Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
تذهب الفطنة، أي كثرة الأكل تحدث البلادة، ورجل بطين ومبطان: عظيم البطن. والمبطن: الخميص البطن. قال:
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا
وقال متمم:
فتى غير مبطان العشيات أروعا
والشفيف: برد ريح في ندوة، واسم تلك الريح الشفان. وقوله أعجب بيتيه أي الذي يأكل فيه والذي يحدث فيه. والكنيف جعله أعجب إليه لكثرة أطيافه.
والطاية: الأرض الفضاء الواسعة. والسيف: ساحل البحر. وأبقل المكان: كثر بقله.
وقال ربعان
إذا كنت عميا فكن فقع قرقر ... وإلا فكن إن شئت أير حمار
فما دار عمى بدار خفارة ... ولا عقد عمى بعقد جوار
يعني بالفقع الكمأة. ويضرب المثل بهذا في الذل فيقال: أذل من فقع بقاع، وذلك لآنه يجتنيها من يشاء، وأضافه إلى قرقر منبته. ويقال: قاع قرقر، أي مستو. وأنى بالصفة لأن المراد مفهوم، والمعنى: إذا كنت عمياً فكن ذليلاً كالفقع، أو شيئاً يتحامى ذكره ومنظره كذلك العضو. وأخفرته، إذا نقضت عهده. والمعنى ظاهر. وجعل لا من قوله ولا عقد بدلاً من ما، ولذلك أدخل الباء في بقعد.
стр. 1052
وقال آخر:
أراني في بني حكم غريباً ... على قتر أزور ولا أزار
أناس يأكلون اللحم دوني ... وتأتيني المعاذر والقتار
قوله على قتر أي على حرف. ويقال قتر وفتر. ويقول: ليس فيهم تمكن، لغربتي. والفتر والقطر والحرف والجانب تتقارب. وقد استعمل الحرف استعمال القتر، بل هو أشهر في هذا المعنى، وأكثر تصرفاً، يقال: هو على حرف من أمره، أي انحراف، وانحرفت بهم دنياهم، ومالي عن كذا محرف، أي مصرف ومنتحي. وفي القرآن: " ومن الناس من يعبد الله على حرف ": وإنما وصفهم بأن من جاورهم يسيئون عشرته ولا يرون له ما يراه لهم من قضاء ذمام، وإيجاب حق، بل يطرحونه ويهملونه. وقوله وتأتيني المعاذر، أراد ريح عذراتهم وأفنيتهم، فحذف المضاف. والقتار، أي وتأتيني ريح اللحم المشوي. وقيل في المعاذر: إنها جمع معذرة. والأول أبلغ. والمعاذر والعاذرة والعذرة: الحدث، وقد أعذر، أي أحدث. ويرتفع أناس على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه أراد: هم أناس، وقد وصفوا بجملتين. وقدكان يجب أن يقول: وتأتيني المعاذر والقتار منهم، فحذف الضمير، ويجوز أن يكون وتأتيني على الاستئناف.
وقال آخر:
ما إن في الحريش ولا عقيل ... ولا أولاد جعدة من كريم
ولا البرص الفقاح بني نمير ... ولا العجلان زائدة الظليم
أولئك معشر كبنات نعش ... رواكد لا تسير مع النجوم
يعني بزائدة الظليم الخف، لأنه لا يكون للطير. أي هم زيادة في الناس بمنزلة تلك الزائدة في الظليم. وقوله أولئك معشر كبنات نعش، يريد أنهم لا ينهضون لا كتساب مكرمة. ولا يقومون لاجتلاب منقبة، فهم لا خير فيهم يلزمون مضاجعهم كسلاً وقصر همة، ورضى بأدنى الهمتين وأسقط العيشتين. والعرب تسمى من كان كذلك ضاجعاً وضجيعاَ وضجعة. وبنات نعش ليست من النجوم السيارة، فلذلك شبهه بها.
стр. 1053
وقال رجل من بني جرم
دلفت إلى صميمك بالقوافي ... عشية محفل فهتفت فاكا
وصدق ما اقول عليك قوم ... عرفت أباهم ونفوا أباكا
الصميم: الخالص من النسب والفخر. وجعل له ذلك على طريق الهزء، فهو كقول الله تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم ". يقول: ما كان من حسبك خالصاً، ومن نسبك صافياً لا شوب فيه ولا لبس دونه، أبطلته بقوافي، وزيفته حين اختلفا في المجمعة بمرامى، فهتمت أسنانك، وأخرستك في دعاويك. والهتم: كسر الثنية من الأصل، وجعل الفم كناية عن الأسنان. أي جعلتك بحيث لا معض لك، ومشهدنا مشهود، وأهل التمييز حضور، وصدقني من له القدمة والسابقة عليك، وأنت تعرفهم وتعرف أوليتهم، وهم ينكرون سلفك، ويبطلون دعاويك.
وقال زيد الأعجم
ومن أنتم إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصير
وأنتم أولى جئتم مع البقل والدبا ... فطار وهذا شخصكم غير طائر
فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم ... ولم تدركوا إلا مدق الحوافر
قوله إنا نسينا من أنتم يجوز أن تجعل من استفهاما، وقد كرره، وعلق نسينا قبله، وإن لم يكن من أفعال الشك واليقين، لأنه أجراه مجرى نقيضه، وهو عرفت وذكرت؛ وهم يجرون النظير مجرى النظير، والنقيض مجرى النقيض. وقد مر له نظائر. ويجوز أن نجعل من بمعنى الذي. وقد حذف صلته، كأنه قال: إنا نسينا الذين هم أنتم والأول أوجه. ونظير الأول عند أصحابنا البصريين قوله تعالى: " لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا ". وفي باب الذي قوله تعالى:
стр. 1054
" تماماً على الذي أحسن ". لأن المعنى من هو أحسن. وقوله من أي ريح الأعاصير، والأعاصر: جمع الإعصار، وهو الغبار الساطع المستدير، وفي المثل " إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً ". وإنما خصها بالذكر لأنها تسوق غيثاً، ولا تدر سحاباً، ولا تلقح شجراً، فضرب المثل بها لقلة الانتفاع بهم. وهذا كما قال الآخر:
وأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزوى الوجوه بليل
وهم يجعلون الريح كناية عن الدولة، فيقال: فلان هبت له ريح، فكأنه جعل دولتهم لا تجدي ولا ترد نفعاً، بل تتوى وتجر شراً، وقوله وأنتم أولى جئتم، يريد الذين جئتم مع البقل. والمعنى أن شرفكم حديث. ومثله قول الآخر:
تموتون هزلى في السنين وأنتم ... أساريع تحيا كلما نبت البقل
وقوله فطار وهذا شخصكم غير طائر تضجر بهم وتعجب من بقائهم، وعتب على الزمان في استبقائهم. وقوله فلم تسمعوا إلا بمن كان قبلكم يريد أن كل من يذكر لكم وعندكم فهو سابق لكم، مقدم عليكم بالزمان والفضل، فأنتم على الساقة لم تدركوا ممن أحرز قصبات السبق إلا مدق الحوافر، ومواطىء الأقدام. جعلهم فساكل، ومتأخرين عند الفضائل.
وقال عمرو بن الهذلي
نحن أقمنا أمر بكر بن وائل ... وأنت بثأج ما تمر وما تحلي
وما تستوي أحساب قوم تورثت ... قديماً وأحساب نبتن مع البقل
стр. 1055
ثأج: اسم ماء. وما تمر وما تحلي، أي لا تأتي بحلو ولا مر. يصف عجزه وضعفه، وقعوده عن المعونة أوان الحاجة. وقول زهير:
على صير أمر ما يمر وما يحلوا
فأمر فيه بمعنى صار مراً. ويقال في هذا مر أيضاً. وقولهم في المثل: " ما أمر فلان وما أحلى " فهو مثل المعنى الذي في البيت. والمعنى: ما أتى بحلو ولا مر. ومراد الشاعر في هذا البيت ظاهر، وهو المعنى المتقدم.
وقوله وما تستوي أحساب قوم تستوي بمعنى تساوي وتماثل، وقد يكون استوى بمعنى استعلى. على ذلك قولهم:
قد استوى بشر على العراق
وقالت كنزة في مية
ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الجزى لو كان باديا
ألم تر أن الماء يخلف طعمه ... وإن كان لون الماء في العين صافيا
إذا ما أتاه وارد من ضرورة ... تولى بأضعاف الذي جاء ظاميا
كذلك مي في الثياب إذا بدت ... وأثوابها يخفين منها المخازيا
فلو أن غيلان الشقي بدت له ... مجردة يوماً لما قال ذا ليا
كقول مضى منه ولكن لرده ... إلى غير مي أو لأصبح ساليا
стр. 1056
قوله ذا من لفظة حبذا أشير به إلى الشيء، وهو مع حب بمنزلة الرجل من نعم الرجل، إلا أنه أجرى معه مجرى الأمثال، لا يغير ولا يفصل بينهما. والمعنى: محبوب في الأشياء أهل الملا غير مي، فإنها إذا ذكرت لا تستحق مدحاً ولا اختصاصاً، ولا ثناء ولا إطراء، فلا تعطي هذا القول، ولا تذكر عند الدعاء بالسقيا، ولا تدخل عند الحمد أو الحب في الذكرى. وقولها فلا حبذا هي جعل ألف ذا على انفصالها تأسيساً، لأن الروى من اسم مضمر وهو هي. وقولها على وجه مي مسحة تريد أن ظاهرها حسن، كأن الله قد مسها بالجمال مسحاً، ويكون أصله من المسح باليد، وقد استعمل في الدعاء فقيل للمريض: مسح الله ما بك من علة، وقيل أيضاً: هو ممسوح الوجه أي مستوى الخلقة. وقولها وتحت الثياب الخزى تريد أنها ما سوى المعاري منها مما هو مواري من بدنها، ومستور بثيابها، قبيح. وقولها لو كان بادياً جواب لو مقدم عليه. أرادت: لو ظهر الخافي منها كان خزياً. ثم شبهتها بالماء يتناهى صفاؤه ولونه، ويتراءى للناظر زرقته، ويحسب عذباً سلسالاً فإذا هو ملح أجاج، حتى إذا ورده الوارد فنظر إليه صار كأنه بعده من نفسه بظاهره عذوبة، فإذا طعمه يخلف ولا يفي، بل يعطيه مرارة. هذا إذا روى يخلف لأنه من الخلف في الوعد، وقد روى يخلف فيكون من الخلوف: التغير. وفي الحديث " خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك "، والمراد أن ظاهر هذه المرأة كظاهر هذا الماء، وباطنها كباطنه فكما أن وارد هذا الماء وقد اضطره العطش وساقه حرارة الجوف والغلة يصدر عنه وقد تضاعف ظمؤه وتزايدت حرته، كذلك هذه المرأة للكاشف عن أمرها، والذائق بعد الاغترار بها. وقولها بأضعاف الذي جاء، تريد جاء عليه، فحذف حرف الجر ووصل الفعل بنفسه، فصار جاءه، ثم حذف الضمير من الصلة استثقالاً واستطالة لكون أربعة أشياء شيئاً واحداً: الموصول، والفعل، والفاعل، والمفعول، ومن جوز حذف الجار والمجرور من الصلة فالأمر عنده أقرب. وانتصب ظامئاً على الحال.
