← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

سفاهة رأيها. والمراد: حدثت منيتها لهجوى لها. ومثله: أريد لأنسى ذكرها وفي القرآن: " يريد الله ليبين لكم ". وقوله معاذ الإله انتصب على المصدر، أي أعوذ بالله معاذاً من أن آتي ذلك، لأنني أرغب بنفسي بأصلي عن الوقوف في ذلك المقام، وأصون شرفي وأرفع عقلي عن مساوقتهم لفظاً بلفظ؛ وفعلاً بفعل. وقال زميل إني امرؤ أطوى لمولاي شرتي ... إذا أثرت في أخدعيك الأنامل خلقت على خلق الرجال بأعظم ... خفاف تطوى بينهن الأنامل وقلب جلت عنه الشؤون وإن تشأ ... يخبرك ظهر الغيب ما أنت فاعل يصف نفسه في البيت الأول بأنه يكف أذاه عن مولاه، وأنه إذا أجمع أهل الرأي على نسبة مخاطبه إلى الغدر، والخيانة والشر، فأشاروا بأصابعهم إذا ولى إلى قفاه، فقالوا: هذا قفا غادر، فإنه ينطوي نسيباً، ولا يؤذي جاراً قريباً ولا غريباً. وقوله: خلقت على خلق الرجال، تبجح في هذا البيت بأنه شخت من الرجال قليل اللحم، مديد القامة، فخلقه خلق الرجال لا خلق النساء، فلا يشينه سمنة ولا فشل، ولا يقعد به آفة ولا كسل، فأعظمه خفاف، ومفاصله بينها مطوية ممحصة لطاف. وقوله: وقلب عطفه علي بأعظم، يريد: وبقلب هذبة الأمور، وكشف عنه الطبع والرين مزاولة الشؤون، فهو بتجاربه يتصور ما لم يكن بصورة ما قد كان، ومتى شئت أخبرك بخبره ومعرفته، وفرط شهامته وتمييزه، وحدة نظره وبصيرته بما أنت فاعله بعد الغيب. وانتصب ظهر الغيب على الظرف، وما أنت ما فيه بمعنى

стр. 982

الذي، وأنت فاعل من صلته، وقد حذف حرف الجر معه، كأنه قال: يخبرك بما أنت فاعله. ويقال: خبرته كذا وخبرته بكذا، وحدثته كذا وحدثته بكذا. ولست بربل مثللك احتملت به ... عوان نأت عن فحلها وهي حافل فجئت ابن أحلام النيام ولم تجد ... لصهرك إلا نفسها من تباعل كان رواية الناس قبلنا احتملت به والصواب احتلمت به، بدلالة قوله فجئت ابن أحلام النيام. والربل: السمين الرطب، وقد تقدم ذكره وتصاريفه. والعوان: النصف من النساء، والفعل منه عونت، ويقال: عانت البقرة عوناً، صارت عواناً. وحرب عوان: قوتل فيها مرة بعد أخرى فيقول: لست برطب مسترخ مثلك، احتملت به امرأة عوان بعد عهدها بفحلها، وهي ممتلئة شبقاً، فحملت فجاءت من احتلامها بك. والمعنى: أنه لا والد لك إلا ما رأت أمك عند شدة غلمتها من احتلامها، فأنت شر ممن يجيء لزنية. ومعنى ولم تجد لصهرك، أي لم تصاهره فيك، أي تخالطه. وقال الخليل: الصهر حرمه الختن. وختن القوم: صهرهم. وحكي عن أبي الدفيش: أصهر بهم الختن، أي صار فيهم صهراً. فيقول: لم تجد ختناً إلا نفسها، إذا كان ذلك الاحتلام لم يتجاوزها، وغذ كان مباعلة النفس على ما وصفه إنما حصلت عن شبق ولوزم ذكر الجماع في اليقظة، وإلا نفسها: مستثنى مقدم. وقوله ابن أحلام النيام، نصب على الحال، لأن أحلام النيام لا يتخصص، فلا يصير المضاف إليه معرفة. وقال خارجة بن ضرار المري أحارج هلا إذ سفهت عشيرة ... كففت لسان السوء أن يتدعرا وهل كنت إلا حوتكياً ألاقه ... بنو عمه حتى بغى وتجبرا

стр. 983

فإنك واستبضاعك الشعر نحونا ... كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا قوله سفهت عشيرة، قال يونس: سفه لغة في سفه، وعلى هذا تنصب عشيرة على المفعول به، ويجوز أن يكون مما نقل عنه الفعل، كأه قال: سفهت عشيؤتك فنقل السفه إلى نفسه فقال: سفهت، فأشبه عشيرة المفعول، فنصب نصب التمييز. وقوله يتدعر أي يخبث ويفجر. يقال: رجل داعر بين الدعارة. وحكى: في خلقه دعارة، في معنى زعارة، وعلى زنته. ومنه عود دعر، أي كثير الدخان. والحوتكي: القصير الصغير. ومعنى ألاقه: ألصقه وضمه أبناء عمه إلى أنفسهم، فبغى لما رأى ذلك. واستبضاع السلعة: أن تحملها بنفسك؛ وإبضاعها: بعثها، وكما قيل في المثل: " كمستبضع تمراً إلى أهل خيبر، لكثرة نخلها، قيل أيضاً كمستبضع التمر إلى أهل هجر، وهذا كما قيل كمستبضع الملح إلى بارق. ومعنى الأبيات: هلا إذ كنت سفيه العشيرة لئيم الفصيلة، أمسكت عن الحنا والفحش، وصنت نفسك ولم تعرضها للهجاء الممض: هذا وما كنت إلا حقيراً قليلاً؛ قميئاً صغيراً، رق له أقاربه بعد كا كانوا ينفونه ويتبرمون منه، فألصقوه بأنفسهم، فطغى من ذلك واستلى. وأما علمت أنك وحملك الهجاء إلينا في الندم والخسران، وسوء العاقبة، كمن حمل التمر إلى خيبر يتجر فيه، فرجع نادماً، وحصل خاسراً. عمارة بن عقيل بنى منقذ لا آمن الله خوفكم ... وزادكم ذلاً ورقة جانب فمن يرتجيكم بعد نائلة التي ... دعت ويلها لما رأت ثأر غالب دعته وفي أثوابه من دمائها ... خلبطاً دم من ثوبه غير ذاهب نائله: امرأة زوجت قاتل أبيها أو أخيها، فجعل عمارة يعيرهم ذلك. والعرب تقول: دم فلان في ثوب فلان، إذا كان قاتله.

стр. 984

قال أوس بن حجر: نبيت أن دماً حراماً نلته ... فهريق في ثوب عليك محبر وقال الفرزدق: تمشي حرام بالبقيع كأنها ... نشاوي وفي أثوابها دم سالم فيقول: أبدلكم الله يا بني منقذ بالأمن خوفاً لا يفارقكم، وزادكم على مر الأيام ذلاً وخضوعاً، ولين مجس وسقوطاً، فإنه لا يعلق الرجاء بكم، ولا يستنم أحد إليكم؛ بعد نائلة التي دعت بالويلات لما رأت ثأر غالب أخيها أو أبيها، وقد ملكتموه أمرها، وجعلتموه بالتزويج قيمها، ثم قال: دعت نائلة الويل وفي أثواب زوجها لها خليطا دم هما دم أبيها أوأخيها، بقتله له؛ والثاني دم عذرتها، لتزوجه بها، فهما لازمان لثوبه لا يفارقانه. ويروى شريجا دم. وكل لونين اجتمعا فيهما شريجان. وقوله غير ذاهب، غير صفة لدم، ويروى: مهرقاة غير ذهب، ويكون الجملة صفةلدم أيضاً. وقوله من يرتجيكم استفهام على طريق التقريع، وفيه معنى النفي، أي لا يرجوكم أحد. ومعنى دعت ويلها صاحت بالويل لي. وفي القرآن: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ". وقال طرفة بن العبد وفرق عن بيتيك سعد بن مالك ... وعمراً وعوفاً ما تشى وتقول وأنت على الأدنى شمال عرية ... شامية تزوى الوجوه بليل وأنت على الأقصى صبا غير قرة ... تذاءب منها مرزغ ومسيل وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل قوله ما تشى في موضع الفاعل لفرق. وما إن شئت جعلته بمعنى الذي، وصلته تشي، والضمير العائد من الصلة إليه محذوف كأنه قال: ما تشيه وتقوله. وإن شئت جعلت ما حرفاً ويكون مع الفعل في تقدير مصدر، ولا يحتاج إلى ضمير من

стр. 985

الصلة يعود إليه لكونه حرفاً، ويكون التقدير وشايتك وقولك. ويعني ببيتيك: أخواله وأعمامه. فيقول: فرق عن بيتي أهلك وذويك من قبل أبيك وأمك ما تأتيه من إبلاغات تتقولها، ونمائم تختلقها وتصنفها: سعد بن مالك وعمراً وعوفاً؛ وإنما يعني بهم أفخاذاً وبطوناً كان ضلعهم معهم، فلم يزل يسعى بالتحريش، ويمشي بالنميم، حتى فرق جمعهم، بما أوقع من الشر فيهم. وقوله وأنت على الأدنى شمال عرية، فالعرية: الباردة، ومنه قولهم: عرواء الحمى. فيقول: أنت على أقاربك في سوء اعتقادك لهم، وسوقك الشر إليهم، وجرك الجرائر عليهم، بمنزلة الريح الشمال الباردة، المرقة للوجوه، إذا هبت في الشتاء، ويصحبها بلل من المطر، وندى يقبض الجلد، ويجفف المفصل والوجه. وإنما قال شآمية، وإن كان الشمال لا تهب إلا من ناحية الشأم تأكيداً. وللصفات كما تجيء مفيدة مميزة تجيء أيضاً مؤكدة لا تفيد في الموصوف أكثر مما عرف فيه. وعلى هذا قد تجيء الأحوال أيضاً، لكونها صفات في الأصل. وقوله وأنت على الأقصى صبا غير قرة يريد أنه على الأجانب في تعطفه عليهم، والانطواء على الجميل لهم، بمنزلة ريح الصبا تهب ولا برد معها. وقد تذاءب منها، أي تسهل واضطراب من اجلها. والذئب فيمن همزه منه اشتق، لأنه كلما طرد من جانب يتسهل ويحصل من جانب آخر، لوقاحته. والمرزغ: الذي يأتي بالرزغة، وهي الوحل. والمسيل: المذيب للجامد. والمعنى: أنت للأجانب بمنزلة القبول التي ترزغ الأرض في مهلبها، وتسيل التلاع، وتبث الخير، وتوسع الخصب. وقوله وأعلم علماً ليس بالظن لما كان لفظة العلم قد يطلق على الظن الغالب، ليقامه مقام ماهو علم في الحقيقة، أكد قوله وأعلم بقوله ليس بالظن، وبين بهذا الكلام الخطأ فيما يأتيه المخاطب، وأنه إذا أقامت نفسه حظه من أقاربه وعشائره بسوء معاملته، فإنه لا يستفيد من الأجانب ما عند الحاجة يغنى، وإذا ذل أتباعه ولم يستبقهم لنفسه فالذل لاحق له، ومحتف به. وبهذا الخطاب نعى عليه فعله، وبين له سوء التقدير فيما اختاره، وفعل الغواية فيما اعتقده واعتاده. والضمير من قوله إنه للأمر والشأن، كأنه قال: وإن الأمر الحق إذا ذل ابن عم المرء فهو ذليل.

