Полный текст (670 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
لكن في "المجموع" وغيره: اعتبار العادة فيه أيضاً، واعتمدوه، وإلا .. لم يجب الحج على آفاقي.
والخامس: ما أشار إليه بقوله: (ولا يجب) ولا يستقر النسك (على المرأة) ولو عجوزاً لا تشتهى أو مكية.
(إلا إن) وجد فيها ما مر، و (خرج معها) ولو بأجرة مثل قدرت عليها (زوج أو محرم) ولو فاسقاً؛ لأنه يغار عليها من مواقع الريب.
نعم؛ لو علم أنه لا يغار عليها .. لم يكف.
أو مراهقاً أو أعمى له حذاقة تأمن معه.
وتشترط: مصاحبته لها بحيث تمنع الريبة وإن بعد عنها في بعض الأوقات، أو لم يكن معها، لكنه قريب.
ويكفي عبدها، أو أجنبي ممسوح إن كانت هي وهو ثقتين (أو نسوة ثقات) -أي: ثلاث فأكثر- ذوات عدالة ولو إماء.
ويتجه الاكتفاء بالمراهقات بقيده السابق، وبمحارم فسقهن بغير زنا أو قيادة وإن لم يكن معهن نحو محرم لإحداهن؛ لانقطاع الأطماع باجتماعهن.
ومن ثَمّ جازت خلوة رجل بامرأتين دون عكسه.
واعتمد في شرحي "المنهج"، و"التحرير" و (م ر)، والخطيب: الاكتفاء باثنتين.
قال الكردي: ومحله: إن كانت واحدة منهما لا تفارقها.
أمّا الجواز .. فلها أن تخرج لفرض الإسلام ككل واجب ولو وحدها إذا أمنت.
ومن الواجب: خروج المرأة إلى محل حراثتها؛ لأن طلب الحلال واجب ولو شابة، لكنهن قد فرطن في عدم ستر جميع البدن وغيره.
(الخامس) وهو في الحقيقة السادس: (أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة) وإلا .. لم يجب عليه بنفسه، بل هو معضوب، وسيأتي.
السابع: وجود ما مر من الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.
стр. 562
الثامن: أن يبقى بعد الاستطاعة ما يمكنه الوصول فيه إلى مكة بالسير المعتاد، بحيث لا يحتاج في بعض الأيام أو الليالي لقطع أكثر من مرحلة شرعية وإن اعتيد، وإلا .. لم يجب.
وإنما وجبت الصلاة بأوّل وقتها قبل مضي ما يسعها؛ لإمكان تتميمها بعده، بخلاف الحج، على أن ابن الصلاح قال: يجب ثم يسقط.
وفائدته عنده: وصفه بالإيجاب، وأنه لو مات يقضي من تركته قطعاً، ويلزمه الشروع في المقدمات.
أمّا العمرة .. فيعتبر لها ما يسع أعمالها، وقدر بثلثي يوم.
التاسع: أن يجد رفقة حيث لم يأمن وحده، يخرج معهم في الوقت المعتاد لا قبله؛ لزيادة المؤنة عليه، ولا بعده؛ لأنه يحتاج إلى قطع أكثر من مرحلة شرعية في بعض الأيام، وكل منهما يمنع الوجوب، وإن كان الأفضل خروجه معهم.
العاشر: أن يجد ما مرَّ من الزاد ونحوه بمال حاصل عنده، أو بدين حال على مليء، فلا تلزمه الاستدانة لذلك وإن تعينت لوفائه جهة ظاهرة، ولا اتهاب، ولا قبول نحو هبة؛ للمنة، ولا شراؤه بأكثر من ثمنه.
والحادي عشر: ما أشار إليه بقوله: (ولا يجب على الأعمى الحج) ولا العمرة (إلا إذا وجد قائداً) يقوده ويهديه عند ركوبه ونزوله، ولو بأجرة مثل قدر عليها، ويشترط فيه ما في الشريك المتقدم، ولا على أقطع إلا إن وجد معيناً، ولا على سفيه إلا إن وجد حافظ نفقة له.
تنبيه: لو استطاع ثم افتقر .. لزمه الكسب والمشي إن قدر عليه ولو فوق مرحلتين، وكذا السؤال على ما في "الإحياء".
لكنه لا يجب لدين آدمي عصى به، فالحج أولى.
النوع الثاني: استطاعة تحصيله بإنابة غيره عنه، وإنما تكون في ميت ومعضوب كما أشار إليه بقوله:
(ومن عجز عن) نسك (الحج) أو العمرة وقد أيس عن مباشرته (بنفسه)؛ لزمانة أو مرض لا يرجى برؤه أو هرم، ويسمى معضوباً -بمعجمة- من العضب، أي: القطع، كأنه قطع عن الحركة، أو بمهملة، كأنه قطع عصبه.
стр. 563
( .. وجب عليه الاستنابة) فيه عن نفسه فوراً إن عضب بعد الوجوب والتمكن.
وعلى التراخي إن عضب قبل الوجوب أو معه أو بعده ولم يمكنه الأداء؛ لأنه مستطيع؛ إذ الاستطاعة بالمال كهي بالنفس، ولخبر الصحيحين: (إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم") وهذا في حجة الوداع، وهذا فيمن بينه وبين مكة مسافة قصر، وإلا .. وجب أن يتكلفه بنفسه كما يأتي.
وإنما تجب عليه الاستنابة (إن قدر عليها) بعد عضبه (بماله) بأن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة مثل، فاضلة عما يحتاجه من نحو مسكن وخادم، ونحو كتب فقه وإن كانت تبقى سنين عديدة، وكذا مؤنة ممونه وجميع ما يحتاجه يوم الاستئجار لا ما بعده؛ لأنه لم يفارقهم، فيمكنه تحصيل مؤنة ممونه لما بعده.
ويكلف استئجار من رضي بأقل من أجرة مثل، كالإذن للمطيع الآتي بالأولى، وليست المنة هنا كهي بالمال.
ولو لم يجد إلا أجرة ماش .. لزمه استئجاره.
(أو) قدر عليها (بمن يطيعه) بأن وجد متبرعاً يحج عنه غير معضوب، وهو عدل تصح منه حجة الإسلام، ولا حج عليه.
أمّا الفاسق .. فلا تصح إنابته عن غيره مطلقاً ولو مع المشاهدة؛ لأن النية لا اطلاع عليها.
نعم؛ المعضوب نفسه يصح استئجاره فاسقاً ليحج عنه.
ويقبل قول الأجير: حججت ولو فاسقاً؛ لأن ذلك لا يعرف إلا منه.
وإذا اجتمعت الشروط في المطيع ولو أنثى معها محرم .. لزمه القبول فوراً وإن لزمه الحج على التراخي.
نعم؛ إن كان المطيع بعضاً وهو ماش .. لم تجب إجابته؛ لأن مشيه يشق عليه، وكذا إن لم يجد كفايته لسفره وإن كان راكباً كسوباً، ما لم يكن قريباً من مكة، ويكسب في يوم كفاية أيام الحج.
والفقير المعوّل على الكسب أو السؤال كالبعض عند (حج). فيما ذكر.
وللولي منع أنثى من المشي فيما لا يلزمها، وللوالد منع ولده من حج تطوّع.
стр. 564
ولو توسم الطاعة من قريب أو أجنبي .. لزمه سؤاله، بخلاف ما لو بذل له مالاً ليستأجر به من يحج عنه ولو بعضه؛ للمنة.
نعم؛ لو استأجر بعضه من يحج عنه، أو قال له: استأجر، وأنا أدفع للأجير الأجرة .. لزمه الإذن في الأولى، والاستئجار في الثانية كما في "التحفة".
لكن اعترض بأن فيهما لزوم قبول المال من البعض، وهو لا يجب.
قال الونائي: وليس لمطاع أذن رجوع مطلقاً، ولا لمطيع أحرم.
ولا يُلزم وارث إجابة متطوع عن ميته، ولا يحج عن معضوب إلا بإذنه؛ لافتقاره إلى نية، والمعضوب من أهلها، ولا يصح عنه حج تطوّع.
وفي "الفتح": وتجوز نيابة رقيق وصبي مميز عنه وعن ميت في نفل لا فرض.
وفي "التحفة": (ولو مات أجير عين قبل الإحرام .. لم يستحق شيئاً، أو بعده .. استحق القسط بأن توزع أجرة المثل على السير والأعمال، ويعطى ما يخص عمله من أجرة المثل وإن لم يجز عن المستأجر له، ولا تصح على زيارته ﷺ ؛ لعدم انضباطها.
نعم؛ إن انضبطت، كأن كتب ما يدعو له بورقة، أو جاعله على الدعاء .. صحت) اهـ
قال الكردي: (وتجوز استنابة معضوب أجيراً بأكثر من أجرة مثل، أو مطيعاً معضوباً أو معوّلا على الكسب أو السؤال أو بعضاً ماشياً أو امرأة ماشية، أو لم يجد ما يكفيه أيام الحج، أو بذل له مالاً؛ ليستأجر به من يحج عنه، أو استأجر المطيع الأجنبي عنه، أو قال: ائذن لي في الاستئجار، ويجب فيما عدا ذلك) اهـ
وعلى كلٍّ فتصح استنابته (إلا إذا كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر) وإلا ( .. فيلزمه) أن يحج (بنفسه)؛ لأنه لا يتعذر عليه الركوب فيما مر من محمل فمحفة فسرير، ولا نظر للمشقة عليه؛ لاحتمالها في حد القرب وإن كانت تبيح التيمم كما في "التحفة".
وفي "المغني"، كـ"النهاية": عدم اللزوم عند كثرتها.
وفي "حاشية متن العباب" لـ (حج): عدم الصحة للمكي مطلقاً، والصحة لمن دون مسافة القصر، وتعذر عليه بنفسه ولو على سرير.
стр. 565
ولو امتنع المعضوب من الإذن في النسك .. لم يأذن الحاكم عنه، ولا يجبره عليه مطلقاً، ولا يلزم الفرع امتثال أمر أصله المعضوب في الحج عنه.
تنبيه: الإحجاج عن المعضوب قلَّ في دائرة الإسلام، بل لا يكاد يوجد، فينبغي التنبيه عليه.
وأمّا من مات بعد استقرار النسك عليه ولم يؤده .. فعلى وصيه، فوارثه، فالحاكم إنابة من يؤديه عنه من تركته فوراً؛ لخبر البخاري: (إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها، أفرأيت أن لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ " قالت: نعم، قال: "فالله أحق بالوفاء").
فإن لم تكن تركة .. سن للوارث والأجنبي وإن لم يأذن له الوارث أن يؤدي نسكه وإن لم يستطع؛ لأنه بالدين أشبه.
بخلاف الصوم فلا بد من إذنه؛ لأنه عباده بدنية محضة.
ولا يجوز التنفل عنه به إلا إن أوصى به.
فرع:
الإجارة: إجارة عين، كاستأجرتك لتحج عني، أو عن ميتي بكذا.
فيشترط: أن يحج بنفسه، وأن يكون قادراً على الشروع في العمل.
فلا يصح استئجار من لا يمكنه الشروع لنحو مرض أو خوف، أو قبل خروج القافلة، لكن لا يضر انتظار خروجها بعد الاستئجار.
فالمكي ونحوه يستأجر في أشهر الحج؛ لتمكنه من الإحرام، وغيره يستأجر عند خروجه بحيث يصل الميقات في أشهر الحج.
وإجارة ذمة، كألزمت ذمتك الحج عني، أو عن ميتي، فتصح ولو لمستقبل بشرط حلول الأجرة، وتسليمها في مجلس العقد.
وله أن يحج بنفسه، وأن يحج غيره، ويجوز أن يحج عن غيره بالنفقة.
واغتفرت الجهالة فيه؛ لأنه ليس إجارة ولا جعالة، بل إرزاق.
