Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
القليل الخير. والفعل دق دقة. وقال: الكسير، والساق مؤنثة لأنه فعيل في معنى مفعولة. وعند أصحابنا البصريين هذا لا ينقاس، بل يتبع فيه المحكى عنهم.
وقال أبو صعترة
أتهجونا وكنا أهل صدق ... وتنسى ما حباك بنو براء
هم نتجوك تحت الليل سقباً ... خبيث الريح من خمر وماء
وهم جهلوا عليك بغير جرم ... وبلوا منكبيك من الدماء
يخاطب رجلاً من عشيرته، ويقرعه على ما كان منه من ثلبه وهجوه، فيقول: أتذمنا مع إحساننا إليك، وكوننا أهل صدق لك، ورهط صفاء ووداد معك، وتنسى ما كان منك حتى تعرضت لني براء بمثل تعرضكلنا، وما قابلوك به من عطية وحباء، وحسن مكافأة وجزاء على فعلك، وقد كان في الحكم أن يؤدبك ذلك ويردعك، وينبهك على رشادك وصلاحك، ويمنعك من معاودة شبهه ويقمعك. ثم أخذ يصف الحباء الواصل إليه من جهتهم، والجزاء المعد له، فقال: هم نتجوك تحت الليل سقباً، أي ولدوك ليلاً سقباً خبيثاً. وهو في الأصل المذكر من أولاد الإبل. ويقال: أسقبت الناقة وهي مسقاب. والمعنى: ضربوك حتى سلحت شيئاً منكراً. والذكر أرذل النتاجين، فلذلك خصه. وقال تحت الليل لأن الليل أخفى للويل.
وقوله وهم جهلوا عليك بغير جرم، يعني أنهم فعلوا ذلك بك، ومن قبل ذلك كانوا أسلفوك، بلا جناية كانت منك عندهم، ولا جريرة سبقت عنك إليهم، أن جرحوك حتى بلوا منكبيك من الدماء السائلة عليك.
وقال الطرماح
إن بمعن لإن فخرت لمفخراً ... وفي غير تبنى بيوت المكارم
متى قدت يا بن النظلية عصبة ... من الناس تهديها فجاج المخارم
стр. 1017
هذا الكلام هزء وسخرية، يقول: لك أن تفتخر ببني معن، فإنهم في موضع ذاك، لكونهم مجمع الفضائل، لكن مباني الكرم تؤسس في غيرهم. ثم أقبل عليه فقال: أخبرني مت حدثت نفسك بأن تكون قائد طائفة من الناس فتقدمهم وتهديهم الطرق، وهو يطؤون عقبك، ويدورون على مرادك؛ لقد رأيت ما لم تؤمله، ونلت ما لم ترتق إليه همتك. والفجاج: الطرق. والمخارم: جمع مخرم، وهو منقطع أنف الجبل. وهذا مثل، أي تصرفهم حيث أردت، وتوجههم كيف شئت.
إذا ما ابن جد كان ناهز طيىء ... فإن الذرى قد صرن تحت المناسم
فقد بزمام بظر أمك واحتفر ... بأير أبيك الفسل كراث عاسم
ابن جد يريد به صاحب جد وحظ في الدنيا. فيقول: إذا اتفق لمتقدم بنفسه مجدود، لاأولية له، خارجي، أن يكون ناهز طيىء، أي مدرهم وكبيرهم والذي ينهز الدلو من البئر، أي ينزعها، كأنه أراد: الذي يقوم بأمرهم عند السلطان، ويتنجز عليه حاجاتهم ومهماتهم، فقد اتقلب الدهر، وانحط الأعالي، وصارت الأشراف أذلاء، لأنه لا يتقدم الوضيع إلا بتأخر الرفيع. وحكى غير واحد من أهل اللغة أنه يقال: هو ناهز القوم، أي كاسبهم والساعي لهم. وقوله فقد بزمام استهزاء وإزراء بهم، وقلة احتفال، بتناول القبيح من ذكرهم. لذلك سمى السوءة من طرفيه. والفسل: الرذل. والفشل: الضعيف، وهما روايتان. وعاسم: موضع.
وقال الكروس بن زيد
ألا ليت حظي من عطائك أنني ... علمت وراء الرمل ما أنت صانع
فقد كان لي عما أرى متزحزح ... ومتسع من جانب الأرض واسع
وهم إذا ما الجبس قصر همه ... طلوع إذا أعيا الرجال المطالع
стр. 1018
يقول: تمنيت أن يكون الذي حظيت بهمن عطائك لي أني علمت وأنا وراء الرمل ما أنت صانعه وقد قدمت عليك. فقوله وراء الرمل ظرف لعلمت، وأنني علمت خبر ليت، كأنه ود أن يكون بدل حظه من العطاء علمه بما يفعله، فكان اختياره بحسبه. ولا يجوز أن يكون وراء الرمل يتعلق بصانع، لأنك إن جعلت ما موصولاً فالصلة لا تتقدم هي على الموصول، ولا شيء مما يتعلق بها. وإن جعلت ما موصوفاً فالصفة لا تتقدم على الموصوف ولا ما يتعلق بها، وإن جعلت ما استفهاماً فما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله. وإذا كان كذلك ظهر فساد تعلقه به على الوجوه كلها، من طريق الإعراب ومن طريق المعنى، فالصحيح ما قدمته. ألا ترى أنه قال: فقد كان لي عما أرى متزحزح ومتسع. والمتزحزح: المبعد. أي كان لي جانب من الأرض واسع أتزحزح فيه عما أراه وأرد عليه، وكان لي هم طويل ممتد الشأو يذهب صعداً، إذا كان هم الجبس قصيراً. طلوع إلى أعالي العز وذراه إذا أعجز الرجال مطالع العز. والجبس هو الثقيل الجافي. أي يقصرهم نفسه فيرضي بالحاصل له. وقوله إذا مالجبس ظرف لما دل عليه هم، وإذا أعيا ظرف لطلوع. ولا يمتنع أن يكون إذا ما الجبس ظرفاً لطلوع، ويجعل إذا أعيا بدلاً منه؛ لأن المعنيين يتقاربان. والأول أقرب وأجود.
وقال وضاح بن اسماعيل
من مبلغ الحجاج عني رسالة ... فإن شئت فاقطعني كما قطع السلا
وإن شئت أقبلنا بموسى رميضة ... جميعاً فقطعنا بها عقد العرى
وإن قلت لا إلا التفرق والنوى ... فبعداً أدام الله تفرقة النوى
فإني أرى في عينك الجذع معرضاً ... وتعجب أن أبصرت في عيني القذى
هذه أبيات ذهب الناس من طريق الرواية والمعنى فيها مذاهب طريفة، والصحيح ما أورده. وذاك أنه رتب ما بينه وبين الحجاج مراتب ثلاثاً، خبره فيها بالشروط المبينة.
стр. 1019
فالشرط الأول قوله إن شئت فاقطعني كما قطع السلا وهذا يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد إن شئت خصني بقطيعة لا وصال يتعقبها، كما أن السلا، وهو الجلدة التي يلتف فيها الولد عند خروجه من بطن أمه، إذا قطع عنه لم يعد إليه. ويجوز أن يكون المعنى: اقطعني قطيعة لا يرجى معها وصل؛ لأن السلا إذا انقطع في بطن الحامل لم يمكن استخراجه، ولا يرجي الخلاص معه. ولهذا ضرب المثل به في الشدائد فقيل: انقطع السلا في البطن. والمراد في هذه القطيعة المذكورة أن تبقى العلائق التي بينهما على ما حصلت وثبتت لا يغير منها شيء.
والشرط الثاني: وإن شئت أقبلنا بموسى رميضة، يقول: وإن شئت أخذ كل منا موسى محددة، فقطعنا بها الأواصر التي بيننا. وهذا مثل، والمعنى أن لنا الأسباب التي توصلنا بها فصارت مثل الأنساب، وحللنا عقد العرى الوثيقة فيما تواشجنا فيه حتى نصير كالأجانب لا وصل تجمعنا، ولا أواخي تنظمنا، إلا ما طوى البعاد بيننا من قرب الجوار والدار.
والشرط الثالث: ولإن قلت لا إلا التفرق بالأيدن معها، فيكون النوى مبددة شمائلنا، فلا نلتقي في شعب ومسلك، ولا نتحاذى في منزل ومجمع، ولا نتجاوز في محل ومقر، فإنا نبعد بعداً كما نختار؛ وأدام الله تفرقة النوى بيننا ولا جمع ما تشتت منها.
ويقال: سكين رميض: حاد. وكل حاد رميض، ومنه ارتمض من كذا، إذا اشتد عليه وأغضبه. وقوله فإني أرى عينك الجذع، يقول: إن العداوة بيننا رسختوثبتت واستحكمت من جهتك، فلا استبقاء معك، ولا صبر عللا أذى مضض منك، حتى تعجب لأدنى شيء يحول، وتستعظم أصغر ما يحدث ويدور، وأنا أرى الجذع يعترض في عينيك فلا أنكر، ولا أحاسب عليه ولا أضايق. وهذا كما يقال في المثل: " تبصر القذاة في عين أخيك، وتدع الجذع المعترض في حلقك ".
стр. 1020
وقال جواس الكلبي من بني عدي بن جناب
ضربنا لكم عن منبر الملك أهله ... بجيرون إذ لا تستطيعون منبراً
وأيام صدق كلها قد علمتم ... نصرنا ويوم المرج نصراً مؤزراً
فلا تكفروا حسنى مضت من بلائنا ... ولا تمنحونا بعد لين تجبرا
يخاطب إذ لا تستطيعون منبرا، أي ارتقاء منبر وصعوده، فحذف المضاف. والمراد: إنا نصرناكم في طلب أمر كان لغسيركم لا لكم بجيرون، حين لا تقدرون على صعود منبر، ولا تستقيم لكم قناة ملك ونصرنا أيضاً يوم مرج راهط، وأياماً أخر قبله وبعده، صادقناكم فيها ونصرناكم نصراً قوياً، فلا تجحدوا نعمنا فيها، فكفران النعم ذميم، ولا تتكبروا علينا بعد ملاينتكم لنا، فإن التكبر منكم عظيم. وقوله حسنى مضت مصدر في معنى الإحسان، وليست بتأنيث الأحسن، لأن تلك تلزمه الألف واللام.