стр. 986

بشير ابن أبي جذيمة أتخطر للأشراف يا قرد حذيم ... وهل يستعد القرد للخطران أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها ... ولؤم بنى قرد بكل مكان لقد سمنت قعدانكم آل حذيم ... وأحسابكم في الحي غير سمان قوله أتخطر لفظ الاستفهام، والمعنى التبكيت. ولما كان المخاطب من بني قرد جعله قرداً في الحقيقة. والخطر: أصله إشالة الذنب من الفحل عند هياجه ومصاولته لفحل آخر، فاستعاره لفعل هؤلاء المخاطبين لما حدثوا أنفسهم بمباراة الأشراف ومساجلتهم. فيقول: أتحدث نفسك على باعك الضيق، وذنبك القصير، بمحاذاة الأشراف ومخاطرتهم، حتى تفعل ما يفعله الفحل في صياله؟ أنى لك ذلك، والقرد لا ذنب له يشاول به ويخطر؟ وهذا مثل، وفيه مع الإزراء تهكم. وقوله أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها رجع الضمير لإللا القبيلة بأسرها. وقوله ولؤم بني قرد الواو للابتداء ومفيدة للحال: والحال اشتهارهم باللؤم حتى لا يخفي أمرهم في جوانب أرضهم، وعند أعلام معارفهم. وقوله أبى قصر الأذناب تفسير لما أنكره بقوله: وهل يستعد القرد للخطران، وتفصيل لما أبهمه. وقوله لقد سمنت قعدانكم فالقعدان: جمع القعود، وهي الناقة تقتعد، أي تركب. وقوله آل حذيم إضافة لآل إلى حذيم إضافة البعض إلى الكل وكذلك في قوله ياقرد حذيم، يكشف لك أنه قال: ولؤم بني قرد بكل مكان. وإنما ينسبهم إلى حسن تفقدهم لأموالهم، وسوء إهمالهم لحسبهم، فقد سمنت إبلهم بحسن رعيتهم لها، وتوفرهم على إصلاحها، وترقيح هيشهم بتثميرها وتكثير نسلها، وأن

стр. 987

أحسابهم مضيعة مهملة، متروكة من التفقد بائرة، لا ترم فروعها، ولا تضبط أصولها، ولا يحفظ بحسن المراعاة من السقوط والرزوح هزيلها. وقال أبو منازل في ابنه جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاء كما يستنزل الدين طالبه تربيته حتى إذا آض شيظما ... يكاد يساوي غارب الفحل غاربه تغمد حقيظالماً ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه قوله جزت رحم دعاء على ابنه منازل. وجعل فعل الجزاء للرحم. والجازي هو الله تعالى، لأنه السبب في الجزاء، ولتكون الشكوى أبلغ، فيقول: جزى الله منازلاً على الرحم التي بيني وبينه وقد قطعها ولم يقم بحقها، جزاء يستوفى له وعليه ما يحق، كما يستنزل طالب ممن عليه الدين حقه. ثم أخذ يقتص مادار بينهما، وما أوجب عليه الفرض الذي ضيعه فقال: تربيته طفلاً وناشئاً، حتى إذا صار شاباً طويل القامة يكاد غاربه يساوي غارب الفحل، أي بلغ قامته قامة الفحل. والغارب: مقدم السنام. والشيظم: الطويل الغليظ. ويروى: لربيته، ويكون اللام جواب قسم انطوى عليه الكلام. ويقال: ربيته وربيته وتربيته بمعنى واحد. حتى إذا آض، أي إلى أن صار. وإذا جوابه قوله تغمد حقي يريد: لما بلغ هذا المبلغ ستر حقي ولم يف به، متعدياً طوره، وباخساً ما استوجبته عليه بالولادة والتربية، فلما جاذبته بلساني مد يده فلوى يدي، أي فتلها وأزلها عن حالها وهيئتها ثم قال داعياً

стр. 988

عليه: لوى يده الله، أي أشلها وأبطلها، وهو القادر على ذلك منه، والغالب له وعليه. وقال عارق الطائي والله لو كان ابن جفنة جاركم ... لكما الوجوه غضاضة وهوانا وسلاسلاً يثنين في أعناقكم ... وإذا لقطع منكم الأفرانا ولكان عادته على جاراته ... مسكاً وربطاً رادعاً وجفاناً لهذه الأبيات قصة طريفة، وأنا أذكرها بما عرض من السهو فيها. ذكر هشام الكلبي أن عمرو بن المنذر بن ماء السماء - وأمه هند بنت الحارث الملك - كان عاقد طيئاً ألا بغزوا ولا يفاخروا، فاتفق أن غزا عمرو اليمامة فرجع منفضاً، فمر بطيء، فقال زرارة بن عدس: أبيت اللعن، أصب من هذا الحي شيئاً. فقال: ويلك، إن لهم عقداً! قال: وإن كان، فإنك لم تكتب العقد لهم كلهم. فلم يزل به حتى أصاب نسوة وأذواداً، فقال في ذلك قيس ابن جروة الأجئى: ألا حي قبل البين من أنت عاشقة ... ومن أنت مشتاق إليه وشائقه - وستجيء الأبيات في هذا الباب من الاختيار من بعد، لكن في آخرها قوله: لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه فلقب يومئذ بعارق - فلما بلغ عمرو بن هند هذا الشعر قال له زرزارة: أبيت اللعن، إنه ليتوعدك على انتقامه بزعمه. فقال عمرو لثرملة بن شعاث الأجئي: أيهجوني ابن عمك ويتوعدني؟ فقال: والله ما هجاك، ولكنه قال: والله لو كان ابن جفنة جاركم ... ما إن كساكم غضة وهوانا وسلاسلاً يبرقن في أعناقكم ... وإذا لقطع منكم الأقرانا ولكان عادته على جيرانه ... ذهباً وريطاً رادعاً وجفافا

стр. 989

يعني بابن جفنة عمرو بن الحارث، وإنما أراد ثرملة أن يقبح عليه فعلته، ومع ذلك يذهب شخيمته على ابن عمه، فقال عمرو: والله لأقتلنه! فيلغ ذلك عارقاً فقال: من مبلغ عمرو بن هند رسالة ... إذا استحقبتها العيس تنضى من البعد وستجيء من بعد أيضاً إن شاء الله. قال الشيخ الإمام أبو علي ﵀: وإذا تأملت ما اقتصصت، بان لك أن هذه الأبيات التي أولها: والله لو كان ابن جفنة، ليس يهجو لابن جفنة وإنما هو مدح له، وقد عير بذكره عمرو بن هند، وأنه لو تولى من طيء ما تولاه عمرو بن هند كان معاملته إياهم بخلاف ما عاملهم به هو، فتصور أنها هجو لابن جفنة، وجعل بدل ما إن كساكم: لكسا الوجوه، وبدل قوله إذاً لقطع تلكم الأقرانا: منكم الأقرانا، وبدل قوله ولكان عادته على جيرانه: على جاراته، ومع هذه التغيرات ليس يخلص هجواً. قال أبو علي: وأنا أعود إلا عادتي من تفسيرها وشرح معانيها: قوله غضة فعلة من غض، والغضاضة والغض: الفتور في الطرف. ونصب قوله وسلاسلاً على المعنى، فهو من باب قول الآخر: يا ليت بعلك قد غدا ... متقلداً سيفاً ورمحاً لأن السلاسل لس من كسوة الوجوه، فكأنه قال: ما إن كساكم غضة ولا قلدكم إذا غلكم سلاسل تبرق في أسناقكم. وقوله يثنين نعناه يعطفن ويلوين. وإذا لقطع تلكم الأقرانا فالأقران الحبال، والواحد قرن. وإذا رويت يبرقن فالمعنى ظاهر. ويشير إلى ما لحقهم من جهة عمرو بن هند. وقوله إذا أجاب لو بإذا كما أجابه باللام من قوله لكسا وبما على الأصل الأول. ومعنى لقطع تلم الأقرانا أي لو كنتم مأسورين لكان يفكم، ويقطع تلك الحبال التي صارت إساراً لكم. وإذا روى وإذا لقطع منكم الأقرانا كان معنى البيت: يشدكم في السلاسل ويبدد جمعكم. وقوله ولكان عادته على جيرانه، يريد أنه يفعل خلاف ما فعله عمرو بن هند، لأن

стр. 990

عادته في الجيران أن يمولهم ويصلهم، ويبرهم ويخلع عليهم، ويقريهم ويمونهم. وعلى الرواية الثانية يرميه ويقذفه بالجارات، ومعنى ذلك ظاهر. والرادع: المتغير اللون بالطيب والخلوق. ويقال: تردع بالخلوق، إذا تلطخ. وقال آخر: زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف أولئك أومنوا جوعاً وخوفاً ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا يخاطب بني أسد ويكذب دعواهم في انتمائهم إلى قريش، وتنسهم بالقربى والقرابة منهم، فقال: ادعيتم أن قريشاً إخوتكم، وسيماء الكذب ظاهرة علة هذه الدعوى، لأن لقريش إيلافاً في الرحلتين المعروفتين للتجارة، وليس لكم ذا؛ وقد آمنهم الله تعالى من الجوع والخوف، وأنتم خائفون جائعون. وإنما يشير إلى السورة المنزلة: لإيلاف قريش إيلافهم. رحلة الشتاء والصيف ... إلى آخرها. ويقال: ألف يألف إلفاً وإلافاً، وآلف يولف إيلافاً. وقال آخر: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... منى وما سمعوا من صالح دفنوا صم إذا سمعوا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا جهلاً على وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن انتصب فرحاً على انه مفعول له، وكان الواجب أن يقول: يطيروا بها فرحاً، لأنه لا يجوز أن يعمل حرف الشرط في الشرط بالجزم ويجعل الجواب فعلاً ماضياً في الكلام، وإن كان يجوز في الشعر. ومعنى البيت الأول أنهم إذا رأوا حسنة كتموها، وإذا رأوا سيئة أظهروها. وقوله منى أراد من جهتي. ومعنى طاروا بها أي كثروها في الناس وأذاعوها، ووصلوا القيام بالقعود في نشرها. وهذا ما ذكره من الدفن في قوله وما سمعوا من صالح دفنوا في المعنى.

