← Адаб

Адаб · id 26536

شرح ديوان الحماسة

المرزوقي

Полный текст (1 295 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال رويشد بن كثيرٍ الطائي يأيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسدٍ ما هذه الصوت المطية من المطا، وهو الظهر. ويقال مطاه وامتطاه، إذا ركبه. وللحوق الهاء به صار اسماً، وقد مر مثله. ويروى: بلغ بني أسدٍ. وقوله: ما هذه الصوت الجملة في موضع المفعول، وارتفع الصوت على أنه عطف البيان. يخاطب الراكب السائق لمطيته بإعجالٍ، يسأله أن يبلغ بني أسدٍ عنه عن طريق الفحص والاستعلام: ما هذه الجلبة. وهذا الكلام تهكمٌ وسخرية، لأنه هو الذي أثار عليهم ما اهتاجوا له، وجلب عليهم ما أشكاهم. وإنما قال ما هذه الصوت، والصوت مذكر، لأنه قصد به إلى الصيحة والجلبة. وهذا كما قال حاتمٌ: أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم العذر يريد المعذرة. وكما قال الآخر: وكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوصٍ كاعبان ومعصر فأنث الشخوص لأنه قصد بها إلى النفوس. وحكي عن أبي عمرو ابن العلاء أنه سمع بعضهم يقول: جاءنه كتابي فاحتقرها. قال أبو عمرو: فقلت: أتقول جاءته كتابي؟ قال: نعم، أليست هي صحيفة؟ وقد قيل: لما كانت الشخوص شخوص النساء أنث العدد. وقوله: الراكب المزجي الراكب يقع على راكب البعير خاصةً؛ لأن راكب الخيل يقال له فارس. والمزجي، يقال زجا الشيء يزجو زجواً وزجاءً، وأزجيته أنا وزجيته، إذا استحثثته. ومنه زجاء الخراج. وفي هذا الكلام دلالةٌ على أنه ليس يقنعه ما أوقعهم فيه. ألا ترى أنه يتوعد بالاستئصال إن لم يصح عذرهم. ويجوز أن يكون المراد بقوله ما هذه الصوت مالذي يتأدى إلي عنكم، ويتحدث به الناس من شانكم وقصتكم. ويقال: ذهب صوت هذا الأمر في الناس للتحدث به، وذهب صيت بني فلانٍ في الناس إذا ذكروا بالخير. فكأنه على هذا يوهمهم أنه لم يصح

стр. 107

عنده ما يقال، وأنهم إن لم يقيموا المعذرة والدلالة على براءة الساحة حينئذ عاقبهم. وهذا المعنى في نهاية الحسن. وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولاً يبرئكم إني أنا الموت مفعول بادروا محذوف، كأنه قال: بادروا العقاب بالعذر، أي سابقوه. يقول: قل لهم: سارعوا بالعذر فيما ركبتموه واطلبوا قولاً يبرئ ساحتكم، إني أنا حتفكم إن لم تفعلوا، أي أقرب حينكم، وأسعى في هلاككم إن لم تفعلوا. ويقال: لمس والتمس في معنى طلب. على ذلك قول الله تعالى حاكياً عن مسترقة السمع: " وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً "، أي طلبناها. وقال الشاعر: ألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده ويبرئكم في موضع الصفة للقول، أي قولاً مبرئاً لكم من الذنب. إن تذنبوا ثم يأتيني يقينكم ... فما علي بذنبٍ عندكم فوت قوله بذنبٍ أي بسبب ذنبٍ، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال بجزاء ذنبٍ، ويقال: لا فوت عليك في كذا، كما يقال لا بأس عليك. والمعنى: لا يفوتك. وفي هذا الكلام إيذانٌ بأنه مستعملٌ الأناة والحلم معهم، ثقةً بأنهم لا يفوتونه. يقول: إن تجرموا ثم يصح عندي تعمدكم في إجرامكم وتيقنكم ما يلحقكم من لائمةٍ وعيبٍ وأنكم أقدمتم مستهينين، وبمن يأخذكم نكيره غير حافلين، فما يفوتني مكافأتكم، ولا يعييني مؤاخذتكم ومحاسبتكم. وروي: ثم يأتيني يقيتكم وفسر على وجهين: أحدهما أن المعنى ثم تأتيني خياركم وأماثلكم، يقيمون معذرة أنفسهم، ويبينون أنهم لم يساعدوكم لا بالراي ولا بالفعل. وهذا كما يقال: فلانٌ من بقية أهله، أي من أفاضلهم. والآخر أن يكون المعنى: ثم تأتيني بقيتكم الذين لم يذنبوا متنصلين بأنهم قد فارقوكم وأسلموكم، لعظيم جنايتكم، وخلعوا ربقة النصرة والمعاونة لكم.

стр. 108

أنيف بن حكمٍ النبهاني جمعنا لهم من حي عوف بن مالكٍ ... كتائب يردي المقرفين نكالها الكتيبة من الجيش: ما جمع فلم ينتشر. وقوله: يردي مع ما بعده في موضع الصفة للكتائب. يقول: جمعنا لهؤلاء القوم جيوشاً من خلص العرب تهلك عقوبتها الذين في نسبهم هجنةٌ أو إقرافٌ إذا بركوا عليهم. وهذا يجوز أن يكون تعريضاً بمنابذيه ووعيداً لهم. والإقراف يكون من قبل الفحل، والهجنة من قبل الأم. وذكر المقرفين ولم يذكر الهجناء لأنهم وإن كانوا يأخذون مأخذهم في أنه لا يخلص نسبهم، ولا يصفو سببهم، فنافيهم أشد نقداً، ومزيفهم أنكر دفعاً. وكان عنترة العبسي هجيناً فقال: إن امرؤٌ من خير عبسٍ منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل نافياً للإقراف، فجعل أحد شطريه من خير عبس، وجعل الباقي يحميه من الذم باستعمال السيف يوم الروع، وحسن البلاء في الحرب، حتى يلحقه بالخلص، ولا تقعد به هجنته عن الدخول في زمرة الصرحاء. لهم عجزٌ بالحزن فالرمل فاللوى ... وقد جاوزت حي جديس رعالها الرعيل: قطعةٌ من الخيل متقدمةٌ، وتوسعوا فقالوا: أراعيل الرياح. ويقال: استرعل فلانٌ، أي خرج في الرعيل الأول. يقول: سوابق هذه الكتائب وأوائلها قد جاوزت بلاد طسمٍ وجديس، ولواحقها قد شحنت بها هذه المواضع. وبين بلاد حي جديس والبقاع التي ذكرها مسافةٌ بعيدة. واللوى، حيث يرق الرمل فيخرج السائر فيه إلى الحزن. وطسمٌ وجديسٌ: أمةٌ من العرب بادوا وانقرضوا. وقيل أراد بالحيين جدساً وجديساً، وذكرهم والقصد إلى ديارهم وبلادهم، ورتب المواضع الذي عددها بالفاء، وجعل أعجاز الكتائب فيها تكثيراً لها. وتحت نحور الخيل حرشف رجلةٍ ... تتاح لغرات القلوب نبالها

стр. 109

رجلةٌ موضوعةٌ لأدنى العدد، بدلالة أنك تقول: ثلاثة رجلةٍ. ومن عادتهم أن يقدموا الرجالة عند تعبئة الجيش، ليستندوا إلى الفرسان. وقوله: وتحت نحور الخيل حرشف رجلةٍ أراد قطعة من الرجالة. ومعنى تتاح: تقدر وتهيأ. ويقال: تاح له كذا وأتحته أنا؛ رجلٌ متيحٌ. وموضعه جرٌ على الصفة لرجلةٍ. فيقول: تحت صدور الدواب قطعةٌ من الرجالة تقدر نبالها للقلوب الغافلة، أي لا يشعر بهم فإذا نبالهم تعمل هذا العمل. والحرشف، الأصل فيها أن تستعمل في الجراد، ثم استعير للجماعة من الرجالة على التشبيه، وقال امرؤ القيس: كأنهم حرشفٌ مبثوثٌ ... بالجو إذ تبرق النعال وغراتٌ: جمع غرة، وهي صفةٌ، يقال رجلٌ غرٌ وغريرٌ، وجاريةٌ غرةٌ وغريرةٌ، ومصدر الغرارة. أبى لهم أن يعرفوا أنهم ... بنو ناتقٍ كانت كثيراً عيالها هذا الكلام من صفة الكتائب. وأن يعرفوا في موضع المفعول لأبى، وفاعلة قوله أنهم بنو ناتقٍ. وقوله كانت من صفة الناتق. يقول: منع لهم معرفة الضيم كثرتهم وترادفهم. والناتق: المرأة الكثيرة الأولاد. وجعل العيال كنايةً عن الأولاد، وهو جمع عيل، كجيد وجياد. يقال: عند فلانٍ كذا عيلاً، وهو معيلٌ ومعيلٌ: كثير العيال. والفعل من ناتقٍ نتقت تنتق نتقاً. فلما أتينا السفح من بطن حائلٍ ... بحيث تلاقى طلحها وسيالها الباء من قول بحيث تعلق بفعلٍ دل عليه أتينا، كأنه قال: حصلنا بحيث تلاقى طلحها وسيالها. وموضعه من الإعراب نصبٌ على الحال للمضمرين في أتينا. والسفح: أسفل الجبل، ولاشتهاره بما وضع له أغنى عن إضافته إلى الجبل. والطلح والسيال: شجران. فيقول: لما بلغنا أسفل الجبل من بطن هذا الوادي بحيث التقى هذان الجنسان من الشجر. وهذا إشارةٌ منه إلى موضع العراك والقتال. وجواب لما فيما بعده. دعوا لنزارٍ وانتمينا لطيئٍ ... كأسد الشرى إقدامها ونزالها

