي صَبْرِي
وأوحشتِ الدُّنْيَا وبان أكتئابُها ... وضاقت بمنْ فيها لفَقْد أبي بَكْرِ
فيا عينُ بكِّى ذا السَّماَحةِ والنَّدَى ... وذا العُرْفِ والإحسان نابَ بني فِهْرِ
فقد كانَ مأمولاً يُخَاف ويُرْتَجَي ... وَصُولاً لأسباب القرابَةِ والصِّهْرِ
يَعُودُ إلى المولَى ويَحْمِلُ كَلَّهُ ... ويكفيهِ أحداثَ النوائبِ والدَّهرِ
هو السِّيدُ المفقود، كانتْ وفاتُهُ ... مُصَاباً لأهْلِ الله في البَرِّ والبَحْرِ
وقال يحيى بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير، يرثى أبا بكر ابن عبد الله:
لَمْ يُغْرِقِ الواصفُ المختارُ في صِفَةٍ ... أقصَى مَدَى غايةِ الإحسانِ والكرَمِ
стр. 179
أنْ قالَ ذاك لبَكْرٍ خالِصٌ أبداً ... دونَ البريّةِ من مُقْصّى وذِي قَدَمِ
يَا واصِلَ الرَّحمِ المقطوعِ ما وَصَلتْ ... منكَ القرابةُ بالإفضالِ والنِّعَمِ
قد قلتُ حين توَلَّوا مُسْرعِينَ بِهِ ... نَحْوَ البقيِع ألاَ للهِ مِنْ رَجَمِ
لو يعلُم المَيْتُ ما يَلْقَي المُصَابُ بِهِ ... عَلِمتَ أنِّيَ ذو حظٍ من الألَمِ
إن تُمْسِ رَهْنَ ضَرِيحٍ وسْطَ بَلْقَعَةٍ ... فقد تكُونُ لنَا حِرْزاً من العَدَمِ
كُنْتَ النجيبَ ومَلْجّا في الخُطُوبِ لنَا ... يَجْلُو جبينُك عَنَّا حالكَ الظُّلَمِ
أورثتنا المجدَ مجداً لا يدافِعُهُ ... ضِدٌّ عَدُوٌّ كثير الفنّ في الكَلِمِ
إلاّ بما قد يقول الناسُ كُلُّهُمُ ... زَاَلتْ ذُرَى أجَأٍ والفِنْدُ من خِيَمِ
وقال يعقوب ابن إسحاق المخزومي، من ولد عبد الرحمن بن أبي ربيعة ابن المغيرة، يرثي أبا بكر بن عبد الله الزبيري:
ولَّى أبو بكْرٍ فُقلْتُ وقَدْ ... ولَّى ودمعِي مُخْضِلٌ سَجْلُ
إن يَنْسَكَ الإخوان والأهلُ ... أو يُنْسَ منك الشخْصُ والفِعْلُ
فلقد غَنِيتَ وأنت أكمَلُ أهْلِ الأرض مَالك فيهمُ مِثْلُ
стр. 180
متصرّفاً للحمْدِ محتمِلاً ... للِثِّقْل فِعْلُك فاصلٌ جَزْلُ
وقال أيضاً يرثيه: مَنْ لحمْلِ العظيمِ والدَّفْعِ والنَّفْعِ ومن للقريبِ أو للبعيدِ بعد ذي المجد والفعَالِ أبي بكرٍ وذي العُرْفِ والفقيدِ الحميدِ كان للجار واليتاَمَى وللسَّفْرِ وللمُجْتدِي وللمجْهُودِ فثَوَى بالبَقيع في قعْرِ رَمْسٍ تعتفيه الأرواحُ في مَلحودِ يا لهَا من مُصيبَةٍ ليس ما قد كانَ مِنْها براجِعٍ مَرْدُودِ عينِ فأبِكي على الكريم المُصَفَّى والمَهِيبِ المهذَّب الصِّنديدِ واذكرى ما دَهَاكِ من حَدَثِ الدَّهْرِ وأذرى الدُّموعَ سحُّا وجُودي وإذا كفَّكِ المُعَزُّونَ عن فَيْضِ دُمُوعٍ فجدِّديها وزِيدِي إن يَفُتْنِي بكَ الزَّمانُ أبا بكْرٍ فقد نالَ رَيْبُهُ مَجُهودِي وقال عمر بن عبد العزيز الديلي، يرثيه:
يا لَ الرِّجال ليومِ سَوْءٍ عارمٍ ... فجَعَ الحجازَ برَوْنقِ الأقوامِ
ولَّي أبو بكْرٍ وكان مُدَافعاً ... عَضْبَ الشَّكيمةِ حَاسِرَ الإقدامِ
يأتي المشارقَ والمغاربَ هُلْكُهُ ... فلسوفَ تفقدُهُ على استعجامِ
стр. 181
ولَوُ أنْطِقَتْ لَتَفجَّعتْ لنَعِيِّهِ ... نُجْدُ البلاد وغَوْرُ كُلّ تَهَامِ
إنّ الجراءة والسماحَ كِلَيهما ... جُمِعَا لَهُ وتوقُّرُ الإسلامِ
يأتي الخليفةَ أنّ حامل نُصْحِهِ ... يُحْثَى عليه التُّرْب بين الهَامِ
طُوبَى لأعراقٍ هناك وبَهْجةٍ ... ووِلادةٍ زَخَرَتْ به وعِظامِ
ومَهابةٍ وجَلادةٍ ودَمَاثةٍ ... وصَرَامة في المَأْزِقِ القَمْقامِ
يا ابن الحَوارِي قد تركتَ بلادنا ... عُطُلاً عليها غُبْرَة الإقتامِ
قد كنتَ للجادِي الغريبِ ومن له ... رحِمٌ وكنت لدَرْدَقِ الأيتامِ
فأذْهب فقيداً قد عَمِرْتَ بنِعمةٍ ... غَيْداقةٍ وغَنِيتَ غيرَ كَهَامِ
ما ضَرَّ ذا الرجُلَ المفلَّجَ عُمْرُه ... أن قِيل فاضتْ مُهْجَةٌ لِحِمَامِ
قد كانَ طَلاَّبَ التِّراتِ مُظفَّراً ... وتَّارَ أقوام أولِى أجْرَامِ
فسقى الإلهُ ضريحَهُ متهلِّلاً ... سَحًّا يُسَلْسَل من متُون غَمامِ
وقال أبو ميمون البكائي يرثيه:
стр. 182
زارَ القبورَ أبو بكْرٍ وما بلغَتْ ... منْهُ العُدَاةُ الذي رامُوا وما انتَصَرُوا