стр. 991

وقوله صم إذا خيراً ارتفع صم على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم صم، أي يتصاءمون عما أنسب إليه من الخصال الصالحة. ويقال للمعرض عن الشيء: هو أصم عنه. على ذلك قوله: أصم عما ساءه سميع قال: ومتى ذكرت بشر أدركوه وعلموه. ويقال: أذن يأذن أذناً. قال: بسماع يأذن الشيخ له ويجوز أن يكون اشتقاقه من الأذن الحاسة. وانتصب جهلاً لأنه مصدر لعلة. ينسبهم إلى أنهم مع الأقارب يستعملون الجهل والحسد عليهم ومعهم، وأنهم جبناء عن الأعداء ضعفاء عجزة إذا طلب كفايتهم، لا يصلحون لدفع مكروه، ولا لجلب محبوب. ثم سوأ عليهم فعلهم فقال بئست الخصلتان جهلهم على أقاربهم، وجبنهم عن أعاديهم. وهذا تأكيد في التعبير، ومبالغة في التقريع. وقال منصور بن مسجاح ثأرت ركاب العير منهم بهجمة ... صفايا ولا بنيا لمن هو ثائر من الصهب أثناء وجذعنا كأنها ... عذارى عليها شارة ومعاصر قوله ركاب العير يروى ركاب القوم. وأراد بالعير السيد، وكان استيق لرئيسهم إبل فارتجع بدلاً منها على ما وصفه. ومعنى ثأرت ركاب العير أي أدركت الثأر فيها منهم بأن أخذت هجمة من الإبل - وهي المائة وما داناها - غزاراً سمينات، والثأثر ليس من حقه أن يبقى، والأصل في الثأئر القاتل، فوضعه موضع الواتر المنتقم. يقال: ثأرت فلاناً وثأرت بفلان، إذا قتلت قاتله. وقوله من الصهب أثناء وجذعنا، هذا تفسير للهجمة، وتفصيل للجملة، يريد: من الإبل الصهب. والصهبة: حمرة يعلوها بياض. وتعلق من بقوله هجمة.

стр. 992

وأثناء: جمع ثنى. والجذع: جمع جذع، وهو كخشب وخشب. والحجة في أن العير السيد قوله: زعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا وأنا الولاء وهذا أحد الوجوه التي قيل فيه. وقوله كأنها عذارى يعني حسنها، زالمعاصر: جمع المعصر، وهي من النساء التي شارفت الإدراك والبلوغ. قال: قد أعصرت أو قد دنا إعصارها والشارة: الهيئة. ويقال: رجل شير صير، من الصورة والشارة. فإن نلق من سعد هنات فإننا ... نكاثر أقواماً بهم ونفاخر لقد كان فيكم لو وفيتم لجاركم ... لحي ورقاب عردة ومناخر بين أن الذين أدرك منهم ما أدرك هم بنو سعد. وهذا الكلام تهكم وسخرية. كأنه يريد: إن اتفق من سعد الزلة بعد الزلة، والسقطة المنكرة بعد السقطة، فإنا على ذلك نكاثر بهم الأعداء. ونفاخر بمكانهم. ثم أقبل عليهم وقد نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب، فقال: لو رمتم الوفاء لجاركم، ولم تطعموا في ماله لقرب ذاك عليكم، فإن آلات الوفاء معدة فيكم: لحي موفورة، ورقاب غليظة، ومناخر واسعة منتفخة. وقال حواس الضبي لامرأة والله ما أخشى حكيماً ورهطه ... ولكنما يخشى أباك حكيم

стр. 993

وجدت أباك تابعاً فتبعته ... وأنت لعهار الرجال لزوم رمى المرأة المخاطبة وقذفها بحكيم، فقال لها معيراً ومشهراً بها: إني لا أخاف صاحبك حكيماً ولا عشيرته، ولا أحتشمهم فيك، ولكن حكيم يخشى أباك لاجتماعه معك على الفاحشة. ثم قال: تعاطيك الفجور وراثة، لأنك وجدت أباك في الأبنة تابعاً لسلفه فيها، فاقتديت به، فهو يطلب من يشفيه من دائه، وأنت أيضاً شديد اللزام للزناة والفساق، والولد يتقيل أباه. على كل وجه عائذي دمامة ... يوافي بها الأحياء حين تقوم وأورثها شر التراث أبوهم ... قماءة جسم والرداء ذميم تعداهما إلى فصيلتهما بل قبيلتهما فقال: على وجه من بنى عائذة قبح وخزى، إذا قامت أحياء العرب في أسواقهم ومجامعهم يوافيهم به. والمعنى أنهم مشهورون باللؤم ودناءة النفوس، فوجوههم مسودة بالعار، مشوهة بسوء الفعال عند القبائل، فمتى وافوا يوماً مجموعاً فيه الناس وجد آثار الخزى، وغضاضة الطرف للخزاية، تلوح على صفحات وجوههم. ودمامة الوجوه ضربها مثلاً لذلك. وقوله: وأورثها، يريد أن اللؤم فيهم وراثة، وقد عرفوا ذلك من أنفسهم واعترفوا به، فترى أجسامهم في المحافل والمشاهد قميئة تصاغراً وتذللاً، وتقاصراً وتخشعاً. وقد رداهم الله برداء أعمالهم من الغدر والخيانة، والغلول والسفاهة؛ فرادؤهم مذموم في الألسنة عند الخاصة والعامة. ويجوز أن يكون المراد أن سيماهم كالرداء عليهم، فهم مذمومون لها وعليها، ويروى: والرواء دميم، يعني قبح الطلعة. ودميم: اسم الفاعل من دممت دمامة. وفعلت في المضاعف قليل. والرواء يجوز أن يكون فعالاً من الرؤية، ويجوز أن يكون من الري. كأن خروء الطير فوق رءسهم ... إذا اجتمعت قيس معاً وتميم متى نسأل الضبي عن شر قومه ... يقل لك إن العائذى لئيم لما كان يوصف الوقور المتثبت في الأمور إذا حصل مع أشباهه من أهل الأناة والرفق والرزانة وسكون الجأش في منتدى لهم، وتناجوا وتشاوروا، أو حضروا في

стр. 994

مجلس محتشم فتجاذبوا وتناظروا، بقولهم: كأن على رءوسهم الطير، وهذا التشبيه إنما حصل على أنهم من السكون ومفارقة التعجل بمنزلة من على رأسه طير فيخاف في تحركه ذهابها وطيرانها؛ ولما كان هذا الشاعر يهجو بني عائدة ويهزأ بهم، جعل بدل ذلك القول كأن خروء الطير فوق رءوسهم. وقوله إذا اجتمعت قيس معاً وتميم بيان لاختلاطهم بأهل الحل والعقد من وجوه القبائل ورؤساء المحافل. وكان الحكم أن يقول: إذا اجتمعت قيس وتميم معاً، فقدم معاً لأن العاطف ينبه على موضع المعطوف. وقوله متى تسأل الضبي عن شر قومه، يروى: عن سر قومه، وهو حسن، والمعنى أنهم لئام باعتراف من قومهم به، واتفاق منهم عليه، لكنهم يسرون أمرهم ويخفونه. وقال محرز بن المكعبر الضبي أبلغ عدياً حيث صار بها النوى ... وليس لدهر الطالبين فناء كسالى إذا لاقيتهم غير منطق ... بلهى به المتبول وهو عناء أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المنبئون أساءوا يقول: أد إلى بني عدي رسالتي حيث استقرت بها النوى بأن زمن طلاب الأوتار فيما عليهم من إدراك الثأر قد اتصل وامتد، فليس ينقطع لكسلهم عن السعي في ردء المغار عليه، واستيطائهم مراكب العجز عن نصرته، غير مواعيد خالية من الفعل يقربونها، وأقوال مزخرفة عند الالتقاء يبذلونها، إذا اعتمدها الموتور انصرف بها مغروراً، فكانت عند السامعين لها ضلالاً وبوراً، وعناء للقلوب والجوارح، لا يحلى منه بطائل، ولا يرجع على أحد بعائد. هذا وأنا أحسن أمركم، وأقول لمن يسأل عن أخبارنا وأخباركم: إنهم قد وفوا بالعهد، وأدوا مالزمهم من النصرة بحق الجوار والعقد، لكن للأمور أوقات، وللأقضية آجال وآماد، فينثنى الذم عنكم، وينحط العار دون فنائكم، ولو شئت لقال السائل والسامع: أساؤا حين بدلوا الخفارة بالإخفار، وضيعوا الحقوق بالتقصير والإقصار: وقوله أن قد وفيتم أن فيه مخففة من الثقيلة

стр. 995

واسمه مضمر، وهو ضمير الأمر، والجملة في موضع الخبر. وقوله غير منطق انتصب على أنه استثناء خارج. ويلهى به من لهوت عن كذا ولهيت، ألهو لهواً، وألهى لهيا، إذا انصرفت عنه. والمتبول: المصاب بذحل وتبل. لهم رثية تعلو صريمة أمرهم ... وللأمر يوماً راحة فقضاء وإنى لراجيكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء الرثية: الضعف. والصريمة: ما يقطع من العزيمة ويجزم إمضاؤه بعد العقيدة، فيقول مصوراً حالهم في التفريط والإهمال: متى هموا بإنفاذ عزائمهم، وتشديد شكائمهم، وإنجاز ما يتنجز عليهم من مواعدهم، أو يهتمون لرحض درن العار عن شيمهم وأخلاقهم، ولسد طريق العار والتعبيرعن مذاهبهم وأفعالهم، علا همهم وهمتهم وهن وفشل، وملك قيادهم ومقودهم ضعف وكسل. ثم أخذ يتهكم ويهزأ فقال: والمرء في أمره يمضي يوماً ويكف يوماً، فما يجبر كسر التعب إلا التعب ما يتعقبه من الراحة. وقوله فإنى لراجيكم على بطء سعيكم، يريدأنهم على تباطئهم وتأخر فعالهم عن مقالهم مرجوون، كما أن الحاملات على تأخر وضعهن مرجوات، فأنا ناظر في أعقاب الأمل متى يتحقق. وقوله فقضاء أي فقضاء يوماً آخر. وقوله كما في بطون الحاملات رجاء أي أرجوكم مثل ذلك الرجاء. فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء لهم أذرع باد نواشر لحمها ... وبعض الرجال في الجروب غثاء كأن دنانيراً على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء هذا الكلام بعث وتحضيض. وهلا: حرف إغراء وتحضيض. وذكر بني مازن تحريكاً منهم، وليوجعهم بتفضيل غيرهم عليهم. وقوله وهل كفلائي، فالكفيل: الضامن للشيء: وهذا المصراع التفات، كأنه لما هجن فعلهم وقرعهم، وأطرى غيرهم مؤثراً عليهم. التفت إلى من حوله فقال: وهل ضمنائي مستوون في الوفاء

