Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
يرجى ولا ذو الحضر. وقوله ولا حضر حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا كما يقال: الجود حاتم، يراد جود حاتم. وكان الوجه أن يقول: ولا حاضر، مع ذكر البادي، ليكون الكلام أشد التئاماً، أو يقول: فلا بدو يرجى، مع قوله ولا حضر. وقوله فقلت له خيراً، يقول: شكرته على اصطناعه، وأثنيت على فعله، وكثرته في الناس ما تكلفه لي وتبرع به ونشرته. وقد وفاك حقك في الآسداء من حمدك، كما وفاك في المكافأة من أسأت إليه إذا ذمك. وكان وجه الكلام أن يقول: وأوفاك ما أسديت أو أسأت من ذم أو شكر، فاقتصر على ذكر الإسداء وإن كان يستعمل في الخير لا غير. وأصله من السدى وهو ندى الليل خاصة. يقال: سديت ليلتنا، إذا كثر نداها، ولا يكاد يستعمل في النهار. قال:
فأنت الندى فيما ينوبك والسدى
وقيل أصله من السدو، وهو التذرع في المشي اتساع الخطو. يقال: سدى البعير وأسدتيه، والأول هو الصواب.
ومثل قوله وافاك ما أسديت من ذم أو شكر قول الآخر:
فما أدري إذا يممت أرضاً ... أريد الخير أيهما يليني
لأن المراد أريد الخير وأجتنب الشر، فاكتفى بذكر أحدهما، ألا ترى أنه قال من بعد:
أألخير الذي أنا أبتغيهأم الشر الذي هو يبتغيني وقوله وأثنيت فعله أصله على فعله، فحذف الجار ووصل الفعل نفسه.
غلام رماه الله بالخير مقبلاً ... له سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعري وفي خذه القمر
стр. 1087
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
قوله رماه الله بالخير معناه كساه الخير ومسحه به مقبلاً فيه لا مدبراً. وقد كشف معنى الرمي بقوله: له سيمياء لا تشق على البصر، يريد ما عليه من حسن القبول والتمن من النفوس والقلوب، حتى إن المبصرين له يجدون راحة في النظر إليه، فلا تملها العيون، ولا تنطبق دونها الجفون. ومثل قوله: رماه الله بالخير في باب الاستعارة، قوله تعالى: " وألقيت عليك محبة مني ". والسيمياء أصله العلامة، ومنه الخيل المسومة. ويقال سيماء وسيمياء جميعاً. وانتصب مقبلاً على الحال. وتحقيقب معنى سيمياء أي قد وسمه الله تعالى بسيمياء حسنة مقبولة، يلتذ الناظر بالنظر إليها. وقوله كأن الثريا علقت فوق نحره، يريد أنه قد غشي من كل جانب بما ينوره، فالثريا فوق نحره، والشعري، يعني العبور، مركزة في أنفه، والقمر متلألىء في خده، فهو نور على نور. وقوله إذا قيلت العوراء أغضى، كأن يصف فيه اجتواءه للخنا والفحش، واطراحه لقبح القول، ورفضه لأنواع الهجر، فمتى ذكرت عنده فحشاء أطرق مغضياً، عاركاً بجنبه متحلماً، فكأنه ذليل لتغابيه، وترك المحاسبة فيه، ولو شاء لانتقم. وهذا غاية ما يكون من حسن الاحتمال، ومصابرة الناس على أذاهم، مع التعزز والاقتدار.
آخر:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى زلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
стр. 1088
يقول: إني سأنشر آلاء عمرو ونعمه عندي إن نفس من عمري، وتراخت غاية المقدار من منيتي، فإنها صافية من المن والأذى على جلالتها وفخامتها. وقوله لم تمنن يجوز أن يكون المراد ولم تقطع وإن عظمت، وقال ذلك لأن الأيادي السنية لا تكاد تتناسق. ويقال: حبل منين وممنون. وفي القرآن: " لهم أجر غير ممنون ". ويجوز أن يكون المراد به لم يخلط بمن.
وقوله فتى غير محجوب الغنى، أخذ يصفه. وارتفع فتى على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمعنى هو يشرك صديقه في غناه مدة مساعدة الزمان له، فإن تولى الأمر وزلت النعل تراه لا يتشكى ولا يتألم. وهذا مثل قول الآخر:
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
ويقال في الكناية عن نزول الشر وامتحان المرء: زلت القدم به، كما يقال: زات النعل به.
وقوله رأى خلتي من حيث يخفى مكانها زائد على ما تقدم من قول ابن عنقاء الفزارى، وهو:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
وذاك لأن هذا قال: رأى خلتي من حيث يخفى مكانها، فكأنه أدرك الحال، من طريق الاستدلال، والاهتمام المبعوث من جودة التفطن، وإن كان صاحبه يتعفف عن السؤال ويتجمل، وابن عنقاء شاهد الحال عياناً، فاشتكى إلى ماله سراً وجهراً، وقال هذا بإزاء الاشتكاء: فكانت قذى عينيه، أي من حسن الاهتمام ما جعله كالداء الملازم له، حتى تلاقاه بالإصلاح، وإذا كان كذلك فموضع الزيادة في كلامه وقصده ظاهر.
آخر:
إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد
стр. 1089
لأحبني حب الصبي ورمني ... رم الهدي إلى الغنى الواجد
ولقد نضحت مليلتي فتميثت ... عن آل عتاب بماء بارد
يقول: إن رمت القيام بواجب سعى علقمة لي، وأديت المفروض لحسن بلائه عندي، لم أقابله على صنيعة واحدة، ولا جازيته لبلاء معمة فاردة، لأن أياديه عندي كثيرة متظاهرة، وآلاءه لدى متواترة متناصرة، فوالله لقد أحبتني كما يحب الصبي، وأصلح من أموري ما يصلح من شأن العروس إذا زفت إلى الموسر الغنى، فتضاعف مؤنها، وتزايد التكاليف في هدائها وتحويلها. فقوله لأحبني، اللام جواب يمين مضمرة، وغنما قال: حب الصبي لأنه يخلط بمحبته زيادة الشفقة، وكفالة الترفرف عليه والمرحمة.
وسئل بعض حكماء العرب عن أحب أولاده إليه فقال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والعليل حتى يبرأ. وإذا تأملت وجدت حال الغائب والعليل كحال الصغير فيما ذكرت، فلذلك جمعها في قرن الذكر. وقوله: ولقد نضحت مليلتي يريد. ولقد رششت غليلي من آل عتاب وما امتله نار وجدي من أحشائي وصدري بماء بارد، فكنت وزال حميمها، حتى كأنها لم تكن. وإنما قال ذلك لأن آل عتاب كانوا وتروه فاشتد برح حميه واتسع قرح وتره، فأعانه على إدراك الثأر علقمة بن سيف، وشفاه من دائه. وإذا تؤمل ما عدده من أياديه لديه حصل فيه الميل والإكرام، والبر والإنعام، وإصلاح الحال، والمؤاساة بالمال، والشفاء من الداء، والانتقام من الأعداء، وذلك مالا مزيد عليه. ومعنى تميثت تذللت وتذوبت. ويقال: ميثت الشيء، إذا مرسته. والنضخ بالخاء المعجة ابلغ من النضح.
стр. 1090
وقال أبو زياج الأعرابي
له نار تشب بكل واد ... إذا النيران ألبست القناعا
ولم يك اكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
قوله تشب أي توقد، وموضع الجملة من افعراب رفع على أن يكون صفة لنا، والمعنى أن نار ضيافته توقد بكل واد ينزل به إذا النيران في الآفاق سترت وحجبت عن الاستدلال بها، مخافة طروق الأضياف. وجواب إذا مقدم عليه، كأنه قال: إذا النيران جعلت كذلك له نار توقد بكل واد. ويجوز أن يكون أوقدت ناره في جواب محله وفي كل من أودية فنائه وداره وإذا أخمدت نيران الناس، فلذلك قال: تشب بكل واد، وهذا يكون منه كإتمامهم الأيسار، ونياتهم عن غيرهم إذا عدم الشركاء. وقوله ولم يك أكثر الفتيان قد تقدم الكلام في حذف النون من يك في غير موضع. وانتصب مالا على التمييز، وكذلك ذراعا. والمعنى: أن ما تحمله وتكلفه لم يك السبب فيه اليسار، وكثرة المال. ولكن كرمه الفائض، وعرقة الزاخر.
وقال العرندس
أحد بني أبي بكر بن كلاب:
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا الخير يعطوه وغن خبروا ... في العهد أدرك منهم طيب أخبار
وإن توددتهم لانوا وإن شهموا ... كشفت أذمار شر غير أشرار
العرندس في اللغة: الأسد العظيم، وكذلك الجمل. ويقال: هو هين لين وهين لين، والتشديد الأصل، والتخفيف على عادتهم في الهرب من ثقل التضعيف وما
стр. 1091
يجري مجراه. والمعنى أنهم يلزمهم السكينة والوقار في مجالسهم. ويقال: جاء يمشي هوناً، وهو المصدر. والأيسار: جمع اليسر، وهم الذين يجتمعون في الميسر على الجزور عن الجدب والقحط، فيجيلون القداح عليها، ثم يفرقونه في الفقرار وأرباب الحاجة والضراء. ويقال: يسر إذا أجال قدحه، فهو ياسر ويسر. قال:
إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم ... فواحش ينمي ذكرها بالمصايف
وقال أبو ذؤيب:
فكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع
والمعنى أنهم يرجعون إلى سجاخة خلق، وسلامة طبع، موقرون في مجالسهم، متكرمون في عاداتهم وشؤونهم، متعطفون على الفقراء زمن الجدب بميسرهم، يسوسون المكارم ويعمرونها بعد ابتنائها، ولا يغفلون عنها؛ وأن هذا الخصال لم يرثوها عن كلالة، وأن آباءهم على ذلك درجوا وتقضوا. ثم قال: إن يسألوا الخير يعطوه، يريد أنهم لا يتقاعدون عن البذل في الحقوق والنوائب، ولا يحوجون إلى استخراج ذلك منهم بالعنف والاستقصاء بل يخرجون منها إلى أصحابها، والمطالبين بها؛ وإن جربوا عند جهد البلاء، واشتمال الشدة والبأساء، وحملوا أكثر مما يلزمهم، وأثل مما ينهض به حالهم، طابت أفعالهم، وحسنت أنباؤهم، والأحاديث عنهم. ومن انتمى بتقرب إليهم، أو تودد لهم، لانوا له، وانقادوا لما يريده من جهتهم. وإن أوذوا وأحرجوا انكشفوا عن أذمار شر - وهو جمع الذمر، وهو الشديد لا يطاق - وإن كانوا في أنفسهم وسجاياهم غير أشرار، إلا أنهم إذا جذبوا إلى الشر وألجئوا زادوا على الأشرار. وقوله شهموا أي هيجوا. ويقال: فرس شهم، أي حديد نشيط ذكي؛ ومنه الشبهم. ويقال شهم الرجل، إذا ذعر أيضاً، ويرجع في المعنى إلى الأول.