فكم من أمير قبل مروان وابنه ... كشفنا غطاء الغم عنه فأبصرا
ومستسلم نفسن عنه وقد بدت ... نواجذه حتى أهل وكبرا
إذا افتخر القيسى فاذكر بلاءه ... بزراعة الضحاك شرقي جوبرا
فما كان في قيس من ابن حفيظة ... يعد ولكن كلهم نهب أشقرا
قوله كم من أمير أراد به معاوية وأشياعه. أي ذببنا دونه وأزلنا كا كان تراكم عليه من رواكد الظلم حتى أبصر رشده، وعادت إليه بصيرته، بعد أن كان تحير في أمره، والتبس عليه ما يتنقل فيه، فلا يعرف ما عليه مما له.
стр. 1021
وقوله ومستسلم عطفه على من أمير، والضمير في نفسن للخيل ولم يجر لها ذكر، ولكن عرف منه المراد. يريد: وكم من منقاد لما دهمه، مستسلم للشر المفاجيء له والمحيط به، نفست خيلنا عنه بعد أن يبس ريقه، وتقلصت شفتاه فظهرت نواجذه، لما مني به من شدة البلاء، وجهد البأساء، حتى أهل، أي رفع بالحمد لله صوته، وأظهر شكره، وعظمه وكبره لما أعقب من الأمن عقيب الخوف، والسلامة بعد الهلك. ويروى: كشفناغطاء الموت. ويروى: ومستلحم نفست عنه وقد بدت مقاتله والمعنى فيهما ظاهر. وقوله إذا افتخر القيس فاذكر بلاءه، يعيرهم ما كان منهم من التقصير والقصور في ذلك الموضع. وأخرج الكلام مخرج الهزء، لأنهم قصروا ولم يبلغوا؛ لذلك قال: اذكر بلاءه. والزراعات: مواضع الزرع، كالملاحات. والزريع: العثرى الذي يسقى من السماء، فكل ناعم زريع تشبيهاً به. وجوبر: نهر. وانتصب شرقي على الظرف، يعني ما ولى المشرق منه. والضحاك كان على شرطة معاوية، ثم صار مع ابن الزبير بعد موت يزيد.
وفي جملة هذه الأبيات:
فلو كنت من قيس بن عيلان لم أجد ... فخاراً ولم أعدل بأن اتنصرا
يقبح صورتهم كما ترى.
وقوله: فما كان في قيس من ابن كريهة يعد ويروى: فما كان في قيس بن عيلان سيد يعد، ويعني بنهب أشقر فرس طفيل بن مالك، وكان فراراً. يقول: كأنما انتهبهم طفيل في ذلك اليوم. وكان اسم فرس طفيل قرزلاً، لذلك قال الآخر يصف قوماً منهزمين:
يعدو بهم قرزل ويستمع النا ... س إليهم وتخفق اللم
جعل فرس كل منهم كقرزل لما هربوا.
وقال جواس الكلبي أيضاً:
أعيد المليك ما شكرت بلاءنا ... فكل في رخاء الأمن ما أنت آكل
стр. 1022
بجابية الجولان لولا ابن بحدل ... هلكت ولم ينطق لقومك قائل
يعاتب عبد الملك بن مروان، وذلك أنه لما قتل ابن الزبير وسكنت الحرب وصفا له الأمر: أقبل يتألف قيساً وهو اعداؤه، ويوحش بني كلب على أعماله، وجعل أبدالهم من قيس، فقال جواس: يا عبد الملك، ما حمدت بلاءنا في نصرتك، ولا قابلت انقطاعنا إليك وسعينا ببعص ما وجب لنا عليك، فكل من دنياك في سعه الأمن وظل الهدو ما أنت آكله، لا مدافع لك ولا معترض عليك، فلولا ابن يحدل وقيامه بأمرك بجابية الجولان لهلكت ولم ينطق لقومك قائل، أي لم يكن فيهم خليفة يخطب على منبر فيدعو ويدعي له. وتعلق قوله بجابية الجولان بقوله ما شكرت بلاءنا. وهلكت جواب لولا، وخبر المبتدأ محذوف، وقد مر أمثاله.
فلما علوت الشأم في رأس باذخ ... من العز لا يسطيعه المتناول
نفحت لنا سجل العداوة معرضاً ... كأنك مما يحدث الدهر جاهل
يقول: فلما ملكت المطلوب وأدركت المأمول، واستويت على الشأم في عز باذخ وجد صاعد، لا يقدر على تناول مثله أحد بأمل أوهمة، اطرحتنا وأعرضت عنا، معطياً سجل العداوة لنا، كأنك جاهل بالدهر وفعلاته، وحوادثه وملماته. ومن روى: كأنك مما يحدث الدهر، يريد كأنك مماا أحدثه الدهر لك من الرياسة جاهل. أي اغتررت فكأنك استحدثت جهالة. ويروى: كأنك عما يحدث الدهر غافل فجاهل يجري مجرى غافل. وهذا يجري مجرى الوعيد. أي لا تأمن غير الأيام ومعاودتك ما يحتم عليك بالفقر إلينا ثانياً.
وفي هذه الطريقة ما أنشدته لمحمد بن غالب:
فتى مسمع أنت من مسمع ... بحيث السويداء والناظران
ملكت فأسجح وزع بالزمام ... وخف ما يدور به الدائران
وكنت إذا أشرفت في رأس رامة ... تضاءلت إن الخائف المتضائل
فلو طاوعوني يوم بطنان أسلمت ... لقيس فروج منكم ومفاتل
стр. 1023
رامة: هضبة. يذكره ضيق أقطار الأرض عليه، فيقول: إنك حينئذ مت أشرفت في رأس هذه الهضبة تخاشعت وتذللت، لاستشعارك الخوف الشديد، واستظهارك بالاتقاء من أعدائك البليغ. والخائف هذا دأبه وعادته. على أنهم - يعني أصحابه - لو طاوعوني في هذا اليوم وقبلوا نصحي، وعملوا برأي، لأسلمت لقيس فروجكم، وهي مواضع المخافة، ومقاتلكم. والمعنى: كنا نخذلكم ونسلمكم حت يتمكن القتل منكم، وتعلو سمة الذل على أحوالكم. وإنما قال هذا لأن القيسية كانت تدعو إلى ابن الزبير، وكلب تدعو إلى المروائية، وكان الناس يومئذ إنما يعرفون بالبحدلية أصحاب مروان، والزبيرية، وهم أنصار ابن الزبير. لذلك قال عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان:
وما الناس إلا بحدلي على الهدى ... وإلا وبيري عصى فتزبرا
وقال جواس أيضاً:
صبغت أمية بالدماء رماحنا ... وطوت أمية دوننا دنياها
أأمي رب كتيبة مجهولة ... صيد الكماة عليكم دعواها
كنا ولاة طعانها وضرابها ... حتى تجلت عنكم غماها
يقول: استنصرنا أمية ودافع الأعداء بنا، وعرضنا للقتل والقتال، والضراب والطعان، حتى رويت قناتنا من دماء مجاذبيهم، والمتكرهين لأيامهم ومقاصدها، استبدوا بطي الدنيا وزيها، والفوز بها وبأعراضها من دوننا. ثم أخذ يخاطبها فقال: يا أمية، رب كتيبة مجهولة الشان، لم ندر كيف يدفع في وجهها. ولا من أين يصرف شرها، متكبرى الأبطال، بهم الشجعان، دعواها عليكم لا لكم، ودفاعها فيكم لا عنكم، تولينا مطاعنتها ومكافحتا، وافترضنا على أنفسنا دفعها. ويجوز أن يكون المراد بقوله مجهولة أنا لا نعرفها، ولا مجاذبة بيننا وبينهم ولا معاملة، فهي مجهولة لنا، اتخذنا كالأعداء لنا في هواكم ونصرتكم. أما قوله صيد الكماة فإنما جمع فقال صيداً، حملاً على معنى الكتيبة، ولو حمل على اللفظ لقال: رب كتيبة صيداء الكماة. والصيد يستعمل على وجهين: يقال: ملك أصيد، أي متكبر لا يلتفت إلى الناس يميناً ولا شمالاً. وحكى الخليل أن الصيد ذباب يدخل في أذن البعير فيقلق له،
стр. 1024
فيظل رافعاً رأسه. فشبه الملك ذو الزهو به. فهذا وجه. والوجه الآخر: أن يراد بالأصيد الذي لا يستطيع الالتفات من دائه. وقوله حتى تجلت عنكم غماها، هم من أمرهم في غماه، أي في شدة والتباس شديد عليهم. ومعنى حتى: إلى أن. والولاة: جمع الوالي، وهو المتولي للشيء والفاعل له. ولا يمتنع أن يريد به الملاك، كأنهم ملكوا تدبير الحي فصاروا كالولاة لها وفيها.
والله يجزي لا أمية سعينا ... وعلى شددنا بالرماح عراها
جئتم من الحجر البعيد نياطه ... والشأم تنكر كهلها وفتاها
إذ أقبلت قيس كأن عيونها ... حدق الكلاب وأظهرت سماها
يقول: الآن وقد جحدت أمية نعمتنا عندها، وبعدت عن الصلاح بكفرانها، فإن الاعتماد على الله تعالى جده في أن يتولى جزاء سعينا، ويعرف لنا ما أنكرته أمية من بلائنا، وعلى معال أحمكنا وثائقها، وشددنا عقدها وعلائقها، فتوجب لنا من إثابة الله ما يكون فيه عوض من كل فائت. وقوله جئتم من الحجر أراد بالحجر الجنس. والمراد: جئتم من المكان الكثير الحجر، ومن بلاد الحجر، يعني الجاز. ومعنى البعيد نياطه البعيد معلقه. ويقال: نطت الشيء أنوطه نياطاً ونوطاً، إذا علقته. وروى بعضهم: من الحجر، بالزاء، وقال: يريد الحجاز. فهذا كما قيل في تهامة: التهم. قال:
نظرت والعين مبينة التهم
والحاجز والحجاز والحجز، واحد. قال: وسمى الحجاز حجازاً، لأنه يفصل بين الغور والشام وبين البادية. وقوله والشأم تنكر كهلها وفتاها، أي لم يكونوا من اهلها فاستغربتهم. وهذا كما قال في المقطوعة الأولى: رب كتيبة مجهولة.
стр. 1025
وقوله إذا أقبلت قيس، إذ ظرف جئتم من الحجر، أي جئتم وقت إقبال قيس. ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله تنكر كهلها أي تنكر في ذلك الوقت. ويروى: وتزبرت قيس كأن عيونها، أي صار هواها زييرياً. وقوله كلأن عيونها حدق الكلاب وأظهرت سيماها قصده إلى الذم وإلى أن نظرهم نظر الكلاب، لكنه جرد التشبيه أولاً، ثم قال: وأظهرت سيماها أي أظهرت سيما الكلاب في إقبالها، فترك لفظ التشبيه، وصار كأنه يخبر عن حقيقة.