كان السِّمَام لأعداء إذا بَرَزوا ... وللصديقِ حَياً ما أخلفَ المَطرُ
أذهَبْ إليك فقد فارقتَ مُفْتقَداً ... يا ابنَ الحواريّ منك الجودُ والظَّفَرُ
سَهْلاً لمن يبتغِي المعروفَ جانِبُهُ ... ماضِي الجَنَانِ إذا ما ضاقت الثُّغَرُ
لو كانَ صُوّرَ سيفاً قبلَهُ رجُلٌ ... لكان صُورتَه الصَّمصامُة الذكَرُ
يُدِيرُ عينَيْ قُطّامِيٍ بمَرْقَبَةٍ ... في مَرْكَضِ الطَّرْفِ لا وَقْرٌ ولا عَوَرُ
عليه نورٌ يُجَلى حين تُبْصِرُه ... كما يُجّلِّى دُجَى ظَلْمَائه القمَرُ
لِيَبْكِهِ مُرْمِلٌ طاوٍ حقيبتَهُ ... ومستغيثٌ بنَصْرٍ ليسَ ينتَصِرُ
وقال عمران بن محمد بن مصعب بن ثابت، يرثيه:
ألا هَلْ هاجَكَ النّاعِي المُشِيدُ ... غداةَ نَعَى وأسْرَتُه شُهودُ
стр. 183
زُبَيْرياً يزيدُ عن التَّنَاهي ... فليسَ بمُنْتهٍ أبداً يزيدُ
كريمٌ لا نوافِلُهُ صِغارٌ ... غزيرُ الجودِ خابطُهُ سَعِيدُ
أبِيٌّ للأبَاةِ من قُصَيٍ ... تَحُلُّ به على العِلَلِ الوفودُ
فلَهْفي لَوْ يُعَمَّرُ فَرْعُ فِهْرٍ ... بمَنْعَةِ معشرٍ لهُمُ عديدُ
يُصال بدونِ صَوْلته فيأتِي ... على رَغْمٍ وإن كرِهَ العَنُودُ
لأخْلِدَ خالداً أبداً لدينَا ... أبو بكْرٍ لعمَّرَهُ الخُلُودُ
وإمّا قال قائلنا: أنيلُوا ... فجودٌ لاَ يُعَدُّ إليه جُودُ
وإما قال قائلنا: تعالَوْا ... أتى الهيجَا مَسَاعيرٌ أسُودُ
ترى فُرْساننا لَهِجُوا بضَرْبٍ ... تَزايَلَ حينَ خالطَهُ الحديدُ
وكُلُّ مَناقبِ الخيراتِ فينَا ... بَدِئ بَدِيعِها وبِنا تَعُودُ
تَرى كُلّ البريَّة إن غَضبنَا ... غَضَابَي مُذْعنينَ لما نُرِيدُ
فمن ذا بعدنا لمّا أحِلَّتْ ... بسَاحتنا المنَّيةُ لا يبيدُ
فلا يبعَدْ أبو بكرٍ ورَوْحٌ ... عليه وبعدَهُ البُعْدُ البعيدُ
стр. 184
فقِدْماً كان محتمِلاً حميداً ... ألا لاَ يَبْعَدِ الرجُل الحميدُ
وقال عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الوهاب بن يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير، يرثيه:
عجباً لريْبِ حوادث الدَّهرِ ... وتقلُّب الأيّامِ والأمْرِ
ما إن يَفُوتُ بقُوّةٍ أحدٌ ... يَغْدُو على البادِين والحَضْرِ
والموتُ ترمينا فجائُعُه ... بنوافذٍ كتلهُّبِ الجَمْرِ
من كان في حِرْزٍ أحاط بِهِ ... ويُحيطُ بالعَصْماءِ في الصَّخْرِ
لا شيءَ يُخْلُدِه لعّزٍ ثابتٍ ... ولو كانَ ذاك لكان في الحَبْرِ
قد تمَّ فيه كلّ ما جَمَع الفتَى ... من خيرهِ أعني أبا بَكْرِ
أعني الذي كانت تدين لَهُ ... بالفضل عند تحجُّرِ القطْرِ
عُلْيا مَعَدَّ وكان يسمُو للعُلى ... فوق التي تُعتامُ للفخرِ
جَمع السوابق والفواضل والنَّدَى ... يَهدِي بخير شرائِعِ البِرِّ
وإذا قريشُ تنَاسبت أكفاؤها ... ونُسِبْتَ كنت كصَفْوةِ التِّبْرِ
لذَوِي القرابة واصلٌ مُتعطِّفٌ ... تحنُو على الأرْحامِ والصِّهْرِ
تُرْجَى لكُلِّ مُلِمّةٍ عَظُمتْ ... عالي الفَعال ومنتهى الذّكْرِ
فَيَؤُوبُ محموداً كريماً مُفْضِلاً ... قد حَازَ ما فيها من الأجْرِ
стр. 185
قل للّذِين لهُمْ غداةَ نَعِيِّهِ ... زَجَلٌ يزيدُهُمُ على البِشْرِ
لن تَعدِلُوا في طول دهركُمُ ... مِنْهُ كمثل قُلاَمة الظَّفْرِ
ما إن لَهُ عِدْلٌ سَمِعْتُ بِه ... في كُلّ نائبةٍ من الدَّهرِ
مَأوَى الأراملِ واليَتَامَى عنده ... في كل آزمَةٍ من الغُبْرِ
سَبَقَ العباد بكُلّ أمرٍ زائِن ... فلقد رُزِيناهُ على قَدْر
لو عَدَّ عُدَّادُ البريّة كُلّهم ... ما فيه عند اليُسْرِ والعُسْرِ
من كُلّ مكرُمَةٍ ووعدٍ صادقٍ ... لم يأتِ عدُّهُمُ على العُشْرِ
عجباً لعيني كيف لا تُذْرِي دماً ... يجري على الخدَّين والصَّدْرِ
ولقد ذكرتُ بدمع عينِي إذوَنَي ... بيتين قِيلاَ قبلُ في الشّعْرِ
فلئن بكيناهُ فحقَّ لنَا ... ولئن تركنا ذاك للكُبْرِ
فلمثلِهِ بكت العيون دماً ... ولمثله جَمدَتْ فلم تَجْرِ
يتلوه في الجزء الذي يليه: ومصعب بن عبد الله بن مصعب، وأمه أمة الجبار بنت إبراهيم ابن جعفر بن مصعب بن عبد الزبير.
الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله الأكرمين.
