← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقال مالك بن جعدة وأبلغ صلهباً عني وسعداً ... تحيات مآثرها سفور فإنك يوم تأتيني حريباً ... تحل على يومئذ نذور تحل على مفرهة سناد ... على أخفافها علق يمور لأمك ويلة وعليك أخرى ... فلا شاة تنيل ولا بعير يقول على وجه الإزراء بالمخاطب والغض منه: أبلغ عني هذين الرجلين تحيات ما يؤثر منها وعنها، ويتحدث بها، تتسع لها وتستغرقها سفور إذا اكتتبت ونسخت. والسفور: جمع سفر وأسفار وسفور. وفي القرآن: " يحمل أسفاراً ". والمآثر، واحدتها مأثرة، ويجوز أن ييد مكارمها التي تؤثر، أي تروى وتنسب، واضحة كسفور الصبح. ويقال: سفر الصبح وأسفر، وكان الأصمعي يأبى إلا أسفر. وقوله فإنك يوم تأتيني حريباً، أي سلبياً، وانتصابه على الحال. ويوم مضاف إلى تأتيني على وجه التبين، وهو ظرف لقوله تحل على يومئذ نذور. وانتصب يومئذ على البدل من يوم تأتيني، وكأن الشاعر أراد عراه سائلاً فحرمه، ووعده بما لم يف به له فقال: إنك إن تأتيني حريباً وجدتني لك بخلاف ما كنت لي، وعلى نذور يلزمني الوفاء بها متى احتجت إلي ورأيتك على الحالة الداعية إلى الألمام بي، والقصد لي. ومعنى تحل علي تجب محلاً. والمفرهة: الناقة التي تلد الفره من الأولاد. والسناد: القوية. ويقال للمرتفع في قبل جبل سند وسناد. أي أعقر في جملة النذور لك ناقة هكذا، فيمور أي يسيل العلق، وهو الدم على أخفافها. وقوله لأمك ويلة دعاء عليه مصرحاً بالذم وذاكراً الحرمة منه بقوله لأمك ويلة. وقوله وعليك أخرى أي ويلة أخرى. واللام وعلى هنا متقاربان في المعنى. وقوله فلا شاة تنيل لك أن تنصب شاة بتنيل، ويرتفع ولا بعير على الاستئناف، كأنه قال ولا بعير مطموع فيه منك ومنول. ولك أن ترفعهماجميعاص، ويكون مفعول

стр. 1122

تنيل محذوفاً، والمراد لا يرجى من جهتك شاة ولا ما فوقها. ويقال: نلت الشيء فهو منيل نيلاً، إذا كنت تتناول بيدك، وليس هو من التناول، لأن التناول من النوال، ويقال منه نلت أنوال. ومن الول قوله تعالى: " ولا ينالون من عدو نيلاً "، ومن الثاني: نولك أن تفعل كذلك. وقال عبد الله الحوالي لما تعيا بالقلوص ورحلها ... كفى الله كعباً به كعب دعونا لها قيناً رفيقاً بمدية ... يجزئها ينا كما يجزأ النهب يقال: عييت الأمر وعييت بالأمر. والقلوص في الإبل، يمنزلة الجارية في الناس. يقول: لما أعيا كعباً مزاولة القلوص وشد الرحل عليها كفاه الله أمرها، لأنا دعونا لها جزاراً حاذقاً بسكين لينحرها ويقسمها فينا كما يقسم المهب، أي المال المنتهب. والقين: الحداد في الأصل، واستعاره. وهم في ذوى المهن وأسماء الصناع يفعلون هذا. ألا ترى قول الآخر: وشعبتا ميس براها إسكاف والرحل: مصدر رحلت البعير، وإنما كعباً ما أعياه منها لنشاطها وعرضنتها في سيرتها. والضمير من قوله ماتعيا به راجع إلى ما. ويقال: تعيا عليه كذا، أي أعياه، قال أوس: ..........................كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصلا لعمري لقد ضيعت يا كعب ناقة ... يسيراً عليها أن يضر بها الركب موكلة بالأولين فكلما ... رأت رفقة فالأولون لها نصب أقبل على كعب يوبخه في أمرها، وذاك أنه كان كثر شكوه منها، فيقول: وبقائي لقد ضيعت ناقة يا كعب يخف عليها ويقل في قوتها إضرار القوم بها في الحمل

стр. 1123

والركوب والاستحثاث في السير، فلا تبالي بما تحمل أو تكلف، حتى أنها كانت كالموكلة بالسابق المتقدم، فكلما رأت رفقة فالهوادي منها نصب عينيها حتى تلحق بها أو تتقدمها. ومعنى التصنيع أنها لم تكن سمينة ولا مستصلحة للنحر، وإنما كانت للعمل لا غير. وقال حجر بن خالد سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كمثل أبي قابوس حرماً ونائلاً فساق إلهي الغيث من كل بلدة ... إليك فأضحى حول بيتك نازلا فأصبح منه كل واد حللته ... من الأرض مسفوح المذنب سائلاً يقول: بلغني سعي طالبي الحمد، ومدخري الشرف والمجد، وما عليه ملوك الأرض في مضصارفهم ومباغيهم، وحزمهم ومساعيهم، فقسمت بعضه ببعض، فلم أجد كحزم أبي قابوس حزماً، ولا كنائله نائلاً. ثم دعا له بالسقيا ولمحله بالخصب والحيا فقال: جمع الله لك وفي فنائك ما هو مفرق في أطرار الأرض، وجوانب الأفق، من سواكب الغيث، فصار حواليك، فأي واد نزلته من الأرض جعله ممطور التلاع والمذاني، مخصب المسايل والمدافع، سائلاً بصوبه، مغموراً بنداه وبركته. وانتصب حزماً على التمييز، والكاف من كمثل أبي قابوس زائدة، ومثله: لواحق الأقراب فيها كالمقق أراد فيها المقق، كما أن هذا يريد: لم أر مثل أبي قابوس. وفي القرآن: " ليس كمثله شيء "، ويروى: فسيق إليه الغيث في كل بلدة إليك. وكأنه أخبر في صدر البيت ثم خاطب على عاداتهم. وقوله من كل بلدة إليك أي إليك أمرها وتدبيرها، فصرت تتولاها. وهذا كما قال: جعل بلد كذا إلى فلان. والمراد من البيت على هذه الرواية: جعل الله الدنيا تحت أمرك، ومنوطة بتدبيرك، ثم ساق إلى الغيث من آفاقها وأطرارها كلها إلى ما حولك فصار محتفاً ببيتك،

стр. 1124

ومشتملاً على مخلك. فأين تنقلت ونزلت صحبك الخير وانساق معك الغيث. وعلى هذا يكون قوله من كل بلدة عاماً في أقطار الأرض وأبلادها. وروى أيضاً: فسيق الغمام الغر من كل بلدة وهو ظاهر المعنى. وقوله فأصبح منه، أي من الغيث. وقوله كل واد وصفه بقوله حللته وانتصب مسفوح المذانب على أنه خبر أصبح. متى تنع ينع البأس والجود والندى ... وتصبح قلوص الحرب جرباء حائلاً فلا ملك ما يدركنك سعيه ... ولا سوقة ما يمدحنك باطلا يقول: بقاء السخاء والمروءة وتقوى الإله والشدة، متصل ببقائك، لأنها شيمك وطبائعك، فأنت تقيمها وتربها، وتحفظها عن الذهاب والدروس وتحرسها فإن هلكت فقد هلك جميعها، ويصبح الاستسلام والانقياد لهضمية والشر شاملين للناس، فلا يكون بهم دونها دفاع، ولا إباء منها ولا امتناع، وتصير قلوص الحرب سيئة الحال يقتطعها الحيال عن اللقاح، ويمتلكها ما بنفسها من الجرب والضعف عن النزو والجذاب. وهذا مثل لما يفارق الناس من العز والاقتدار، ويلازمهم من الذل والاكتئاب. وضد هذا قول زهير: ............................ وتلقح كشافاً ثم تحمل فتتئم فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم وقوله فلا ملك ما يدركنك سعيه يصفه بأنه لا غاية وراء غايته لمرتق ولا فوق نهايته نهاية لمعتل، فكل ساع من الملوك يقف دونها، وينحط عن درجتها، وأن السوق وإن أسرفوا وأفرطوا في التفريظ والإطراء، يقصرون عن بلوغ حده بالوصف، وتصوير كنهه عند النعت، بل أحسن أحوالهم أن يقولوا بعض ما قيل من الحق. وأدخل النون الثقيلة في يمدحنك ويدركنك لما في الكلام من من معنى النفي، ولأن ما الزائدة للتأكيد لفظه لفظ ما النافية. ومثله: في عضة ما ينبتن شكيرها

стр. 1125

وبألم ما تختننه. وقوله ما يمدحنك باطلاً أراد مدحاً باطلاً، فانتصب باطلاً على أنه صفة لمصدر محذوف. ومثل البيت الأول قول النابغة: فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهرليس له سنام وقول الآخر: فإذا ولي أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره وقال آخر: ومستنبح بعد الهدو دعوته ... بشقراء مثل الفجر ذاك وقودها فقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحباً ... بموقد نار محمد من يرودها نصبنا له جوفاء ذات ضبابة ... من الدهم مبطاناً طويلاً ركودها فإن شئت أثويناك في الحي مكرماً ... وإن شئت بلغناك أرضاً تريدها يعني بالمستنبح طالب ضيافة، وقد تقدم الكلام فيه. ومعنى دعوتهبشقراء أي رفعت له نار شقراء حتى اهتدى بها، فكأني دعوته. وجعل النار شقراء، وربما قيل صفراء، لأنها أوقدت خالية من طرح اللحم عليها فاشتعلت شقراء، ولو كبب عليها اللحم لالتهبت كميت اللون من أجل دخانها. لذلك قال الأعشى: وأوقدتها صفراء في رأسي تنضب ... وللمكثت أروى للنزيل وأشبع وذاك وقودها، أي مضى اتقادها. فقلت له أهلاً، انتصب أهلا بفعل مضمر. والباء من قوله بموقد نار تعلق بفعل مضمر، كأنه قال: ينال ذلك كله بوقد نار يحمدها من يرودها. ومعنى محمد من يرودها أي مصادف الحمد من يطلبها. ويقال: أحمدت فلاناً، كما يقال أجبنته وأبخلته.