стр. 110

انتمينا: انتسبنا، أي قالوا يا لنزارٍ، وقلنا نحن: يا لطيئٍ، مشابهين للأسود. وقوله كأسد الشرى حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: وكإقدام أسد الشرى إقدامها ونزالها وجاء الحذف لأنه لا يلتبس وجه التشبيه بغيره. ومعنى دعوا لنزار: انتسبوا إلى نزار. وهذا الاعتزاء الذي أشار إليه قد يفعله الفارس عند الطعن والضرب أيضاً، يقول الواحد منهم: خذها وأنا من بني فلان، وأنا فلان بن فلان. فلما التقينا بين السيف بيننا ... لسائلةً عنا حفيٍ سؤالها الإحفاء يكون في السؤال عن الشيء، ويكون في طلب الشيء من الغير، وهو المبالغة فيهما، والذي بينه السيف هو حسن بلاء أحد الفريقين وزيادته فيما يحمد من الصبر والثبات على صاحبه. وقد حذفه من اللفظ لأن المفاعيل تحذف كثيراً إذا دل الدليل عليها. ومعنى قوله: لسائلةٍ عنا حفيٍ سؤالها أن الإحفاء في السؤال والاسقتصاء في البحث، مما يزداد معه بينات الأحوال، وجليات الأمور. وجعل الحفي للسؤال على المجاز والسعة. وفسر قوله تعالى: " يسألونك كأنك حفيٌ عنها ": كان المعنى كأنك عالمٌ بها، لما كان الإحفاء في المسألة حقيقاً بأن يؤدي إلى العلم بالمسئول عنه. والسائلة يجوز أن يريد بها قبيلةً، ويجوز أن يريد بها امرأةً. وجعل قوله السيف كنايةً عن أنواع السلاح، بدلالة أنه أعاد ذكر استعمال السيف فما بعده، لما فصل أحوالهم وفسر مقاماتهم فقال: ولما عصينا بالسيوف. ولما تدانوا بالرماح تضلعت ... صدور القنا منهم وعلت نهالها يقول: ولما تقاربنا باستعمال الرماح رويت القنا من دمائهم، وصار الناهل منها عالاً. والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني كأنهم عاودوا الطعن وكروا حالاً بعد حال. والتضلع، حقيقته أن يستعمل فيما له ضلعٌ، وعند الارتواء تنتفخ الأضلاع، واستعاره ها هنا. ويقال: تضلع شبعاً، وتحبب رياً. وخص الصدور لأن الصدور لأن الطعن بها. ويقال عل إبله يعل ويعل، فعلت هي. وإن شئت على هذا رويت: وعلت نهالها، وإن شئت رويت: وعلت. ولما عصينا بالسيوف تقطعت ... وسائل كانت قبل سلماً حبالها

стр. 111

وسلت إليه وسيلةً، أي تقربت إليه بقربةٍ. ويقال توسلت أيضاً. وفي القرآن: " وابتغوا إليه الوسيلة ". ويقال: عصيت بالسيف، إذا ضربت به، وعصوت بالعصا. وجعل انبتات الوسائل وانقطاع الأواخي عند استعمال السيوف لأن الأمر يشتد عنده، والقناع يكشف معه. ولهذا لما استوصف عمرو بن معد يكرب أنواع السلاح قال في السيف: عنده تثكل الأمهات. وقوله: كانت قبل سلماً حبالها، يريد به أن حبال تلك الوسائل كانت مفتولةً على الصلح فتقطعت باستعمال السيوف، لأن كلاً منها صار واتراً وموتوراً، فسقط الملامة من بينهم. فولوا وأطراف الرماح عليهم ... قوادر مربوعاتها وطوالها قوله: وأطراف الرماح في موضع الحال للمضمرين في ولوا. وذكر الأطراف لأن الطعن بها يقع، وإن كانت الرماح بأسرها مقصودةً. يقول: انهزموا وأسنة الرماح متمكنةٌ منهم، ومقتدرةٌ عليهم طوالها وأوساطها. والمربوع والمرتبع: ما كان بين القصير والطويل، ومنه رجلٌ ربعةٌ. وإنما قال ذلك لأن المنهزمين إذا منحوا أكتافهم لمن يطلب أثرهم ويقصد النكاية فيهم، فتأثير الأسلحة على اختلافها متقارب. وارتفع مربوعاتها على البدل من الأطراف. وهذا يبين أن القصد بها إلى جمعيها، لا إلى بعضها. قال عمرو بن معد يكرب ليس الجمال بمئزرٍ ... فاعلم وإن رديت بردا قوله فاعلم اعتراضٌ تأكد به الكلام، ومثله قوله تعالى: " فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسمٌ لو تعلمون عظيمٌ. إنه لقرآنٌ كريمٌ "؛ لأن قوله وإن رديت متعلق بما قبله تعلقٌ جواب القسم بالقسم. يقول: ليس جمال المرء فيما يلبسه من الثياب وإن استسرى الملابس واختار أرضاها وأكملها. وكانوا يأتزرون ببردٍ ويرتدون بآخر، ويسميان حلةٌ، وباجتماعهما كان يكمل اللبوس، حتى كانت خلعة ملوكهم لا تعدوهما. ولذلك سمي من سمي ذا البردين. قال: أيا ابنة عبد الله وابنة مالكٍ ... ويا ابنة ذي البردين والفرس والورد

стр. 112

وقوله: وإن رديت برداً في موضع الحال، كأنه قال: ليس جمالك بمئزر مردى معه برداً. والحال قد يكون فيه معنى الشرط، كما أن الشرط يكون فيه معنى الحال. فالأول كقولك: لأفعلنه كائناً ما كان، أي إن كان هذا وإن كان هذا. والثاني كبيت الكتاب: عاود هراة وإن معمورها خربا لأن الواو منه في موضع الحال، كما هو في بيت عمروٍ، وفيه لفظ الشرط ومعناه، وما قبله نائبٌ عن الجواب. والمعنى: إن خرب معمور هراة فعاودها. وكذلك بيت عمرو، تقديره: إن رديت برداً على مئزرٍ فليس الجمال ذلك. إن الجمال معادنٌ ... ومناقبٌ أورثن مجدا أراد أن جمال المرء في أصوله الزكية، وأفعالٍ له كريمةٍ تورث المجد والشرف. والمعدن، هو من عدن بالمكان عدناً وعدوناً، إذا أقام. وكذلك عدنت الإبل في الحمض، وقيل المعدن اشتقاقه من عدنت إذا قلعته. وإذا جمع الرجل بين الشرف الموروث والمستحدث المكسوب فهو النهاية. ومناقب الإنسان: ما عرف فيه من الخصال الجميلة، والطرائق الحميدة، والوحدة منقبةٌ. والنقب كأنه منه. قال الدريدي: يقال نقبٌ بين النقابة بالفتح، مثل كفيلٍ بين الكفالة. فأما التعريف فمصدره العرافة بالكسر: والمجد: الشرف والرفعة، وسميت الأرض المرتفعة مجداً ونجداً به. ويجوز أن يكون أصله الكثرة، يقال أمجدت الدابة علفاً، أي وسعته لها. أعددت للحدثان سا ... بغةً وعداءً علندى أعددت واعتدت واحد، والاسم العدة والعتاد. يقول: هيأت لنوائب الدهر، أي لدفعها درعاً واسعةً وفرساً ضخماً جيد العدو كثيره. والعلندى ألفه للإلحاق، كسفرجل. وأصل الكلمة ثلاثيٌ، والنون والألف زائدتان، فهو من العلد. قال الخليل: هو الغليظ الشديد من كل شيء. والدلالة على أن الألف للإلحاق أنك تقول للمؤنث علنداةٌ، وأنك تنون فتقول علندىً. وذكر بعضهم أن العلندى: الضخم من الإبل والخيل جميعاً، وجمعه علاند وإن شئت علادٍ، كما قالوا في حبنطىً حبانط وحباطٍ. وفرسٌ عداءٌ وعدوانٌ، إذا كان كثير العدو.

стр. 113

نهداً وذا شطبٍ يق ... د البيض والأبدان قدا نهداً، أي فرساً غليظاً. والنهود في الثدي: بيان حجمه ونتوه من هذا وسيفاً ذا شطبٍ: ذا طرائق، يقطع البيض والدروع قطعاً. والقد: القطع طولاً، والقط: القطع عرضاً. والبدن من الدرع: قدر ما يستر البدن. ويقال سيفٌ مشطبٌ: فيه شطوبٌ وطرائق. وعلمت أني يوم ذا ... ك منازلٌ كعباً ونهداً قوله: يوم ذاك يجوز أن يشار بذلك إلى أمرٍ قد علمه السامعون، وهو الحرب، لأن النزال يكون فيها. ويجوز أن يكون أشار به إلى السلاح الذي زعم أنه أعده. ويوم السلاح: يوم الحرب. ويجوز أن يكون أشار به إلى الحدثان، لأنه قد قال أعددت للحدثان. ومعنى البيت: علمت أن منازلٌ هؤلاء فأعددت لهم هذا السلاح، لعلمي بالحاجة إليه. والحازم يتهيأ للأمر قبل وقوعه، فكأنه قال: فعلت ذلك بحزامتي، وعلمي بموارد الأمور ومصادرها. قومٌ إذا لبسوا الحدي ... د تنزروا حلقاً وقدا انتصب حلقاً على أنه بدلٌ من الحديد، ويريد به الدروع التي نسجت حلقتين حلقتين. والقد، أراد به اليلب، وهو شبه درعٍ كان يتخذ من القد. ويروى: خلقاً وقداً ويكون انتصاب خلقاً على التمييز، أي تشبهوا بالنمر في أخلاقهم وخلقهم. ودل على الخلق قوله قداً. ومعنى الرواية الأولى أنهم إذا لبسوا الحديد الدروع واليلب تشبهوا بالنمر في أفعالهم في الحرب. ويجوز أن يريد بتنمروا تلونوا بألوان النمر، لطول ثباتهم وملازمتهم الحديد، وحينئذ يصح أن يكون انتصاب حلقاً على التمييز. والمعنى الأول أجود. فإن قيل: كيف دخل قوله: وقداً بالعطف على حلقاً في أن يكون بدلاً من الحديد وليس منه؟ قيل: لما كان يغني غناء درع الحديد، جاز أن يصحبه في أن يكون بدلاً. وقوله إذا لبسوا الحديد ظرفٌ لتنمروا. كل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا هذا كما قيل في المثل: قبل الرماء تملأ الكنائن، فيقول: كل رجلٍ يجري إلى يوم الحرب بما أعده واستعده. والضمير من صلة ما محذوفٌ استطالةً للاسم.