وقولها فلو أن غيلان الشقي تعني به ذا الرمة، لأنه كان ينسب بمية، وكان يسميها مرة ميا ومرة مية. فتقول: لو أنها تجردت له لتبرأ منها وتندم على ما سيره من النسيب فيها. وانتصب مجردة على الحال. وأشارت بذا من قولها لما قال ذاليا إلى مجرد مية، أي ما حدث نفسه بأنه له. ويروى: لما قال آليا وهذا يتعلق بما
стр. 1057
بعده. أرادت: لما قال كقوله فيما سلف ذاليا. وآليا، أي مقصراً عند نفسه في دعواه، ولصرف تشبيبه إلى غيرها، ولتسلى من النساء رأساً. وزهد فيهن استبشاعاً لها. وقولها: لرده، اللام جواب يمين مضمرة. وذكر بعضهم ان معنى آليا حالفاً، أي كان لا يقسم بها، وهذا خطأ، لأنه كان يجب أن يكون مولياً، ألا ترى أنه يقال: آليت في اليمين إيلاء. وقيل: آا: توجع فهو كأوه، والمعنى: لم يقل لما يستجد من الزهد فيها آالي، متأوهاً ومتوجعاً - وهذا كما يقال في الأمر وقد نكأ في متوليه: شقاء لي، بكاء لي، وأشقى لي، وأبكي لي - وجدا بها، فعلى هذا يكون آالى حكاية صوت موضعة رفع بالابتداء، ولي خبره، والأول أقرب عندي.
وقال أبو العتاهية
جزى البخيل على صالحة ... عني بخفته على ظهري
أعلى وأكرم عن يديه يدي ... فعملت ونزه قدره قدري
ورزقت من جداوه عافية ... ألا يضيق بشكره صدري
وغنيت خلواً من تفضله ... أحنو عليه بأحسن العذر
ما فاتني خير امرىء وضعت ... عني يداه مؤونة الشكر
يقول: جزى الله البخيل علي بماله خصبة صالحة، فقد خف محمله على ظهري، لسقوط منته عني، وذاك أن أجلني عن صنيعه، وأكرم محلي إذ أخلاني من عارفته، وصان قدري حين لم يبتذله لعطيته، ورفع يدي وكرمها حين لم يشنها بمرزيته، فرزقني الله عافية من ضيق الذرع بشكره، والتطوق بأفضاله، واستغنيت عنه خالياً من بره، منصرفاً من تفضله، متعطفاً عليه يبسط عذره حين لم يجد علي، ولم يتلق إقبالي عليه بقبوله لي.
ولما قال: أعلى يدي فعلت، كان الأحسن في مقابلته أن يقول: ونزة قدري فنزه. ويقال: فلان نزيه كريم، إذا كان بعيداً من اللؤم. وقوله ألا يضيق لك
стр. 1058
أنن ترفعه وأن تنصبه، فالنصب على أن يكون أن الناصبة للأفعال، والرفع عل أن تكون أن مخففة من الثقيلة، ويكون اسمه مضمراً، كأنه قال: أنه لا يضيق، والجملى خبره. والعافية: مصدر كالعاقبة، ومثله ما أباليه بالية، وقم قائماً؛ لأنه لا خلاف أن اسم الفاعل يكون اسماً للمصدر وإن اختلفوا في بناء المفعول. وموضع ألا يضيق نصب بكونه بدلاً من قوله عافية. وانتصب خلوا على الحال. وجملة المعنى: أنه لم يفتني إحسان رجل لم يلزمني له شكر إفضال، ولم يجب بفعله بي علي اعتداء.
قال ابن عبدل الأسدي
أضحى عراجة قد تعوج دينه ... بعد المشيب تعوج المسمار
وإذا نظرت إلى عراجة خلته ... فرجت قوائمه بأير حمار
أراد أن يظهر أنه يجسر على تشبيهه بالسوءة. وضرب الخنا والفحش مثلاًله في هجوه، فأما المعنى فظاهر، وإنما شبه تعوج دينه على كبرته وسنه بتعوج المسمار في العمل، وقد عجز عما حمل، فإن أكره على النفاذ انكسر؛ وإن طلب نزعه ليجعل أقوى منه بدله تعسر، فكذلك عراجة في اعوجاج دينه والتوائه، لا صرفه وردعه ممكن، ولا احتماله عليه مسوغ.
وقالت أم عمرو بنت وقدان
إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ... نقب النساء فبئس رهط المرهق
ألهاكم ان تطلبوا بأخيكم ... أكل الخزير ولعق أجرد أمحق
تقول: إن ضيعتم دم أخيكم، وقعدتم عن الانتقام له، لتقصيركم في طلب ثأره، فضعوا السلاح واطرحوه بالأبرق. ويقال: وحش بثوبه وبسيفه، إذا رمى به بعيداً. وفي الحديث: " وحشوا برماحهم "، أي رموا بها. ويجوز أن تريد توحشوا، أي صيروا مع الوحش حياء من فعلكم، وهاجروا الناس وحانبوهم. والعرب تقول:
стр. 1059
إذا أظلم الليل تأنس كل وحشتي، وتوحش كل إنسى. يريدون بتأنس استأنس، وبتوحش استوحش. ومثل وحش بمعنى توحش قدم بمعنى تقدم، ونبه بمعنى تنبيه. وعلى هذا يحمل قول امرىء القيس:
وأنا المنبه بعد ما قد نوموا ... وأنا المعالن صفحة النوام
لأنه لم يجعل منبه بمعنى متنبه يصير عجز البيت كصدره في أنهما بمعنى واحد. وقال بعضهم: وحشوا معناه اطلبوا صيد الوحش وتقوتوه. وهذا يرجع معناه إلى ما ذكرناه؛ لأن معناه فارقوا الناس والكون معهم. وخصت الأبرق لأنه كان مما وليهم، وهو المكان فيه حجارة سود وبيض. ويقال: جبل أبرق، إذا كانت طاقاته سوداً وبيضاً.
وقولها وخذوا المكاحل، تريد: اجعلوا بدل السلاح آلات النساء: والمجاسد: جمع المجسد، وهو الثوب المشبع صبغاً. والجساد: الزعفران. والنقب: جمع نقبة، وهي إزار تجعل له حجزة كحجزة السروايل تلبسه المرأة. قال:
بيضاء مثل القلب ... في نقبة وإنب
والإنب: القميص.
والمعنى: إن لم تثأروا لصاحبكم فتزيزا بزي النساء فإنكم إناث، وبئس رهط المرهق: المضيق عليه أنتم. وحذف المذموم ببئس، وهو أنتم، لأن المراد مفهوم. وهذا الكلام بعث وتحضيض على طلب الدم، فهو كقول أخت عمرو حين بعثت عمراً على طلب دم أخيه عبد الله فقالت:
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشوا بآذان النعام المصلم
ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم
وقولها ألهاكم أن تطلبوا تهييج وإغراء. والخزير: حساء يحسى. والأجرد: الأمحق، يراد به نحي أو زق دبي. والأمحق: القليل، كأنه يصير لكم محقاً لا يبارك
стр. 1060
الله فيه، وأمحق من باب أفعل الذي لا فعلاء له واللعق، هو لما في النحي لا له، فتوسع فيه.
وقالت امرأة من طيىء
فلو أن قومي قتلتهم عمارة ... من السروات والرءوس الذوائب
صبرنا لما يأتي به الدهر عامداً ... ولكنما إثآرنا في محارب
قبيل لئام إن ظفرنا عليهم ... وإن يغلبونا يوجدوا شر غالب
العمارة: الحي العظيم يطيق الانفراد، وقد يفتح العين منه فيقال: العمارة، لغة. ومثله العميرة، وقيل: هما جميعاً البطن. والسروات: الرؤساء. والذوائب: الأعالي، وهو جمع ذوابة، واستعملوا الذنائب في خلافه، وهو جمع ذنابة، وهما اسمان في الأصل وصف بهما. وأثار: جمع الثأر. يقول: هم الذين أصابوبنا عن ذلتهم وخستهم، فالبلاء أعظم، وقرح القلب أوجع، ولو أصابنا غيرهم كان الخطب أيسر، والصبر عليه أوسع. وهذا كما يقال في المثل السائر: " وذات سوار لطمتني ". وقولها قبيل لئام، هو تفصيل ما أجمله. وقولها إن ظفرنا عليهم عدي ظفرنا تعدية علونا، لأنه في معناه، وهم يحملون الضمير على الضمير. والمعنى: لا اشتفاء في الانتقام منهم إذا نيلوا، ولا ينيمون طلاب الأوتار إذا ثأروا. وجواب الشرط، وهو قوله إن ظفرنا، متقدم يشتمل عليه قوله قبيل لئام، لأن فيه معنى الفعل.
ومثل قولها وإن يغلبونا يوجدوا شر غالب قول امرىء القيس:
ولم يغلبك مثل مغلب
إلا أنه السبب.