стр. 996

فأجريهم مجرى واحداً. وهذا أبلغ من كل نكير، ومن كل هجو فظيع. وسواء وإن كان في الأصل مصدراً؛ فقد صار هنا كأسماء الفاعلين لنيابته عنها، لذلك صح أن يعمل في الظرف قبله وهو قوله في الوفاء، لأن المصادر لا تعمل فيما قبلها إلا إذا أمر بخا، كقولك: صرباً زيداً، أو إذا أجرى هذا المجرى. وقوله لهم أذرع صفة للعصبة المازنية. وهم يتمدحون بالهزال. والنواشر: عروق ظاهر الذراع. وقوله وبعض الرجال في الحروب غثاء، تعويض بالآخرين، وهم بنو عدى. والغثاء: ما يعلو السيل من الغثر والزبد. والمعنى: بعضهم لاغناء عنده ولا كفاية، كيبيس النبات وقد احتمله الماء. وقوله كأن دانيراً على قسماتهم، القسمات: الوجوه، وقيل هي مجاري الدموع. ويقال: وجه مقسم، أي حسن، والقسامة: الحسن. ومرجعه إلى القسمة، كأنه مسح كل جزء من الوجه بقسم من الجمال، فتعادلت الأجزاء وحسنت. وقوله وإن كان قد شف الوجوه لقاء تعريض أيضاً، والمعنى أن وجوههم تشرق في الحرب وتضيء، إذا صارت وجوه غيرهم مشفوفة متغيرة. ويقال: شفة المرض، إذا أذابه وهزله. وذكر الدنانير في إثبات ماء الوجه ونضارة الحسن قد جاء في النسيب، ألا ترى قوله: النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم وقال شمعلة بن الأخضر وضعنا على الميزان كوزاً وهاجراً ... فمالت بنو كوز بأبناء هاجر ولو ملأت أعفاجها من رثيئة ... بنو هاجر مالت بهضب الأكادر ولكنما اغتروا وقد كان عندهم ... قطيبان شتى من حليب وحازر هذا الكلام هزء وسخرية. فيقول: نظرنا ما بين كوز وهاجر بالمقياس القائم، والميزان الحاكم، فوجدنا كفة بني كوز أرجح وأوزن، ولو علمت بنا وبفعلنا لملأت

стр. 997

بطونها من الرثيئة، فزادت زنتها على هضاب الأكادر، لكنها أصيبت غفلتها، وفوجئوا بالوزن قبل الشرب والامتلاء، والتجرد للأمر والاستعداد، وكانت الحال مساعدة، وأنواع الحليب ممكنة، وذاك أجلب لحسرتهم، وأدعى إلى ندامتهم. والأعفاج: الأمعاء، والواحد عفج. ويقال: اغتر فلان، أي أخذ على غرة. والقطيب: الممزوج. والحازر: الجامض. والرثيئة: المجموع من الحازر والحليب. وقد رماهم بأن طعامهم ذلك لا غير. وقال قرواش بن حوط الضبي نبئت أن عقالاً ابن خويلد ... بنعاف ذي غذم وأن الأعلما ينمي وعيدهما إلى وبيننا ... شم فوارع من هضاب يرمرما الأجود في العلموقد وصف بالابن أو الابنة، إذا كانا مضافين إلى علم، أو ما يجري مجراه، ترك التنوين فيه. وقد نون هذا نون هذا الشاعر عقالاً، وإذ قد فعل ذلك فالأجود ابن خويلد أن يجعل بدلاً، ويجوز أن يجعل صفة على اللغة الثانية. والنعاف: جمع نعف، وهو المكان المرتفع في اعتراض، وأعلى كل شيء؛ ومنه مناعف الجبل. والأعلم: اسم رجل، وأعاد أن معه توكيداً، والخبر قوله ينمي، والعامل فيه أن الأولى، لأن الثانية لا يعتد بها عاملاً إن كان مؤكداً. ومثل هذا قول الحطيئة: إن العزاء وإن الصبر قد غلبا ويكون على هذا الألف في غلبا ضمير المثنى. والشم: الجبال المرتفعة. والفوراع: العوالي. ويلملم: علم لجبل، ويروى: يرمرم. غضا الوعيد فما أكون لموعدي ... قنصاً ولا أكلاً له متخضماً ضبعا مجاهرة وليثاً هدنة ... وثعيلبا خمر إذا ما أظلما

стр. 998

لا تسأما لي من دسيس عداوة ... أبداً فليس بمسئمى أن تسأما يقول: أقصرا إليكما من تهددكما، فإني لا أحتفل بكما ولا بوعيدكما، ولا أصطاد بإرعادكما وإبراقكما، ولا أصبر مأكلة لأحد فيأكلني بفمه كله خضماً كما يؤكل الرطب اللين، لا قضماً. ثم أخذ يعدد مخازيهما فقال: عند المكاشفة والملاقاة تخبثان وتحمقان، خبث الضبع وحماقته، وعند الاصطلاح والهدو تشجعان وتقدمان إقدام الأسد وشجاعته، وفي ظلام الليل تسرقان وتحتالان على الناس، وتراوغان مراوغة الثعلب وسرقته. والخمر: ما واراك من شجر وغيره. وإذا ما أظلما أي دخلا في الظلام. والعامل في إذا ما دل على جوابه وقد تقدمه. وقوله لا تسأما يقول: لا تملأ مداجاتي وطلب الغوائل لي في السر وبظهر الغيب، فإني لكما على مثل حالتكما لي، ولا تفترا عنه فإني لا أفتر ولا أمل وإن مللتما أيضاً، فإن ملالكما لا يكسبني فتوراً ولا إمساكاً. والدس: إدخالك شيئاً تحت شيء، وهو الإخفاء. وفي القرآن: " أم يدسه في التراب " والداسوس والجاسوس يتقاربان. ويروى: من رسيس عداوة، ويكون مثل رسيس الحمى والهوى ورسهما، لما يبدأ منهما. وموضع أن تسأما من الإعراب رفع على أن يكون اسم ليس، كأنه قال: ليس بمسيئي سأمتكما فهو كقولك: ليس بمنطلق عمرو. وقال سويد بن مشنوء ذرى عنك مسعوداً فلا تذكرنه ... إلي بسوء واعرضي لسبيل نهيتك عنه في الزمان الذي مضى ... ولا ينتهي الغاوي لأول قيل قوله ذرى؛ أي دعى. والأمر يبني على المستقبل، وهو يذر، وقد استعمل. فأما وذر فمن المرفوض استعماله استغناء عنه بترك. وقوله: لا تذكرنه إلي كسر الراء منه لأنه مخاطبة مؤنث، والأصل تذكرينن، فحذف النون الأولى للجزم، ثم حذف الياء لالتقاء الساكنين، فصار تذكرن. والمعنى: لا ينتهين ذكره إلى، ولا يتجاوزن ذكره إلي بسوء. فعدى تذكرن تعدية تتجاوزن إلي، حملاً على المعنى. ومما

стр. 999

جاء على هذا قوله: إذا تغنى الحمام الورق هيجنى ... ولو تعزيت عنها، أم عمار عدي هيجني تعدية ذكرني، لأنه في معناه. وهذا كما يحملون في التعدية النقيض على النقيض، كقوله: إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها عدي رضيت تعدية غضبت لأنه نقيضه، كما عدي هيجني تعدية ذكرني لأنه نظيره. وكما حكى: قد قتل الله زياداً عني عدى قتل تعدية صرف. وقوله نهيتك عنه، يقول: كنت أحذرك عنه فيما سلف من الزمان وتقضى، لكن الجاهل لا يرتدع للزجرة الأولى حتى يردع مرة بعد أخرى. وهذا مثل، أعني قوله: ولا ينتهي الغاوي لأول قيل وقوله واعرضي لسبيل أي إلى طريق غيره، واذكريه بسوء. ويقال: لا تعرض عرضه، أي لا تذكره بسوء. وقال معدان بن عبيد عجبت لعبدان هجوني سفاهة ... أن اصطبحوا من شأنهم وتقيلوه بجاد وريسان وفهر وغالب ... وعون وهدم وابن صفوة أخيل فأنا الذي يحصيهم فمكثر ... وأما الذي يطريهم فمقلل يقال: عبدو أعبدو وعباد وعبيد وعبدي وعبدان ومعبوداء ومعبدة وعبد. فيعض هذه الأسماء مما صيغ للجمع، وبعضها جمع في الحقيقة. وانتصب سفاهة لأنه

стр. 1000

مفعول له. وهم يكنون عن اللئام بالعبيد والعبدان، وبالقزم والقزمان. وأن اصطبحوا يريد لأن اصطبحوا، أي شربوا الصبوح، وهو ما يشرب صباحاً. والقيل، وهو شرب نصف النهار. وكما قال تقيلوا، يقال تصبحوا أيضاً. والمعنى عدوا طورهم فهجوني، لأنهم رأوا بأنفسهم ما لم يعهدوه. فطغوا عند الغنى، وأصابوا من شائهم الصبوح والقيل، بعد أن كانوا كلاً على غيرهم. ثم ذكرهم بأسمائهم تخضيعاً وتشنيعاً. ويرتفع بجاد إن شئت على الاستئناف، يريد: هم بجاد وريسان؛ وإن شئت على البدل من المضمرين في قوله اصطبحوا. وقال من بعد: من يعدهم يكثر لوفور عددهم، ومن يئنى عليهم يقلل لقلة من يستحق الثناء فيهم ومنهم. ويجوز أن يكون أن من قوله أن اصطبحوا أن المفسرة، كأنه فسر لم طغوا فهجوه. وقال يزيد بن قنانة لعمري وما عمري على بهين ... لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم غداة أنى كالثور أحرج فاتقى ... بجبهته أقتاله وهو قائم كأن بصحراء المريط نعامة ... تبادرها جنح الظلام نعائم أعارنك رجليها وهافي لبها ... وقد جردت بيض المتون صوارم قد مضى الكلام في قوله لعمري. وقوله وما عمري على بهين تحقيق لليمين، وأن عمره ليس يهون عليه فيحلف به كاذباً. وفي الكلام إزراء بالمخبر عنه.