стр. 114

ويجوز أن يكون استعد فعلاً ليوم الهياج لا لكل امرئ، ويكون معناه بما كلف يوم الهياج أن يعد له. يقال: استعددته كذا، أي سألته أن يعد. لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا الأمعز والمعزاء: الأرض الحزنة ذات الحجارة، والجميع المعز والأماعز والمعزاوات. والأصل في المعز الصلابة. ويقال رجل ماعزٌ ومعزٌ. ويروى: يفحصن، ومعناه يؤثرن لشدة العدو في المعزاء، حتى يصير به لآثارهن كالأفاحيص. ويقال: استضحك فلانٌ حتى فحص برجليه. وقيل على التوسع: فحصت عن الأمر. وينتصب شداً على أن يكون مفعولاً له، كأنه قال: يفحصن بالمعزاء لشدهن ويجوز أن يكون شداً مصدراً في موضع الحال، أي يفعلن ذلك بالمعزاء شاداتٍ. ويروى: يمحصن، والمحص: العدو الشديد، وينتصب شداً على أنه مصدرٌ من غير لفظه، كأنه قال يشددن شداً ويمحصن محصاً. وجواب لما قوله نازلت، وسيجيء من بعده. وإنما عملت النساء ما ذكر إشفاقاً من الغارة والسباء. وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى قوله: كأنها بدر السماء في موضع الحال للمرأة، أي بدت مشبهةً البدر، وقوله: إذا تبدى ظرفٌ لما دل عليه كأن من معنى الفعل. يقول: وبرزت هذه المرأة كاشفةً عن وجهها سافرةً، كأنها قد أرسلت نقابها. ودل على هذا بقوله: كأنها بدر السماء إذا تبدى. وإنما فعلت كذلك لأحد وجهين: إما للتشبه بالإماء حتى تأمن السباء، أو لما تداخلها من الرعب. وفي طريقته: ونسوتكم في الروع بادٍ وجوهها ... يخلن إماءً والإماء حرائر نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا لا بد يستعمل استعمال لا محالة، وتحقيقه لا محيد ولا معدل. ومنه قولهم: استبد فلانٌ بالأمر، أي انفرد به. والبدد والتبدد: مصدر الأبد. وهذا جواب قوله:

стр. 115

لمارأيت نساءنا يفحصن. وكبش الكتيبة: رئيسها. فيقول: لما رأيت الأمر على ما ذكرت أنفت وقصدت رئيس الأعداء وملاقاته ولم أجد من ذلك بداً. وإنما قال: نازلت كبشهم ليرى أنه ممن تدعوه نفسه إلى مجاهدة الرؤساء والتعرض لهم في الحرب، وأنه ممن لا يرضى عن المبارزة بالمنزل الأدنى. والرئيس متى كان واثقاً بنفسه طلب أمثاله، واستعفى من مبارزة من لا يؤبه له، وتفادى منها، إلا عند الضرورة. هم ينذرون دمي وأن ... ذر إن لقيت بأن أشدا يقول: هم يقولون لله علينا سفك دم عمروٍ، وأنا أقول لله على أن أحمل عليهم وأبذل نفسي لهم، ثقةً بكفايتي واستهانةً بنذرهم. ويقال في الحملة: شددنا عليهم شدةً صادقةً، وشدة غير كاذبةٍ، إذا أرادوا المبالغة. كم من أخٍ لي صالحٍ ... بوأته بيدي لحدا بوأته مبوأ صدقٍ: أنزلته. والمباءة: المنزل. وإنما فرغ من التبجح بالشجاعة ثم ذكر صبره على البلاء، وتوطين نفسه على اللأواء، فيقول: كم من أخ موثوقٍ به فجعت بموته، وأحوجت إلى تولي دفنه، ومباشرة تجهيزه. وهذا إذا ابتلي به المرء كان أعظم لجزعه، وأنكى في قلبه. ما إن جزعت ولا هلع ... ت ولا يرد بكاي زندا الهلع: أفحش الجزع، لأنه جزعٌ مع قلة صبر. وقد فسره التنزيل في قوله تعالى: " إن الإنسان خلق هلوعاً. إذا مسه الشر جزوعاً. وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين ". لأن المعنى أن الإنسان لا يصبر على ضيرٍ، ولا على خيرٍ، فكأنه قال: ما حزنت عليه حزناً هيناً قريباً، ولا فظيعاً شديداً. وهذا نفيٌ للحزن رأسا، فهو كقولك: ما رأيت صغيرهم ولا كبيرهم. وقد أعطى الترتيب حقه لأنه ارتقى فيه من الأدون إلى الأعلى، إذ كان قوله ما إن جزعت وإن كان مستصلحاً لجميع أنواعه مفيداً للأدوان، وقد جاء بعده ولا هلعت، وقوله: ولا يرد بكاي زنداً، وكان بعض الناس يرويه: ولا بكاي زيدا، وزعم أنه أخٌ له. ورأيت من زعم أنه فتش عن نسب عمروٍ فلم يجد له نسيباً ولا شقيقاً يسمى زيدا. على أن قوله كم من أخٍ لي صالحٍ لا يلائمه - فيما يقتضيه سياق اللفظ ونظام المعنى، ومع إفادته الكثرة - أن يقابل بو لا يرد بكاي أخي زيداً مع تخصصه. فأما من

стр. 116

روى زنداً فبعض الشيوخ كان يقول: أراد ولا يرد بكاي شررة، فذكر الزند وأراد ما يخرج منه عند القدح. وأحسن من هذا أن يكون ذكر الزند تقليلاً لعائدة الحزن لو تكلفه عندما دهمه من الفجيعة بالأخ المذكور. وهم يستعملون الزند في هذا المعنى، كما يستعملون الفوف والنقير والقطمير والفتيل. وحكى أبو زيدٍ أنهم يقولون إذا قللوا مال الرجل: زندان في مرقعةٍ. وهذا المعنى حسنٌ، والشاهد له قوي. ورأيت في بعض النسخ: ولا يرد بكاي رداً، وهذا حسنٌ أيضاً، ويكون المعنى: ولا يرد بكائي مردوداً. والمعنى: ولا يغني بكائي شيئاً. وفي كلام الناس: هذا الأمر أرد عليك، أي أنفع وأجدى. وإنما عقب نفي الجزع بهذا الكلام تنبيهاً على أن صبره عن تأدبٍ وتبصر ومعرفةٍ بالعواقب، وحسن تأمل. ألبسته أثوابه ... وخلقت يوم خلقت جلدا يقول: توليت تكفينه وتجهيزه بنفسي، وخلقت صبوراً حين خلقت. وهذا يريد به أنه جمع إلى الجلادة المكتسبة جلادة الخلقة والطبيعة. أغنى غناء الذاهبي ... ن عد للأعداء عدا قول الذاهبين يجوز أن يريد بهم من انقرض من عشيرته وذويه، ويكون المعنى أنه المعتمد عليه بعدهم، ويجوز أن يريد بهم المتغيبين عن المشاهد والمعارك. وقوله أعد للأعداء عدا يجوز أن يكون المعنى: يقال في للأعداء: خذوا فلاناً فإنه يعد بكذا وكذا من الفرسان. ويقال إن عمراً كان يعد بألف فارس. ويجوز أن يكون المعنى أهيأ للأعداء معدوداً، فيكون عداً انتصابه على الحال، وموضوعاً موضع المعدود، وأعد مستقبل أعددت، أي هيئت. وفي الأول يكون مصدراً لأعد. والواحد لا يصح عده ولكن كأنه يقال فيه: إنه يقوم مقام كذا وكذا من العدد. ويروى أعد للأعداء بفتح الهمزة، ويحتمل وجهين من المعنى: أن يقول أعد لهم وقعاتي وأيامي عند المفاخرة والمنافرة عداً؛ وهذا معنى حسنٌ. والآخر أن يكون المعنى: أعد لهم كل ما يحتاج إليه من عددٍ وعدةٍ، وهذا يؤذن بأنه يدبر أمر الحرب؛ ويرجع إليه في أسبابها والجمع لها وهذا يرجع معناه إلى معنى يروى أعد للأعداء بضم

стр. 117

الهمزة وكسر العين. وفي هذه الرواية يجوز أن يكون عداً مفعولاً به، والمعنى: أعد لها معدوداتها. ذهب الذين أحبهم ... وبقيت مثل السيف فردا يقول: فجعت بأحبائي وبقيت منفرداً بالسيادة، فأنا كالسيف لا يجمع اثنان منه في غمد. ويجوز أن يكون: بقيت لنفاذي في الأمور ومضائي كالسيف. وفرداً ينتصب على الحال، أي منفرداً. وقال عمرو أيضاً: ولقد أجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور هذا كلام من جمع إلى شجاعته وإقدامه حذراً وحزامة، وإلى جرأته وتهوره رفقاً وأصالة، ثم يكون عارفاً بوقت كل منها، وبالحالة الموجبة لاختياره بعضها. وأجمع رجلي، أي أستحث فرسي. وهو من فصيح الكلام، ومن العبارة التي تصور المعنى. ومن لفظه وبابه قولهم: جمعت يدي على كذا، ورفعت يدي عن كذا. وحذر الموت، انتصب على أنه مفعولٌ له، والضمير من قوله: بها للفرس. والمعنى: أركضها وأستدر جريها، ذهاباً في الفرار، واحترازاً من الموت إذا كان الوقت وقته، وإني لكثير الحرب إذا كان الهرب أغنى، وإلى مراغمة العدو أدعى. ولقد أعطفها كارهةً ... حين للنفس من الموت هرير يقول: كما أهرب وقت الهرب فإني أعطف وقت العطف؛ لأن الكر والفر من شأني، والإقدام والإحجام عادتي ودأبي. وأشار بقوله: حين للنفس من الموت هرير إلى شدة الأمر وتفاقم الخطب. أي أعطف الفرس وهي كارهةٌ في الوقت الذي تهر النفس وتضج من شدة البلوى. والهريرن قيل هو دون النباح. كل ما ذلك مني خلقٌ ... وبكلٍ أنا في الروع جدير ما زائدةٌ. وأشار بقوله: ذلك إلى ما قدمه من الكر والفر. أي كل ما وصفت عادةٌ مني وطبيعةٌ، وبفعل كله أنا خليقٌ في الروع. ويقال: هو جديرٌ بكذا، وجدير لكذا، وجديرٌ أن ينال كذا، ولقد جدر جدارةً، وأجدر به أن يفعله.