стр. 1126

وقوله نصبنا له جوفاء يعني به قدراً كثيرة الأخذ، واسعة الجوف. والضبابة: ما يتعقب المطر من الظلمة الرقيقة والسحاب الركيك. وذكرها هاهنا مثل. ويروى: ذات صبابة، وهي البقية، أي يفضل ما فيها عن الآكلين لعظمها. والدهم: السود. والمبطان: العظيم البطن. ومفعال بناء المبالغة. وجعلها طويلة الركود لأنها إذا نصبت لم تنزل إلا بعد لأي كبرها، ولأنه لا يخف محملها فيتناول كل وقت. وقوله فإن شئت أثويناك، هذا تخيير منهم للضيف بعد إطعامه، ويقال: ثوى بالمكان، إذا أقام؛ وأثواه غيره. وانتصب مكرماً على الحال. والمعنى: إن أردت المقام أقمت مكرماً معظماً، وإن أردت التوجه في مقصدك، والارتحال لطيتك، بلغناك مقرك محمياً مشيعاً. وقال آخر: ومستنبح تهوى مساقط رأسه ... إلى كل شخص فهو للسمع أصور يصفقه أنف من الريح بارد ... ونكباء ليل من جمادى وصرصر حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر يعني بالمستنبح ضيفاً. ومساقط رأسه: جمع مسقط، ويعني به المصدر لا اسم المكان. ومعنى تهوي تقصد وتسرع. ويقال في القرس: إنه يساقط العدو سقاطاً. واسقط علينا، أي اقصدنا. وقال: يساقط عنه روقة ضارياتها ... سقاط حديد القين أخول أخولاً أي يزيلها ويبعدها. ومعنى تهوي مساقط رأسه، أي يساقط رأسه الشخوص سقاطاً سريعاً. وقوله فهو للسمع أصور أي مائل. والسمع: مصدر سمع. ومعنى البيت: رب مستضيف بنباحه يتسرع ميل رأسه ومهواه إلى كل شخص يمثل له، فهو مائل للسمع، ومنتظر متى يجيبه الكلام أو يتلقاه من ينزله. وقوله يصفقه أي يضربه. والأنف من الريح: أوله. ومنه استأنفت الأمر. وكلأ ألف، إذا لم يرع. وقوله ونكباء ليل يريد: وريح تنكب عن مهاب الرياح الأربع، في ليلة من ليالي جمادى. وصرصر، أي ورد شديد. والصر والصرصر

стр. 1127

بمعنى، وليس من بناء واحد، لأن صرصر رباعي وذلك ثلاثي. وجمادى، يريد به شهراً من شهور الشتاء وإن لم يكن جمادى في الحقيقة. وإنما وصف ما قد أشرف عليه المستنبح من أذى الريح والبرد والمطر، ليكون ذلك عذراً في الاستنباح وطلب النزول. وقوله حبيب إلى كلب الكريم مناخه، يجوز أن يرتفع حبيب على أنه خر مقدم، والمبتدأ مناخه. ويجوز أن يكون صفة للمستبيح. وقد جعل خبر مبتدأ مضمر، فيرتفع مناخه على أنه مفعول لم يسم فاعله من حبيب. ويقال: أنخت البعير إناخة ومناخاً فبرك. واستغنى ببرك عن ناخ. وإنما حبب مناخ الضيف إلى الكلب لأنه يسعد بنزوله ويشركه في القرى المهيأ له. وأضاف الكلب إلى الكريم، لأن كلب اللئيم يعقر السابلة والمارة، ولا يعرف الاستضافة والاستنزال. وقوله بغيض إلى الكوماء لأنها تنحر. والكوماء: العظيمة السنام. وقوله والكلب أبصر مما وقع في أحسن موقع وشرف المعنى به وجاد البيت. حضات له ناري فأبصر ضوءها ... وما كاد لولا حضأة النار يبصر دعته بغير اسم هلم إلى القرى ... فأسرى يبوع الأرض والنار تزهر فلما أضاءت شخصه قلت مرحباً ... هلم وللصالين بالنار أبشروا قوله حضأت له ناري جواب رب المضمرة في قوله ومستنبح. ومعنى حضأت النار رفعتها وهيجتها له فأبصرها واستدل بها، ولولا رفعى النار وتهييجي إياها لكان لا يبصر الطريق ولا يرى مستدلاً به. وفصل بين كاد وخبره بقوله لولا حضأة النار، وفي كاد ضمير المستنبح، لولا ذلك لما جاز أن يقال: زيد كاد يخرج، لأن الفعل لا يلي الفعل. وقوله حضأة ارتفع بالابتداء وخبره محذوف استغنى بجواب لولا عنه، وجواب لولا في قوله: وما كاد يبصر لولا حضأة النار. وقوله دعته بغير اسم يريد: دعت الضيف النار، كأنه سمي استدلاله بها وتصور النار له دعاء منها وإجابة من الضيف. وقوله بغير اسم إنما نكره ولم يقل بغير اسمه، لأن المدعو قد يدعى باسمه، وبكنيته، وبلقب له، وباسم جنسه، وبصفة له، كقولك يا رجل، ويا فتى، ويا مقبل، ويا راكب، ويا فلان، ويأبا فلان. والنار

стр. 1128

لم تدع الضيف بشيء من ذلك، فلذلك قال بغير اسم، أي بغير اسم يدعى به مثله. يجوز أن يكون قال ذلك لأن دعوتها لم تكن بكلام، وإنما كان علامة واستدلالا، كما أن الإجابة كانت قصداً وإسراء. وكذلك قوله هلم إلى القرى من ذلك، لأن النار لم تتكلم بهذا الكلام. وهلم يجوز أن يكون أصله هاء التتنبيه ولم فعل، وعلى هذا يثنى ويجمع. ويجوز أن يكون اسماً للفعل، وحينئذ لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وهذا أفصح اللغتين. وفي القرآن: " يقولون لإخوانهم هلم إلينا ". وقوله أسرى، يقال سرى وأسرى بمعنى. ويبوع الأرض أي يقطعها بخو واسع وحركة سريعة. يقال: بعت الشيء أبوع بوعاً في هذا. وفرس بيع: واسع الخطو. وكما استعمل البوع في هذا استعمل الذرع أيضاً. ومنه قيل ناقة ذرعة، إذا كانت واسعة الخطو. وقوله والنار تزهر الواو واو الحال، وتزهر أي تضيء في صعود. وقوله فلما أصاءت شخصه قلت مرحبا، أي لما دنا مني وتراءى لي شخصه بضوء النار تلقيته بالترحيب والاستدناء، وقلت لمن حول النار من اصطلين ومن الأهل والخول: استبشروا بالضيف فقد طرق، وبمرادنا فإنه حصل. ويقال صليت بالنار، أي دنوت منها، أصلي صلياً. وقوله: مرحباً، هلم: كلامان، ولم يتوسطهما العاطف، لأن مرحباً تسليم عليه، وهلم أمر بالدنو، فكأنه استانف هذا الكلام بعد التسليم بهذا الكلام، ولم يجمعهما اللفظ به في حالة واحدة. فجاء ومحمود القرى يستفزه ... إليها وداعي الليل بالصبح يصفر تأخرت حتى لم تكد تصطفي القرى ... على اهله والحق لا يتأخر يقول: جاء الضيف وما هيىء له من القرى المحمود يجتذبه ويهديه إلى النار الموقدة والديك يصفر مؤذناً بإصباح الليل. وإنما قال ومحمود القرى لأن طعام الكرام لا يستنكف منه، ويستطيبه كل متناول ويستمرئه، كما يستكرم المثوى عندهم كل نازل بهم. وقوله تأخرت استبطاء من القاري للضيف. والمراد أنك تأخرت عن أول الليل حتى كأنك لم تكد تطلب اختيار صفو القرى على النازلين، ونحن وإن فعلت

стр. 1129

ذلك فلك الواجب من حقك، والمفروض من قسطك، ولن يتأخر إن تأخرت. والمعنى أنا نستأنف لك ونحتفل، ونقيم الرسم ونتكلف، ونفردك بما يجب لك وإن تقدمك من تقدم. والهاء من قوله على أهله يعود إلى القرى. وقمت بنصل السيف والبرك هاجد ... بهازره والموت في السيف ينظر فأعضضته الطولي سناماً وخيرها ... بلاء وخير الخير ما يتخير يقول: قمت مجرداً السيف ومتجرداً لعقر ناقة، والإبل الباركة بفنائي نائمة ساكنة، عظام سمان، والموت ينظر في سيفي: أيها المعد والموعود به. وإنما قال والبلارك هاجد ولم يقل هاجدة، رداً على لفظه، لأن لفظه لفظ الواحد وإن أريد به الكثرة. ورد بهازره على المعنى لا على اللفظ. والهجود: النوم، وقال الخليل: هجدوا، أي ناموا، هجوداً؛ وتهجدوا: استيقضوا، تهجداً. والبهازر: السمان الصفايا، واحدتها بهزار في القياس. والواو من قوله والموت في السيف ينظر واو الحال. وقد حسن موقع هذا العجز من صدر البيت. ويجوز أن يكون المعنى: والموت راكب في السيف ينتظر ماذا يكون مني. وقوله أعضضته الطولى سناماً أي عرقبتها به، وجعلته يعض عليها. وانتصب سناماً على التمييز، وكان الواجب في مقابلة الطولي أن يقول: والخوري بلاء، أو خوارها بلاء، فعدل به الوزن عن تخير المقابلة. ومعنى خيرها بلاء يعني في العمل والولادة وغزارة الدر. وقوله وخير الخير ما بتخير يريد أن البرك كلها خيار، ثم أني اخترت من بينها خيرها، إكراماً للضيف، وخير الخير ما يتخير من الخير. فأوفض عنها وهي ترغة حشاشة ... بذي مفسها والسيف عريان أحمر فباتت رحاب جونة من لحامها ... وفوق بما في جوفها يتغرغر قوله أوفض عنها يريد أن البرك لما جرى مني على صاحبتها التي اخترتها ما جرى من العرقبة نفرق وتفرقن عنها، وهي، يعني المعقورة، ترغو بروحها حشاشة، وقال بذي نفسها يريد خالصة نفسها. والحشاشة: البقية من ذمائها، وقال الخليل: روح القلب، وهو رمق من حياة النفس. وانتصابه على الحال، ويجوز أن ينتصب على التمييز، فيكون مما نقل الفعل عنه، كأنه كان وهي ترغو

стр. 1130

حشاشتها، فنقل الفعل إليها، فصار تمييزاً كقولك طبت نفساً وما أشبهه. وقوله والسيف عريان أحمريريد انه متجرد من غمده. ولم يصرف عريان ضرورة، وجعله أحمر مما تلطخ من دمها. وقوله فباتت رحاب يعني القدر. ويقال: رحيب ورحاب، كما يقال: طويل وطوال، وعجيب وعجاب، وهي الواسعة. والجونة: السوداء. وقوله من لحامها خبر باتت، كقولك أنت مني. والمعنى: باتت مملوءة من لحامها. وقوله وفوها يتغرغر أي يسيل ما في جوفها، يعني عند غليانها علة النار. ومثله: إذ لا تزال لكم مغرغرة ... تغلي وأعلى لونها كتر والكثر: السنام، ويكون أبيض اللون. آخر: وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزولي الفصيل إنما قال جبان الكلب لأنه عود أن يسالم الطراق لئلا يتأذى به الضيوف إذا وردوا، فقد أدب لذلك ودرب عليه، ولأنه بطول اعتياده لنزول السابلة بهم ألفهم، فصار لا يستنفر منهم. وقال مهزول الفصيلي لأنه يؤثر بلبن أمه غيره أو تنحر عنه. ومثله قول الآخر: ترى فصلانهم في الورد هزلى ... وتسمن في المقاري والحبال وقال آخر: سأقدح من قدري نصباً لجارتي ... وإن كان ما فيها كفافاً على أهلي إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي ... يكون قليلاً لم تشاركه في الفضل سأقدح، أي سأغرف من قدري نصيب الجارة وإن كان ما فيها كفافاً على أهلي، أي لا يفضل عنهم ولا ينقص من حاجتهم. وفي طريقته قول الآخر: نقسم ما فيها فإن هي قسمت ... فذاك وإن أكرت فعن أهلها تكرى