стр. 1061
وقال آخر:
إذا ما الرزق أحجم عن كريم ... فألجأه الزمان إلى زياد
تلقاه بوجه مكفهر ... كأن عليه أرزاق العباد
الإحجام: النكوص عن القرن هيبة له. وقد توسع به هنا. وضده الإقدام. ويقال: نكص على عقبيه. والمكفهر: المستقبل بكراهة وتغصن وجه. ويقال: سحاب مكفهر، إذا تراكم، ووجه مكفهر. ويروى: بوجه مقشعر، والأصل في الإقشعرار تقبض الجلد وانتصاب الشعر، ثم يتوسع فيه فيقال: اقشعرت الأرض والنبات والسنة. والمعنى ظاهر، وهو أن العافي إذا ورد عليه تلقاه بعبوس، كأنه اجتمع عليه لورود واحد من الناس أرزاق الخلق كلهم. وجواب إذا تلقاه.
وقال أبو محمد اليزيدي
عجباً لأحمد والعجائب جمة ... أبي يلوم على الزمان تبذلي
إن العجب لما أبثك أمره ... من كل مثوج الفؤاد مهبل
وغد يلوك لسانه بلهانه ... وترى ضبابة قلبه لا تنجلي
متصرف للنوك في غلوائه ... زمر المروءة جامح في المسحل
وإذا شهدت به مجالس ذي النهى ... وبلت سحابته بنوك مسهل
غلب الزمان بجده فسما به ... وكبا الزمان لوجهه والكلكل
قوله والعجائب جمة اعتراض بين أحمد وقصته التي عجب منها. ويقال: أمر عجب وعجاب وعجيب وعاجب. وأبلغ هذه الأبنية العجاب. وانتصب عجباً على المصدر. يقول: أتعجب لأحمد كيف أنكر خلقي وطريقتي، حتى لامني في تبذلي على تنكر الأيام وتغيرها، ومن أين استطرف ما رأى من
стр. 1062
حالي وقصتي، ومقتضى الوقت وموجب حكمه لا يدعوان إلى غيره. ثم أقبل يخاطب أحمد بعد الإخبار عنه فقال: إن العجب ما أطلعك عليه وأباثك فيه، وأكشف لك مستوره وخافيته، من كل رجل بطيء الفهم، ميت الخاطر، مدعو عليه بالهبل لثقله وعجزه غبي، إن حدث أدار لسانه في فيه يمضخ كلامه، وإن أئتمن خان، وكان ذا لونين لنفاقه، وكأن قلبه قد رين عليه لما يضمره من غل، فعليه لكل أحد ضبابة، فلا تصفو نيته، ولا تخلص طويته، متصرف في غلواء الحمق وارتفاعه وانتهائه، قليل المروءة، وزمر الحمية، يركب رأسه فيما يعن، ويغفل عن القصد فيما فيه يجد، ويمضي قدماً في الشر فلا يرتدع، ويعلو على زاجره فلا يرجع، ولا يقف وإن كبح بلجام المنع، ولا يرعوى وإن أوذن بالهلك؛ ثم إن حضرت به مجالس الفضل والعقل، سالت سحابة جهله بحمق تلتطم أمواجه، وتتدافع بصوبه أركانه؛ وعلى ما به من النذالة والجهالة رزق جداً فحظي، وغلب على أهل زمانه بما قسم له فعلى، وذل له الدهر فكبا لصدره ووجهه ضارعاً، وانقاد لأمره ونهيه صاغراص، حتى أدرك ما شاء ممتداً ي شأوه، مشترفاً في شأنه، آخذاً قصب السبق في ميدانه، فإن تعجبت فالعجيب هذا، وإن استنكرت فالنكير هذا. ويروى:
غلب الزمان بجده وسما به ... فكبا الزمان.................
فيجعل الفعل للزمان ويكون معنى سما به رفعه. ثم أخذ يدعو على الزمان فقال: سقط لوجهه وكلكله، حين اختار مثله لإحسانه، وهذا حسن جداً. والوغد: الدني، من قولك: وغدت القوم إذا خدمتهم. والنهي: العقول، والواحدة نهية. والنوك: الحمق. والمسحلان: جلقتا شكيم اللجام، والجميع المساحل. ومعنى على الزمان، على تصاريف الزمان؛ فحذف المضاف. وقوله: أبثك أمره أي أجعل أمره مما تبث وتحزن له. والمثلوج الفؤاد: البليد الخالي من الذكاء والحدة. واللؤك: المضخ.
ولقد سموت بهمتي وسما بها ... طلبي المكارم بالفعال الأفضل
لأنال مكرمة الحياة وربما ... عثر الزمان بذي الدهاء الحول
فلئن غلبت لتمضين ضريبتي ... كلب الزمان بعفة وتجمل
стр. 1063
رجع إلى صفة نفسه على تنكر الزمان له، فقال: إني وإن لم تساعدني الحال، ولا يقوم لما أنويه المال، فلى همة رفيعة، ونفس أبية، يسمو بهما ارتقائي في درجات الفضل، وطلبي المعالي بأحسن الفعل، لأعيش مكرماً مصوناً، فلا يفةتني سلامة الدين والمروءة، وإن فاتتني الزيادة في الحال والمقدرة؛ والدهر قد يعثر بالرجل التام النكر، المرير القوة والحول، لجهله بموضع الصنيعة، فإن غلبني على حظي، وتخطاني عند القسم إلى غيري، فطبيعتي تسليني وترضيني، ومعرفتي بمن عنده المال والعتاد تصرف الهم عني، فتمنحني آثار الحدثان، وعرامة الليالي والأيام، بعفاف أستعمله، وتجمل ألتزمه، لئلا يشمت عدو، أو يفرح حسود.
تم باب الهجاء بحمد الله وعونه والحمد لله على تظاهر آلائه، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
تم القسم الثالث من شرح المرزوقي للحماسة
стр. 1064
باب الأضياف
قال عتبة بن بجير الحارثي
ومستنبح بات الصدى يستتيهه ... إلى كل صوت فهو في الرحل جانح
يعني بالمستنبح ضيفاً ألجأه الضلال عن الطريق ليلاً، أو دعاه ضيق الوقت وجهد المسير منفضاً إلى أن يتكلف نباح الكلب وحكايته، لتجاوبه كلاب الحي المتوهم نزولهم في سمته ووجهته فيهتدي إليهم بصياحها، ويستعين بهم على ضره وحيرته. وهكذا كان يفعله الضال والمقرور في ظلام الليل. وكانوا إذا قربوا من البيوت المظنون دنؤها، أو المعلوم حلولها، ريما حملوا رواحلهم على الرغاء أو البغام، إيذاناً بأنفسهم. ولذلك جاء في الأمثال السائرة: " كفى برغائها منادياً ". وأصله أن بعض المتعرضين للقرى أرغى ناقته فلم يتلق بالاستنزال، فجعل يذم، فقيل: لو ناديتهم ليعلموا بك؟ فقال: كفى برغائها منادياً. وقال متمم:
وضيف إذا أرغى طروقاً بعيره ... وعان ثوى في القد حتى تكنعا
وقوله بات الصدى يستتيهه، الصدى: صوت يرجع إليك من الجبل أو مما يجري مجراه في رد الصوت. يريد: أنه لما استنبح صار الصوت الراجع إليه يحمله على أن يتيه إلى كل صوت يدركه متبيناً للصدى من غير الصدى لكي يؤديه ما يبين له
стр. 1065
الى مطلوبه من حي أو ما سبيله سبيلهم. وجعله في الرحل مائلاً لغلبة النوم عليه، أو لتهيئه لإدراك الصوت. ويقال: جنح يجنح جنوحاً، إذا مال. ومعنى يستتيهه إلى كل صوت جعل الفعل مضافاً إلى الصدى لغلبته عليه، واعتقاده في كل صوت أنه هو، فقد صار تائهاً إليه.
فقلت لأهلي ما بغام مطية ... وسار أضافته الكلاب النوابح
فقالواغريب طارق طرحت به ... متون الفيافي والخطوب الطوارح
رجع إلى أهله في التعرف لما غشيه بغام بعير الطارق، فقال سائلاً: ما بغام مطية. وما يستفهم به عما دون الناطقين، وعن صفات الناطقين. فكأنه سأل عن صفات الساري وعما أدركه من صوت المطية. وجعل الكلاب مضيفة للساري لاستنباحه ولإجابتها إياه.