стр. 118

قال: جديرون يوماً أن ينالوا ويستعلوا وابن صبحٍ سادراً يوعدني ... ماله في الناس ما عشت مجير قال الدريدي: يقال أبى فلانٌ أمره سادراً، إذا جاءه من غير جهته. يقول: وهذا الرجل مع ما ذكرت من قصتي في الحرب يتهددني ساهياً لاهياً، وما له عاصمٌ مني في الناس ما عشت. وموضع ما عشت ظرفٌ، بيانه أن ما مع الفعل في تقدير المصدر، واسم الزمان محذوف معه، كأنه قال: مدة عيشي. قيس بن الخطيم الأوسي طعنت ابن عبد القيسٍ طعنة ثائرٍ ... لها نفذٌ لولا الشعاع أضاءها الشع والشعاع: المتفرق. ومنه شع الغارة، وتطاير القوم شعاعاً. يقول: طعنت هذا الرجل طعنة طالبٍ بالدم فاتكٍ لا بقيا معها، ولا تقصير في المبالغة فيها، لها نفذٌ، أي خرقٌ، لولا انتشار الدم لأضاءها. وأضاءها جواب لولا، والمبتدأ وهو الشعاع خبره محذوف، كأنه قال: لولا الشعاع مانعٌ لأضاءها النفذ. ومن روى الشعاع بضم الشين، فإنه يريد به نور الشمس. والأول أجود وأشهر. ويقال: أشعت الشمس، إذا امتد نورها وانتشر. ملكت بها كفي فانهرت فتقها ... يرى قائماً من دوها ما وراءها يروى: يرى قائمٌ من دونها من وراءها وما وراءها، ويروى: يرى قائماً أيضاً. ويقال: ملكت العجين وأملكته، إذا بالغت في عجنه وشددت وكان الأصعي يمتنع من أملكت، فيكون المعنى شددت بهذه الطعنة كفى ووسعت خرقها حتى يرى القائم من دونها الشيء الذي وراءها. وهذا التفسير في ملكت تفسير القدماء. ويجوز أن يكون معنى ملكت بها كفي أي تمكنت من فعلها، فأطقت تصريف كفي في إيقاعها على مرادي. وهذا كما يقول: أنا أملك هذا الأمر، إذا كان قادراً عليه. وكأنه

стр. 119

أشار بهذا الكلام إلى أن الطعنة لم تكن على دهشٍ واختلاس، ولكن عن تمكنٍ واقتدار. ويروى: يرى قائماً من دونها من وراءها وما وراءها ومن روىمن وراءها فالمعنى يرى من وراءها إذا كان قائماً من دونها. ووراء ههنا بمعنى خلف. وإن كان يقع على الخلف والقدام جميعاً. ومن دونها، أي من قدامها. وبيت الأعشى على هذا، وهو قوله: تريك القذى من دونها وهي دونه أي تريك الخمرة في الزجاجة القذى من قدامها، وهي قدام القذى؛ أي تريك الزجاجة ما خلفها من قدامها لصفاء الخمرة فيها. ومعنى أنهرته: وسعته حتى جعلته كالنهر سعةً. والنهر نفسه سمي بذلك لاتساعه. ومنه المنهرة، وهي فضاءٌ بين بيوت الحي يلقون فيه كناستهم. وفي هذا الوصف سرفٌ مستنكر وخروجٌ عن القصد مستهجن. ويجري مجراه في الغلو قول مهلهل: فلولا الريح أسمع أهل حجرٍ ... صليل البيض يقرع بالذكور واستعمل عنترة لفظ الإنهار مع اقتصادٍ فقال: أنهرت لبته بأحمر قانئٍ ... ورشاش نافذةٍ على الأثواب يهون علي أن ترد جراحها ... عيون لأواسي إذ حمدت بلاءها الأواسي: النساء المداويات للجراح، والفعل منه أسوت. ويقال للرجال الآسون والأساة. وإنما ذكر النساء لأنهم يأنفون من الصناعات، ويعلمونها العبيد والإماء وحرائر النساء أحياناً، إذ لم يكن في غايةٍ بعيدةٍ من الشرف. وقوله أن ترد موضعه رفعٌ على أنه فاعل يهون. وإذ حمدت ظرفٌ ليهون وهي حكاية حالٍ ماضية. والمعنى: يخف علي رد جراح هذه الطعنة عيون النساء المداويات لها، إذ حمدت أثري فيها. وبلاءها، يجوز أن يكون المراد بلائي فيها، ويجوز أن يريد ببلائها شدتها فظاعتها. والمصادر تضاف إلى الفاعلين والمفعولين جميعاً.

стр. 120

ساعدني فيها عمرو بن عامرٍ ... زهيرٌ فأدى نعمةً وأفاءها يجوز أن ينتصب نعمةً على الحال ويكون مفعول أدى محذوفاً كأنه قال: فأداها نعمةً ويداً يستحق عليها شكراً، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول أدى، ويكون المعنى: ساعدني في هذه الطعنة زهير بن عمرو، فأدى صنيعة كانت لي عنده بمساعدته، واتخذها مغنماً لنفسه أيضاً. ويجوز أن يكون أفاءها من الفيء: الغنيمة، وهذا قول أبي عبيدة. ويجوز أن يكون أفاءها من الفئ: الرجوع، أي أداها ورجعها إلى مصطنعها، لأن الأيادي قروضٌ في الصالحين. وكنت امرأً لا أسمع الدهر سبةً ... أسب بها إلا كشفت غطاءها يروى لا أسمع ولا أسمع. ومن الغطاء قيل غطا الليل، وغطا عليهم الشر وغيره. يقول: كنت رجلاً لا أعير شيئاً طول الدهر إلا بينت للناس براءة ساحتي منه. وحقيقة كشفت غطاءها أي لم أترك السبة ملتبسةً على سامعها، فكان يتردد بين تصديقها وتكذيبها، بل أبنت أمرها وأظهرت وجهها، حتى بان للناس اختلاق الساب بها، وكذابه فيها. والسبة، كالغمة والغصة وما أشبهها. وذهب بعضهم إلى أن المعنى: إذا رميت بعيبٍ كان حقاً علي محوه عن نفسي، بما استأنفه من سعي. والأول أحسن. متى يأت هذا الموت لا تبق حاجةٌ ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها يروى لا يلف حاجةً على أن يكون الفعل للموت، ولا تلف حاجة على ما لم يسم فاعله، أي لا توجد. تقول: أجتهد في إدراك الآثار، وطلب الأوتار، قبل دنو الأجل، فمتى جاء الموت لا يجد حاجةً تتعلق نفسي بها قبل إلا وهي مقضيةٌ. ومعنى قضيت قضاءها أي فرغت منها كقضائي لأمثالها. وقوله هذا الموت يجوز أن يكون تصوره حاضراً لمعرفته بإدراكه لا محالة، وأشار إليه. ويجوز أن يكون لدوام استقتاله وتحدثه بمجيئه، وكونه من همه، أشار إليه على جهة التقريب له.