стр. 1131

قسمت بمعنى تقسمت، ومثله نبه بمعنى تنبه، ووجه بمعنى توجه. ومعنى أكرت نقصت، يريد أنه يوفر نصيب الغريب ولا ينقص منه، بل يجعل النقصان في نصيب العيال. وكذلك قول الآخر: ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل يريد: والذي لديك قيليل وقال الراعي: إني أقسم قدري وهي بارزة ... إذ كل قدر عروس ذات جلباب أي مستورة مغطاة، لشدة الزمان. وقال عمرو بن الأهتم ذريني فإن الشح يا أم هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق ذريني وحطي في هواي فإنني ... على الحسب الزاكي الرفيع شفيق يقول: اتركيني على أخلاقي وإن أنكرتها فإن ما تبعثين عليه من الإمساك والإبقاء على المال هو البخل، والبخل مزر بأخلاق الرجال الكريمة، ومستهلك متحيف لها، وواضع من عوالي رتبها. ذريني وحطي أي اتركيني واخفضي من كلامك ووصاتك فيما أهواه وأوثره. وكرر ذريني على طريق التأكيد ومظهراً التبرم بإفراطها. والمراد: انزلي عن مراكبك في اللوم واتبعي هواي، فإنني مشفق على الحسب الذي رفعت بناءه، إذ كانت الأحساب متى لم تتفقد بالعمارة استرم بناؤها وشيكاً، وتهدمت وبارت أخيراً. ذريني فإني ذو فعال تهمني ... نوائب يغشى رزؤها وحقوق

стр. 1132

وكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللحق بين الصالحين طريق يقول: اتركيني واختياري، فإني قدمت مساعي تقتضيني مراعاتها، وأسست مباني تدعو إلى استكمالها وتبعث على الزيادة فيها، وعودت الناس مني عادات توجب على الصبر لها وعليها، وتغشاني نوائب تنوبني، وحقوق يلزمني الخروج منها. ثم إن الكرام يتقون ببذل القرى وإقامته على أشرف وجوهه ذم النزال، وشكو الطراق. ولقضاء واجبات الحقوق في الكرم والمروءة طريقة مسلوكة معروفة، متى أخل بها ولم تعمر باستطراقها والنظر في مصالحها والإنفاق في استبقائها، درست وخفيت. ويروى: وللحمد بين الصالحين طريق، والمعنى ولكسب الحمد. ومعنى يغشى رزؤها أي يغشاني رزؤها، فحذف المفعول، أي إصابة الناس وانتفاعهم بي. ويقال منه: هو مرزأ، إذا كان سخياً ينال الناس إفضاله. وقال عروة بن الورد إني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحق والحق جاهد أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد قوله عافي إنائي شركة أي يأكل معي عدة يشاركونني فيما في الإناء، وأنت رجل تأكل وحدك فعافى إنائك واحد. وأصل العافى من عفاه واعتفاه، إذا طلب معروفه، فأعفاه أي أعطاه، كما يقال: طلب منه فأطلبه، ومنه عافية الطير والسباع. وأنشد بعضهم فيه: لعز علينا ونعم الفتى ... مصيرك يا عمرو للعافية أي السباع والطيور، وقيل: بل أراد العواد. ومثله قول حاتم: يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا لأن قوله سبيل المال واحدة يريد إنفاقه على نفسه دون غيره.

стр. 1133

وقوله أتهزأ مني أن سمنت أي لأن سمنت ولأن ترى بوجهي شحوب الحق. وأضاف الشحوب إلى الحق لأن سببه كان توفره على إقامة الحقوق وأدائها في وجوهها. وهم يضيفون الشيء إلى الشيء لأدنى مناسبة بينهما، فكأنه قال الشحوب الذي كان سببه توفري علة الحق، وتوفيري الأزواد على طلابها. وقوله والحق جاهد يريد القيام بالحق في الشدائدوأدائه يجهد النفوس ويغير الألوان وينضي الأبدان. وقوله أقسم أراد قوت جسمي وطعمته، لأني أوثر به الغير على نفسي وأجتزىء بحسو الماء القراح، وهو البحت الذي لا يخالطه شيء من اللبن وغيره، والماء بارد، أي والشتاء شات والبرد متناه. وقال بعضهم: المهزول يجد برد الماء أكثر مما يجده السمين. وأنشد: عافت الماء في الشتاء فقلنا ... بل رديه تصادفيه سخينا أي سمنت فرديه تصادفي حاراً ما صادفته بارداً. قال: ويدل على انه كنى عن الهزال ببرد الماء قوله: أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحق والحق جاهد وقال آخر: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غنى في القلوب جليل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى ... عشية يقرى او غداة ينيل يقول: لما استغنيت عظمت في عيون الناس فأجلوا قدرك ورفعوا مكانتك، وكذا الأغنياء مواقعهم من النفوس عظيمة، ومحالهم في الأفئدة والقلوب جليلة رفيعة، وأقدارهم موقوفة على سعة أحوالهم، ومردودة إلى مقادير قدرهم، لكن الغنى المحمود المتفق على فضله عند التحصيل هو ما يزين الفتى فلا يشينه، ويكسب له الحمد والذخر فلا يذيمه، عشية ينزل الأضياف فيكرم مثواهم، أو غداة ينيل العفاة ويوسع في فنائه مأواهم.

стр. 1134

وقال المثلم بن رياح بكر العواذل بالسواد يلمنني ... جهلاً يقلن ألا ترى ما تصنع أفنيت مالك في السفاه وإنما ... أمره السفاهة ما أمرنك أجمع يقول: بكر اللوائم في سواد الليل، ولم تصبر إلى وقت الإصباح، حرصاً من نفوسهم على تقريعي وتوبيخي، لجهلهن وضعف رأيهن، وقصور بصائرهن عن معرفة ما لهن وعليهن، يقلن لي مستعظمات لما آتيه، ومستنكرات لما أنفقه وأفرقه: ألا ترى ما تأتي وما تذر. وإنما صلح أن يقول بكرن بالسواد لأن البكور الابتداء في الشيء، ومنه باكورة الربيع، والبكر في النساء. وهذا كما قال غيره: " ألا بكرت عرسي بليل تلومني " وقوله " أهلكت مالك " هو تفسير ما أبهمه قوله " ألا ترى ما تصنع " والمعنى: صرفت مالك فيما هو سفه وضلال، وغباوة وضياع. ثم قال: وإذا تؤمل الحال فيما يراودنك عليه فالأمر بالسفاهة ما أمر نكه كله. جعل يخاطبنفسه بذلك. ويقال: أمرتك كذا وبكذا. قال الشاعر: " أمرتك الخير فافعل ما أمرت به " فجمع بين الوجهين. وفي القرآن: " فاصدع بما تؤمر ". ويجوز أن يكون معنى أمر السفاهة الأمر الذي تولد عن السفاهة، ويكون الإضافة فيه إضافة المسبب إلى السبب، كأنه جعل السفاهة فيهن ومنهن. وقوله " ما أمرنك " ما مع الفعل في تقدير المصدر، وأجمع توكيد له. والسفاهة والسفاه والسفه: الخفة والطيش. ويقال: زمام سفيه كما يقال زمام عيار. وسفهت الريح الغصن: حركته. وتسفهت الرياح: اضطربت. و " يلمنني " في موضع الحال. وجهلاً يجوز أن تكون مفعولاً " له "، ويجوز أن تكون في موضع الحال. و " ألا ترى " ما تصنع " في موضع

стр. 1135

مفعول يقلن. وما من قوله " ما تصنع " يجوز أن يكون بمعنى الذي، وقد حذف المفعول من صلته، يريد تصنعه. ويجوز أن يكون مفعولاً مقدماً لتصنع، والمعنى أي شيء تصنع. وقتود ناجية وضعت بقفزة ... والطير غاشية العوافي وقع بمهند ذي حلية جردته ... يبرى الأصم من العظام ويقطع قوله " وقتود ناجية " انجر بإضمار رب، وجوابه وضعت بقفزة، والواو من قوله والطير واو الحال. فيقول: رب رحل ناقة سريعة وضعته بمكان خال وتركته، لأني عرقبتها، والطير عوافيها تغشاها وتقع عليها. وأكثر ما يجيء المجرور برب يجيء الجواب، وها هنا لم يصفه. وقوله " غاشية العوافي " وجب أن يكون فيه ضمير للناقة، حتى يكون بين ذي الحال وبينه تعلق، فحذف ذلك الضمير لأن المراد مفهوم، ولو أتى به لكان والطير غاشية العوافي إياها وقع عليها. والعوافي: جمع عافية، وهو من قولهم عفاه واعتفاه؛ وقد مر ذكره. وقوله " بمهند " تعلق الباء منه بقوله وضعت بقفزة، لأنه لم يحط الرحل عن الناجية ولم يضعها " بالقفزة " إلا وقد عرقبها، فكأنه " جعل ": وضعت بقفزة دلالةً على العقر والعرقبة. وقوله " ذي حلية " يريد أنه كان ملطخاً بالدم، فجعل ذلك الدم كالحلية لها. وقوله " يبرى الأصم من العظام ويقطع " يعني بالأصم ما ليس بأجوف، وذلك أصلب، فإذا برى الأصم فهو للمجوف أبرى. لتنوب نائبة فتعلم أنني ... ممن يغر على الثناء فيخدع إني مقسم ما ملكت فجاعل ... أجراً لآخرة ودنيا تنفع قوله " لتنوب " تعلق اللام بفعل مضمر دل عليه ما تقدم، كأنه قال: فعلت ذلك لكي إذا نابت نائبة علمت أني أنهض فيها، وأطلب الأحدوثة الجميلة في دفعها، وأني أحمل على الغرر، وأخدع عن المال بالثناء والشكر. ثم قال: إني أقسم ما أملكه بين أمرين: مدخر للآخرة، ومنتفع به في الدنيا. وجعل قوله لآخرة ودنيا نكرتين، وقد جاء في غير هذا المكان دنيا في صورة المعرفة،

стр. 1136

قال: " في سعي دنيا طال ما قد مدت " ووجه التنكير فيها وفي آخره أن يراد أجر عائد في أمد من آماد الآخرة، ومنفعة في مثله من الدنيا، وكان الواجب أن يقول ومنفعة لدنيا، حتى يكون لفق الأول فيما ساقه من الكلام، وتفسيراً لما قسمه من مصارف المال، إلا أنه رمى بالكلام على ما ترى لما لم يلتبس. وقال أبو البرج القاسم بن حنبل أرى الخلان بعد أبي خبيب ... وخجر في جنابهم جفاء من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا لهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيبه العماء هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا الجناب: ناحية القوم. ويقال: فلان رحب الجناب، كأنه استجفى نبوهم فعتب عليهم، ثم أخذ يمدحهم ويستعطفهم، فيقول: أجد الأصدقاء بعد هذين الرجلين يجفو جنابهم عني وينبو جانبهم، وهم من القوم الكرام الغر الوجوه، أذكر بني سنان. فقوله بني سنان يجوز أن ينتصب على المدح والاختصاص، ويجوز أن يجعل مجروراً على البدل من البيض الوجوه. وإنما وصفهم بنقاء الحسب وانتفاء العار والعيب من الذمم. قال: فلو استضأت بنور وجوههم لأضاءوا في بهم الظلم، فلهم مننور الكرم مثل شمس النهار إذا ارتفعت وعلت، ومثل نور الليل لا يستره ظلام، ولا يخفيه عماء، وهو الغيم الرقيق، ومثل نور الليل الذي اكتسبوه، ويحميد أفعالهم شيدوه، المعلى يعني المرفع، إلى أبعد الغايات، وأقصى النهايات. ويجوز أن يكون أراد القدح المعلى، لأنه أشرف القداح وأكثرها أنصباء، فجعله مثلاً لأرفع المدارج وأسنى المراتب. وقوله ومن حسب العشيرة يريد به المتوارث، أي نزلوا منه حيث اختاروه وأحبوه. ومراده أنه جمع لهم بين المكتسب والمتوارث من الشرف ةالحسب. وأضاف الحسب إلى العشيرة لأنهم شركاء في التليد منه.

