Полный текст (499 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
على حوض قديد، فسمعا محمد بن النعمان بن أبي عياش الزرقي، الذي يعرف بشذرة، يقول: الحمد لله الذي هذا الذل في قريش! فقال حمزة بن مصعب أبنه عمارة: يا بني، ألا تسمع ما يقول هذا المنافق؟ فقال له عمارة: والله يا أبه، لا أبدأ بأول منه. فقام إليه فضرب رأسه، فطرحه في الحوض، وشد على الحرورية وهو يقول:
لَمْ يبقَ إلا حَسَبي ودِيني
وصَارِمٌ تَلْتذهُ يَمِيني
فلم يزل يقاتل هو وأبوه حتى قتلا. فطلبت بنو زريق آل الزبير بدم صاحبهم، فقال لهم آل الزبير: قتل قاتل صاحبكم! فلم يكن في ذلك شيء.
وسعد، ومحمد، ومصعب. وولد مصعب، لأمهات أولاد شتى.
стр. 317
ومصعب، هو الذي يقال له: " خُضَيْرٌ ". وإنما سمي " خُضَيْرًا "، لأنه كان أدم. وولد بعد قتل أبيه، فأسمى باسمه. وقالت عمته رملة بنت الزبير: هذا خضير! فبذلك السبب سمي " خُضَيْرًا ".
ورملة أخت مصعب بن الزبير لأبيه وأمه وأمهما: الرباب بنت أنيف الكلبية.
ولكل ولد مصعب عقب، إلا سعداً، ومصعباً، فليس لهم عقب.
ولمحمد ومصعب ولد من قبل النساء.
وكانت حمادة بنت عيسى بن مصعب بن مصعب، عند علي بن عبيد الله، فولدت له وأمها: مريم بنت محمد بن مصعب بن الزبير وأمها: أمة الحميد بنت عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة.
فولدت صفية بنت علي بن عبيد الله: عبيد الله، وجعفراً، وأبا داود، بني عبد الله بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب.
وكانت بنت محمد بن مصعب أمينة، عند الزبير بن خبيب، فولدت له: رملة، ورقية.
стр. 318
فتزوج عبد الواحد بن محمد بن لوط النوفلي، من ولد نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، رملة بنت الزبير بن خبيب: فولدت له يحيى بن عبد الواحد. لم يبقى ليحيى ولد إلا جارية.
ومن
ولد مصعب بن مصعب بن الزبير
إبراهيم بن مصعب، المعروف بابن خضير، قتل مع محمد بن عبد الله. وكانت له شجاعة موصوفة.
وله يقول رماح بن أبرد ابن ميادة، في مرثيته لرياح بن عثمان ابن حيان:
стр. 319
مَرَرْتُ على الفُراتِ فَهَاجَ دمْعِي ... مَعَ الإشْرَاقِ ضَجَّاتُ النُّوَاحِ
فقلتُ حَواصِنًا ينْدُبْنَ بُحَّا ... بنَاحِيَةَ ابْنَ عَمِّكَ ذَا الصَّلاحِ
فما رُزِئَ العَشِيرةُ من قتيلٍ ... أعَزَّ على العَشِيرةِ من رياحِ
سَقَتْهُ السَّاقِياتُ من المنايا ... نِطَاسَ العِلْم فَوَّازَ القِداحِ
стр. 320
مَتَى يا ابن الخُضَيْر تَقُولُ قيساً ... تُنادِى في الفَوارِس بالشِّيَاحِ
قَتَلْتُمْ رأْسَ قَيْسٍ ثم قُلْتُمُ ... سَنَخْلِطُ عَقْلَ سَكْرانٍ بصَاحِ
كَذَبْتم لا يُقِرُّ الضَّيْمَ إلاّ ... لَئِيمُ القَوْمِ ذو الوَجْهِ الوَقَاحِ
حدثنا الزبير قال، وحدثني إبراهيم بن حمزة بن محمد، عن محمد ابن أيوب بن حسن الرافعي، عن أبيه قال: كنا نخرج كل يوم جمعة مع غلمان المدينة غلمان الكتاب، فنقعد على نقب واقم، فننظر إلى بني مصعب ابن الزبير إذا دخلوا من الجوانية، ينزون على الخيل العراب.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن عمر بن القاسم العمري قال: كان بنو مصعب بن الزبير ينتجون الخيل في دارهم، دار بني مصعب.
стр. 321
ومن ولد خضير، مصعب بن مصعب بن الزبير:
خالد بن مصعب بن مصعب، وكانت له مروءة وحال جميلة.