وقال عبد الرحمن بن الكحم
لحا الله قيساً عيلان إنها ... أضاعت ثغور المسلمين وولت
فشاول بقيس في الرخاء ولا تكن ... أخاها إذا ما المشرفية سلت
قوله لحا الله، يجوز أن يكون بمعنى قشر الله، ويجوز أن يكون بمعنى سب الله. وقوله إنها أضاعت ثغور، يروى بفتح الهمزة، والمعنى لأنها، ويروى بالكسر على الاستئناف. ومعنى ولت انهزمت وأعرضت. وقوله فشاول بقيس، أي خاطر غيرك ورافعهم بهم في الرخاء والسعة، والأمن والدعة، ولإياك والاعتماد عليهم ومؤاخاتهم في الحرب وعند استلال السيوف؛ فإنهم يسلمونك وينهزمون، ويخذلونك ولا ينصرون. ويقال: شاول الفحل وخاطره، إذا هايجه.
وقال أبو الأسدفي الحسن بن رجاء
فلأنظرن إلى الجبال وأهلها ... وإلى منابرها بطرف أخزر
стр. 1026
ما زلت تركب كل شيء قائم ... حتى اجترأت على ركوب المنبر
قوله بطرف أخزر تعلق الباء منه بقوله فلأنظرن، والمراد بنظر يميل إلى ناحية، أي نظر بغض وشنآن، لكونه متولياً لها والمعنى: هانت في عيني وصغر قدرها عندي، فصرت أتكرهها، وأبغض أهلها وكروها، ومواضع الدعوة منها، مذ صرت أميرها ومدبرها.
وقوله ما زلت تركب معناه ظاهر.
وقال آخر:
عجبت من السارين والريح قرة ... إلى ضوء نار بين فردة والرحى
إلى ضوء نار شتوي القد أهلها ... وقد يكرم الأضياف والقد يشتوي
فلما أتونا فاشتكينا إليهم ... بكوا وكلا الحيين مما به بكى
بكى معوز من أيلاموطارق ... يشد من الجوع الإزار على الحشا
يقول: تعجبت من العصبة التي سرت ليلاً إلى ضوء نار أوقدت في مكان يتوسط فردة والرحى؛ وهما موضعان. والرواية المستقيمة على كل وجه: بين فردة فالرحى وهذا هو ما كان الأصمعي ينكره في بيت امرىء القيس، وهو:
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وقد مر القول فيه وفي أشباهه، وفي حكم بين ومقتضاه أن الاسم الذي يليه يجب أن يكون كاسم الجمع في تناوله أكثر من واحد، حتى يصح ترتيب الفاء عليه في العطف.
وقوله والريح قرة أي تهب شمالاً ببرد شديد. والواو منه واو الحال.
стр. 1027
وقوله إلى ضوء نار شتوي القد أهلها، أبدل إلى ضوء نار مما في البيت الأول بإعادة حرف الجر معه. ويعني ناراً لقوم مضرورين مجهودين لا خير عندهم، ولا طعام بفنائهم، مضطرين إلى شي القد، لأنهم أعوزهم ما هو خير منه. فتعجب وقد استضافهم هؤلاء السارون، ثم قال: وقد يكرم الأضياف مع مجاهدة الفقر، ومزاولة الضر، إذا كان المضيف لطيف الحيلة، رفيع الهمة.
ويقال: شويت اللحم واشتويته، فانشوى هو. وحكى سيبويه في بناء المطاوعة اشتوى أيضاً. ومثله نظمت الشيء وانتظمته فانتظم هو. وقوله فلما أتونا يقول: فلما حصلوا عندنا تباثثنا وتباكينا، وكل واحد من الحيين شكا إلى الآخر دهره وأنهى إليه في إضافته أمره.
وقوله بكى معوز، هذا بيان وجه العلة في البكاء. يقول: بكى فقير مخافة أن يتهم ولا يصدق ظاهر حاله فيما ينطق به من ضره، وأن تلحق به اللائمة إذا ذكر واجبات ضيفه؛ والضيف الطارق بكى لما مسه من نائبات دهره، ولما يظهر من مساس حاجته، ويقيم به العذر في إلمامه، حتى شد حشاه لخلاء جوفه.
فألطفت عيني هل أرى من سمينة ... ووطنت نفسي للغرامة والقرى
فأبصرتها كوماء ذات عريكة ... هجاناً من اللائي تمتنعن بالصوى
فأومأت إيماء خفياً لحبتر ... ولله عيناً حبتر أيما فتى
وقلت له ألصق بأيبس ساقها ... فإن يجبر العرقوب لا يرقأ النسا
وقوله ألطفت عيني أي نظرت بعيني نظراً لطيفاً، هل أرى في إبل المستضعفين ورواحلهم ناقة سمينة أنحرها لهم، وإذا ردت إبلى إلى باءتها أعوض صاحبها خيراً منها، وأغرم من بعد ذلك له ما ارضيه به. ويقال: ألطفت أخي بكذا، إذا أتحفته بما يعرف به برك ولطفك. وألطفت الأم بالولد، وأم لطيفة، أي أكرمته وبرته.
وقوله أبصرتها كوماء، الكوماء؛ الطويلة السنام الغليظة، وقيل: الكوم: العظم من كل شيء: والعريكة: السنام إذا عركه الجمل. وناقة عروك: لم يكن في سنامها إلا اليسير من الشحم. والهجان: الكريمة. ويقال: ناقة هجان ونوق هجان. وقد مر القول في وقوعه للواحد والجمع على صورة. وقوله تمتعن بالصوى فالصوى: الأعلام والحجارة. أي رعت الحزن والتسهل. ومعنى تمتعن، أي أفمن بها
стр. 1028
ويقين حتى استمتعن. ويقال: متع الماء الشجرة، إذا أنشأها. ونخلة ماتعة، أي طويلة.
ويروى:
...... من سمنية ... تدارك فيها ني عامين والصرى
والنى: الشحم. والصرى: حبس الإبل في الرعي، ومنه سمى الماء الذي قد طال إنقاعه في موضع: الصرى: الصرى. ويروى: والصوى، وهو الإحسان إليها إليها والابقاء عليها.
وقوله فأومأت لإيماء خفياً لحبتر فحبتر: اسم ابنه، وإنما رسم له عرقبتها في السر بعد أن اختارها مخافة أن يمتنع صاحبها مما هم به فيها. وقوله عينا حبتر اعتراض. وانتصب أيما فتى على الحال، كأنه أحمده حين حسنت فطنته وتسرع إلى مراده. ويقالك مررت برجل أي رجل، فتجعله صفة للنكرة؛ وبزيد أي رجل، فيصير حالاً للمعرفة. وعلق المدح بعينيه، لأنه بهما أدرك إيماءه. وإذا عظموا الشيء نسبوا ملكه إلى الله . وقوله ألص بأيبس ساقها الأيبس: ما قل عليه اللحم من الساق وغيرها. والسيف أعمل فيه. وقوله فإن يجبر العرقوب العرقوب: عقب موتر خلف الكعبين فويق العقب من الإنسان، وهو موصل الوظيف والساق من ذوات الأربع. والمعنى: أصب ساقها فإن العرقوب إن أمكن التلافي منه بالجبر والعلاج والشد، فإن نساه لا ينقطع الدم منه، فصاحبها ييئس منها عند ذلك. والمعنى: اضربها ضربة ليس في البرء منها مطمع، ليرضي صاحبها بالتعويض منها، ويستقيم أمر الضيف والضيافة، وإن لحقنا غرم فيها.
فأعجبني من حبتر إن حبتراً ... مضى غير منكوب ومنصله انتضى
كأني وقد أشبعتهم من سنامها ... جلوت غطاء عن فؤادي فانجلى
فبتنا وباتت قدرنا ذات هزة ... لنا قبل ما فيها شوء ومصطلى
قوله غير منكوب أي غير مدفوع في صدره. ويقال: حافر منكوب ونكيب، إذا أثر فيه ما يطؤه من حصى أو حجر. وقوله ومنصله انتضى أي جرد سيفه. وانتصب منصله لأنه مفعول مقدم. وقوله جلوت غطاء، يقول: كنت مهتماً قلقاً،
стр. 1029
فلما شبعوا مما أعدت لهم وتمحلت من أجلهم سكنت فكأنه كان على قلبي غطاء من الغم ران عليه، فانجلى وذهب. وقوله فبتنا وباتت قدرنا خبر بتنا وقله لنا قبل ما فيها شواء، وشواء ارتفع بالابتداء. يريد: بتنا لنا قبل ما أودع القدر شواء واصطلاء بالنار، كأنه طال عليهم انتظار القدر، فعمد إلى أطاليب الجزور وشوى. وقوله ذات هزة خبر بانت قدرنا، أي لها هزيز بالغليان. ويجوز أن يريد: لقدر اللحم فيها اهتزاز واضطراب، كما قال:
قرشية يهتز موكبها
وهذا الذي اقتصه من حاله وحالهم، بيان اهتمامه بأمر الضيف وحسن التأني في تفقده.
وأصبح راعينا بريمة عندنا ... بستين أنقتها الأخلة والخلا
فقلت لرب الناب خذها ثنية ... وناب علينا مثل نابك في الحيا
يقول: أصبحنا وراعينا بريمة رد إبلنا من مرعاها، وهي ستون قد أنقتها - أي جعل لها نقياً - الأخلة، وهي جمع خلال، وهو مااختل واجتز من العشب وهو أخضر. والخلا: الرطب. وقال بعض أصحاب المعاني: لا يقال أنقت الناقة، إذ سمنت؛ ولكن لما سمن من الحشيش، وكان الحشيش والخلا سبب سمنها جعل الفعل لها على سعة الكلام، والأصل أنقت هي. قال:
لا يشتكين ألماً ما أنقين ... ما دام مخ في سلامي أو عين
وقال غيره: يجوز أن يكون أنقى هاهنا معدى، ويكون على غير ما فسرتموه، وهو أنه يقال: أنقيته فأنقي، كما يقال: أمأيت الدراهم فأمأت هي. والمعنى سمنته وجعلت له نقياً فسمن واحتمل. قال البرقي: الرواية الصحيحة عندي: أبقتها الأخلة، أي أبقتها على البرد والجدب، لأنا كنناها وخلينا لها. ورواه بعضهم: الأجلة بالجيم. قال: ويقال: جل وجلال وأجلة، أي لم ندعها ولم نهملها، بل ألبسناها وتفقدناها.