стр. 1001

وقوله المدعو بالليل كثير من النحويين يذهبون في مثله إلى أنه بدل لا صفة، لأن نعم وبئس يرفعان من المعارف ما فيه الألف واللام ودل على الجنس؛ وما يدل على الجنس لا يتأتى فيه الوصفية. والصواب عندي تجويز كونه وصفاً، بدلالة أنه يثنى ويجمع، فيقال: نعم الرجلان الزيدان، ونعم الرجال الزيدون، والتثنية والجمع أبعد الأشياء من أسماء الأجناس، إلا إذا اختلفت، فكما يجوز تثنية هذا وجمعه لدخول الأختلاف فيه، كذلك يجب أن يجوز وصفه لمثل هذه العلة، ولا فصل. وإذا كان كذلك كان قوله الدعو بالليل صفة للفتى، كأنه قال: مذموم في الفتيان المدعوين بالليل حاتم. وهذا ظاهر. وذكر الليل لشدة الهول فيه. وقوله غداة أتلى كالثور يعني حاتماً، وإنما يهزأ به. ومعنى أحرج: ضيق عليه وأخرج من عادته فأحوج إلى أن يعيث. والأقتال: الأقران والأعداء، والواحد قتل، فيقول متهكماً: جاء كالثور الهائج غضباً وحمية، وقد بان له من طلابه ترك الإبقاء عليه، فجعل بينه وبين أقرانه قرنية يتقيهم بهما، وييعدهم الشر بإعمالهما، فهو ثابت القدم متهيء للقتال. هذا كان حاله في المجيء، فلما جاء وقت الدفاع والمصادمة، والقراع والمكافحة، انهزم فكأن نعامة سابقها حين جنح الظلام نعائم إلى أداحيها، أعارت حاتماً رجليها وطائر قلبها، وهو يعدو مذعوراً، ويطلب النجاء مفلولاً، وقد جردت السيوف من أغمادها، وصار الأمر في الطلب والهرب جداً. وإنما قال أعارتك رجلها لأنه نقل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب. وقال عارق وهو قيس بن جروة الطائي من مبلغ عمرو بن هند رسالة ... إذا استحقبتها العيس تنضى من البعد أيوعدني والرمل بيني وبينه ... تبين رويد ما أمامة من هند ومن أجأ حولي رعان كأنها ... قنابل خيل من كميت ومن ورد كان عمرو بن هند غزا اليمامة على ما حكيت من قصته فيما تقدم، فأخفق ورجع منفضاً. فمر بطيىء، وكانوا في ذمته بكتاب عقداً كتبته لهم، وعهد أحكمه

стр. 1002

معهم، فقال زرارة بن عدس له: أبيت اللعن، أصب من هذا الحي شيئاً. قال: ويلك إن لهم عقداً لا يجوز لنا تخطيه. فأخذ زرارة يهون أمر العهد عليه، ويحسن الإيقاع بهم؛ فلم يزل يفتل في الذروة والغارب معه لشيء كان في نفسه على طيىء حتى أصاب أذواداً ونساء، فهجا عارق عمرو ابن هند بأبيات يعصب رأسه فيها بالغدر الذي كان منه، فوقعت الأبيات إلى عمرو بن هند، فتوعد عارقاً وحلف أنه يقتله، فاتصلت مقالته بعارق فقال هذه الأبيات. ومعنى استحقبتها حملتها في الحقائب. وجعل الفعل للعيس اتساعاً. ومعنى تنضى: تهزل، لبعد المسافة. وقوله أيوعدني استفهام على طريق التقريع لعمرو، واستعظام منه للأمر. والمعنى أنه لا ينالني مع حصانة حبلى ودارى، ولا يتمكن مني على بعد طرقي وأرضي، فلينظر برفق، وليميل بين أمه وأمي، وليكن التعلي والتوعد بمقدار فضله وقدرته. وذكر الأم إظهار لقلة المبالاة، وأنه يجسر على تناول الحرم منه باللسان. وقوله ومن أجأ حولي رعان أجأ: أحد جبليهم. والرعان: جمع رعن، وهو أنف يتقدم من الجبل. والمراد بيان حال جبلي طيىء في وثاقتهما وحصانتهما، وأمن من ينزل بهما، وأن رعانه كأنها جماعات أحاطت بالجبل وأحدقت، فهي تذب عنها كمتاً وورداً. وذكر القنابل في التشبيه، والعز بأربابها يحصل. غدرت بأمر كنت أنت اجتذبتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد وقد يترك الغدر الفتى وطعامه ... إذا هو أمسى جله من دم الفصد يروى: أنت احتديتنا، وهو افتعل من الحدو: السوق. واجتذبتنا، من الجذب. ويروى: أنت دعوتنا. والشاعر يشير إلى ما كان في يد طيىء من عقد الجوار وكتاب العهد، فيقول: كنت أنت الباني لذلك، والمؤسس لمناره، فأبيت إلا أن تنقضه، وبئس العادة الغدر مع العقود، ونكث عرى العهود. والفتى قد يؤثر الإقامة على الوفاء مع الإضافة، وشدة الفاقة، ويطلب اكتساب المحمدة، وإن كان مسكيناً ذا متربة، حتى إذا أمسى يكون جل طعامه فيصيد الدم. ويروى: إذا هو أمسى حلبة من دم الفصد؛ والأول أحسن.

стр. 1003

ويرتفع جله على أنه مبتدأ ثان، والجملة خبر المبتدأ الول، وهو طعامه. وينتصب إذا من قوله جله من دم الفصد، لأنه الدال على جوابه. وقال آخر: لعمري وما عمري على بهين ... لقد ساءني طورين في الشعر حاتم أيقظان في بغضائنا وهجائنا ... وأنت عن المعروف والبر نائم بحسبك أن قد سدت أخزم كلها ... لكل أناس سادة ودعائم فهذا أوان الشعر سلت سهامه ... معابلها والمرهفات السلاجم أقسم بحياة نفسه، وخبر المبتدأ محذوف، والمراد: لعمري ما أقسم به؛ لأن اللام منه لام الابتداء، وجواب القسم لقد ساءني. وقوله ما عمري اعتراض، وقد مر القول في فائدته. والطور: التارة. أي تعرض لي مرتين بما ساءني. ثم أقبل عليه فقال: أيقظان؟ والمعنى: أأنت يقظان، أي منتبه في هجونا وبغضنا وعدواتنا، ونائم عن الخير والإحسان، وإسداء المعروف والبر والإفضال؟! ثم أخذ يهزأ به فقال: بحسبك. والمراد حسبك، لكنهم يزيدون الباء في المبتدأ، نحو قولك: بحسبكأن تفعل كذا، وفي الخبر أيضاً يزيدون، نحو قوله: ومنعكها بشيء يستطاع أي شيء يستطاع. وهذا أحد ما قيل فيه، وقال آخر: بحسبك في القومأن يعلموا ... بأنك فيهم غنى مضر والمعنى: كافيك أن ترأست على أخزم، وأخزم: رهط حاتم. ثم أزرى برياسته وبهم، فقال: ولكل طائفة من طوائف الناس رؤساء وعمد، وهذا يجري مجرى الالتفات. كأنه بعد ما قال ذلك التفت إلى من حوله يؤنسهم ويقول: ليس ذا بمنكر، فلكل قوم من يسوسهم ويدعمهم.

стр. 1004

وقوله فهذا أوان الشعر سلت سهامه، يعني شعره. فيقول: لكل زمان شيء يظهرفيه ويغلب، وزماننا هذا مع قرضك للشعر زمان الشعر، وقد انتزعت سهامه من كنايتها بعد أن نثرت، فجرت للرمي بها معابلها، وهي العراض، وسلاجمها وهي الطوال. المرهفات: المرفقات الحد. والمراد بهذا التنويع فنون الشعر وأساليبه. أي أنت فيه ذو فنون، والمعبل: الذي معه معابل. وعبلته: أصبته بمعبلة. وقال رجل من طيىء إن امرأ يعطي الأسنة نحره ... وراء قريش لا أعد له عقلا يذمون لي الدنيا وقد ذهبوا بها ... فما تركوا فيها لملتمس ثعلا وصف الأمراء الذين أشار إليهم بسوء المحافظة، وذهابهم عن معرفة الحقوق ومراعاتها، وإنزال الموالين منازلهم فيها فقال: إن من يغتربكم بعد هذا الوقت واعتمدكم، فبذل نفسه وراءكم للمتالف، وركب في هواكم المعاطب، لا عقل له ولا أرى. ثم بين ما أشكاه منهم، وسوأ معاملتهم فقال: يذمون الدنيا لي، ويزهدونني فيها وفي الأخذ منها، وقد فازوا بها حتى لم يبقوا فيها فضالة لأحد، أي تغبروا كل محلوب فيها، ولم يبقوا في ضروعها شيئاً حتى لم يتركوا ثعلاً فيها. وهذا مثل، والثعل هو الطبي الزائد، والسن الزائدة. ويقال: ثعلت سنه. وشاة ثعول: لها ثعل. وذكر بعض أهل اللغة أن الثعلول من الشاء: التي يمكن أن يحلب من ثعلها أيضاً. وقوله وراء قريش يكون وراء بمعنى خلف وقدام، والأولى به هنا أن يكون بمعنى قدام. ومثله في القرآن: " وكان وراءهم ملك ". وقال رويشد وموقع تنطق غير السداد ... فلا جيد جزعك يا موقع فما فوق ذلتكم ذلة ... ولا تحت موضعكم موضع

стр. 1005

موقع: قبيلة. يريد أنهم يتكلمون بالفحش وغير الصواب، لسفهها وسوء تمييزها، ثم دعا عليها، فقال: لا مطر جانبك وفناء واديك بالجود، ولا أصابكم خصب. وقوله فما فوق ذلكتكم طابق بتحت وفوق فيه، وهو غريب حسن. يريد: لا مرتبة في الذل أعلى من مرتبتكم، فإنها الغاية القصوى؛ ولا موضع أشد تأخراً وانحطاطاً في العز من موضعكم، فإنه المنزل الأخس الأدنى. وقوله غير السداد، يريد به تنطق النطق غير السداد. ويقال: جيد جوداً، في المطر، وتوسع فيه فقيل: ومجود من صابات الكرى ويقال جيد جواداً، إذا عطش. وقال جابر أجدوا النعال بأقدامكم ... أجدوا فويها لكم جرول وأبلغ سلامان إن جئتها ... فلا يك شبهاً لها المغزل يكسى الأنام ويعرى استه ... وينسل من خلعه الأسفل يقول: استجدوا النعال لأقدامكم، أو في أقدامكم استجدوها يا جرول، ويهاً لكم. وإنما كرر الأمر تأكيداً للقول عليهم. ويقال في الدعاء: أبل وأجدد. وويهاً: اسم من أسماء الأفعال يعرى به، ولا يحىء إلا منوناً، وذاك علامة لتنكيره. وإنما قلنا هذا لأن في أسماء الأفعال ما ينكر ويعرف. ومنه ما لا يجيء إلا منكوراً. ومثل ويهاً إيهاً، ويستعمل في الكف، وواها وهو للتعجب، وكل ذلك يجيء منونة منكرة. وجرول: اسم رجل. وجعل أول الكلام خطاباً لجماعتهم، ثم خص بالنداء واحداً منهم وحعله المأمور بما أراد. ألا ترى أنه قال: وأبلغ سلامان إن جئتها. وسلامان: قبيلة. ومثل هذا التخصيص قول الهذلي: أحيا أباكن يا ليلى الأماديح