وهو الذي يقول لأخيه منذر بن مصعب، وعاوض بعض أصحابه يمال له على عين المهد من الفرع، إلى مال لأخيه بالجوانية، فقال خالد:
خليليِ أبا عثمان ما كانتَ تاجراً ... أتأخُذُ أنضاحاً بِنَهْر مُفَجَّرِ
أتجعَلُ أنضاحاً قليلاً فُضُولُها ... إلى المُهْدِ يوماً أو إلى عَيْنِ عَسْكَرِ
وتأتِي بعَصْفٍ حينَ تحمِلُ نَخْلُها ... فَغًي لْيسَ يُرْجَى للعُلُوفةِ أغبَرِ
стр. 322
ومن
ولد خالد بن الزبير بن العوام
محمد بن خالد بن خالد بن الزبير، وهو الذي يقول يرثى قوماً من ولد الزبير قتلوا بقديد:
ولقد أبقتِ الحوادثُ في قَلْبِكَ شُغْلاً على عَقَابيل شُغَلِ
ببني خالدٍ تَوَالَوْا كرِاماً ... من فتًى ناشئ أديبٍ وكَهْلِ
كافَحُوا الموتَ في اللِّقاء وكانُوا ... أهْلَ بَأْسٍ وسَابقاتٍ وفَضْلِ
وعُلًى يَفْرَعُ النجومَ ذُرَاها ... وندًى في المُعَصِّبينَ وفِعْلِ
وقِرًى دائِمٍ إذا أقْحَطَ القَطْرُ، ورَاثَ القِرَى على الضْيْفِ جَزْلِ
ولقد أرْدتِ الوَقيعةُ منَّا ... بقُدَيدٍ فوارِساً غيرَ عُزْلِ
حَمْزةَ الماجدَ الذي جَدَّلُوهُ ... دَراعاً ذا حَفِيظةٍ غيرَ وَغْلِ
стр. 323
وابنَهُ يضربُ الفوارس كالصَّا ... رِمِ أمسَى حَديثَ عَهْدٍ بصَقْلِ
وابنَ عُكَّاشةَ الذي كان فيهم ... لَيْثَ خِيسٍ يَحُوم فيه بشِبْلِ
والفتَى مُنْذِراً سَقَوْهُ المنايَا ... باسلَ البأسِ في مَصَالِيتَ بُسْلِ
وقال أيضاً في يوم قديد:
ما أبْصَر النَّاظِرون من سَلَفٍ ... مثلَ البَهاليلِ من بني أسَدِ
بيضٌ مَصَاليتُ حين واجَهَهَا البَأْسُ وأحضى العِبادُ في كَبَدِ
لم يَنْكُلُوا في اللّقاءِ يوم غَدَوْا ... في البَيْضِ تُعْشِى العُيُونَ والسَّرَدِ
من كُلّ كَهْلِ مُجَرَّبِ وفَتًى ... في الرَّوْعِ ذي نَجْدَةٍ وذي جَلَدِ
يدعُون آلَ الزُّبَيْر ضَاحِيةً ... في ثَرْوَةٍ مِنْهُمُ وفي عَدَدِ
стр. 324
حتَّى إذا مَا التقَتْ كتائبُهُمْ ... بالبِيضِ مَسْلُولَةً من الغُمُدِ
كانُوا لمن باتَ خائفاً عَضُداً ... لا يَبْعَدُوا من حِمًى
ومن عَضُدِ
كانوا سِمَاماً لمنْ يُحَاربُهُمْ ... قِدْماً، ومَأوًى لكُلِّ مُضْطَهدِ
ومن
ولد عمر بن الزبير بن العوام
الوليد بن عمرو بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير، وكان مَرِيَّا سَرِيًّا.
واستخلف على المدينة، استخلفه بعض ولاتها.
وكان من جلساء مالك بن أنس. فذكر بعض أصحابنا أنه الذي ألف لمالك بن أنس مُوَطَّأه.
стр. 325
ويحيى بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير، كان فصيحاً شاعراً.
وسعيد بن عمرو بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير.
روى عن مالك، وعن عبد الملك، وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد.
ولى الشرط بدمشق للعباس بن محمد بن إبراهيم. ثم دعاه أبو البختري وهب إلى ولاية شرط المدينة، ووهب بن وهب إذ ذاك يليها لأمير المؤمنين هارون الرشيد، فأبى ذلك عليه. فحلف وهب ليضربنه وليسجننه، ثم لا يرسله ما دام له سلطان. فقبل عمله.
وأعطاه أبو البحتري وهب بن وهب مئة دينار، وذلك بعد صلاة العصر، فأنصرف سعيد بن عمرو إلى منزله، ومضى معه رسول أبي البختري بالمئة الدينار. فلما صار إلى منزله، قال له الرسول: هذه الدنانير. قال: ضعها في تلك الكوة. فلما أصبح سعيد بن عمرو جلس في الرحبة، وأرسل إلى ثلاثة من فقهاء المدينة،
стр. 326
وهم: أبو زيد محمد بن زيد الأنصاري، ومطرف بن عبد الله اليساري، وعبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة ابن بنت الماجشون، فقال لهم: رزقني الأمير ثلاثين ديناراً، فأنا بينكم، لكل رجل عشرة دنانير، وقد استخلفتك يا أبا زيد. فقال أبو زيد: إن عشرة دنانير لمستراد لها، ولكن ضعف عن أن أخلفك أصلحك الله. وقال لعبد الملك: وأما أنت يا عبد الملك فقد استكتبتك. فقال له عبد الملك: إن عشرة دنانير أصلحك الله لكل شهر لمرغوب فيها، ولكني ضعيف البصر، ولا يكون الكاتب ضعيف البصر. قال: وأما أنت يا مطرف، فقد استعملتك على الطواف قال: وكان مطرف ضيقاً فقال له: والله لو استعملتني على عملك ما قبلته، فكيف أعمل لك على الطواف؟ فقال: ما أنا بتارككم ولا معفيكم إلا أن أعفى من ولاية الشرط. فدخلوا على
стр. 327
أبي البختري فذكروا ذلك له، فأرسل إليه، فلما جاءه كلمه في تركهم، فقال له سعيد: ليس لك أن تكرهني، وتمنعني من إكراههم. فقال له: تنظر في أمرك ولا تعجل. فحلف له سعيد فاجتهد: لا يعمل له إلا أن يدعه يكره على العمل من رأى. فقال له: ضع سيفنا. فوضع السيف وانصرف إلى منزله، وألحقه أبو البختري رسولاً فقال له: يقول لك الأمير، أن رد المئة الدينار التي أعطيتك. فقال للرسول: أين كنت وضعتها؟ قال: أمرتني أن أضعها في تلك الكوة. قال: فانظرها حيث وضعتها. فأخذها الرسول من الكوة وذهب بها إلى أبي البختري. فقال في ذلك سعيد بن عمرو:
أظَنَّ وَهْبُ بن وهبٍ أن أكونَ له ... لمَّا تَغَطْرَسَ في سُلْطانه تَبَعَا
стр. 328
ومن ولد عمرو بن الزبير بن العوام:
محمد بن الوليد بن عمرو بن الزبير بن عمرو بن عمرو بن الزبير.