стр. 1030
وقوله وقلت لرب الناب خذها ثنية، أي حكمت صاحب النب التي عقرتها في أن يختار من إبلى ثنية على ما يشتهيه، وتصطفيه عينه وتنتقيه، وقلت مضيفاً إلى العوض الواجب له: لك علينا ناب مثل نابك في السمن. والحيا من باب ما سمي باسم غيره إذ كان منه بسبب. فالحيا: المطر، لأنه يحيي العباد والبلاد، ثم يسمى النبت حيا لأنه بالمطر يكون، ويسمى الشحم حياً لأنه عن النبت يكون. وهذا الباب كثير واسع.
فقال في ذلك خنزر بن أقرم
بني قطن ما بال ناقة ضيفكم ... نعشون منها وهي ملقى قتودها
غدا ضيفكم يمشي وناقة رحله ... على طنب الفقماء ملقى قديدها
وبات الكلابي الذي يبتغي القرى ... بليلة نحس غاب عنها سعودها
أخذ يسائلهم عما غيرهم به تهكماً وسخرية. ومعنى الكلام الإنكار. يقول: لم تتعشون من ناقة ضيفكم؟ وكيف استجزتم ذلك حتى صارت قد ألقي قتودها وهي مطبوخة مأكولة؟ والقتود لا واحد لها عند أصحابنا البصريين. ثم قال مقبحاً الصورة: ابتكر ضيفكم يمشي وراحلته قد نحرت وقددت لحمومها، وشمست على طنب القماء. وهذا تفظيع للشأن. والطنب: حبل من حبال الخيمة. والفقماء يعني بها امرأة الراعي، لقبها بذلك.
وقوله: وبات الكلابي يعني به بات المستضيف الطالب للقرى عندكم بليلة شؤم قد فارقها السعود، لأنكم غصبتم ناقته، ولم ينل القرى عندكم.
أمن ينقص الأضياف أكرم عادة ... إذا نزل الأضياف أم من يزيدها
стр. 1031
كأنكم إذ قمتم تنحرونها ... براذين مشدود عليها لبودها
فما فتح الأقوام من باب سوءة ... بني قطن إلا وأنتم شهودها
يقررهم على تقبيح ما كان منهم، فيقول: خبروني أي العادتين أقرب إلى الكرم، وأحرى في وفاء الشيم: أعادة من يستنزل الأضياف عن أموالهم وينقص ما توفر لهم، أم عادة من يزيدهم ويثمر حظوظهم. وقوله عادة انتصب على التمييز. وإذا نزل ظرف لقوله أمن ينقص الأضياف. وكرر لفظ الأضياف ولم يأت بالضمير على عادتهم في تكرير الأعلام والأجناس، وقد مضى مثله. وقوله كأنكم إذ قمتم تنحرونها براذين شبههم في العجز والثقل وقلة الغناء، والتباطؤ والبلادة، بالبراذين، وهم يضربونها مثلاً للمذموم. وجعلها شدت اللبود عليها تقبيحاً لصورها. وقوله: فما فتح الأقوام من باب سوءة، يريد: لا يسبق طوائف الناس وفرقهم إلى خصلة مذمومة أو سوءة مشوهة منكرة إلا وبنو قطن حضورها؛ أي لا يمكن الإغراب في المخازي عليهم، لأنهم السابقون في البدار إلى كل عار، والأولون عند الولوج في كل باب، والحاضرون لكل نكر وعاب.
فأجابه الراعي
ماذا ذكرتم من قلوص عقرتها ... بسيفي وضيفان الشتاء شهودها
فقد علموا أي وفيت لربها ... فراح على عنس بأخرى يقودها
قربت الكلابي الذي يبتغي القرى ... وأمك إذ تخذى إلينا قعودها
الرواية الجيدة: ماذا نكرتم. ويقال: نكرت الشيء وأنكرته واستنكرته بمعنى. فأما ذكرتم فمراده ماذا عيرتم فذكرتم من ناقة لغيري عقرتها حين عوبت إبلى لضيفان الشتاء بحضرتهم، وبمرأى منهم. وقد جرى رسم الكرام بمثل ذلك إذا دعت الحال إليه، موطنين أنفسهم للغرامة، ورد الاثنين بدل الواحد على الخصم فيه.
стр. 1032
وقوله فقد علموا يستشهد بالضيفان فيقول: حضروا وتيقنوا أني وفيت لربها بمثلها وزدته أخرى، فراح راكباً إحداهما وقائداً الأخرى معها. ثم اقتص ما دعاه إليه فقال: قريت الكلابي المبتغي للقرى وقريت أمك، يعني أم خنزر بن أفرم المعير المنكر. والخدى: ضرب من السير. والقعود: البكر إذا بلغ الإثناء؛ والذي يقتعده الراعي فيركبه ويحمل زاده عليه قعود أيضاً. وفي ذكر الأم وأنه أضافها مع الكلابي بعض الغض والإيهام.
رفعنا لها ناراً تثقب للقرى ... ولقحة أضياف طويلاً ركودها
إذا أخليت عود الهشيمة أرزمت ... جوانبها حتى نبيت نذودها
إذا نصبت للطارقين حسبتها ... نعامة حرباء تقاصر جيدها
ويروى: رفعنا لها مشبوبة يهتدي بها. ومعنى تثقب تذكي وتضاء. وقيل: الكوكب الثاقب والحسب الثاقب، للضوء والتلألؤ. ومعنى للقرى الإقامة القرى، واللقحة يراد به القدر هاهنا، وأصله في الناقة الحلوب. وجعل ركودها طويلاً لثقلها وكبرها، ولأنها لا تنزل إلا للغسل ثم تعاد والجفنة الركود: الثقيلة الممتلئة. وقوله إذا أخليت أي جعل الحطب لها بمنزلة الولد، فهو لها كالولد، وهي له كالناقة الخلية، وهي التي تعطف على ولدها وترأمه. والهشيمة: اليابس من الشجر وغيره. وأرزمت: صاحت بغليانها، لكبرها، حتى نبيت نسكن منها. وإذا نصبت على الأثافي لزوار الليل - يعني الأضياف - حسبتها لإشرافها نعامة حزباء. والحزباء: الأرض الصلبة المرتفعة: شبد القدر بالنعامة، لأنها تكثر رفع رأسها ووضعه، لجبنها ونفورها، فكذلك القدر ترفع المحال وتخفضها، لشدة غليانها. وقال: تقاصر جيدها ليتبين وجه التشبيه منه ويصح. ومثله قول الآخر:
غضوب كحيزوم النعامة احمشت
تبيت المحال الغر في حجراتها ... شكارى مراها ماؤها وحديدها
بعثنا إليها المنزلين فحاولا ... لكي ينزلاها وهي حام حيودها
стр. 1033
فباتت تعد النجم في مستجيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها
المحال: فقر الضهر، والواحدة محالة. وجعلها غراً لسمنها. والحجرات: النواحي، وجعلها شكارى لامتلائها ودكاً. ويقال: شاة شكرة، إذا كانت غزيرة اللحم، وضرة شكرى، أي ممتلئة. وشكر النعم من ذلك، لأنه به تستدام وتمترى الزيادة. ويروى: سكارى بالسين غير معجمة، والمراد مثل ذلك لأن السكر من الامتلاء يكون. ومعنى مراها استخرج دسمها. ماؤها، أي مرقتها. وحديدها أي مغرفتها.
وقوله بعثنا إليها المنزلين إنما ثنى ليرى أن الواحد لا يطيقها ولا ينهض بتحريكها لثقلها. واللام من قوله لكي ينزلاها يجوز أن يتعلق بقوله بعثنا، كأنه قال: بعثنا المنزلين إليها لكي ينزلاها فحاولاه، وحذف مفعول حاول وكي هذه هي الناصبة للفعل، لذلك دخلها اللام الجارة. والمحاولة: مطالبة الأمر بالحيل، ويجوز أن يتعلق بحاولا. والحيود: الجوانب، أي إذا أراد إنزالها وفي جوانبها بعد حمى، استعجالاً. وقوله فباتت تعد النجم إخبار عن إم خنزر بن أقرم. والمتسحيرة: المتحيرة لامتلائها. أي في مرقة أو قدر قد تحيرت، فهي من صفائها وكثرة دسمها ترى فيها نجوم السماء. وقيل: شبه الراعي النفاخات التي كانت على رأسها من كثرة الدسم بالنجوم، ويجوز أن يكون أراد أن هذه القدر مرتفعة الشأن، عالية الأمر، فإمه كانت تعد النجوم فيها لما أطعمت منها كأنها بلغت النجوم في علوها، لنها لم تر مثلها قط. وهذا هو الوجه عندي، ليكون قد غض من أمه جزاء على ما قاله وأنكره. وقوله حيودها ارتفع بحاك، وكذلك جمودها ارتفع بسريع. ويجوز أن يروى: سريع بالرفع على أن يكون خبراً للمبتدأ وقد قدم عليه، والمبتدأ جمودها.
وقال رجل من بني أسد
دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
فكابر والمجد حتى مل أكثرهم ... وعانق المجد من أوفى من صبرا
стр. 1034
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
يقول: تباطأ سعيك للمجد، ولما سعيت كان سعيك دبيباً وطلاب المجد قد جهدوا أنفسهم، وألقوا الأزر دونه، تخفيفاً عن أنفسهم، وتشهيراً في طلبهم وهذا مثل. والمراد أن ما يفعله الساعي في سعيه إذا طلب شيئاً من التجرد والتخفف ليدرك مطلوبه قد فعلوه. ثم اخذ يفصل مجهودهم من بعد، فقال: كابروا والمجد، أي جاهدوه ليبلغوا قسراً لا ختلاً، فمن صبر وأوفى ناله واحتواه ظافراً به، معانقاً له، ومن مل وقصر - وهم الأكثر - خاب وأخفق ورجع نادماً لاهياً عنه. وقوله لا تحسب المجد تقريع، والمراد: لا تظنن المجد يدرك بالسعي القصير، واستعمال التعذير، وعلى ملازمة الراحة دون توطين النفس على الكد الشديد والمجاهدة؛ فإنه لن ينال إلا بتجرع المرارات دونه، واقتحام المعاطب بسببه. ويقال: لعقت الصبر لعقاً. واسم ما يلعق هو اللعوق.