وقوله غريب طارق هو بيان ما سأل عنه من صفة الساري، واكتفى بوصفه لأن البغام وإن سئل عنه أيضاً فهو من توابع الساري. ومعنى طرحت به رمت به. ومتون الفيافي: جمع متن، وهو ما ارتفع وغلظ من الأرض. وكل صلب غليظ متين. ويقال: ما تنت الرجل، إذا فعلت من ذلك ما يفعله. ومتن بالمكان: أقام به. وقوله: طرحت به المتون والخطوب، فيه دلالة قوية على ضلاله وضره وإنفاضه. ويروى: طوحت به و: الخطوب الطوائح. وكان يجب أن يقول: والخطوب المطوحات في الجمع بالألف والتاء، لأن اسم الفاعل من طوح مطوح، ولكنه أخرج الطوائح على حذف الزيادة من الفعل. ومثله قوله : " وأرسلنا الرياح لواقح "، لأن أصله أن يجيء على ملاقح أو ملقحات، لكونها ملقحة للأشجار. والفعل منه ألقح، فأخرجه على حذف الزوائد فصار لقح ولواقح. وكذلك الطوائح قياسه أن يكون إذا عدل عن الجمع بالتاء: مطاوح. وارتفع غريب على انه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هو غريب طارق. ومعنى طوحت به: حملته على ركوب المهالك. والطائح: الهالك، والذاهب الفاني. ويقال: تطاوحنا الأمر بيننا، كما يقال تطارحنا
فقمت ولم أجثم مكاني ولم تقم ... من النفس علات البخيل الفواضح
وناديت شبلاً فاستجاب وربما ... ضمنا قرى عشر لمن لا نصافح
стр. 1066
يقول: لما بان لي أمر الضيف الطارق قمت من مكاني مستعجلاً غير متلوم، حرصاً على إصلاح أمره، وتوطيد محله. ويقال: جثم مكانه وفي مكانه بمعنى. والجثوم، أصله إلصاق الصدر بالأرض ولزومها، ويستعمل كثيراً في الطير والسباع. والجثمان: الشخص منه اشتق. ومعنى لم تقم مع النفس علات البخيل يريد أن نفسي لما تهيأت للإضافة وتشمرت لم تقم معها العلات التي تفضح أربابها، والمعاذير التي تحسن التفريط في اللوازم عند مستعدها. وجعل العلات تفضح لما يتعقبها من ذميم القالة، وتضييق المعذرة، وتجاوب الناس في الإنكار إذا كانت العلل كاذبة، ووجوه التنصل مسودة. وقوله وناديت شبلاً يعني بشبل ابنه، يستعين به يقام من خدمة الضيف، فذكر أنه استجاب وتخفف منه. وذكر استجاب ها هنا أحسن من أجاب، وذاك أن قول القائل: دعوت زيداً فأجابني، كقوله: أمرته فأطاعني. وقوله: دعوته فاستجاب لي، أي تقبل ما قلته وطاوعني فيه. وعلى هذا يفسر أصحاب المعاني قوله تعالى: " فلسيتجيبوا لي وليؤمنوا بي ". وكذلك بيت كعب بن سعد:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي لم يذعن لدعائه أحد. ويقال: استجبته واستجبت له. وقوله وربما ضمنا قرى عشر أي التزمنا قرى عشر نسمة، ولا معرفة بيني وبينهم سابقة، ولا ما يوجب عند الالتقاء مصافحة. والقصد بقوله ضمنا إلى توطينهم النفس على توسيع القرى لمن لا حرمة له سوى حرمة الضيافة. ولا يمتنع أن يريد بقوله قرى عشر قرى عشر ليال، وهم إن أرادوها بأيامها يغلبون التأنيث. قال سيبويه: وتقول: سار خمس عشرة من بين يوم وليلة، لأنك ألقيت على الليالي، أنه قد علم أن الأيام داخلة مع الليالي. وعندهم أن لليل قبل النهار، فلهذا يؤرخون بها. وتقول: أعطاه خمسة عشر من بين عبد وجارية، لا غير،
стр. 1067
لاختلاطهما. قال سيبويه: وقد يجوز في القياس خمسة عشر من بين يوم وليلة، وليس على حد كلام العرب.
وقوله لمن لا نصافح يجوز أن يكون من المصافحة المعروفة، ويجوز أن يكون من صفحت الناس، أي نظرت في أحوالهم.
فقام أبو ضيف كريم كأنه ... وقد جد من فرط الفكاهة مازح
إلى جذم مال قد نهكنا سوامه ... وأعراضنا فيه بواق صحائح
يعني بأبي الضيف نفسه، وهذا كما يقال: هو أو مثواي، وهي أم مثواي. وجعله كالمازح المفاكه لما أظهره من التطلق والبشاشة، وإظهار السرور بما يأتي من توفير الضيافة والاحتفال فيه، وإيناس الضيف والبسط منه، محتفاً بالضيافة. وارتفع مازح على أنه خبر كأن. وموضع وقد جد موضع الحال، كأنه قال: يشابه المازح من فرط الفكاهة وهو جاد، لأنه قاضي ذمام، وباني مكارم. ويقال: فاكهته بملح الكلام، وهي الفكيهة والفكاهة.
وقوله إلى جذم مال تعلق إلى بقام، ويريد بالقيام غير الذي هو ضد القعود، وإنما يريد به الأشغال له بما يؤنسه ويرحب منزله ويطيب قلبه. على ذلك قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة "، لأنه لم يرد القيام المضاد للقعود، بل أراد التهيؤ والتشمر له. والجذم: الأصل. ومعنى نهكنا سوامه أثرنا في السائمة من المال بما عودناها من النحر والتفريق. ويقال: نهكه المرض، إذا أضر به. وقوله: وأعراضنا فيه بواق صحائح، أي نفوسنا باقية على حدها من الظلف والصيانة، لم تشنها الأفعال الذميمة، ولا كسرتها التكاليف المبخلة، فهي سليمة لا آفة بها، ولا عار يكتنفها، وإن كانت أموالنا مشفوهة مقرفة.
جعلناه دون الذم حتى كلأنه ... إذا عد مال المكثرين المنائح
لنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح
الضمير من قوله جعلناه، للمال، أي وقينا به أنفسنا من لوم اللائم، ودرن العائب. وقوله: كأنه المنائح، يريد أن إبلنا، وإن كانت ملكاً لنا، فهي كالعوارى عندنا، لما يتسلط عليها بأفعالنا من النقلة والتغييرات. والمنائح: جمع المنيحة، وهي
стр. 1068
الناقة تدفع لينتفع بلبنها ما دام بها لبن، فإذا انقطع لبنها ردت. وإذا عد مال المكثرين، أشار به إلى قلة ماله. والمكثر: صاحب الكثير من المال، أي ما لنا في جنب المكثرين كذلك.
وقوله جعلناه دون الذم، يريد صيرناه دون الذم، فعلى ذلك يحتمل أن يكون ظرفاً، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، فيكون معنى دون الذم قاصراً عن الذم، فيبعد الذم عنا ولا يلحقنا، لأن مالنا يحول بيننا وبين الذم. ومعنى لنا حمد أرباب المئين، أي نكتسب بما لنا القليل حمد أرباب المال الكثير، أي الحمد الذي يكسبه أولئك هذا ولا يرى مال يروح إلى بيتنا مع الليل لأنها على قلتها باركة بالفناء، معدة للنوائب والحقوق، ولم تبلغ ما يصير منها سارحة ورائحة، وباركة بالفناء وسائمة.
وقال مرة بن محكان
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... ضمي إليك رحال القوم والقربا
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خرطومه الذنبا
خاطب امرأته، وبعثها على القيام للاحتفاف بالنازلين من الأضياف. وقوله: غير صاغرة، يقال: صغر يصغر صغاراً، إذا ذل وهان؛ وصغر يصغر صغراً: ضد كبر. والقرب: جمع قراب، وهو جراب واسع يصان فيه السلاح والثياب.
وقوله في ليلة، إن شئت جعلت الجار متعلقاً بضمي، وإن شئت جعلته متعلقاً بقومي. والأجود في الجمع بين الفعلين في باب الأمر أن يدخل الثاني حرف العطف، كقول الله : " قم فأنذر. وربك فكبر "، وادن فاكتب، وما أشبه ذلك. وهذا قال: قومي غير صاغرة ضمي إليك، ولم يأت بالعاطف فيه، وهو جائز. وانتصب غير على الحال. وجعل الليلة من ليالي جمادى لأنها من شهور البرد، والمراد في ليلة من ليالي جمادى ذات أنداء وأمطار. وكانوا
стр. 1069
يجعلون شهر البرد جمادى وإن لم يكن جمادى في الحقيقة، كأن الأسماء وضعت في الأصل مقسمة على عوارض الزمان، والحر والبرد، والريح والمطر، وتبدل الفصول، ثنم تغيرت فصارت تستعار. وقوله ذات أندية، تكلم الناس فيه، لأن جمع الندى أنداء. قال الشاعر:
إذا سقط الأنداء صينت وأشعرت ... حبيراً ولم تدرج عليها المعاوز
فكان أبو العباس المبرد يقول: هو جمع ندى المجلس. وكان أماثل الناس وأغنياؤهم إذا اشتد الزمان وجد القحط والجدب يجلسون مجالس يدبرون أمر الضعفاء، ويفرقون فيها ما حصل عندهم من فضل الزاد، وينصبون الميسر، وينحرون الجزر متبارين فيها ومتباهين. فيريد: في ليلة توجب ذلك وتقضي به. وقال غيره: هو جمع ندى، كأنه جمع فعلاً على فعال، ثم جمع فعالاً على أفعلة، كأنه ندى ونداء، ثم جمع النداء على الأندية ككساء وأكسية، ورواق وأروقة. وقيل أيضاً: هو شاذ استعير ما للممدود للمقصور. وهو يفعلون ذلك في المباني كما يفعلون في الألفاظ. قالوا: ومثله قفاً وأقفية، ورحى وأرحية. وهذا مما حكاه الكوفيون. وقال بعضهم: هو أفعله بضم العين، كأنه جمع فعلاً على أفعل، كما قيل زمن وأزمن، فجاء ندى وأند، ثم ألحق الهاء لتأنيث الجمع، كما تقول بعولة وحجارة، فصار أندية، ويكون في هذا الوجه شاذاً أيضاً. وقوله: لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا، فيه مبالغة في وصف الظلمة وتراكمها. والطنب: حبل البيت. والكلب قويالبصر، فإذا بلغ أمره إلى ما وصفه فذاك لتكامل الظلام وامتداده. لذلك قال الآخر:
أناس إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء معضل
وقد قيل في هذا البيت وجه آخر. وموضع الجملة على الصفة لليلة، فهو جر، وساغ ذلك فيها لاحتمالها ضميرها، وكذلك قوله لا ينبح الكلب فيها غير واحدة. وانتصب غير على أنه مصدر، وأراد غير نبحة واحدة، ولما لم يجيء إلا مضافاً ولم
стр. 1070
يكن له معنى إلا مخالفة ما يضاف إليه جاز أن يجيء فاعلاً، ومفعولاً، وحالاً، وظرفاً، ووصفاً، واستثناءً، ومصدراً. وقوله: حتى يلف انتصب الفعل بإضمار أن. وحتى بمعنى إلى، كأنه قال: إلى أن يلف الذنب على خرطومه، أي لا ينبح إلى أن يلف الذنب على خرطومه، أي لا ينبح إلى أن يلف الذنب إلا نبحة. ولو رفعت الفعل فقلت: حتى يلف لجاز ذلك، ويراد به الحال، والمعنى أن يكون الفعل الثاني متصلاً بالأول، أي لا ينبح إلا نبحة فهو يلف الذنب. وعلى هذا قولك: سرت متصلاً بالأول، أي لا ينبح إلا نبحة فهو يلف الذنب. وعلى هذا قولك: سرت حتى أدخلها، فقرن السير بالدخول، ومعناه أنه خرج من السير إلى الدخول، إلا أنه يخبر أنه في حال دخول، فمعناه كمعنى الفاء إذا قلت: سرت فأنا أدخلها، أي هذا متصل بهذا.
