قال: تقول أم سُليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق فانطلقنا قال: وضربها المخاض حين قدما فولدت غلامًا فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله ﷺ ، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ قال: فصادفته ومعه ميسم فلما رآني قال: «لعل أم سليم ولدت» قلت: نعم قال: فوضع الميسم قال: وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة فلاكها في فيه حتى ذابت ثم قذفها في فيّ الصبي فجعل الصبي يتلمظها قال: فقال رسول الله ﷺ : «انظروا إلى حب الأنصار التمر» قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله (١).
* * *
اللهم أمتعنا به
عن أبي اليسر كعب بن عمرو (٢) قال: والله إنا لمع رسول الله ﷺ بخيبر عشية، إذا أقبلت غنمُ لرجل من اليهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم، إذ قال رسول الله ﷺ : «من يطعمنا من هذه الغنم؟» قلت: أنا يا رسول الله قال: «فافعل» قال: فخرجت أشتد مثل الظَّليم فلما رآني رسول الله ﷺ موليًا قال: «اللهم أمتعنا به» قال:
стр. 37
فأدركت الغنم وقد دخل أوائلها الحصن، فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ ، فذبحوهما وأكلوهما، فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ هلاكًا، فكان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: أمتعوا بي لعمري كنت آخرهم (١).
* * *
اللهم بارك له في تجارته
عن عمرو بن حريث (٢) قال: مر النبي ﷺ بعبد الله بن جعفر (٣) وهو يلعب بالتراب فقال: «اللهم بارك له في تجارته» (٤).
* * *
стр. 38
اللهم عافه
عن علي ﵁ قال: كنت شاكيًا فمر بي رسول الله ﷺ وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرًا فارفعني وإن كان بلاء فصبرني فقال رسول الله ﷺ : «كيف قلت؟» قال: فأعاد عليه ما قال. قال: فضربه برجله وقال: «اللهم عافه أو اشفه - شعبة الشاك -» قال: فما اشتكيت وجعي بعد (١).
* * *
البركة
عن زهرة بن معبد (٢) عن جده عبد الله بن هشام، وكان قد أدرك النبي ﷺ وذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله بايعه فقال: «هو صغير» فمسح رأسه ودعا له.
وعن زهرة بن معبد أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له: أشركنا فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة فيشركهم، وربما أصاب
стр. 39
الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل (١).
* * *
دعا له فشفاه الله تعالى
عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : «هل كنت تدعو بشيء، أو تسأله إياه؟» قال: نعم كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجِّله لي في الدنيا فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! لا تطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» قال: فدعا الله له فشفاه (٢).
* * *
المرأة التي تصرع
عن عطاء بن أبي رباح (٣) قال: قال لي ابن عباس - رضي الله
стр. 40
عنهما - ألا أريك امرأةً من أهل الجنة قلت بلى قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ قالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادع الله لي. قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك» فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف فدعا لها. حدثنا محمد أخبرنا مخلد عن ابن جريج أخبرني عطاء: أنه رأى أم زفر تلك المرأة الطويلة السوداء على ستر الكعبة (١).
* * *
دعاء النبي ﷺ في بعض غزواته
استقى النبي ﷺ في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ : وقال بعض المنافقين: لو كان نبيًا لاستقى لقومه كما استقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أو قد فعلوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم» ثم بسط يديه ودعا، فما ردَّ يديه من دعائه حتى أظلهم السحاب وأمطروا، فعم السيل الوادي فشرب الناس وارتووا (٢).
* * *
стр. 41
اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئًا
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] روي أن هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن صامت ووديعة بن ثابت، وقعوا في النبي ﷺ وقالوا: لئن كان محمد صادقًا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا، لنحن شر من الحمير، فقال له عامر بن قيس: أجل والله إن محمدًا لصادق مصدق، وإنك لشر من حمار، وأخبر عامر بذلك النبي ﷺ وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي ﷺ إن عامرًا لكاذب، وحلف عامر لقد قال وقال: «اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئًا» (١).
* * *
قتلاً في سبيلك
عن عكرمة (٢) في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ إلى قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] قال: فكان رجل ممن إن شاء الله تعالى عفا عنه يقول: «اللهم
стр. 42
إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود وتجل منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك لا يقول أحد: أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت» قال: فأصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وجد غيره (١).