стр. 1092
فيهم ومنهم يعد الخير متلداً ... ولا يعد نثا خزى ولا عار
لا ينطقون على الفحشاء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
وصفهم بأن الخير مرجو من جهتهم، ومعدود في خصالهم قديماً وحديثاً، وسلفاً وخلفاً، ولا يعد في أفعالهم ما يخزى ذكره، والتحدث به، أو يجلب عاراً عليهم لدى الكشف عنه والتأمل له، وذلك لخاوص مناقبهم عما يشين ولا يزين، وحسن قصودهم فيما يتصرفون فيه فيتناولونه بالنقض والإبرام، ثم إن تكلموا فليس عن فحشاء يضمرونها، ولا عن نكراء ينطوون عليها، فكانت الأقوال توافق الضمائر وتقفوها، والظواهر تطابق السرائر وتتلوها، بل يولون الكلمة العوراء إذا أدركوها الغفول عنها، والإغضاء على القذى فيها، تحلما وترفعا. وإن جاذبوا غيرهم وحملوا على لجاج في نزاعهم عرفت نهاية جدالهم، ونكتوا فيما يدلون به من حجاجهم، فقولهم فصل، وإمساكهم قصد وعدل، لا إكثار ولا إسراف، إذ كان من أكثر أهجر، ومن أسرف أفحش؛ ولأن عادتهم الاقتصاد فيما يخافون أداءه إلى القبيح، والامتداد إلى أبعد الغايات فيما يحسن مسمعه عند ذوى التحصيل. وقوله من تلق منهم، يريد ان النباهة تشملهم، فكل منهم يتسم بسيما الرياسة، ويتصور بصورة السيادة، وهم في الاشتهار والتميز عن طوائف الناس كالنجوم المعروفة النيرة، التي يهتدي بها السابلة والمارة، ويتفقد المعرفة بها في طلوعها وأفولها أولو النحل والممارسات. وقوله فيهم ومنهم يعد الخير متلدا يريد ما يلزمهم من الخصال وما يتعداهم. وانتصب متلدا على الحال. ويقال: تلد وأتلد بمعنى. والنثا يستعمل في الخير والشر، والثناء يستعمل في الخير لا غير، ويقال: نثا الخبر ينثوه نثواً.
آخر:
رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد
стр. 1093
ولو ان شيئاً يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد
يقول: غمرني بره وعجز حواملي نعمه، فاعترفت بالقصور، والقعود ن الوفاء بأداء الفروض، وجعلت يدي مرتهنة بالعجز، ولساني معقولة عن التصرف في الشكر، وإن كان لا مزيد على ما اتولاه منه لمبالغ في الحمد، ولا فوق اجتهادي غاية يرتقي إليها في النشر والثناء مرتق؛ فإني لم أوت من تقصير يلزني، أو إقصاء مع قدرة يدفعني، ولكن لكون مننه معجزة غير داخلة تحت استطاعتي؛ ومالا يطاق تحمله منيع، والنهوض به عسر شديد.
وقال الحسن بن مطير
له يوم بوس فيه للناس أبوس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندى ... ويمطر يوم البأس من كفه الدم
ولو أن يوم البأس خلى عقابه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود خلى يمينه ... على الناس لم يصبح على الأرض معدم
يقول: أيام هذا الممدوح مقتسمة بين إنعام وانتقام، من إحياء وإهلاك، وإفضال وإعدام، فله يوم بوس يشقى به أعداؤك، ويوم نعيم يحيا به ويسعد أولياؤه، فيوم جوده يعم نداه مؤمليه وعفاته، ويوم بؤسه يعم إهلاكه منابذيه وحساده، ولو أراد في اليوم المخصوص بالانتقام أن يجعل عقابه مخلى يتناول طبقات الناس، لم يبق في الأرض مجرم ولا حسود يضمر سوءاً له، ولكن أبى عفوه إلا إبقاء؛ كما أنه لو خلى يوم جوده منافع يمينه تعم طوائف الخلق لم يبق في الأرض فقير، ولكن أبى ذلك بعده عنهم، وقصور معرفته بهم. ويجوز أن يكون المراد بقوله لم يصبح على الأرض مجرم، أنه كان يغني الخلق حتى لا يبقى مجرم وغير مجرم.
وقال أبو الطمحان
إذا قيل أي الناس خير قبيلة ... وأصبر يوماً لا توارى كواكبه
стр. 1094
فإن بني لأم بن عمرو وأرومة ... سمت فوق صعب لاتنال مراقبه
أضاءت لهم حسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
يقول: لو صمم الناس بالسؤال عنهم فقيل أيهم خير أصلاً وسلفاً وأيهم أصبر يوماً ومشهداً ترى كواكبه ظهراً، لكان يجيء في جواب هذا السؤال: بنو لأم بن عمرو؛ ولأن لهم منصباً علا شرفاً باذخاً، وعزا شامخاً لا تدرك مراقبه، ولا تنال مطالعه. والغرض من الجملة تفضيلهم على جميع الخلق. والأرومة: الأصل الثابت الراسي. وانتصب قبيلة على التمييز، وكذلك يوما. ويعني بذكر اليوم الوقعات والحروب. وعلى ذلك قولهم: يوم جبلة، ويوم الكلاب وما أشبههما. وقوله لا تواري كواكبه إن شئت فتحت فرويت: لا تواري كواكبه، والمعنى لا تتوارى كواكبه، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً. ومعنى لا تواري بضم التاء لا تستر، والأصل في هذا، وهو يجري مجرى الأمثال، يوم حليمة، وذلك أنه سدت عين الشمس في ذلك الغبار الثائر في الجو فرئيت الكواكب ظهراً، فقيل: ما يوم حليمة بسر، وصار الأمر إلى أن قيل في التوعد: لارينك الكواكب ظهرا. وأصل الصبر حبس النفس على الشر، لذلك قيل: قتل فلان صبراً. وقوله سمت فوق صعب، يريد: فوق جبل صعب يشق الارتقاء إليه. والمراقب هي المحارس، واحدتها مرقبة، وكل ذلك أمثال. وقوله أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم، يريد طهارة أنفسهم، وزكاء أصولهم وفروعهم، فهم بيض الوجوه نيرو الأحساب، فدجى ليلهم تنكشف من نور أحسامهم، حتى أن ثاقبه يسهل نظم الجزع فيه لناظمه، وهذا مثل أيضاً. ولهاء من ثاقبه يعود إلى ما دل عليه قوله أضاءت لهم أحسابهم، والثقوب: الإضاءة، ويقال: نار ثاقبة، وكوكب ثاقب، وحسب ثاقب، وقد ثقب أي اشتد ضوءه وتلألؤه. وكعنى نظم حمل على النظم وأقدر، فهو بمعنى انظم. ومثله كرم وأكرم. والضمير من ثاقبه يدل على ظاهره صدر البيت، فهو مثل قولهم: من كذب كان شراً له، ومن صدق كان خيراً له، يريد كان الكذب وكان الصدق، فكذلك هذا، كأنه قال: حتى نظم ثاقب حسبهم الجزع لناظمه.
стр. 1095
وقال آخر:
يأيها المتمني أن يكون فتى ... مثل ابن زيد لقد خلى لك السبلا
أعدد نظائر أخلاق عددن له ... هل سب من أحد أو سب أو بخى
يقول: يا من يود ويشتهي أن يكون فتوته مثل فتوة عروة بن ويد الخيل، لقد خلى لك الطرق في اكتساب مناقب الفتوة وادخار أسبابها وموجباتها، فاسع واطلب، لأن مباغيك إن قدرت معرضة لك، وغير ممتنعة عليك، وسبلها غير منسدة ولا محجوبة عن ذهابك واختراقك، ثم قال: هات خصالك واعدد نظائر أخلاقه المعدودة له، وانظر هل أنت في اشتمال الكرم والتحاف العز بحيث لا تسب أحداً تعلياً وارتفاع منزلة، وفي نقاء الجيب وطهارة الأصل والفرع بحيث لا يسبك أحد توقياً وتعففاً، وهل تقف موقفاً تبعد فيه وتتنزه عن أن يقال: ما بخل بما في يده، ولا منع أحداً على رجائه به، فإنه حينئذ يبين لك تفاوت ما بينك وبينه.
وقال آخر:
لم أر معشراً كبني صريم ... تلفهم التهائم والنجود
أجل جلالة وأعز فقداً ... وأقضى للحقوق وهم قعود
وأكثر ناشئاً مخراق حرب ... يعين على السيادة أو يسود
قوله تلفهم التهائم أي تجمعهم، وانتصب جلالة على التمييز، وكذلك قوله فقداً، ولا يجوز أن يكون مصدراً، أعني قوله جلالة، لأن أفعل هذا لا يؤكد بالمصدر، فهو من باب شعر وموت مائت، لأن أصله مأخوذ من جلال جليل. وانتصب أجل بفعل مضمر، كأنه قال: لم أر أجل جلالة منهم، لكنه اختصر وحذف. وقوله تلفهم التهائم موضعه نصب لأنه صفة لقوله معشراً، والتقدير: لم أر معشراً تلفهم الأغوار والأنجاد كبني صريم، وام أر أجل جلالة منهم أيضاً. وتهامة من الغور، بل هو أعمقها. ثم بين ما فضلهم فيه بعد أن أبهم، وفصل ما أجمل،
стр. 1096
فقال: هم أتمهم رياسة وأفخمهم فخامة، وأشدهم على الناس فقداً، وأحسنهم في قضاء الحقوق الواجبة عليهم أداء، هذا وهم قعود. وإنما قال ذلك لأن الرئيس ينفذ أمره في مطالبة وإن لم يبرح مكانه. وأعز فقداً، يريد شدة حاجة الناس إلى حياتهم، لوفور فضائلهم وإفضالهم.
وقوله وأكثر نائشاً يريد به الشاب المبتدىء في اكتساب ما يعتلي به ويفوق أقرانه. وانتصاب ناشئاً على التمييز. والمخراق: بناء الآلة، فهو كالمفتاح، يريد أنه يتخرق في الحرب ويسعى سعياً بليغاً. وأصل المخراق هو ما يتلاعب به الصبيان من منديل يفتلونه، أو زق ينفخونه، أو ما يجري مجراهما. وسمي مخراقاً لأنه يخرق الهواء في استعمالهم إياه. لذلك قال:
كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
وقوله يعين على السيادة أو لا يسود جمع بين الأمرين، وذلك لأن الفضلاء إذا قسموا ودرجوا في مراتبهم فهم من بين سيد يقوم بنفسه ويكمل بخصاله، ومن بين معين على السيادة يصلح لأن يكون تابعاً لا متبوعاً، ومسوداً لا سيداً.