ولي شرطة مكة لصالح بن العباس بن محمد، وكان ممن يستشار بالمدينة.
ومن
ولد جعفر بن الزبير بن العوام
محمد بن جعفر. وكان يروي عن عروة بن الزبير.
وشعيب بن جعفر. كان من سروات قريش.
وله، ولمصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، يقول إبراهيم بن علي ابن هرمة، في شعر ذم فيه رجلاً فقال:
стр. 329
رَأيْتُكُ مُحْتَلاً كأنّكَ لم تُصِبْ ... نَعِيماً، ولم تَنْبُتْ ببعضِ المَنَابتِ
كأنّكَ لم تَصْحَبْ شُعَيْبَ بَن جعفرٍ ... ولا مُصْعَباً ذا المكُرمات ابِنَ ثَابتِ
ومن ولد جعفر بن الزبير بن العوام
أم عروة بنت جعفر بن الزبير روت عن أبيها جعفر بن الزبير. قال الزبير وقد رأيتها.
ولعبيدة بن الزبير عقب.
стр. 330
وكل بني الزبير له عقب، إلا حمزة بن الزبير أنقرض عقبه. كان آخرهم عمارة بن حمزة بن الزبير، مات ولم يبق من عمومته إلا عروة وجعفر ابنا الزبير، داره من بقيع الزبير لهما، وهي الدار التي تعرف بعروة ابن الزبير.
فقال عروة بن الزبير لأخيه جعفر: يا أخي، قد أوحشني خروجي من بقيع الزبير، فلو أخذت حقي من حوانيت السوق، وأعطيتني حقك من هذه الدار؟ ففعل جعفر.
فهؤلاء ولد الزبير بن العوام.
стр. 331
ومن
ولد عبد الرحمن بن العوام
بن خويلد بن أسد بن عبد العزى:
عبيد الله، لا عقب له، قتل مع معاوية يوم صفين.
وعبد الله بن عبد الرحمن، قتل يوم الدار مع عثمان ﵀.
وأمهما: جمينة بنت عبد العزي بن قطن، من بني المصطلق، وهي من المبايعات.
стр. 332
ومن ولد عبد الرحمن:
خارجة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن العوام، قتل مع عبد الله ابن لازبير بمكة وأمه: أم عمرو بنت معتب بن أبي لهب بن عبد المطلب.
ومن
ولد خارجة بن عبد الله
سهيل، وجعفر، ابنا خارجة بن عبد الله بن عبد الرحمن وأمها: ليلى بنت سهيل بن حنظلة بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب.
وأختهما لأمهما: أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وكانت تصلهم بهذه الرحم.
وقد أنقرض ولد العوام كلهم، إلا ولد الزبير وعبد الرحمن.
стр. 333
ولد حزام بن خويلد
حكيماً، وخالداً، وهشاماً وأمهم: فاختة بنت زهير ابن الحارث بن أسد بن عبد العزي.
حكيم بن حزام بن خويلد
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان قال: دخلت أم حكيم ابن حزام الكعبة مع نسوة من قريش، وهي حامل بحكيم بن حزام، فضربها المخاض في الكعبة، فأتيت بنطح حيث أعجلها الولاد، فولدت حكيم بن حزام في الكعبة على النطح.
стр. 334
وكان حكيم بن حزام من سادات قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن عبد الرحمن المرواني قال: جاء الإسلام والرفادة بيد حكيم بن حزام.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن الضحاك، عن أبيه قال: لم يدخل دار الندوة أحد من قريش للمشورة حتى بلغ أربعين سنة، إلا حكيم ابن حزام، فإنه دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: جاء الإسلام ودار الندوة في يد حكيم بن حزام، فباعها بعد من معاوية بن أبي سفيان بمئة ألف درهم. فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش! فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى، يا ابن أخي، إني اشتريت بها داراً في الجنة، أشهدك أني قد جعلتها في سبيل الله.