стр. 1137

وأزيد مما قصده في قوله من البيض الوجوه بني سنان قول الآخر: بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء فأما بيتكم إن عد بيت ... فطال السمك واتسع الفناء وأما أسه فعلى قديم ... من المعادي إن ذكر البناء فلو أن السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السماء البناة: جمع بان. والأساة: جمع آس، وهذا الجمع يختص بالمعتل، كما أن فعلة نحو كفرة وظلمة يختص بالصحيح. والآسي: مداوي الجراحات. والكلم: الجرح. وهذا مثل لشدة الهوال واضطراب الأحوال. والمعنى: إذا تفاقمت الأمور، وحرجت بما اجتمعت فيها الصدور، فإنهم يتلافونها بعنفهم او لطفهم، وهم ملوك ففي دمائهم شفاء من عض الكلب الكلب، وهو الذي يكلب بأكل لحوم الناس، فيأخذه من ذلك شبه الجنون، فلا يعض إنساناً إلا كلب. ويقال: إن من عضه ينبح نبيح الكلاب فينتظر به سبعة أيام، فإن بال هنات على خلقة الكلاب برأ، وإلا مات بزعمهم. ويقولون: إنه لا دواء له أنجع من شرب دم ملك. ومثله قول الفرزدق: ولو تشرب الكلبى المراض دماءنا ... شفتها وذو الخبل الذي هو أدنف وقوله فأما بيتكم إن عد بيت فإنه يريد: إذا عدت البيوت فبيتكم طويل السمك ثابت الأس، فسيح الساحة والفناء، واسع الأقطار والأرجاء. والسمك: أعلى البيت الداخل، فأما أعلاه الخارج فإنه الصهوة. والعادي: القديم، نسب إلى عاد. فيريد: بناء شرفكم قديم، ومكانه وسيع، وسموقة رفيع، ورسوخة عميق. وقوله: فلو أن السماء دنت لمجد، يريد لو ملكت السماء الدنو والانحطاط عن موضعه الذي سمك فيه ليرتقي إليها مجدهم، أو ليشارك الأرض في إقلالهم وإيوائهم، والاحتواء على مكارمهم، لفعلت ذلك، ولكنها عاجزة غير مالكة.

стр. 1138

وقال أرطاة بن سهية لو أن ما نعطى من المال نبتغي ... به الحمد يعطي مثله زاخر البحر لظلت قراقير صياماً بظاهر ... من الضحل كانت قبل في لجج خضر قوله نبتغي موضعه نصب على الحال، وموضع يعطى مثله الجملة رفع على أنه خبر أن، وقد حذف الضمير العائد إلى ما من قوله نعطي، كأنه قال: لو أن الذي نعطيه من المال مبتغين به الحمد يعطى مثله طامي البحر ومرتفعه لظلت سفن راكدة وواقفة بظاهر من الماء قليل، كانت من قبل في معاظم من البحر خضر كثيرة. وقوله لظلت جواب لو. وقوله كانت قبل من صفة القراقير، وهي السفن، والواحد قرقور. وقد فصل بين الصفة والموصوف بخبر لظلت وهو قوله صياماً. يريد أن السفن التي كانت في الماء في بحر تعود بمثل العطايا منه إلى أن تكون واقفة في ضحل، إذ كان ماؤه لا يقوم مع الإغتراف منه لما يقوم له ما لنا على الإسراف العظيم منه. والضحل: الماء القليل، والجميع الضحول. وأتان الضحل: صخرة بعضها في الماء مغمور ةبعضها ظاهر مكشوف، فيصلب ويملاس. واللجج: جمع لجة، وهي معظم الماء. ويقال: التج البحر. والصيام: القيام. والزاخر من البحور: الطامي الماء، المرتفع الموج. وإذا جاش القوم لنفير أو حرب، قيل زخروا. ولا نكسر العظم الصحيح تعذراً ... ونغني عن المولى ونجبر ذا الكسر غلبنا بني حواء مجداً وسودداً ... ولكننا لم نستطيع غلب الدهر يصف كرمهم في عشيرتهم، وأنهم يتعطفون على الضعاف الفقراء منهم ويتحدبون، فيجبرون كسرهم، ويسدون مفاقرهم، ويظهرون الغنى عن مواليهم، فلا يصلحون أحوال أنفسهم بل يوفرونهم على مصالح أمورهم، ويخلونهم واختياراتهم في مباغيهم ومكاسبهم، ومن كان مستقيم الأمر واسع المراد يقوم برم عيشه، وينهض بتدبير تجمله، لا يلحون عليه في نوائبه، ولا يضاعفون المؤن في مصارفه، متوصلين بذلك إلى الغض منه والحط من قدره، وجلاله ومكانه، لحسدهم واستعلائهم.

стр. 1139

وقولهم غلبنا بني حواء، يريد أنا قهرنا الناس على طبقاتهم وتباين منازلهم رياسة وشرفاً، فلما جاء الدهر يغلبنا على ما نريده من استبقاء وبقاء، واستصلاح وصلاح، لم نستطيع دفعه، ولم نطق غلبته ومنعه. وانتصب قوله تعززاً على انه مصدر في موضع الحال، ولا يمتنع أن يكون مفعولاً له. وقال حجر بن حية ولا لأدوم قدري بعج ما نضجت ... بخلاً لتمنع ما فيها أثافيها لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ... ولا أقوم بها في الحي أخزيها ولا أكلمها إلا علانية ... ولا أخبرها إلا أناديها قوله لا أدوم يريد لا أطيل إدامة قدري بعد إدراكها على الأثافي، بخلاً بما فيها، ولتمنعها عن طلابها أثافيها. جعل المنع للأثافي، لأنها لما لم تغرف ما دامت منصوبة على الثافي جعل الفعل لها، كأنها هي المانعة. وانتصب بخلاً على التمييز أو على الحال إن شئت. ويقال: أدمت الشيء، إذا سكنته ودومته أيضاً. والماء الدائم: الساكن الذي لا يجري، وكأن البخيل منهم يفعل ذلك ليرى أن القدر لم تدرك، وأن ما فيها لم نضج، انتظاراً لمن تأخر عنه ويوجب الحال حضوره. وقوله لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت، يريد أنه يشركها في فصل نعمته بعج دنوها من داره، وأنه لا يطلب عثراتها ولا يقبح آثارها، فلا يقوم بذكرها في الحي مخزياً لها. وقال بعضهم: أراد لا أحكي عليها قبيحاً. يقال: قام بي فلان وقعد، أي نثا عني قبيحاً. وقوله أخزيها يجوز أن يكون ألف النقل دخل على خزي خزياً من الهوان، ويجوز أن يكون دخل على خزي خزاية من الاستحياء، وذاك لأنها إذا ذكرت بالقبيح أو شهرت بما تستره وكشفت، فقد تستحيي كما تذل، أو تذل كما تستحيي. وقوله ولا أكلمها إلا علانية انتصب علانية على أنه مصدر في موضع الحال، وكذلك قوله إلا أناديها، الجملة في موضع الحال، ونظام الكلام يقتضيه أن يقول: ولا اخبرها، إلا أنه لما كان الغرض إلا منادياً لها، ناب الفعل عن المصدر، ولا يجوز في علانية أن يكون تمييزاً، بدلالة أن الصدر يجب أن يكون

стр. 1140

حكمه حكم العجز، ومن الظاهر أن أناديها في موضع الحال، والمعنى أنه لا يقف، لسلامة طريقته وتكامل عفته، الجارة في مواقف التهمة، فلا يخفي مكالمتها، ولا يخاطبها مخبراً لها إلا برفع صوت ونداء عال. كل ذلك هرباً من قرفة تحصل، أو تهمة تتوجه، وهذا هو الغاية في العفاف، والدرجة القاضية في التوقي من العار. وقال المساور بن هند بن قسيس بن زهير فدي لبني عبد غداة دعوتهم ... بجو وبال النفس والأبوان إذا جارة شلت لسعد بن مالك ... لها إبل شلت بها إبلان خبر المبتدأ الذي هو فدي قوله النفس، وجو وبال أضاف الجو إلى وبال، وهو اسم ماء. وإنما دعا لبني عبد بالتفدية لأنه وجدهم عند الظن بهم لما استنصرهم على أعدائه بجو وبال. وقوله إذا جارة ظرف لقوله شلت به غبلان، وهو جوابه. وتلخيص الكلام: إذا شلت إبل لجارة لسعد بن مالك شلت بسببها ولمكانها إبلان، وذلك لكرم محافظتهم، وللعز اللاحق في معاقدة جوارهم. ومعنى شلت: طردت، شلا. وقد فصل بين المرتفع به وهو إبل، وبينه بقوله لسعد بن مالك، ولولا أن حكمه الظروف وقد توسعوا فيها، لكان ذلك غير جائز، لأن الفصل بين الفعل وبين المبنى عليه بأجنبي لا يجوز عندنا. ألا ترى أنهم امتنعوا من جواز قول القائل: كانت زيداً الحمي تأخذ، وإن جوزوا: كان في الدار زيد واقفاً، لكون الحائل هنا ظرفاً وفي ذاك غير ظرف. وأما قوله لها إبل فموقع لها أن يكون بعد إبل، لأنه صفة لها، والصفة لا تتقدم على الموصوف، كما أن الصلة لا تتقدم على الموصول، لكنها قدمت على ان تكون حالاً، والحال كما يتأخر يتقدم إذا لم يمنعه مانع، فهو كقول الآخر: لمية موحشاً طلل ... كأن رسومها الخلل وتقدم لها على إبل كتقدم موحشاً على طلل.

стр. 1141

وقوله إبل، اسم صيغ للجمع، ويتناول الكثير دون القليل. وقد ثنى هاهنا على فرقتان، فقيل إبلان. وهذا كما يقال قومان ةعشيرتان وأهلان. وقوله شلت بها، أي من أجلها وبسببها. ويروى: شت لها إبلان، ويرجع معناه إلى معنى الباء، وذلك لأنه في معنى المفعول له، أي شلت عوضاً عما شل منها، فيكزن لها الأولى في موضع الحال كما قلت، لكونه صفة متقدمة، وضميرها يرجع إلى الجارة لا غير، أي إبل متملكة لجارة لقبيلة سعد بن مالك. ولها الثانية تكون في موضع المفعول له، والضمير منها يعود إلى الإبل إن شئت، وإن شئت إلى الجارة. فاعرف الفصل بينهما إن شاء الله. إذا عقدت أثناء سعد بن مالك ... لها ذمة عزت بكل مكان إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم ... أبى كل مجني عليه وجان ودار حفاظ قد حللتم مهانة ... بها نيبكم والضيف غير مهان قوله إذا عقدت أفناء سعد بن مالك، يصفهم بحسن التعاون والترافد فيما بينهم، وانتفاء التخاذل والتباين عن سيرهم وأخلاقهم، فإنهم يد واحدة على من سواهم، لا استبداد للكبيرفيهم، ولا انحطاط للصغير منهم، بل كل يرضى فعل صاحبه، واختصاص النفر منهم في الأمور كفعل الجمهور، فمتى دخل واحد من أفنائهم في الأمر العظيم وتكفل به، أعانه الرؤساء حتى يخرج منه، لا يهملون أمره، ولا يستهينون بشأنه. وإن عقدت أوساطهم أو المتأخرون منهم ذمة لها عزت تلك الذمة وغلبت في الأماكن كلها، وجب الوفاء فيها عليهم بأسرهم، لا اختلال منهم في دفعها، ولا انفكاك لهم من ملازمتها. وقوله إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم، يريد أنهم إذا سيموا خطة الضيم اجتمعوا على اجتوائها والتسخط لها، واترين كانوا أو موتورين، وطالبين كانوا أو مطلوبين، لما يفرضونه على أنفسهم من إباء الدنية، والتشارك في طروق البلية، إلى أن تنقضي بمدافعتهم لها، وبالانتقام من جالبيها. وقوله ودار حفاظ قد حللتم، يعني أنهم نزلوا دار المحافظة على الشرف رأوا مراغمة الأعداء لدى الصبر على الكلف، وحسن ثيابهم، وكرم بلاؤهم، وطابت أخبارهم، وكثرت غاشيتهم، لأنهم يهينون كرائم أموالهم، ويعزون ضيوفهم.