وقال شقران مولى سلامان
لو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... على الانسان من الناس درهماً
ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست ابالي أن أدين وتغرما
يقول: لوكان ولائي في قيس عيلان لاقتديت بهم، واستننت بسنتهم في الكف عن الانفاق، وحبس النفس على شرائط الانقباض والإمساك، فكنت أرى خفيف الظهر في جميع ما يعرض، فسيح الصدر بكل ما يعن ويسنح، لم يركبني دين فأستنزل، ولاعبء على قلبي من كتقاض فأتضجره، لكن ولائي في قضاعة كلها فأتبسط في أخذ القروض إذا استغرقت ملك يميني، وأتوسع في إضافة ما لغيري إلى
стр. 1097
مالي ثقة بأنهم يتحملون عني الأثقال إذا استحملتهم، وأنهم يعدون الغرامة غنماً إذا أحلت عليهم، فلا أبالي كيف تخرقت، وفي أي وجه من وجوه البر أنفقت، وإن كانت معلومة من لازم حق أؤديه، وعارض مكرمة أوفيه، إلى كل ما يكون التبجح به مشتركاً، واكتساب الفخر والأجر فيه مشتملاً. وقوله فلست أبالي أصله من البلاء النعمة، وقد تقدم القول في شرحه وما حصل بالاستعمال عليه.
أولئك قومي بارك الله فيهم ... على كل ما أعف وأكرما
ثقال الجفان والحلوم رحاهم ... رحى الماء يكتالون كيلاً غذ مذما
جفاة المحز لا يصيبون مفصلاً ... ولا يأكلون اللحم إلا تخدما
أشار بقوله أولئك قومي إلى قضاغة، ثم أخبر عنهم بأنهم كثروا وطابوا ونموا بما جعل الله من البركة فيهم، فازدادوا. وقوله على كل حال تعلق بقوله بارك الله فيهم، وموضعه من الإعرابنصب على الحال، أي بارك الله فيهم متحولين في إبدال الدهر وتصاريفه من عسر ويسر، وسعة وضيق، وقلة وكثرة، وانحطاط وارتفاع. ثم قال مستأنفاً: ما أعفهم وأكرمهم، أي تمت عفتهم، وكملت أكرومتهم في حالتي الإعسار والإيسار، والإضافة والإيساع، والإقلال والإكثار. وقوله ثقال الجفان أي هم مطاعيم في الخصب والجذب، فجفانهم ثقيلة، وأفنيتهم بالواردوالطراق مأهولة معمورة، وحلومهم ثابتة قائمة، لا يستخفها جزع، ولا يطغبها فرح؛ وترى رحاهم لكثرة غاشيتهم وحشم دورهم، رحى الماء، إذ أنى الاكتفاء بيسير الزاد مع العدد الجم، والخير الدثر، والنعم الغمر، وإذ كان سائر الأرحام لا يستغني بها، ولا يفي بالمطلوب منه دورانها؛ ثم إذا كالوا اكتالوا واسعاً لااستقصاء فيه ولا مضايقة، فهو يجري مجرى ما يهال هيلاً، أو يؤخذ جزافاً لا كيلاً. والغذم: الأكل بسرعة، ومنه الغذمذم، وإن حضروا مقسم الجزر وتكرموا بتولي قسمها، وجدتهم يوسعون الحز، ويخطئون المفصل، إذ لم يكن فعل ذلك من عادتهم وطبائعم، لكونهم ملوكاً، ولأنهم متى تأخر الخدم عنهم لم يحسنوا التصرف في شيء من وجوه المهن، ولا دروا كيف تسلخ الجزر وتقتسم الأبداء، وإذا أكلوا اللحم على موائدهم لم تناوله إلا قطعاً بالسكاكين، لا نهشاً بالأسنان، إقامة للمروءات وذهاباً عن شنيع العادات.
стр. 1098
وقوله إلا تخذماً انتصب تخذما على أنه مصدر في موضع الحال. والخذم: سرعة القطع، وفي التخذم زيادة تكلف. ويقال: سيف خذوم ومخذم. وقوله يكتالون كيلاً وضع كيلا موضع الاكتيال، كما وضع النبات موضع الإنبات، في قوله تعالى: " والله أنبتكم من الأرض نباتاً ".
وقال أبو دهبل الجمحي
إن البيوت معادن فنجاره ... ذهب وكل بيوته ضخم
عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم
متهلل بنعم، بلا متباعد ... سيان منه الوفر والعدم
نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمناً وليس بجسمه سقم
المعادن: جمع المعدن، وهو من عدن بالمكان إذا أقام عدنا وعدوناً، وقيل: بل هو من قولهم عدنت الحجر، إذا قلعته، لأن المعدن يقلع منه ما ضمن، ويرتجع منه ما اودع. وفي القرآن: " جنات عدن "، أي جنات إقامة. والمراد أن البيوت الناس وأصولهم مختلفة المسبر، متفاوتة المخبر، تتفاضل تفاضل المعادن، ونجار هذا الرجل أفضل النجر فهو كالذهب الإبريز. ويقال: هو من نجر كريم ونجار كريم، أي أصل كريم. وقوله وكل بيوته ضخم أي هو من أطرافه: أعمامه وأخواله، عظيم الشأن نبيه. وإنما قال ضخم لأن المراد بكل الاتحاد، أي كل واحد من بيوته. ومثل كل كلا لأن كلا يراد به مرة الجميع ومرة الاتحاد، وكذلك كلا يراد به مرة التثنية ومرة الاتحاد. وقد ذكرت أمرها مشروحاً في غير هذا الكتاب.
وقوله عقم النساء أصل العقم المنع، ويقال: عقمت المرأة وعقمت الرحم عقماً بضم العين فعقمت، وهي معقومة بناء على عقمت، وعقيم بناء على عقمت، ولهذا يجمع عقيم على عقم، لأنه فعيل بمعنى فاعل، ولم يلحق به الهاء للمؤنث لأن المراد به النسبة، فهو كقولهم طالق وحائض. ولو كان عقيم كجريح وصريع في أنه فعيل بمعنى مفعولة لوجب أن يقال في الجمع عقمى، كما قيل جرحى وصرعى. ويقال: رجل عقيم، وريح عقيم، والدنيا عقيم، والملك عقيم.
стр. 1099
ومعنى البيت أن هذا الرجل لا شبيه له فضلاً وتفضلاً، وكمالاً وتبرعاً، لأن النساء منعن أن يأتين بمثله فعقمن، أي صرن كذلك. وقوله متهلل بنعم، يريد بلفظ نعم. وجعل نعم اسماً، أي هو بش طلق الوجه قريب المأخذ، مجيب فيما يسأل، وعند كل ما يطلب منه ويقترح عليه، بقوله نعم، وهو متهلل، أي ضاحك مستبشر. وقوله بلا متباعد أي يتباعد عن كل أحد بأن يصك في وجهه فيما يطلب نيله منه بأن يقول لا، ولا جعله كالإسم. فنعم كأنه اسم الإسعاف، ولا كأنه اسم المنع والدفاع. وقوله سيان منه الوفر والعدم أي مثلان عنده الغنى والفقر لا يخل بالمعهود منه، ولا يترك عادته فيه. وقوله نزر الكلام من الحياء، أي هو قليل الكلام حتى كأنه ملجم لغلبة الحياء عليه، وحتى يظن من لا يعرفه أنه لآفة يترك الكلام، ولا آفة ثم، إنما مانعه ما يمتلكه من حياء ممتزج بالكرم، ولقلة رضاه عن نفسه في كل مايرتئيه أو يأتيه، إذ كانت طباعه لا ترضي عنه بشيء يبلغه، فالحياء يمسكه، والكرم يسكته. لا تحمد منه ولا تبجح. ولا تسحب ولا تعلى. ومثل هذا قول الاخر:
راحوا تخالهم مرضى من الكرم
والضمين: الزمن، ومصدره الضمانة.
وقالت ليلى الأخيلية
يا أيها السدم الملوى رأسه ... ليقود من أهل الحجاز بريما
السدم والسادم: النادم الحزين، وقيل بل السادم مأخوذ من المياه الأسدام، وهي المتغيرة لطول المكث. والسدم أيضاً: الفحل العظيم الهائج. والسدم أيضاً: اللهج بالشيء. وحكى أبو حاتم قال: قلت للأصمعي يوماً: إنك تحفظ من الرجز ما
стр. 1100
لم يحفظه أحد. فقال: إنه كان همنا وسدمنا. والبيت يحتمل الوجوه الثلاثة فيه. والملوى رأسه يجوز أن يكون مثل قول الآخر:.......... غارزاً رأسه في سنة...........
والمراد: كأنه ملكه التحير فهو يلوى رأسه. وتلويه الرأس كما يكون من الفكر والتحير فقد يكون من الكبر والتبجير، وقلة الاحتفال بالمحتضر كقوله تعالى: " فسينغصون إليك رءوسهم ويقولون متى هو ". فالنغص كالتلوية وإن كان النغص أقرب إلى الحقيقة.
وقولها ليقود من أخل الحجاز بريماً، فأصل خيط يفتل من قوى بيض وسود. ويقال: قطيع بريم، إذا كان خلطان ضأن ومعزى. وقال الدريدي: كل لونين اجتمعا مثل السواد والبياض فهو البريم، وإنما يتخذون البريم من الخيوط ليشد في أحقى الصبيان فيدفع به العين. والمراد به هنا جيش متفاوتون أدنياء، كالبريم وهو الخيط المبرم من عدة ألوان. والقصد فيما ذكرته إلى الإنكار على المخاطب فيما يأتيه، وتوبيخه فيما حدث به نفسه من قود جيش إلى عمروبن الخليع، كما وصفته.
أتريد عمرو بن الخليع ودونه ... كعب إذا لوجدته مرءوما
إن الخليع ورهطه في عامر ... كالقلب ألبس جؤجؤا وحزيما
تقول مقرعة ومقبحة لما أنكرته من مخاطبها وموبخة: أتقد بما هممت به من جمع الجموع الحجازية عمرو بن الخليع وحوله بنو كعب، إذا لوجدته معطوفاً عليه، محروساً منك ومن لفيفك. أما علمت أن الخليع وعشيرته من بني عامر بمكان القلب من النفس، قد التف به الصدر والحزيم، وحماه الحشا والجوف.
والحزيم والمحزم: موضع الحزام من الصدر. يقال للرجل إذا أريد تشمره: شد حزيمك للأمر، وحيازيمك وحيزومك. والحيزوم: وسط الصدر. والمعنى: أن مكانه من الحي مكين، ومحله من جانب المنع منه والدفاع دونه عزيز مصون. ويقال: رأمته رأماً ورئماناً. والمعنى: كيف يقع في نفسك نزاعهم، أو يتصور في وهمك غلبهم.