стр. 335
حدثنا الزبير قال، وأخبرني محمد بن حسن: أن حكيم بن حزام وعبد الله بن مطيع اشتريا دار حكيم بن حزام ودار عبد الله بن مطيع بالبلاط فتقاوياهما، فصارت لحكيم داره بزيادة مئة ألف درهم، وصارت لعبد الله ابن مطيع داره، فقيل لحكيم: غبتك بشروع داره على المسجد. فقال: دار كدار، وزيادة مئة ألف درهم. وتصدق بالمئة الألف درهم علة المساكين.
حدثنا الزبير قال، وأخبرني إبراهيم بن حمزة: أن مشركي قريش لما حصروا بني هاشم في الشعب، كان حكيم بن حزام تأتيه البعير تحمل الحنطة من الشأم، فيقبلها الشعب ثم يضرب أعجازها، فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها من الحنطة.
وله كان زيد بن حارثة، وهبة لخديجة بنت خويلد عمته، فوهبته للنبي ﷺ ، فأعتقه وتبناه حتى أنزل الله : (أدْعُوهُمْ لآِبَائِهِمْ هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ الله فإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فإخْوَانُكُمْ في الدّينِ ومَوَالِيكُمْ) ، فنتسب زيد إلى أبيه حارثة، وهو رجل من كلب أصابه سِبَاءٌ.
стр. 336
حدثنا الزبير قال، وحدثني يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري قال، حدثني عثمان بن عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبيه، عن أبي بكر ابن سليمان قال: حج حكيم بن حزام معه بمئة بدنة، قد أهداها وجللها الحبرة وكفها عن أعجازها، ووقف مئة وصيف يوم عرفة في أعناقهم أطوقه الفضة، قد نقش في رؤوسها: " عتقاء الله عن حكيم بن حزام "، وأعتقهم، وأهدى ألف شاة.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال: جاء الإسلام، وفي يد حكيم الرفادة، وكان يفعل المعروف، ويصل الرحم، ويحض على البر. عاش ستين سنة في الجاهلية، وستين سنة في الإسلام.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي، عن أبيه قال: عاش حكيم بن حزام في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة.
стр. 337
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان مثل ذلك. قال مصعب بن عثمان: وكان يشرب في كل يوم شربة ماء لا يزيد عليها. فلما بلغ مئة سنة، دعا غلامه بالماء، وقد كان شرب، فقال له: يا مولاي، قد شربت اليوم شربتك. قال: فلا إذاً. فأقام على شربة واحدة كل يوم حتى بلغ مئة وعشر سنين. ثمن استسقى الغلام فقال له: قد شربت شربتك. قال: وإن. فأقام على شَرْبَتَيْ ماء كل يوم حتى مات.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمامة بن عمرو السهمي، عم مسور ابن عبد الملك اليربوعي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: كان ابن برصاء الليثي من جلساء مروان بن الحكم ومحدثيه، وكان يسمر معه، فذكروا عند مروان الفيء فقالوا: مال الله، وقد بين الله قسمة، فوضعه عمر بن الخطاب مواضعه. فقال مروان: المال مال أمير المؤمنين معاوية، يقسمه فيمن شاء، ويمنعه ممن شاء، وما أمضى فيه من شيء فهو مصيب فيه.
فخرج ابن البرصاء فلقي سعد بن أبي وقاص فأخبره بقول مروان، فقال سعيد بن المسيب: فلقيني سعد بن أبي وقاص وأنا أريد المسجد، فضرب عضدي ثم قال: الحقني تربت يداك. فخرجت معه لا أدري أبن يريد، حتى دخلنا على مروان في داره، فلم أهب شيئاً هيبتي له، وجلست لئلا يعلم مروان أني كنت
стр. 338
مع سعد، فقال له سعد لما دخل عليه قبل أن يسلم: يا مري، آنت الذي يزعم أن المال مال معاوية؟ فقال مروان: ما قلت، ومن أخبرك؟ قال: آنت الذي يزعم أن المال مال معاوية؟ قال مروان: وقلت ذاك، فمه؟ قال: فردد ذلك عليه وقال: فقلت ذاك، فمه؟ قال فرددها الثالثة، وقال: وقلت ذاك، فمه؟ فرفع سعد يديه إلى الله يدعو، وزال رداؤه عنه، وكان أشعر بعيد ما بين المنكبين، فوثب إليه مراون فأمسك يديه وقال: اكفف عني يدك أيها الشيخ، إنك حملتنا على أمر فركبناه، فليس الأمر كذلك. فقال سعد: أم والله لو لم تنزع، ما زلت أدعو عليك حتى يستجاب لي أو تنفرد هذه السالفة.
فلما خرج سعد ثبت في مجلس عند مروان، فقال مروان: من ترونه قال هذا لهذا الشيخ؟ فقالوا: ابن البرصاء الليثي، فأرسل إليه فأتى به، فقال: ما حملك على أن قلت لهذا الشيخ ما قلت؟ قال الليثي: ذاك حق قلته، ما كنت أظنك تجترئ على الله وتفرق من سعد! فقال له مروان: أو كل ما سمعت تكلمت به؟ أما والله لتعلمن، برز، جرد. فجرد من ثيابه، وبرز بين يديه.