стр. 121

إذا ما شربت أربعاً خط مئزري ... وأتبعت دلوي في السماح رشاءها يقول: إذا شربت أربعة أكؤسٍ جررت مئزري، فأثر في الأرض خيلاء وكبراً، وتممت ما بقي علي من السماح في حال الصحو، كأن معظمه فعله صاحياً، والباقي منه تممه في حال السكر. وهذا الكلام يجري مجرى المثل للمعنى الذي بينت. حكى الأصمعي أنهم يقولون: أتبع الفرس لجامها، وأتبع الدلو رشاءها، أي تمم ما بقي عليك من أمرك. وكأنه يضرب لمن جاد بالكثير وترك القليل الحقير. وهذا أجود من قول عنترة العبسي، وإن كان مفضلاً عند كثير من الناس على قول عمرو بن كلثوم، وقول عنترة: وإذا انتشيت فإنني مستهلكٌ ... مالي وعرضي وافرٌ لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي وبيت عمرو: مشعشعةً كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا لأن هذا قال: إنا نتسخى إذا شربنا الخمر ممزوجة. وما قاله عنترة في بيتين أشار إليه قيسٌ في مصراع. وكان ابن الأعرابي يذهب في قوله سخينا إلى أنه يقال ماء مسخنٌ وسخينٌ، وإن كان فعيلٌ في معنى مفعل قليلاً. وانتصب عنده على أنه حال للماء. ويكون المراد على طريقته: كأن الحص فيها إذا مزج بماء سخين. وهذا لهربه مما استقبحه الناس. وهو حسنٌ، لكنه يقتضي أن يكون بلادهم صروداً. الحارث بن هشام المخزومي وهو أخو أبي جهلٍ لعنه الله. وكان هرب يوم بدرٍ لما أنزل الله تعالى النصر على رسوله ﵇. الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد

стр. 122

أخذ يستشهد بربه، ويتنصل من هربه، بأنه لم يأته إلا بعد غلبة اليأس من نفسه عليه إن ثبت، وإلا بعد أن ضرج بالدم الشامل له ولفرسه. ومثله قول مهلهل: لم أرم حومة الكتيبة حتى ... حذي الورد من دميٍ نعالا وهذا قاصرٌ عن درجة ما تقدم، لأنه يعتذر مما آثره من الهرب في وقته، وذاك أورده مورد المتبجح، وأنه خلقه ومذهبه، لعلمه بمصادر الحروب ومواردها. وقوله: الله يعلم لفظه لفظ الخبر، والقصد إلى الحلف؛ لأنه يستشهد بربه فيقول: علم الله ما تركت مقاتلتهم، حتى جرحوني فسال مني على فرسي دمٌ أشقر كثيرٌ، علاه زبد. وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي أراد: وحتى علمت. وإنما أطلق لفظة علمت لارتفاع الشبه عن اعتقاده ذلك. وانتصب واحداً على الحال، والمعنى منفرداً، وواحدٌ ها هنا صفةٌ، والمعنى: وحتى تيقنت أني إن ثبت في وجوههم، وأنتصب منفرداً لمقاتلتهم قتلت، ولا يضر حضوري أعدائي. ونبه بقوله: ولا يضرر عدوي مشهدي أنه لو كان في ثباته ضرر عدوٍ لثبت في وجهه، ولم يبال بقتله. وقوله عدوي يفيد الكثرة وإن كان لفظه موحداً. فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم سرمد يقال: صد فلان عني، إذا صرف وجهه صدوداً، وصددته أنا عن كذا صداً. وحكي أصددته، وليس بشيء. يقول: أعرضت عنهم ودماؤهم وأسراؤهم فيهم، ولم أنلها ولم أظفر بها. وهذا يدل على أنه كان موتوراً. وإنما حاربهم لطلب دماءٍ كانت له فيهم. وقوله الأحبة على هذا التفسير يجب أن تكون أحبتهم. ويجوز أن يريد بالأحبة أحبة نفسه، ويكون المراد: ودماء أحبتي وأسراي فيهم. وقوله طمعاً انتصب على أنه مفعول له، وهو الذي يسمى مصدراً لعلة. والمعنى: فعلت ذلك لطمعي في

стр. 123

أن يعقب الله تعالى لي يوماً يرصد الشر لهم، ويمكنني منهم، فأنتهز الفرصة وأروي الغلة. ويقال: رصدت فلاناً بالمكافأة، ورصدت له أيضاً وأرصدته، وأنا مرصدٌ لفلان بما كان منه حتى أكافئه. ويجوز أن يكون انتصاب طمعاً على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير: صددت عنهم طامعاً. والعقاب يجوز أن يراد به العاقبة، ويجوز أن يراد به العاقبة، ويجوز أن يراد به المكافأة. يقال: أولاه خيراً فعقبه بشرٍ، عقبةً وعقاباً وعقبى. وإذا كان للفرس بعد انقطاع جريه جمامٌ قيل له عقابٌ، وهو من ذاك. ومن روى يومٍ سرمد فالسرمد قال الخليل: هو دوام الزمان واتصاله من ليل أونهار، واستدل بقوله تعالى: قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة، فيكون المعنى: بعقاب يومٍ طويلٍ يتصل زمانه، ويمتد بلاؤه. وأيام الغم والمحنة توصف بالطول، ولهذا قيل: مضى لفلانٍ يومٌ كأيامٍ، وشهرٌ كدهر. قال الفرار السلمي وكتيبةٍ لبستها بكتيبةٍ ... حتى إذا التبست نفضت لها يدي هذا يتبجح بأنه مهياج شرٍ وأذى، وجماعٌ بين كتائب شتى تتقاتل من دونه، ثم يخرج هو من بينهم غير مبالٍ بما يجرون إليه، ولا مفكرٍ فيما ينتج من الشر فيهم. فيقول: رب كتيبةٍ خلطتها بكتيبةٍ، فلما اختلطت نفضت يدي منهم ولهم، وخليتهم وشأنهم. وكتيبة، ألحق الهاء بها لأنه جعل اسما، وهو من كتبت أي جمعت. وتوسعوا في النفض - وأصله الإلقاء والإماطة - فقيل: نفضت اليد من فلانٍ ولفلانٍ أشد النفض، إذا وكلته إلى نفسه، يائساً من رجعته، وفي ضده يقال: قبضت عليه كفي، وجمعت عليه يدي. وقد قالوا: نفضت الطريق أيضاً، وفرقت النفضة في الطرق. وذكر بعضهم أن قوله: حتى إذا التبست نفضت لها يدي وبها يدي، المراد به قنعت فرسي بسوطي، كأنه لما ضرب فرسه إنما نفض يده. يصف سرعة ضربه بالسوط، وأنه لا كلفة عليه به. قال: وهذه السرعة مستحبةٌ في ضرب السوط، كما يستحب في العمل بالسلاح. ومن روى بها يجوز أن يريد المخصرة. انتهت الحكاية عنه. والتعجب من إدراكه لهذا المعنى يمنع من الكلام عليه. فسبحان من لا يحتاج إلى التفسير.

стр. 124

فتركتهم تقص الرماح ظهورهم ... من بين منعفرٍ وآخر مسند قوله تقص أي تكسر في موضع الحال لهم. وكذلك قوله من بين منعفرٍ وآخر مسند والعامل في الأول تركتهم، وفي الثاني تقص. يقول: فارقتهم والرماح تختلف بالطعن بينهم، وتكسر ظهورهم، فهم من بين مصروع ألقي في العفر، وهو التراب، وآخر مطعونٍ أو مجروحٍ، وقد أسند إلى ما يمسكه وبه رمق. ما كان ينفعني مقال نسائهم ... قتلت خلف رجالهم لا تبعد قول ما كان يجوز أن يكون ما استفهاماً وكان تجعله الناقصة، ويجوز أن يكون نفياً وتجعل كان مؤكدةً، ونبه بهذا الكلام على أنه لو ثبت لم ينفعه الثبات. فيقول: أي شيء كان ينفعني قول النوادب لي لا تبعد وقد قتلت. ومعنى لا تبعد: لا تهلك. يقال بعد، إذا هلك، وبعد إذا نأى. وكانوا يدلون بهذه اللفظة عند الندبة بها على مساس الحاجة إلى حياة المندوب، وقلة الاستغناء عنه. وإذا كان كذلك فالوجه أن يندب به من كان محمود الحياة، وعزيز الفقدان. وقوله خلف رجالهم نبه على أنه لو ثبت لكان يدفع وجه الكتيبة، ويصير واقياً لأصحابه، وحائلاً بين الأعداء وبينهم، فلا يمكنهم تجاوزه إلا وقد فرغوا منه. فلهذا قال وقتلت خلف رجالهم. وموضع لا تبعد وهو حكايةٌ، رفعٌ أو نصبٌ على أنه بدلٌ أو مفعولٌ من مقال نسائهم. وقوله وقتلت، في موضع الحال للمضمر في ينفعني، والعامل فيه مقال أيضاً، وخلف رجالهم حالٌ للمضمر في قتلت. وقال بعض بني أسدٍ يديت على ابن حسحاس بن وهبٍ ... بأسف ذي الجداة يد الكريم إنما عدي يديت بعلي، لأنه أجرى مجرى أنعمت. وهم يحملون النظير علىالنظير، كما يحملون النقيض على النقيض. وقال الأخفش: يقال يديت عنده وأيديت جميعاً، إذا اتخذت عنده صنيعةً، وإن كانت أيديت في هذا المعنى أشهر من يديت،

стр. 125

لأن يديت اشتهر في أصبت يده، كما تقول: رأسته ووجهته وصدرته، إذا أصبت هذه الأعضاء منه. ومعنى هذا البيت: اتخذت عند هذا الرجل بهذا المكان يداً غراء، وصنيعةً شريفةً، مثلها يفعله الكرام. وقوله: يد الكريم نبه على هذا المعنى الذي ذكرناه، ويجب أن يكون مصدر يديت يدياً، مثل جريت جرياً، لكنه وضع اليد مكانه. فإن قيلك ما تنكر أن يكون اسم الحدث، وقد حذف لامه كما حذف من اسم العين؟ قلت: اسم الحدث لم يكثر كثرة اسم العين، وإذا كان حذف اللام من اسم العين حذف لكثرة الاستعمال، فيجب أن يكون اسم الحدث الذي لم يكثر استعماله لا يجري مجراه. وقوله: ابن حسحاسٍ من الحسحسة، وهو إحراق الجلد بالنار. قصرت له من الحماء لما ... شهدت وغاب عن دار الحميم القصر: الحبس والرد، ومنه القصر والقصارى: الغاية. والحماء: تأنيث الأحم، وهو الأسود من كل شيءٍ. والحمم: الفحم. وجارية حممةٌ، أي سوداء. وهذا تفسير النعمة التي اتخذها عنده. فيقول: لما وجدته جريحاً، وفي المعركة طريحاً، قد غاب عنه ذووه والمشفقون عليه، حبست عليه فرسي فأردفته. وجواب لما مقدم، وهو قصرت. كأنه قال: لما رأيته كذا حبست عليه فرسي. وحذف مفعول شهدت لأنه أمن الالتباس. وقوله: وغاب عن دار الحميم كان وجهه أن يقول: لما شهدته وغاب حميمه، لكن المعنى لا يخيل. والحميم: القريب المشفق. والحامة: خاصة الرجل من أهله وولده، ويقال هو الأحم من ذوي قرابته، أي الأخص. أنبئه بأن الجرح يشوى ... وأنك فوق عجلزةٍ جموم هذا ما تمم به الصنعة عنده، بعد أن ارتدفه، وذلك أنه سلاه بقوله الجرح يشوى، ومناه بقوله: وأنك فوق عجلزةٍ جموم. ويقال: رماه فأشواه، إذا أصاب غير المقتل. والجموم: الذي لا ينقطع جريه. والعجلزة: الصلبة. وبئرٌ جمومٌ من هذا، لأن ماءها يغور أحياناً ثم يعود ويغزر. والمراد: أن تبليغك المأمن به سهلٌ، وأن ما بك من الجرح هين. ولو أني أشاء لكنت منه ... مكان الفرقدين من النجوم يبين بهذا أنه تبرع بما فعل، وأنه لم يلزمه لزوم الواجب الذي لا يسوغ الإخلال به، فيقول: لو شئت لبعدت منه بعد الفرقدين من النجوم السيارة، وهي التي يحل