* * *
стр. 566
(فصل) في المواقيت .
جمع ميقات، وهو لغة: الحد.
وشرعاً -هنا-: زمن العبادة ومكانها.
وبدأ بالزمان، لتوقف صحة الحج عليه، فقال:
(يحرم بالعمرة كل وقت)؛ إذ ميقاتها الأبد، وقيل: السنة.
فعلى الأول: له أن يستمر على إحرامه بالعمرة أبداً، ويكملها متى شاء.
وعلى الثاني: يحرم تأخيرها للعام الذي بعده، ومال إليه الأذرعي.
وإنما لم تختص بوقت؛ لأنها صحت عنه ﷺ ، وعن غيره في أوقات مختلفة.
نعم؛ قد تمتنع لعارض، كمحرم بها، وحاج لم ينفر من منى نفراً صحيحاً.
وإن لم يكن بها، أو سقط عنه الرمي والمبيت، ومن عليه رمي أيام التشريق ولو كله، وقد خرج وقته .. حل إحرامه ونكاحه وغيرهما، ولا يتوقف ذلك على بدل الرمي، بخلاف رمي يوم النحر يتوقف عليه التحلل أو على بدله إذا خرج وقت الرمي، فهو إذا لم يفعله باق على إحرامه.
ومنه يعلم: امتناع حجتين في عام خلافاً لمن زعمه.
ويسن الإكثار من العمرة ولو في اليوم الواحد؛ إذ هي أفضل من الطواف حيث استوى زمنهما؛ لأنها لا تقع من الحر المكلف إلا فرضاً.
لكن أطال السيوطي في رسالة له في تفضيله.
(و) يحرم (بالحج في أشهره، وهي: شوّال، وذو القعدة، وعشر) ليال (من ذي الحجة) أي: فيصح الإحرام به من ابتداء شوّال إلى فجر يوم النحر وإن ضاق الوقت، كأن أحرم به بمصر قبيل فجر نحر.
ودعوى: أن الليالي إذا أطلقت تبعتها الأيام، فيدخل يوم النحر، وبه قال الحنفية: شرطها: إرادة المتكلم ذلك، ومن أين لنا ذلك؟!.
стр. 567
ويدل لمذهبنا الخبر الصحيح: "من شهد معنا صلاتنا هذه -أي: صبح يوم النحر، أي: بمزدلفة- فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً .. فقد تم حجه، وقضى تفثه"، فتأمله، فإنه نص صريح لمذهبنا.
ويصح عند أبي حنيفة ومالك جميع السنة، لكنه مكروه قبل شوّال.
(فلو أحرم به في غير وقته) كرمضان وبقية ذي الحجة ( .. انعقد عمرة) مجزئة عن عمرة الإسلام إن كانت عليه، علم به أو جهل، ولا يبطل؛ لأنه شديد التعلق، إذ لا يخرج منه كغيره بالفساد، بل ينصرف لما يقبله.
ولو شك هل أحرم في وقته أو قبله؟ انعقد حجاً؛ لأن أصل تقدير كل حادث بأقرب زمن أخص من مطلق العدم، فقدم عليه.
نعم؛ ينبغي الاحتياط، فينوي الحج إن لم يشرع في الأعمال؛ لصحة إدخال الحج على العمرة، وإلا .. فيفعل ما يفعل من أحرم بأحد النسكين ونسيه.
(و) أمّا الميقات المكاني .. فهو (إن كان بمكة .. فيحرم) ولو قارناً أو متمتعاً أو آفاقياً (بالحج منها) لا خارجها ولو محاذياً لها عند (حج)؛ لخبر: "حتى أهل مكة من مكة".
فلو أحرم خارجها في محل تقصر فيه الصلاة لمسافر منها، ولم يعد إليها قبل الوقوف .. أثم، ولزمه دم، وكذا إن عاد إليها قبله وقد وصل إلى مسافة القصر.
قال في "التحفة": كذا قالوه، ومحله إن كان ميقات الجهة التي خرج إليها أبعد من مرحلتين .. فيتعين الوصول للميقات أو محاذاته؛ لإساءته بترك الإحرام من مكة.
بخلاف ما لو كان ميقاتها على مرحلتين، أو لا ميقات لها، فيكفي الوصول إليهما.
وإنما سقط دم التمتع بالمرحلتين مطلقاً؛ لأن هذا فيه إساءة ترك الإحرام من مكة، فشدد فيه أكثر، ولأنه ببعده منها مرحلتين انقطعت نسبته إليها، فصار كالآفاقي، فتعين ميقات جهته أو محاذاته.
ويستثنى من ذلك: من يريد قضاء نسك أفسده، فيعتبر في حقه الأبعد من ميقات طريق القضاء والأداء، أو مثل مسافته.
والأجير المكي إذا استؤجر عن آفاقي .. فيلزمه الإحرام من ميقات المحجوج عنه كما اعتمدوه.
стр. 568
لكن في مواضع من "الإيعاب"، و"المنح"، وفي "شرح الغاية" لـ (سم): الاكتفاء بميقات آفاقي يمر عليه الأجير وإن كان أقرب من ميقات المحجوج عنه، ونقله (سم) عن "المجموع"، وعن نص الشافعي، ولا إثم ولا دم عليه ولا حط، وهو -وإن كان غير معتمد عند أكثر المتأخرين- فيه فسحة كبيرة، ويجوز تقليده والعمل به للأجير؛ لأن هذا من عمل النفس.
قال (سم): وعلى جواز العدول للأقرب، فيجوز للمكي الأجير عن آفاقي الإحرام من مكة، ولا حطّ ولا دم عليه، وهو ما اعتمده الجمال الطبري.
والذي اعتمده المحب الطبري: (لزوم الخروج إلى الميقات ولو أقرب من ميقات المحجوج عنه على ما تقدم من جواز العدول للأقرب، فإن خالف .. لزمه الدم والحط.
وفرق بين مكة وغيرها من المواقيت بأن المستأجر لو أتى غيرها من المواقيت .. كان ميقاته، ولو أتى إليها بلا إحرام مع إرادة النسك ثم أحرم منها .. لزمه الدم، فأجيره كذلك فيهما.
وعلى هذا: لو شرط المستأجر الإحرام من مكة .. فسدت الإجارة، فإن حج الأجير منها .. استحق أجرة المثل، والدم على المستأجر، أي: للإذن في الإحرام من مكة) اهـ
ولو تبرع مكي بنسك عن آفاقي وأحرم به من مكة .. استوجه في "المنح": وجوب الدم على المتبرع؛ لأنه الذي ورط نفسه.
(و) أمَّا الإحرام (بالعمرة) .. فهو لمن بالحرم من مكة وغيرها (من أدنى الحل) من أي جانب شاء ولو ظناً بالاجتهاد، فإن لم يظهر له شيء .. تعين الاحتياط.
ولو أخرج إحدى رجليه عن الحرم واعتمد عليها وأحرم .. كفاه؛ وذلك لأنه ﵊ أرسل عائشة مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت منه، ولو لم يجب ذلك لما أرسلها مع ضيق الوقت.
ولو أحرم في الحرم ولم يخرج إلى الحل .. لزمه الإثم والدم، وكذا الحط إن كانت لغيره، وإن خرج إليه .. فلا إثم ولا حط.
وكذا لا إثم إن كان عند الإحرام عازماً على الخروج.
وأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة الجعرانة -بالتخفيف والتشديد- موضع بين الطائف
стр. 569
ومكة على اثني عشر ميلاً منها، وعلى ثلاثة أميال من الحرم.
ثم التنعيم المعروف الآن بمساجد عائشة، على فرسخ من مكة.
ثم الحديبية -مخففة، وقيل: مشددة: اسم بئر بين طريق حدة- بكسر الحاء المهملة -وقيل: بجيم مضمومة- وكل صحيح؛ إذ حدة بالحاء في طريق جدة والمدينة، يقال: أنها المعروفة ببئر شمس، وفيها مسجده ﷺ الذي بويع فيه تحت الشجرة وذلك؛ للاتباع في الأول، ولأمر عائشة به في الثاني، ولهمه بالاعتمار منه في الثالث.
لكن في "المجموع": أنه أحرم من ذي الحليفة.
وجمع بأنه أولاً همَّ بالاعتمار منها، ثم أحرم.
واستشكل تقديم الجعرانة؛ لأنه ﵇ أحرم منها في رجوعه من غزوة حنين، ولم يكن في الحرم، والكلام في الأفضل لمن هو فيه، وهو ظاهر.
(وغير المكي) -أي: من ليس بمكة من آفاقي أو مكي- قصد مكة للنسك حجاً أو عمرة (يحرم بالحج والعمرة من الميقات) التي أقته ﷺ لطريقه التي سلكها.
(وهو لتهامة اليمن: يلملم) ويقال له: ألَمْلَمُ، ويرمرم.
قال الكردي: (جبل من جبال تهامة جنوبي مكة مشهور بالسعدية، بينه وبين مكة مرحلتان) اهـ
وقوله مرحلتان: أي: تقريباً، وإلا .. فبينهما مرحلتان ونصف.
(ولنجده) أي: اليمن ونجد الحجاز (قَرْن) -بسكون الراء- جبل عند الطائف على مرحلتين من مكة.
(ولأهل العراق) وخرسان (ذات عرق) بكسر فسكون و (عرق): الجبل الصغير المشرف على العقيق، وهو واد، والإحرام منه أفضل؛ لأنه أبعد من مكة، ولأنه ورد أنه ميقات أهل المشرق.
(ولأهل الشام) الذين لا يمرون بذي الحليفة (و) أهل (مصر والمغرب: الجحفة) قرية خربة، أقرب من رابغ إلى مكة على أربع مراحل ونصف منها، والإحرام من رابغ أفضل إن جهلت الجحفة، أو تعذر بها فعل السنن.
стр. 570
(ولأهل المدينة) والشام، كما هي عادتهم الآن (ذو الحليفة) المسماة بأبيار علي، وبينها وبين المدينة ثلاثة أميال، وبين مكة عشر ديار، أي: منازل، والدار أكثر من مرحلة، بل تقارب مرحلتين.
فإن سلكوا طريق الجحفة أو ذات عرق .. فما سلكوا طريقه فهو ميقاتهم وإن حاذوا ميقاتاً قبله؛ لأن عين الميقات أقوى من محاذاته، فكل من مرَّ بميقات فهو من أهله؛ لأنه ﷺ أقت جميع ما ذكر لمن ذكر، وقال: "هن -أي: المواقيت- لهن -أي: النواحي المذكورة- ولمن أتى عليهن من غير أهلهن".
وأمَّا توقيت عمر ذات عرق .. فاجتهاد منه وافق النص.
والأفضل: أن يحرم من الميقات لا من قبله إلا فيما مر، وأجير شرط عليه الإحرام من فوقه ومن أوله ليقطعه كله محرماً.
نعم؛ الميقات الذي به مسجد .. يحرم منه ثم يعود إلى أول الميقات.
وفي "المنح": الأفضل: أن يصلي به سنة الإحرام ثم يعود إلى أول الميقات، ويحرم منه عند ابتداء سيره منه، ويجوز الإحرام من آخر الميقات.
ومن سلك طريقاً لاينتهي به لميقات، فإن حاذى ميقاتاً يمنة أو يسرة .. أحرم من محاذاته، فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة .. اجتهد، فإن تحير .. قلد، فإن لم يظهر له شيء .. احتاط ما لم يضق الوقت، أو يخاف الفوات.
والأصل: براءة الذمة وعدم العصيان؛ لعدم تيقن المجاوزة.