стр. 339
قال: فبينا نحن على ذلك إذ دخل حاجبه فقال: هذا أبو خالد حكيم ابن حزام. فقال: إيذَنْ له. ثم قال: ردوا عليه ثيابه، أخرجوه عنا لا يهيج علينا هذا الشيخ كما فعل الآخر قبله. فلما دخل حكيم قال مروان: مرحباً بك يا أبا خالد، ادن مني. فحال له مروان عن صدر المجلس حتى كان بينه وبين الوسادة، ثم استقبله مروان فقال: حدثنا بدر. فقال: نعم، خرجنا حتى إذا نزلنا الجحفة، رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، وهي زهرة، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدراً. ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله . فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل ماذا؟ قلت: إنكم لا تطلبون من محمد ﷺ إلا دم ابن الحضرمي، وهو حليفك، فتحمل بديته وترجع بالناس. فقال لي: فأنت وذاك، فأنا أتحمل بدية حليفي، فأذهب إلى ابن الحنظلية، يعني أبا جهل، فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك
стр. 340
عن ابن عمك؟ فجئته، فإذا هو في جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا ابن الحضرمي ولقف على رأسه وهو يقول: قد فسخت عقدي من عبد شمس، وعقدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع بالناس عن ابن عمك بمن معك؟ قال: أما وجد رسولاً غيرك؟ قلت: لا، ولم أكن لأكون رسولاً لغيره. قال حكيم: فخرجت أبادر إلى عتبة لئلا يفوتني من الخير شيء، وعتبة متكئ على إيماء بن رحضة الغفاري، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل الشر في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك! قال له عتبة: ستعلم. فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال إيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا. فعند ذلك قامت الحرب.
حدثنا الزبير قال، حدثني عمي: أن حكيم بن حزام أنهزم يوم بدر، فلحق بعبد الرحمن بن العوام، وبعبيد الله بن العوام، مترادفين على جمل، وكان عبيد الله بن العوام أعرج، فلما رأى عبد الرحمن حكيماً قال لأخيه: أنزل بنا عن
стр. 341
أبي خالد. قال: أنشدك الله، فإني أعرج لا رجلة لي. قال: والله لتنزلن عنه، ألا تنزل عن رجل إن قتلت كفاك، وإن أسرت فداك؟ فنزلا عنه وحملاه على جملهما، فنجا عليه، وجاء عبد الرحمن بن العوام على رجليه، وأدرك عبيد الله فقتل.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن سلام، عن يزيد بن عياض قال: أهدى حكيم بن حزام للنبي ﷺ في الهدنة التي كانت بين النبي ﷺ وبين قريش، حلة ذي يزن، اشتراها بثلاثمئة دينار، فردها عليه رسول الله وقال: إني لا أقبل هدية مشرك. فباعها حكيم، وأمر رسول الله ﷺ من اشتراها له، فلبسها رسول الله، فلما رآه حكيم فيها قال:
ما ينظُرُ الحُكَّام بالفَصْلِ بعد مَا ... بدَا سَابقٌ ذو غُرَّةٍ وحُجولِ
فكساها رسول الله أسامة بن زيد بن حارثة، فرآها عليه حكيم فقال: بخ بخ يا أسامة، عليك حلة ذي يزن! فقال له رسول الله: قل له: وما يمنعني
стр. 342
وأنا خير منه، وأبي خير من أبيه.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عبد الله بن معاذ الصنعاني، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن حكيم بن حزام قال قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية، من صدقة وعتاقة وصلة رحم، هل فيها من أجر؟ قال فقال النبي ﷺ : أسلمت على ما سلف من خير.
حدثنا الزبير قال، وحدثني حسين بن سعيد بن هاشم بن سعد، من بني قيس بن ثعلبة، قال، حدثني يحيى بن سعيد بن سالم القداح، عن أبيه، عن ابن جريج، عن عطاء قال: لا أحسبه إلا رفعه إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ليلة قربه مكة في غزوة الفتح: إن بمكة أربعة نفر من قريش، أربأ بهم عن الشرك، وأرغب لهم في الإسلام. فقيل: ومن هم
стр. 343
رسول الله؟ قال: عتاب بن أسيد، وجبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو.
حدثنا الزبير قال، وأخبرني عمي: أن الإسلام جاء والرفادة والندوة في يد حكيم بن حزام. وكان حكيم إذا حلف حيث أسلم يقول: لا والذي نجاني يوم بدرٍ.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، سمعت مصعب بن عثمان أو غيره من أصحابنا يذكر، عن عروة بن الزبير قال: لما قتل الزبير يوم الجمل، جعل الناس يلقوننا بما نكره، ونسمع منهم الأذى، فقلت لأخي المنذر: أنطلق بنا إلى حكيم بن حزام حتى نسأله عن مثالب قريش، فنلقى من يشتمنا بما نعرف. فانطلقا حتى ندخل عليه داره، فذكرنا ذلك له، فقال لغلام له، أغلق باب الدار. ثم قام إلى سوط راحلته، فجهل يضربنا ونلوذ منه، حتى قضى بعض ما يريد، ثم قال: أعندي تلتمسان معايب قريش؟ ايتدعا في قومكما، يكف عنكما ما تكرهان. فانتفعنا بأدبه.