* * *
ضرب يوم اليمامة
قال الواقدي: هاجر عبد الله العامري (٢) ﵁ الهجرتين جميعًا ولم يذكره ابن إسحاق فيمن هاجر الهجرة الثانية مع رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاثين سنة، واستشهد يوم اليمامة اثني عشرة وهو ابن إحدى وأربعين سنة. ومن ولده نوفل بن مساحيق (٣) بن عبد الله بن مخرمة، روى عنه أنه دعا الله ألا يميته حتى يرى في كل مفصل منه حصول في سبيل الله -
стр. 43
تعالى - فضُرب يوم اليمامة في مفاصله واستشهد وكان فاضلاً عابدًا (١).
* * *
عمر ﵁ يستسقي
عن خوات بن جبير (٢) قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر، فخرج عمر بالناس فصلى بهم ركعتين وخالف بين طرفي ردائه فجعل اليمين على اليسار واليسار على اليمين فقال: «اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك» فما برحوا حتى مطروا، فبينا هم كذلك إذا أعراب قدموا فأتوا عمر فقالوا: «يا أمير المؤمنين، بينما نحن في بوادينا يوم كذا في ساعة كذا، إذ أظلنا غمام فسمعنا منها صوتًا: (إياك الغوث أبا حفص، إياك الغوث أبا حفص)» (٣).
* * *
стр. 44
عمر والعباس ﵄ -
عن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (١) فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فُيسقون (٢).
* * *
اللهم فقهه في الدين
قال محمد بن سلام: حدثنا أبو عمرو الشعاب بإسناد له قال: كانت أم سلمة (٣) تبعث أم الحسن (٤) في الحاجة فيبكى وهو طفل،
стр. 45
فتسكته أم سلمة بثديها وتخرجه إلى أصحاب رسول الله ﷺ وهو صغير، وكانت أمه منقطعة إليها، فكانوا يدعون له فأخرجته إلى عمر فدعا له وقال: اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس قال الذهبي: إسنادها مرسل (١).
* * *
يدعو على سارق الإبل
عن الحسن بن الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري، عن عمه أبي بكر بن أمية قال: كان لنا جار من جهينة في أول الإسلام ونحن على شركنا، وكان منا رجل محارب خبيث يقال له (ريشة) وكنا قد خلفنا لخبثه، فكان ولا يزال يعدو على جارنا ذلك الجهني فيصيب له البكرة والناب والشارف فيأتوننا فيشكونه إلينا فنقول له: والله ما نصنع به قد خلعناه فاقتله قتله الله، فوالله لا يتبعك من دمه شيء تكرهه أبدًا، حتى عدا مرة من ذلك فأخذ منه ناقة له خيارًا فأقبل بها إلى شعبة الوادي ثم نحرها وأخذ سنامها
стр. 46
ومطايب لحمها ثم تركها، وأخذ الجهني في طلبها حين فقدها يلتمسها فاتبع أثرها حتى وجدها، فجاء إلى نادي بني ضمرة وهو آسف مصاب، وهو يقول:
أصادقٌ ريشةُ يا آل ضمرةَ ... أن ليس لله عليه قدرة
ما إن يزال شارف وبكرة ... يطعن منها في سواء الثغرة
بصارم ذي رونق أو شفرة ... لا هم إن كان معدًا فجرة
فاجعل أمام العين منه جدرة ... تأكله حتى توافي الجهرة
قال: فأخرج الله أمام عينيه في مآقيه حيث وصف بثرة مثل النبقة، وخرجنا إلى الموس حجاجًا فرجعنا من الحج وقد صارت أكلة أكلت رأسه أجمع فمات حين قدمنا (١).
* * *
نبع لهم الماء
كان أبو هريرة ﵁ يقول: رأيت من العلاء (٢)
стр. 47
ثلاثة أشياء لا أزال أحبه أبدًا: قطع البحر على فرسه يوم دارين، وقدم يريد البحرين فدعا الله بالدهناء فنبع لهم ماء فارتووا، ونسي رجل منهم بعض متاعه فرد فلقيه ولم يجد الماء، ومات ونحن على غير ماء فأبدى الله لنا سحابة فمطرنا فغسلناه وحفرنا له بسيوفينا ودفناه ولم نلحد له (١).
* * *
الجليس الصالح
روى إبراهيم عن علقمة (٢) أنه قدم الشام فدخل مسجد دمشق فقال: اللهم ارزقني جليسًا صالحًا! فجاء فجلس إلى أبي الدرداء (٣) فقال له: ممن أنت؟ قال: من الكوفة قال: كيف سمعت
стр. 48
ابن أم عبد (١) يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] الحديث (٢).