стр. 1142

وهذا كما قال الآخر: ودار حفاظ أطلنا المقام ... بها فحللنا محلاً كريماً إذا كان بعضهم للهوان ... خليط صفاء وأما رءوماً وقال: جزى الله خيراً غالباً من عشيرة ... إذا حدثان الدهر نابت نوائبه فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت ... علي وموج قد علتني غواربه يقول متشكراً وداعياً: جزى الله غالباً من بين العشائر خيراً أشد ما كان حاجة إلى من يكافئه على مستحدث بلائه الحسن في أضيق أوقات النوب، فكممرة دافعوا دوني واشتلوني من كرب انضمت علي، وأطبقت لها الدنيا بظلامها لدي، فكأني غريق تتلاعب الأمواج بي، وتقامسني في غمارها، وترادني في لججها. وقوله: حدثان الدهر، مصدر حدث. الكربة: الاسم من الكرب، وهو الغم الذي يأخذ بالنفس. والمتلاحم: الملازم بعد أن كان متبايناً. ويقال: التحم وتلاحم بمعنى. والغارب: أعلى الموج، وأعلى الظهر. ومنه قولهم: حبلك على غاربك. وكم موضعه من الإعراب نصب على الظرف، والمعنى فمراراً كثيرة دافعوا دوني. إذا فلت عودوا عاد كل شمردل ... أشم من الفتيان جزل مواهبه إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرد فيها متلف المال كاسبه يقول: إذا عرض على كل واحد من بني غالب معاودة الحروب والكرور فيها عاد منهم كل رجل تام الخلقة ممتد القامة، كريم النفس، كثير العطية. وأصل الشم ارتفاع الأنف. ولك ان تروى: أشم جزل، وأشم جزل، فالرفع على كل والجر على شمردل. والشمردل: الطويل. والشمم كناية عن الكرم.

стр. 1143

وقوله إذا أخذت بزل المخاض سلاحها فالمراد بسلاحها محاسنها وأمارات عتقها وكرمها، كأنها تتحلى بتلك المحاسن في عين أربابها حتى تحلى، فيصير ذلك سبباً للضن بها. وقوله متلف المال كاسبه هو كقولهم: مفيد مفيت، ومخلاف متلاف، ومخلف متلف. والبزل: جمع بازل، وهو المتناهي قوة وشباباً. وأصل البزل الشق. والمخلض: النوق الحوامل، وهو اسم مصوغ للجمع كالقوم والنسوة. ومعنى تجرد فيها أي تشمر في عقرها ونحرها، يريد أن تحسنها بسلاحها في عينه لا يجدي عليها نفعاً، ولا يدفع عنها مكروهاً، لما به من إكرام الضيوف، ويوجب على نفسه من قضاء الحقوق. وقال آخر: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد إذا ما صنعت الزاد فالتمسيله ... أيلا فإني لست آكله وحدي أخا طارقاً أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً ... وما في إلا تلك من شيم العبد حسن تكرير ابنة وإن كان المراد واحدة لاختلاف المضاف إليه، والقصد إلى تفخيم أمرها وتعظيم شأنها. والذي يدل على ان المراد واحدة قوله إذا ما صنعت الزاد فالتمسي. ويعني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حتى لقب به، أن وفود العرب اجتمعت عن المنذر بن ماء السماء - وهو المنذر بن امرىء القيس، وماء السماء أمه نسب إليها لشرفها. وقيل: ماء السماء لقبت به لصفاء نسبها، وقيل لنقاء لونها، يراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة - فأخرج المنذر بن بردين يوماً يبلو الوفود، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما. فقام عامر بن أحيمر فأخذهما واترز بأحدهما وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: بم أنت أعز العرب قبيلة؟ قال: العز والعدد في معد، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينا فرني! فسكت الناس، فقال المنذر: هذه عشيرتك كما تزعم،

стр. 1144

فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال: أنا أبو عشرة، وخال عشرة، وعم عشرة؛ وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي. ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل! فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، وفاز بالبردين. وقوله إذا ما صنعت الزاد، يريد إذا فرغت من اتخاذ الزاد وإعداده فاطلبي من أجله من يؤاكلني، فإني لم أعود نفسي التفرد في الأكل. وهذا الذي أنف منه حتى تبرأ من الرضا به قد ورد في الخبر ما يقوى استقباح العرب له، وتزييفهم إياه فيما يختارونه من كرم الطباع، وإقامة المروءات. ألا ترى أنه قال ﷺ ، فيما روى عنه: " ألا أخبركم بشر الناس؟ من اكل وحده، ومنع رفده، وضرب عبده ". وموضع وحدي من الإعراب نصب على المصدر، والتقدير لست آكله وقد أوحدت نفسي في أكله إيحاداً، فوضع وحده موضع الإيجاد. والكوفيون يجعلون وحدي في موضع الحال، وإن كان لفظه معرفة، يجعلونه من باب: جاءوا قضهم بقضيضهم، وكلمته فاه إلى في، وما أشبهه. وجواب إذا قوله فالتمسي له أكيلا. وأكيل الرجل وشريبه ونديمه وجليسه، يقال كل منها فيمن عرف بالصفة. لا يقال لمن أكل مع صاحبه مرة واحدة هو أكيله، ولا لمن شرب معه مرة واحدة هو شريبه. وعلى ذلك قولهم: هو جليسه، لا يطلق إلا على من عرف بهذه الصفة فتكررت منه. فإن قيل: كيف نكره وقال التمسي له أكيلا؟ وهلا قال أكيلي؟ قلت: لا يمتنع أن يكون قد عرف بمواكلته عدة، فأراد التمسي من أجله بعد ما هيأته واحداً من المعروفين بمواكلتي، ألا ترى أنه قال مفصلاً لما جمله، وشارحاً لما أبهمه: أخاً طارقاً أو جار بيت، فأبدل من الأول وهو أكيلا ما أبدل. والمراد: التمسي أكيلاً من أحد هذين النوعين طارقاً آخيناه، أو جار بيت باسطناه. وقوله: فإنني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي، بيان علة استضاعه من التفرد في الأكل. يريد: أخشى ما يلحق من العار في الأكل منفرداً إذا افتقدت أو ذكرت أحوال الناس، واستعرضت عاداتهم، فاستهجن الهجين منها، واستكرم الكريم. والمذمة بالفتح: الذم، وجمعها مذمات. والمذمة بالكسر: الذمام. وأضاف المذمات إلى الأحاديث ليرى أن خوفه مما يبقى من الذم فيما يتحدث به بعده.

стр. 1145

وقوله: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا، يروى: نازلاً. ويقال: ثوى بالمكان وأثوى بمعنى. يريد أني أتكلف من خدمة الضيف ما يتكلفه العبيد، لا أستنكف ولا آنف، وليس لي من أخلاق العبيد وطبائعهم إلا تلك، يريد إلا تلك الخدمة، أو تلك الخليقة. وموضع ما دام نصب على الظرف أي مدة دوام ثوائه عندي. وموضع من شيم العبد رفع على أن يكون اسم ما، وخبره في وإلا تلك استثناء مقدم، وفائدة من التبيين فهو كمن الذي في قوله: " فاجتنبوا الرجس من الأوثان "، لأن الأوثان كلها رجس، وليس يريد التبعيض بذكر من، لكن المراد اجتنبوا الرجس من الضرب، إذ كان الأهم فيما يجب اجتنابه. وقال آخر: ليس في الفتيان من كل همه ... صبوح وإن أمسى ففضل غبوق ولكن فتى الفتيان من راح أو غدا ... لضر عدو أو لنفع صديق يقول: ليس المختار من الفتيان والكامل الفتوة فيهم من إذا أصبح كان معظم همه ما يشربه صباحاً، وإذا امسى كان معظم همه ما يشربه مساء. والصبوح: ما يصطبح به، اسماً له. والغبوق: ما يغتبق به. يريد أن الفتوة ليس في إعداد الأطعمة والأشربة، وإعطاء النفس مناها منهما، لكن الفتوة هو السعي غدواً ورواحاً في جر ضرر على منابذ مداج، أو جلب نفع إلى ناصح مواخ. وقال حزاز بن عمرو، من بني عبد مناف لنا إبل لن تهن ربها ... كرامتها والفتى ذاهب هجان تكافأ فيها الصديق ... ويدرك فيها المنى الراغب ونطعن عنها نحور العدى ... ويشرب منا بها الشارب قوله لنا إبل لم تهن ربها كرامتها، يريد: أنا نوئر إكراماً للنفوس وصيانتها على إكرام المال وصيانته، لأن الأموال إذا لم تجعل واقية للنفس جلبت العار وكسبت

стр. 1146

الشنار، فنحن نهينها ونبتذلها صوناً للنفس، ولئلا يكون المال كالمالك لنا، إذ كان عمر الفتى عارية مستردة، فهو هالك وإن أمهل مدة، وما يقدمه يذكر به، فصيانة مروءتنا من أن ترث أو تهون، أجدى وأوجب من صيانة المال وتثميرها والضن بها. وقد اعترض بقوله والفتى ذاهببين الصفة والموصوف، لأن قوله هجان من صفة الإبل، كما ان لم تهن ربها من صفتها أيضاً. ولولا تأكد الجملة به لكان يقبح مافعل، لكون الاعتراض أجنبياً مما قبله وبعده. والهجان يقع على الواحد والجميع، وذلك أن فعالاً كما يكون جمعاً لفعيل، نحو ظريف وظراف، وكريم وكرام، وكبير وكبار، كسروا عليه فعالاً أيضاً، فقالوا: درع دلاص وأدرع دلاص، وبعير هجان وإبل هجان، لأن فعيلاً متواخيان في أنهما من الثلاثي، وفي موقع الزائد منهما، وفي عدد حروفهما، فيتشاركان في أحكامهما، وإذا كان كذلك فهجان وهو للواحد، كضناك وكناز وماأشبههما، وهجان وهو للجميع، كظراف وكبار. وقال: سيبويه: يدلك على أن هجاناً ليس كالمصادر التي وصف بها نحو ضيف وجنب وزور وماأشبهها، أنك تقول هجانان فتنتيه، وإذا كان مرصداً للتثنية فهو للجمع كذلك. ومعنى تكافأ فيها الصديق تماثل، من الكفء المثل في المال والحسب وغيرهما. والمراد بالصديق الجنس، يريد يتساؤون فيها، لا استئثار منا بشيء منها دونهم ولا تفرد، بل كل منا ومن الأصدقاء يتصرف فيه على مراده نافذاً أمره، وبالغاً حكمه. وقوله ويدرك فيها المنى الراغب، أراد الراغبين، أي إن العفاة وطلاب الخير إذا نزلوا بساحتنا نالوا أمانيهم منها كاملة لا يتخللها خرم، ولا يتسلط عليها ثلم. وقوله ونطعن عنها نحور العدى، لما عدد الوجوه التي ذكر أنهم يصرفون أموالهم غليها، ويقتسمونها فيما ذكر في أثنائها أنهم يدافعون عنها الأعداء فعليها حافظ من محافظتهم، ودونها دافع من مدافعتهم، لا يطمع الأعداء في الإغارة عليها، ولا في احتجان شيء منها، بل يمتلكها وجهان: مثوية أو صنيعة وقوله ويشرب منا بها الشارب، أراد أنهم يسبؤون بها الخمر ويجعلونها في أثمانها. فهو في هذا وفيما سلكه كقول الآخر: نحابى بها أكفاءنا ونهيها ... ونشرب في أثمانها ونقامر