стр. 186
سماع هذا الجزء
سُمِعَ جميع هذا الجزء على القاضي الأجل السيد العالم تاج الدين، شرف الإسلام، أبي الفتح محمد بن أحمد بن المندائي، بحق روايته إجازة عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي قاضي البيمارستان، عن أبي جعفر محمد بن المسلمة، عن أبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص، عن عبد الله أحمد بن سليمان الطوسي، عن المؤلف، بقراءة الأجل السيد العالم عماد الدين نجم الإسلام أبي العباس أحمد بن محمود بن أحمد الفقيه، ولدى المسموع عليه أبو حامد محمد، وأبو جعفر علي، ويحيى بن الحسين بن أبي ربيعة "؟ "، وأخوه يوسف، وأبو جعفر هارون بن العباس الرشيدي، وأبو نصر أحمد بن الحسن ابن محمد سبط الفارقي، وأبو عبد الله الحسين أخو القارئ للجزء، والشيخ عبد القادر ابن داود المقرئ البقار، وعلي بن أبي الفتح بن سهل الطيبي، وأخوه أبو المعالي، والحسين بن أبي منصور بن السند القزاز، ومقبل بن عبد الله الحر، وعبد الكريم ابن راري المترسي الضرير، ومثبت السماع والأسماء أبو شجاع مقابل بن أحمد بن علي ابن محمد العنبري البصري ابن دواس القنا، وسمع من أول الجزء إلى نصفه.....
وأجازها له. وسمع إلى آخر الجزء أبو المكارم أحمد بن الحسن بن عسكر الصوفي السيفيابي "؟ "، وذلك في مجلسين آخرهما يوم الأربعاء ثامن رمضان سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة، وكمل لمثبت السماء سماع من أول الكتاب إلى ههنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وصحبه وآله.
بلغ عبد الرزاق بن احمد بن محمد بن أحمد الشيباني الفوطي بمدينة السلام، في المحرم سنة ست وتسعين وستمئة. الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
стр. 187
الجزء الخامس عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
ولد مصعب بن عبد الله بن مصعب
وأمه: أمه الجبار بنت إبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير وأمها: فاختة، وتعرف بقمر، بنت عبد الرحمن بن عبد الله بن الأسود بن أبي البختري بن هشام بن الحارث بن أسد ابن بعد العزي.
وفي ذلك يقول مصعب بن عبد الله بن مصعب، يذكر طرفيه، ويفتخر بمن ولده من قريش سواهم:
إنيّ امرؤ خَلصَتْ قريشٌ مَوْلِدِي ... فحللتُ بين سِمَاكها والفَرْقدِ
ضَمِنَتْ علىّ لهُمْ قرابَةُ بَيْنِنا ... حُسْنَ الثناءِ عليهِمُ في المَشْهَدِ
تُدْعَى قريشٌ قبل كلِّ قبيلةٍ ... في بيت مَرْحَمةٍ ومُلْكٍ أيِّدِ
بيتٌ تقدَّمه النبيُّ ورهطُهُ ... مُتَعَطَّفين على النبيّ محّمدِ
فإذا تنازعتِ القبائِلُ مَجْدَهَا ... وتطاولَ الأحسابُ بَعْد المَحْتِدِ
وتواشَجُوا نسَباً إلى آبائِهم ... قَبضَ الأصابعَ رَاحتَاهَا باليَدِ
نسجتْ على سَدِاءَها ولِحَامَها ... أسدٌ وقال زعيمُها لا تَبْعَدِ
стр. 188
وحللتُ حيثُ أحبُّ من أنسابها ... بين الزُّبير وبين آلِ الأسودِ
في مُلْتقَى أسَدٍ على أحسابها ... في باذِخٍ دُون السماءِ مُمَرَّدِ
فإذا يَقُوم خطيبُ قومٍ منهُمُ ... يُثْنىِ بمكرُمَةٍ أقول لَهُ اعدُدِ
قد شاركتْ أسدٌ على أحسابها ... أهلَ الحفائِظ منكُمُ والسُّؤدُدِ
وإذا تُعَدُّ لهاشمٍ أيّامُها ... تُعْرَفْ فضائلُ هاشم لا تُجْحَدِ
آلُ النبيّ لهُمْ إمامةُ دِيننا ... وصِيامُنَا وصَلاتُنَا في المسجِدِ
فنَمُتُّ بالرَّحِم القريبة بينَنَا ... ثدْىٌ على الأدَنْينَ غيرُ مُجَدَّدِ
بصَفِيَّةَ الغَرَّاءِ عَمَّةِ أحمدٍ ... وعَقيلةِ النِّسْوانِ بِنتِ خُوَيْلدِ
فتنازعوا نسَباً يكون شبيهَهُ ... عَلَمُ الهُدَى وهِدايةُ المُسترشِدِ
وإذا تَعُدُّ بنُو أميّة فَضْلَها ... وحُلُومها رَجَعت بقيَّةَ صِنْدِدِ
وعلتْ علُوَّ الشمسِ في غُلَوائِها ... حين استقلّ على دِمَاغ الأصيدِ
стр. 189
فترى أمَيَّةُ أنَّنَا أكفَاؤها ... إذ لا يكونُ كفِيُّهَا بالقُعْدُدِ
بنتُ الأمينِ وصِهْرُ أحمَدَ مِنْهمُ ... تُهْدَى ظَعِينتُها إلينَا عنْ يَدِ
وشَجَتْ أميَّةُ بيننَا أرحامَها ... فسَلكْنَ بين مُصَوِّبٍ ومُصعِّدِ
وبلغْنَ مطَّلِباً ودُرْنَ بنوْفَلٍ ... حتى اشتَجرْنَ به اشتِجار الفَرْقَدِ
وأتَيْنَ عبد الدارِ بين بُيُوتها ... حيثُ استقرَّ بها طِنابُ المُوتِدِ
وورثنَ عبدَ قُصَيّ من ميراثهم ... من حيثُ ورَّثَ يَخْلُد أبنه أعبُدِ
وإذا تغطْمَطَ بَحْرُ زُهْرَة فارْتَمَى ... بالموجِ مُطّردَ العُبابِ المُزْبِدِ
يدعُون عبدَ منافَ في حافتِهِ ... وإذا يُصَاحُ بحارثٍ لم يقعُدِ