стр. 344
حدثنا الزبير قال، قال عمي مصعب بن عبد الله: وسمعت أبي يقول: قال عبد الله بن الزبير: قتل أبي وترك ديناً كثيراً، فأتيت حكيم بن حزام أستعين برأيه وأستشيره، فوجدته في سوق الظهر، معه بعير آخذاً بخطامه يدور به في نواحي السوق، فسلمت عليه وأخبرته ما جئت له، فقال: البث على حتى أبيع بعيري هذا. فطاف وطفت معه، حتى إني لأضع ردائي على رأسي من الشمس. ثم أتاه رجل فأربحه فيه درهماً، فقال: هو لك. وأخذ منه الدرهم، فلم أملك أن قلت له: حبستني ونفسك ندور في الشمس منذ اليوم من أجل درهم! فوددت أني غرمت دراهم كثيرة ولم تبلغ هذا من نفسك! فلم يكلمني. وخرجت معه نحو منزله، حتى أنتهى إلى هدم بالزوراء فيه عُجَيِّزٌ من العرب، فدنا إليها فأعطاها ذلك الدرهم، ثم أقبل عليّ فقال: يا ابن أخي، غني غدوت اليوم إلى السوق، فرأيت مكان هذه العجوز، فجعلت لله على أن لا أربح اليوم شيئاً إلا أعطيتها إياه، فلو ربحت كذا وكذا لدفعته إليها، وكرهت أن أنصرف حتى أصيب لها شيئاًن فكان هذا الدرهم الذي رزقت.
قال فلما صرنا إلى المنزل، دعا بطعامه، فأكل وأكلت معه، حتى إذا فرغ أقبل عليّ فقال: يا أبن أخي، ذكرت دين أبيك، فإن كان ترك مئة ألف فعلى نصفها. قلت: ترك أكثر من ذلك. قال: فإن كان ترك مئتي ألف فعلى نصفها. قلت: ترك أكثر من ذلك. قال: فأن كان ترك ثلاثمئة ألف فعلي نصفها. قلت: ترك أكثر من ذلك قال: لله أنت، كم ترك أبوك؟ فأخبرته
стр. 345
أحسب أنه قال: ألفي ألف درهم قال: ما أراد أبوك إلا أن يتركنا عالة؟ قال قلت له: إنه قد ترك وفاء وأموالاً كثيرة، وإنما جئت أستشيرك فيها، منها سبعمئة ألف درهم لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وللزبير معه شرك أرض بالغابة. قال: فأعمد لعبد الله بن جعفر فقاسمه، وإن سامك قبل المقاسمة فلا تبعه، ثم أعرض عليه، فإن اشترى منك فبعه. فخرجت حتى جئت عبد الله ابن جعفر فقلت له: قاسمني الحق الذي معك. قال: أو أشتريه منك؟ قلت: لا، حتى تقاسمني. قال: فموعدك غداً هنالك بالغداة. قال: فغدوت فوجدته قد سبقني، ووضع سفرة فهو يأكل هو وأصحابه، قال: الغداء. قلت: المقاسمة قبل. قال: فأمسك يده ثم قال: قل ما شئت. قال قلت: إن شئت فأقتسم وأختار، وإن شئت قسمت واخترت. قال: هما لك جميعاً. قال: فقمت إلى الأرض فصدعتها نصفين، ثم قلت: هذا لي، وهذا لك. قال: هو كذلك. قال قلت: اشتر مني إن أحببت. قال: قد كان لي على أبي عبد الله شيء، وهو سبعمئة ألف درهم، وقد أخذتها منك بها. قال قلت: هي لك. قال: هلم إلى الغداء. فجلست فتغديت، ثم انصرفت وقد قضيته. قال: وبعث معاوية إلى عبد الله ابن جعفر، فأشترى منه ذلك الحق كله بألفي ألف درهم.
حدثنا الزبير قال، وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن الواقدي قال،
стр. 346
حدثني معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، وعروة بن الزبير، عن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله ﷺ يوم حنين فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال رسول الله ﷺ : يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى. فقال حكيم: فلا والذي بعثك بالحق، لا أرزا أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيماً ليعطيه، فيأبى يقبل منه شيئاً، فيقول: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم: أني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى. ثم كان عمر ذلك. فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ ، حتى توفي.
стр. 347
حدثنا الزبير قال، وحدثني إبراهيم بن المنذر، عن الواقدي، عن مصعب بن ثابت، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله ﷺ : اليد العليا خير من اليد السفلى، وليبدأ أحدكم بمن يعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عن الواقدي، عن الضحاك بن عثمان، عن أهل قال، قال حكيم بن حزام: كنت أعالج البر في الجاهلية، وكنت رجلاً تاجراً أخرج إلى اليمن وإلى الشأم في الرحلتين، فكنت أربح أرباحاً كثيرة، فأعود على فقراء قومي، ونحن لا نعبد شيئاً، نريد بذلك ثراء الأموال، والمحبة في العشيرة، وكنت أحضر الأسواق، وكانت لنا ثلاث أسواق: سوق بعكاظ، تقوم صبح هلال ذي القعدة، فتقوم عشرين يوماً ويحضره العرب، وبه ابتعن زيد بن حارثة لعمتي خديجة بنت خويلد، وهو يومئذ غلام فأخذته بستمئة درهم. فلما تزوج رسول الله ﷺ خديجة، سألها زيداً فوهبته له، فأعتقه رسول الله ﷺ . وبه ابتعت حلة ذي يزن، كسوتها رسول الله ﷺ ، فما رأيت أحداً قط أجمل ولا أحسن من رسول الله في تلك الحلة.