أو حاذى ميقاتين بأن كان إذا مر على كلٍّ تكون المسافة منه إليه واحدة .. فالأصح أنه يحرم من محاذاة أبعدهما من مكة وإن حاذى الأقرب إليها أولاً، فأن استوت مسافتهما في القرب إلى طريقه وإلى مكة .. أحرم من محاذاتهما ما لم يحاذي أحدهما قبل الآخر، وإلا .. فمنه، أمَّا إذا لم تستو مسافتهما إليه بأن كان بين طريقه إذا مر عليه ميلان، والآخر إذا مر عليه ميل .. فهذا ميقاته وإن كان أقرب إلى مكة.
ومن لم يحاذ ميقاتاً قبل مرحلتين، كالجائي من سواكن إلى جدة؛ فإنه يصلها قبل أن يحاذي ميقاتاً، وجدة مرحلتان إلى مكة .. أحرم على مرحلتين من مكة؛ إذ لا ميقات دونهما.
وبما تقرر يعلم: أن المحاذاة بعد المرحلتين لا تعتبر.
стр. 571
وأن المراد من قولهم: (ومن لم يحاذ ميقاتاً): من لم يحاذه قبل مرحلتين، وإلا .. فعدم المحاذاة محال؛ لاكتناف المواقيت لمكة، على أن (سم) قال: هلاَّ اعتبرت المحاذاة ولو بعد المرحلتين، وربما أيده إطلاقهم المحاذاة.
ومن مسكنه بين مكة والميقات .. فميقاته مسكنه؛ لقوله في الخبر: "ومن كان دون ذلك .. فمن حيث أنشأ"، حتى أهل مكة من مكة.
نعم؛ مريد العمرة يخرج لأدنى الحل، كما مر.
فإن أحرم بعد مجاوزة مسكنه ولم يعد إليه .. لزمه الدم وإن كان من حاضري المسجد الحرام.
وأمَّا من مسكنه بين ميقاتين، كأهل الصفراء وبدر .. فميقاته الثاني، خلافاً "للمنح" من أن مسكنه: ميقاته على تفصيل ذكرته في "الأصل".
ومن قصد الحرم لا لنسك بل لنحو تجارة .. سن أن يحرم بنسك من ميقاته لو أراده، وكره تركه.
ومن جاوز الميقات غير مريد نسك ثم أراده .. أحرم من موضع إرادته، ويسمى الميقات المعنوي؛ لما في الحديث السابق.
ومن بلغه مريد العمرة مطلقاً أو الحج في عامه، وكذا في غير عامه عند (حج) .. وجب عليه الإحرام بالنسك الذي أراده وإن أراد إقامة طويلة كشهر بموضع قبل مكة، خلافاً للشهاب الرملي.
ولو كان قاصداً الإحرام بالحج عند المجاوزة، فأحرم بعمرة ثم أدخله عليها .. لزمه الدم، وإن لم يطرأ له قصده إلا بعد مجاوزته .. فلا.
ويقاس بذلك ما لو قصد الإحرام بالعمرة وحدها عند المجاوزة، فأحرم بالحج، وهذا إن أمكن ما نواه، وإلا كأن نوى الحج في القابل .. تعينت العمرة.
(فإن جاوز الميقات) إلى جهة الحرم ولو جاهلاً (مريد للنسك) ولو في القابل غير محرم ولم ينو العود إليه أو إلى مثله (ثم أحرم) بعمرة مطلقاً، أو بحج في السنة التي أراد النسك فيها ولو غير الأولى عند (حج) .. عصى إجماعاً إن لم يتوقف إحرامه على إذن كرقيق وإن عاد؛ لأنه إنما يرفع دوام الإثم، ومع العصيان ( .. فعليه دم إن لم يعد) بعد إحرامه (إلى) ذلك (الميقات) أو مثل مسافته (قبل التلبس بنسك) ولو مسنوناً على
стр. 572
صورة الركن، كطواف القدوم، ويلزمه العود إليه محرماً، أو ليحرم منه إن لم يحرم، أو إلى مثله؛ تداركاً لإثمه، أو لتقصيره في الجهل والنسيان وإن كان لا إثم فيهما؛ إذ لا فرق في المأمورات بين العالم العامد وغيره إلا في الإثم.
فإن عاد بعد التلبس بنسك .. لم يسقط عنه الدم، أو قبله .. سقط.
أمَّا لو جاوزه لا إلى جهة الحرم بل يمنة أو يسره .. فله أن يؤخر إحرامه إلى محل مثل مسافة ميقاته إلى مكة أو أبعد.
وبه يعلم أنه ليس للجائين من اليمن تأخير إحرامهم إلى جدة وإن قال في "التحفة"، وتبعه جماعة: إن مسافتها كمسافة يلملم إلى مكة؛ لتحقق التفاوت بنحو الربع كما هو مشاهد، فلا معنى للخلاف.
نعم؛ أفتى بما في "التحفة" الشيخ محمد صالح الرئيس؛ تبعاً للشيخ إدريس الصعيدي، وعلله بأن مبنى المواقيت على التقريب؛ لتصريحهم أن يلملم وذات عرق وجدة على مرحلتين، مع أن بعضها يزيد على ذلك.
وسمعت: أن (يلملم): جبل طويل، وأن آخره إلى مكة كجدة إليها أو أقل، فإن صح ذلك .. اتجه بل اتضح ما في "التحفة"؛ لأن العبرة من حيث الوجوب في المواقيت بآخرها.
وخرج بقولنا: (إلى جهة الحرم أيضاً): من مر على الميقات بعد نسكه قاصداً بلده، كأهل اليمن يزورون بعد الحج، ويمرون في رجوعهم بذي الحليفة قاصدين النسك في عامهم بعد إقامتهم ببلدهم، فلا يجب عليهم الإحرام؛ لأن مجاوزتهم الميقات في غير جهة الحرم، بخلاف المكي إذا رجع بعد الزيارة إلى مكة.
وبـ (مريد النسك): من لا يريده عند المجاوزة وإن أراده بعد كما مر.
وبـ (غير ناو العود): من نواه وعاد، أو لم يعد؛ لعذر كمرض .. فلا إثم وإن وجب على الأخير الدم.
وبـ (ثم أحرم): ما لو لم يحرم، أو أحرم بحج في غير السنة التي أراد النسك فيها .. فلا دم عليه؛ لأنه لنقص النسك، ومع عدم الإحرام لا نسك، وكذا لو أحرم في غير التي أرادها .. فلا نقص.
وفارقت العمرة الحج في: كون الإحرام بها يلزمه الدم ولو في غير تلك السنة؛ لأن إحرامه في سنة لا يصلح لغيرها، بخلافها؛ إذ إحرامها لا يتأقت.
* * *
стр. 573
(فصل) في أركان الحج .
أي: أجزاء الحج والعمرة، وهي التي يتوقف صحتهما عليها، ولا تجبر بدم ولا غيره.
(أركان الحج خمسة) بل ستة:
(الإحرام) أي: نية الدخول في النسك (والوقوف بعرفة، والطواف، والسعي، والحلق)، وترتيب معظمها؛ إذ لا بد من تقديم الإحرام على الكل، والوقوف على ما بعده إن لم يقدم السعي بعد طواف القدوم، وتأخير الطواف والسعي والحلق عن الوقوف والإحرام، ولا ترتيب بينها إلا بين الطواف والسعي.
(وأركان العمرة أربعة) بل خمسة، وهي ما عدا الوقوف من أركان الحج.
(وهي: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق)، والترتيب في جميعها على ما ذكره، وكلها تصح مع الحدثين إلا الطواف وهو أفضلها عند (م ر)، وعند (حج): الوقوف؛ لأنه الركن الأعظم، لفوات الحج بفواته، ثم بعدهما السعي ثم الحلق.
* * *
(فصل: الإحرام) الذي هو ركن من أركان النسك (نية) الدخول في (الحج أو العمرة أو هما)؛ لخبر: "من أراد أن يهل بحج أو عمرة .. فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج .. فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة .. فليفعل".
وهو بهذا الاعتبار ركن.
ويطلق أيضاً على نفس الدخول فيه بالنية؛ لاقتضائه دخول الحرم، كأنجد إذا دخل نجداً، أو تحريم الأنواع الآتية.
стр. 574
وهذا هو المراد بقولهم: يفسده الجماع، وتحرم به المحرمات الآتية. وبقولهم: ينعقد الإحرام، أي: يحصل الدخول فيه بالنية.
(وينعقد) الإحرام أيضاً في أشهر الحج (مطلقاً) -بفتح اللام وكسرها- لما روى الشافعي: (أنه صلى اللله عليه وسلم خرج هو وأصحابه ينتظرون القضاء -أي: نزول الوحي- فأمر من لا هدي معه أن يجعل إحرامه عمرة، ومن معه هدي أن يجعله حجاً).
(ثم يصرفه) أي: الإحرام المطلق بالنية (لما شاء) من حج أو عمرة، أو كليهما، وإن ضاق الوقت أو فات عند (حج).
والأفضل: صرفه للعمرة؛ خروجاً من الخلاف، ولا يجزئه العمل قبل الصرف.
نعم؛ إن طاف ثم صرفه حجاً .. وقع عن طواف القدوم، ولا يجزئه السعي بعده قبل الصرف؛ لأنه يحتاط للركن ما لا يحتاط للسنة.
وفي "الإيعاب": أنه يجزيه السعي بعده.
ولو أفسده قبل الصرف .. فأيهما عينه كان مفسداً له.
أمَّا في غير أشهر الحج .. فينعقد عمرة، وله أن يحرم كإحرام زيد، ثم إن كان زيد مطلقاً أو غير محرم أو أحرم فاسداً .. انعقد له مطلقاً، وإن علم إحرام زيد وكان زيد مفصلاً ابتداء .. تبعه في تفصيله.
بخلاف ما لو أحرم مطلقاً وصرفه حجاً أو عمرة، وأدخل عليها الحج، ثم أحرم كإحرامه .. فلا يلزمه في الأولى أن يصرفه لما صرفه له، ولا في الثانية إدخال الحج على العمرة إلا أن يقصد التشبيه به في الصورتين.
وإذا تعذر معرفة إحرام زيد .. جعل نفسه قارناً، وعمل عمله، ولا يبرأ من العمرة؛ لاحتمال أنه كان محرماً بحج، وهو يمتنع إدخال العمرة عليه.
ويغني عن نية القران نية الحج؛ إذ لا يحصل له وإن نوى القران سواء، ولا يلزمه دم إن نوى القران.
ولو اقتصر على عمل عمرة .. لم يحصل له التحلل، أو على عمل الحج بلا نيته .. حصل له التحلل، ولا يبرأ من شيء منهما.
(ويستحب التلفظ بالنية) التي يريدها مما مر؛ لتأكد ما في القلب، كسائر العبادات.
стр. 575
(فيقول) بقلبه وجوباً، وبلسانه ندباً: (نويت الحج أو العمرة) أو هما، أو النسك (وأحرمت به لله تعالى) عطف مرادف أتى به؛ للتأكيد.
ولا تجب نية الفرضية جزماً؛ لأنه لو نوى به النفل .. وقع عن الفرض، ولو تخالف القلب واللسان .. فالعبرة بما في القلب.
(وإن حج أو اعتمر عن غيره .. قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان، وأحرمت به لله تعالى) ولو أخر لفظ فلان عن: (وأحرمت به لله تعالى) .. لا يضر على المعتمد إن كان عازماً عند نويت الحج مثلاً أن يأتي به، وإلا وقع للحاج نفسه.
(ويستحب) استقبال القبلة و (التلبية مع النية) فيقول عقب تلفظه بالنية المارة: لبيك اللهم ... إلخ، ولا يجهر بهذه التلبية، ويذكر فيها دون غيرها ما أحرم به.
قال في "الشرح": لخبر مسلم: "إذا توجهتم إلى منى .. فأهلوا بالحج".
و (الإهلال): رفع الصوت بالتلبية، أي: هنا، وإلا فهو رفع الصوت مطلقاً.