يتناسخونَ أثيِلَ مجْدٍ قادِمٍ ... وحديثَ مَجْدٍ ليسَ بالمُتردِّدِ
فدعوتُ هَالةَ فاتَّخذتُ خيارَهُمْ ... نسباً وقلت لمن يُقاسمُنِي زِدِ
وتناضلَتْ تَيْمٌ على أحْسَابهِا ... فأخذْت أكرمَهُمْ برغم الحُسَّدِ
стр. 190
من حيث شئتُ أتيتُهُمْ من ههُنا ... وهناك عَوْدَ بَدٍ وإن لم أبتَدىِ
أدعو برَيْطَةَ إن دَعَوْتُ ودوُنها ... بنت المصدّق بالنبيّ المُهْتَدىِ
وتَطاولتْ مخزومُ حتَّى أشرفتْ ... للناس من مُتغوِّرٍ أو مُنْجِدِ
يتأمَّلون وُجوهَ غُرٍ سادةٍ ... وَرِثوا المكارمَ سيِّداً عن سَيِّدِ
في مُنْتهى الشَّرَف الذي ما فوقَهُ ... شرَفٌ وليس أثِيلُهُ بمُوَلّدِ
فدعَوْتُ عِمراناً أباً فأجابني ... نَسَباً وشَجْتُ إليه غير المُسْنَدِ
وإذا عَدِيٌّ خاطرتْ في مَشْهدٍ ... طَمَّت غَوَاربُها وإن لم تَحْشِدِ
فأتيتُ أسأَلهُم لمُرَّةَ حَظَّها ... من كُلّ مكرُمة لهم أو مَوْلِدِ
وأبنا هُصَيْصٍ واللَّذان كلاهُما ... في منتَهَى الشرفِ القديمِ المُتْلَدِ
وإذا انتميتُ لعامرٍ لم أنتِحِلْ ... وشَرِكتُ في عِرْيِنَها والأسْعُدِ
وإذا دَعَوْتُ مُحَارباً أو حارثاً ... دَفَعا بكُلّ خميلةٍ أو فَدْفَدِ
فنزلتُ من أحْمائِهم بحفيظةٍ ... وقعدتُ من أحسابِهم في مَقْعَدِ
وإذا تكونُ لمعشرٍ أكرومِةٌ ... أضربْ بسَهْمِ قرابةٍ لم تبعُدِ
فأحوزُ حَوْزَهُمُ بغير تنحُّلٍ ... وأكونُ وَسْطَهُمُ وإن لم أشهَدِ
وعَلَتْ عُرُوق بنِي الزبير من الثَّرى ... حتى رجَعن إلى جِمَامِ المَوْرِدِ
стр. 191
فمتى تقاسِمْنَا قريشٌ مَجْدها ... نَهْتَلْ ولاَ نكْتَلْ بصَاع المُبْدِدِ
ومتى نُهبْ بكريمةٍ من مَعْشَرٍ ... تُلْقِ المَرَاسِي عندنَا وتُمَهَّدِ
صَدُقاتُها أحسابُنا وفوائدٌ ... من طيبِ مَكْسَبَهٍ عطاءَ الأوحدِ
وكان مصعب بن عبد الله وجه قريش مروءة وعلماً وشرفاً وبياناً وجاهاً وقدراً.
وله يقول عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني:
وقد علمْتُ ألاَ واللهُ يعلَمُهُ ... نا قُلْتُ زُوراً ولا من شِيمَتيِ المَلَقُ
إني لأحبِسُ نَفْسِي وهي صادِيَةٌ ... عن مُصْعَبٍ ولقد بَانتْ لِيَ الطُّرُقُ
رَعْوَي عَلَيهِ كما أرْعَى على هَرِمٍ ... قَبْلِي زُهَيرٌ وفِينَا ذلك الخُلُقُ
مدحُ الكرامِ وسَعْىٌ في مَسَرَّتهم ... ثم الغِنَى ويدُ الممدوح تندَفقُ
وقال أيضاً ابن أبي صبح يمدحه:
стр. 192
قالت شُمَيْسَةُ إذ قامَتْ تودِّعُني ... والدمْعُ يجري على الخدَّين أسْلاكَا
لاَ يُلْهِيَنَّكَ عَنّا بَعْدَ فُرْقَتنَا ... بُعْد المزارِ وإن صَاحْبتَ أمْلاكَا
فقلتُ: لو كنتُ أنساكُمُ يوماً نسيتُكُمُ ... إذ قالَ لي مصعبٌ لو شئتَ أجزاكَا
خَطّان في شِبْر قِرْطاسٍ يَطِيرُ بِهِ ... مِنَّا جَرِيٌّ ونُمْضيِ، قلت: كَلاَّ كَا
لا بُدَّ نظرةٍ أشْفِي بها كَمَدِي ... من أمِّ عمرو قَليلاً ثم ألقَاكَا
دعْ عنك ما فات واكْسُ الرَّحْل مُعْترفاً ... أعطاكه مُصْعبٌ أيامَ ألفاكا
عارٍ جَناحُك قد حُصَّتْ قوادمُهُ ... قد عضّك الدّهر عضّاتٍ فأدماكَا
يا ذا النَّدَى ليس لي في غيركُمْ وَطرٌ ... أغنَيتَنِي بالغِنَى واللهُ أغناكَا
إن أمتدِحْكم فخيرُ القولِ مَدْحُكُمُ ... وقد تُنَالُ بغير المَدْحِ جَدْواكَا
يا أوسع النّاس فَضْلاً بعد والدِهِ ... إن تُعْطِ خيراً فإِن الله أعطاكَا
مَجْداً تطأطأَ عنْهُ كلُّ ذي شرفٍ ... فيَمْنَعُ الناسَ أن يَجْرُوا بمجراكَا
مَدَّ ابنُ أسمَاءَ كفيْهِ بمكرُمةٍ ... وابنُ الرَّبَابِ فقالاَ مصعبٌ هاكَا
أنتَ أبنُنا، ما اجتمعنا قَطُّ في رجُلٍ ... فيستطيعُ له السّاعونَ إدراكَا
стр. 193
ثُمَّ الأميرُ أدامَ اللهُ صالِحَهُ ... نِعْمَ المُبَوَّا بحمد الله بَوَّاكَا
رقّاكَ في المجد حتى نِلْتَ ذِرْوَتَهُ ... فمن بَغَاك محلَّ النَّجمِ وَافَاكَا
حدثني الزبير قال، وحدثني عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني قال: لما استعمل عبد الله بن مصعب على اليمن، قال لي مصعب بن عبد الله: أمض معنا إلى صنعاء. فقلت: لم أعلم أهلي ذاك. فقال: نرسل رسولاً ونكتب معه بحاجتك، وتمضي معنا وتكفاهم. فقلت: لا بد لي من مطالعتهم، ثم ألحقكم. وهو حين قلت هذه القصيدة. ثم قدمت عليهم صنعاء، فأنزلني عبد الله بن مصعب معه في دار الإمارة، وأجرى على خمسين ديناراً في كل شهر، وأكرمني. ثم غرضت فشكوت ذلك إليه، واستأذنته في الانصراف، فأذن لي وأعطاني خمسمئة دينار، وكساني كسوة فاخرة من عصب اليمن، وأمرني فدخلت على نجائبه، فاخترت منها نجيباً مهرياً. فانصرفت سالماً غانماً إلى أهلي.