стр. 348
ويقال إن حكيم بن حزام قدم بالحلة في هدنة الحديبية، وهو يريد الشأم، في عير، فأرسل بالحلة إلى رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبلها، وقال: لا أقبل هدية مشرك. قال حكيم: فجزعت جزعاً شديداً حيث رد هديتي، فبعتها بسوق النبط من أول سائم سامني. ودس رسول الله إليها زيد بن حارثة فاشتراها، فرأيت رسول الله ﷺ يلبسها بعد.
وكان سوق مَجَنَّةَ يقوم عشرة أيام، حتى إذا رأينا هلال ذي الحجة انصرفنا وانتهينا إلى سوق ذي المجاز، فقام ثمانية أيام.
وكل هذه الأسواق ألقى بها رسول الله في المواسم يستعرض القبائل قبيلة قبيلة، يدعوهم إلى الله، فما أرى أحداً يستجيب له، وأسرته أشد قبيلة عليه، حتى بعث ربه قوماً أراد بهم كرامته، هذا الحي من الأنصار، فبايعوه وصدقوا به، وآمنوا به، وبذلوا أنفسهم وأموالهم. فجعل الله له دار هجرة ملجأ. وسبق من سبق إليه، فالحمد لله الذي أكرم محمداً بالنبوة.
فلما حج معاوية سامني بداري بمكة، فبعتها منه بأربعين ألف دينار، فبلغني أن ابن الزبير يقول: ما يدري هذا الشيخ ما باع، لنرُدَّنَّ عليه بيعه! فقلت: والله ما بعتها إلا بِزِقٍ من خمر. ولقد وصلت الرحم، وحملت الكل،
стр. 349
وأعطيت في السبيل.
فكان حكيم بن حزام يشتري الظهر والأداة والزاد، ثم لا يجيئه أحد يستحمله في السبيل إلا حمله. قال: فبينا هو يوماً في المسجد جالس، جاء رجل من أهل اليمن يطلب حملاناً، يريد الجهاد. قال: فدل على حكيم. قال: فجلس إليه فقال: إني رجل بعيد الشقة، وقد أردت الجهاد، فدلك عليك لتحمل رجلتي، وتعينني على ضعفي. قال: اجلس. فلما أمكنته الشمس وارتفعت، ركع ركعات. قال: ثم انصرف، وأومأ إلى اليماني فتبعه. قال: فجعل كلما مر بصوفة أو خرقة أو شملة نفضها وأخذها، فقلت: والله ما زاد الذي دلني على هذا، على أن لعب بي، أي شيء عند هذا من الخير بعد ما أرى؟ قال: فدخل داره فألقى الصوفة مع الصوف، والخرقة مع الخرق، والشملة مع الشمل. قال: ثم قال لغلام له: هات لي بعيراً ذلولاً. قال: فأتى به ذلولاً موقعاً سميناً. قال: ثم دعا بجهاز فشد على البعير، ثم دعا بخطام فخطمه،
стр. 350
ثم قال: هل من جُوَاَلَقيْنِ؟ فأتيت بجوالقين، فأمر لي بدقيق وسويق وعكة من زيت، وقال: أنظر ملحاً وجراباً من تمر. حتى إذا لم يبق مما يحتاج إليه مسافر إلا أعطانيه، وكساني، ثم دعا بخمسة دنانير فدفعها إليّ فقال: هذه للطريق. قال: فخرجت من عنده. وكان هذا فعل حكيم.
وكان معاوية عام حج، مر به وهو ابن عشرين ومئة سنة، فأرسل إليه يشرب من لبنها، وذلك بعد أن سأله: أي الطعام تأكل؟ فقال: أما مضغ فلا مضغ بي. فأرسل إليه بلقوحٍ، وأرسل إليه بصلة، فأبى أن يقبلها وقال: لم آخذ من أحد قط بعد النبي ﷺ شيئاً، قد دعاني أبو بكر وعمر إلى حقي فأبيت أن آخذه، وذلك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الدنيا خضرة حلوة، فمن أخذها بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذها بإشراف نفس لم يبارك له فيه. فقلت يومئذ: لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً أبداً.
стр. 351
قال: وكنت رجلاً مجدوداً في التجارة، ما بعت شيئاً قط إلا رحت فيه، ولقد كانت قريش تبعث بالأموال وأبعث بمالي، فلربما دعاني بعضهم إلى أن يخالطني بنفقته، يريد الجد في مالي، وذلك أني كنت كل ما ربحت تحنثت به أو بعامته، أريد بذلك ثراء المال والمحبة في العشيرة.
حدثنا الزبير قال، قال الواقدي، وحدثني بعض ولد حكيم قال: كان حكيم رجلاً تاجراً لا يدع سوقاً بمكة ولا تهامة إلا حضرة، وكان يقول: كان بتهامة أسواق، أعظمها سوق حباشة، وكنت أحضره. وقال: رأيت رسول الله ﷺ حضر، واشتريت منه بزا من بز تهامة، وقدمت به مكة، فذلك حين أرسلت خديجة إلى رسول الله ﷺ تدعوه إلى أن يخرج لها في تجارة إلى سوق حباشة، وبعثت معه غلامها ميسرة، فخرجا فأبتاعا بزا من بز الجند وغيره مما فيها من التجارة، ورجعا إلى مكة، فربحا ربحاً حسناً. وكانت سوقاً تقوم ثمانية أيام.