* * *
اللهم قني الفتنة
عن جعفر بن عون، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (٣) قال: لما طعنوا عثمان صلى أبي (٤) في الليل ودعا
стр. 49
فقال: اللهم قني من الفتنة بما وقيت به الصالحين من عبادك، فما أخرج ولا أصبح إلا بجنازته (١).
* * *
فاستعن بمولاي
عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: لما وقف الزبير (٢) يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همِّي لدَيْني، أفترى يُبقي دينُنا من مالنا شيئًا؟ فقال: يا بني، بع ما لنا فاقض ديني وأوصى بالثلث وثلثه لبنيه - يعني عبد الله بن
стр. 50
الزبير - يقول: ثلث الثلث، فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير - خبيب وعباد - وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت مَنْ مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض دينه. فيقضيه.
فقتل الزبير ﵁ ولم يدَعْ دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارًا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارًا بالكوفة ودارًا بمصر. قال: وإنما كان دينُه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف فإني أخشى عليه الضيعة. وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئًا إلا أن يكون في غزوة مع النبي ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃.
قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، قال: فلقي حكيم بن حزام (١) عبد الله بن
стр. 51
الزبير فقال: يا ابن أخي، كم على أخي من الدين؟ فكتمته فقال: مائة ألف. فقال حكيم: ما أرى أموالكم تَسَع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي.
قال: وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقال: من كان على الزبير حق فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر - وكان له على الزبير أربعمائة ألف - فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخِّرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من هاهنا إلى هاهنا. قال: فباع منها فقضى دينه فأوفاه وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية ﵁ وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قوَّمت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزبير: قد أخذتُ سهمًا بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذتُ سهمًا بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف.
فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا
стр. 52
ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دينٌ فليأته فلنقضه. قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم، قال: وكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف (١).
* * *
سمعه يدعو
قال سعيد بن عبد العزيز: سمع الحسن بن علي (٢) ﵄ رجلاً إلى جنبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف فبعث بها إليه (٣).
* * *
стр. 53
اللهم إن كان لي عندك خير
لما بلغ الربيع بن الحارث بن كعب - وكان فاضلاً جليلاً وكان عاملاً لمعاوية بن أبي سفيان ﵃ على خراسان - فلما بلغه قتل حجر بن عدي ﵁ (١) دعا الله فقال: اللهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجِّل. فلم يبرح من مجلسه حتى مات (٢).
* * *
سبب وفاته
قال الحاكم: ولي الحَكَم (٣) على خراسان، فكان سبب وفاته
стр. 54
أنه دعا على نفسه وهو بمرو في كتاب قرئ عليه من زياد، فاستجيبت دعوته ومات بمرو، وكان مات قبله بريدة الأسلمي (١) فدُفنا جميعًا (٢).
* * *
هل تفقدون من متاعكم شيئًا
ذهب أبو مسلم الخولاني (٣) ومن معه من العسكر على دجلة
стр. 55
وهي ترمى بالخشب من مداها، ثم التفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئًا حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة. فقال: اتبعني. فاتَّبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها (١).
* * *
دعاء ابن عمر على زياد
قال ابن شوذب: بلغ ابن عمر أن زيادًا (٢) كتب إلى معاوية (٣):
стр. 56
إني قد ضبطت العراق بيميني، وشمالي فارغة. وسأله أن يولِّيه الحجاز فقال ابن عمر: اللهم إنك إن تجعل في القتل كفارة فموتًا لابن سمية لا قتلًا. فخرج في إصبعه طاعون فمات (١). وقال الحسن البصري: بلغ الحسن بن علي ﵄ أن زيادًا يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم فدعا عليه (٢).
* * *
أنجاه الله - تعالى - من القتل
عن عامر الشعبي (٣) قال: كنت جالسًا مع زياد بن أبي سفيان، فأتي برجل يُحمَل لا نَشُكُّ في قتله، قال: فرأيتُه حرَّك شفته بشيء لا أدري ما هو. قال: فخلى سبيله، فقال بعض القوم: لقد جيء بك وما نشكُّ في قتلك، فرأيناك حركت شفتيك بشيء، وما ندري ما هو فخلَّى سبيلك! قال: قلت: «اللهم ربَّ إبراهيم ورب
стр. 57
إسحاق ويعقوب ورب جبريل وإسرافيل ومنزِّل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان العظيم ادرأ عني شر زياد». قال: فخلى عنه (١).