стр. 126

فيها النيران، والفرقدان لا حلول فيه، وهذا يجري مجرى قولهم: هو مني مناط الثريا في أن المراد به التبعيد، ويجوز أن يريد بعدت منه بعد الفرقدين، ثم بين أن الفرقدين من النجوم، فيكون من النجوم تبييناًُ كقوله تعالى " فاجتنبوا الرجس من الأوثان ". ويجوز أن يريد بالنجوم نبات الأرض، لأن كل ما طلع فقد نجم، ويكون المعنى بعد الفرقدين من الأرض ومنابتها، ويكون في هذا المعنى شبه إلغازٍ فيضعف. ذكرت تعلة الفتيان يوماً ... وإلحاق الملامة بالمليم بين بهذا الكلام أنه اتقى بما فعل توجه الذم إليه من الناس، فيقول: أخطرت ببالي ما يتعلل به الفتيان في محافلهم ومجالسهم، وتقبيحهم من أخبار الناس ما يستحق بفعله أو بتركه عندهم ذمٌ، فيلحقون به اللوم، ويهجنونه في أحكام الفتوة. ومصدر قوله ذكرت الذكر بضم الذال لأن هذا كان بالقلب، والذكر بكسر الذال باللسان. والمليم: الذي يأتي بما يلام عليه. قوله تعلة مصدر عللته، فهي كالتقدمة والتكرمة. ويجوز أن يكون تسميتهم المعلل، وهو يومٌ من أيام العجوز، من هذا، كأنه يعلل الناس بشيء من تخفيف البرد. وقال الشداخ بن يعمر الكناني قاتلي القوم يا خزاع ولا يد ... خلكم من قتالهم فشل يروى قالتوا وقاتلي على اللفظ مرة وعلى المعنى أخرى، وجعل النهي في اللفظ للفشل، والمراد لا تفشلوا. وهذا بعثٌ وتحضيض، فيقول: حاربي أعداءك يا خزاعة، ولا يتداخلكم الجبن والضعف منهم. وخزاعة، قال الخليل: هو من خزع عن أصحابه إذا تخلف، لأنهم تخلفوا عن قومهم بمكة أيام سيل العرم. القوم أمثالكم لهم شعرٌ ... في الرأس لا ينشرون إن قتلوا

стр. 127

يبين بهذا الكلام أنهم ناسٌ كما أن خزاعة ناسٌ، فيقول: لا تهابوهم فإن خلقتهم كخلقتكم، وإنهم إذا قتلوا لم يحيوا من فورهم، فيرجعوا إلى القتال. هذا مبالغةٌ في الاستحثاث والتجسير. وجعل قوله: له شعر في الرأس بما بعده، تفسيراً لماثلة وتبييناً. وجواب إن قتلوا فيما تقدم عليه. أكلما حاريت خزاعة تح ... دوني كأني لأمهم جمل قوله كأني لأمهم في موضع الحال، أي تحدوني مشبهاً جملاً لأمهم. وكلما ظرفٌ لقوله تجدوني. وكأنه قال: تحدوني خزاعة كلما حاربت، أي تسوقني لنصرها والدفاع عنها، كأني ناضحٌ لأمهم يستقى عليه الماء، فيقال له أقبل بالدلو وأدبر. وذكر الأم تغليظاً للقول وتخشيناً. وقوله أكلما، كأنه أقبل على إنسانٍ بعد أن كان بعثهم وجرأهم على قتال أعدائهم، فقال على طريق الإنكار ما قال. وقال الحصين بن الحمام المري تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياةً مثل أن أتقدما يجوز أن يكون هذا مثل قولهم: الشجاع موقى. وفي طريقته قول الآخر: أكان الجبان يرى أنه ... سيقتل قبل انقضاء الأجل فقد تدرك الحادث الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطل ومثله قول الآخر: نهين النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أوقى لها ويجوز أن يقول: أحجمت مستبقياً لعيشي، فلم أجد لنفسي عيشاً كما يكون في الإقدام، وذاك لأن الأحدوثة الجميلة، والنجح عند الناس في المباغي الحميدة، إنما يكون بالتقدم لا بالتأخر، وبالافتخار لا بالانحراف، ومن ذكر بالجميل وتحدث عنه

стр. 128

بالبلاء الحسن حيي ذكره واسمه، وإن ذهب أثره وجسمه. وقوله: حياةً مثل أن أتقدم معناه حياةً تشبه الحياة المكتسبة في التقدم وبالتقدم. فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما أراد: لسنا نداميه الكلوم على الأعقاب. ولو لم يجعل الإخبار عن أنفسهم لكان الكلام ليست كلومنا بداميةٍ على الأعقاب. فيقول: نتوجه نحو الأعداء في الحرب ولا نعرض عنهم، فإذا جرحنا كانت الجراحات في مقدمنا لا مؤخرنا، وسالت الدماء على أقدامنا لا على أعقابنا. وقوله تقطر الدما إذا رويت بالتاء كان المعنى تقطر الكلوم الدم، فيكون الدما مفعولاً به. ويقال: قطر الدم وقطرته، وهذا وجهٌ حسن، وإن شئت جعلت الدم منصوباً على التمييز، كأنه أراد تقطر دماً، وأدخل الألف واللام ولم يعتد بهما، كقول الآخر: ولا بفزارة الشعر الرقابا ويجوز أن يروى يقطر الدما بالياء، ويكون الدما في موضع الرفع على أنه فاعل يقطر، لكنه رده إلى أصله فأتى به مقصوراً وإن كان الاستعمال يحذف لامه. ومثل هذا البيت قول القطامي: ليست تجرح فراراً ظهورهم ... وفي النحور كلومٌ ذات أبلاد نفلق هاماً من أناسٍ أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما يقول: نشقق هاماتٍ من رجال يكرمون علينا لأنهم منا، وهم كانوا أسبق إلى العقوق وأوفر ظلماً، لأنهم بدءونا بالشر، وألجؤونا إلى القتال، ونحن منتقمون ومجازون. وقال رجل من بني عقيلٍ وحاربه بنو عمة فقتل منهم: بكره سراتنا يا آل عمروٍ ... نغاديكم بمرهفةٍ صقال

стр. 129

الكره بالضم: المشقة، والكره بالفتح الإكراه. وسراة القوم: خيارهم. فيقول: بمشقة رؤسائنا وكراهتهم نباكركم بسيوفٍ محددة الحد مصقولةٍ، وإنما قال بكرة سراتنا لأن الرؤساء يحبون التألف بين العشيرة وإصلاح ذات البين، وترك التدابر والاختلاف، إذ كان عز الرئيس بأصحابه، وحشمته في نفوس منابذيه بقوة ذويه وأقربائه. ويجوز أن يكون ذكر السراة والمراد الجميع. والمعنى: على كرهٍ منا نقاتلكم ولكنكم ألجأتمونا إليه. وجمع صقيلاً وهو فعيل بمعنى مفعول على صقالٍ وذلك على غير بابه، لأن التكسير على فعالٍ يكون في الأصل فعيلٍ إذا كان بمعنى فاعلٍ، نحو ظريفٍ وظرافٍ وكريمٍ وكرامٍ، ومثله قولهم فصيلٌ وفصالٌ، وساغ ذلك لاتفاقهما في الزنة والوصفية. وروى: بمرهفة الصقال، وتكون إضافة المرهفة إلى الصقال كإضافة البعض إلى الكل، لأن المعنى بالمرهفة الحد من الصقال، أي من السيوف المصقولة. نعديهن يوم الروع عنكم ... وإن كان مثلمة النصال قوله نعديهن أي نصرفهن. ويقال: عد الهم عنك، أي اصرفه. والبيت يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المعنى نصرف السيوف عنكم إبقاء عليكم، وكراهيةً لاستئصالكم، وإن كانت نصالها قد تفللت من كثرة ما نقارع بها الأعداء. ويجوز أن يكون المعنى: نصرفهاوإن تثلمت بكم وفيكم، لن القدرة تذهب الحفيظة، ولأن ما يجمعنا يدعو إلى البقيا، والأخذ فيكم بالحسنى. لها لونٌ من الهامات كابٍ ... وإن كانت تحادث بالصقال قوله من الهامات أي من دماء الهامات ومن التأثير فيها. يقول: لهذه السيوف لونٌ متغيرٌ قبيحٌ، لكثرة ما يسفك بها الدماء، وإن كانت يجدد صقلها كل يومٍ. والمحادثة: إعادة الماء إلى السيف بالصقل. وقد قال الحسن ﵀ فيما حكي عنه من مواعظه: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقدعوا هذه الأنفس فإنها طلعةٌ. وقوله كابٍ من قولهم كبا وجهه، إذا اربد واسود. وكبا نور الصبح والشمس، إذا نقص وأظلم. وجواب إن كانت فيما تقدم عليه، والجملة في موضع الصفة للمرهفة. ونبكي حين نقتلكم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي

стр. 130

وصف حسن صبرهم، على ما يتفق من نائبةٍ، ويتجدد من عارض حادثةٍ، فيقول: نبكي قتلاكم إذا قتلناكم لما يجمعنا وإياكم من الرحم الماسة، والقرابة الدانية، ونقتلكم إذا أحوجتمونا إلى قتلكم، كأنا لا نبالي بما يمنع من ذلك، أو يدعو إلى الجزع له. وقوله نبالي نفاعل من البلاء. فإذا قال لا أباليه كأنه أراد: لا أحتفل به فأعاده بلائي وبلاءة وأفاخره. هذا أصله، وقد مضى. وحكى سيبويه: ما أباليه بالةً، وذكر أن البالة كالحانة، وأنا حذف ياؤه حذف تخفيف لا حذف قياسٍ. وقال القتال الكلابي نشدت زياداً والمقامة بيننا ... وذكرته أرحام سعرٍ وهيثم يقال: نشدتك الله والرحم، وناشدتك الله، أي سألتك بالله وبالرحم. يقول: أقسمت على زيادٍ بالله وأهل المجلس بيننا حاضرون، ولما يأتيه كلٌ منا مشاهدون، وذكرته ما يجمعني وإياه من الرحم من جهة هذين الرجلين، وإنما ذكره بهذا على زعمه طلباً للصلح، أو استظهاراً بإقامة الحجج عليه، وإلقاء مغاليق البغي إليه. فلما رأيت أنه غير منتهٍ ... أملت له كفى بلدنٍ مقوم يقول: لما وجدته لا ينتهي بالقول، ولا يرعوي بالزجر، حذرت له كفى برمحٍ لينٍ مثقفٍ فطعنته. وقوله أملت له، أي من أجله كفى بلدنٍ، من فصيح الكلام، وبليغ الكنايات. ولما رأيت أنني قد قتلته ... ندمت عليه أي ساعة مندم يقول: لما بان لي إتيان تلك الطعنة عليه ندمت في وقتٍ لم تتفع الندامة فيه، لفوت الأمر في الإبقاء. وهذا في إظهار التحسر به كقول الآخر: وددت وأين ما مني ودادي وانتصب أي ساعةٍ على الظرف، لأن أياً لما كان للبعض من الكل جعل حكمه حكم المضاف إليه من جميع الأجناس.

стр. 131

قيس بن زهير العبسي شفيت النفس من حمل بن بدرٍ ... وسيفي من حذيفة قد شفاني كان حمل بن بدر قتل مالك بن زهير أخا قيس، فظفر به وبأخيه حذيفة فقتلهما. يقول: اشتفيت بقتل حمل بن بدرٍ. ثم قال: وشفاني سيفي أيضاً من أخيه حذيفة، لأنه أتى عليه لما أعملته فيه. وهذا مما جرى بين عبسٍ وفزارة بسبب داحس والغبراء. فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني يقول: إن سكنت لوعتي بمجازاتهم، وبردت غلتي، فإني لم أقطع بهم إلا أطراف أصابعي. وذلك أن عزي كان بهم، وكانوا كالكف، فلما ماتوا وأعوزني التبجح بمكانهم، والاستعلاء على العدو بهم، صرت كمن قطعت أنامله. ومن الأمثال في هذه الطريقة: بالساعد تبطش الكف. وقال الحارث بن وعلة الذهلي الوعلة: الصخرة المشرفة من أعلى الجبل. قومي هم قتلوا أميم أخيٍ ... فإذا رميت يصيبني سهمي يقول: قومي، يا أميمة، هم الذين فجعوني بأخي ووتروني فيه، فإذا رمت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عز الرجل بعشيرته، وهذا الكلام تحزنٌ وتفجعٌ وليس بإخبار. فلئن عفوت لأعفون جللاً ... ولتن سطوت لأوهنن عظمي عفا عن المذنب والذنب عفواً، إذا صفح. وحفذ حرف الجر فوصل لأعفون بنفسه. والكلام تحشرٌ وتوجع. يقول: إن تركت مؤاخذتهم، واطرحت طلب الانتقام منهم، صفحت عن أمرٍ عظيمٍ، وإن سطوت عليهم أضعفت عظمي، وهددت ركني. والجلل يزعم أهل اللغة أنه من الأضداد، يقع على الصغير والكبير، وها هنا يراد به

стр. 132

الكبير. وكذلك في قوله: ومن الأرزاء رزء ذو جلل والسطو: الأخذ بعنف. وفي كل واحدٍ من المصراعين يمينٌ مضمرةٌ، جوابها في الأول لأعفون، وفي الثاني لأوهنن. واللام من لئن في الموضعين موطئة للقسم. لا تأمتن قوماً ظلمتهم ... وبدأتهم بالشتم والرغم حول الكلام عن الإخبار توجعاً على عادتهم إلى الخطاب، متوعداً. يقول: لا تسكن إلى ناحية قوم اهتضمتهم وبدأتهم بسبهم واطراحهم، وإسقاطهم وتذليلهم. وظلمتهم مع ما بعده من صفة القوم. والرغم مصدر رغمت فلاناً إذا قلت له رغماً أو فعلت به ما يرغم به أنفه ويذله. والرغام: التراب، وحكى الخليل: أرغمته: حملته على ما لا يقدر على الامتناع منه. أن يأبروا نخلاً لغيرهم ... والقول تحقره وقد ينمى موضع قوله أن يأبروا نصبٌ على البدل من قوماً من البيت الذي قبله، كأنه قال: لا تأمن أبر قومٍ ظلمتهم وأوحشتهم نخلاً لغيرهم. ويقال: أبرت النخل وأبرته، إذا ألقحته. وجعل هذا الكلام وعيداً في مفارقة القوم الذين وصفهم إياهم، وتقويتهم لأعدائهم بعد الانتقال إليهم، وإصلاحهم الفاسد من فخرهم وأمرهم نصرةً لهم، وجعل قوله أن يأبروا كناية عن هذا المعنى، كما قال طرفة: ولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر وقد قيل: أراد: لا تأمن قوماً أسأت في معاملتهم أن يتركوا أرضهم وديارهم ويلحقوا بالأعداء فيأبروا نخيلهم ويتصرفوا في مهنهم، ليكونوا معهم عليكم. والأول أحسن وأغرب. وقوله والقول تحقره وقد ينمى يجوز أن يكون ضربه مثلاً في التهاون بما لا يجوز التهاون فيه، ويجوز أن يشير بالقول إلى ما يقوله في شعره هذا، ويريد أنه سيزداد بانضمام الفعل إليه.

стр. 133

وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم زعم زعماً وزعماً ومزعماً، وأكثر ما يستعمل فيه ما كان باطلاً أو فيه ارتيابٌ. ولذلك يقال: تزعم، أي تكذب؛ وزعم في غير مزعمٍ، أي طمع في مطمعٍ. وأن لا حلوم أن فيه مخففة من الثقيلة. أراد: زعمتم أنه لا حلوم لنا. والهاء ضميرٌ للأمر والحديث، ولا حلوم في موضع الخبر. أراد: وزعمتم أن الأمر والشأن لا عقول لنا، فإن كان الأمر على ما زعمتم فنبهونا أنتم، فإن عامر بن الظرب حكم العرب كان يقرع له العصا فينبه، لما كان يزيغ في الحكم لكبرته وسنه. وهذا الكلام تهكم وسخرية. ومثله قولك لمن أنكر عليك ما لا يشك في صلاحه وصحته: إن كان ذلك فاسداً فصححه أنت. وهذا ظاهرٌ. وذو الحلم الذي قرع له العصا مختلفٌ فيه، فتدعيه اليمن وتقول: هو عمرو بن حممة الدوسي، روى ذلك الشعبي عن ابن عباس ﵁. وتدعيه مضر، فتقول: هو عامر بن الظرب العدواني، وإياه عنى ذو الإصبع في قوله: ومنهم حكمٌ يقضي ... ولا ينقض ما يقضي وتدعيه ربيعة فتقول: هو قيس بن خالد الشيباني، وهو جد بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد. ووطئتنا وطئاً على حنقٍ ... وطء المقيد نابت الهرم يقول: أثرت فينا تأثير الحنق الغضبان، كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذه الشجيرة. وخص المقيد لأن وطأته أثقل، كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. والهرم: ضربٌ من الحمض، يقال جملٌ هارمٌ، وإبلٌ هوارم إذا رعت الهرم. وانتصب وطء المقيد على البدل، أي وطئاً يشبه هذا الوطء. ومما حكي عن العرب: أعوذ بالله من طئة الذليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد، لسوء ملكته، كما قال الآخر: ولم يغلبك مثل مغلب وعلى هذا قيل: ضربته ضربة الجبان، وضبطته ضبطة الأعمى.