ماذا ترين أندنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت أم نبني لهم قببا
لمرمل الزاد معنى بحاجته ... من كان يكره ذماً أو يقي حسبا
أقبل يشاورها ويستقي الرأي من عندها، ويبعثها على تعرف الحال منهم فيما يرافقهم ولا يخرج من مرادهم ورضاهم.
وقد تقدم القول في لفظة ماذا مشروحاً.
وترين: أصله ترأيين، لأنه تفعلين، فحذف الهمزة استخفافاً بعد أن ألقي حركتها على الراء، فصار تريين ثم قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فاجتمع ساكنان، وحذفت الألف منهما فصار ترين. والمعنى: أخبريني بعد رجوعك إليهم ماذا نأتيه في شأنهم، وما الذي يرونه في إقامتهم وظعنهم، فإن أرادوا إطالة اللبث بنينا لهم قباباً يتفردون فيها، فذاك آنس لهم، وأبقى لحشمتهم؛ وإن أرادوا تخفيف اللبث خلطناهم بأنفسنا، وأدنيناهم من رحالنا في جوانب بيوتنا، لأن الصبر مع خفة التلوم منهم على ما يعترض من أحوالهم ممكن.
وقوله: لمرمل الزاد تعلق اللام بقوله: ماذا ترين، كأنه أعاد الذكر فقال: وذا السؤال والاستشارة من أجلهم، ولمكامنهم. والمرمل: الذي قد انقطع زاده. ويجوز أن يكون لمرمل الزاد بدلاً من المضمرين في نبني لهم، وقد أعاد حرف الجر معه.
стр. 1071
وقوله: من كان يكره موضعه رفع بمعنى، كأنه قال: ذاك مني لمنقطع به، يعني بحاجته، من كان كارهاً لذم الناس، أوصائناً لشرفه. كأنه بين العلة في العناية به.
وقمت مستنبطاً سيفي وأعرض لي ... مثل المجادل كومم بركت عصبا
فصادف السيف منها ساق متلية ... جلس فصادف منه ساقها عطبا
زيافة بنت زياف مذكرة ... لما نعوها لراعي سرحنا انتحبا
انتصب مستبطناً على الحال من قمت، والمعنى: شغلت ربة بيتي بما رتبت من أمرهم، وقمت أنا حاملاً سيفي ومتقلداً له. ويقال: استبطنت فلاناً دونك، أي خاصصته؛ وتبطنت كذا: ودخلت فيه حتى عرفت باطنه. وقوله: أعرض لي أي أبدى عرضها لي نوق كأنها قصور، كمال جسم وبلوغ سمن. والكوم: جمع أكوم وكوماء، وهي العظام الأسمنة. وقوله: بركت إنما ضعف عين الفعل على التكثيرأو التكرير. وجعل إبله فرقاً باركة لشدة البرد، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
واعصوصبت بكراً من حرجف ولها ... وسط الديار رذيات مرازيح
وانتصب عصباً على الحال، وهو جمع عصبة.
وقوله: فصادف السيف منها ساق متلية أراد: عرقب ناقة منها. والمتلية هي التي لها ولد يتلوها، وقيل هي الحامل. والجلس: الصلبة المشرفة وقيل هي الواسعة الأخذ من الأرض. ومعنى: صادف منه، أي من السيف. والمعنى أن السيف والساق تصادما، فأبان السيف الساق منها. والزيافة، هي التي تزيف في مشيتها وتتبختر. جعلها بنت زياف استكراماً لعرقها وجوهرها. والمذكرة: التي تشبه الذكورة في خلقتها. وقوله: لما نعوها، الفاعلون هم الناس ولم يجر لهم ذكر، لكن المراد مفهوم فأضمره. أي بما ذكر الناس ما جرى عليها لراعي سرحنا، أي راعي مالنا السارحة
стр. 1072
بكى بكاء فيه نحيب وصوت، ضنا بمثلها، وتحزناً لما فات منها، ولأن لبنها كان يبقى على محاردة الإبل، وشدة اللزبة.
والعطب: الهلاك، ويقال: عطب البعير، إذا انكسر.
أمطيت جازرنا أعلى سناسنها ... فصار جازرنا من فوقها قتبا
ينشنش اللحم عنها وهي باركة ... كماتنشنش كفا قاتل سلبا
يقال: امتطيت البعير، إذا ركبت مطاه، وهو الظهر، وأمتطيته غيري. وإنما يصف إشراف الناقة التي وصفها، فيقول: ركبها جازرنا لما نحرها، إذ كان أعلى سنامها لم تصل يده فصار منها لما علاها بمكان القتب حتى كانها مقتبة. والسناسن: أعالي السنام والخارج من فقار الظهر، واحدتها سنسة. ومعنى ينشنش يكشف ويفرق. وقيل: النشنشة معاسرة الشيء حتى تأخذه كما تريد. يقول: ركب مطاها لما يبلغ سنامها لعظمها ولم يمكنه أن يكشط الجلد عنها، فأقبل يقطع اللحم عنها وينتزعه منها، فعل القاتل السالب لثياب المقتول وسلاحه. وهذا تشبيه حن جاء على حقه. ورواه بعضهم: كما تنشنش كفا فاتل سلبا، وقال: شبه نشنشته بنشنشة فاتل الحبل من السلب، وهو نبات يخرج على صورة الشمع وعلى قدره، فيجز ويفتل منه الحبل. وبائعها ومتخذها السلاب.
هكذا حكاه أبو حنيفة الدينوري، والرواية الأولى أجود وأكثر مشابه.
وقلت لما غدوا أوصي قعيدتنا ... غدى بنيك فلن تلقبهم حقبا
أدعى أباهم ولم أقرف بأمهم ... وقد عمرت ولم أعرف لهم نسبا
أنا ابن محكان أخوالي بنو مطر ... أنمي إليهم وكانوا معشراً نجبا
قوله: لما غدوا أي هموا بالارتحال غدواً، لأن لما علم الظرف. وأوصى في موضع النصب على الحال، وتقديره: موصياً قعيدتنا. ومفعول قلت قوله غدي بنيك. والمعنى بالغي في تفقد أضيافك في هذه الغداة، فإن لقاءهم سيتأخر زماناً ممتداً. والحقب: السنون، واحدتها حقبة. والمعنى عدي الإحسان إليهم نهزة تفترصينها، وزاداً من اإحسان تدخرينها، فإنه لا يدري متى تظفرين بأمثالهم، وهل يكون فيما بقي من الزمان لهم عودة إلينا.
стр. 1073
وإنما قال: أدعي أباهم، لأنه يقال للمضيف: أبو المثوى، وللمضيفة: أم المثوى. ولم أقرف بأمهم أي لم أتهم. والقرفة؛ التهمة. ومعنى عمرت: بقيت حياً. وقصد الشاعر أن ينبه على أنه لا عواطف بينهم، ولا أواصر تجمعهم، وقد التزم ما التزم لهم تكرماً واصطناعاً. ثم نبه على طرفيه فقال: أخوالي بنو مطر أنتمي إليهم وهم منجبون، وأعمامي بالفضل والإفضال معروفون، ونجل الجواد جريه يتقيل.
آخر:
ومستنبح قال للصدى مثل قوله ... حضأت له ناراً لها حطب جزل
فقمت إليه مسرعاً فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل
فأوسعني حمداً وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
قوله ومستنبح يريد به رجلاً ناكده الزمان في صفره، أو لم تساعده الحال فيه على مؤنه، فاستنبح كلاب الأحياء ليهتدي إليهم، فأقبل الصدى يحاكيه، ويؤدي إليه مثل صوته. ومعنى حضأت له ناراً فتحت عينها لترتفع وتلتهب وقد أوقدت بغلاظ الحطب وكبارها، فقمت إلى الضيف متعجلاً، واستغنمت خدمته مسارعاً لئلا أبادر إليه فيغتمنه غيري، ويفوز به سابقاً لي. وقوله حضأت له ناراً، جواب رب.
وانتصب مسرعاً على الحال، ومخافة قومي مفعول له، أي فعلت ما فعلت لهذه العلة فأكثر الضيف من إطرائي وتزكيتي، وشكري وتقريظي، وأكثرت القرى له محتفلاً ومتكثراً، ومتودداً ومتكرماً، وما أرخص حمداً جالبه أكل، وكاسبه إطعام. وقوله كان كاسبه أكل جعل النكرة اسم كان، والمعرفة خبراً. وابهام الحاصل من التنكير في هذا الموضع أبلغ في المعنى المستفاد. ومثله قول النابغة:
كأن مدامة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
وإن شئت رويت: وأرحص بحمد كان كاسبه الأكل؛ وأمره ظاهر.
стр. 1074
آخر:
تركت ضأني تود الذنب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدة ... وكل يوم تراني مدية بيدي
قوله تود الذئب راعيها، لك أن تقول: عدي تود إلى المفعولين، ويسوغ ذلك فيه أنه عطف على مفعوله الأول قوله وأنها لا تراني آخر الأبد، ويكون التقدير لكشفه: وتود أنها لا تراني أبداً. ويشهد لهذا قول الآخر:
وددت وما تغني الودادة أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم
ألا ترى أن وقوع أن بعده يقرب الأمر في تعديه إلى مفعولين، وأن يجري مجرى أفعال الشك واليقين، كما تقول ظننت أن زيداً منطق، وأصحابنا النحويون بمثل هذا الاستدلال حكموا على زعمت بأنه يتعدى إلى مفعولين. ولا يمتنع أن يكون راعيها في موضع الحال، والمراد راعياً لها، ويتعدى تود حينئذ إلى مفعول واحد. والمعنى أن ضأني تتمنى أن يكون مدبرها في الرعية أعدى عدو لها، وتخرج من ملكتي وملكي، حتى لا أراها آخر الدهر، وذلك أن عدوها ينفع معه الحذر، بل لا يكاد يتمكن من الاضار بها طول الدهر إلا مرة واحدة، وذلك لعارض إهمال أو اتفاق سيء وإغفال، أو لما هو عادة الزمان في انتهاء الآماد من الإرصاد، وهي لا تحترز مني إذا أردتها وإن اجتهدت، ولا تطيق دفعها لي وإن احتفلت.