وقال ابن أبي صبح يمدحه:
إذا رفعتْ أحراسُهُ السَّيرَ واستوَى ... على ظَهْر مصفوفٍ عليه النمارقُ
بدا مَلِكٌ في صُورة البَدْرِ طالعاً ... فيالكَ حُسْناً زيَّنتْهُ الخلائقُ
خلائقُ أحرارِ الملوكِ ونُورُها ... يَلوحُ عليهِ نَظْمُها المُتَناسِقُ
стр. 194
فتًى لم تَفُتْهُ خُطّةٌ تجمَعُ التُّقَى ... إلى المجدِ إلاّ ضمّها فَهو رائقُ
فنحنُ بحمْد الله في فضْل مُصْعبٍ ... لنَا صابحٌ من ذِي نَداهُ وغابقُ
ستبلُغُ عنِّي مصعباً غيرَ باعِدٍ ... مدائحُ تذرُوها الرياحُ الزواعِقُ
جزاءً بآلاءٍ لَهُ إن شكرتُها ... شكرتُ عظيماً لم تَصِفْه المناطقُ
ألمْ تُلفنِي ذَا خَلّةٍ فاصطنعتنِي ... وأطلقتَ مَالي وهو في الرَّهْنِ غالقُ
وأنقذتني من لُجّة الدَّين بعد مَا ... غرقتُ، وغَاشِى لُجّةِ الدَّيْنِ غارقُ
وأغنيتني عَمَّنْ سِواكَ وأنبتت ... رياحُك رِيشي والنِّجَاء الدوافقُ
وأسبلتَ إسبالَ الربيع وأخْصَبتْ ... رياضُك للجادِينَ والله رازقُ
فأقْسِمُ لا أحْصَى الذي فيك مادحٌ ... بمَدْحٍ ولكنّي جَزُوفٌ مُخَارِقُ
ولا ضنّ نُصْحاً عنك بالغيب مؤمنٌ ... تقيٌّ ولا عاداكَ إلا منافِقُ
ولا خفتُ إلا الكاشحينَ مُلمّةً ... عليك، ولكنّي بذي العرْشِ واثِقُ
стр. 195
قال، وأنشدني عدي بن عبد الله بن عمرو بن أبي صبح المزني لأبيه، يمدح مصعب بن عبد الله بن مصعب، حين أجمع المسير إلى اليمن، لميعاده مصعباً أن يطلع أهله ثم يأتيه بصنعاء، فقال:
تقولُ ابنةُ الزَّيْديّ: أصبَحْتَ وافداً ... على مَلِكٍ أيَّ المُلوكِ تُرِيدُ
فقلت لها: مُستَوْرِدٌ حَوْضَ مُصْعَبٍ ... فقالت: وأنَّي والمَسيرُ بعيدُ
فقلتُ لها: لو كنتُ في سجن عَارِمٍ ... بدمباطَ قد شُدَّت عليّ قيودُ
لسارت إليه مِدْحةٌ مُزَنيّةٌ ... يلَذُّ بها في المنشِدينَ نشيدُ
أرى الناسَ فاضُوا ثم غاضُوا ومصعبٌ ... على العهْد يَغْطِى بحرُه ويزيدُ
إذا صدرت بالحمدِ عن حَوْضِ مصعبٍ ... وُفودٌ وحلَّتْ بعد ذاك وفودُ
تهلَّلَ فيّاضُ النَّدَى عاجلُ القِرَى ... إذا أنهَلَّ وهْناً قِطقِطٌ وجليدُ
أقولُ لمغتاظٍ عليَّ كأنَّمَا ... بلَبَّتِه حامِي السِّنان حَدِيدُ
تَبَرَّدْ بعَيْبِي في الخَلاءِ فإنَّهُ ... نَفَى العيبَ عنّي مَشْهدٌ وجدُودُ
وبَغْرَةُ أملاكٍ تَنَجَّيتُ نَوْءَهَا ... فأسْقِيتْها والحاسِدُون شُهُودُ
стр. 196
تَعَلّقتِ الحسَّادَ منها زمانةٌ ... فلم يبقَ إلا أن يموتَ حَسُودُ
حدثنا الزبير بن بكار: وكان أبو غزية محمد بن موسى الأنصاري كثيراً ما يجلس الى، فجلس إلى ليلة بين المغرب والعشاء الآخرة في مسجد رسول الله ﷺ ، وهو إذ ذاك قاض، فتحدثنا إلى أن ذكرنا الشعر، فقال: ابن أبي صبح المزني أشعر الناس حيث يقول لعمك:
فمَا عَيْشُنَا إلاّ الرَّبيعُ ومصعبٌ ... يدورُ علينا مُصعبٌ ويدورُ
وفي مصعب إن غَبَّنَا القَطْرُ والنّدَى ... لنا وَرَقٌ مُغْرَورِقٌ وشَكِيرُ
مَتَى ما يَرَى الرَّاؤون غُرّة مصعبٍ ... يُنِيرُ بها إشراقُهُ فُينِيرُ
يروْا ملكاً كالبدْرِ أما فِنَاؤه ... فرَحبٌ وأمَّا قَدْرُه فكبيرُ
لَهُ نِعَمٌ مَنْ عَدَّ قَصَّر دونَها ... وليس بها عمّا يريدُ قُصُورُ
стр. 197
عَدَدْنَا فاكثرنَا ومَدَّتْ فأكثرتْ ... فقلنا كثيرٌ طيّبٌ وكثيرٌ
لعمري لئن عَدَّدتُ نعماءَ مُصعبٍ ... لأِشكرَها إنّي إذاً لشكورُ
وله يقول ابن أبي صبح المزني أيضاً:
إذا شئتَ يوماً أن ترى وَجْهَ سابقٍ ... بعيدِ المَدَى فأَنظُرْ إلى وَجْه مُصْعَبِ
تَرَى وَجْهَ بسَّامٍ أغرَّ كأنمَّا ... تفرّجَ تاجُ المُلْك عن ضوء كوكَبِ
فتًى همُّهُ أن يشتري الحمدَ بالنَّدى ... فقد ذهبت أخبارُهُ كُلَّ مَذْهَبِ
مُفيدٌ ومتلافٌ كأنّ نَوَالَهُ ... علينَا نِجَاء العَارضِ المُتَنَصِّبِ
وقال أيضاً يمدحه:
إنّ الحواريَّ والّصِدِّيقَ وابنَهُمَا ... دعَائِمُ الدِّين إذ شُدَّت لَهُ الدِّعَمُ
وثابتاً ذا النَّدَى والمُصْعَبَيْن معاً ... وذَا اليَمِينينِ عبدَ الله بَعْدَهُمُ
شَدُّوا عُرَى مُصْعبٍ في كلِّ مكرُمَةٍ ... وعلَّمُوه من الخَيْراتِ ما عَلِمُوا
فَهْوَ الكريمُ مُلاقاةً ومُخْتَبراً ... وابنُ الكرامِ إذا مَا حُصِّلَ الكَرَمُ
رَحْبُ الفِناء رَخِىُّ الباعِ مُحْتمِلٌ ... للمُضْلِعاتِ إذا اشتَدّت بنا الازَمُ
لا تُنْكِرُ العُوذُ مِنهُ أن يُضِرَّ بها ... ولا العِشارُ إذا أضيافُهُ قَدِمُوا
стр. 198
ولا يبالِي وإن كانت مُمَانِحَةً ... أن يخضِبَ السيفَ من أنسائِهنَّ دمُ
يا ذا الندى، والذّي حَجَّ الحجيجُ لَهُ ... هَلْ بعد هذا على ذي مِحْنَةٍ قَسَمُ