قال الكردي: (ولفظ التلبية ثابت في البخاري، فلو استدل به هنا، وأخر هذا إلى رفع الصوت بالتلبية .. كان أنسب) اهـ
فإن لبى بلا نية .. لم ينعقد؛ لخبر: "إنما الأعمال بالنيات"، أو نوى ولم يلب .. انعقد على الصحيح، ولو لبى بغير ما نوى .. فالعبرة بما نواه.
(و) يستحب (الإكثار منها) للمحرم، ولو نحو حائض في كل محل لا نجاسة به كحش، وإلا .. كرهت، ولا في طواف وسعي.
ويستمر على ذلك إلى شروعه في أسباب التحلل، كرمي جمرة العقبة.
ويتأكد عند تغاير الأحوال كركوب وصعود واجتماع وأضدادها، ومنه عند فراغ الصلاة، ويقدمها على أذكار الصلاة.
(ورفع الصوت بها لذكر) ولو بمسجد، بحيث لا يجهد نفسه ولا يشوش على غيره؛ للخبر السابق وغيره.
أمَّا غير الذكر .. فيكره جهره بها بحضرة أجانب، وإلا .. جهر دون الذكر، ولم
стр. 576
يحرم بحضرة أجانب كالأذان؛ لأن كلاً هنا مشغول بتلبية نفسه عن تلبية غيره.
(إلاَّ في أول مرة) التي مع الإحرام ( .. فيسر بها) وإن لم يذكر فيها ما أحرم به، وتحرم إجابة كافر بها.
(وصيغتها) المحبوبة تلبيته ﷺ وهي: (لبيك) مصدر مثنى، قصد به التكثير من لب: أقام أو أجاب، أي: إقامة على طاعتك بعد إقامة، أو إجابة -لأمرك لنا على لسان خليلك ﵇ بعد إجابة.
(اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن) الأولى كسرها؛ لما في "الفتح" من إيهام: أن التلبية مختصة بحالة شهود النعمة وما معها.
والأكمل: إخلاصها بغير شهود شيء آخر لذاته تعالى، ومن الاحتياج إلى تقدير.
(الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) وندب وقفة لطيفة على (والملك)؛ دفعاً لتوهم عود النفي بـ (لا) لما قبلها وإن بعد جداً وعلى لبيك الثاني والثالث؛ ليكون في الثالث أبعد من إيهام التعليل له بما بعده.
(ويكررها) أي: جميع التلبية المذكورة، لا لبيك فقط كما هو وجه ضعيف (ثلاثاً) ويواليها.
(ثم) بعد فراغه من التلبية ثلاثاً، أو دونها (يصلي) ويسلم (على النبي) وآله وصحبه ﷺ .
والأفضل: بعد كل ثلاث منها، وكونها بصوت أخفض من التلبية، وتكريرها ثلاثاً، وأن لا يرد على من سلم عليه إلا بعد فراغها كالمؤذن.
(ثم) بعد ما ذكر (سأل الله الرضى والجنة، واستعاذ) به (من النار) كما جاء بسند ضعيف (ثم دعا بما أحب) ديناً ودنيا.
وندب أن لا يتكلم أثناء تلبيته إلا برد سلام .. فيسن، وتأخيره إن بقي المسلم عنده أفضل، وإلا بإنذار مشرف على تلف .. فيجب.
стр. 577
(وإذا رأى المحرم أو غيره) أي: أدرك بأي حاسة كان (شيئاً يعجبه أو يكرهه .. قال) ندباً: (لبيك إن العيش) أي: الكامل، وهو الهنيء الذي لا يعقبه كدر، ولا يشوبه تنغص هو (عيش الآخرة)؛ لأنه ﷺ قال ذلك في أسر أحواله حين رأى جمع المسلمين بعرفة، وفي أشدها في حفر الخندق، ويظهر تقييد لبيك بالمحرم.
وغيره يقول: اللهم إن العيش عيش الآخرة، كما ورد أيضاً في حفر الخندق.
* * *
(فصل) في سنن تتعلق بالإحرام .
(ويسن الغسل للإحرام) بسائر كيفياته؛ للاتباع ولو لنحو حائض وإن أراده قبل الميقات، ويكره تركه ولو لحائض، وتأخيره لطهرها أولى.
وإحرام الجنب مكروه، وغير المميز يغسله وليه، وينوي عنه ولو بنائبه.
ويكفي تقدمه على الإحرام إن نسب إليه عرفاً، كأن يغتسل بمكة، ويحرم من التنعيم، ومن عجز عن الماء .. تيمم، ويكفيه تيمم واحد له وللوضوء على المعتمد، كما مر.
وندب لمريد إحرام قص شارب، وأخذ شعر نحو إبط وظفر قبل الغسل، إلا في عشر ذي الحجة لمريد تضحية .. فيكره، فغسل رأسه بنحو سدر، فمسح بحناء لوجه امرأة غير محدة ولو عجوزاً يستر بشرته؛ لأنها مأمورة بكشفه، وخضب كفيها به.
ويكره بعد إحرام (ولدخول مكة) ولو حلالاً.
والأفضل: كونه بـ (ذي طوى): بئر في الزاهر لمار بها، وإلا .. فمن مثلها مسافة، فإن لم يغتسل قبل دخولها .. اغتسل فيها.
ويستثنى من قرب غسله بحيث لم يتغير ريحه، كأن اغتسل لإحرامه من التنعيم ودخل مكة، فلا يسن له الغسل، وكذا يقال في بقية الأغسال، بخلاف من اغتسل بمحل غير
стр. 578
قريب كالحديبية، فيغتسل لدخول مكة وإن لم يتغير ريحه، وهذا إنما هو عند عدم التغير، وإلا .. فيسن مطلقاً.
ويسن أيضاً لدخول حرم مكة وحرم المدينة، ولدخول الكعبة والمدينة ما لم يتقدمها غسل قريب مطلوب.
(ولوقوف عرفة) ويدخل كغسل الجمعة، ورمي أيام التشريق بالفجر، والأفضل: كونه بعد الزوال، وبنمرة.
(و) للوقوف بـ (مزدلفة) والأفضل: كونه بالمشعر الحرام بعد الفجر، ويجوز من نصف الليل.
(ولرمي) الجمار كل يوم من أيام التشريق؛ لآثار وردت في ذلك، ولاجتماع الناس عند ذلك، والأفضل كونه بعد الزوال.
فإن لم يغتسل بعرفة .. ندب لدخول مزدلفة، أو لم يغتسل لوقوف مزدلفة .. ندب لرمي جمرة العقبة، أو لم يغتسل لدخول مكة .. سن لطواف القدوم.
وبالجملة: فيسن عند كل ازدحام واجتماع في طواف وغيره وإن قلنا لا يسن للطواف.
(و) يستحب بعد الغسل (تطييب بدنه للإحرام)؛ للاتباع إلا لصائم وبائن .. فيكره لهما ما لم تكن لهما رائحة يتأذى بها وتوقفت إزالتها على الطيب، وإلا لمحدة .. فيحرم.
وإنما لم يسن لغير ذكر التطيب لنحو الجمعة؛ لضيق وقته ومكانه، فلا يمكنه تجنب الرجال.
وأفضله: المسك وأن يخلط بماء ورد؛ ليذهب جرمه، ويكره الزباد؛ لقول أحمد بنجاسته.
(دون ثوبه) فلا يسن تطييبه، بل يباح كما في "شرح المنهج"، و"المغني"، و"الفتح"، و"م ر".
أو يكره كما في "التحفة"؛ للخلاف القوي في حرمته، ولا تحرم استدامته وإن كان له جرم في بدن أو ثوب بعد الإحرام؛ لخبر عائشة: (كأني أنظر إلى وبيص المسك -أي: بريقه- في مفرق رسول الله ﷺ .
стр. 579
وخرج بـ (استدامته): ما لو أخذه من بدنه أو ثوبه ثم رده إليه أو مسه بيده مثلاً عمداً .. فتلزمه مع الحرمة الفدية.
ولو نزع ثوبه المطيب ولو بحيث لو رش بماء ظهر ريحه ثم لبسه .. لزمته الفدية في الأصح، ومقابله لا فدية؛ إذ العادة لبسه ثم خلعه، فجعل عفواً، ولا يسع الناس إلا هذا، أو ترك تطييب الثوب رأساً.
بل قال مالك: يمتنع التطيب في الثوب والبدن؛ لخبر فيه، لكن قالوا: إنه منسوخ.
ويندب الجماع قبل الإحرام خصوصاً لمن يشق عليه تركه.
(و) يندب لذكر (لبس إزار ورداء) قبيل الإحرام؛ للاتباع، وكونهما (أبيضين)؛ لخبر: "البسوا من ثيلبكم البياض"، و (جديدين ثم مغسولين) ويندب غسل جديد احتملت نجاسته.
ويسن للمرأة لبس البياض، ويكره لها لبس المصبوغ.
تنبيه: قضية كلام كثيرين كـ"الإيضاح"، و"الروضة": أن التجرد عن المخيط سنة قبل الإحرام، وفي "المجموع" وغيره: أنه واجب، وأطال كل لترجيح ما قاله، وبينت ذلك في "الأصل"، والوجوب غير بعيد.
(و) يسن لبس (نعلين) وكونهما جديدين؛ لخبر: "يحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" (و) صلاة (ركعتين) فأكثر بعد ما ذكر في غير وقت الكراهة إلا في حرم مكة كما مر؛ لخبر الشيخين: (أنه ﷺ صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم).
ولا بد أن ينوي بهما سنة الإحرام، ويغني عنهما غيرهما كفريضة وإن لم ينوهما معها فيسقط طلبهما، بل ويثاب عليهما عند (م ر) على ما مر.
ويقرأ فيهما سورتي (الإخلاص) وأن يصليهما في المسجد إن كان هناك على ما مر في فصل المواقيت.
ثم بعد أن يصليهما (يحرم بعدهما) بحيث ينسبان إليه حال كونه (مستقبلاً) للقبلة عند الإحرام.
стр. 580
والأفضل: أن يحرم (عند ابتداء سيره) في الماشي، أو سير دابته في الراكب متوجهاً لطريق مقصده؛ للاتباع.
(ويسن) لحاج ولو قارناً (دخول مكة قبل الوقوف)؛ للاتباع، ولكثرة ما يفوته لو لم يدخلها قبله من طواف القدوم، وتعجيل سعي وزيارة البيت وكثرة الصلوات في المسجد الحرام، وغير ذلك.
(و) كونه ولو لحلال (من أعلاها) وإن لم يكن بطريقه، ويسمى: ثنية كداء -بفتح الكاف والمد- و (نهاراً) والأفضل: أوله، وبعد صلاة الصبح.
وكون الذكر (ماشياً) و (حافياً) إن لم تلحقه بذلك مشقة، ولم يخف تنجس رجليه، ولم يضعفه ذلك عن الوظائف؛ لأنه أشبه بالأدب، ومن ثم ندب له الأخيران من أول الحرم إن لم يخف شيئاً مما مر.
أما المرأة .. فدخولها في نحو هودجها أفضل. ويسن أن يخرج من ثنية كُدى -بضم الكاف والقصر- وإن لو تكن بطريقه كإلى عرفة، لكن استثناها (سم)، وعبد الرؤوف.
وحكمته: الاشعار بعلو ما يدخله على غيره، وفي الخروج بالعكس.
وينبغي أن يستحضر عند دخوله الحرم ومكة من الخشوع والخضوع والتواضع ما أمكنه، ولا يزال كذلك.
فإذا وصل المدعى .. وقف ودعا، ثم ينطلق نحو المسجد، ويدخل من باب السلام وإن لم يكن بطريقه، فإذا وقع بصره على البيت أو بحيث يراه لو لم يكن مانع من الرؤية .. رفع يديه؛ لخبر فيه: أنه حينئذٍ يستجاب الدعاء، ووقف ودعا، فيقول:
اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة وبراً، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً، اللهم أنت السلام ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام، ثم يدعو بما أحب.