وقال آخر:
ومستعجل بالحرب والسلم حظه ... تلما استثيرت كل عنها محافره
وحارب فيها بامرىء حين شمرت ... من القوم معجاز لئيم مكاسره
فأعطى الذي يعطى الذليل ولم يكن ... له سعى صدق قدمته أكابره
يقال: استعجل بالشيء، إذا طلب عجلته ولم يصبر إلى وقته وإياه. فيقول: رب امرىء يعجلك في هيج الحرب له، ونصب الشر بينك وبينه، فتراه يرتقي في الإيذاء والمكاشفة إلى أعلى درجات القصد، وحظه في أن يسالم، لكنه بسوء تأتيه ونقص اختياره، أبى لنفسه إلا تعريضها لما يستوخم عاقبته، ويتعجل شره، فلما هيجت الحرب له وأجيب في إثارتها، وإيقاد نائرتها، إلى مراده منها، عجز فيها عن الإيفاء والاستيفاء، وكل عن مباشرة الورد والصدر، واستعان فيها برجل ركاب لرواحل العجز، لئيم المكسر والمختبر، ضيق العطن والمبرك، ويعني به نفسه، وهذا كما يقال: لقيتني لقيت بي قرناً باسلاً. ويعني بالقرن نفسه. وقوله حين شمرت يريد حين كشفت الحرب عن ساقها، وأبدت أعجازها وهوادبها، ففعل فعل الذليل، وأعطى من الانقياد ما يعطيه الضعيف الفريد، ولم يكن سعيه سعياً مصدوقاً فيه، ولا وقوفه وإمساكه إمساكاً يعذر له، فتراه عند الأماثل من جملة الأراذل، وعند طلاب الخير مقتحماً في الشر. ومعنى قدمته أكابره أسلافه وأماثل قومه.
стр. 1035
وقال إسماعيل بن عمار
بكت دار بشر شجوها إذ تبدلت ... هلال بن مرزوق ببشر بن غالب
وهل هي غلا مثل عرس تحولت ... على رغمها، من هاشم في محارب
شجوها انتصب على أنه مفعول له، والشاعر يفضل بشراً على هلال، ويقول: إن الدار التي كان يستوطنها بشر لما ارتحل عنها وصار فيها بدلاً منه هلال بكت وتحسرت، وحق لها ذلك، فما هي في استبدالها إلا كعروس زوجت في هاشم، م انتقلت إلى محارب. ومحارب قبيلة فيها ضعة وخمول، حتى قال بعض الشعراء وهو يحلف:
فصيرني ربي إذاً من محارب
وقالت امرأة قتل زوجها
متى تردوا عكاظ توافقوها ... بأسماع مجادعها قصار
أجيران ابن مية خبروني ... أعين لابن مية أم ضمار
تجلل خزيها عوف بن كعب ... فليس لخلفها منه اعتذار
فإنكم وما تخفون منها ... كذات الشيب ليس لها خمار
عكاظ: واد للعرب فيه سوق لهم يجتمع فيها طوائف الناس من جميعالأحياء، فيتعارفون فيها ويتعلقون بالأخبار بعد التذاكر بها والتنسم لها، وبينهم المواعدات والمقايضات، والإحن والترات، والمنافرات والمناقضات، فكل فرقة تتجمل للأخرى وتود أن تسمع فيها ما ليس عندها من حسن وقبيح، ومحمود ومذموم، إلى غير ذلك من الأنباء السائرة، والأوابد العائرة، التي يتهادى بها، ويستطرف وقوعها، ويتبلغ باستماعها وأدائها. فيقول: متى وردتم عكاظ وافيتموها أذلاء قد اكتسيتم عاراً يخزيكم
стр. 1036
ويلازمكم، فتصير كالمثلة عليكم، فكأن آذانكم قد استوعب صلمها، عقوبة لكم بما عاملتم به جاركم من إحفار وإسلام، حين قتل في جواركم، واستبيح محرماته في ذممكم. ثم قال مستهزئاً ومعيراً: يا جيران ابن مية، أنبئوني أنصرتكم له عين أم ضمار، ووفاؤكم بما عقدتم له حق أم كذاب. والعين: ما يحضر ويشاهد، لذلك قيل في المثل: يدع العين ويتبع الأثر. والضمار: الغائب الذي لست منه على ثقة. قال الأعشى:
نرانا إذا أضمرتك البلاد ... نجفى وتقطع منا الرحم
وقوله تجلل خزيها عوف بن كعب، يريد: لبس خزى هذه الغدرة وتغطى بذمها قبائل عوف بن كعب كلها لا أنتم فحسب، لأعقابها بعدها عذر يقبل، ولا تنصل يسنع.
وقوله وإنكم وما تخفون منها، يريد مثلكم في ستركم أمرها، وتقديركم إخفاءها، على إنتشارها وذهابها في الناس، وعلى تغشيكم بدرنها، واستقذار الناس لكم لوسخها، مثل امرأة شاب رأسها ولا خمار لها فتختمر، مع ميلها إلى أن لا يرى شيبها. والمعنى: الأمر أظهر من أن يكتم أو يدفن.
وقال آخر:
تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا
فليت قريشاً أصبحت ذات ليلة ... تؤم بها موجاً من البحر أكدرا
هذا كلام رجل قد جمره الوالي، وتبرم بغربته، وشقى بالتباعد عن أهله ووطنه، فيقول: تفرد قريش بالتنعم والتلذذ، واستأثر بالعيش الطيب والرتعة الهنيئة، ورمت بنا مرامي منكرة لا راحة معها، ولا طائل فيها، وسدت طرق المفاوز الغبر التي لا تسلك ولا تعبر، بينها وبين أهل المشرق، وبودي أن ثبتت قريش على ليلة تفضى بها صبيحتها إلى أن تسلمها إلى موج أكدر، يجرفها إلى البحر ويغرقها. وهذا مثل، والمعنى: أتمنى أن تشملها بلية تفنيها وتريح العباد والبلاد منها. والكدر: نقيض الصفاء. ويقال: عيش أكدر، وقد كدر. وجعل الموج كذلك تهويلاً، وتكثيراً لماء
стр. 1037
بحره. وقوله ذات ليلة يريد الساعة التي يكون فيها الليلة المطلوبة. وعلى هذا قولك: فعلت كذا ذات العشاء، يريد الساعة التي فيها العشاء. والمعنى: أصبحت منا على هذه الحالة قريش، أي حصلت من ليلتها على صباح هكذا.
وقالت امرأة
حلفت ولم أكذب وإلا فكل ما ... ملكت لبيت الله أهديه حافيه
لو ان المنايا أعرضت لاقتحمتها ... مخافة فيه إن فاه لداهيه
فما جيفة الخنزير عند ابن مغرب ... قتادة إلا ريح مسك وغاليه
فكيف اصطباري يا قتادة بعدما ... شمعت الذي من فيك أثأى صماخيه
قولها ولم أكذب في موضع الحال أي حلفت صادقة في خبري، وإلا فما أملكه لبيت الله - تعني لمن حول بيت الله، فحذف المضاف - أهديه إليه بنفسي حافية لا حذاء لي. فقولها أهديه، يجوز أن يكون في موضع خبر المبتدأ، كأنها قالت: وإلا فما أملكه أهديه لبيت الله حافية، أي في هذه الحال. ويقال: أهديت إلى البيت وللبيت هدياً، إذا تقربت فيه بقربان. واللام من لبيت الله على هذا يتعلق بأهديه، ويجوز أن يكون لبيت الله خبر المبتدأ. وأهديه إن شئت كان مستأنفاً، وإن شئت كان خبراً ثانياً، وإن شئت كان بدلاً. وقولها لو أن المنايا أعرضت أي مكنت من النظر إلى عرضها، أي إلى الجانب الذي تجيء منه لاقتحمتها، أي لوقعت فيها وصرت في قحمتها. وانتصب مخافة فيه على أنه مفعول له. وقولها فما جيفة الخنزير تريد: ما رائحة جيفة الخنزير إلا ريح مسك لأن الحدث يشبه بالحدث، والعين بالعين.
وقولها فكيف اصطباري يا قتادة، يريد: كيف أتكلف صبراً على مجاورتك والكون معك. بعد ما بليت به من بخرك ونتن فمك، الذي أفسد على آلة الشم
стр. 1038
والسمع. ومعنى أثأى صماخيه، أي أفسده. والصماخ: ثقب الأذن الذي يفضي إلى الرأس. وآلة الشم الأنف دون الأذن، ولكن تريد أنه فسد بمحاورته.
وقال عبد الله بن أوفى الخزاعي
نكحت ابنة المنتضى نكحةً ... على الكره ضرت ولم تنفع
ولم تغن من فاقة معدماً ... ولم تجد خيراً ولم تجمع
منجذةً مثل كلب الهراش ... إذا هجع الناس لم تهجع
مفرقة بين جيرانها ... وما تستطع بينهم تقطع
بقول رأيت لما لاترى ... وقيل سمعت ولم تسمع
قوله " على الكره " في موضع الحال من نكحت. وقوله " ضرت " من صفة نكحةً، وكذلك ما في البيت الثاني من الجمل كل في موضع الصفة لها. فيقول: نكحت هذه المرأة مكرهاً نكحةً ضارةً غير نافعة في شيء من الوجوه، فما أغنت من عدم عديما، ولا أنالت خيراً، ولا جمعت شملاً. وحذف مفعول " ولم تجمع "، لأن المراد مفهوم.
وقوله " منجذة " من الناجذ، وهوضرس الحلم. والنواجذ: أربعة أضراس، وقال بعضهم: هي الضواحك، محتجاً بحديث النبي ﷺ " أنه ضحك حتى بدت نواجذه ". ويقال: نجذ فلاناً الخطوب، إذا أحكمته. وقال: " ونجذني مداورة الشؤون " فيقول: إنها قد جربت ومل منها وملت. وقوله مثل كلب الهراش يعني في خلقها وخلقها. ومعنى إذا هجع الناس لم تهجع، يصفها بأنها تمشي بالنمائم. ولذلك قال الآخر:
قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمرع
стр. 1039
لأن القنفذ لاينام بالليل. فيقول: هي بوشايتها تفرق بين الخلطاء، وتقطع الوصل والأواصر بينهم. ولك أن تنصب منجذة ومفرقة على الحال، ولك أن ترفعهما على الاستئناف. وقوله وما تستطع شرط وجزاء، والمفعول محذوف، فهو كقولك: ما تطق تفعل. فأما قوله: يقول رأيت وقيل سمعت، فالباء تتعلق بقوله تقطع. والمعنى أنها تباهت وتكابر، وتتزيد في القول وتجاهر، فتدعي مشاهدة ما لاتشاهده، وسماع ما لاتدركه. وهذا زائد على ما قاله الآخر حين نفى هذه الطريقة، وهو:
وليست من اللائي يكون حديثها ... أمام بيوت الحي إن وإنما
ورواه بعضهم:
تقول رأيت لما لاترى ... وقالت سمعت ولم تسمع
والذي رويناه أحسن تلاؤماً وأقرب.