стр. 1101
ثم أخذت تحذر فقالت: لا تغزونهم ولا تستشعرون ذلك فيهم.
لا تغزون الدهر آل مطرف ... لا ظالماً أبداً ولا مظلوما
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنة زرق يخلن نجوماً
ومخرق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيماً
نهته عن غزوهم على كل حال. وانتصب ظالماً على الحال. فيقول لا تقصدهم طامعاً فيهم ومحارباً لهم، لا منتقماً ولا مبتدئاً، فإنك لا تطيقهم، إذ كان همهم الغزو، ومربط خيولهم وسط بيوتهم، يضمرونها ويتفرسون على ظهووها، ولا يأتمنون عليها في سياستها وصنعتها إلا أنفسهم، فلا ترى إلا من يهذب آلته للحرب ويصلحها، فمركوبه صنيع، وسنان رمحه مجلو سنين، ونفسه مبتذلة فيما يحصل به أكرومة، لا يهمه مطعوم ولا ملبوس. ثم لفرط حيائه وتناهي كرمه تحسبه وسط بيوت الحي سقيماً، قلة كلام ولين جانب، وضعف مجاذبة، فإذا نصب لواء الجيش مجهزاً لطلب وتر، وانتواء غزو، أو محاماة على ولي، أو سد ثغر، رأيته مهيأ للزعامة، معتمداً للرياسة والسياسة، غير مزاحم ولا مدافع.
وقال آخر:
نحن الأخايل لايزال غلامنا ... حتى يدب على العصا مذكورا
تبكي السيوف إذا فقدن أكفنا ... جزعاً وتعلمنا الرفاق بحورا
ولنحن أوثق في صدر نسائكم ... منكم إذا بكر الصراخ بكورا
الأخايل جمع، وهي قبيلتها. ويقال للشاهين الأخيل، والجميع الأخايل. فأما قول الشاعر:
له بعد إدلاج مراح وأخيل
стр. 1102
فهو الخيلاء، والفعل منه اختال. ومراد الشاعر: نحن المعروفون المشهورون، كما قال أو النجم:
أنا أبوالنجم وشعري شعري
أي أصحاب هذا الاسم النبيه الخطير. ولا يزال غلامنا أي الغلام منا وفينا، من وقت ترعرعه إلى وقت دبيبه، معتمداً على عكازه، رفيع الذكر على الشأن تقدماً وتكرماً. والسيوف إذا فقدت أيدينا بكت حنيناً إليها، وجزعاً على ما يفوتها منها. والمرافقون في الأصفار لنا تعلمنا بحوراً، لما يقسم لهم من إفضالنا، ويعمهم من تفضلنا، ولحسن توفرنا على الرواد والوارد، ويمن صحبتنا على الأداني والبعداء. وقوله ولنحن أوثق في صدور نسائكم، يريد انهن إذا صبحن بالغارة فارتفع لما يتداخلن من الرعب الصراخ، لأنهن خفن السباء وما يلحق من العار، فقلن: واصباحاه أو واسوء صباحنا! واسم ذلك الصوت الصرخة والصراخ، وفي المثل: لهم صرخة الحبلى. ومعنى البيت أنا في ذلك الوقت أوثق في اعتقاد النساء، وفيما يشتمل عليه ظنهن ويعتمده استقامتهن منكم، لما عرفن من ذبنا وحمايتنا، واشتهرنا به من غيرنا وحميتنا.
آخر:
يشبهون سيوفاً في صرائمهم ... وطول أنضية الأعناق والأمم
إذا غدا المسك يجري في مفارقهم ... راحوا تخالهم مرضى من الكرم
يقال: شبهته كذا وبكذا، كما يقال نصحتك ونصحت لك. والصرائم: العزائم، والواحدة صريمة. وقال الخليل: الصريمة إحكامك الأمر وعزمك عليه. وكان أصله من الصرم: القطع. والأنضية: جمع النضى؛ وهو مركب النصل في السيف في
стр. 1103
الأصل، والمراد به هنا مركب الرأس في العنق. ونضى السهم: قدحه، وهو ما جاوز من السهم الريش إلى النصل. وأنشد الخليل في ذلك:
فمر نضى السهم تحت لبانه ... وجال على وحشية لم يعتم
والأمم: جمع أمة وهي القائمة؛ يقال: ما أحسن أمته. وقوله راحوا تخالهم مرضى من الكرم، أي من الحياء. وصفهم بالصرامة والنفاذ في الأمور، فكأنهم السيوف؛ وبطول القوام وحسن الشطاط، وباستعمال العطر وكرم النفس وشدة الحياء بعد الشرب، وبتمام الأبهة والمروءة في مجالس الأنس. وهذا وإن لم يصرح به فهو متبين من فحوى: إذا إذا المسك راحوا وكأنهم مرضى. على ذلك رسم الاصطباح، وعادة كرام شراب الراح.
وقال آخر:
فإن تكن الحوادث حرقتني ... فلم أر هالكاً كابني زياد
هما رمحان خطيان كانا ... من السمر المثقفة الصعاد
تهال الأرض أن يطئا عليها ... بمثلهما تسالم أو تعادي
يقول: إن كانت نوائب الزمان أثرت ي وأزالت تحملي بالصبر، وتجلدي لريب الدهر، فإني لم أر فيمن شاهدتهم هالكاً كهذين الرجلين؛ وابنا زياد لم يكونا منه بسبيل، لا قربي ولا قرابة، ولا آصرة ولا وسيلة، فيكون الكلام تأبيناً والشعر مرثية؛ وإنما كان من جملة من تأذى بهم، وساقوا الشر إليه بسعيهم، لكنه شهد لهما بما شهد، مورداً الحق، وتابعاً الصدق، فهو بالمدح أشبه منه بالمراثي، إذ كان الرثاء من شرطه التوجع والتحزن وقد عدما هنا، والثناء على العدو ثناء على نفسه. ويجوز أن يكون المراد: لي بهما على فضلهما ونفاذهما وتقدمها، أسوة في الرضا بما قدر لي، والصبر على حكم به علي، ولأن الأرض لو هابت ماشياً على ظهرها، لكانت تهاب هذين لما أوتيا من قدرة، وأبلغنا من عز وقوة. وشبههما برمحين استواء خلقة وامتداد قامة، وسرعة نفاذ وحسن وجه. والسمرة في ألوان الرماح محمودة. والصعدة: القناة تنبت مستوية. وقوله من السمر
стр. 1104
المثقفة الصعاد، سوى بينهما في التشبيه حتى لا مخالفة، تنبيهاً على ما يقصد من المبالغة وتناهي البراعة. وقوله تهال الأرض أن يطئا عليها أي لأن يطئا عليها، فحذف الجر. يريد: أن قوتهما بالغة، ومشيهما شديد، والأرض لشدة وطئهما لها في هول عظيم، وزلزال فضيع. ويجوز أن يريد بالأرض أهل الأرض فحذف المضاف. ثم قال: وبمثلهما تسالم أو تعادي، يريد أنهما أهل الصلاح والفساد والخير والشر، والعدارة والصداقة. وأو من قوله أو تعادي أو الإباحة وقد نقل إلى الخير.
آخر:
كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لا ينته لان مسه ... وحداه إن خاشنته خشنان
يصفه بأن خصال الكرم قد اجتمعت فيه، فلتناهى حيائه تراه يكسر طرفه عند النظر، فعل من عمل ما يستحيا منه، أو لزمه منة منعم توالي نعمه عليه، أو قصر في أداء واجب فيخاف عتبه فيه؛ ولكمال حميته في الحرب يقتحم على الشر، فلا يزداد والرماح شارعة نحوه إلا قرباً منها، وتهجماً عليها، ثم هو في طباعه كأنه السيف متى لاينته وجدت اللين في صفحتيه عند ملمسه، ومتى خاشنته وجدت القطع والخشونة في حديه ومضربه.
ومثل هذا قول الآخر:
ضرباً ترى منه الغلام الشطبا ... إذا أحس وجعا أو كربا
دنا فما يزداد إلا قربا ... تحكك الجرباء لاقت جربا
وقد مرت مستقصى شرحها في باب الحماسة.
وقال العجير السلولي
إن ابن عمي لابن زيد وإنه ... لبلاب أيدي جلة الشؤل بالدم
стр. 1105
طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدم
افتخر بابن عمه، وبمكانه من قرابته، ذاكراً اسم أبيه، ومكتفياً به لاشتهاره، ثم وصفه بأنه أوان الجدب والقحط، وعند إسنات الناس، ووقت طروق الأضياف، يعرقب الإبل السمان فيبل أيديها من دماء عراقيها.
وقد أحسن لبيد كل الإحسان في قوله لما سلك هذا المسلك:
مدمن يجلو بأطراف الذرى ... دنس الأسواق بالعضب الأفل
وقوله طلوع الثنايا بالمطايا يريد أنه يعلو العقاب ويشرف عليها مرتبثاً فيها، أو نافضاً طرق الصيد عليها. ومثله قوله: طلاع مرقبة، وطلاع أنجدة، إلا أن هذا زاد على ما قولوا لقوله بالمطايا. وقوله وسابق إلى غاية مثله قول تأبط شراً:
سباق غايات مجد في عشيرته
وقوله من يبتدرها يقدم في موضع الصفة لغاية، والمعنى: من يبتدر مثل تلك الغاية في أقرانه ونظرائه، وسلم السبق له.
من النقر المدلين في كل حجة ... بمستحصد في جولة الرأي محكم
جديرون ألا يذكروك بريبة ... ولا يغرموك الدهر ما لم تغرم
يقال: أدلى بحجته، إذا أظهرها وقام بها؛ وأدلى رداءه في البئر ليبتل، ودلاه على كذا فتدلى. وقال الهذلي:
تدلى عليها بين سب وخيطة
وتوسعوا فيه فقالوا: دلاه بغرور. فيقول: هذا الرجل من القوم الذين إذا أوردوا حجة قوموها برأي محكم الفتل فيما يجول من الرأي محصف. والنفر يقع على ما
стр. 1106
بين الثلاثة إلى العشرة، ولذلك صلح أن يقال ثلاثة نفر وأربعة نفر. ونافرة الرجل: بنو أبيه الذين يغضبون لغضبه. قال:
لو أن حولي من عليم نافره ... ما غلبتني هذه الضياطره
وقوله جديرون ألا يذكروك بريبة، يريد أنهم أحقاء بألا يغتابوك إذا غبت عنهم، لسلامة صدورهم من الدغل والغش والخيانة، ولا يقذفوك بريبة تشينك أو يقبح في الأحدوثة بها عنك، وبألا يجروا عليك أبداً جريرة يثقل وطأتها عليك فتحتاج أن تغرم لها ما لا تطيب نفصسك به، ولا تسمح بتحملها في مالك.