وقوله الذئب يطرقها هو بيان سبب تمنيتها وكشف العلة في تفاديها من أن تكون في ضمن سياسته لها. وانتصب واحدة على الظرف، مرة واحدة، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، كأنه أراد طرقةً واحدةً. وقوله وكل يوم هو ظرف لقوله تراني حاملاً مدية لها، ومتهيئاً بآلة ذبحها. وإن شئت رويت مدية، ويكون بدلاً من المضمر في تراني، وهذا البدل هو بدل الاشتمال، أي ترى مدية. فأما وجه الرفع، فالضمير الذي استغنى عن الواو المعلقة للجمل بما بعدها وهي صفات أو أحوال، لأن الضمير يعلق كما يعلق العاطف. وفي الوجه الثاني وهو البدل مثله قول الله تعالى: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ".
стр. 1075
آخر:
ما أنا بالساعي إلى أم عاصم ... لأضربها إني إذاً لجهول
لك البيت إلا فينة تحسنينها ... إذا حان من ضيف على نزول
قوله لأضربها اللام منها لام كي. فإن قيل: كيف يكون كذلك وفي صدر الكلام ما النافية، ولم لا يكون لام الجحود؟ قلت: لام الجحود تقع بعد ما كان وما تصرف منه، كقول الله تعالى: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ". وكقولك: ما كنت لأشتمك، لأنه جواب قول قائل: كنت ستشتمني، فأجيب: ما كنت لأشتمك، ولهذا لم يظهر معه لأن الناصبة للفعل وإن جاز ظهورها مع لام كي. وإذا رقع لغواً لافتقار ما قبلها إلى ما وقع بعدها. والجهول: الكثير الجهل وبناؤه للمبالغة. وهذا الكلام خارج على سبب، كأنه رأى إنساناً يضرب امرأته ويحول بينها وبين تدبيرها دارها، فنفى عن نفسه مثل ذلك بعد ان اعتقد فيه أنه يقتدي به حتى كأنه أجاب من قال له: أكنت لتضرب أم عاصم؟ فقال: ما انا بالساعي لذلك. وبين أن ذلك يفعله المتناهي في الجهل والغباوة. وقوله لك البيت إلا فينة حكى أو زيد أن قولهم فينة مما يعتقب عليه تعريفان: أحدهما بالوضع، والآخر بالآلف واللام، ومثله شعوب والشعوب، والمراد به المنية، كما أن المراد بالفنية الوقت. كأنه أقبل على امرأته فقال: إليك تدبير البيت ولك الأمر فيه نافذاً إلا وقتاً تحسنين فيه، وهو وقت حين نزول الضيف فيه علي، لأنه من أجله يجب أت تحسني إليه فيه، وتدبري له لا عليه، لأن البيت كأنه له ونحن من حوله. وقوله تحسنينها قدر الظرف تقدير المفعول الصحيح، كما قال:
ويوم شهدناه
وما أشبه. ويروى بعضهم: إلا فينة تحسبينها أي تظنين فيها أنه لغيرك لا لك، ويكون على هذا قد حذف مفعولاً يحسب وشغل بضمير الفينة. والمعنى في ذلك: تجعلين النظر له والتجمل، والاحتفال بسببه. وانتصب إلا فينة على الاستثناء
стр. 1076
من واجب، كأنه قال: لك البيت كل وقت وساعة إلا ساعة كذا. وهذا الاستثناء من معنى لك البيت، ومما انطوى عليه فحوى الكلام. وقوله إذا حان من ضيف على نزول موضعه نصب على أنه بدل من فينة. وإنما قال إذا حان لأن الاستعداد والاحتشاد يتقدمان النزول.
وقال بعض بني أسد
وسوداء لا تكسي الرقاع نبيلة ... لها عند قرات العشيات أزمل
إذا ما قريناها قراها تضمنت ... قرى من عرانا أو تزيد فتفضل
أراد بالسوداء قدراً، ولا تكسي الرقاع في موضع الصفة لها.
وفي طريقته قول الآخر:
إذا النيران ألبست القناعا
وجعلها مكسوة قناعاً لأن الرقعة والرقعتين لا تكفي في سترها لعظمها. وإنما تستر القدور لشدة الزمان، بل تعطل وترفض لضيق الأحوال، وقصور الأيدي عن المراد، مع اتساع الغاشية وتورد الطلاب. ويشبه ما ذكره من جمع الرقاع لعظم القدر قول الأعشى، وقد وصف امرأة بعظم العجيزة:
تشد اللفاق عليها إزاراً
أي تلفق بين ثوبين حتى يتسع إزاراً لها.
ويجوز أن يريد أنها كبيرة لا يمكن سترها بالرقاع، أولا تستر، كما قال:
ولا ترى الضب بها ينجحر
стр. 1077
والمعنى لا ضب هناك فينجحر.
وقوله نبيلة أي عظيمة الشأن، وخص قرات العشيات لأنها وقت الأضياف. والمراد: لها عند العشيات القرة أزمل، وهو الصوت، والمراد غليانها. والقر والقر والقرة: البرد.
وقوله إذا ما قريناها قراها، يريد إذا ملأناها فدراً وأوصالاً تضمنت لنا الكفاية لمن نابنا من حق، وأتانا من ضيف، أو تزيد عن المطلوب فتفضل على غيرهم ممن لا يعد في الوقت ولا يذكر. ويروى: فتفضل بفتح التاء، وهو ظاهر المعنى، والأول أحسن. وجعل المطبوخ في القدر قرى ليطابق قوله: تضمنت قرى من عرانا. وعادتهم في طباق الألفاظ ووفاقها في النظام معروفة.
وقال آخر:
سلي الطارق المعتر يا أم مالك ... إذا ما أتاني بين قدري ومجزرى
أيسفر وجهي أنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
الطارق: الآتي ليلاً. وسلى أصله أسألي فحذفت الهمزة وألقي حركتها على السين ثم استغنى عن الهمزة المجتنبة، لتحرك السين بالفتحة، فحذفت. والمعتر: المتعرض ولا يسأل. يقال: عره واعتره بمهنى. وفسر في التنزيل قوله تعالى: " فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر " على ذلك، لأن القانع قيل هو السائل، والمعتر الذي يتعرض ولا يتكلم. وقال الأصمعي: عراه واعتراه وعره واعتره، إذا أتاه طالباً لمعروفه. وقوله إذا ما أتاني بين قدري ومجزري يريد إذا أتاني في موضع الضيافة ودارها بين مسقط الجزر ومنصب القدور. والمعنى: سلي أضيافي عن أخلاقي معهم، وكيفية إكرامي لهم في مثواهم، وهل أتدرج في مدارج الخدمة وأتوصل بأنواع التودد والقربة من ابتداء نزولهم، إلى انتهاء ذهابهم عني وخفوفهم. وإنما خاطب امرأة على عادتهم في نسبة الملامات بسبب التبذير والإسراف والتوسع في الإنفاق إليهن، وإقامة الحجاج والجدال في الأنصباب إلى جوانب الخسارات معهن. ويجوز أن يكون التبجح عندها بما يحمد من خصاله، فلذلك خصها بالخطاب.
стр. 1078
وقوله أيسفر وجهي ي موضع المفعول الثاني لسلي، وقد اكتفى به لأن في الكلام إضمار أم لا. وساغ حذفه لما يدل عليه من قرائن اللفظ والحال. وقال سيبويه: لو قلت علمت أزيد في الدار لاكتفى به من دون إضمار. ولو قلت: سواء علي، أو ما أبالي، لم يكن بد من ذكر أم لا بعدهما. ومعنى قوله أنه أول القرى، يريد أن إظهار البشاشة للضيف وتطلق الوجه معه، وإظهار السرور بقصده ومثواه من أوائل قراه. ثم الترجيب به وإيناسه من بعد حتى كان ينتظر كما ينتظر الغائب الآيب، ثم المبالغة في الإنزال وحط الأثقال، وإظهار سعة الرحل والمكان إلى غير ذلك - مما يبسط منه، ويزيل الحشمة والانقباض عنه؛ لذلك قال:
وأبذل معروفي له دون منكري
لأن قوله معروفي دخل تحته كل محمود من الأفعال والرسوم، كما أن قوله دون منكري اشتمل على نفي كل مذموم من الخصال والأمور. وقيل: إن المنكر هو أن يسأل عن حاله ونسبه، وقصده في صفره، وكيفية مأتاه حين نزل به؛ لأن جميع ذلك مما يجلب عليه حياء، ويوسعه نفوراً وإمساكاً. والضمير من قوله أنه أول القرى لما يدل عليه قوله أيسفر وجهي؛ لأن الفعل يدل على مصدره. والمراد أن الإسفار أول القرى، وعلى هذا قولهم: من كذب كان شراً له، وما أشبهه.
آخر:
وإنا لمشاؤون بين رحالنا ... إلى الضيف منا لاحف ومنيم
قذو الحلم منا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم
قوله إنا لمشاؤون إبانة عن حسن خدمتهم للضيف، وعن قرب محطه من رحالهم ومقارهم. وقوله منا لاحف ومنيم يريد: ومنامنيم، فحذف لأن المراد مفهوم. وفي القرآن: " منها قائم وحصيد ". واللاحف والمنيم إنما ينهضان بعد تقضي الإطعام والإيناس. ألا ترى قول الآخر:
أحدثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
стр. 1079
وقوله قذو الحلم منا جاهل دون ضيفه في هذا البيت بعض ما في قول الآخر:
وأبذل معروفي له دون منكري
وإنما يتجاهل الحليم دون ضيفه إذا أوذى عند طلب ثأر من جهته أو تخشين جانب له بكلام أو فعال. وقوله: وذو الجهل منا عن أذاه حليم، يريد به وإن أخذ الضيف يؤذينا ترى الجهول يحتمله، ويغفر زلته، ولا يطلب مؤاخذته ومكافأته.