стр. 1006

فقال: أباكن، ثم قال: يا ليلى، وهذا التخصيص مثل التخصيص الذي في قوله تعالى: " حافظواعلى الصوات والصلاة الوسطى "، ومااشبهه. وقوله فلا يك شبهاً لها المغزل، لو قال لكمم لساغ، لأنهم يفتنون في مثل هذا الموضع بين الخطاب والإخبار؛ على هذا قول الله تعالى: " وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله "، قرىء: " لا يعبدون " بالياء والتاء فالتاء للخطاب، والياء للإخبار. والرسالة التي يريد إبلاغها قوله: فلا يك شبهاً لها المغزل والمعنى لا يكونن سبيلكم سبيل من يتبع الغير ويضر نفسه، كالمغزل الذي يكسى الخلق ويجعل استه عريان. وهذا مثل. وكما ضرب المثل بالمغزل ضرب أيضاً له بالسراج فقيل: ولا تكونن ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق فأما قوله وينسل من خلعه الأسفل، فإنه كان يروى: من خلفه وليس يصح له معنى. والمستقيم كما روينا: من خلعه الأسفل. وذاك أن المغزل ينسل أسفله بأن يختلع كبته، وهذا ظاهر. وكأن سلامان كانت تقتحم أهوالاً غنمها يصير لغيرها، وغرمها يكون لها، فلذلك جعل المغزل مثلاً له. فإن بجيراً وأشياعه ... كما تبحث الشاة إذ تذأل أثارت عن الحتف فاغتالها ... فمر على حلقها المغول وآخر عهد لها مونق ... غدير وجزع لها مبقل قوله كما تبحث الشاة محمول على المعنى، لأن المعنى أن بحث بجير وأشياعه كبحث الشاة في ذألاتها، وهو جنس من عدوها، وذاك لأنه يشبه الحدث بالحدث، والذات بالذات، وإذا كان كذلك فقوله إن بجيراً حذف المضاف منه، لأن القصد تشبيه البحث بالبحث. وفي المثل: حتفها تحمل ضان بأظلافها، وكما

стр. 1007

تبحث الشاة عن مديتها ولا تكن كالباحث عن الشفرة، وإنما ينهي بهذا من يجني على نفسه فيما يأتيه، ويسعى في إهلاكه برجله، فيقول: لا يكونن سبيله سبيل الشاة التي كشفت عن المدية، وقد استترت عن الذابح، بظلفها، حتى ذبحت بها. ومعنى أثارت عن الحتف، أثارت عن المدية، ثم كان الحتف فيها. ففيه توسع. وهو يقيمون السبب مقام المسبب كثيراً. واغتال: افتعل من الغول، وهو الهلاك. والمغول: السكين، وقد اشتهرت بها إذا جعلت في وسط السوط فصار كالغلاف لها. وقوله وآخر عهد لها مونق غدير، يعني الشاة بعد إثارتها السكين. وهو إظهارها إياها. فيقول: كان آخر عهدها المعجب لها روضة قد أبقلت، وغديراً امتلأ ماء وكان شبعه وريه منهما، فبطرت وأثارت عن حتفها حتى هلكت. ولك أن تروى مونق بالرفع، فيكون صفة لآخر عهد، ومونق بالجر فيكون للعهد. وجعل الإيناق للعهد لأن المراد بالعهد المعهود، وهو المرعي المعجب. ويجوز أن يجعل المونق من صفة الغدير وقد قدم عليه، وجعل هو بدلاً منه، ويكون التقدير: وآخر عهد لها غدير مونق وجزع مبقل. ويقال: أبقل المكان فهو باقل ومبقل. وأفعل فهو فاعل شاذ ليس بكثير. وقال إياس بن الأرت كأن مرعي أمكم إذ بدت ... عقربة يكومها عقربان إكليلها زول وفي شولها ... وخز أليم مثل وخز السنان كل عدو يتقي مقبلاً ... وأمكم سورتها بالعجان قوله كأن مرعى أمكم، يجوز أن يكون مرعى اسماً لها، وأمكم بدلاً منه، ويجوز أن يكون لقبها الشاعر به. وسئل الأحنف عن شيء من أمور النساء، فقال: الرجال حمى والنساء مرعى، فعدت من سقطاته. ومثل قوله عقربة يكومها عقربان قول الآخر: كالجعلين ركبا دحروجاً ... دمامة ومنظراً سميجا والعقربان: ذكر العقارب. والكوم: السفاد. وقوله إكليلها زول، كنى عن قرني العقربة بالإكليل. والزول: الخفيف الظريف. وقوله وفي شولها وخز أي

стр. 1008

فيما تشول العقربة من ذنبها. وزاد الهاء في عقربة توكيداً للتأنيث. وهذا كما قالوا: جمل وناقة، وكبش ونعجة، ووعل وأروية الحقوا الهاء توكيداً وتحقيقاً للتأنيث؛ ولو لم تلحق لم تحتج إليها. وحكى: عجوزة. والوخز: الطعن الشديد الموجع. وإنما يعني شوكتها إذا ضرب بها، فبه تأثيرها بتأثير السنان. وقوله كل عدو يتقي مقبلاً، أراد أن يذكر السوءة فيها استهزاء واستهانة بذكرها، فقال: كل عدو يتقي شره إذا أقبل، وأمكم يتقي شرها إذا أدبرت. والعجان يريد الدبر به. وهو في الأصل ما بين الخصية إلى سم الدبر. والسورة: الوثبة. وقال أدهم بن أبي الزعراء بني خيبرى نهنهوا من قنازع ... أتت من لدنكم وانظروا ما شؤونها فكائن بها من ناشص قد علمتم ... إذا نفرت كانت بطيئاً سكونها هذا الكلام منه توعد واستهزاء. فيقول: يا بني خيبرى، كفوا عن أبيات هجاء وفخر جاءتنا من عندكم، وانظروا كيف ترسلونها وماذا شؤونها حتى اهتاجت وجاءت. والقناذع، اصله الفحش. ويقال للديوث: القنذع. وقوله فكائن بناء كائن لغة في كم. وبنا أي عندنا. ناشص أصله في المرأة، يقال: نشصت المرأة على زوجها ونشرت، إذا تمنعت. فاستعاره للشعر والهجو. يريد: كم من قافية إذا نفرت كانت بطيئاً سكونها. وهذا توعد، والمراد: إنما نمسك عن القول ما أمكن، فإذا تكلمنا استمر القول بنا فيبطؤ سكوننا؛ لأن للاحتمال غاية وللسكون نهاية، إذا بلغناهما فقد أقمنا العذر، وما وراء ذلك نبلغ فيه الأقصى، ولا نرضى بالمنزل الأدبي. والكناية عن القصائد والقوافي بالهدى والعروس مشهورة. وقد قيل: المراد بالناشص الحرب، وقيل: أراد به امرأة سيئة الخلق والعشرة، لعجبها بنفسها. كأنه لما جاءهم خاطباً زهدهم في نسائهم ترفعاً عنهم. والصواب فيما بدأت به. وبالحجل المقصور حول بيوتنا ... نواشىء كالغزلان نجل عيونها

стр. 1009

وإنا لمحقوقون حين غضبتم ... بأيمة عبد الله أن سنهينها فلست لمن أدعى له إن تفقأت ... عليها دماميل استه وحبوبها الحجل: جمع حجلة. والمقصور: المرسل عليه الستور. والنواشىء: النساء الشواب. وقصد الشاعر إلى أن يحسرهم ويقصر بشأنهم ويهينهم حين عدوا طورهم، فخطبوا غير كفوهم، فقال: إن عندنا نساء كالغزلان في جيدها، وبقر الوحش في عينها، مخدرات في الحجال، ممنعات حوالي بيوتنا، نربأ بأقدارها عن مواصلتكم بهن، فتحسروا وارجعوا عنا مقذوعين مذللين؛ فإنا أحقاء حين غضبتم بسبب أيمة عبد الله، وترفعنا عن مناكحته، بأنا لا نستعظمها بل نهونها، ونقل فكرنا فيها. وقوله أن سنهينها أن مخففة من الثقيلة. والمعنى: إنا لمحقوقون بأنا سنهينها لا محالة. ومثل هذا قول الآخر: فما أكبر الأشياء عندي حزازة ... بأن أبت مزرياً عليك وزاريا وقوله فلست لمن أدعي له يجري مجرى اليمين، أي للوالد الذي أنسب إليه، أن أنكح عبد الله فينا، وتشققت خراجات استه عليها. وهذا الكلام إزراء به، واحتقار له، بذكر السوأة منه. وذكر الدماميل تشنيع للحال، وأن العزبة بلغت به هذا المبلغ لزهد الناس في مناكحتهم. وقال دماميل لأنه أشبع كسرة الميم فأحدث عنها ياء. ومثله: نفى الدراهيم تنقاد الصياريف والأصل الدراهم والصيارف. وقال حريث بن عناب بنى ثعل أهل الخناما حديثكم ... لكم منطق غاو وللناس منطق

стр. 1010

كأنهم معزى قواصع جرة ... من العي أو طير بخفان تنغق ديافية غلف كأن خطيبهم ... سراة الضحى في سلحه يتمطق قوله بنى ثعل أهل الخنا يجوز أن يكون أهل الخنا انتصابه على الذم والاختصاص، كأنه قال: يا بني ثعل، أذكر أهل الخنا. وقوله ما حديثكم يريد: ما لغتكم. ويفسره قوله بعده لكم منطق غاو وللناس منطق، ينسبهم إلى أنهم نبط، وأن لغتهم ذات غواية وزيغ. ويعني بقوله وللناس منطق العرب. ويجوز أن يكون معنى ما حديثكم: ما شأكم المستدث وما امركم؟ ينسبهم إلى أنهم لا قديم لهم ولا حديث. وقوله كأنهم معزى قواصع حرة، يقول: إنهم لعبهم إذا تكلموا كأنهم معزى تجتر، أو طير بخفان تنغق. يعني بالطير الغراب، ليكون أشأم، والقلوب من ذكرها أنفر. ويقال: قصع البعير بحرته، إذا دقعها من جوفه. وقوله ديافية، دياف: أرض بالشام. وقصده إلى أن يخرجهم من أن يكونوا عرباً، وجعلهم غلفاً إلحاقاً لهم بالعجم والغلفة والغرلة والقلفة تتقارب. ورجل أغرل وأغلف وأقلف. وقوله كأن خطيبهم أي الفصيح منهم، والمعد يوم فخارهم، والنيابة عنهم في نفارهم، كأنه يتمطق في سلحه. والتمطق: تذوق الشيء بضم إحدى الشفتين على الأخرى مع صوت بينهما. وجعلهم كذلك في سراة الضحى، أي أنهم يتباطؤون في كل حال، حتى لا يقوموا من فرشهم إلا في ذلك الوقت. وقال شعيث من كنانة أترجو حيّ أن تحيء صغارها ... بخير وقد أعيا عليك كبارها إذا النجم وافى مغرب الشمس أجحرت ... مقاري حي واشتكى الغدر جارها أجود الروايتين اترجو حييا، كأنه يخاطب إنساناً ويلومه في تعليقه الرجاء برشاد صغار حي، وقد أعياه كبارها. والمعنى أنهم لا يفلحون أبداً، وإذا كان رؤساؤهم واهل الحل والعقد منهم معجزين في دعائك إياهم إلى الخير والصلاح