(وأن يطوف للقدوم) عند دخوله المسجد مقدماً له على تغيير ثياب لم يشك في طهرها أو لا تليق به، واكتراء منزل وغيرهما؛ للاتباع.
ولأنه تحية البيت فقدم على تحية المسجد وغيرها إلا لعارض، كفائتة فرض لم تكثر،
стр. 581
وخشية فوات راتبة أو سنة مؤكدة أو مكتوبة أو جماعة، فإن أقيمت فيه جماعة مكتوبة كما في "التحفة"، أو غيرها كما في غيرها .. قطعه ما لم يرج جماعة أخرى مساوية لها.
وتؤخر المرأة طوافها إلى الليل.
ولو منع من الطواف .. صلى التحية، كما لو دخل ولم يرده، ولا يفوت إلا بالوقوف بعرفة.
وإنما يندب لداخل مكة (إن كان) حلالاً، أو (حاجاً أو قارناً ودخل مكة قبل الوقوف) بخلاف معتمر وحاج دخلها بعد الوقوف فمخاطب بطواف الركن، فلم يصح تطوعهما بطواف القدوم ولا غيره قبله، حتى لو قصدا به غير الفرض .. وقع عن الفرض، واندرج فيه طواف القدوم.
نعم؛ لو دخل مكة بعد الوقوف قبل نصف ليلة النحر .. سن له طواف القدوم؛ إذ لا يدخل طواف الركن إلا بنصف الليل.
* * *
(فصل: واجبات الطواف) بأنواعه من قدوم وركن وتحلل ووداع واجبٍ، أو مندوب، أو نذر وتطوّع.
والمراد بالواجبات هنا: ما يشمل الشرط والركن، فالركن النية، والطوافات وغيرهما شروط (ثمانية) بل أحد عشر، فالثلاثة الأول:
(ستر العورة، وطهارة الحدث) الأصغر والأكبر (و) طهارة (النجس) بتفصيلهما السابق في الصلاة؛ لأنه صلاة كما صح به الخبر، وصح أيضاً: "لا يطوف بالبيت عريان".
فلو أحدث أو تنجس بدنه أو ثوبه أو مطافه بغير معفو عنه أو عري شيء من عورته مع القدرة على ستره أثناء الطواف .. تطهر وتستر وبنى وإن تعمد ذلك وطال الفصل كالوضوء، وقيل: يستأنف كالصلاة.
ويعفى عما يشق الاحتراز عنه في المطاف من ذرق الطيور وغيرها، حيث لا رطوبة، ولم يتعمده.
стр. 582
لكن في "المنح"، و"الإيعاب"، و"مختصر الإيضاح": أنه حيث لا مندوحة له عنه لا يضر تعمده.
وفي "الإمداد": قضيةُ تشبيه المجموع ذلك بدم نحو القمل وطين الشارع عدمُ الفرق بين الرطبة وغيرها، وجرى عليه في "مختصر الإيضاح".
والعاري يطوف ولا إعادة عليه.
قال في "الشرح": (والأوجه: أن للمتيمم وإن لزمته الإعادة، وللمتنجس العاجزين عن الماء -ولو شرعاً كذي جبيرة تيمم- طواف الركن؛ ليستفيدا به التحلل، ثم إذا عادا إلى مكة .. لزمهما إعادته) اهـ
وأفهم كلامه: أنه لا يلزمه العود لذلك، وهو مفاد كلام غيره.
ونقل (سم) عن (م ر): أنه لا يجب عليه المجيء فوراً.
قال عبد الرؤوف: وعليه: فمحله مالم يتضيق بنحو عضب، فإن عضب .. أناب فيه غيره؛ لعذره، وإنَّ الكلام في الآفاقي، فالمكي ليس له فعل طواف الركن بالتيمم إن رجا حصول البرء عن قرب.
وفي "الأصل" زيادات، فليطلبها من أرادها.
(و) الرابع: (جعل البيت عن يساره) يقيناً؛ للاتباع، إلا في أعمى .. فظناً؛ لشدة عسره عليه ماراً لجهة الحجر -بكسر الحاء- ولو محمولاً وإِن حعل رأسه لأسفل، أو وجهه للسماء وظهره للأرض أو عكسه، كما لو طاف منحنياً أو حبواً أو زحفاً مع قدرته على المشي.
فإن جعله على يمينه ومشى أمامه أو القهقرى أو أمامه أو خلفه أو على يساره ومشى القهقرى .. لم يصح؛ لمنافاته لما ورد الشرع به.
(و) الخامس: (الابتداء بالحجر الأسود)؛ للاتباع، فلا يعتد بما بدأ به قبله ولو سهواً، فإذا انتهى إليه .. ابتدأ منه.
(و) السادس: (محاذاته) أي: الحجر كله أو بعضه في أول طوافه عند النية إن وجبت، وآخره (بجميع بدنه) أي: بجميع أعلى شقه الأيسر المحاذي لصدره، وهو المنكب.
فيجب في الابتداء: أن لا يتقدم جزء منه على جزء من الحجر مما يلي الباب، واكتفي
стр. 583
بمحاذاة بعضه، كما يكتفي في الصلاة بتوجهه بكل بدنه لبعض الكعبة.
وفي الانتهاء: أن يكون الذي حاذاه آخراً هو الذي حاذاه أوّلاً، أو مقدماً إلى جهة الباب؛ ليحصل استيعاب البيت بالطواف، وزيادة ذلك الجزء؛ احتياطاً، كما يجب غسل جزء من الرأس مع الوجه، فليتنبه له.
فلو لم يحاذه أو بعضه بجميع أعلى شقه، كأن جاوزه ببعض أعلى شقه إلى جهة الباب، أو تقدمت النية على المحاذاة المذكورة، أو تأخرت عنها .. لم تصح طوفته، وكذا ما بعدها إن كان طوافه يحتاج لنية، ولم يستحضرها بعد.
(و) السابع: (كونه سَبْعاً) يقيناً ولو راكباً، فلو ترك خطوة .. لم يجزئه، ولا تقوم عنها كفارة، ولو شك في العدد .. أخذ بالأقل كالصلاة.
نعم؛ الشك بعد الفراغ لا يضر.
ولو أخبره غيره على خلاف ما يعتقده، فإن كان بالنقص .. سن الأخذ به إن لم يؤثر معه تردداً، وإلا .. وجب، وفارق الصلاة بأنها تبطل بالزيادة، أو بالتمام .. لم يجز الأخذ به إلا إِن بلغوا حَدَّ التواتر كما في الصلاة.
ولو شك في شرط كالطهارة بعد فراغه .. لم يضر، وإلا .. ضر إن شك في أصلها كما في الصلاة.
ولا يكره في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لما مر ثَمَّ.
(و) الثامن: (كونه داخل المسجد) وإن خرج إلى الحل على ما في "شرحي الإرشاد" ولو على سطحه، وإن كان أعلى من الكعبة؛ إذ لهوائها حكمها وإن حال بينه وبين البيت حائل.
لكن يكره خلف المطاف؛ للخلاف فيه، فلا يصح خارج المسجد إِجماعاً.
وأول من وسَّعه النبي ﷺ ، ثم عمر ثم عثمان ثم ابن الزبير، ثم الوليد بن عبد الملك ثم المنصور ثم المهدي، وزاد بعضهم المأمون، وعليه استقر، والمراد: ما استقر عليه الآن، لا ما كان في زمنه ﷺ فقط.
(و) التاسع: كونه (خارج البيت والشاذروان والحجر) بجميع بدنه؛ لآية: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:٢٩].
وإنما يكون طائفاً به حيث لا جزء منه فيه، وإلا .. فهو طائف فيه لا به، وكبدنه:
стр. 584
ثوبه المتحرك بحركته عند (حج) لا عود في يده وحامله ودابته.
و (الشاذروان): جدار قصير نقصه ابن الزبير من عرض الأساس لمّا وصل أرض المطاف؛ لمصلحة البناء، ثم سنم بالرخام؛ لأن أكثر العامة تجهله، وهو من الجهة الغربية واليمانية فقط، كما في "الشرح"، وموضع من "النهاية" وغيرهما.
لكن المعتمد كما في "التحفة": ثبوته في جهة الباب أيضاً، كما حرره في "الحاشية"، ونقلت عبارتها في "الأصل"، واعتمده الكردي.
والحاصل: أنه مختلف فيه من جميع الجوانب.
فالإمام والرافعي: لا يقولان به إلا في جهة الباب، وشيخ الإسلام ومن وافقه لا يقولون به في جهة الباب، وأبو حنيفة لا يقول به في جميع الجوانب، وفيه رخصة عظيمة.
بل لنا وجه: أن مس جدار الكعبة .. لا يضر؛ لخروج معظم بدنه عن البيت.
و (الحجر) -بكسر الحاء-: ما بين الركنين الشاميين، عليه جدار قصير، بينه وبين كل من الركنين الشاميين فتحة، ويسمى أيضاً: حطيماً.
لكن الأشهر: أنه ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وهو أفضل محل بعد الكعبة والحجر.
فلو مشى الطائف بين فتحتيه أو وضع بعض بدنه وهو سائر على جداره القصير .. لم يصح حينئذٍ، فليعد إلى محل الدخول أو الوضع، ثم يبني؛ لأنه وإن لم يكن فيه من البيت إلا ستة أو سبعة أذرع .. فالغالب في الحج التعبد، ولم يثبت الطواف إلى خارجه، فوجب الاتباع.
وليتفطن لدقيقة وهي من قَبَّل الحجر الأسود، أو استلم اليماني، فإنه يدخل في جزء من البيت، فليقر قدميه حتى يفرغ منهما، ويعتدل قائماً، ثم يجعل البيت عن يساره ويسير.
العاشر: عدم صرفه لغيره، كطلب غريم فقط، وكإسراعه خوفاً من أن تلمسه امرأة، فإن شرَّك كأن قصد بمشيه الطواف وطلب الغريم .. لم يضر، ولو دفعه شخص فمشى بدفعه خطوات .. لم يضر؛ لأنه لم يصرفه.
والحادي عشر: النية عندما تشترط محاذاته من الحجر في طواف نذر ونفل غير
стр. 585
قدوم، أمَّا طواف الركن والقدوم وكذا الوداع عند (حج) .. فلا يحتاج لنية؛ لانسحاب نية النسك عليه، لكن تسن.
وفي "المنح": إن كان المراد بالنية: قصد الفعل .. فهو شرط في كل طواف، أو تعيين الطواف .. فليس بشرط في كل طواف، فما المختلف في وجوب النية فيه؟
وقد يجاب بأن المختلف فيه: قصد الفعل، لا مطلق الفعل، كقولهم: يشترط قصد فعل الصلاة، ولا يكفي مطلق قصدها مع الغفلة عن ربطه بالفعل، فطواف النسك يكفي فيه مطلق القصد، وطواف غيره لا بد فيه من قصد الفعل دون التعيين، كنية نفل الصلاة المطلق.
(ومن) أي: وبعض (سننه)؛ إذ هي كثيرة، لأنه يشبه الصلاة، فكل ما يمكن جريانه فيه من سننها لا يبعد ندبه فيه من الإضافة لله وعدد الأسابيع وفراغ القلب والخشوع والتدبر، بل قد يزيد بأشياء.
ومنها: (المشي) فيه ولو لغير ذكر؛ للاتباع، ويكره الزحف والحبو فيه، والركوب فيه لغير استفتاء خلاف الأولى عند (حج)، وحرام عند (م ر).
ويسن كونه حافياً ولو امرأة إلا لعذر كشدة حر .. فيحرم، فإن لم يشتد .. جاز لبس نعلين والحفاء، وندب تقصير الخطا؛ لتكثر خطاه فيكثر الأجر.