* * *
اللهم لا تدركني سنة ستين
قال عمير بن هانئ: قال أبو هريرة ﵁ (٢): اللهم لا تدركني سنة ستين. فتوفي فيها أو قبلها بسنة (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين؛ فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم (٤).
(وقد حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها
стр. 58
تبيين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به؛ خوفًا على نفسه منهم؛ كقولهم: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان. يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية (١) لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة) (٢).
* * *
ثارت سحابة كالترس
روى صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: خرج معاوية ﵁ يستسقي، فلما قعد على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود (٣)؟ فناداه الناس فأقبل يتخطاهم، فأمره معاوية فصعد المنبر، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك إلى الله. فرفع يديه ورفع الناس، فما كان بأوشك
стр. 59
من أن ثارت سحابة كالترس وهبَّت الريح، فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. سمعها أبو اليمان من صفوان (١).
* * *
عقبة بن نافع (٢) يدعو
قال الواقدي: جهَّزه معاوية ﵁ على عشرة آلاف فافتتح إفريقية واختطَّ قيروانها، وكان الموضع غيضةً لا يرام من السِّباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبق فيها شيء وهربوا؛ حتى إن الوحوش لتحمل أولادها، فحدثني موسى بن علي عن أبيه قال: نادى: إنا نازلون. فأظعنوا فخرجن من جحرتهن هوارب.
وروى نحوه محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: لما افتتح عقبة إفريقية قال: يا أهل الوادي، إنا حالون إن شاء الله، فأظعنوا. ثلاث مرات، فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطن بطن الوادي، ثم قال للناس: انزلوا باسم الله (٣).
* * *
стр. 60
أعمى يدعو الله - تعالى - فيبصر
حكي عن الليث بن سعد (١) أنه قال: رأيت عقبة بن نافع ضريرًا ثم رأيته بصيرًا فقلت له: بم رد الله عليك بصرك؟ فقال: أتيت في المنام فقيل لي: قل يا قريب يا مجيب، يا سميع الدعاء يا لطيف لما يشاء، ردَّ عليَّ بصري. فقلتها فردَّ الله عليَّ بصري (٢).
* * *
стр. 61
سقوا سريعًا
قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: استسقى الضحاك بن قيس (١) بيزيد بن الأسود فما برحوا حتى سقوا (٢).
* * *
اللهم لا تمتني حتى أوتى به
عن أيوب عن أبي مليكة قال: دخلت على أسماء (٣) بعدما أصيب ابن الزبير (٤) فقالت: بلغني أن هذا صلب عبد الله، اللهم لا
стр. 62
تُمتني حتى أوتى به فأحنِّطه وأكفِّنه. فأتيت به بعد فجعلت تحنطه بيدها وتكفنه بعدما ذهب بصرها.
ومن وجه آخر عن أبي مليكة: وصلَّت عليه وما أتت عليها جمعة إلا ماتت (١).
* * *
كلمات الفرج
عن عبد الملك بن عمير قال: حدثني أبو مصعب أن عبد الملك بن مروان (٢) كتب إلى هشام بن إسماعيل (٣) متولي المدينة: بلغني أن الحسن
стр. 63
بن الحسن (١) يكاتب أهل العراق فاستحضره قال: فجيء به فقال له علي بن الحسين: يا ابن عم، قل كلمات الفرج: «لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم». قال: فخلي عنه (٢).
* * *
لا ينام إلا قليلاً
عن حصين عن إبراهيم أن همام بن الحارث (٣) كان يدعو: "اللهم اشفني من النوم باليسير، وارزقني سهرًا في طاعتك". قال: فكان لا ينام إلا هنيهة وهو قاعد (٤).
* * *
стр. 64
دعا عليه فاسود وجهه
عن حماد بن زيد (١) قال: حدثنا علي بن زيد (٢) قال: قال لي سعيد بن المسيب: (٣) قل لقائدك يقوم فينظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده، فقام وجاء فقال: رأيت وجه زنجي وجسده أبيض فقال سعيد: إن هذا سب هؤلاء: طلحة (٤) والزبير وعليًا - رضي
стр. 65
الله عنهم، فنهيته فأبى، فدعوت الله عليه؛ قلت: إن كنت كاذبًا فسود الله وجهك. فخرجت بوجهه قُرحة فاسود وجهه (١).