وقال ابن هرمة
أغشى الطريق بقبتي ورواقها ... وأحل في نشر الربى فأقيم
إن امرأ جعل الطريق لبيته ... طنباص وأنكر حقه للئيم
يقارب ما قاله قول الآخر:
يسط البيوت لكي يكون مظنة ... من حيث توضع جفنة المسترفد
وقول الآخر:
ويأبى الذم لي أني كريم ... وأن محلي القبل اليفاع
وذاك أن الكرام ينزلون الروابي والإكام، ويتوسطون الناس في أيام الجدب، وعند اشتمال القحط، لكي تهتدي إليهم السابلة والمارة، ويشترك في خيرهم الداني والقاصي. واللئام ينزلون الأهضام وبطون الأودية، ويتفردون عن الناس إبقاء على زادهم، وضناً بطعامهم، وتفادياً من أن تعرف أماكنهم فيكثر قصد أبناء السبيل لهم، ووطوهم إياهم، وتنضم الطوائف والفرق إليهم. لذلك قال المرقش:
وعاد الجميع نجعة للزعانف
стр. 1080
أي تأوى الفرق القليلة إلى الجمع، لتعيش بعيشهم. فيقول: إني أنزل على الطريق وأبني عليها قبتي، وقد مد رواقها ورفع سمكها لتمتد العيون إليها، ويغشاني ذوو الحاجات فيها. وكذلك أحل التلاع والنشاز تشهيراً لمكاني، وتعرضاً لتعليق الآمال بي إذا اشتد الزمان، وأوثر الخمول والاندفان. والقباب يتخذها الرؤساء، فلذلك خصها بالذكر، ولم يرض بذلك حتى جعل لها روافاً ممدوداً، وموضعاً له من الطريق مغشياً موطوءاً.
ولمثل ذلك قال أبو تمام:
لولا بنو جشم بن بكر فيكم ... رفعت خيامكم بغير قباب
والنشز: ما ارتفع من الأرض. والربى: جمع ربوة. ولم يرض بالحلول حتى وصله بالإقامة. وقوله إن امرأ جعل الطريق لبيته طنباً، أراد جعل الطريق موضع طنب بيته، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكون على القلب، أراد: جعل طنب بيته للطريق، أي مما يليه، ثم لم يقم بحقه ولم يلتزم مايجب عليه فيه، للئيم. وإنما أعاد هذا الذكر تأكيداً لما يأتيه، واعترافاً بالواجب فيه. والأطناب: حبال البيوت، قال الشاعر:
تقطع أطناب البيوت بحاصب
وقد تسمى عروق الشجر أطناباً على التشبيه، وهذا كما سميت أذناباً وأشطاناً. قال:
.....................تستقي ... بأذنابها قبل استقاء الحناجر
وقال آخر:
أشطانها في عذاب البحر تستبق
стр. 1081
وقال آخر:
ومستنبح يستكشط الريح ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثوب معصم
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوم
كشط واستكشط بمعنى. فهو كعجب واستعجب. والكشط يقارب الكشف. ويقال: كشط الجلد عن الجزور، ويستعمل في الجزور خاصة كثيراً ولإن أجرى على غيره أيضاً. والجلد يقال له الكشاط؛ يقال: ارفع عنه كشاطه. والمعصم والمستعصم واحد، وهو المستمسك بالشيء. وإنما أراد أن يصور حال المستنبح وما هو ممنو به من البرد والريح.
وقوله عوى في سواد الليل أي نبح وصاح. وفي المثل السائر: لولك عويت لم أعو. وأصله المستنبح أجابه الذئب. ويقال فلان ما يعوى ولا ينبح إذا استضعف. ويقال للداعي إلى الفتنة: عوى، تشبيهاً له بالكلب وإزراء به. فأما قولهم للحازم: والاعتساف: الأخذ في الطريق على غير هداية. وإنما قال أو ليفزع نوم لأنهم إذا انتبهوا لصوته أجابوه أو رفعوا النار له وذلك على حسب مكانه في القرب والبعد. وجواب رب: عوى.
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهبين مطعم
يكاد إذا ما أصبر الضيف مقبلاً ... يكلمه من حبه وهو أعجم
يعني بمستمع الصوت: الكلب. ويقال: استمع بمعنى سمع، فهو كاستعجب وعجب. وإنما قال مع إتيان المهبين مطعم لسعة عيش الكلب فيما ينحر للضيف. والمهبون: الأضياف. ويقال: هب من منامه، وأهببته. وقوله يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً يكلمه، أي يكاد الكلب يلكم الضيف حباً له إذا أقبل، على عجمته. وانتصب مقبلاً على الحال، والكلب مما يوصف به
стр. 1082
حبه للضيف، لذلك قال الآخر:
حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر
وحبه للظاعن، لذلك قيل في المثل: " أحب أهل الكلب إليه الظاعن " وحبه لوقوع الآفات في المال، لذلك قيل في المثل: نعيم كلب في بؤسي أهله. واللام من قوله للقرى يجوز أن يتعلق بقوله جاوبه، أي لهذه العلة جاوبه، ويجوز أن يتعلق بقوله مستسمع الصوت.
وقال سالم بن قحفان
لا تعذليني في العطاء ويسري ... لكل بعير جاء طالبه حبلا
فإني لا تبكي على إفالها ... إذا شبعت من روض أوطانها بقلا
فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن ... ولا مثل أيام العطاء لها سبلا
كانت امرأته عاتبته وأنكرت منه تبذير المال، وقلة الفكرفي عواقب الأمور وحاضر العيال، وقال لها اطرحي اللوم معي فيما تعودته وأجري عليه من البذل والسخاء، وهيئي لكل بعير جاء طالب له حبلاً يقتاده به، حتى تكوني شريكاً لي في العطاء ومعيناً، واعلمي أني إن أبقيت على مالي وسعيت في توفيرها وتثميرها، وأهنت نفسي بإعزازها، فإنها لا تبكي على إفالها إذا مت وقد طاع لها المرتع من قبل فشبعت من بقول الرياض، وسمنت بالتوديع وحسن الإرعاء، ولا تذكرني بجميل، وإنما يفعل ذلك من أحسنت إليه في حياتي واصطفيته بإسدائي، وآثرته باتخاذ الأيادي إليه، وإكمال النعم عليه.
стр. 1083
وقوله فلم أر مثل الإبل مالاً لمقتن فالمقتني: الذي يتخذها قنية للنسل، والمراد أنها إذا لم يوجد للإقتناء خير منها، فلا طريق تصرف إليه أصلح من طرق الجقوق الراتبة فيها. وانتصب بقلاً على التمييز. وإنما قال: لا تبكي على إفالها وهي الصغار منها، والواحد أفيل، إزراء بها إذ صارت إرثاً، ولم تدخل تحت ما فرقه في النوائب الطارقة، والفروض الواجبة.
وقال آخر:
ألا ترين وقد قطعتني عذلاً ... ماذا من البعد بين البخل والجود
إلا يكن ورقي غضاً أراح به ... للمعتفين فإني لين العود
يخاطب امرأة ويقررها على ما انكرت عليه في السخاء والبذل، ويريها أن الصواب فيما يختاره ويجري عليه من اكتساب الحمد ببذل ما تملكه يداه، وابتناء المكرمات بالتخرق في العطاء، فيقول: قد قطعتني لوماً، وحرقتني توبيخاً وعذلاً، ومتى راجعت نفسك، وناجيت عقلك، وخايرت تجربتك عرفت التفاةت بين الإمساك والبذل، وبين النسخي والبخل، وبان لك أن الصواب فيما أختاره، وعلى تغير الأحوال أراجعه واعتاده، وأن الخطأ فيما تبعثين عليه، وتسوقين إليه. ثم قال: إن كان في مالي قصور عن المراد، وقعود عند حضور المرتاد، فإن نفسي سمحة مجيبة، وعلى ما تقصر الحال عنه متحسرة، وسيعود عودي وريقاً، فحينئذ أرتاح للعفاة بورقي غضاً طرياً، وأزل معروفي موفوراً هنياً. ويقال: رحت له أراح، أي ارتحت. وقيل: الأريحي أفعلي من هذا. وذكر الورق كناية عن المال الكثير في كلامهم. قال زهير:
وليس مانع ذي قربى ولا رحم ... يوماً ولا معدماً من خابط ورقا
لما استعار الورق للمال وصله بالخابط تشبيعاً للفظه، وتحسيناً لكلامه، وكذلك هذا لما كنى عن معروفه بالورق وصله بالعود. وإذا لان العود اهتز، وعن الاهتزاز للخير يحصل التندي ويكرم الطبع.
стр. 1084
وقال قيس بن عاصم
إني امرؤ لا يعتري خلقي ... دنس يفنده ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والفرع ينبت حوبه الغصن
خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن
قوله يفنده أي يفحشه، والفند: الفحش. ويقال: أفند الرجل، إذا أتى بالفحش. والأفن أصله في استخراج اللبن من الضرع حتى يخلو منه، ثم قيل: أفن الرجل فهو مأفون، إذا زال عقله. والمعنى: إني رجل لا يتسلط على خلقي ما يدنسه ويفحسه من تغير وتبدل، وتسرع إلى الشر وتلون، وزوال عن السنن المعهود، وذهاب في طريق المأفول المعتوه، ولكنني أبقى على حالة واحدة محمودة، لا أحول ولا أزول. ثم أنني من بني منقر في بيت من الكرم قد فرعته، والفرع من شأنه أن يلتف بأغصانه النابتة حوله. وهذا مثل ضربه للمحتفين به من أقاربه، والآخذين إخذه في طبائعه ومذاهبه. قم وصفهم فقال: هم خطباء إذا قام قائلهم يبين عن نفسه وعن عشيرته، كرام لا يسود وجوههم عار في الأصل، ولا شين مكتسب على وجه الدهر. المصاقع: جمع مصقع، وأصل الصقع الضرب، وكما وصف به اللسان وصف بالسق والصلق فقيل: خطيب مصقع مصلق مسلق سلاق. وفي القرآن: " سلقوكم بألسنة حداد ". واللسن: جمع اللسن. ويقال: لسن يلسن لسناص، إذا تناهى في البلاغة والفصاحة. ويقال لسنت فلاناً، إذا ضايقته فيما يجاذبه من الكلام. على هذا قوله:
وإذا تلسننس ألسنها
стр. 1085
وقوله: لا يفطنون لعيب جارهم، يقول: هم يلابسون الجار على ظاهر أمره، لا يتجسسون عليه، ولا يتطلبون مشاينه ومقابحه، وإن اتفق له ما يوجب عليهم حفظه لعقد الجوار فطنوا له، وحافظوا عليه. وإنما قال هذا لما سار في الناس وجرى مجرى الأمثال، من أن التكرم مكيال ثلثاه حسن الفطنة وحدة الذكاء في العارضات، وأن اللؤم مكيال ثلثاه سوء الفطنة واستعمال التجوز في الواجبات. والفطن: جمع فطن وهو كخشن وخشن.