وعليه: فأسبوع بسكينة وتؤدة بحيث يطوف غيره أسابيع مع تساوي أوصافهما أفضل.
(واستلام الحجر) ويمينه أفضل (تقبيله) ويخففها بحيث لا يظهر لها صوت، فإن ظهر .. كره.
(ووضع جبهته عليه)؛ للاتباع في الثلاثة، ويسن تكرير كل منها ثلاثاً في كل طوفة، والأوتار آكد، ولا يقبل ما استلم به كيده إلا عند العجز عن تقبيل الحجر.
لكن في "التحفة": أن الذي دلت عليه الأخبار، وصرح به ابن الصلاح، وتبعه جمع: أنه يقبلها، فإن عجز عن الأخيرين أو عن الأخير فقط بأن لحقه أو لحق غيره بذلك مشقة تذهب خشوعه .. اقتصر على الاستلام في الأولى، أو عليه وعلى الوضع في الثانية، ثم قبل ما استلم به، فإن عجز عن استلامه بيده وغيرها .. أشار إليه بيده اليمنى فاليسرى، فبما في اليمنى فبما في اليسرى؛ للاتباع، رواه البخاري، ثم يقبل ما أشار به.
стр. 586
تنبيه: من علم أنه بنحو استلام الحجر يعلق به شيء من طيبه .. امتنع عليه، فليتنبه لذلك.
(واستلام الركن اليماني) بيده؛ لما صح: (أنه ﵊ كان لا يدع استلامة الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوفة).
ثم بما فيها كما مر، ثم يقبل ما استلم به، فإن عجز .. أشار إليه كما مر بما مر في الحجر بترتيبه، ثم قبل ما أشار به خلافاً "للشرح".
ويباح تقبيل الركنين الشاميين وغيرهما من أجزاء البيت حتى الركن اليماني.
وخص ركن الحجر بالاستلام والتقبيل؛ لأنه فيه الحجر، وعلى قواعد إبراهيم.
واليماني بالاستلام؛ لكونه على قواعد إبراهيم، والشاميين ليس فيهما شيء مما ذكر.
(والأذكار) المأثورة عنه ﷺ أو عن أحد من الصحابة، الشاملة للدعاء، فإن ذلك ولو ضعيفاً أفضل من القراءة، وهي أفضل من غير المأثور.
ولم يصح عنه ﷺ إلا: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة لي بخير" بين اليمانيين.
والمشهور: تشديد الياء من عليَّ، لكن قال ملا علي قاري: إنه تحريف، بل بالتخفيف.
فيقول أول طوافه: (باسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ .
وقبالة باب البيت: (اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار، ويشير إلى مقام إبراهيم بقلبه).
وعند الانتهاء إلى العراقي تقريباً: (اللهم إني أعوذ بك من الشرك والشك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق وسوء المنظر في الأهل والمال والولد).
وعند محاذاته الميزاب: (اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، واسقني بكأس نبيك محمد ﷺ شراباً هنيئاً مريئاً لا أظمأ بعده أبداً، اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب).
стр. 587
وبين الشامي واليماني: (اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وعملاً متقبلاً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور).
والمعتمر يقول: (عمرة مبرورة).
فإن لم يكن في ضمن نسك .. نوى بالحج معناه اللغوي، وهو: القصد.
وعند اليماني: (باسم الله، والله أكبر، اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والذل ومواقف الخزي في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم ربنا آتنا ... إلخ، اللهم قنعني ... إلخ).
وندب الإسرار في ذلك إلا لتعليم الغير كالمطوفين .. فيجهر به المطوف، وفي "الأصل" هنا ما ينبغي مراجعته.
ويسن ما مر من الأذكار وغيرها (في كل مرة) وثلاثاً.
(ولا يسن للمرأة) والخنثى (الاستلام والتقبيل) ووضع الجبهة (إلا في خلوة) المطاف عن غير النساء بأن تأمن مجيء ونظر الرجال ولو نهاراً.
(ويسن للرجل) أي: الذكر، ويكره لغيره ولو ليلاً كالاضطباع (الرمل) -بفتحتين- وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، وهز الكتفين دون الوثوب، والعدو، ويقال له: الخبب.
والصبي الذي لم يقدر عليه يفعله عنه وليه، ويرمل الحامل بمحموله، ويحرك الراكب دابته.
وإنما يسن بثلاثة شروط:
الأول: كونه لذكر كما مر.
الثاني: كونه (في الثلاثة) الأطواف (الأول) مستوعباً به البيت، ويمشي في الأربعة الأخيرة على هينته؛ للاتباع فيهما.
وسببه: قول المشركين لما دخل ﷺ بأصحابه معتمراً سنة سبع قبل فتح مكة بسنة: وهنتهم حمَّى يثرب، أي: لم تبق فيهم طاقة بقتالنا، فأمرهم به؛ ليروا قوّتهم وجلدهم، وشرع مع زوال سببه؛ ليتذكروا ما كانوا فيه من الضعف بمكة، ثم نعمة ظهور الإسلام وعزه وتطهير مكة من الشرك على ممر السنين.
стр. 588
ويكره تركه، وقضاء الرمل في الأربعة الأخيرة؛ لما فيها من تفويت سنتها من الهينة.
والثالث: (في طواف بعده سعي) مطلوب أراده، كطواف معتمر -ولو مكياً أحرم من الحرم- وحاج مفرد، أو قارن قدم مكة قبل الوقوف أو بعده بعد نصف ليلة النحر.
ولو رمل في طواف قدوم على نية أن يسعى بعده ولم يسع .. رمل أيضاً في طواف الإفاضة؛ لأنه بعده سعي.
(و) يسن لِذَكر (الاضطباع فيه) أي: في جميع الطواف الذي يعقبه سعي مطلوب وإن لم يرمل؛ للاتباع، ويكره تركه.
ولو تركه في بعضه .. أتى به في باقيه، والصبي يفعله به وليه، ويسن أيضاً في السعي، ويكره تركه وفعله في الصلاة كسنة الطواف.
وهو: جعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر مكشوفاً، كدأب أهل الشطارة المناسب للرمل، وسن فعله ولو فوق المحيط من الثياب.
وفي "المختار": (الشاطر): الذي أعيا أهله خبثاً، والمراد هنا من عنده نشاط.
(والقرب من البيت) للطائف الذكر؛ تبركاً به، ولأنه مقصود، وأيسر لنحو الاستلام، لكن يبعد قليلاً بحيث يأمن دخول شيء من بدنه أو ثيابه في هواء الشاذروان.
نعم؛ يتوقى التأذي والإيذاء لنحو الزحام مطلقاً، ويتوقى الزحام الخالي عنهما إلا أوله وآخره.
وغير الذكر يطوف في حاشية المطاف إذا لم يأمن مخالطة الذكور، فلو فات الرمل مع القرب لنحو زحمة، ولم يرج لو صبر فرجه يمكنه الرمل فيها عن قرب عرفاً .. تباعد عنه، ورمل إن أمن لمس النساء.
لكن يبعد بحيث لا يخرج عن المطاف كما نقله (سم) عن (م ر)، واعتمده (حج) في غير "الإيعاب"، وقال فيه: وإن خرج عن المطاف.
ولا يراعى فيه خلاف المالكية، فإن لم يأمن لمسهن مع البعد .. قرب.
وإنما كان الرمل أولى من القرب؛ لأنه متعلق بذات العبادة، والقرب متعلق بمكانها، والمتعلق بذاتها أفضل.
(والموالاة) بين الطوفات لذكر وغيره؛ للاتباع، وخروجاً من خلاف موجبها، ومن فرق كثيراً بلا عذر .. ندب له الاستئناف مطلقاً، ثم إن كان لعذر .. فلا كراهة، بل في
стр. 589
"الإيعاب": ولا خلاف الأولى، وإلا .. كره.
قال الكردي: هذا الراجح.
ومن قطعه .. فالأولى كونه عن وتر، وعند ركن الحجر.
(وركعتان) فأكثر (بعده) والأفضل؛ للاتباع، رواه الشيخان، فعلهُما خلف المقام وإن بعد ثلاث مئة ذراع، والأفضل: ان لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع، والمراد: خلفه بحسب ما كان.
أمَّا الآن .. فقدامه ثم في الكعبة فتحة الميزاب فبقية الحجر فالحطيم فوجه الكعبة فبين اليمانيين فبقية المسجد فدار خديجة فمكة فالحرم، ولا يفوتان إلا بموته، لكن يسقط طلبهما بأي صلاة بعد الطواف، كما مر عند غير القائل بوجوبهما.
والأفضل لمن طاف أسابيع: فعلهما بعد كل، ويليه إذا أخرهما أن يصلي لكل منها ركعتين، ويجزئ للكل ركعتان، ويجهر بهما بلطف من غروب إلى طلوع شمس، وينوي بهما سنة الطواف، ولا تتأدى بركعة، ويدعو بعدهما وبالمأثور أفضل، ومنها ما ذكرته في "الأصل".
فرع: من سنن الطواف: السكينة والوقار وعدم الكلام إلا في خير، كتعليم جاهل إن قل وسجدة تلاوة لا شكر؛ لأنه صلاة، وهي تحرم فيها، ورفع اليدين إن دعا، وإلا .. جعلهما تحت صدره كالصلاة، والطواف بعد الصبح لا يفوت به فضيلة الجلوس بعدها كما في حديث: "من صلى الصبح ثم قعد يذكر الله إلى أن تطلع الشمسن ثم صلى ركعتين .. كان له أجر حج وعمرة تامتين".
قال كثير منهم الشهاب الرملي وملا علي قاري: المراد بـ (من قعد) في الحديث: استمر على ذكر الله، والطواف فيه الذكر والطواف، فقد جمع بين الفضيلتين.
واعترض ذلك في "التحفة" بما لا يلاقيه.
ومن المحبوب فيه السلام على أخيه، وسؤاله عن حاله، ويحترز عما لا يليق به في هذا المحل من نحو ضحك وأكل.
ولا يبصق إلا بثوبه ولا يشبك ولا يفرقع أصابعه، وغير ذلك مما لا يطلب في الصلاة.
* * *
стр. 590
(فصل) في واجبات السعي وبعض سننه .
وهو: ركن كما تقدم؛ لخبر: "إن الله كتب عليكم السعي". ويسن أن يستلم الحجر بعد صلاته وطوافه ودعائه؛ لخبر مسلم بذلك، وكذا يقبله ويسجد عليه كما في "الأسنى" ثم يخرج -للاتباع- للسعي من باب الصفا فوراً.
(واجبات السعي أربعة:)
الأول والثاني: (أن يبدأ في الأولى) وما بعدها من الأوتار (بالصفا) وهو طرف جبل أبي قبيس، وهو أفضل من المروة عند (حج).
(و) أن يبدأ (في الثانية) وما بعدها من الأشفاع (بالمروة) وعليها الآن عقد واسع علامة على أولها، فلو ترك خامسة، كأن ترك في مروة المسعى ومر في المسجد .. جعل السابعة خامسة، وبنى.
(و) الثالث: (كونه سبعاً) يقيناً؛ للاتباع، وذهابه مرة وعوده أخرى، ولا بد من استيعاب ما بينهما في كل مرة بأن يلصق عقبه أو حافر دابته بأصل ما يذهب منه ورأس أصابعه، أو رجل أو حافر دابته بما يذهب إليه، وبعض درج الصفا محدثة، فليحتط بالرقي حتى يتيقن وصوله للدرج القديم.
قال الكردي: (وهذا معتمد (حج)، كذلك شيخ الإسلام، و"المغني"، و"النهاية".