فإن تشرب الزق لايروها ... وإن تاكل الشاة لاتشبع
وليست بتاركة محرماً ... ولو حف بالاسل الشرع
ولو صعدت في ذرى شاهق ... تزل بها العصم لم تصرع
فبئست قعاد الفتى وحدها ... وبئست موقية الأربع
محرماً، أي حراماً. والحرمة: ما لايحل انتهاكه، وكذلك المحارم. وفي المثل لابقينا للحمية بعد الحرام أي عند الحرمة. وهو ذو محرم وحرمة في القرابة. والشرع: جمع شارع، ويقال: أشرعت الرمح قبله فشرع. وصفها بالنميمة وشدة الحرص على تناول المحرم ولو انتزعته من بين الأسنة. ثم وصفها بالتجليح، وحسن التنقيح، والحذق في التوصل إلى الممنوع، ولو احتاجت إلى أن تترقى في مصاعد الجبال، ومدارج الهضاب المعجزة للعصم.
وقوله فبءست قعاد الفتى وحدها انتصب قعاد وموفية على التمييز، لأنه وإن كان معرفةً في اللفظ، فلا اختصاص فيه. ويروي بالرفع في الموضعين. فإذا نصبت
стр. 1040
فهو كقولك: بئست ربة البيت هند. وإذا رفعت فهو كقولك: بئست دار الكافر النار. وفي القرآن: " ولنعم دار المتقين ". والمذمومة بئست في الوجهين محذوفة. وانتصب وحدها على المصدر. فيقول: هي مذمومة في النساء تفردت أو اجتمعت مع ثلاث أخر. والقعاد والقعيدة واحدة، ويقال: ليست له قعيدة تقعده، أي امرأة تعزبه، أي تزيل عزبته. وحكى أن الأصمعي ألقى على أصحابه يوماً هذا البيت، وهو:
واحدة أعضلكم شأنها ... فكيف لو قمت على أربع
أربع يعنى النساء.
وقال بعض آل الملهب
قوم إذا أكلوا أخفقوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
لايقبس الجار منهم فضل نارهم ... ولاتكف يد عن حرمة الجار
معناهما ظاهر ولا إعراب فيهما. والقبس: الشعلة من النار. والقابس طالب النار وآخذها، ويقال: قبست النار واقتبسها وأقبستها وأقبسنيها فلان. والمقياس نحو من القبس. والرتاج: الغلق. ويقال: رتجت الباب وأرتجته.
وقال آخر:
كاثر بسعد إن سعداً كثيرة ... ولاتبغ من سعد وفاءً ولا نصرا
ولاتدع سعداً للقراع وخلها ... إذا أمنت ونعتها البلد القفرا
يروعك من سعد بن عمروجسومها ... وتزهد فيها حين تقتلها خبرا
كاثر: أمر من كاثرته، إذا غلبته بالكثرة، ويقال: كاثرته فكثرته أكثر بضم العين. وعلى هذا يجيء هذا البناء، سواء كان مفتوحاً في الأصل أو مضموماً أو مكسوراً، إلا أن يكون البناء معتلاً، فإنه يترك على حاله. يقال باكيته فبكيته أبكيه لاغير. وذلك لئلا يلتبس بنات الياء ببنات الواو. وقوله: ونعتها البلد القفرا، يصفهم
стр. 1041
بالسلامة في حال الأمن، وبحسن تصرفهم في فنون القول، وأن لهم المنظر الحسن دون المخبر، ثم لا وفاء لهم في الذمم والعقود ولا نصرة في الدفاع عند الحروب. ومعنى يروعك يعجبك. يريد: اعطوا البسطة في الأجسام، فإذا خبرتهم صغرهم الخبر، فأورثك الزهد فيهم. ويقال: لي بهم خبر وخبرة.
وقال آخر:
أعاريب ذوو فخر بإفك ... وأسنة لطاف في المقال
رضوا بصفات ما عدموه جهلاً ... وحسن القول من حسن الفعال
يقول: إنهم يفتخرون بمفاخر مأفوكة مكذوبة، ولهم ألسنة يلطفون بها، ويصورون الباطل من مفاخرهم بصورة الحق، فهم أصحاب مقال لا فعال، وأرباب كذب وزور، لاحق وصدق، ولجهلهم يرضون من أنفسهم ولها بأن يصفوها بما هو معدوم فيهم، وقنعوا بحسن الصفات من أنفسهم بقولهم، وإن عدموا شهادة الأشهاد على دعواهم، اعتقاداً منهم أن القول يغني عن الفعل، وأن الخبر يكتفي به عن الخبرة، وأن الكرم في الدعاوي لا في الحقائق.
وقال مالك بن أسماء
لو كنت أحمل خمراً حين زرتكم ... لم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك تفغمني ... وعنبر الهند مشبوباً على النار
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزق والقار
قوله تفغمني، أي تسد خياشيمي وتملؤها. ويقال: الريح الطيبة تفغم المزكوم. وقوله مشبوباً على النار، يقال: رأيت شبة النار، أي اشتعالها، وقد
стр. 1042
شببتها. وتوسعوا فيه فقالوا: فلانة يشبها فرعها، إذا أظهر بياض وجهها سواد شعرها. وانتصب مشبوباً على الحال. ومعنى الأبيات ظاهر.
وقال آخر:
هجوت الأدعياء فناصبتني ... معاشر خلتها عرباً صحاحا
فقلت لهم وقد نبحوا طويلاً ... على فلم أجب لهم نباحاً
أمنهم أنتم فأكف عنكم ... وأدفع عنكم الشتم الصراحا
وإلا فاحمدوا رأيي فإني ... سأنفي عنكم التهم القباحا
وحسبتك تهمة ببرىء قوم ... يضم على أخي سقم جناحا
هذه الطريقة في ذم الأدعياء غريبة حسنة جداً. وفيما قال أبو العتاهية في والبة بن الحباب ما هو مستبدع أيضاً، وهو:
ما بال من آباؤه عرب ال ... ألوان أصبح من بني قيصر
أكذا خلقت أبا أسامة أم ... لونت سالفتيك بالعصفر
وأخذ أبو نواس فقال أيضاً:
وابن الحباب صليبة وعموا ... ومن المحال صليبة أشقر
ومصدر الدعي الدعوة والدعاوة. وناصبتني، أي عادتني؛ ويقال: ناصبت فلاناً الحرب والعداوة، ونصبنا لهم حرباً. ويقال: العرب العاربة والعرباء، أي الخلص. والعرب المستعربة: الذين فيهم بعد. وقوله عرب الألوان مثل قولهم: سروج خز الصفات.
وعرباً صحاحا أي صحاح الأنساب. والنباح يستعمل في صوت التيس عند السفاد، وفي الهدهد والظبي. ويستعمل في الشاعر على طريق الذم. ويقال: نبحه
стр. 1043
ونبح عليه. قال الهذلي:
ولو نبحتني بالشكاة كلابها
والمراد بقوله لهم نباحاً: لم أجب نباحهم. ولهم تبيين. وقوله أمنهم أنتم في موضع المفعول من قلت، وانتصب فأكف بإضمار أن، وهو جواب الاستفهام بالفاء. والصراح: الخالص من كل شيء، وكذلك الصريح والصراح. ورجل صريح: ضد هجين، من قوم صرحاء. وخمر صراح: لم تشب بمزاج. وقوله حسبك تهمة ارتفع على الابتداء، ويكتفي به لأن فيه معنى الأمر، أي اكتف. وانتصب تهمة على التمييز، ومعنى الأبيات ظاهر.
وقال مدرك
لقد كنت أرمي الوحش وهي بغرة ... وتسكن أحياناً إلى شرودها
فقد أمكنتني الوحش مذ رث أسهمي ... وما ضر وحشاً قانص لا يصيدها
فأعرضت عن سلمى وقلت لصاحبي ... سواء علينا بخل سلمى وجودها
جعل الوحش كناية عن النساء. وإنما يذكر أيام شبابه، ووقت صباه ولهوه، فيقول: كنت أتعرض للنساء وهي مغترة وفي غفلة عني، فأصيبها بمحاسني وأصطادها. والشاردة منها النافرة من الريب تسكن إلي وتميل نحوي وقتاً بعدوقت، وحالاً بعد حال. هذا فيما مضى من عمري، والآن قد شخت فسهامي قد رثت، وآلاتي كلت. وإنما يريد محاسنه عندهن من قبل، وأنها قد بارت، وما كان ينفقه عندهن من نفوذ نصاله عند الرماء فيهن كلت. قال: فالوحش تمكنني وأنا لا أرميها وتكتب لي وأنا غافل دونها. ومعنى تمكنني أن النساء تنبسط إلي فلا تنقبض، وتستنيم فلا تنفر لأمنها من توجه الريبة. قال: والصائد لا يضر الوحش إذا لم يصدها، يعني نفسه. وهذا الكلام يجري مجرى الأمثال. والمعنى أنهن لا ينفرن مني، وقد سكن إلي وأمن رميي.
стр. 1044
وقوله فأعرضت عن سلمى، يقول: تركت صاحبتي التي كنت أولع بها؛ وأستلذ ذكرها، زاهداً فيها، وقلت لقربتي وأليفي: بخلها وجودها يستويان علي مع إعراضي وضعف حاجتي، وكلال حدي، وعجز قدرتي، وتسلط رثيات الشيب علي، وتمكن أبدال اللهو مني. وقوله سواء علينا سواء مصدر في الأصل، وقد وصف به.