وقال ابن عنقاء الفزاري
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا باد يرجى ولا حضر
فقلت له خيراً وأثنيت فعله ... وأوفاك ماأسديت من ذم أو شكر
يقول: راعي حالي عميلة وتأملها على ما بها، فأنهى رثاثتها واختلالها إلى ماله، متحملاً الشكوى منها على قلبه ونفسه ظاهراً وباطناً، ومسراً ومعلناً، لا يشوبه مداجاة ولا نفاق، ولا يتخلل فعله مخاتلة ولا رياء، بل اعتنى بها على خلوص نية، واهتمام بإحسان مع نقاء طوية. وقوله دعاني فآساني، يقول: ابتدأ في تغيير حالي، وإزالة ما مسني من فقري من ذات نفسه، فجبرني وانتاشني، ولو سعى سعي غيره من البخلاء لم يلحقه مني عيب فيي وقت قد تساوى الناس في المنع واطراح الحقوق حتى لاذو البدو
стр. 1086
يرجى ولا ذو الحضر. وقوله ولا حضر حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا كما يقال: الجود حاتم، يراد جود حاتم. وكان الوجه أن يقول: ولا حاضر، مع ذكر البادي، ليكون الكلام أشد التئاماً، أو يقول: فلا بدو يرجى، مع قوله ولا حضر. وقوله فقلت له خيراً، يقول: شكرته على اصطناعه، وأثنيت على فعله، وكثرته في الناس ما تكلفه لي وتبرع به ونشرته. وقد وفاك حقك في الآسداء من حمدك، كما وفاك في المكافأة من أسأت إليه إذا ذمك. وكان وجه الكلام أن يقول: وأوفاك ما أسديت أو أسأت من ذم أو شكر، فاقتصر على ذكر الإسداء وإن كان يستعمل في الخير لا غير. وأصله من السدى وهو ندى الليل خاصة. يقال: سديت ليلتنا، إذا كثر نداها، ولا يكاد يستعمل في النهار. قال:
فأنت الندى فيما ينوبك والسدى
وقيل أصله من السدو، وهو التذرع في المشي اتساع الخطو. يقال: سدى البعير وأسدتيه، والأول هو الصواب.
ومثل قوله وافاك ما أسديت من ذم أو شكر قول الآخر:
فما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني
لأن المراد أريد الخير وأجتنب الشر، فاكتفى بذكر أحدهما، ألا ترى أنه قال من بعد:
أألخير الذي أنا أبتغيهأم الشر الذي هو يبتغيني وقوله وأثنيت فعله أصله على فعله، فحذف الجار ووصل الفعل نفسه.
غلام رماه الله بالخير مقبلاً ... له سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري وفي خذه القمر
стр. 1087
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
قوله رماه الله بالخير معناه كساه الخير ومسحه به مقبلاً فيه لا مدبراً. وقد كشف معنى الرمي بقوله: له سيمياء لا تشق على البصر، يريد ما عليه من حسن القبول والتمن من النفوس والقلوب، حتى إن المبصرين له يجدون راحة في النظر إليه، فلا تملها العيون، ولا تنطبق دونها الجفون. ومثل قوله: رماه الله بالخير في باب الاستعارة، قوله تعالى: " وألقيت عليك محبة مني ". والسيمياء أصله العلامة، ومنه الخيل المسومة. ويقال سيماء وسيمياء جميعاً. وانتصب مقبلاً على الحال. وتحقيقب معنى سيمياء أي قد وسمه الله تعالى بسيمياء حسنة مقبولة، يلتذ الناظر بالنظر إليها. وقوله كأن الثريا علقت فوق نحره، يريد أنه قد غشي من كل جانب بما ينوره، فالثريا فوق نحره، والشعري، يعني العبور، مركزة في أنفه، والقمر متلألىء في خده، فهو نور على نور. وقوله إذا قيلت العوراء أغضى، كأن يصف فيه اجتواءه للخنا والفحش، واطراحه لقبح القول، ورفضه لأنواع الهجر، فمتى ذكرت عنده فحشاء أطرق مغضياً، عاركاً بجنبه متحلماً، فكأنه ذليل لتغابيه، وترك المحاسبة فيه، ولو شاء لانتقم. وهذا غاية ما يكون من حسن الاحتمال، ومصابرة الناس على أذاهم، مع التعزز والاقتدار.
آخر:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى زلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
стр. 1088
يقول: إني سأنشر آلاء عمرو ونعمه عندي إن نفس من عمري، وتراخت غاية المقدار من منيتي، فإنها صافية من المن والأذى على جلالتها وفخامتها. وقوله لم تمنن يجوز أن يكون المراد ولم تقطع وإن عظمت، وقال ذلك لأن الأيادي السنية لا تكاد تتناسق. ويقال: حبل منين وممنون. وفي القرآن: " لهم أجر غير ممنون ". ويجوز أن يكون المراد به لم يخلط بمن.
وقوله فتى غير محجوب الغنى، أخذ يصفه. وارتفع فتى على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمعنى هو يشرك صديقه في غناه مدة مساعدة الزمان له، فإن تولى الأمر وزلت النعل تراه لا يتشكى ولا يتألم. وهذا مثل قول الآخر:
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
ويقال في الكناية عن نزول الشر وامتحان المرء: زلت القدم به، كما يقال: زات النعل به.
وقوله رأى خلتي من حيث يخفى مكانها زائد على ما تقدم من قول ابن عنقاء الفزارى، وهو:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
وذاك لأن هذا قال: رأى خلتي من حيث يخفى مكانها، فكأنه أدرك الحال، من طريق الاستدلال، والاهتمام المبعوث من جودة التفطن، وإن كان صاحبه يتعفف عن السؤال ويتجمل، وابن عنقاء شاهد الحال عياناً، فاشتكى إلى ماله سراً وجهراً، وقال هذا بإزاء الاشتكاء: فكانت قذى عينيه، أي من حسن الاهتمام ما جعله كالداء الملازم له، حتى تلاقاه بالإصلاح، وإذا كان كذلك فموضع الزيادة في كلامه وقصده ظاهر.
آخر:
إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد
стр. 1089
لأحبني حب الصبي ورمني ... رم الهدي إلى الغنى الواجد
ولقد نضحت مليلتي فتميثت ... عن آل عتاب بماء بارد
يقول: إن رمت القيام بواجب سعى علقمة لي، وأديت المفروض لحسن بلائه عندي، لم أقابله على صنيعة واحدة، ولا جازيته لبلاء معمة فاردة، لأن أياديه عندي كثيرة متظاهرة، وآلاءه لدى متواترة متناصرة، فوالله لقد أحبتني كما يحب الصبي، وأصلح من أموري ما يصلح من شأن العروس إذا زفت إلى الموسر الغنى، فتضاعف مؤنها، وتزايد التكاليف في هدائها وتحويلها. فقوله لأحبني، اللام جواب يمين مضمرة، وغنما قال: حب الصبي لأنه يخلط بمحبته زيادة الشفقة، وكفالة الترفرف عليه والمرحمة.
وسئل بعض حكماء العرب عن أحب أولاده إليه فقال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والعليل حتى يبرأ. وإذا تأملت وجدت حال الغائب والعليل كحال الصغير فيما ذكرت، فلذلك جمعها في قرن الذكر. وقوله: ولقد نضحت مليلتي يريد. ولقد رششت غليلي من آل عتاب وما امتله نار وجدي من أحشائي وصدري بماء بارد، فكنت وزال حميمها، حتى كأنها لم تكن. وإنما قال ذلك لأن آل عتاب كانوا وتروه فاشتد برح حميه واتسع قرح وتره، فأعانه على إدراك الثأر علقمة بن سيف، وشفاه من دائه. وإذا تؤمل ما عدده من أياديه لديه حصل فيه الميل والإكرام، والبر والإنعام، وإصلاح الحال، والمؤاساة بالمال، والشفاء من الداء، والانتقام من الأعداء، وذلك مالا مزيد عليه. ومعنى تميثت تذللت وتذوبت. ويقال: ميثت الشيء، إذا مرسته. والنضخ بالخاء المعجة ابلغ من النضح.
стр. 1090
وقال أبو زياج الأعرابي
له نار تشب بكل واد ... إذا النيران ألبست القناعا
ولم يك اكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
قوله تشب أي توقد، وموضع الجملة من افعراب رفع على أن يكون صفة لنا، والمعنى أن نار ضيافته توقد بكل واد ينزل به إذا النيران في الآفاق سترت وحجبت عن الاستدلال بها، مخافة طروق الأضياف. وجواب إذا مقدم عليه، كأنه قال: إذا النيران جعلت كذلك له نار توقد بكل واد. ويجوز أن يكون أوقدت ناره في جواب محله وفي كل من أودية فنائه وداره وإذا أخمدت نيران الناس، فلذلك قال: تشب بكل واد، وهذا يكون منه كإتمامهم الأيسار، ونياتهم عن غيرهم إذا عدم الشركاء. وقوله ولم يك أكثر الفتيان قد تقدم الكلام في حذف النون من يك في غير موضع. وانتصب مالا على التمييز، وكذلك ذراعا. والمعنى: أن ما تحمله وتكلفه لم يك السبب فيه اليسار، وكثرة المال. ولكن كرمه الفائض، وعرقة الزاخر.
وقال العرندس
أحد بني أبي بكر بن كلاب:
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا الخير يعطوه وغن خبروا ... في العهد أدرك منهم طيب أخبار
وإن توددتهم لانوا وإن شهموا ... كشفت أذمار شر غير أشرار
العرندس في اللغة: الأسد العظيم، وكذلك الجمل. ويقال: هو هين لين وهين لين، والتشديد الأصل، والتخفيف على عادتهم في الهرب من ثقل التضعيف وما
следующие страницы →