стр. 1011

فرذالهم أولى بذلك. وإذا رويت أترجو حي كأنه جعل الفعل للقبيلة بأسرها، أي إنهم وحالهم ذلك في ضلال إذا رجوا من صغارهم فلاحاً وحالهم مع كبارهم ذلك. وقوله إذا النجم وافى أشار بالنجم إلى الثريا. وهم يقولون: طلع النج غديه ... وابتغى الراعي شكيه فهذا يكون في الصيف وعند اشتداد الحر. وطلع النجم عشاء ... وابتغى الراي كساء وهذا يقال في شدة البرد. فيقول: إذا طلع النجم عند غروب الشمس، - يشير إلى تجرد المحل، وتكشف الجدب - أخرت مقاري هذه القبيلة وسترت، تفادياً من الضيافة، وهرباً من الضيفان. والمقاري: جمع مقراة، وهي ما يطعم فيه الضيف من الجفان. والمراد أنه لا مقراة نم؛ لأنهم في الشتاء يضيفون ويستضيفون، فإذا عطلت جفانهم في ذلك الوقت فلأنه لا قرى عندهم ولا مقاري. وقوله واشتكي الغدر جارها ينسبهم إلى أن إساءتهم مقصورة على الجار، وطمعهم فيه وفيمن جرى مجراه؛ فعند الحاجة لا يشقى بهم إلا جارهم. وجواب إذا النجم أجحرت. ومغرب الشمس يجوز أن يكون مفعولاً، وأن يكون اسماً لموضع الغروب، ويكون وافي من الموافاة. ويجوز أن يكون ظرفاً، ويكون معنى وافى طلع. وقال آخر: فما كنانة في خير بخائرة ... وما كنانة في شر بأشرار يقال: خايرته فخرته خيراً. وأنا خائره، إذا كنت خيراً منه. واستخرت الله فخار لي. وهذه خيرتي، أي التي أختاره. والمعنى لا يرجعون إلى حال يعتد بهم لها، ويعتمد بمكانتهم عليها، فلا عند الخير وتعداد أهله يفوزون بسهمة، ولا في الشر وتعداد أهله يحصلون على خطة.

стр. 1012

وقال حريث بن عناب قولا لصخرة إذ جد الهجاء بها ... عوجى علينا يحييك ابن عناب هلا نهيتم عويجاً من مقاذعتي ... عبد المقذ دعيا غير صياب مستحقين سليمى أم منتشر ... وابن المكفف ردفاً وابن خباب قوله يحييك، يجوز أن يكون في موضع الحال، أي عوجي محيياً لك هذا، ومثله: " فهب لي من لدنك وليا. يرثني وبرث " أي وارثاً. ويجوز أن يكون في موضع الجزم جواباً لقوله عوجى، وأجرى المعتل مجرى الصحيح. ومثله: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بن زياد وهذا الكلام تهكم وسخرية. وإنما يخاطب صاحبين له يبعثهما على أن يبلغا بني صخرة ويبعثاها وقت تهيجها بالهجاء وكون تصرفهم فيه جداً منهم وهماً لهم على أن يعطفوا عليهم، ليسلم عليهم ابن عناب، يعني نفسه. وذكر التحية هاهنا عزء منه. وهذا كما قال الأخر: تحية بينهم ضرب وجيع إلا أن هذا في الأفعال، وابن عناب جعلها في الأفوال. وقوله هلا نهيتم تقريع ولوم وتذكير بسوء تأتيهم، وقبح فعلهم. فيقول: هلا كففتم عن مفاحشتي عويجاً - وهو رجل منهم - وجعله عبد المقذ، أي لئيملاً ودعياً فيهم غير خالص النسب. المقاذعة: المفاحشة. ويقال: أقذع الرجل، إذا أتى بفحش. وانتصاب عبد المقذ يجوز أن يكون على البدل، ويجوز أن يكون على الذم، ويجوز أن يكون على الحال. والمقذ؛ منبت الشعر من مقدم الرأس ومؤخره. ويقال: فلان عبد القفا، وعبد المقذ، ويراد بالمقذ القفا. وهذا كما يقال في ضده:

стр. 1013

هو حر الوجه، وكريم المحيا. والصياب: الخالص، كأنه يهجنه. وقال الخليل: الصياب والصيابة: أصل كل قوم. وقال أيضاً: الصياب: الخيار من كل شيء. وأنشد: يحتل من كندة في الصياب وقوله مستحقبين سلينى، أفحش فيه؛ أي جئتم لمهاجاتي وقد استحقبتم هذه المرأة وابن المكفف معها ردفاً وابن خباب. كأنه يرمي سليمى بهمات أو يعدهم جميعاً من مخازيه. فهذا هزء أيضاً. أي جازيتموني بمن هو شينكم، وجعلتم عيوبكم بمرأى ومسمع إذا كان غيركم يخفي أمره ويستره. يريد: استهدفتم لي بهؤلاء. وسليمى كانت لها قصة. والاستحقاب: شد الحقيبة من خلف، وكذلك الاحتقاب: وكنى عن العجز بالحقيبة لذلك. يا شر قوم بني حصن مهاجرة ... ومن تعرب منهم شر أعراب لا يرتجى الجار خيراً في بيوتهم ... ولا محالة من شتم وألقاب ينسبهم إلى أنهم شر قوم هاجروا إلى الأمصار أو بقوا في البدو. وبني حصن يجوز أن يكون انتصب على النداء، كأنه قال: يا شر قوم يا بني حصن. وانتصب مهاجرة على الحال، ناداهم في هذه الحالة. أي أنتم شر قوم في مهاجرتكم. ومثله: يا بوس للجهل ضراراً لأقوام ويؤنس بوقوع الحال بعد النداء قولهم: يا زيد دعاء حقا. فإذا ساغ أن يقع المصدر بعده تأكيداً، فكذلك الحال. قوله ومن تعرب فيه معنى التكلف، لأن تفعل يجيء لذلك كثيراً. وصرف الكلام عن السنن الأول وجعله استئناف خبر. ويجوز أن يكون انتصب بني حصن على الذم والاختصاص. وقوله لا يرتجى الجار يريد أن جارهم مبتذل فيهم، يائس من خيرهم ما دام معهم، وملقى من جهتهم بالاستخفاف والتلقيب، والشتم القبيح. وأجرى قوله لا

стр. 1014

محالة مجرى قولهم لابد، كأنه أراد: الجار لا يرجو خيراً فيهم، ولا بد له من شتم يقصد به، ولقب يعرف بذكره. وقال الخليل: يقولون في موضع لابد: لا محالة. ويقال: حال حولاً وحيلة، أي احتال. وقال آخر: بني أسد إلا تنحوا تطأكم ... مناسم حتى تحطموا وحوافر وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا ... مياه تحامتها تميم وعامر وما نام مياح البطاح ومنعج ... ولا الرس إلا وهو عجلان ساهر يقول: يا بني أسد، خلوا الطريق وتباعدوا عنها، فإنكم إن لم تفعلوا ذلك وطئتكم الإبل والخيل فحطمتكم. ينسبهم إلى القلة والضعف، ويتهكم مع ذلك بهم. وقوله: وميعاد قوم يعني بني أسد وأنصارهم، والميعاد والوعد واحد، وإذا كان كذلك كان المعنى: وموضع الوعد لم أراد الالتقاء معنا مياه تتحاماها بنو تميم وبنو عامر - يعني أحميتهم - فلا تجسر على ورودها وإن كثروا. فحذف المضاف، وهو الموضع. وقوله وما نام مياح البطاح ومنعج والرس موارد الماء. والرس: البئر القديمة. جعل المستقي من هذه الآبار يميح. وأراد بمياح الكثرة؛ لأن لكل موضع من المواضع المذكورة ماحة. والميح: الدخول إلى أسفل البئر ليغرف الماء في الدلاء إذا قل الماء. والميح: الاستقاء، يريد: متحوا أولاً ثم ملحوا، لكثرة الواردة. وغنما وصف سكان هذه المواضع - وهو جيشهم - بوفور العدد، وأن سقاتهم بهذه الصفة من العجلة والسهر. وقوله: وما نام إلا وهو عجلان ساهر، يريد: نومهم ترك النوم، والاستعجال في السقي. وهذا كما قال الآخر: فإن المندى رحلة فركوب

стр. 1015

وكقول أبي تمام: تعليقها الإسراج والإلجام تضلءلتم منا كما ضم شخصه ... أمام البيوت الخارىء المتقاصر ترى الجون ذا الشمراخ والورد يبتغي ... ليالي عشراً وسطنا وهو عائر قوله تضاءلتم أن تصاغرتم منا وانزويتم، لفشلكم وذهاب منتكم، كما يفعله المتغوط أمام البيوت إذا استولى عليه الخجل لما يريده من قضاء الحاجة، فهو يتقاصر ويخفي شخصه لائلا يرى. وهذا التشبيه في المنخزل وقد مسه الحياء والخجل غاية. وقوله ترى الجون ذا الشمراخ يريد به ذا الغرة السائلة على النف، والشمراخ من الجبل: المستدق الطويل، على التشبيه. والعائر: المختلف، والسهم العائر من هذا. يقول: إنا لكثرتنا واتساع منادحنا وأفطارنا، لو أفلت فينا فرس أدهم ذو غرة سائلة - وجعله كذلك ليكون أشهر أمراً وأقل خفاء - وفرس ورد أغر أيضاً، ثم طلب عشر ليال فيما بيننا لما ظفر به. ولما رأينا لئاماً أدقة ... وليس لكم مولى من الناس ناصر ضمناكم من غير فقر إليكم ... كما ضمت الساق الكسير الجبائر وصف حالهم القديمة معهم، وكيفية اتصالهم بهم وانعطافهم عليهم حتى أبطرهم ذلك، فاستعصوا عليهم، ووسوست نفوسهم إليهم بالاستغناء عنهم، والاكتفاء من دونهم. فيقول: لما رأيناكم أدنياء في أنفسكم، أدقاء في أحوالكم لا ناصر لكم، ولا مدافع دونكم، تعطفنا عليكم لنرفع خسيستكم، رحمة لكم، وضمناكم إلى أنفسنا من غير حاجة إليكم ولا تكثر بكم، لنجبر كسركم، ونوفر نقصكم كما تضم العصائب التي يعصب بها الكسر، والجبائر التي يسوى بها العظم الكسير المجبور. وهذا من التشبيه الصائب، والكلام المتخير. والأدقة: جمع الدقيق، وهو الرجل