стр. 1147

ونؤلفها في السنين الكلول ... إذا لم يجد مكسباً كاسب ولم تك يوماً إذا روحت ... على الحي يلفى لها جادب حبانا بها جدنا والإله ... وضرب لنا خذم صائب قوله: ونؤلفها في السنين الكلول يعني بالسنين العوام التي تقل الأمطار فيها وتشمل الناس الآفات لها. يقال: أصابتهم السنة. وقد أسنت الرجل، إذا أصابه القحط والجدب. وأراد بالكلول من كان كلا على صاحبه وعيالاً لمعيله، لا يحسن التوجيه لكسب، ولا يهتدي لارتزاء خير وترقيح عيش، كالأيتام والأرامل وذوي العاهة. وقوله إذا لم يجد مكسباً كاسب بدل من قوله في السنين. أي إذا اشتد الزمان وتضايقت الخطوب بما يعم من القحط، وأعوز الكاسبين كسبهم فلزموا مقارهم آيسين من إقبال الزمان وأهله، جعلنا إبلنا يألفها كلول الناس فينالون منها، ويعيشون فيما يعود عليهم من أبانها ومنافعها. وقوله ولم يك يوماً إذا روحت، يريد ردت في مراعيها رواحاً فوردت على الحي لم يوجد لها عائب يعيبها، أي لم يوجد لأربابها من يعيبهم فيرميهم بالخل والإمساك. وإنما قال يلفى لها لأنه يريد يلفي من أجلها. والجادب: العائب. كأن المراد اتفاق على حمدهم، ونفى العيب على العلات كلها عن أخلاقهم، وتسليم الفضل والإفضال لهم. وقوله حبانا بها جدنا والإله أشار بالجد إلى استسعادهم بالزمان، فهم محظوظون فيه، وأن الله خصهم بالغنى لما عرفه من استحقاقهم، ومن طولهم إذا مكنوا وملكوا. وقال والإله فأتى به على الأصل، وقلما يعدلون عن لفظه الله تعالى إلى الإله، إذ كان جارياً مجرى الأعلام بعد لزوم الألف واللام له عوضاً من المحذوف منه. وأشار بقوله وضرب لنا خذم صائب إلى ما نالوا من الأعداء وإيقاع الغارات بهم. والخدام: القطع. ويقال: سيف مخذم وخذوم. ومعنى صائب ذو صواب، واخرجه مخرج النسب. ويجوز أن يكون من صاب المطر، إذا وقع، صوباً. فإن جعلته من الصواب كان المعنى ضرب يقع على حده من الاستحقاق والقصد، وإذا جعلته من الصوب فالمعنى واقع موقعه عند الحاجة إليه.

стр. 1148

وهذه الأبيات يزيد تفاصيلها على جملها عند الفحص عنها. وقد وقع دون غايتها قول الآخر وقد سلك مسلكه في تعداد مصارف أموالهم: ثلاثة أثلاث فإثمان خيلنا ... وإقواتنا وما نسوق إلى القتل وإن اختلفت الطريقتان. وكل يدعو إلى نفسه في حسنه وشموله واستيفائه. وقال منصور بن مسجاح ومختبط قد جاء أو ذي قرابة ... فما اعتذرت إبلى عليه ولا نفسي حبسنا ولم نسرح لكي لا يلومنا ... على حكمه صبراً معودة الحبس فطاف كما طاف المصدق وسطها ... يخير منها في البوازل والسدس أصل الاختباط في الورق. يقال: خبطت الورق واختبطته، إذا نفضته من الشجر؛ والمنفوض خبط ومختبط. وكما يستعار الورق فيكنى به عن المال يستعار الخبط فيكنى به عن طلبه. على ذلك قول زهير: وليس مانع ذي قربى ولارحم ... يوماً ولا معدماً من خابط ورقا وكأن الاختباط يختص بفعل من يسأل عن عرض، ولا يقف على تحرم أو توسل أو تذرع، ولكن يكون به السؤال وبذل الوجه كيف جاء. وفي الافتعال زيادة تكلف، فلذلك اختص هذا الاختصاص. وعلى هذا قولهم الاكتساب والكسب. وقوله " أو ذي " قرابة "، خص من يمت بالنسب أو السبب فيقول: رب سائل تعرض لنا، أو ذي " نسب اعتمدنا، فلا نفسي احتجزت عنه بمنع، ولا إبلى اعتذرت عليه بعذر. كأن عذر الإبل تأخرها عن مباءتها، أو ذكر وقوع آفة فيها أو تسلط جدب عليها. واحتجاز النفس: بخلها بها، وإقامة المعاذير الكاذبة دونها، وما يجري هذا المجرى. وقوله " حبسنا ولم نسرح " جواب رب مختبط، وبيان ما تلقاه به عند استقباله من القبول. ويقال: سرحت الماشية بالغداة، إذا أخرجتها إلى مراعبها، وأرحتها إذا رددتها رواحاً إلى أفنيتها. ومفعول " حبسنا " قوله " معودة الحبس "، ومفعول " لم نسرح " محذوف، أي لم نسرحها.

стр. 1149

وقوله " على حكمه " تعلق بحبسنا. وانتصب " صبراً " على أنه مصدر من غير لفظه، لأن معنى حبسنا وصبرنا واحد. وتقدير البيت: حبسنا على حكم هذا المختبط العافي أو النسيب إبلاً جعل من عادتها الحبس بالفناء صبراً، ولم نخرجها إلى المرعى لئلا يجد طريقاً إلى لومنا فيما يقدره عندنا. ويجوز أن ينتصب " صبراً " على أنه مصدر لعلة، أي لصبرنا على ما نمونه ونتحمله للعفاة فعلنا ذلك. ويجوز أيضاً أن يكون انتصابه على الحال، لأن المصادر تقع مواقع الأحوال، أي صابرين على ذلك لهم. وقوله " فطاف كما طاف المصدق "، يريد أن هذا الطالب مكناه من إبلنا المحبوسة في الفناء فطاف فيها متخيراً منها في خيارها وكرائمها، وإذا كان متخيراً في بوازلها وسدسها وهي أكرم الإبل وأقواها، فما دونها أولى أن يكون مخيرأ فيها. وتشبيهه إياه بالمصدق وهو طالب الصدقة تحقيق لتحكمه وتبسطه وتسحبه. يريد أن إدلاله إدلال من يستخرج حقاً واجباً لله تعالى. وقوله " يخير منها "، إعرابه نصب في موضع الحال من طاف الأول. ومعنى يخير، يجعل له الاختيار منها. وهذا تحكيم ثان سوى ما سوغت له نفسه بإدلاله. وقال عامر بن حوط، من بني عامر ولقد علمت لتأتين عشية ... ما بعدها خوف على ولا عدم وأزور بيت الحق زورة ماكث ... فعلام أحفل ما تقوض وانهدم فلأتركن الساملين حياضهم ... ولأحبسن على مكارمي النعم قوله: " ولقد علمت " يجري على القسم، ولذلك أجابه بلتأتين. ويعني بالعشية آخر النهار من يوم موته. فيقول: تيقنت والله أنه يأتي على عشية من يوم قد تخليت فيه من الدنيا وانقطعت الأسباب بيني وبينها، فلا أكون من الفقر على رقبة، ولا من حوادث الدهر على خيفة، وأزور القبر الذي هو " بيت الحق ". وأضاف البيت إلى الحق لأنه لاسكنى بعده، فكأنه الموضع الذي يؤوي إليه الحق ويفضي إليه من أنزله الموت ناقلاً من دار إلى دار. وقوله " زورة ماكث " أي أزوره زيارة المقيم المنتظر

стр. 1150

الذي لاعجلة به، فلماذا أبالي بما تقوض منه أو انهدم. والمعنى أن تدبير أمره يصير إلى غيره فلا يهتم لمأواه اهتمامه له أيام حياته. ويقال: لاأحفل كذا، ولا أحفل بكذا. " وعلام " ما في الاستفهام إذا اتصل بحرف الجر يحذف الألف من آخره. وقد مضى مثله مشروحاً أمره. وهذا الاستفهام هو على طريق الإنكار، أي لم أحفل. والأحوال في كون البيت عامراً أو غامراً تتساوى عندي. وقوله فلا تركن الساملين حياضهم السامل: المصلح. والمعنى: إني أرفض حال من همته مقصورة على تثمير ماله، وعمارة حياضه، والفكر في موارد إبله ومصادرها. ومن سمل الحوض سمى الماء الذي يبقى في أسفل الحوض السملة. قال: ممغومة أعراضهم ممرطله ... في كل ماء آجين وسمله والمراد: أهجر من هذا همته من عيشه، وأحبس نعمي على عمارة المكارم وتفقد ما تشيد لي من المعالي. والنعم يقع على الزواج الثمانية، والغالب عليه الإبل، وهو مذكر، يقال: هذا نعم وارد. وحبسه على المكارم هو أن يصرف منافعه إلىالمستحقين من الوارد والزوار، مقصورة عليهم ومشغولة بهم. وقال زيد بن حصين أقلي على اللوم يا ابنة منذر ... ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري ألم تعلمي أني إذا الدهر مسني ... بنائبة زلت ولم أتترتر يخاطب لائمة له تبرم بلومها فقال: قللي من لومك علي ونامي عني، فإن تعذر النوم عليك ضجراً بالحالة التي تجمعنا فاسهري، فليس لك من عتبك مايرد نفعاً علي ولا عليك. ثم أخذ يقررها على قلة احتفاله بما يأتي به الدهر، فقال: أما علمت أن الزمان إذا مسني بحدثانه ذهب عني ولم أتردد في حيرته، ولم أتنكس في لواحق شره ونوائبه، بل أمضى قدماً على ما يمسني منه ويخصني، راضياً بما يقسم لي من عفوه، وملتزماً ما يعرض منه عند جهده.