وله أيضاً:
أقول لعبد الله وهناً ودوننا ... مناخ المطايا من منى فالمحصب
لك الخير عللنا بها على ساعة ... تمر وسهوان من الليل يذهب
فقام فأدنى من وسادي وساده ... طوى البطن ممشوق الذراعين شرحب
بعيد من الشيء القليل احتفاظه ... عليك ومنزور الرضا حين يغضب
هو الظفر الميمون إن راح أو غدا ... به الركب والتلعابة المتحبب
وهناً، أي بعد ساعة من الليل؛ ومنه الموهن. ومفعول أقول أول البيت الثاني، وهو لك الخير؛ وموضع ودوننا مناخ المطايا موضع الحال. فيقول: أخاطب عبد الله وقد تقضى من الليل بعضه، ومبرك الإبل من منى فموضع الجمار منه بقرب منا: ملكت الخير ولقيت السعادة، عللنا في هذه الأرض بأحاديثك لعل ساعة تمر ترجع إلينا نفسنا وطائفة من الليل تمضي نطويها على بعض مرادنا، ولأن التعلل بالأحاديث وقطع الأوقات به، للنفس فيه راحة، ولها به اعتبار. وقوله وسهوان أي طائفة. ويروى: وسهواء ويقال: لقيته بعد سهواء من الليل، أي بعد مضى صدره. ويجوز أن يكون فعلاء من السهو، وتكون همزتها ملحقة، ويجوز أن يكون فعوالاً ويكون همزتها مبدلة من الواو. فأما سهوان فكأنه أربد به
стр. 1107
الوقت الذي يسهو فيه الناس عن مباغيهم، وعلى ذلك يحمل يحتاج معهم إلى التوصية. ولا يمتنع أن يكون السهوان في الوقت مأخوذاً من الساهية، وهو ما استطال واتسع من الأرض من غير خمر يرد العين؛ فنقل من المكان إلى الزمان، أي طائفة من الليل ممتدة واسعة.
وقوله: فقام فأدنى من وسادي وساده جمع بين فعلين قام وأدنى. فيجوز أن يكون طوى البطن يرتفع بالأول منهما، وهو قام، ويجوز أن يرتفع بأدنى وقد أضمر في قام على شريطة التفسير فاعله. والمعنى: فقام به أو منه رجل هكذا فقرب مجلسه من مجلسي. الشرجب: الطويل. والطوى البطن: الصغيرة خلقة. والممشوق: الطويل القليل اللحم. وجارية ممشوقة: حسنة القوام قليلة اللحم. وقوله بعيد من الشيء القليل احتفاظه أي غضبه، يريد أنه سهل الجانب لا يكاد يحتمي من الشيء القليل الخطروالموقع من النفوس، لكنه قليل الرضا إذا غضب، لا يكاد يرجع إذا ذهب عنك بالهوينا. وذكر البعد هاهنا يريد النفي، وهذا كما يستعمل القليل والأقل ويراد بهما النفي. والمعنى لا يحتفظ بالشيء القليل ولا يؤاخذ بصغائر الذنوب.
وقوله هو الظفر الميمون يصف إقباله في متصرفاته، وأن المناجح والسعادات في رفاقه ولاحقة لمطالبه ومباغيه، والميامن تترفرف على جوانب آرائه وأهوائه، ثم هو حسن البشر، لين العريكة، ضحاك لعوب. والاحتفاظ: افتعال من الحفظة والحفيظة: الغضب. والتلعابة على بنائه التقوالة والتلقامة والهاء في آخره للمبالغة. ويقال: نزرت الشيء نزاراً، ثم يقال للمنزور هو نزر.
وقال أبو دهبل في الأزرق
ماذا رزينا غداة الخل من رمع ... عند التفرق من خيم ومن كرم
ظل لنا واقفاً يعطي فأكثر ما ... قلنا وقال لنا في وجهه نعم
стр. 1108
الخل: الطريق في الرمل. ورمع: موضع، وقيل هو جبل باليمن. يقول: أصبنا وفجعنا غداة اجتماعنا لتوديع الفراق، بعظيم نبيه من الكرم والخيم، وهو سعة الخلق.
وقوله ظل لنا واقفاً يعطي يعني الأزرق. أي بقي نهاره واقفاً ونحن محتفون به ومجتمعون حوله، وأكثر ما قلناه في وجهه وخاطبناه به، وقال لنا في جوابه نعم. كأن القوم المعترين اكتفوا بعرض نفوسهم عليه من ذكر حاجاتهم لتمام كرمه، وكمال فطنته، وهو بعدهم الخير ويقرب لهم الإسعاف والبذل، ويقول لكل منهم: نعم، عالماً بما يقترحه، وضامناً لما يطلبه، وماء الوجوه في مواضعها لم تهرق.
ونعم: حرف إيجاب، ويعطي موضعه نصب على الحال.
ثم انتحى غير مذموم وأعيننا ... لما تولى بدمع سافح سجم
تحمله الناقة الأدماء معتجراً ... بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
وكيف أنساك لا نعماك واحدة ... عندي ولا بالذي أسديت من قدم
يقول: اعتمد، بعد الوقوف لنا والنظر في مآربنا، لوجهته، وهو ممدح بالألسنة، محبب في الصدور والأفئدة، وأعيننا لنوازع نفوسنا لما ولي، سيالة بدموعها. ومعنى سافح: ذو سفح، أي ذو انصباب. والسجم: جمع سجوم. وقوله تحمله الناقة الأدماء متجرأص، يريد ملتفاً. والاعتجار: لف المعجر، وهو العمامة، في الرأس من غير إدارة تحت الحنك. وقيل: بل المعجر ضرب من ثياب اليمن. وشبهها بالبدر في تلالئه ونوره. ألا ترى أنه قال: جل ليلة الظلم. وقوله: وكيف أنساك، يريد أن أياديه عنده تذكره لأنها كثرت وعمت وغمرت فلا يعرج على منفسة إلا كانت منه، ولا يردد نظره في ذخيرة إلا وكان السبب فيها، ولم تأت الليالي والأيام عليها فتقادم عهدها، وحال النسيان دونها، بل هي غضة طرية تنادي على نفوسها، وتلوح الجدة على على صفحاتها، وتحمي من الدروس ذكر موليها. وقوله لا نعماك واحدة في موضع الحال من لا لأنساك. وقد تقدم القول في الإسداء وأصله.
стр. 1109
وقال أيضاً فيه:
ما زلت في العفو للذنوب وإطلاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق
قوله في العفو في موضع النصب على أنه خبر مازال، والجار منه تعلق بمضمر، كأنه قال: مازلت آخذاً في العفو وداخلاً فيه، إلى أن تمنى من لا جرم له أن يكون جارماً عليك حتى يتوفر عليه نظرك وإحسانك.
وأم أبو تمام بهذا المعنى فقال:
وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام
فعده كثير من أصحاب المعاني خطأ فيه، وقالوا: جعله لا يعرف مواضع الصنيعة إذ صار الناس يمنون منزلة الأيتام عنده وحرماتهم لديه حتى ينالهم إفضاله، ولو ساغ هذا القول فيما قاله أبو دهبل، وهو تمني البراة أن يكونوا أسراء مصفدين لديه حتى يلحقهم إحسانه، إذ لا فرق بين الموضعين. ولم ينكر أحد من المتقدمين والمتأخرين ما قاله أبو دهبل ولا قدحوا فيه. وقد أحكمت القول في التسوية بينهما في رسالة الانتصار، من ظلمة أبي تمام، وبينت أن المعنى الذي انتحاه سليم من العيب صحيح.
والعاني: الأسير. والغلق: المتروك لا يفك.
وقال الفرزدق
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجوههم:
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
стр. 1110
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
فائدة إلى قوله إلى مكارم هذا الانتهاء، والجملة في موضع المفعول لقال. والمعنى أن الكريم إذا انتهى إلى درجة مكارم هذا وقف، لأنها الغاية السامية، والمرتبة التي لا متجاوز منها إلى ما هو أعلى. ثم قال: هذا، يعني علي بن الحسين بن علي صلوات الله عليه الذي تعرف البطحاء وطأته من بين وطآت الناس إذا مشوا عليها وفيها. والبطحاء: أرض مكة المنبطحة، وكذلك الأبطح. وبيوت مكة التي هي للأشراف بالأبطح، والتي هي فر الروابي والجبال للغرباء وأوساط الناس. والحطيم: الجدار الذي عليه ميزاب الكعبة، فكأنه حطم بعض حجره. والأبطح والبطحاء وإن كانا صفتين فإنهما قد لحقا بالأسماء، لذلك جمعا الأباطح والبطحاوات. وانتصب عرفان على أنه مفعول له أي يكاد يمسكه ركن الحطيم لأن عرف راحته. ويستلم، بمعنى يلمس الحجر الأسود. يريد: أنه ابن رسول الله ﷺ الذي شرف به هذه المواضع، فهي عارفة به، وإذا جاء إلى المستلم يكاد يتمسك به الركن تمييزاً لراحته عن راحة غيره. وأصل يستلم تناول الحجر باليد أو بالقبلة أو مسحه بالكف، فكأنه من السلام: الحجارة. قال الخليل: ولم نسمع أحداً يفردها.
أي القبائل ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم
بكفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
يريد: أن طوائف الناس مغمورون بنعمه أو نعم سلفه، يعني النبي والوصي ﵉، لأنهم اهتدوا بدعائهم، وفارقوا الهلك والضلالة بإرشادهم ودلالتهم فلا قبيل إلا ورقابهم قد شغلت بما قلدت من مننهم، وذممهم قد رهنت بما حملت من عوارفهم. وقوله بكفه خيرزان يعني به المخصرة التي يمسكها الملوك بأيديهم يتعبثون بها. وقوله ريحه عبق، إذا فتح الباء فمخرجه مخرج المصادر، كأنه نفس الشيء، أو على حذف المضاف، والأصل ذات عبق. وإذا كسرت فهو اسم الفاعل، ومعناه
стр. 1111
اللاصق بالشيء لا يفارقه. يريد أن رائحته تبقى فهي تشم الدهر من كف أروع، وهو الجميل الوجه. والشمم: الطول. والعرنين: الأنف وما ارتفع من الأرض، وأول الشيء، وتجعل العرانين كناية عن الأشراف والسادة. وإذا قرن الشمم بالعرنين أو الأنف، فالقصد إلى الكرم. لذلك قال حسان بن ثابت:
شم الأنوف من الطراز الأول
وقوله يغضي حياء، أي لحيائه يغض طرفه، فهو في ملكته وكالمنخزل له. ويغضى من مهابته أي ويغضي معه مهابة له، فمن مهابته في موضع المفعول له، كما أن قوله حياء انتصب لمثل ذلك، والمفعول له لا يقام مقام الفاعل، كما أن الحال والتمييز لا يقام واحد منهما مقام الفاعل. فإن قيل: إذا كان الأمر على هذا فأين الذي يرتفع بيغضى؟ قلت: يقوم مقام فاعله المصدر، كأنه قال: ويغضى الإغضاء من مهابته. والدال على الإعضاء يغضى، كما انك إذا قلت سير بزيد يومين، لك أن تجعل القائم مقام الفاعل المصدر، كأنه قيل: سير السير بزيد يومين، وهو أحد الوجوه التي فيه، فاعلمه.