وجرى (م ر) في "شرح الإيضاح"، وابن علان على: أن الدرج المشاهد الآن ليس شيء منه بمحدث، وأنه يكفي إلصاق الرجل أو حافر الدابة بالدرجة السفلى، بل الوصول لما سامت آخر الدرج المدفونة كاف وإن بعد عن آخر الدرج الموجودة اليوم بأذرع، وفيه فسحة عظيمة للعوام) اهـ
وقوله: (معتمد حج) لعله في غالب كتبه، وإلا .. فقد عقبه في "التحفة" بقوله: (كذا قاله المصنف وغيره، ويحمل على: أن هذا باعتبار زمنهم، وأمَّا الآن .. فليس شيء محدث؛ لعلو الأرض حتى غطت درجات كثيرة) اهـ
стр. 591
وقد ذكرت في "الأصل" عبارة الحاشية بفوائدها العظيمة.
(و) الرابع: (أن يكون بعد طواف ركن) لحج أو عمرة، وهو الأفضل؛ للتجانس كما في "النهاية" (أو) بعد طواف (قدوم) وهو الأفضل عند (حج)؛ لأنه الوارد، لا بعد غيرهما من نفل ووداع، بل لا يتصور بعده.
ولو أحرم مكي بحج من مكة ثم خرج إلى مرحلتين ثم عاد إليها قبل الوقوف .. فيسن له طواف القدوم، ويجزئ السعي بعده.
ولو دخل مكة فطاف للقدوم ثم أحرم بالحج .. فالظاهر عدم صحة السعي بعده كما في "النهاية".
لكن في "منسك" الونائي: إجزاؤه.
ويكره إعادة السعي بعد طواف الإفاضة لمن قدمه بعد طواف القدوم إلا لناقص كمل، كعبد عتق قبل عرفة أو فيها .. فيجب، وإلا لقارن .. فيسن له طوافان وسعيان عند (م ر)؛ خروجاً من خلاف أبي حنيفة، فيطوف ثم يسعى ثم يطوف ثم يسعى.
ومر أنه لا بد من قطع المسافة كلها، ومن قطعها بين الصفا والمروة من بطن الوادي، فلو عرج عنه يسيراً .. لم يضر، وإلا .. ضر.
ولا بد أيضاً من عدم الصارف لا كما يفعله الجهلة من المسابقة، فإنهم إذا لم يقصدوا معها السعي .. تكون صارفة عنه، وكذا أن لا يكون منكوساً ولا معترضاً كالطواف.
لكن فرق في "الحاشية" بـ (أن الطواف أحتيط له بوجوب أشياء لم تجب هنا كالطهر والستر، فكان دون الطواف وإن قدمنا أنه مثله في عدم الصارف؛ لأن ذلك لمعنى اشتركا فيه فاستويا ثَمَّ، ولا كذلك هنا) اهـ
لكن اعتمد شيخ الإسلام، والخطيب: أن الصارف لا يضر هنا.
ولو حمله شخص .. أتى فيه ما في الطواف، من أنه لو حمل حلال أو محرم -طاف عن نفسه، أو لم يطف- محرماً .. لم يطف عن نفسه، ودخل وقت طوافه وطاف به ولم ينوه لنفسه، أو لهما .. وقع للمحمول.
(وسننه) كثيرة، منها: (الارتقاء على الصفا والمروة) قدر (قامة)؛ للاتباع ولو لغير ذكر، كما في "الأسنى"، و"المغني" و"النهاية".
стр. 592
ورده في "شروح الإرشاد" و"العباب" و"الحاشية" وغيرها بأن المطلوب إخفاء شخصه ولو في الخلوة؛ لأنه يحتاط له.
نعم؛ يرقى عند الشك في استيعاب ما يجب قطعه حتى يتيقن قطعه.
(والذكر والدعاء) والمأثور من ذلك أفضل من القرآن.
ومنه على كل من الصفا والمروة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وكان عمر يطيل الدعاء هنا.
واستحبوا من دعائه: اللهم أنك قلت: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:٦٠]، و (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:١٩٤] وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه عني حتى تتوفاني وأنا بك مسلم.
ومن دعاء ابنه: اللهم اعصمني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، وجنبنا حدودك، اللهم اجعلنا نحبك ونحب ملائكتك وأنبيائك ورسلك ونحب عبادك الصالحين، اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى، واجعلنا من أئمة المتقين.
ثم يدعو بما أحب، ويكرر الذكر والدعاء (ثلاثاً بعد كل مرة).
ولو دعا واحد وأمَّن الباقون .. فلا بأس، فإن كان الداعي من أهل الصلاح أو يحفظ المأثور دون غيره .. فحسن.
فإذا قال ذلك .. نزل وسار إلى المروة إن كان في الصفا وعكسه.
(والمشي) على هينته في جميع سعيه (أوله وآخره) فلا يركب إلا لعذر (والعدو) لذكر (في الوسط) عدواً شديداً بحسب طاقته بحيث لا تأذي ولا إيذاء؛ للاتباع، فإن عجز عنه؛ لنحو زحمة .. تشبه في حركته بالساعي، والراكب يحرك دابته ويقصد السنة لا نحو مسابقة كما مر.
(ومكانه) أي: العدو (معروف) وهو قبل الميل الأخضر بركن المسجد، وحدث مقابله آخر بستة أذرع إلى أن يتوسط الميلين الأخضرين أحدهما بجدار المسجد والآخر بجدار العباس، وما عدا ذلك محل المشي.
стр. 593
ويقول في مشيه وعدوه: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك تعلم ولا نعلم وأنت الأعز الأكرم، اللهم ربنا ... إلى آخر الآية.
ولو مشى على هينته أو عدا في الجميع .. صح وفاتته السنة.
ومنها: كونه متطهراً ساتر العورة، وأن يتحرى لسعيه كالطواف الخلوة بحيث لا يشق عليه، ويجتنب إيذاء غيره.
ومنها: الموالاة بين مرات السعي وبينه وبين الطواف، وركعتيه والاستلام، فإن فرقه .. فاته الأكمل وصح، ويكره الوقوف؛ لنحو حديث بلا عذر.
ولو أقيمت جماعة أو عرض مانع وهو فيه .. قطعه ثم بنى بعد فراغه، ولا يقطعه لجنازة أو فوات راتبة.
ومنها: السكينة والوقار وعدم الاشتغال بما يشغل قلبه، كنظر الساعين، وكره جمع الجلوس على الصفا والمروة بلا عذر.
* * *
(فصل) في الوقوف بعرفة وما يذكر معه .
يسن أن يحضر الإمام يوم السابع بعد الظهر من ذي الحجة، فيخطب بركب الحج عند الكعبة خطبة فردة، يفتتحها إن كان محرماً بالتلبية، وغيره بالتكبير، ويعلمهم فيها ما أمامهم من المناسك كلها، وقيل: إلى الخطبة الثانية.
ويأمر المكيين والمتمتعين بطواف الوداع دون المفردين والقارنين، وكلام (سم) يفيد عمومه إلى كل خارج إلى عرفات، وكذا لمن أراد الخروج إلى للعمرة، كما في "الإمداد"، ويأمر الجميع بالغدو بعد صبح الثامن إلى منى، ويصلون الظهر لأول وقتها فيها وسائر الخمس ويبيتوا بها، ويسير بهم يوم التاسع حين تشرق الشمس، أي: تضيء على (ثبير): جبل كبير بمزدلفة إلى عرفة.
فإذا وصلوا نمرة .. أقاموا بها إلى الزوال، ثم يسير بهم إلى مسجد إبراهيم ﵊ لأحد أمراء بني أمية، وصدره من عُرنة وآخره من عرفة، فيخطب بهم خطبتين خفيفتين يعلمهم في الأولى المناسك ويحرضهم على إكثار الذكر والدعاء بعرفة، ويجلس بعد فراغها قدر (سورة الإخلاص).
стр. 594
وحين يقوم للثانية يؤذن للظهر ويخففها بحيث يفرغ عنها مع فراغ الأذان، ثم يقيم للصلاة، ويصلي جمعاً العصرين تقديماً، ويقصر بمن يجوز له القصر والجمع، ويقول لمن ليس له ذلك: أتموا ولا تجمعوا، ثم يذهب بهم لعرفة بإسراع، وكلها موقف، وليس منها عرنة ولا نمرة.
ودخول عرفة قبل الزوال بدعة، وإن وقع شك في تقدم الهلال؛ لأن الوقوف يوم العاشر مجزئ إجماعاً.
(وواجب الوقوف: حضوره) أي: المحرم (بأرض) أي: بأي جزء من أرض (عرفة)؛ لخبر مسلم: "وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف"، ويكفي ولو على ظهر دابة أو شجرة فيها لا على غصن منها، وهو خارج عن هوائها وإن كان أصلها فيها.
قال (سم): ويكفي عكسه، و (ع ش): يكفي الطيران في هوائها.
وإنما يجزئ الوقوف (بعد زوال يوم عرفة) وهو تاسع ذي الحجة (ولو) كان الواقف حينئذٍ (ماراً) ولو في نحو طلب نحو آبق وإن لم يعلم أن المكان مكانها، ولا أن اليوم يومها وإن صرفه عنه.
وألحق الرمي والسعي بالطواف؛ لأنه عهد التطوع بنظيرهما كالسعي للمساجد، ورمي العدو بالأحجار بخلاف الوقوف.
(ونائماً) فيصح وقوفه كصومه.
(بشرط كونه عاقلاً) فلا يكفي مع جنون أو إغماء أو سكر كصومهم؛ لانتفاء أهليته للعبادة.
لكن يقع حج المجنون نفلاً كالصبي الذي لا يميز، فيبني وليه بقية الأعمال على ما مضى، وكذا المغمى عليه والسكران إن أيس من إفاقتهما، أو وجد لهما حالة يولي عليهما فيها، وإلا .. لم يقع لهما فرضاً ولا نفلاً؛ لعدم الولي لهما، فلا يمكن البناء على أعمالهما.
وفي "الإمداد" كـ"الإيعاب": يقع لهما نفلاً، ويصح بناء وليهما وإن لم يصح إحرامه عنهما في الابتداء، ولا فرق بين المتعدي وغيره.
ثم مال في "الإيعاب" إلى أنه لا يقع للمتعدي فرضاً ولا نفلاً؛ إذ الأصل منع المتعدي من العبادات.
стр. 595
وقال بعضهم: يقع للسكران المتعدي فرضاً، كما يصح إسلامه، ولا يرد اشتراط الإفاقة في سائر الأركان؛ لأن ذلك في حجة الإسلام لا النفل.
ولو أحرم عنه وليه وأفاق فيما عدا الإحرام .. أجزأه عن حجة الإسلام.
(ويبقى) وقت الوقوف (إلى الفجر) من يوم النحر؛ لخبر: "من أدرك عرفة قبل الفجر .. فقد أدرك الحج" وغيره.
(وسننه) كثيرة منها (الجمع بين الليل والنهار) بعرفة؛ للاتباع، فلا دم على من دفع منها قبل الغروب؛ لخبر: "من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً .. فقد تم حجه" ولو وجب الدم لنقص واحتاج للجبر.
نعم؛ يسن؛ خروجاً من الخلاف؛ وهو دم ترتيب وتقدير.
(والتهليل) ويتأكد الإكثار منه.
والوارد أولى، وأفضله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)؛ لما روى الترمذي، وحسنه: "أفضل الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ... " إلى "قدير".
قال الرشيدي: (قوله: "وأفضل ما قلت ... إلخ" أي: عشية عرفة، كما في روايات).
(والتكبير والتلبية) ويرفع بها صوته.
(والتسبيح) والأولى فيه: كونه بالتسبيحات العشر التي ذكرتها في "الأصل".
(والتلاوة) وأولاها: (سورة الحشر)، وأولى منها (الإخلاص)، وكونها مئة أو ألف مرة؛ لخبر "من قرأها ألف مرة .. أعطي ما سأل".
(والصلاة) والسلام (على النبي ﷺ وأولاها: صلاة التشهد.