فلا تحسدن عبساً على ما أصابها ... وذم حياة قد تولى زهيدها
تشتبه عبس هاشماً أن تسر بلت ... سرابيل خز أنكرتها جلودها
كان الوليد وسليمان ابنا عبد الملك أمهما عبسية، فارتفع شأن بني عيسى بها، واختلطوا بمدبري الخلافة وسواس الرعية، والذابين عن المملكة. فيقول مخاطباً لصاحب له: لا تحسدن بني عبس على ما نلته من الملك والرياسة، وذم زماناً ساعدها على ذلك وأهلها له، وحياة تولي زهيدها في الشقاء بها، ومكابدة الأوابد منهم فيها. والزهيد: القليل الخير، ويقال: رجل زهيد وامرأة زهيدة، وهما القليل الطعم، يريد أن أمرهم خلسة من خلس الدهر، وسينقطع منكره ويعود إلى دون ما يجب له. وقوله تشبه عبس هاشماً، يقال: شبهته كذا وبكذا، وتشبه زيد بكذا وكذا. يقول: تنعموا بلذات الدنيا وزخارفها، وشاركوا أرباب الخلافة وولاتها في ملابسهم التي تنكرها جلودهم، ومطامعهم التي لم تذقها لهواتهم، فحدثوا أنفسهم بأنهم أمثالهم، ووسوس الشيطان إليهم مماثلة حالهم لأحوالهم عند الحفل، وفي الخلوات. وقوله أن تسربلت يريد: لأن تسربلت. كأنهم لمساعدة الأحوال لهم فعلوا ما فعلوا. وإنما قال أنكرتها جلودها لأنها لم تعتمدها من قبل. ومثله قول الآخر:
بكى الخز من عوف وأنكر جلده ... وضجت ضجيجاً من جذام المطارف
فلا تحسبن الخير ضربة لازب ... لعبس إذا مافات عنها وليدها
فسادة عبس في الحديث نساؤها ... وقادة عبس في القديم عبيدها
стр. 1045
هوذا يسلى صاحبه عما تداخله من الغيظ على زمان بلغ بيني عبس ما بلغ، فيقول: لا تظنن أن هذه الأمور تجري على ما تشاهدها سليمة من الحوادث، وأن الدولة تمتد لبني عبس وتصير كالواجب لها، بريئة من الصوارف، نقيةمن الشوائب؛ فإن كل ذلك بعرض الزوال والتغير، متى مات من تقدموا به، وهو الوليد بن عبد الملك. وحكى عن الحضين بن المنذر أنه قال لبعض بني عبس وقد تنازعا في شيء: إنما أنتم يا بني عبس بحر، فإن ابتل ابتللتم، وإن يبس يبتسم. وقوله فسادة عبس نساؤها، يعني أم الوليد والمتصلات بها. هذا في الحديث زعم. قال: وفي القديم كانوا بالعبيد، يعني به عنترة بن شداد، لأنه عيسى، وكان هجيناً، ولذلك قال:
إني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
وقال أيضاً:
أنا الهجين عنترة ... كل امرىء يحمى حره
أسوده وأحمره وهو أحد الفرسان الذين جل أمرهم، وعظم شأنهم.
وقال آخر:
أقول حين أرى كعباً ولحيته ... لا بارك الله في بضع وستين
من السنين تملاها بلا حسب ... ولا حياء ولا قدر ولا دين
أجري جمع السلامة في أن أعرب آخره مجرى جموع التكسير، وقد جاء ذلك كثيراً. على هذا قول الآخر:
وقد جاوزت حد الأربعين
стр. 1046
وقوله:
وابن أبى أبى من أبيين
وقوله من السنين تعلق بقوله في بضع. والبضع مختلف به، فمنهم من يقول: يتناول ما بين الثلاثة إلى العشرة كله، ومنهم من يجعله متناولاً للنصف من ذلك. والأول هو الصحيح. وقيل في قوله: " بضع سنين " إنها سبعة، وقد حكى الفتح في الباء منه أيضاً، وأصله من القطع. وقوله تملاها عاش ملاوتها. والملاوة تكسر ميمه وتضم. ومنه الملى من الدهر، وقولهم: ثمليت حبيباً.
وقال عويف القوافي
وما أمكم تحت الخوافق والقنا ... بثكلى ولا زهراء من نسوة زهر
ألستم أقل الناس عند لوائهم ... وأكثرهم عند الذبيحة والقدر
وصفهم بأنهم يتصونون، فلا يبتذلون في الحروب، فأمهاتهم تثكلهم تحت الأعلام إذا خفقت، والرماح إذا أشرعت. وقوله ولا زهراء، أي لسيت هي بكريمة في نفسها. وهذا ضد قول الآخر:
أمك بيضاء من قضاعة
يريد بياض الكرم لا بياض اللون.
وقوله: ألستم أقل الناس، ويقررهم على لؤمهم وتأخرهم في الحروب، وقلتهم عند خفق البنود، وعند عقدها للرياسات؛ وعلى أنهم يكثرون في المآدب، ويتزاحمون على الذبائح. وإنما يقرر بأليس وبألم وما أشبهه في الواجب، لأن
стр. 1047
الاستفهام كالنفي، والنفي إذا دخل على النفي صار واجبا، وقد مر الكلام فيه فيما تقدم.
وقال آخر:
ونبيت ركبان الطريق تناذروا ... عقيلاً إذا حلوا الذناب فصرخدا
فتى بجعل المحض الصريح لبطنه ... شعاراً ويقرى الضيف عضباً مهندا
قوله تناذروا، أي أنذر بعضهم بعضاً، وموضعه من الإعراب نصب على أن يكون مفعولاً ثالثاً لنبئت. والذناب وصرخد: موضعان. والمعنى أن السفر والسابلة والمارة قد عرفوا عقيلا بالغدر والخيانة، والطمع في مال الضيف والجار والحليف، فإذا نزلوا هذين الموضعين وهما مما يقارب محل عقيل ومأواه، حذر بعضهم بعضاً، وتواصلوا بالاحترا منه، ثم قال: هو فتى يملأ بطنه من خالص المحض، فالمحض شعار بطنه، يليه ويشحنه ويلتبس به، ويعد لقرى ضيفه سيفاً قاطعاً. والأصل في الشعار ما يلي الجسد من الثياب، ثم توسع فيه فقيل: أشعر قلبي هما أي أبطنه. وحكى بعضهم: هندت السيف: شحذته وأحدودته. والمشهور نسبته إلى هند.
وقد استعمل القرى على هذا غيره فقال، وهو أبو وجزة:
وذاك القرى لا قرى قوم رأيتهم ... يقرون ضيفهم الملوية الجددا
يعني السياط.
وقال آخر:
أناخ اللؤم وسط بني رياح ... مطيته فأقسم لا يريم
كذلك كل ذي سفر إذا ما ... تناهى عند غايته مقيم
يقال: أنخت البعير فبرك، ولا يقال فناخ. وهذا من باب ما استغنى به من غيره، ومعنى لا يريم لا يبرح. وقوله كذلك في موضع الحال، لأن كل ذي سفر مبتدأ، ومقيم خبره، قال، وكل مسافر إذا ما انتهى إلى غايته يلقي عصاه، ويحط رحله. كذلك، أي مثل إقامة اللؤم فيهم.
стр. 1048
وهذا المعنى قد نقله البحتري إلى المدح فيهم.
أو ما رأيت المجد ألقى رحله ... في آل طلحة ثم لم يتحول
وقال آخر:
إذا بكرية ولدت غلاماً ... فيا أؤماً لذلك من غلام
يزاحم في المآدب كل عبد ... وليس لدي الحفاظ بذي زحام
قوله يا لؤما لفظه لفظ النداء والمهنى معنى التعجب، أي ما أشده من لؤم. ومثله: " يا حسرة على العباد "، وقول الشاعر:
فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع
وقوله يزاحم في المآدب يشبه قول عويف:
ألستم أقل الناس عند لوائهم ... وأكثرهم عند الذبيحة والقدر
وإن كان زاد عليه لما جعل مزاحمته على الطعام مع العبيد. وقوله من غلام أي لذلك الغلام من بين الغلمان. وواحد المآدب مأدبة، والفعل منه أديت.
وقال آخر:
ردي ثم اشربي نهلاً وعلاً ... ولا يغررك أقوال ابن ذيب
فلو كان القليب على لحاهم ... لأسهل وطؤها شفة القليب
يشجعها على الورود والصدر، وشرب العلل بعد النهل. وعلى ألا تحتفل بتهدد ابن ذئب وإرعاده وإبراقه، فإنه قول لا فعل معه، وقعقعة لا وقع بعدها. وكان التخاصم في بئر، فلذلك قال ما قال. وقوله فلو كان القليب على لحاهم استخفاف بهم وإهانة. ومعنى أسهل: وجدها سهلا، ويعني بوطئها وطء الإبل، ولم يجر لها ذكر، ولكن المراد مفهوم: والمعنى: كانت تجد حرف البئر سهلاً لا حزناً. يقول: لو كان موضع البئر
стр. 1049
لحاهم ماجسروا على المنع، ولا على التمانع، ولا كان يتعقب ورودها إنكار ولا وبال.
وقال آخر:
إن تبغضوني فقد أسخنت أعينكم ... وقد أتيت حراماً ما تظنونا
وقد ضممت إلى الأحشاء جارية ... عذباً مقبلها مما تصونونا
يقول: لا ملام عليكم في بغضائكم لي، فقد نلت منكم ما استحققت به ذاك. وانتصب حراماً على الحال من أتيت، وما تظنونا في موضع المفعول، والضمير العائد من الصلة محذوف. وقوله مما تصونانا ولم يقل ممن، لأن القصد إلى الجنس وما للصفات والأجناس ولما دون الناطقين. فأما قوله تظنون فيجوز أن يكون من غالب الظن، ويجوز أن يكون من اليقين.
وقال آخر:
يا قبح الله أقواماً إذا ذكروا ... بني عميرة رهط اللؤم والعار
قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوا ... في سوءة لم يجنوها بأستار
المنادى في قوله يا قبح الله محذوف، كأنه قال: يا قوم، أو يا ناس قبح الله أقواماً، أي أبعدهم الله. وبني عميرة انتصب على البدل من أقواماً، والمعنى في قوله إذا ذكروا أي وقت ذكروا فأبعدهم الله. ورهط اللؤم انتصب على الذم والاختصاص، والعامل فيه فعل مضمر، كأنه قال: أذكر رهط اللؤم. وقوله قوم ارتفع على أنه خبر المبتدأ، أي هم قوم إذا خرجوا من سوءة ومخزية، أي من اكتسابهما وفعلهما، دخلوا في مثلها أو أسوأ منها وأخرى لا يتسترون فيها ولا يستحيون منها.