* * *
وجدنا حلاوة الدعاء
عن داود بن أبي هند قال: لما أخذ الحجاج (٢) سعيد بن جبير (٣) قال: ما أراني إلا مقتولاً وسأخبركم: إني كنت أنا
стр. 66
وصاحبان لي دعونا الله حين وجدنا حلاوة الدعاء، ثم سألنا الله الشهادة؛ فكلا صاحبيَّ رُزِقها وأنا انتظرها، قال: فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء (١).
* * *
أنقذه الله - تعالى -
عن عبد الملك بن عمير قال: كتب الوليد بن عبد الملك (٢) إلى عثمان بن حبان المري: انظر إلى الحسن بن الحسن (٣) فأجلده مائة جلدة وقفه للناس، ولا أراني إلا قاتله. قال: فبعث إليه فجيء به والخصوم بين يديه قال: فقام إليه علي بن الحسين فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك: «لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين». قال: فقالها فانفرجت فرجة من الخصوم فرآه فقال:
стр. 67
أرى وجه رجل قد قُرِفَتْ عليه كذبة خلوا سبيله، أنا كاتب إلى أمير المؤمنين بعذره؛ فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب (١).
* * *
تضرع وبكى
ولي - موسى بن نصير - (٢) غزو البحر لمعاوية ﵁ فغزا قبرس وبنى هناك حصونًا، وقد استعمَلَ على أقصى المغرب مولاه طارقًا (٣)، فبادر وافتتح الأندلس ولحقه موسى فتمم فتحها، وجرت له عجائب هائلة، وعمل مع الروم مصافًا مشهودًا، ولمَّا همَّ المسلمون بالهزيمة كشف موسى سرادقه عن بناته وحرمه
стр. 68
وبرز ورفع يديه بالدعاء والتضرع والبكاء، فكسرت بين يديه جفون السيوف وصدقوا اللقاء ونزل النصر وغنموا مالا يعبر عنه ... إلخ) (١).
* * *
سقوا وأغيثوا
قال الذهبي: قيل: لما دخل موسى بن نصير إفريقية وجد غالب مدائنها خالية لاختلاف أيدي البربر، وكان القحط، فأمر الناس بالصلاة والصوم والصلاح، وبرز بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات، ففرق بينها وبين أولادها، فوقع البكاء والضجيج، وبقي إلى الظهر ثم صلى وخطب فسقوا وأغيثوا (٢).
* * *
اللهم أخف عليهم أمري
قال المغيرة بن حكيم: قلت لفاطمة بنت عبد الملك (٣): كنت
стр. 69
أسمع عمر بن عبد العزيز (١) في مرضه يقول: اللهم أخف عليهم أمري ولو ساعة. قالت: قلت له: ألا أخرج عنك؛ فإنك لم تنم. فخرجت، فجعلت أسمعه يقول: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، مرارًا ثم أطرق، فلبث طويلاً لا يُسمع له حس، فقلت لوصيف: ويحك انظر. فلما دخل صاح فدخلت فوجدته ميتًا قد أقبل بوجهه على القبلة، ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينيه (٢).
* * *
стр. 70
أراد قتل رجل فقتل
عن وضاح بن خيثمة قال: أمرني عمر بن عبد العزيز ﵀ بإخراج من في السجن فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم (١) فنذر دمي؛ قال: فوالله إني لبإفريقية إذ قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم فهربت منه فأرسل في طلبي فأخذت فأتي بي فقال لي: وضاح؟ قلت: وضاح. قال: أما والله لطالما سألت الله أن يمكنني منك. قلت: وأنا والله لطالما استعذت بالله من شرك. قال: فوالله ما أعاذك الله، والله لأقتلنك، لو سابقني ملك الموت لقبْض روحك لسبقته، علي بالسيف والنطع. قال: فجيء بالنطع فأقعدت فيه وكتفت، وقام قائم على رأسي بسيف مشهور، وأقيمت الصلاة، فخرج إلى الصلاة، فلما خر ساجدًا أخذته سيوف الجند فقتل، فجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه ثم قال: انطلق (٢).
* * *
стр. 71
صرعة تجعله نكالاً
عن أبي بكر الهذلي أن يزيد (١) قال: أدعوكم إلى سنة عمر بن عبد العزيز، فخطب الحسن وقال: اللهم اصرع يزيد بن المهلب صرعة تجعله نكالاً، يا عجبًا لفاسق، غير برهة من دهره ينتهك المحارم، يأكل معهم ما أكلوا ويقتل ما قتلوا، حتى إذا مُنع شيئًا قال: إني غضبان فاغضبوا. فنصب قصبًا عليها خرق فاتبعه رجرجة ورعاع يقول: أطلب بسنة عمر، إن من سنة عمر أن توضع رجلاه في القيد ثم يوضع حيث وضعه عمر. قال الذهبي: قتل عن تسع وأربعين سنة. ولقد قاتل قتالاً عظيمًا وتفللت جموعه، فما زال يحمل بنفسه في الألوف لا لجهاد؛ بل لشجاعة وحمية، حتى ذاق حمامه، نعوذ بالله من هذه القتلة الجاهلية (٢).