آخر:
إذا انتدى واحتبى بالسيف دان له ... شوس الرجال خضوع الجرب للطالي
كأنما الطير منهم فوق هامهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
انتدى: جلس في نادي القوم، وهو مجمعهم. وقوله احتبى بالسيف، أي حضر لعقد جوار، أو فصل أمر حرب، أو إيقاع حلف، أو تسويد رئيس أو ما يجري هذا المجرى وذلك أن السيف في أمثال هذه الأحوال ربما مست الحاجة إليه، لذلك قال جرير:
ولا يحتبى عند عقد الجوار ... بغير السيوف ولا يرتدي
وفي غير هذه الأحوال إنما يحتبون بالأدوية وأشباهها. ودان له، أي خضع. وشوس الرجال: جمع أشواس، وهو الذي ينظر بمؤخر عينه عداوة أو كبراً. وانتصب
стр. 1112
خضوع الجرب على أنه مصدر من غير لفظه، لأن معنى دان له، أي خضع له. ومثله:
ورضت فذلت صعبة أي إذلال
لأن معنى رضت أذللت. وانتصب أي إذلال نه.
وخص الجرب لأنها إذا هنئت بالطلاء طاب لها وطاعت لطالبها. لذلك قال امرؤ القيس:
كما شغف المهنوءة الرجل الظالي
وقوله كأنما الطير منهم فوق هامهم، أراد أن مجالسهم مهيبة، وأن حاضريها لا يموجون ولا يتخففون، بل يتوقرون ويسكنون فكأن على رءوسهم الطير، فإن حركوا رءوسهم طارت إعضاماً لها وتبجيلاً لصاحبها. وقوله لا خوف ظلم، أي يخافونه لا خوف ظلم وانتقام، ولكن خوف جلالة واحتشام، وتوقير وإعضام. ودل على يخافونه حتى انتصب عنه لا خوف قوله كأنما الطير منهم فوق هامهم. ولما كان غير هذا الشاعر أراد التخكم والسخربة قال في وصف قوم:
كأن خروء الطير فوق رؤوسهم
وقد مر ذلك.
وقالت ليلى الأخيلية
فإني لم أكد آتيك تهوى ... برحلي رادة الأصلاب ناب
قريح الظهر يفرح أن يراها ... إذا وضعت وليتها الغراب
قولها " لم أكد آتيك "، من قولهم: أعطاني الأمير ما لم يكد يعطى، وسمح بما لم يكد يسمح. تقول: لم أكد أزورك وقد زرتك تطير برحلي راحلة وثيقة الظهر
стр. 1113
لينته، قد أخذت من السن والقوة بالنصيب الأوفر، دبرة الظهر يفرح الغراب إذا وضعت عنها برذعتها فنظر إلى ظهرها، لأنه ينقره ويدميه إن ترك. وقولها " رادة " من راد يرود، إذا جاء وذهب للينه؛ والأصل رائدة، فحذفت الهمزة تخفيفاً، كما قيل في شائك شاك السلاح. ويجوز أن يكون فعلة بنيت منه، وعلى ذلك قولهم: رجل مال، كأنه مول. ورواه بعضهم: " رارة الأصلاب ". وزعم أن عينه ياء، واحتج له بقول الآخر: " والساق منى باديات الرير " والرار والرير: المخ. وليس الصلب بموضع مخ، فاعلمه. ومثله على الوجه الأول قوله: " في صلب مثل العنان المؤدم " ألا ترى أنه شبهه بالعنان للينه.
وقال العريان
مررت على دار امرىء السوء حوله ... لبون كعيدان بحائط بستان
فقال ألا أضحت لبوني كما ترى ... كأن على لباتها طين أفدان
فقلت عسى أن يحوي الجيش سربها ... ولا واحد يسعى عليها ولا اثنان
يعني بامرىء السوء المبخل الملوم، الذي لاهم له إلا تثمير ماله وحفظها ومنعها من الحقوق الواجبة فيها. واللبون، أراد بها الجنس، لذلك قال " حوله لبون ". وأصل اللبون الإبل ذوات " الألبان ". والعيدان: النخل الطوال، واحدها عيدانة، وهو فيعالة من عدن بالمكان، إذا أقام. ومثله غيداق من غدق. ويعني بها الراسيات الثابتات على مر السنين. وعنى بالحائط موضع شجر. والبستان: النخل. والأصل في الحائط أنه اسم الفاعل من حاط، واستعمل استعمال اسم الفاعل الذي لم يشتق من الأفعال، ومثله من جنسه قولهم والد وصاحب، ومن المصادر: لله درك. وشبه الإبل
стр. 1114
بالعيدان لطولها، ومثل هذا قول الآخر:
طيبة الأنفس بالدر نعس ... كأنها حائط نخل ملتبس
وقوله " فقال ألا أضحت لبوني كما ترى " أخذ يتبجح عنده بوفور ماله وسمنها، وتراكم اللحم والشحم على ظهورها، فأخذ يعجبه منها، ثم شبه اللحم للسمن على لباتها بطين قصور طينت به، فالإبل كالقصور، وما قذف به من زيادة اللحم كالطين. وهذا كقول القطامي: " كما بطنت بالفدن السياعا " وقوله " فقلت عسى أن يحوي الجيش "، هذه أسنية تمناها. أراد كايدته وقلت عسى أن يقبض الله لها جيشاً يحويها، ويحول بينك وبين التمتع بها، فلا يسعى عليها مالك واحد ولااثنان، لكنها تصير مقسمة في المغيرين، موزعة في السالبين. ويجوز أن يريد: لايتفقدها مصلحاً لها لا واحد ولا اثنان، لكنها تساق وتذال بالغارة وتهان.
ورحت إلى دار امرىء الصدق حوله ... مرابط أفراس وملعب فتيان
ومنحر مئناث يجر حوارها ... وملعب إخوان إلى جنب إخوان
فقلت له إني أتيتك راغباً ... بذعلبة تدمى وإني امرؤ عان
فقال ألا أهلاً وسهلاً ومرحباً ... جعلتك منى حيث أجعل أشجاني
فقلت له جادت عليك سحابة ... بنوء يندى كل فغو وريحان
وقلت سقاك الله خمر سلافة ... بماء سحاب حائر بين مصدان
قوله " دار امرىء الصدق " ضد قولهم: امرىء السوء، والمعنى فيهما نعم الرجل وبئس الرجل. وإذا قصد إلى الوصف به فتح فقيل الصدق. يقال: رجل صدق ونساء صدقات. والسوء يوصف به فيقال الرجل السوء. وقال الخليل: الصدق بفتح الصاد: الكامل من كل شيء. فتقول: عدلت رائحاً إلى الرجل الكريم الممدح بالألسنة، المرضى المحبب إلى كل طائفة، المرزأ في ماله، المنفاق على أضيافه
стр. 1115
وزواره وحوله مرابط الخيل، وفناؤه ملعب الفتيان، إذ كان همه الاشتغال بالفروسية وما يكتسب به فنون الذكر الجميل وضروب المحمدة، وندماؤه الفتيان ذوو الكرم والحرية، والافتنان في اللعب والشطارة، وبقرب داره مدارج الكرامات، ومبوأ الضيافات، ومجزر النوق العشار الصحيحات الرائعات، فتجر حيرانها إذا بعجت عنها بطونها لكبرها. يريد أن ما يضن بأمثالها ويتنافس فيها، هو يبتذلها ويستهين بها، وله دار ندامةووفادة، تنصب فيها الموائد، وقد رتب عليها الإخوان على سنن الدوام، ولا يقع فيه خلل ولا تجوز، ولا فتور ولاتخون.
وقوله: " فقلت له إني أتيتك راغباً " يريد تعرضت له وأريته رغبتي في معروفه، وعرفته أني قصدته على ناقة سريعة من مكان بعيد، فقد دميت أخفاقها وحفيت، وأني رجل مضرور، أسير فاقة وفقر، محتاج من جهته إلى تفقد ومواساة. فقال في جوابي: أتيت أهلاً لا غرباء، ونزلت سهلاً من الجوانب لا حزناً، واخترت رحباً لاضيقاً، فأنت في قلبي وصدري بحيث أجعل مهماتي وحاجاتي، تشملك عنايتي، ويسعك إفضالي، فكن كالشريك فيما لنا، لاتمايز ولاتباين، ولا تمانع ولا تضايق. فقلت له في مقابلة ما أورده داعياً وشاكراً: هنأك الله ما أعطاك، ومطر أرضك ومأواك، بجود من سحابة نشأت بنوء يحيى كل نبت وريحان، بكل أرض ومكان. وقلت أيضاً: داعياً له بالسقيا: سقاك الله خمرةً صافية رقيقةً، ممزوجة بماء مطر حائر بين المنافع والغدران، بعد أن تقاذفته المدافع والمسلان، وتقطع بأنضاد الحجر، وتغلغل في جوانب الخمر. والمصدان: جمع مصاد، وهي شقوق الجبال. وقال الخليل: المصدان: الهضاب، واحدها مصاد، وفي أدنى العدد أمصدة، ومنه سمى المعقل مصادا. والفغو: ماله رائحة طيبة من النبات، وكذلك الفاغية. والذعلبة يوصف بها النعامة والناقة الشديدة السريعة. ويقال: اذلعب البعير إذا أسرع. وسلافة الخمر: أول ما يخرج من عصيرها. وإضافة الخمر إليها على طريق التبيين. وهذا كما يفيده " من " من قوله: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان ".
وقال آخر:
لمست بكفي كفه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
стр. 1116
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي
قوله " أبتغي الغنى " في موضع الحال، وأفدت بمعنى استفدت. يقول: لما زرته صافحته واضعاً كفي في كفه، وملتمساً الغنى من عنده، وراجياً نيل الخير في قصده، ولم أعلم أن السخاء يعدي من يده، فلا أنا استفدت من جهته ما استفاده الأغنياء منه، وأعداني لمس كفه الجود فأهلكت ما عندي أيضاً.
وقوله " ما أفاد " في موضع المفعول من قوله أفدت.