стр. 1151

وقوله زلت استعارة حسنة. كأن صبره على الشدة، وثباته في وجه المحنة، تزل النوب عنه كما يزل الماء الدنس عن الصخور، ويقال: قدح زلول، كما يقال للشيء السريع الدوران: درور. والتترتر: العجلة، فكأن المراد: زلت النائبة ولم تستخفني فكنت أعجل أو أتحول عما كنت عليه. يراني العدو بعد غب لقائه ... خلياً نعيم البال لم أتغير يقول: وإذا قاسيت من العدو مضارة ومناكدة فيما يتجاذبهومجاحشة، يراني بعد يوم لقائه بيوم وكأنه ما مسني أذى، ولا نالني مكروه، لأنه يجدني خلياً منعم البال، لم اتغير عما عهدت عليه قبل الامتحان به، ولم أتبذل. وقوله نعيم البال هو من الضوال التي وجدت الآن، وذاك لأن فعيلاً في معنى مفعل معدود محصور، وقد ذكرته في غير هذا الموضع وتقصيته. ونعيم البال من ذلك، يقال: أنعم الله بالك، وبال منعم ونعيم. ولا يمتنع أن يكون نعيم فعيلاً من نعم أو نعم عيشه، وأكثر ما يستعمل مصدراً. يقول: هو في نعيم لا يزول، وغذا كان كذلك فهو غريب إن جعلته اسم الفاعل، كقدم فهو قديم أو حزن فهو حزين؛ أو فعيلاً في معنى مفعل، كفرس حبيس ومحبس، وباب تريص ومترص. وانتصب خليا؟ ً على الحال من يراني، وهو الذي لا هم له. وفي المثل. ويل للشجي من الخلي وقد يكون في غير هذا المكان المخلى. وراكدة عتبي طويل صيامها ... قسمت على ضوء من النار مبصر طروقاً فلم أفحش وقسمت لحمها ... إذا اجتنب العافون نار العذور يعني بالراكدة قدراً لانتصابها وبقائها على الأثافي. ويقال: ماء راكد، أي ساكن. وجعلها عتبى لغليانها كأنها تعتب وتشكو. وهذا من عتب عليه من الموجدة. يقال: عتبت عليه فأعتب. ويروى: غيري يكون من الغيرة، لأن صاحبها يحتد، فشبه غليانها بغليان الغيرى. وفي الحديث: " ردوني إلى أهلي غيري نغرة ". والصيام: القيام. ووصفه بالطول، فقال: طويل صيامها لكبرها. كأنه لا تنزل قريباً إذا نصبت.

стр. 1152

وقوله قسمت على ضوء من النار مبصر، جعل الضوء مبصراً لما كان الإبصار فيه، على ذلك قوله تعالى: " وجعلنا آية النهار مبصرة ". وجعل قسمة القدر وهو يريد قسمة مرقها وما احتوت عليه ليلاً، وبضوء من النار، لشدة الزمان، وتناهي البرد، ولأنه وقت طروق الضيف. وقوله لم أفحش أي لم آت بفحش لا فعلاً ولا قولاً، ولم أقترف ما يقبح من الذكر ويستنكر. في السمع. وقوله إذا اجتنب العافون ظرف لقوله لم أفحش، وطروقاً ظرف لقسمت على ضوء، ويكون تقدير البيتين: وراكدة طويلة القيام قسمت مرقها ظلاماً وقت طروق العفاة والأضياف، وبددت لحمها، ولم أت بفحشاء، في وقت يتسرع الضجر من كثرة الوارد وازحام الأشغال إلى من كان سيء الخلق، سريع التغير، حتى اجتنب ناره، وزهد في ضيافته. وجعل لنفسه قسمين كان أحدهما للمرق على الثرد، والثاني لفدر اللحم. وعلى الأول قول الاخر: وسع بمدك ماء اللحم تقسمه وقال الهذيل بن مشجعة البولاني إني وإن كان ابن عمي غائباً ... لمقاذف من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان امرأ ... متزحزحاً في أرضه وسمائه يصف كرم محافظته وحسن نيابته عن غياب أهله وذويه، فيقول: إني لمدافع مرام دون ابن عمي إذا غاب عني، فأذب من قدامه وخلفه. والمعنى: أني أقاتل دونه كنت هادياً له وقد تخلف عني، أو حادياً له وقد تقدمني. فقوله من ورائه، من البين الظاهر أنه بمعنى القدام، وقد ذكر معه خلف. واشتقاقه من المواراة وهي المساترة، ولذلك صلح وقوعه موقع الخلف والقدام. وفي القرآن: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ". وموضع من خلفه نصب على الحال أي متخلفاً أو متقدماً. وقوله ومفيده نصري أي لا أمسك عن معونته وإن تباعد عني في أرضه وسمائه. والمعنى: أني بظهر الغيب لا أخذله وإن اشتغل عني بمصارف حياته في

стр. 1153

بلاده وأوطانه. وعطف على أرضه السماء تأكيداً لتنائيه عنه، واشتغاله دونه بمباغيه، كأنه لما جعل له أرضاً مباينة لأرضه، جعل لأرضه سماء مباينة لسماء أرضه. ولا يمتنع أن يكون جعل ذلك مثلاً لاختلاف أحواله، كما يقال نفضت نهائم فلان ونجوده. والمعنى: جربته وكشفت عن أحواله. وعلى هذا قولهم: خبرت ضحى فلان ودجاه، والمعنى سره وإعلانه. ومتى أجئه في الشديدة مرملا ... ألق الذي في مزودي لوعائه وإذا تتبعت الجلائف مالنا ... خلطت صحيحتنا إلى جربائه يقول: ومتى زرته في شدائد الزمان فوجدته منقطعاً به لم أحوجه إلى السؤال وبذل الوجه واستحمال المفاقر عنه، لكن ألقيت في وعائه ما كان في مزودي. أي أرم حاله في السر من غير أن يلحقه خجل، أو يمسه تعب. وقوله وإذا تتبعت الجلائف، يقول: وإذا تعاونت الآفات والسنون على أموالنا، وتتابعت الأزمات معترضة في أحوالنا، فقشرتها ولحتها، وأثرت بالسوءى فيها خلط ما سلم من مالنا بالمعيب من ماله. وذكر الصحيحة والجرباء مثل. والمعنى: أصلحنا فاسد حاله بصالح حالنا وتحملنا أوزار الأيام السيئة عنه بما خف من ظهورنا. والجلائف: جمع جليفة، وهي الأعوام المدبة. وأصل الجلف القشر. يقال: جلفت الدن، إذا قشرت الطين عنه. وإذا أتى من وجهة بطريفة ... لم أطلع مما وراء خبائه يروى: من وجهه، والمعنى من حيث ما توجه له كاسباً للمال. وقوله من وجهة وهو اسم وليس بمصدر، ولذلك سلم فاؤه. والمصدر الجهة، أعل كما أعل فعله، على ذلك العدة والزنة، والوعدة والوزنة إذا بنيت اسماً. والطريفة، أراد ما استطرف من المال واستحدث، لكن القصد هنا إلى ما يستحسن من الأعراض، لكونه طرفة. وقوله لم أطلع مما وراء خبائه أي لم اتعرض له تعرض المتتبع لحاله، المتطلع على سرائر أمره. ووراء هاهنا بمعنى خلف.

стр. 1154

ويجوز أن يكون المعنى: ام اعرض نفسي عليه متعرفاً ما جاء به ليشركني في طرفه، ويجعلني إسوة نفسه. وإذا اكتسى ثوباً جميلاً لم أقل ... يا ليت أن على حسن ردائه يصف طيب نفسه بما يناله صاحبه من الخير، وينفرد به من زيادة تجمل، أو ظهور أثر نعمة، وقلة حسده له، وأنه لا يشتمل صدره فيه على غل، ولا ينطوى قلبه له على مكنون حقد لما يرى به من ظهور غنى، واتساع أمر، حتى يتمنى مكانته، ويختار الاستبداد بما أوتيه، أو مشاركته فيه. وقوله ياليت المنادى محذوف، وموضع ياليت نصب على أنه مفعول لم أقل، كأنه قال: لم أقل يا ناس، ليت أن على رداءه الحسن. وقال حسان بن حنظلة تلك ابنة العدوى قالت باطلاً ... أزرى بقومك قلة الأموال إنا لعمر أبيك يحمد ضيفنا ... ويسود مقترنا على الإقلال انتصب باطلاً على أنه مفعول قالت. ومن شرط القول أن يحكي ما بعده إذا كان جملة، تقول: قال زيد عمر وخارج. فإن كان ما بعده معنى جملة ولم يكن جملة كاملة انتصب على أن يكون مفعوله، كقولك قال زيد حقا وقال كذبا وصدقا. وموضع قوله أزرى بقومك قلة الأموال نصب على البدل من قوله باطلاً. ويجوز أن ينتصب باطلاً على أنه صفة لمصدر محذوف، كأنه قال قالت قولاً باطلاً، ويكون أزرى بقومك في موضع المفعول لقالت وقد حكاه لكونه جملة. وقوله قالت باطلا رفع على أنه خبر المبتدأ، وابنة العدوى ارتفع على أنه عطف البيان لتلك. ومعنى البيت: قالت ابنة العدوى زوراً من القول وباطلاً: لقد قصر بقومك فقرهم وقلة مالهم، وإعراض الدنيا عنهم! فأجبتها بقولي: إنا لعمر أبيك يحمدنا الضيف، ويشكرنا الزائر والمجتاز. والمعنى: ليس الاعتبار بكثرة المال واتساع الحال، فإنا وحق أبيك يحمدنا ضيوفنا إذا نزلوا بنا، فينصرفون مادحين لنا، وترى مقلنا ينال السيادة على إقلاله، ولا يؤخره ذلك عن رتبة أمثاله. وحذف من قوله إنا

стр. 1155

لعمر أبيك فأجبتها أو قلت لها. ومثل هذا يحذف في الكلام كثيراص. على ذلك قول الله : " وأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم "، أي يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم. غضبت على أن اتصلت بطيء ... وأنا امرؤ من طيء الأجبال وأنا امرؤ من آل حية منصبي ... وبنو جوين، فأسألي، أخوالي يقول: أنكرت مني هذه المرأة انتسابي إلى طيء، وتأثلي فيهم، واعتزائي إليهم، وتغضبت لتجرني إلى تميم وتحولني فيهم، وذلك بعيد لا يقع في الوهم كونه، ولا يستجاز حصوله، وذلك أني رجل من طيء خرجت، وفي عشتها درجت، وعلى طرائقهم وشيمهم تخرجت، إذ كانوا الأصل الذي منه تفرعت، وعليهم إذا ذكرت المناسب نسبي أدرت. وقوله وأنا امرؤ من آل حية منصبي، وذكر طرفيه فزعم أن آل حية عمومته التي تؤويه، وأن بني جوين خؤولته التي تدنيه، والقصد إلى مراغمة تلك وتشهير نفسه بما تنكره منه. وقوله من طيء الأجبال يعني سلمى وأجأ. وهذه الإضافة على طرق التخصيص والتبيين، وذلك لأن طيئاً فرقتان: فرقة تنزل السفل من جبالهم، وفرقة تنزل العلو. وقوله منصبي يجوز أن يكون مبتدأ ومن آل حية خبره، والجملة في موضع الصفة لامرىء، ويجوز أن يكون من آل حية في موضع الصفة، ومنصبي في موضع الرفع على البدل من امرؤ، كأنه قال: أنا منصبي من آل حية. وقوله فاسألي اعتراض، وقد توسط المبتدأ والخبر، ومفعوله محذوف. وإذا دعوت بني جديلة جاءني ... مرد على جرد المتون طوال أحلامنا تزن الجبال رزانة ... ويزيد جاهلنا على الجهال بنو جديلة: من طيىء. أراد أن يبين أنه كما يعتزى إليهم يقبلوله ويتبجحون بكونه منهم وينصرونه، فمتى استغاث بهم واستعانهم على دهره أو عدوه أعانه رجال مراد، على خيل جرد، وانتقموا له وانتصفوا من أعدائه. وقوله أحلامنا تزن الجبال، مدح نفسه وقبيلته والمراد أنهم من الوقار والسكون والرزانة والهدو في المنزل الأعلى، والمكان الأقصى، لا يتحلحلون للنوائب، ولا يتضعضعون للشدائد. هذا ما لم يحرجوا أو يحوجوا، فإن استجهلوا من بعد، واستجروا إلى الشر، وجد جاهلهم يزيد على الجهال قهراً وتأبياً، واشتطاطاً في