لئن نَشَرتُ ثناءً لا خفَاءَ بهِ ... لقد بَسَطْتَ عطايَا مالَهَا قِيَمُ
ذُقنَا الثناءَ فلم نَأْلُ الجزاءَ بهِ ... وقد جَهدنا وما في نُصْحنا وَخَمُ
لن يُنْفِدَ القولَ ما أسديتَ من حَسَن ... يَا ابن الحواريِّ حتى تَنْفَدَ الكَلُمِ
ولا نزالُ بخيرٍ ما بقيتَ لنَا ... تَمَّتْ علينَا بك الآلاءُ والنِّعَمُ
وقال ميمون بن مالك الخضري، يمدحه:
وجدنَا بني آل الزبير كما مَضَى ... أبو وَجْزَةَ الماضي بكُمْ كان أعلماَ
إذ معشَرٌ كانوا الطِفَافَ لجارِهم ... زكمْتُمْ على المِكْيَالِ كَيْلاً غَذَمْذَمَا
стр. 199
إذا مصعبٌ أبدَى لك البابُ وَجْهَهُ ... جَلاَ وَجْهُهُ عنكَ الظَّلاَمَ فأنجماَ
وقال أيضاً يمدحه:
مَرِض الرداء فقال لي حين اشتكى ... لأياً لِغَيْركَ أدْننِى من مُصْعَبِ
فلقد رقَعْتَ بي الرِّقَاعَ كما تَرَى ... وانجَبْتْ مِنكَ عن القَرَا والمَنْكِبِ
وقال المقعد الكلابي، حماس بن الأبرش، يمدحه:
ستأتِي ابنَ عبد الله أجودُ مِدْحتِي ... وأهْدِي له مِنْها رِدَاءً مُحَبَّرَا
يزِينُ بأرْضِ البَدْو حين أشيعُهُ ... ويبلُغُ من آلِ الخَليفة عسكَرَا
فتًى من بني العوّام لم يرضِعِ الخَنَا ... ولم يكُ جَدَّاهُ عن المجْد قصَّرَا
стр. 200
قتيلُ حِباء لا قتيلُ مُدَامَةٍ ... تعطّفَ من طِيبِ الثَّنَا وتأزَّرَا
فتًى لا يبالي بعدَ حمدٍ يُصيبُهُ ... أأقبلَ ما فّوْق الخِوانِ أمَ ادْبرَا
فيا مُصْعبَ ابن المُصْعَبَيْنِ كليهمَا ...
ومن يَلِدَا يفخَرْ على الناسِ مَفْخَرَا
وجَدتُكَ أنت الفَرْعَ من آل غالب ... إذا خُيِّرتْ كنتَ الفَتَى المُتَخَيَّرَا
وتوفي مصعب بن عبد الله ليومين خلوا من شوال سنة ست وثلاثين ومئتين، وهو ابن ثمانين سنة.
قال الزبير: قال أحد بني أبي بكر بن عبد الله بن مصعب، يبكي مصعب بن عبد الله بن مصعب:
ونَائحةٍ تَنْثُو الرَّزِيّة مَوْهِناً ... فقلتُ لها: إنّ الرَّزيّةَ مُصْعَبُ
هُو المرء لا يَشْقَى به الحقُّ إن طَرَا ... ويَعرُو حَرَاهُ الطَّارقُ المُتَثَوِّب
стр. 201
فلو كان من رَضْوَى تَسهَّلَ وَعْرُها ... ومن كَبْكبٍ أنحَى إلى السَّهل كَبكَب
ولو كانَ من لُبْنَانَ زَالَ لَهَاضَةُ ... وزُلْزِلَ من لُبْنَانَ فرعٌ ومَنكِبُ
ولكنّنَا قومٌ أمِرَّ مَرِيرُنَا ... على الصَّبْر، والتَّقْوَى أعَفُّ وأقربُ
وما كنتُ أشْرِيه بفَرْعِ قبيلةٍ ... ولو ابَّنُوهُ ما استطاعوا وأطْنُبوا
يَفِيضُ إذا غاضُوا ويصفُو إذا قَذُوْا ... ويَخصِبُ مَغْنَاهُ إذا الحَيُّ أجْدَبُوا
وإن قالَ أبْرَا قولُه بَاطِنَ الجوَى ... ويفعلُ فِعْلاً ليسَ ما يُتَعَقَّبُ
ينالُ بأدنَى رايِةِ غَايةَ المَدَى ... ويَفرِجُ غُمَّاها إذا الناسُ أصعَبُوا
رُزِينَا الَّذِي لَوْ سِرْتَ في الأرض تَبْتغِي ... لَهُ شَبَهاً أعْيَى الّذي تَتَحسَّب
стр. 202
أصِيبَتْ به الأحْياء طُرَّا بأَسْرِهَا ... وصَبَّحَ أهْلَ اللهِ فَجْعٌ فأوْعَبُوا
وهي أكثر من هذا.
ومن
ولد عبد الله بن مصعب
محمد الأكبر، ومحمد الأصغر، لا عقب لهما، وأحمد، بنو عبد الله أمهم: خديجة بنت إبراهيم بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله بن عثمان بن حكيم لبن حزام وأمها: مسلمة بنت عثمان بن الضحاك بن عثمان بن الضحاك ابن عبد الله بن خالد بن حزام.
ولأحمد بن عبد الله عقب.
ولخديجة بنت إبراهيم يقول عبد الله بن مصعب:
أحِبُّ اللَّيلَ أنّي حينَ أمْسِى ... تُحدِّثُني فأفْهَمُ ما تقُولُ
أبُوهَا حين تَنْسُبُها حَكيمٌ ... وجَدَّاها عليٌّ والرَّسُولُ
стр. 203
ويَنْمِيهَا الزُّبَيْرُ إلى المَعَالِي ... أبٌ ضخْمٌ لَهُ باعٌ طويلُ
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله بن مصعب قال: كتبت خديجة بنت إبراهيم إلى أبي تلومه وتقول له: " تكتب إلي بخط غيرك، ولا تكتب إلي بخطك "؟ فأملى عليّ كتابهاً إليها، حتى إذا فرغت منه قال لي: أعطنيه. فأعطيته إياه، فكتب إليها:
كَتَبتْ خديجةُ في الكتاب تَلُومُنِي ... أنِّي أمِلُّ ولاَ أكونُ الكاتباَ
فَلأَ كتُبنَّ بخطِّ كَفَّى طائعاً ... ولأعْتِبَنَّ لئن سَلِمتِ العاتباَ
وعبد الله بن عبد الله بن مصعب، أمه أم ولد.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: قال لي عبد الله بن مصعب: أريت فيما يرى النائم رجلاً يقول لي: يولد لك ابن من أم ولدك فلا تراه. فلم يكن شيء أثقل عليه من حمل أم ولده أم بعد الله ابنه. فولدت عبد الله بن عبد الله يوم مات عبد الله بن مصعب، فلم يره.