стр. 1016

القليل الخير. والفعل دق دقة. وقال: الكسير، والساق مؤنثة لأنه فعيل في معنى مفعولة. وعند أصحابنا البصريين هذا لا ينقاس، بل يتبع فيه المحكى عنهم. وقال أبو صعترة أتهجونا وكنا أهل صدق ... وتنسى ما حباك بنو براء هم نتجوك تحت الليل سقباً ... خبيث الريح من خمر وماء وهم جهلوا عليك بغير جرم ... وبلوا منكبيك من الدماء يخاطب رجلاً من عشيرته، ويقرعه على ما كان منه من ثلبه وهجوه، فيقول: أتذمنا مع إحساننا إليك، وكوننا أهل صدق لك، ورهط صفاء ووداد معك، وتنسى ما كان منك حتى تعرضت لني براء بمثل تعرضكلنا، وما قابلوك به من عطية وحباء، وحسن مكافأة وجزاء على فعلك، وقد كان في الحكم أن يؤدبك ذلك ويردعك، وينبهك على رشادك وصلاحك، ويمنعك من معاودة شبهه ويقمعك. ثم أخذ يصف الحباء الواصل إليه من جهتهم، والجزاء المعد له، فقال: هم نتجوك تحت الليل سقباً، أي ولدوك ليلاً سقباً خبيثاً. وهو في الأصل المذكر من أولاد الإبل. ويقال: أسقبت الناقة وهي مسقاب. والمعنى: ضربوك حتى سلحت شيئاً منكراً. والذكر أرذل النتاجين، فلذلك خصه. وقال تحت الليل لأن الليل أخفى للويل. وقوله وهم جهلوا عليك بغير جرم، يعني أنهم فعلوا ذلك بك، ومن قبل ذلك كانوا أسلفوك، بلا جناية كانت منك عندهم، ولا جريرة سبقت عنك إليهم، أن جرحوك حتى بلوا منكبيك من الدماء السائلة عليك. وقال الطرماح إن بمعن لإن فخرت لمفخراً ... وفي غير تبنى بيوت المكارم متى قدت يا بن النظلية عصبة ... من الناس تهديها فجاج المخارم

стр. 1017

هذا الكلام هزء وسخرية، يقول: لك أن تفتخر ببني معن، فإنهم في موضع ذاك، لكونهم مجمع الفضائل، لكن مباني الكرم تؤسس في غيرهم. ثم أقبل عليه فقال: أخبرني مت حدثت نفسك بأن تكون قائد طائفة من الناس فتقدمهم وتهديهم الطرق، وهو يطؤون عقبك، ويدورون على مرادك؛ لقد رأيت ما لم تؤمله، ونلت ما لم ترتق إليه همتك. والفجاج: الطرق. والمخارم: جمع مخرم، وهو منقطع أنف الجبل. وهذا مثل، أي تصرفهم حيث أردت، وتوجههم كيف شئت. إذا ما ابن جد كان ناهز طيىء ... فإن الذرى قد صرن تحت المناسم فقد بزمام بظر أمك واحتفر ... بأير أبيك الفسل كراث عاسم ابن جد يريد به صاحب جد وحظ في الدنيا. فيقول: إذا اتفق لمتقدم بنفسه مجدود، لاأولية له، خارجي، أن يكون ناهز طيىء، أي مدرهم وكبيرهم والذي ينهز الدلو من البئر، أي ينزعها، كأنه أراد: الذي يقوم بأمرهم عند السلطان، ويتنجز عليه حاجاتهم ومهماتهم، فقد اتقلب الدهر، وانحط الأعالي، وصارت الأشراف أذلاء، لأنه لا يتقدم الوضيع إلا بتأخر الرفيع. وحكى غير واحد من أهل اللغة أنه يقال: هو ناهز القوم، أي كاسبهم والساعي لهم. وقوله فقد بزمام استهزاء وإزراء بهم، وقلة احتفال، بتناول القبيح من ذكرهم. لذلك سمى السوءة من طرفيه. والفسل: الرذل. والفشل: الضعيف، وهما روايتان. وعاسم: موضع. وقال الكروس بن زيد ألا ليت حظي من عطائك أنني ... علمت وراء الرمل ما أنت صانع فقد كان لي عما أرى متزحزح ... ومتسع من جانب الأرض واسع وهم إذا ما الجبس قصر همه ... طلوع إذا أعيا الرجال المطالع

стр. 1018

يقول: تمنيت أن يكون الذي حظيت بهمن عطائك لي أني علمت وأنا وراء الرمل ما أنت صانعه وقد قدمت عليك. فقوله وراء الرمل ظرف لعلمت، وأنني علمت خبر ليت، كأنه ود أن يكون بدل حظه من العطاء علمه بما يفعله، فكان اختياره بحسبه. ولا يجوز أن يكون وراء الرمل يتعلق بصانع، لأنك إن جعلت ما موصولاً فالصلة لا تتقدم هي على الموصول، ولا شيء مما يتعلق بها. وإن جعلت ما موصوفاً فالصفة لا تتقدم على الموصوف ولا ما يتعلق بها، وإن جعلت ما استفهاماً فما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله. وإذا كان كذلك ظهر فساد تعلقه به على الوجوه كلها، من طريق الإعراب ومن طريق المعنى، فالصحيح ما قدمته. ألا ترى أنه قال: فقد كان لي عما أرى متزحزح ومتسع. والمتزحزح: المبعد. أي كان لي جانب من الأرض واسع أتزحزح فيه عما أراه وأرد عليه، وكان لي هم طويل ممتد الشأو يذهب صعداً، إذا كان هم الجبس قصيراً. طلوع إلى أعالي العز وذراه إذا أعجز الرجال مطالع العز. والجبس هو الثقيل الجافي. أي يقصرهم نفسه فيرضي بالحاصل له. وقوله إذا مالجبس ظرف لما دل عليه هم، وإذا أعيا ظرف لطلوع. ولا يمتنع أن يكون إذا ما الجبس ظرفاً لطلوع، ويجعل إذا أعيا بدلاً منه؛ لأن المعنيين يتقاربان. والأول أقرب وأجود. وقال وضاح بن اسماعيل من مبلغ الحجاج عني رسالة ... فإن شئت فاقطعني كما قطع السلا وإن شئت أقبلنا بموسى رميضة ... جميعاً فقطعنا بها عقد العرى وإن قلت لا إلا التفرق والنوى ... فبعداً أدام الله تفرقة النوى فإني أرى في عينك الجذع معرضاً ... وتعجب أن أبصرت في عيني القذى هذه أبيات ذهب الناس من طريق الرواية والمعنى فيها مذاهب طريفة، والصحيح ما أورده. وذاك أنه رتب ما بينه وبين الحجاج مراتب ثلاثاً، خبره فيها بالشروط المبينة.

стр. 1019

فالشرط الأول قوله إن شئت فاقطعني كما قطع السلا وهذا يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد إن شئت خصني بقطيعة لا وصال يتعقبها، كما أن السلا، وهو الجلدة التي يلتف فيها الولد عند خروجه من بطن أمه، إذا قطع عنه لم يعد إليه. ويجوز أن يكون المعنى: اقطعني قطيعة لا يرجى معها وصل؛ لأن السلا إذا انقطع في بطن الحامل لم يمكن استخراجه، ولا يرجي الخلاص معه. ولهذا ضرب المثل به في الشدائد فقيل: انقطع السلا في البطن. والمراد في هذه القطيعة المذكورة أن تبقى العلائق التي بينهما على ما حصلت وثبتت لا يغير منها شيء. والشرط الثاني: وإن شئت أقبلنا بموسى رميضة، يقول: وإن شئت أخذ كل منا موسى محددة، فقطعنا بها الأواصر التي بيننا. وهذا مثل، والمعنى أن لنا الأسباب التي توصلنا بها فصارت مثل الأنساب، وحللنا عقد العرى الوثيقة فيما تواشجنا فيه حتى نصير كالأجانب لا وصل تجمعنا، ولا أواخي تنظمنا، إلا ما طوى البعاد بيننا من قرب الجوار والدار. والشرط الثالث: ولإن قلت لا إلا التفرق بالأيدن معها، فيكون النوى مبددة شمائلنا، فلا نلتقي في شعب ومسلك، ولا نتحاذى في منزل ومجمع، ولا نتجاوز في محل ومقر، فإنا نبعد بعداً كما نختار؛ وأدام الله تفرقة النوى بيننا ولا جمع ما تشتت منها. ويقال: سكين رميض: حاد. وكل حاد رميض، ومنه ارتمض من كذا، إذا اشتد عليه وأغضبه. وقوله فإني أرى عينك الجذع، يقول: إن العداوة بيننا رسختوثبتت واستحكمت من جهتك، فلا استبقاء معك، ولا صبر عللا أذى مضض منك، حتى تعجب لأدنى شيء يحول، وتستعظم أصغر ما يحدث ويدور، وأنا أرى الجذع يعترض في عينيك فلا أنكر، ولا أحاسب عليه ولا أضايق. وهذا كما يقال في المثل: " تبصر القذاة في عين أخيك، وتدع الجذع المعترض في حلقك ".

стр. 1020

وقال جواس الكلبي من بني عدي بن جناب ضربنا لكم عن منبر الملك أهله ... بجيرون إذ لا تستطيعون منبراً وأيام صدق كلها قد علمتم ... نصرنا ويوم المرج نصراً مؤزراً فلا تكفروا حسنى مضت من بلائنا ... ولا تمنحونا بعد لين تجبرا يخاطب إذ لا تستطيعون منبرا، أي ارتقاء منبر وصعوده، فحذف المضاف. والمراد: إنا نصرناكم في طلب أمر كان لغسيركم لا لكم بجيرون، حين لا تقدرون على صعود منبر، ولا تستقيم لكم قناة ملك ونصرنا أيضاً يوم مرج راهط، وأياماً أخر قبله وبعده، صادقناكم فيها ونصرناكم نصراً قوياً، فلا تجحدوا نعمنا فيها، فكفران النعم ذميم، ولا تتكبروا علينا بعد ملاينتكم لنا، فإن التكبر منكم عظيم. وقوله حسنى مضت مصدر في معنى الإحسان، وليست بتأنيث الأحسن، لأن تلك تلزمه الألف واللام. فكم من أمير قبل مروان وابنه ... كشفنا غطاء الغم عنه فأبصرا ومستسلم نفسن عنه وقد بدت ... نواجذه حتى أهل وكبرا إذا افتخر القيسى فاذكر بلاءه ... بزراعة الضحاك شرقي جوبرا فما كان في قيس من ابن حفيظة ... يعد ولكن كلهم نهب أشقرا قوله كم من أمير أراد به معاوية وأشياعه. أي ذببنا دونه وأزلنا كا كان تراكم عليه من رواكد الظلم حتى أبصر رشده، وعادت إليه بصيرته، بعد أن كان تحير في أمره، والتبس عليه ما يتنقل فيه، فلا يعرف ما عليه مما له.
следующие страницы →