وقال آخر:
إذا لاقيت قومي فاسأليهم ... كفى قوماً بصاحبهم خبيرا
هل اعفو عن أصول الحق فيهم ... إذا عسرت وأقتطع الصدورا
يتبجح قائله عند المرأة التي خاطبها، بسهولة جانبه، وترك المناقشة في استخراج حقوقه، وسماحة نفسه بما يملكه، فيقول: إذا رأيت قومي فارجعي إليهم سائلةً عني، ومستخبرةً حالي ومعتمدةً على ما تسمعينه من قصتي وأمري، فكفى بقومي عالماً بي وبأخلاقي. وقوله " كفى قوماً بصاحبهم " مقلوب وكان الواجب أن يقول: كفى بقومي خبيراً بصاحبهم، ويعني بصاحبهم نفسه. والخبير: ذو الخبرة التامة والمعرفة الكاملة. وانتصابه على الحال إن شئت، وإن شئت على التمييز وقد وضع خبيراً موضع خبراً، ومثله في القرآن: " وحسن أولئك رفيقاً ". وفاعل كفى قبل القلب " بقومي " وهذا كقوله تعالى: " كفى بالله شهيداً " والباء زائدة.
وقوله: " هل أعفو عن أصول الحق فيهم " يريد سليهم هل أسامح بما يجب لي من أصول حقي، وهل أترك الاستقصاء في استخراجها، وهل أعنف بهم إذا تعسرت عندهم، وهل أجبى صدر ما يحل لي ويجب راضياً به، وغير معرج على أواخره وأعجازه، لئلا أكون مناقشاً في الاستقصاء مضايقاً، ويكون هذا مثل قول
стр. 1117
الآخر:
إنا إذا شاربنا شريب ... له ذنوب ولنا ذنوب
فإن أبي كانت له القليب وقيل معنى " أقتطع الصدور " أراد به مودات الصدور، فحذف المضاف. وقيل: بل أراد بالصدور الرؤساء. والمراد من البيت أني أسامح في معاملة أوساط قومي لأمتلكهم بذلك، وأجعل رؤساءهم منصبين إلى ومائلين نحوي، لأني أقتطعهم عن غيري، وأعدل بهم عمن سواي.
وقال عمرو بن الإطنابة
إني من القوم الذين إذا انتدوا ... بدءوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهم ... والحاشدين على طعام النازل
والخالطين فقيرهم بغنيهم ... والباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضه ... ضرب المجهجهعن حياض الآيل
يفتخر بأنه من القوم الذين إذا عقدوا مجلساً للنظر في أحوال الجيران لشدة الزمان، ولإصلاح الأمور في جوانب الحي عند فسادها، وكان اليوم مشهوداً، والتوفر على المصالح في الأباعد بعد الأقارب شديداً، ابتدأوا بإخراج حق الله تعالى جده الواجب عليهم في أموالهم، ثم كروا على النائل من بعد. ويريد بالنائل العطايا التي لا تجب في فرائض الدين ونوافلها، وإنما يقيمون بها المروءات، ويتطلبون بفعلها وجوه التحمد والتشكر.
وقوله " المانعين من الخنا جاراتهم " قصد فيه إلى تعداد خصالهم، ورواتب سيرهم، مع الإفضال التام، والبر العام، فقال: يمنعون جاراتهم " من الفحش " ويصونونهن من درن الريبة وقبح القالة، وإذا نزل بهم نازل حشدوا الطعام له -
стр. 1118
والحشد: مالا تكلف فيه - ذلك ليكون أدنى لانبساطه، وأدعى إلى إقامته. ولو قال بدل الحاشد محتشد أو متحشد لكان لابد من اقتران الكلفة بما يأتون به. وتعلق " على " من قوله " على طعام النازل " بالحاشد، كأنهم يجتمعون على إعداد الطعام له، ويتعاونون في إزالة الوهم في أنه زيد على الحاضر منه، ليكون أهنأ، وعلى المجموع له أخف.
وقوله " والخالطين فقيرهم بغنيهم "، يريد أنهم يسوؤن بين طوائف الأقارب فترى الفقير منهم لايتميز عن الغني ولا ينحط في الإكرام عنه، فينقبض أو يمتعض، ثم يبذلون للأجانب والغرباء فراطهم وورادهم، لايذخرون وقدوراً عليه، ولا يعتلون بما يكون سببا في حرمانهم. والمعنى أن حرمانهم ليس بمقصور على ما يدلي بقربي وقرابة، بل تشترك فيه الكافة.
وقوله " والضاربين الكبش " وصفهم بأنهم يقاتلون الرؤساء متدججين في السلاح، فيضربونهم ضرب المدافع غرائب الإبل عن حياض الآبل. والآبل: صاحب الإبل الكثيرة. وقوله " يبرق بيضه " في موضع الحال. والمجهجه والمهجهج: الزاجر بقوله: هج هج، وجه جه. وقد حذف مفعول قوله ضرب المجهجه.
ويقال: فلان آبل من فلان، أي أحذق برعي الإبل وتثميرها.
والقاتلين لدى الوغى أقرانهم ... إن المنية من وراء الوائل
خزر عيونهم إلى أعدائهم ... يمشون مشي الأسد تحت الوابل
قوله " والقاتلين لدى الوغى أقرانهم "، أصل الوغى هو الجلبة والصوت، ثم كثر استعماله فصار كنايةً عن الحرب، فيريد أنهم يقتلون نظراءهم من الكماة والأبطال في الوغى، ومن أعدائهم في حال من أحوالهم فالمنية من ورائهم، لأنهم يمهلون ولا يهملون، ويطلبون أوتارهم ولا يضيعون.
وقوله " خزر عيونهم إلى أعدائهم "، يريد أنهم يتخازرون إذا نظروا إلى أعدائهم، فعل المتكبر المتوعد، فلا يملؤون أعينهم منهم، ولا يسؤون النظر إليهم، بل يتبين في نظرهم ما تنطوي عليه قلوبهم، وإذا مشوا رأيتهم كالأسد تحت المطر الشديد وهي تبادر إلى مواضعها من العرين.
والقائلين فلا يعاب كلامهم ... يوم المقامة بالقضاء الفاصل
стр. 1119
ليسوا بأنكاس ولا ميل إذا ... ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل
أجرى قوله: " القائلين " مجرى قوله المتكلمين والناطقين، لذلك عداه بالباء فقال " بالقضاء الفاصل ". ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
بحاجة نفس لم تقل في جوابها ... فتبلغ عذراً والمقالة تعذر
أي لم تتكلم. ومما يدل على ذلك قوله " فلا يعاب كلامهم " ولم يقل قولهم. ويقال: فلان يقول بالإمامة، أي يدين بها ويعتقدها مذهباً. فيجوز أن يكون قوله على هذه الطريقة. وإنما وصفهم بأنهم مفوهون خطباء يفصلون الأمور عند المجامع بالحكم العدل، والقضاء الفصل، ولا يتجاوز مرسومهم، ولا يعاب مقضيهم؛ ثم إذا حضروا الحرب وأوقد نارها فليسوا فيها بضعاف العقد.
والأنكاس: جمع النكس، والنكس أصله في السهام، تنكسر فيجعل أسفلها أعلاها فتضعف. والميل: جمع أميل، وهو الذي لايستقيم على الدابة. وقوله " أشعلوا بالشاعل " يقول أوقدوا وهيجوا. والشاعل يجوز أن يراد به يسير الايقاد، والإشعال له تقويته، والباء مقحمة، والمراد أشعلوا الشاعل وقووه وزادوا فيه. ويجوز أن يراد بالشاغل ذا الشعل أو الإشعال أو الاشتعال، ويكون معناه المشعل، كما يقال: لابن وتامر، وحينئذ يكون الباء داخلاً على حده. والمعنى أشعلوها بالمشعل. ويقال: أشعلت الخيل في الغارة فشعلت وهي شاعلة، وأشعلت النار في الحطب فاشتعلت.
وقالت حبيبة ابنة عبد العزى
أإلى الفتى بر تلكأ ناقتي ... فكسا مناسمها النجيع الأسود
إني ورب الراقصات إلى منىً ... بجنوب مكة هديهن مقلد
أولى على هلك الطعام أليةً ... أبداً ولكني أبين وأنشد
تريد أتتلكأ ناقتي، أي أتتحبس وتتبطأ، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، لأن الإدغام ممتنع هنا. وبر: اسم الممدوح. والمعنى الإنكار والإستفظاع، وإن كان اللفظ على الاستفهام. وانجر بر على البدل من الفتى، والمراد أن ذلك لايكون، ثم دعت على ناقتها بالعرقبة فقالت: إن تأخرت أو تلومت في المسير فعقرها الله حتى يسيل دم
стр. 1120
أسود ثخين على مناسمها فيصير كاللباس لها. والنجيع في الأصل دم الجوف، ويقال: تنجع به، أي تلطخ.
وقولها إني ورب الراقصات إلى منى أقسمت بالله مالك رواحل الحجيج وهي تسير إلى منى من جوانب الحرم وفيها الهدى المقلد. والهدى: ما يهدي إلى البيت، وكانوا يقلدونه ويجعلون في عنقه لحاء الشجر أو الصوف المفتول ليكون علامة لإهدائها.
وقولها أولى على هلك الطعام ألية هو جواب القسم، أي لا أولى، فحذف حرف للنفي ولم يخف الالتباس، لأنه لو أريد الإيجاب لوجب أن يقال: لأولين باللام وإحدى النونين، والمعنى لا أحلف على أن أصون طعامي ولا أطعم الناس، مدعية أنه قد نفد وهلك، ولكني أظهره وأنشد من أطعمه. ويجوز أن يريد بأنشد: أقول للزائر والماربي: أنشدك الله أن تفارق حتى تطعم. وقولها هديهن مقلد في موضع الحال للراقصات، وامتفى بضميرها في الجملة عن إدخال العاطف عليه، لأن الضمير يعلق الحال بما قبله كما يعلق حرف العطف. ومثله في القرآن: " سقولون ثلاثة رابعهم كلبهم "، والمراد بهديهن التكثير لا الواحد. وأبدا في المستقبل بإزاء قط في المضي.
وصى بها جدي وعلمني أبي ... نفض الوعاء وكل زاد ينفد
فأحفظ حميتك لا أبالك واحترس ... لا تخرقنه فأرة أو جدجد
تريد أن هذه الأفعال التي ذكرتها هي مورةثة عن الأسلاف، ومأخوذة عن عاداتهم، جدي وصى بها أبي، وأبي علمنيها فهم قدوتي، وهذه دأبي وسجيتي، أصب الزاد صبا، وأنفض وعاءه بعد أن أخليه نفضاً. والزاد كله لا يبقى وإن بخل به، فلماذا يكتسب الذم فيه. ثم أقبلت على من تذمه وتبخله فقالت متهكمة وساخرة منه: احفظ نحى سمنك لا أبالك - وهذا بعث وتحضيض - واحذر عليه الفأر والجدجدلا يقطعه.