ولم يبقى لعبد الله بن عبد الله إلا ابنةٌ، وقد توفيت.
فهؤلاء ولد ثابت بن عبد الله بن الزبير.
стр. 204
وأما
عامر بن عبد الله بن الزبير
فكان من العباد المنقطين. وكان عبد الله بن الزبير يقول له، لما يرى من تخشعه: يا بني، إني قد رأيت أبا بكر وعمر، فلم يكونا هكذا.
قال: وسمعت عمي مصعب بن عبد الله وغيره من أصحابنا يقولون: إن عامر بن عبد الله أقام يدعو لأبيه سنةُ لا يخلط معه غيره.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن يعلى بن عقبة قال: مر عامر بن عبد الله وأنا معه
стр. 205
بمنزل خاله المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فرأى جملاً دبرا بفنائه مناخاً، فقال المغيرة: ألك هذا الجمل؟ قال: نعم. قال: أفلا تعالجون دبره؟ قال: ليس الغلام حاضراً. قال: فدعا عامر جارية للمغيرة فقال: هات لي ماء. وألقى إلي رداءه، فعالج دبره بيده حتى فرغ منه، ثم غسل يديه وخرج. فقلت له في ذلك، فقال: إن أمي ماتت وأنا صغير لم أدرك برها، فأحببت أن أبرها في أخيها.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله: أن مالك ابن أنس قال: كان عامر بن عبد الله يواصل الصيام ثلاث ليالٍ، فكنت آتيه آخر يومٍ من صيامه أسأل به وأطلع حاله، فيشير إلى برد السلام.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب قال: سمع عامر ابن عبد الله المؤذن، وهو يجود بنفسه، ومنزله قريب من المسجد، فقال: خذوا بيدي. فقيل له: أنك عليل! فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده، فدخل في صلاة المغرب، فركع مع الإمام رَكْعةُ ثم مات، ﵀.
стр. 206
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قلت لعبد العزيز بن أبي حازم: خلتان كانت في عامر بن عبد الله ما عذره فيهما؟ كان إذا أعرض عن حد لم يكلمه أبداً، وكان لا يزوج بناته؟ فقال لي: كانت هاتان الخصلتان من أعيب ما في عامر. فقلت لعمي: فهل سمعت له في ذلك بمخرج؟ قال: نعم، أما الإعراض، فإنه كان رجلاً في خلقه ضيق، فإذا ناره من أحدٍ شيء، خاف أن يأتيه منه أكثر من ذلك، فقطع ما بينه وبينه. وأما منعه بناته من التزويج، فإني سمعت ناساً يقولون: نرى أن ذلك تخوفاً من أن يحنث من يتزوجهن بأيمان البيعة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير يقول: لا أزوج إلا كفؤاً في نسبه، كفؤاً في نشبه أيضاً، كفؤاً في يدنه. فخطب إليه هشام بن عبد الملك فرده، فقيل له: قد اجتمعت لك خصال في هشام، فلم رددته؟ فقال: ما كنت لأزوجها ابن قاتل أبيها.
حدثنا الزبير قال، وحدثني ذؤيب بن عمامة، عن عبد العزيز
стр. 207
ابن محمد الدراوردي، عن مصعب بن ثابت قال: كنت جاساً مع عمي عامر ابن عبد الله، فجاءه فتى من قريش شريف النسب، غامض الخال، فسلم عليه فرد ﵇، وقال له: يا أبا الحارث، أمتع الله بك، جئتك خاطباً. فأظلم ما بيني وبين عمي، معرفة مني بشدة ما لقيه به عليه، فلم يجبه عمي بشيء، فقال له الفتى: يا أبا الحارث، أمتع الله بك، أما لكلامي جواب؟ فقال عامر: إن من كان بين حسنة يشكرها، وسيئة يستغفر منها، لمشغول عن كلامك، فلما ولى الفتى نظر عامر في قفاه ثم قال:
فلو كَانُوا لِكَيَّسَةٍ أكاسَتْ ... وكَيْسُ الأمِّ أكْيَسُ للبَنِينا
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: قيل لعامر بن عبد الله: أخطأ الجراد نخلك وأصاب الناس. فقال: أشهد كم أنها صدقة على المساكين. فقلت له: بالنخل تصدق أم بالثمر؟ قال: لا أراه والله إلا
стр. 208
بالنخل، وأظنها صدقة من المخدمين بمكة. ولو كان تصدق بالثمر سنة واحدة، ما أنتفع منه بشيء أبداً.
وكان ألزم الناس لوتيرة واحدة. لقد سرقت نعلاه مرة من المسجد، فأنصرف حافياً، فما لبس نعلين، وما زال حافياً حتى لقي الله.
ولقد انهدمت أظفار من درجته، فبات تلك الليلة في الدار، فعملت الغد، في الدار حتى لقي الله .
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد لله، عن عمر بن عثمان بن عمر قال: كان جار لعامر بن عبد الله بن الزبير يسئ جواره، فأشترى عامر منه منزله بألف دينار، على أن يجمعها له في ثلاث سنين، وعامر بالخيال في ذلك. فكان يقول لجلسائه: قد أجتمع من ثمن المنزل كذا والحمد لله. إلى أن قال لهم ذات عشية: قد اجتمع ثمن منزله كله والحمد لله، وأرجو أن أدفع ذلك غداً والحمد لله، وأكتب الكتاب. فقال له صديق له: هل لك في صديقك فلان نعوده فإنه مريض؟ قال: نعم. فقام إليه فدخل عليه، فسأله كيف هو؟ فقال له الرجل: واويله ووايلاه مما في الصندوق، ليت فيه بدله عقارب أو أفاعي أو جمراً
стр. 209
يتلهب. فقال له عامر: لا تقل هذا، وأبشر، فأني أرجو أن يقيل الله ويرفعك حتى تنظر فيما في الصندوق وتستعتب. ثم خرج عامر، فما بلغ منزله حتى أتاه إنسان فأخبره أنه مات، فخرج عامر في جنازته، فجعل يلتفت إليه وهو على سرسه بين ساعتين فيقول: الحمد لله الذي وعظني بك ولم يعظك بي. قال: فما سمع عامر ذاكراً لمنزل حتى مات. فيرى أنه تقرب بثمنه إلى الله .