* * *
стр. 72
سيفرج عنه سريعًا
عن سلمة بن زياد قال: كان عمر بن هبيرة (١) واليًا على العراق، ولَّاه يزيد بن عبد الملك (٢) فلما مات يزيد واستُخلف هشام (٣) قال عمر بن هبيرة: يولي هشام العراق أحد الرجلين: سعيدًا الحرشي (٤) أو خالد بن عبد الله القسري (٥)، فإن ولَّى ابن
стр. 73
النصرانية خالدًا فهو البلاء، فولَّى هشام خالدًا العراق، فدخل العراق وقد أوذن عمر بن هبيرة بالصلاة، وقد اعتم والمرآة في يده يسوي عمته إذ قيل له: هذا خالد قد دخل. فقال عمر بن هبيرة: هكذا تقوم الساعة؛ تأتي بغتةً، فقدم خالد فأخذ عمر بن هبيرة فقيده وألبسه مدرعة من صوف، فقال لخالد: بئس ما سننت على أهل العراق؛ أما تخاف أن يؤذن فيك بمثل هذا.
وعن بكر بن عياش قال: لما صنع خالد به ما صنع ذهب يتقلب وهو في الحديد، فتكشف، فكأنما ثمَّ صوفُه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قال من حضره: ما أخلقه، سيفرج عنه سريعًا.
وقال سليمان بن زياد: فجاء موال لعمر بن هبيرة فاكتروا دارًا إلى جانب الحبس ثم نقبوا سربًا منها إلى الحبس واكتروا دارًا إلى جنب حائط
стр. 74
سور مدينة واسط، فلما كانت الليلة التي أراد أن يخرجوه فيها من الحبس أفضوا النقب إلى الحبس فخرج من الحبس في السرب، ثم خرج إلى الدار يمشي، حتى بلغ الدار التي إلى جانب حائط المدينة وقد نقب فيها، ثم خرج في السرب منها حتى خرج من المدينة، وقد هيئت له خيل خلف حائط المدينة فركب وعلم به بعدما أصبحوا، وقد كان أظهر علةً قبل ذلك لكي يمسكوا عن تفقده كل وقت، فأتبعه خالد سعيدًا الحرشي فلحقه وبينه وبينه الفرات، فتعصب له وتركه، وقال الفرزدق:
ولما رأيتَ الأرض قد سُدَّ ظهرُها ... ولم يك إلا بطنها لك مخرجًا
دعوتَ الذي ناداه يونس بعدما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
خرجتَ فلم يمنن عليك شفاعة ... سوى ربك البر اللطيف المفرِّجا
وأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة ... وما سار سارٍ مثلها حين أدلجا
وعن خازم مولى عمر بن أبي هبيرة قال: كنت مع عمر بن هبيرة حيث هرب من السجن فبلغنا دمشق بعد عتمة، فأتى مسلمة بن عبد الملك (١)، فأجاره وأنزله معه في بيته، وصلى مسلمة بن
стр. 75
عبد الملك خلف هشام بن عبد الملك الصبح فاستأذن عليه مسلمة فدخل عليه، فلما رآه قال: يا أبا سعيد ما أظن ابن هبيرة إلا وقد طرقك هذه الليلة. قال: أجل يا أمير المؤمنين، وقد أجرته فهبه لي. قال: قد وهبته لك (١).
* * *
قضى دين والده فرزقه الله - تعالى -
عن عبد الله بن محمد بن سيرين قال: لما ضمنت على أبي (٢) دينه قال لي: بالوفاء؟ قلت: بالوفاء. فدعا لي بخير، فقضى عبد الله عنه ثلاثين ألف درهم، فما مات عبد الله حتى قوَّمنا ماله ثلاث مائة ألف درهم أو نحوها. (٣)، قال المدائني: كان سبب حبسه أنه أخذ زيتًا بأربعين ألف درهم، فوجد في زق منه فأرة فظن أنها وقعت في المعصرة وصبَّ الزيت كله، وكان يقول: إني ابتليت بذنب أذنبتُه