وقد مر القول في قولهم لا أبالك وإعرابه. والفأر مهموز، ويقال مكان فئر، إذا كثر فأره.
стр. 1121
وقال مالك بن جعدة
وأبلغ صلهباً عني وسعداً ... تحيات مآثرها سفور
فإنك يوم تأتيني حريباً ... تحل على يومئذ نذور
تحل على مفرهة سناد ... على أخفافها علق يمور
لأمك ويلة وعليك أخرى ... فلا شاة تنيل ولا بعير
يقول على وجه الإزراء بالمخاطب والغض منه: أبلغ عني هذين الرجلين تحيات ما يؤثر منها وعنها، ويتحدث بها، تتسع لها وتستغرقها سفور إذا اكتتبت ونسخت. والسفور: جمع سفر وأسفار وسفور. وفي القرآن: " يحمل أسفاراً ". والمآثر، واحدتها مأثرة، ويجوز أن ييد مكارمها التي تؤثر، أي تروى وتنسب، واضحة كسفور الصبح. ويقال: سفر الصبح وأسفر، وكان الأصمعي يأبى إلا أسفر.
وقوله فإنك يوم تأتيني حريباً، أي سلبياً، وانتصابه على الحال. ويوم مضاف إلى تأتيني على وجه التبين، وهو ظرف لقوله تحل على يومئذ نذور. وانتصب يومئذ على البدل من يوم تأتيني، وكأن الشاعر أراد عراه سائلاً فحرمه، ووعده بما لم يف به له فقال: إنك إن تأتيني حريباً وجدتني لك بخلاف ما كنت لي، وعلى نذور يلزمني الوفاء بها متى احتجت إلي ورأيتك على الحالة الداعية إلى الألمام بي، والقصد لي. ومعنى تحل علي تجب محلاً. والمفرهة: الناقة التي تلد الفره من الأولاد. والسناد: القوية.
ويقال للمرتفع في قبل جبل سند وسناد. أي أعقر في جملة النذور لك ناقة هكذا، فيمور أي يسيل العلق، وهو الدم على أخفافها.
وقوله لأمك ويلة دعاء عليه مصرحاً بالذم وذاكراً الحرمة منه بقوله لأمك ويلة. وقوله وعليك أخرى أي ويلة أخرى. واللام وعلى هنا متقاربان في المعنى. وقوله فلا شاة تنيل لك أن تنصب شاة بتنيل، ويرتفع ولا بعير على الاستئناف، كأنه قال ولا بعير مطموع فيه منك ومنول. ولك أن ترفعهماجميعاص، ويكون مفعول
стр. 1122
تنيل محذوفاً، والمراد لا يرجى من جهتك شاة ولا ما فوقها. ويقال: نلت الشيء فهو منيل نيلاً، إذا كنت تتناول بيدك، وليس هو من التناول، لأن التناول من النوال، ويقال منه نلت أنوال. ومن الول قوله تعالى: " ولا ينالون من عدو نيلاً "، ومن الثاني: نولك أن تفعل كذلك.
وقال عبد الله الحوالي
لما تعيا بالقلوص ورحلها ... كفى الله كعباً به كعب
دعونا لها قيناً رفيقاً بمدية ... يجزئها ينا كما يجزأ النهب
يقال: عييت الأمر وعييت بالأمر. والقلوص في الإبل، يمنزلة الجارية في الناس. يقول: لما أعيا كعباً مزاولة القلوص وشد الرحل عليها كفاه الله أمرها، لأنا دعونا لها جزاراً حاذقاً بسكين لينحرها ويقسمها فينا كما يقسم المهب، أي المال المنتهب. والقين: الحداد في الأصل، واستعاره. وهم في ذوى المهن وأسماء الصناع يفعلون هذا. ألا ترى قول الآخر:
وشعبتا ميس براها إسكاف
والرحل: مصدر رحلت البعير، وإنما كعباً ما أعياه منها لنشاطها وعرضنتها في سيرتها. والضمير من قوله ماتعيا به راجع إلى ما. ويقال: تعيا عليه كذا، أي أعياه، قال أوس:
..........................كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصلا
لعمري لقد ضيعت يا كعب ناقة ... يسيراً عليها أن يضر بها الركب
موكلة بالأولين فكلما ... رأت رفقة فالأولون لها نصب
أقبل على كعب يوبخه في أمرها، وذاك أنه كان كثر شكوه منها، فيقول: وبقائي لقد ضيعت ناقة يا كعب يخف عليها ويقل في قوتها إضرار القوم بها في الحمل
стр. 1123
والركوب والاستحثاث في السير، فلا تبالي بما تحمل أو تكلف، حتى أنها كانت كالموكلة بالسابق المتقدم، فكلما رأت رفقة فالهوادي منها نصب عينيها حتى تلحق بها أو تتقدمها. ومعنى التصنيع أنها لم تكن سمينة ولا مستصلحة للنحر، وإنما كانت للعمل لا غير.
وقال حجر بن خالد
سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كمثل أبي قابوس حرماً ونائلاً
فساق إلهي الغيث من كل بلدة ... إليك فأضحى حول بيتك نازلا
فأصبح منه كل واد حللته ... من الأرض مسفوح المذنب سائلاً
يقول: بلغني سعي طالبي الحمد، ومدخري الشرف والمجد، وما عليه ملوك الأرض في مضصارفهم ومباغيهم، وحزمهم ومساعيهم، فقسمت بعضه ببعض، فلم أجد كحزم أبي قابوس حزماً، ولا كنائله نائلاً. ثم دعا له بالسقيا ولمحله بالخصب والحيا فقال: جمع الله لك وفي فنائك ما هو مفرق في أطرار الأرض، وجوانب الأفق، من سواكب الغيث، فصار حواليك، فأي واد نزلته من الأرض جعله ممطور التلاع والمذاني، مخصب المسايل والمدافع، سائلاً بصوبه، مغموراً بنداه وبركته. وانتصب حزماً على التمييز، والكاف من كمثل أبي قابوس زائدة، ومثله:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
أراد فيها المقق، كما أن هذا يريد: لم أر مثل أبي قابوس. وفي القرآن: " ليس كمثله شيء "، ويروى: فسيق إليه الغيث في كل بلدة إليك. وكأنه أخبر في صدر البيت ثم خاطب على عاداتهم. وقوله من كل بلدة إليك أي إليك أمرها وتدبيرها، فصرت تتولاها. وهذا كما قال: جعل بلد كذا إلى فلان. والمراد من البيت على هذه الرواية: جعل الله الدنيا تحت أمرك، ومنوطة بتدبيرك، ثم ساق إلى الغيث من آفاقها وأطرارها كلها إلى ما حولك فصار محتفاً ببيتك،
стр. 1124
ومشتملاً على مخلك. فأين تنقلت ونزلت صحبك الخير وانساق معك الغيث. وعلى هذا يكون قوله من كل بلدة عاماً في أقطار الأرض وأبلادها. وروى أيضاً: فسيق الغمام الغر من كل بلدة وهو ظاهر المعنى. وقوله فأصبح منه، أي من الغيث. وقوله كل واد وصفه بقوله حللته وانتصب مسفوح المذانب على أنه خبر أصبح.
متى تنع ينع البأس والجود والندى ... وتصبح قلوص الحرب جرباء حائلاً
فلا ملك ما يدركنك سعيه ... ولا سوقة ما يمدحنك باطلا
يقول: بقاء السخاء والمروءة وتقوى الإله والشدة، متصل ببقائك، لأنها شيمك وطبائعك، فأنت تقيمها وتربها، وتحفظها عن الذهاب والدروس وتحرسها فإن هلكت فقد هلك جميعها، ويصبح الاستسلام والانقياد لهضمية والشر شاملين للناس، فلا يكون بهم دونها دفاع، ولا إباء منها ولا امتناع، وتصير قلوص الحرب سيئة الحال يقتطعها الحيال عن اللقاح، ويمتلكها ما بنفسها من الجرب والضعف عن النزو والجذاب. وهذا مثل لما يفارق الناس من العز والاقتدار، ويلازمهم من الذل والاكتئاب. وضد هذا قول زهير:
............................ وتلقح كشافاً ثم تحمل فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
وقوله فلا ملك ما يدركنك سعيه يصفه بأنه لا غاية وراء غايته لمرتق ولا فوق نهايته نهاية لمعتل، فكل ساع من الملوك يقف دونها، وينحط عن درجتها، وأن السوق وإن أسرفوا وأفرطوا في التفريظ والإطراء، يقصرون عن بلوغ حده بالوصف، وتصوير كنهه عند النعت، بل أحسن أحوالهم أن يقولوا بعض ما قيل من الحق.
وأدخل النون الثقيلة في يمدحنك ويدركنك لما في الكلام من من معنى النفي، ولأن ما الزائدة للتأكيد لفظه لفظ ما النافية. ومثله:
في عضة ما ينبتن شكيرها
стр. 1125
وبألم ما تختننه. وقوله ما يمدحنك باطلاً أراد مدحاً باطلاً، فانتصب باطلاً على أنه صفة لمصدر محذوف.
ومثل البيت الأول قول النابغة:
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهرليس له سنام
وقول الآخر:
فإذا ولي أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره
وقال آخر:
ومستنبح بعد الهدو دعوته ... بشقراء مثل الفجر ذاك وقودها
فقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحباً ... بموقد نار محمد من يرودها
نصبنا له جوفاء ذات ضبابة ... من الدهم مبطاناً طويلاً ركودها
فإن شئت أثويناك في الحي مكرماً ... وإن شئت بلغناك أرضاً تريدها
يعني بالمستنبح طالب ضيافة، وقد تقدم الكلام فيه. ومعنى دعوتهبشقراء أي رفعت له نار شقراء حتى اهتدى بها، فكأني دعوته. وجعل النار شقراء، وربما قيل صفراء، لأنها أوقدت خالية من طرح اللحم عليها فاشتعلت شقراء، ولو كبب عليها اللحم لالتهبت كميت اللون من أجل دخانها. لذلك قال الأعشى:
وأوقدتها صفراء في رأسي تنضب ... وللمكثت أروى للنزيل وأشبع
وذاك وقودها، أي مضى اتقادها. فقلت له أهلاً، انتصب أهلا بفعل مضمر. والباء من قوله بموقد نار تعلق بفعل مضمر، كأنه قال: ينال ذلك كله بوقد نار يحمدها من يرودها. ومعنى محمد من يرودها أي مصادف الحمد من يطلبها. ويقال: أحمدت فلاناً، كما يقال أجبنته وأبخلته.
следующие страницы →