أخبرنا الزبير قال، وحدثني عياش بن المغيرة قال: كان عامر بن عبد الله بن الزبير إذا شهد جنازة وقف على القبر فقال: ألا أراك ضيقاً؟ ألا أراك دقعاء؟ ألا أراك مظلماً؟ لئن سلمت لا تأهبن لك أهبتك. فأول شيء تراه عيناه من ماله يتقرب به إلى ربه. قال: رقيقه ليعترضون له عند انصرافه من الجنائز ليعتقهم.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن الضحاك، وعبد الرحمن بن المغيرة الحزامي: أن عامر بن عبد الله دفع إلى محمد بن زياد مولى مصعب بن الزبير،
стр. 210
ثلاثين ألف درهم وقال له: أقسمها في بيوتات الأنصار، ولا تعطين منها بيتاً حارثياً درهماً، فإني سمعت الله ذكر أنهم قالوا: " إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً "، وهم الذين دخلوا على قومي يوم الحرة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمامة بن عمرو السهمي، عن مسور بن عبد الملك اليربوعي مثله، إلا أنه قال: دفعها إلى عبد الله بن زياد مولى مصعب ابن الزبير.
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي مصعب بن عبد الله، ومحمد بن الضحاك، ومن شئت من أصحابنا: أن رجلاً أودع محمد بن المنكدر خمسمئة دينار، فأستنفقها محمد بن المنكدر، فقدم الرجل، فجعل ابن المنكدر يدعو ويقول: اللهم إنك تعلم أن فلاناً أودعني خمسمئة دينار فاستنفقتها، وقد قدم وليست عندي، اللهم فاقضها عني ولا تفضحني. فسمع عامر دعاءه، فأنصرف إلى منزله فصر خمسمئة دينار، ثم جاء بها فوضعها بين يدي محمد بن المنكدر، ومحمد مشغول بالصلاة والدعاء لا يشعر، فانصرف محمد من لصلاته فرآها بين يديه، فأخذها
стр. 211
وحمد الله. قال عامر: فخشيت أن يفتتن، فذكرت له أني وضعتها، وأخبرته ما خفت عليه من الفتنة.
حدثنا الزبير قال، وأخبرني عثمان وغيره: أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان ربما أنصرف من العشاء الآخرة، قتعرض له الدعوة وقد بلغ موضع الجنائز، فيرفع يديه يدعو حتى يؤذن الصبح. فيرجع من مكانه ذلك إلى المسجد بوضوئه فيصلي الصبح.
حدثنا الزبير قال، حدثني محمد بن مسلمة، عن مالك بن أنس: أن عامر بن عبد الله كان يواصل في شهر رمضان ثلاثاً. فقيل له: ثلاثة أيام؟ فقال: لا، ومن يقول يواصل ثلاثة أيام؟ يومين وليلة.
قال: وكان عامر يشرب السمن، ربما أرسلني ربيعة أسأل عنه خلف القبر، فآتيه بعد العصر أسأل عنه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني سفيان بن عيينة قال: ذهبت أرمي الجمار مع أبي، فرأينا رجلاً يطيل القيام عند الجمار يدعو. فأرسلني أبي فقال:
стр. 212
سل من هذا؟ قال: فسألت عنه فقيل: هذا عامر بن عبد الله بن الزبير. ورأيت عليه عمامة وقد أرخى فضلها بين كتفيه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني رجل قال، حدثني إسحاق بن محمد الفروي قال، حدثني مالك بن أنس قال: كنت يوماً مع عامر بن عبد الله بن الزبير، ولم أر مثله في زمانه كان أكثر فضلاً، فوقف عليه ابن ذي الزوائد السعدي في المسجد فقال:
إذا عَدَّتْ منَاقِبهَا قُرَيْشٌ ... فإنّكَ عامرُ بن أبي خُبَيْبِ
أبوك العَاِئذُ المَهْدِيُّ حَبْرٌ ... وأمُّك نِعْمَ والدةُ النَّجِيبِ
فِجْئتَ مُهذَّبَ الأعْراقِ مَحْضاً ... سُلاَلَ الصَّفْوِ من كَرَمٍ قَطيبِ
стр. 213
قال: فلما أتى عليها، أمر له بأعدادها دنانير، فأخذ لكل بيت ديناراً. قال: وكان إذا مدح فذكر أبواه أو أحدهما، أثاب من فعل ذلك، وإذا لم يذكرا لم يفعل.
ومن ولد عامر بن عبد الله
عتيق بن عامر، وابنه عمر بن عتيق، قتلا بقديد.
ومن
ولد موسى بن عبد الله بن الزبير
صديق بن موسى، الذي حدث أن رسول الله ﷺ قال: " لا تعضية على أهل الميراث إلا فيما حمل القسم ".
стр. 214
وموسى بن صديق، كان من أهل الفضل والعفاف، وولى صدقة الزبير.
وإبراهيم بن موسى بن صديق بن موسى وأمه: صفية بنت عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، كان من أهل الفضل والنسك والعلم بالآثار والأشعار والأخبار والفقه والفصاحة. نظر في العلم، فلما كان فيه رأساً، أعتزل بالسُّوَارِقيَّة حتى مات.
حدثنا الزبير قال، وحدثني بعض أصحاب المغيرة بن عبد الرحمن قال: كان رجل من أهل البصرة يلزم المغيرة بن عبد الرحمن على تعلم الفقه، وكان رجلاً فهماً. فلما فقه، أراد الخروج من المدينة، فقال للمغيرة: يا أبا هاشم، ألا أصفك وأصف أصحابك؟ قال له المغيرة: بلى، فأفعل. فقال له: أنت السابق، وإبراهيم ابن موسى بن صديق المصلى، وابنا الماجشون ينطقان بلسان واحدٍ.
стр. 215
يريد: عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة وأمه: بنت الماجشون بن أبي سلمة، فهو جده أبو أمه.
ويريد: يوسف بن بعد العزيز الماجشون.
وقد كان يقول من الشعر شيئاً، وهو الذي يقول:
نُعَلَّلُ بالدُّنْيَا ونَعرِفُ غِبهَّا ... ويَمْنعُنَا حِرْصُ النُّفُوس الشَّحائحِ
وأحْزَنني أنْ لاَ أزالَ مُوَكَّلاً ... بِتَأمِيلِ أمْرٍ لستُ فيه برَابحِ
فيا باكياً شَجْواً، على الدِّين والتُّقَى ... فبَكِّ بمُرْفَضٍ من الدمْعِ سَافحِ
ولِلعلم والإسْلام والحِلْمِ والنُّهَي ... فِهجْ عَبْرةً جَادَتْ بما في الجوانِح
أصابَهُمُ رَيْبُ المَنُونِ فأصبَحُوا ... تُرَاباً وهَاماً تحتَ صُمِّ الصَّفَائَحِ
وعُرِّيتِ الأحْسَابُ والدينُ بعدهُمْ ... فصارت كمهجُورٍ من الأرْضِ نازحِ
ومن ولد عبد الله بن الزبير
أبو بكر أمه: ريطة بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
следующие страницы →