стр. 1156

الحكم وتصعباً. وإنما افتخر بأن حلمهم موجود ثابت ما لم يساموا خسفاً، فإن عدل بهم عن طريق النصفة، وأروا في معاملتهم عسفاً، كان جهلهم معداً، وزائداً على كل ما يقدر فيعد عداً. وقوله تزن الجبال رزانة الوزن: مثقال كل شيء، ثم كثر حتى قيل: هو راجح للوزن، أي راجح الرأي والعقل؛ وهو يزن كذا، أي هو على وزنه؛ وهو أوزن قومه، أي هو أرجحهم وأوجههم. وقال إياس بن الأرت إني لقوال لعافي مرحباً ... وللطالب المعروف إنك واجده وإني للما أبسط الكف بالندى ... إذا شنجت كف البخيل وساعده قوله عافى أصله عافوني، لكن الواو والياء إذا اجتمعا فأيهما سبق الآخر بالسكون يقلب الواو ياءً، ثم يدغم الأول في الثاني، وكسر الفاء لمجاورته للياء. وانتصب مرحباعلى المصدر، وقد وقع وهو يجري مجرى الجمل لمكان العامل فيه معه موقع المفعول من قوله قوال. وانعطف عليه قوله " وللطالب المعروف إنك واجده " كأنه قال: وقوال للطالب المعروف إنك واجده. فقوله إنك واجده واقع في مثل قوله مرحباً. والمعنى أن العفاة وطلاب العرف إذا نزلوا بي تلقيتهم بالترحيب والإكرام، وتلطيف القول في الإنزال، وأقول: إنكم تجدون ما تطلبون، لامنع ولاحرمان، ولادفاع ولامطال؛ لأني إذا تقبضت أكف البخلاء فلم تنبسط، وقصرت سواعدهم عن الامتداد في البذل فلم تطل، تنديت وعلت على أكف السؤال كفي فبسطت، لأن معروفي دار وخيري مبذول. وقوله: " لمما أبسط الكف " أي لمن الأمر أني أبسط الكف بالندى، ف " أبسط " شرح المبهم بلفظة ما. و " إذا شنجت " ظرف لأبسط، ويشير إلى زمان السوء، وشمول المحل، وظهور البخل. لعمرك ما تدري أمامة أنها ... ثنى من خيال ما أزال أعاوده فشقت على صحبي وعنت ركائبي ... وردت على الليل قرناً أكابده

стр. 1157

لعمرك: مبتدأ وخبره محذوف، وقد مضى القول فيه فيما تقدم. فيقول: وبقائك، ما تعلم هذه المرأة أن خيالها يأتيني ثنىً، أي مرة بعد أخرى. وفي الحديث: " لاثنى في الصدقة "، أي لاتؤخذ في السنة مرتين. وقوله " ماأزال أعاوده " يريد أني ممتحن بمجيئها، لأنها تراجعني فتصرفني عن أسبابي، وتعوقني عن مهماتي. والمعنى أنها غافلة عما أكابده من خيالها في المنام، ومن ملازمة ذكرها لي عند الانتباه، لأنها لاتجد مثل وجدي، فلا الذكر يهيج الشوق، ولا الفكر يجدد الطيف. وهذا الكلام تشك منه وتعتب على صاحبته، يدل عليه قوله " فشقت على صحبي "، يعني الخيال؛ وذاك لأنه لما سهر بعث أصحابه على النهوض معه والانبعاث في السير مساعدين له، فهذا معنى الشقة عليه. وقوله " وعنت ركائبي " جمع ركوبة، وهي تجري مجرى الأسماء في انفرادها عن الموصوف، لايقال ناقة ركوبة. والمعنى: أتعبت رواحلي، لأن أزعجتها للسير، وبعثتها من القرار، وحلت بينها وبين الراحة. وقوله " وردت على الليل قرناً أكابده " أي جعلتني ممتطياً لليل، ومتخذاً قرناً لي أزاوله وأجاذبه، أي أشاقه وأناصبه. وأصله من الكبد، في قوله تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في كبد "، أي في شدة ومشاقة. وقال الخليل: يقال كابدت ظلمة الليل بكابد شديد، أي مكابدة شديدة. وكل هذا الكلام تبجح منه عندها بأنها تملكه على غفلتها عنه، وانفراده بالبث فيها، فخيالها يصرفه التصريف الذي وصف. وانتصب قرناعلى الحال. وقال آخر: أثنى على بما لا تكذبين به ... يا بكر أي فتى للضيف والجار إني أجاور ما جاورت في حسبي ... ولا أفارق إلا طيب الدار قوله " بما لاتكذبين به " أي لاتصادقين بذكره كاذبة. يقال: خبرني فلان فأكذبته، أي وجدته كاذبا. والمعنى: ليكن ثناؤك على حقا، وبما لايستسرفه معه ولا يستنكره مخبره. ثم علمها فقال: قولي يا بكر، أي فتىً كنت للجار إذا استجار، والضيف إذا استضاف.

стр. 1158

وقوله " إني أجاور ما جاورت في حسبي "، يريد أن من صاحبته مجاوراً له يجدني حسيباً في فعالي، كريماً عند مقالي. هذا مدة الجوار، ثم إن فارقته فارقته والدار تنطق بالثناء علي، فأخباري تستطاب في السماع إذا شهدت. وفي هذه الطريقة قول الآخر: إذا كنت في دار فحاولت تركها ... فدعها وفيها إن رجعت معاد وقوله في حسبي أي معي حسبي، فموضعه نصب على الحال. وإذا جاور ومعه حسبه منعه مما لايحسن. ألا ترى قوله تعالى في صفة المؤمنين: " وإذا مروا باللغو مروا كراماً "، أي الكرم منهم من التعريج على اللغو. ويقال: جاءنا فلان في درع، أي عليه درع، والعامل فيه لا أفارق. وقوله " أي فتى " مبتدأ وخبره مضمر، كأنه قال: أي فتى أنت؟ وقد جعل الطيب كنايةً عن الكريم؛ على ذلك قوله تعالى: سلام عليكم طبتم فادخلوها، أي كرمتم. وقال آخر: كم من لئيم رأينا كان ذا إبل ... فأصبح اليوم لامعط ولا قار ولويكون على الحداد يملكه ... لم يسق ذا غلة من مائه الجاري كم موضعه نصب على المفعول من رأينا. يريد: رأينا كثيراً من اللئام يملكون نفائس الأموال وكرامها، ثم ماتوا عنها أو أزيلت نعمهم وحيل بينهم وبينها، فصاروا من بعد لا هم معطون ولا فارون، أي عادوا وقد تغيرت حالهم، فلا يرجى ذلك من جهتهم. وقوله فأصبح اليوم وكان ذا إبل، كل ذلك مردود على لفظ لئيم، وإن كان من حيث المعنى يفيد الكثرة. وقوله ولو يكون على الحداد، يريد: ولو ولى فيض الحداد، وهو اسم بحر، ممتلكاً له أيام غناه لما برد غليل رجل حران، ولا سقاء ماء لفيه، لبخله وقسوة قلبه. ومعنى على الحداد، أي متولياً له ومدبراً أمره، يقال: من عليكم؟ أي من يأمر عليكم ويلكم. وإذا كان كذلك فقوله على الحداد يتم الكلام به، لأنه خبر يكون،

стр. 1159

ويملكه في موصع النصب على الحال. وقوله لا معط معط في موضع المبتدأ كأنه قال: لا هو معط. والكلام بعث على البذل والسخاء، وأن المال في الدنيا بعرض الحوادث ملقي، وعلى طريقي النوائب، فلا يبقى لمالكه، كما أن مالكه لا يبقي له، فما يقدمه في اجتلاب شكر واكتساب أجر هو الباقي له، دون ما يخلفه فيقتسمه الوارث بعده فائزين به وذامين له. وقال حسان بن ثابت المال يغشى رجالاً لا طباخ لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال أحتال للمال إن أودي فأجمعه ... ولست للعرض إن أودي بمحتال قوله لا طباخ لهم، أي لاخير عندهم. ويقال: هذا لحم لا جباخ له، أي لا دسم له. وشاب مطبخ، أملاً ما يكون شباباً وأرواه. وطبخ الغلام، إذا ترعرع وعمل. والدندن: المسود من الكلاء لقدمه ويبسه. والمعنى أن المرء لا يؤتى الغنى لفضل فيه وغناه لديه، وإنما ذلك لمقادير قدرت على حسب ما عرفه الله تعالى جده، وهو الذي يغني ويقني من مصالح خلقه. وإذا كان كذلك فقد يتفق حصول المال عند من لا يستحقه بفضل أوتيه، أو ذمام وجب له، بل يكون كالسيل يمتد من المذانب والتلاع حتى يقف حاصلاً في أصول يابس الكلاء ومسوده، في أنه لا ينتفع به ولا يرد خيراً على جامعه، كما لا ينتفع الدندن البالي بما يغشى أصوله من ماء المطر. وفي مثل هذا قول الراعي: وخادع المجد أقوام لهم ورق ... راح العضاه به والعرق مدخول وقد أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال وأحسن: لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي

стр. 1160

وقوله أصون عرضي بمالي، يريد أني أجعل المال واقية لحسبي ونسبي، فأصونه ولا أدنسه بتثميره وتوفيره، وإن تقلدت العار له واكتسبت الإثم الفاحش في، فلا بارك الله في المال بعد النفس، لأن المال يحتاج إليه لتنتفع به النفس، ولتتنزه عن المعايب والمقاذر بإنفاقه. فأما قوله بارك فأصله من اللزوم، ومنه برك البعير، إذا لزم مكانه. فمعنى بارك الله فيه: بقاه الله. وعلى ذلك قول المسلمين: تبارك الله: أي بقي ودام، فهو تفاعل في معنى فعل لا تكلف فيه، تعالى الله عن ذلك. وقوله أحتال للمال إن أودي فأجمعه، يريد أن المال إذا استهلكه منفقه أمكن الاعتياض منه، ونفذ الاحتيال في جمعه وتثميره، وإذا هلك العرض فلا طريق إلى رده إلى ما كان عليه، ولا استطاعة في تنقيته من درن العار وقد جعل وقاية للمال. وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي دعوت إليها فتية بأكفهم ... من الجزر في برد الشتاء كلوم إذا ما اشتهوا منها شواء سعى لهم ... به هذريان للكرام خدوم فإلا أكن عين الجواد فإنني ... على الزاد في الظلماء غير شتيم وإلا أكن عين الشجاع فإنني أرد سنان الرمح غير سليم إليها، يعني إلى راحلته. وجعل الفتية مكلومي الأكف عندما يتولونه من قسمة الجزور وتفصيل أوصالها، لأنهم لا يهتدون إلى المفاصل، ولم يزاولوا نحر الإبل وجزرها قبل ذلك. فيقول: جمعت على قسمة ناقتي فتياناً قد تكلفوا ما دعوتهم إليه تكرماً، وإن لم يكن ذلك من شأنهم، ولا صار منهم ببال، لكن شدة الزمان، وتناهي الضر في الجيران وطوائف الناس فرض على أمثالهم تجشم فعله لهم، وحسن توليه فيهم.
следующие страницы →