стр. 352
حدثنا الزبير قال، وحدثني أحمد بن سلمان قال، حدثني سعيد بن عامر قال: حدثنا جويرية بن أسماء، عن نافع مولى عبد الله بن عمر قال: مر حكيم بن حزام بعد ما أسن بشابين، فقال أحدهما لصاحبه: أذهب بنا نتخرف بهذا الشيخ. فقال له صاحبه: وما تريد إلى شيخ قريش وسيدها؟ فعصاه، فقال له: ما بقي أبعد عقلك؟ قال: بقي أبعد عقلي أني رأيت أباك قينا يضرب الحديد بمكة. قال: فرجع إلى صاحبه وقد تغير وجهه، فقال له: قد نهيتك. قال: قال نافع: وكان حكيم لا يتهم على ما قال.
حدثنا الزبير قال، وحدثني أحمد بن سلمان قال، حدثني سعيد بن عياش العجيفي، ابن أخت جويرية بن أسماء قال: سمعت محمد بن الليث يحدث عن بعض المدنيين قال: كان حكيم بن حزام يقيم عشية عرفة مئة بدنة ومئة رقبة، فيعتق الرقاب عشية عرفة، وينحر البدن يوم النحر. قال: وكان يطوف بالبيت فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نعم الرب
стр. 353
والإله، أحبه وأخشاه. وكان حكيم بن حزام بعد أن أسلم إذا حلف بيمين قال: لا والذي نجاني يوم بدر.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن فضالة، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن ابن شهاب قال: كان حكيم بن حزام من المطعمين حيث خرج المشركون إلى بدر.
حدثنا الزبير قال، وحدثني مصعب بن عثمان ومحمد بن الضحاك ابن عثمان الحزامي، عن أبيه، ومن شئت من مشيخة قريش: أن عمر بن الخطاب لما هم بفرض العطاء، شاور المهاجرين فيه، فرأوا ما رأى من ذلك صواباً. ثم شاور الأنصار، فرأوا ما رأى إخوانهم من المهاجرين في ذلك. ثم شاور مسلمة الفتح، فلم يخالفوا رأي المهاجرين والأنصار، إلا حكيم بن حزام فإنه قال لعمر بن الخطاب: إن قريشاً أهل تجارة، ومتى فرضت لهم العطاء، خشيت أن ياتكلوا عليه فيدعوا التجارة، فيأتي بعدك من يحبس عنهم العطاء وقد خرجت منهم التجارة. فكان ذلك كما قال.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، حدثني
стр. 354
أبي قال: كان حكيم بن حزام لا يأكل طعاماً وحده، إذا أتى بطعامه قدرهن فإن كان يكفي اثنين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك قال: ادع لي من أيتام قريش واحداً أو اثنين، على قدر طعامه. فكان له إنسان يخدمه، فضجر عليه يوماً، فدخل المسجد الحرام، فجعل يقول للناس: ارتفعوا إلى أبي خالد. فتقوض الناس عليه، فقال: مال الناس؟ قال فقيل: دعاهم عليك فلان. فصاح بغلمانه: هاتوا ذلك التمر. فألقيت بينهم جلال البرني، فلما أكلوا قال بعضهم: إدام يا أبا خالد. قال: إدامها فيها.
حدثنا الزبير قال، حدثني محمد بن حسن قال، حدثني حماد بن موسى، عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال، حدثني جدي حكيم بن حزام: أن قريشاً أعطت هوازن حين اصطلحوا بعكاظ رهناً أربعين رجلاً من فتيان قريش. قال حكيم بن حزام: وكنت أحد الرهن، فلما رأت هوازن رهنهم في أيديهم، رغبوا في العفو، فأطلقوا الرهن، في حديث يطول.
حدثنا الزبير قال، وحدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي قال، حدثني المنذر بن عبد الله، عن عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير: أن حكيم بن حزام اتى به مع أبي سفيان وبديل بن ورقاء إلى النبي صلى الله
стр. 355
عليه وسلم في الفتح، فأسلم حكيم، وصنع أعضاء بطبيخ بني أسد، ثم جمع بني أسد جميعاً فأطعمهم. فلما فرغوا قال: كيف تعلمونني لكم؟ قالوا: برا واصلاً. قال: فعزمت عليكم أن يبيت الليلة منكم بمكة أحد. قال: فلما أمسوا شدوا رحالهم ثم توجهوا إلى المدينة حتى حلوا بها. فهاجرت بنو أسد إلا بني زهير ابن الحارث بن أسد، كانت لهم دار مصقبة بالبينية، فرجعوا إليها.
وأم حكيم بن حزام: فاختة بنت زهير بن الحارث.
حدثنا الزبير قال، وحدثني عمي مصعب بن عبد الله قال، حدثني لاضحاك بن عثمان الحزامي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن حكيم بن حزام قال: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إني أعتقت في الجاهلية مئة رقبة، وحملت على مئة بعير، تحنثت بها، وأعتقت في الإسلام مئة رقبة، وحملت على مئة بعير، فهل ترى لي في ذلك أجراً يا رسول الله؟ يعني ما فعل من ذلك في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : أسلمت على ما مضى لك.
حدثنا الزبير قال، وحدثني يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري
следующие страницы →