(وإكثار) جميع ما مر وغيره من ذكر ودعاء واستغفار له ولغيره، وصح: "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج"، ولأنه لائق بالحال.
ويكون الحمد والصلاة على النبي ﷺ أول دعائه ووسطه وآخره،
стр. 596
ويثلث كلاً من دعائه، ويلح فيه، ويرفع يديه ولا يجاوز بهما رأسه، ويكره الإفراط في الجهر، وتكلف السجع.
ومن أفضل الدعاء: (اللهم أعذني من الشر كله، واجمع لي الخير كله، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر).
وإكثار (البكاء معها) -أي: مع جميع ما ذكر- بتضرع وخشوع وذلة، ويستفرغ جهده في جميع ذلك، وفي تفريغ ظاهره وباطنه من كل مذموم، وفي الاجتهاد في أن لا تمضي له لحظة إلا في طاعة، وفي حل مأكوله ومشروبه ونحوهما؛ لخبر: "إذا حج الرجل بالمال الحرام .. فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك" وفي رواية: "وحجك مردود عليك".
وأن يكون على أكمل الأحوال، فإنه أعظم مواقف الإسلام، وأكثر جمع الخاصة والعوام، ففيه تسكب العبرات، وتقال العثرات؛ لأنه أفضل يوم طلعت فيه الشمس، ويباهي الله بالواقفين الملائكة.
وفي حدتث: " إذا كان يوم عرفة يوم جمعة .. غفر الله لجميع أهل الموقف"، أي: بلا واسطة، وفي غيره: "يهب قوماً لقوم"، وفي أخر: "أفضل الأيام يوم عرفة، فإن وافق يوم جمعة .. فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة".
(والاستقبال) للواقف حال الذكر وغيره.
(والطهارة والستارة)؛ لأنه أكمل.
(والبروز للشمس) لذكر؛ للاتباع إلا لعذر، كأن يتضرر به أو تنقص به عبادته.
أمَّا غيره .. فإن كان له هودج أو نحوه .. وقف، وإلا .. ستر بشيء.
ويكثر من أعمال الخير خصوصاً الصدقة، وأفضلها: العتق، ويتلطف في مخاطبته كلها.
ويتحرى لوقوفه موقفه ﷺ (و) هو (عند الصخرات) أي: الكبار المفروشة في أسفل جبل الرحمة بوسط عرفة.
وإنما يندب ذلك (للرجل) أي: الذكر.
(و) يندب تحري (حاشية الموقف للمرأة) والخنثى كما يقفان في آخر المسجد.
стр. 597
نعم؛ إن كان لها نحو هودج تستر به .. فكالذكر، وكذا لو شق عليها فراق رفقتها، فإن لم يتيسر له موقفه ﷺ .. قرب منه ما أمكنه.
وليحذر صعود جبل الرحمة فإنه بدعة خلافاً لمن زعم أنه سنة، وأنه موقف الأنبياء.
وليحسن ظنه بربه أنه يرحمه، ولذا قال الفضيل: لو ذهبوا لرجل وسألوه دانقاً .. قطع أنه يجيبهم إليه، فكيف بأكرم الأكرمين؟! وجميع ما سألوه عنده أهون من الدانق عندنا.
(و) يسن (الجمع) تقديماً (بين العصرين): الظهر والعصر بمسجد سيدنا إبراهيم ﵇ (للمسافر) سفر قصر بشروطه؛ لأنه عندنا للسفر، كما مر جميع ذلك وعند الحنفية للنسك؛ (لأنه ﷺ جمع ومعه المسافرون وغيرهم).
وردَّ بأنه لم يثبت جمع غير المسافرين معه.
وندب تأخرهم بعرفة إلى زوال الصفرة قليلاً بعد الغروب، ثم يدفعون إلى مزدلفة، فإذا دخل وقت العشاء .. أناخ كل راحلته وعقلها، ثم يصلون العشاء، ثم يحطون عن رواحلهم ويصلون الرواتب والوتر، وهذا في غير مسافر.
(و) يسن (تأخير المغرب إلى العشاء للمسافر) سفر قصير؛ (ليجمعهما) تأخيراً (بمزدلفة)؛ للاتباع.
ويسن بعد صلاة المغرب إناخة كلٍّ منهم جمله ثم يعقله ثم يصلون العشاء ثم يحلون؛ للاتباع، ثم يصلون الرواتب والوتر، هذا إن ظنوا وصولها قبل مضي وقت اختيار العشاء، وإلا .. صلوا في الطريق.
وليجتنب التزاحم في الطريق، والغفلة عن ذكر الله فإنه في مواسم الخير.
تتمة: لو وقفوا غلطاً بعرفة في العاشر .. أجزأهم إذا لم يقلوا على خلاف العادة إجماعاً، سواء بان بعد الوقوف أو أثناءه أو بعده، بل وإن أحرموا بعد التبين؛ لمشقة القضاء؛ ولأنهم لم يأمنوا مثله في القضاء.
وليلة الحادي عشر كيوم العاشر على المعتمد، وإذا وقفوا في ذلك .. كان أداء، ويحسب أيام التشريق وغيرها على وقوفهم فيما يتعلق بالحج.
وألحق به في "الحاشية": التضحية دون صلاة العيد والآجال ونحوهما مما لا يتعلق بالحج.
* * *
стр. 598
(فصل) في الحلق .
ومر أنه ركن للحج والعمرة فلا تحلل منهما إلا به إلا لمن لا شعر برأسه.
(وأقل الحلق) الذي هو ركن (إزالة ثلاث شعرات) من شعر الرأس، أو جزء من كل منها حلقاً أو نتفاً أو قصاً أو إحراقاً وإن خرج بالمد عن حد الرأس؛ لآية (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) [الفتح:٢٧].
قال في "التحفة": أي: شعراً فيها؛ إذ هي لا تحلق.
و (الشعر) اسم جنسي جمعي، أقله ثلاث.
ولو قص واحدة ونتف أخرى وأحرق ثالثة .. كفى، بخلاف ما لو قص مثلاً واحدة ثلاث مرات؛ لعدم الجمع.
(ويندب تأخيره) أي: الحلق (بعد رمي جمرة العقبة) والذبح في يوم النحر، وتقديمه على طواف الإفاضة في ذلك اليوم؛ للاتباع، وأن يعود يوم النحر إلى منى من مكة بعد طواف الإفاضة والسعي إن لم يكن سعى وإن دخل وقت الظهر.
والأفضل: أن يكون بحيث يدرك أوّل وقت الظهر بمنى حتى يصليها بها؛ للاتباع، كذا قالوه. واعترضه (حج) في الحاشية بأن ما في مسلم عن ابن عمر: (أنه رجع وصلى الظهر بمنى) يعارضه ما فيه عن جابر: (أنه صلاها بمكة) فقولهم: يعود إلى منى يصلي بها الظهر، مشكل؛ إذ كان القياس أن يقولوا: يصلي الظهر بمكة ثم بمنى، أو في مكة فقط.
(والابتداء باليمين) كله من رأس المحلوق وبمقدمه ثم الأيسر (واستقبال) المحلوق لجهة (القبلة) وأن يكبر بعد فراغه، ويدفن شعره في غير محل مطروق.
(واستيعاب) حلق (الرأس للرجل) وأن لا يشارط الحالق عليه بأن يدفع الأجرة التي تطيب بها نفسه إليه معجلة، وأن يأخذ شيئاً من ظفره وشاربه، ويمسك ناصيته بيده عند الحلق ويكبر ثلاثاً نسقاً.
ثم يقول: (اللهم هذه ناصيتي بيدك، فاجعل لي بكل شعرة نوراً إلى يوم القيامة، واغفر لي ذنوبي).
стр. 599
وبعد فراغه: (اللهم آتني بعدد كل شعرة حسنة، وامح عني بها سيئة، وارفع لي بها درجة، واغفر لي وللمحلقين والمقصرين ولجميع المسلمين).
وأن يتطيب ويلبس والتقصير كالحلق في ما مر، ويسن ذلك لكل محلوق ولو في غير نسك.
والحلق للرجل غالباً أفضل من التقصير؛ لما في الخبر من الدعاء للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة.
(والتقصير) هو الأخذ من الشعر بنحو قص، وسن تعميم الشعر كله به (للمرأة) والخنثى ولو صغيرة أفضل؛ لخبر أبي داوود: "ليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير".
ويكره الحلق وأخذه بنحو نورة، بل يحرم إن لم يأذن فيه حليل وسيد، أو قصدت التشبه بالرجال.
ولا يشرع إلا لسابع ولادتها ولتداوٍ واستخفاء من فاسق، وندب تعميم رأسها بالتقصير، وأن يكون بقدر أنملة.
وخرج بـ (غالباً): المتمتع، فيندب له التقصير في العمرة والحلق في الحج، وكذا لو قدم الحج .. قصر في الحج وحلق في العمرة؛ إذ لو عكس .. فاته حلق العمرة، لأنه يجيء ولا شعر برأسه.
وبه يعلم أن هذا فيمن لا يسود رأسه عند الحلق الثاني، وإلا .. ندب له الحلق مطلقاً.
وإنما لم يحلق بعض رأسه في الأول منهما وبعضه الآخر في الثاني؛ لأنه من القزع المكروه، وكثير يظنونه من التقصير، وإنما التقصير الأخذ من كل شعرة بعضها.
ولو نذر الرجل الحلق .. وجب للنذر، أمَّا النسك .. فيكفي له التقصير أو الحلق، ومن لا شعر برأسه وقت تحلله .. سقط عنه الحلق، وإن نبت بعد عن قرب، ويندب له إمرار الموسى في الذكر، وفي غيره إمرار آلة القص، تشبيهاً بالحالقين والمقصرين، وأن يأخذ من نحو لحيته وظفره.
* * *
стр. 600
(فصل: واجبات الحج) وهي ما يصح بدونها مع الدم، وكذا الإثم إن لم يعذر.
(ستة) متفق على الميقات والرمي منها، ومختلف في البقية، بل قيل: إنها سنة، ولا دم فيها.
واثنان منها -وهما الميقات وطواف الوداع- واجبان للعمرة أيضاً.
وجعلها بعضهم خمسة بجعل الرمي لجمرة العقبة يوم العيد، وغيره واحداً، وترك سابعاً وهو التحرز عن محرمات الإحرام.
ومما يجبر بالدم أيضاً: ترك الركوب، والحلق لأكثر من ثلاث شعرات المنذورين.
الأول: (المبيت) أي: الحضور (بمزدلفة وهو: أن يكون ساعة) أي: لحظة (من النصف الثاني) من ليلة النحر (فيها) أي: مزدلفة بعد الوقوف بعرفة؛ للاتباع، ولو ماراً كما في عرفة، وإن لم يكن أهلاً للعبادة، كما قال عبد الرؤوف مخالفاً فيه للشهاب الرملي.
وفارق مبيت منى بأنه ورد فيه لفظ المبيت، وإنما ينصرف للمعظم ولم يرد هنا؛ ولأن الضعفة رخص لهم في الانصراف بعد نصف الليل مع أنهم لا يأتونها إلا نحو ربع الليل الأول، وهو صريح في عدم وجوب المعظم.
وقيل: هو ركن، وقيل: إنه سنة، كما قيل ذلك في مبيت منى.
ولا يسن إحياء ليلتها؛ للاتباع، وليستعين بالإراحة فيها على أعمال ما بعدها كما في "التحفة".
لكن قال غيره: يسن إحياؤها بغير صلاة.
(ولا يجب) مبيتها كمبيت منى (على من له عذر) -مما يأتي في مبيت منى- ولا على من اشتغل عنه بالوقوف بعرفة أو بطواف الإفاضة، لكن ظاهر "النهاية": عدم رضا الأخير.
(و) الثاني: (رمي جمرة العقبة سبعاً) يوم النحر، ويجوز فيما بعده إلى آخر أيام التشريق.
следующие страницы →