يهجو الحضري ويمدح البدوي: وقال آخر:
جواب بيداء بها عروف
стр. 1050
لا يأكل البقل ولا يريف
ولا يرى في بيته القليف
إلا الحمت المفعم المكشوف
للجار والضيف إذا يضيف
والحضري مبطن معلوف
للفسو في أثوابه شفيف
أعجب بيتيه له الكنيف
أوطاية مبقلة وسيف
قوله جواب بيداء يصف به البدوي، أي قطاع المفاوز بليغ المعرفة بها. ويقال: رجل عروف وعروفة وعريف، أي عارف. ويقال من العرف بكسر العين، وهو الصبر: عارف وعروف أي صبور؛ فيجوز فيه الوجهان. ويروى: جواب بيد أيه عروف، والأيه: الصيت المتيقظ الحي القلب والنفس: والبيد: جمع بيداء. وقوله لا يأكل البقل، أي هو قوى صلب العروق، لأن البقول ترخي الأعصاب. ولا يريف أي لا يدخل الحضر. والريف: الخضرة. وقال الدريدي: الريف: ما قارب السواد من أرض العرب، والجميع أرياف وريوف. وتريف القوم ورافوا: دنوا من الريف. وقوله: ولا يرى في بيته القليف أي طعامه طعام البدويين: اللبن والتمر، لا الخبز. وقلافة الخبز وقليفه: الذي يلزق منه بالتنور.
وقوله: إلا الحميت بدل من القليف، وهو نحى السمن. والمفعم: المملوء. وجعله مكشوفاً للجار والضيف ليدل على سخائه بما فيه، ولا ستر عليه ولا حجاب دونه، فاللام من قوله للجار يتعلق بالمكشوف. وقوله والحضري مبطن معلوف، أي بطيعه ما يأكله، ويرتع فيه فينهم فيه ويتجاوز حدود أكل الناس حتى يصير معلوفاً كما تعلف الدواب للسمن. والمبطن: الموسع البطن. وقد بطن بطناً، أي عظم بطنه، وأصابته البطنة. وفي المثل: البطنة
стр. 1051
تذهب الفطنة، أي كثرة الأكل تحدث البلادة، ورجل بطين ومبطان: عظيم البطن. والمبطن: الخميص البطن. قال:
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا
وقال متمم:
فتى غير مبطان العشيات أروعا
والشفيف: برد ريح في ندوة، واسم تلك الريح الشفان. وقوله أعجب بيتيه أي الذي يأكل فيه والذي يحدث فيه. والكنيف جعله أعجب إليه لكثرة أطيافه.
والطاية: الأرض الفضاء الواسعة. والسيف: ساحل البحر. وأبقل المكان: كثر بقله.
وقال ربعان
إذا كنت عميا فكن فقع قرقر ... وإلا فكن إن شئت أير حمار
فما دار عمى بدار خفارة ... ولا عقد عمى بعقد جوار
يعني بالفقع الكمأة. ويضرب المثل بهذا في الذل فيقال: أذل من فقع بقاع، وذلك لآنه يجتنيها من يشاء، وأضافه إلى قرقر منبته. ويقال: قاع قرقر، أي مستو. وأنى بالصفة لأن المراد مفهوم، والمعنى: إذا كنت عمياً فكن ذليلاً كالفقع، أو شيئاً يتحامى ذكره ومنظره كذلك العضو. وأخفرته، إذا نقضت عهده. والمعنى ظاهر. وجعل لا من قوله ولا عقد بدلاً من ما، ولذلك أدخل الباء في بقعد.
стр. 1052
وقال آخر:
أراني في بني حكم غريباً ... على قتر أزور ولا أزار
أناس يأكلون اللحم دوني ... وتأتيني المعاذر والقتار
قوله على قتر أي على حرف. ويقال قتر وفتر. ويقول: ليس فيهم تمكن، لغربتي. والفتر والقطر والحرف والجانب تتقارب. وقد استعمل الحرف استعمال القتر، بل هو أشهر في هذا المعنى، وأكثر تصرفاً، يقال: هو على حرف من أمره، أي انحراف، وانحرفت بهم دنياهم، ومالي عن كذا محرف، أي مصرف ومنتحي. وفي القرآن: " ومن الناس من يعبد الله على حرف ": وإنما وصفهم بأن من جاورهم يسيئون عشرته ولا يرون له ما يراه لهم من قضاء ذمام، وإيجاب حق، بل يطرحونه ويهملونه. وقوله وتأتيني المعاذر، أراد ريح عذراتهم وأفنيتهم، فحذف المضاف. والقتار، أي وتأتيني ريح اللحم المشوي. وقيل في المعاذر: إنها جمع معذرة. والأول أبلغ. والمعاذر والعاذرة والعذرة: الحدث، وقد أعذر، أي أحدث. ويرتفع أناس على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه أراد: هم أناس، وقد وصفوا بجملتين. وقدكان يجب أن يقول: وتأتيني المعاذر والقتار منهم، فحذف الضمير، ويجوز أن يكون وتأتيني على الاستئناف.
وقال آخر:
ما إن في الحريش ولا عقيل ... ولا أولاد جعدة من كريم
ولا البرص الفقاح بني نمير ... ولا العجلان زائدة الظليم
أولئك معشر كبنات نعش ... رواكد لا تسير مع النجوم
يعني بزائدة الظليم الخف، لأنه لا يكون للطير. أي هم زيادة في الناس بمنزلة تلك الزائدة في الظليم. وقوله أولئك معشر كبنات نعش، يريد أنهم لا ينهضون لا كتساب مكرمة. ولا يقومون لاجتلاب منقبة، فهم لا خير فيهم يلزمون مضاجعهم كسلاً وقصر همة، ورضى بأدنى الهمتين وأسقط العيشتين. والعرب تسمى من كان كذلك ضاجعاً وضجيعاَ وضجعة. وبنات نعش ليست من النجوم السيارة، فلذلك شبهه بها.
стр. 1053
وقال رجل من بني جرم
دلفت إلى صميمك بالقوافي ... عشية محفل فهتفت فاكا
وصدق ما اقول عليك قوم ... عرفت أباهم ونفوا أباكا
الصميم: الخالص من النسب والفخر. وجعل له ذلك على طريق الهزء، فهو كقول الله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم ". يقول: ما كان من حسبك خالصاً، ومن نسبك صافياً لا شوب فيه ولا لبس دونه، أبطلته بقوافي، وزيفته حين اختلفا في المجمعة بمرامى، فهتمت أسنانك، وأخرستك في دعاويك. والهتم: كسر الثنية من الأصل، وجعل الفم كناية عن الأسنان. أي جعلتك بحيث لا معض لك، ومشهدنا مشهود، وأهل التمييز حضور، وصدقني من له القدمة والسابقة عليك، وأنت تعرفهم وتعرف أوليتهم، وهم ينكرون سلفك، ويبطلون دعاويك.
وقال زيد الأعجم
ومن أنتم إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصير
وأنتم أولى جئتم مع البقل والدبا ... فطار وهذا شخصكم غير طائر
فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر
قوله إنا نسينا من أنتم يجوز أن تجعل من استفهاما، وقد كرره، وعلق نسينا قبله، وإن لم يكن من أفعال الشك واليقين، لأنه أجراه مجرى نقيضه، وهو عرفت وذكرت؛ وهم يجرون النظير مجرى النظير، والنقيض مجرى النقيض. وقد مر له نظائر. ويجوز أن نجعل من بمعنى الذي. وقد حذف صلته، كأنه قال: إنا نسينا الذين هم أنتم والأول أوجه. ونظير الأول عند أصحابنا البصريين قوله تعالى: " لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا ". وفي باب الذي قوله تعالى:
стр. 1054
" تماماً على الذي أحسن ". لأن المعنى من هو أحسن. وقوله من أي ريح الأعاصير، والأعاصر: جمع الإعصار، وهو الغبار الساطع المستدير، وفي المثل " إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً ". وإنما خصها بالذكر لأنها تسوق غيثاً، ولا تدر سحاباً، ولا تلقح شجراً، فضرب المثل بها لقلة الانتفاع بهم. وهذا كما قال الآخر:
وأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزوى الوجوه بليل
وهم يجعلون الريح كناية عن الدولة، فيقال: فلان هبت له ريح، فكأنه جعل دولتهم لا تجدي ولا ترد نفعاً، بل تتوى وتجر شراً، وقوله وأنتم أولى جئتم، يريد الذين جئتم مع البقل. والمعنى أن شرفكم حديث. ومثله قول الآخر:
تموتون هزلى في السنين وأنتم ... أساريع تحيا كلما نبت البقل
وقوله فطار وهذا شخصكم غير طائر تضجر بهم وتعجب من بقائهم، وعتب على الزمان في استبقائهم. وقوله فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم يريد أن كل من يذكر لكم وعندكم فهو سابق لكم، مقدم عليكم بالزمان والفضل، فأنتم على الساقة لم تدركوا ممن أحرز قصبات السبق إلا مدق الحوافر، ومواطىء الأقدام. جعلهم فساكل، ومتأخرين عند الفضائل.
وقال عمرو بن الهذلي
نحن أقمنا أمر بكر بن وائل ... وأنت بثأج ما تمر وما تحلي
وما تستوي أحساب قوم تورثت ... قديماً وأحساب نبتن مع البقل
стр. 1055
ثأج: اسم ماء. وما تمر وما تحلي، أي لا تأتي بحلو ولا مر. يصف عجزه وضعفه، وقعوده عن المعونة أوان الحاجة. وقول زهير:
على صير أمر ما يمر وما يحلوا
فأمر فيه بمعنى صار مراً. ويقال في هذا مر أيضاً. وقولهم في المثل: " ما أمر فلان وما أحلى " فهو مثل المعنى الذي في البيت. والمعنى: ما أتى بحلو ولا مر. ومراد الشاعر في هذا البيت ظاهر، وهو المعنى المتقدم.
وقوله وما تستوي أحساب قوم تستوي بمعنى تساوي وتماثل، وقد يكون استوى بمعنى استعلى. على ذلك قولهم:
قد استوى بشر على العراق
وقالت كنزة في مية
ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الجزى لو كان باديا
ألم تر أن الماء يخلف طعمه ... وإن كان لون الماء في العين صافيا
إذا ما أتاه وارد من ضرورة ... تولى بأضعاف الذي جاء ظاميا
كذلك مي في الثياب إذا بدت ... وأثوابها يخفين منها المخازيا
فلو أن غيلان الشقي بدت له ... مجردة يوماً لما قال ذا ليا
كقول مضى منه ولكن لرده ... إلى غير مي أو لأصبح ساليا
следующие страницы →