стр. 134

وتركتنا لحماً على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم هذا مثلٌ يضرب في الانقياد والذل. ولذلك يقولون: النساء لحمٌ على وضمٍ إلا ما ذب عنه. يقول: تركتنا لا دفاع بنا، كاللحم على خوان الجزار يتناوله من شاء، لو كنت تترك منا بقية، وتطلب علينا بقية. والمعنى أنك تروم استئصالنا، فلست ترضى بالإذلال. وجواب لو فيما تقدم عليه. وقال أعرابيٌ قتل أخوه ابناً له فقدم إليه ليقتاد منه، فألقى السيف وهويقول: أقول للنفس تأساءً وتعزيةً ... أحدى يدي أصابتني ولم ترد التأساء: تفعال من الإسوة. ويقال إسوةٌ وأسوةٌ، فيضم أوله ويكسر، وانتصابه على أنه مصدرٌ في موضع الحال. أي أقول متأسياً بغيري، ومسلياً لنفسي: جنى علي أخي الذي محله مني محل إحدى يدي، سهواً لا إرادةً لمساءتي وخطأً لا عمداً. وقوله إحدى يدي في موضع المبتدأ وأصابتني خبره، وقوله ولم ترد في موضع الحال، والجملة في موضع النصب على أنه مفعول لقوله أقول. كلاهما خلفٌ من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي يقول: كل واحدٍ من الأخ الواتر والابن المفقود يصلح لأن يرضى به عوضاً من فقدان الآخر، فإن اقتدت من الأخ منتصفاً للابن فقدتهما جميعاً، فاستبقاني أخي هو على كل حالٍ أقرب وأعود. وقال إياس بن قبيصة الطائي ما ولدتني حاصنٌ ربعيةٌ ... لئن أنا مالأت الهوى لاتباعها امرأةٌ حاصنٌ وحصانٌ، أي ممتنعة عن الرفث، عفيفةٌ. ومصدره الحصانة والحصن، وربعيةٌ: منسوبةٌ إلى ربيعة: وهذا الكلام خبر يجري مجرى اليمين، والام من لئن يؤذن بأن الكلام قسمٌ، فيقول: لست ابن امرأةٍ من بني ربيعة كريمةٍ عفيفة إن كنت شايعت الهوى وتابعته في طلب امرأةٍ: والمعنى: لست لرشدةٍ إن فعلت

стр. 135

ذلك. ومالأت، مأخوذٌ من قولهم: هو مليءٌ بكذا، وقد ملؤ يملؤ ملاءة. وجواب الشرط فيما تقدم. ألم تر أن الأرض رحبٌ فسيحةٌ ... فهل تعجزني بقعةٌ من بقاعها قال الخليل: البقعة: قطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جنبها، واستشهد الشاعر لنفسه في إنكار ما انتفى من فعله بقوله: ألم تر أن الأرض، لأن ألم تر وإن كان لفظه لفظ الاستفهام، كلمةٌ يواقف بها المخاطب في تحقيق الأمور، وتثبيت الخطوب، وربما صحبها معنى التعجب. فيقول: إنك تعلم أن الأرض واسعةٌ عريضةٌ، وأن بقاعها لا تنبو بي، ولو نبت لم تعجزني، فكما أني في هذا بهذه الصفة، فكذلك أنا في الأول. ومذهب هذا الكلام مذهب قول القائل عند تحقيق أمر وتصويره للمخاطب: إن هذا حقٌ كما أني حاضرٌ، وكما أنك تسمع وتجيب. ومبثوثةٍ بث الدبا مسبطرةٍ ... رددت على بطائها من سراعها يقول: رب خيلٍ متفرقةٍ ممتدةٍ في وجه الأرض امتداد فراخ الدبا وتفرقها - والمعنى أنهم يموجون في انتشارهم، كما أن الجراد إذا انبثت ماج بعضها في بعض - أنا رددت أولها على آخرها، وحبست متقدماتها على متأخراتها، حتى لحقت الأعجاز بالصدور، واختلطت اللواحق بالسوابق. ويقال: هم يتهافتون تهافت الفراش، ويتماوجون تماوج الجراد. وأقدمت والخطى يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها قوله والخطى واوه واو الحال. واللام من لأعلم لام العلة. يقول: تركت الإحجام، وآثرت الإقدام، ورماح الخط تختلف بالطعن، وتحكم للشجاعة على الجبن، لأتبين الضعيف من القوي، والمتقدم من المتخلف. والمعنى فعلت ذلك ليبين فضلي على غيري. وقال رجل من بني تميم وطلب منه ملك الروم فرساً يقال له سكاب فمنعه إياها: أبيت اللعن إن سكاب علقٌ ... نفيسٌ لا تعار ولا تباع

стр. 136

قوله علقٌ نفيسٌ أي مال يبخل به. وهذا كما يقال: هو علق مضنة. ويقال: عالقته بعلقي وعلقه، إذا خاطرته بكرائم المال. يقول: منعت أن تفعل ما تستحق به اللعن، إن فرسي سكاب متاعٌ نفيسٌ، وعلقٌ كريم، لا يعرض للبيع، ولا يبذل للإعارة. وسكاب إذا أعربته منعته الصرف، لأنه علمٌ، فلحصول التعريف فيه والتأنيث مع كثرة الحروف يمنع الصرف. والشاعر تميميٌ، وهذا لغة قومه. وإذا بنيته على الكسر أجريته مجرى حذام، لأنه مؤنث معدول معرفةٌ، فلمشابهته بهذه الأوصاف دراك ونزال يبنى، وهذه اللغة حجازية. واشتقاق سكاب من سكبت إذا صببت. ويقال في صفة الفرس: هو بحرٌ وسكب. وقوله: أبيت اللعن، تحيةٌ كان يستعطف به الملوك. وأصل اللعن: الطرد. وقول الشاعر: ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه يعني إلا أن يقال لي: أبيت اللعن، لأنه تحية الملوك. وكأنه قال: نلت كل شيء إلا الملك. مفداةٌ مكرمةٌ علينا ... يجاع لها العيال ولا تجاع يقول: لعزتها على أربابها تفدى بالآباء والأمهات، وتؤثر تكريماً لها على العيال عند الإضافة والإفتار، فيجوع العيال ولا تجوع هذه. سليلة سابقين تناجلاها ... إذا نسبا يضمهما الكراع يقول: هي ولد فرسين سابقين، إذا نسبا ضم مناسبهما ومناصبهما الكراع، وهو فحلٌ كريم معروف. وسليله ألحق الهاء بها وإن كان فعيلاً في معنى مفعول، لأنه جعل اسمأً، كما تقول هي قتيلة بني فلان. ومعنى سل: نزع. ويقال: نجلا ولدهما وتناجلاه، بمعنى واحد، قال: إذ نجلاه فنعم ما نجلا وأصل الكراع في اللغة: أنفٌ يتقدم من الجبل، فسمي هذا الفحل به لعظمه. وأما الكراع الاسم الجامع للخيل، فهو غير ذا.

стр. 137

فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... ومنعكها بوجهٍ يستطاع يقول: أرفع طمعك في تحصيل هذه الفرس، أبيت أن تأتي ما تستحق به اللعن، ودفعك عنها يقدر عليه بوجهٍ ما وبحيلة ما. والمعنى: إني لا أسعفك بها استبعتها أو استوهبتها، ما وجدت إلى الرد طريقاً، فلا تطمع فيه ما دامت لي هذه الحالة. وقوله ومنعكها أي منعك عنها. ويقال منعتك كذا، ومنعتك عن كذا، وأما المنعة العز فهو مصدرٌ كالحركة والجلبة من منع مناعةً مناعاً، فهو منيع. وقالت امرأةٌ من طيئٍ دعا دعوةً يوم الشرى يا لمالكٍ ... ومن لا يجب عند الحفيظة يكلم يقول: استغاث هذا الرجل في يوم اجتماعنا بالشرى - وهو مكانٌ معروف اتفقت فيه وقعةٌ فنسب يومها إليه - استغاثةً وقال: يا لمالكٍ؛ ومن لا يجب. إذا استصرخ، ولم يغث إذا استنصر، يهتضم ويجرح. وقوله يا لمالكٍ اللام فيه للإضافة، وإنما فتح لأنه دخل على ما هو واقعٌ موقع المضمر، فكما يفتح لام الإضافة مع المضمر كذلك فتح مع المنادى لوقوعه موقعه. فإن قيل: فما المدعو؟ قلت: مالك، كأنهقال: دعائي لمالكٍ. والحفيظة: الخصلة التي يحفظ الإنسان عندها، أي يغضب. وكذلك الحفظة. قال: وحفظةٍ أكنها ضميري وقوله يكلم كناية عن الغلبة أو القتل. فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه ... ببطن الشرى مثل الفنيق المسدم الفنيق: الفحل المفنق لا يركب لكرامته على أهله. والمسدم: الفحل الهائج الممنوع. ويقال: عتله يعتله ويعتله جميعاً، إذا قاده بعنف. ومعنى يا ضيعة الفتيان وإن كان لفظه لفظ النداء، معنى الخبر، كأنه قال: ضاع الفتيان جداً. فيقول على وجه التعجب والاختصاص: ما أضيع الفتيان في ذلك الوقت وفي تلك الحالة. كأنه لما لم ينصر في تلك الحالة ولم يحضره فتىً يعينه كان الفتيان ضائعين، إذ كانوا يعنفون في قودهم إياه، وهو كأنه فحل مشدود الفم خوفاً من صياله، فلا يناكر

стр. 138

بنفسه، ولا يدافع أحد دونه. وذكر بعضهم أن هذا المقتول هو بهدل بن قرفة، أحد بني نبهان، وأخذ بسبب دم ابن جعدة المخزومي فقتل بالمدينة صبراً. وما اقتص في الأبيات يدل على خلافه. أما في بني حصنٍ من ابن كريهةٍ ... من القوم طلاب التراث غشمشم هذا الكلام بعثٌ وتحضيض لأبناء حصن. والغشمشم: الذي يركب رأسه ولا يهاب الإقدام على شيء. والكلام لفظة استفهامٌ، والمعنى معنى التمني، كأنه يبعث ويحضض من يطلب دمه إذ فات نصرته حياً. فيقول: أما في هذه القبيلة ابن حربٍ متناهٍ في طلب الدم وإدراك الثأر، ظلومٌ غشوم، يركب الكرائه والأمور الصعبة، غير مرعوٍ ولا منقبض. فيقتل جبراً بامرئ لم يكن له ... بواءً ولكن لا تكايل بالدم جبرٌ هو القاتل لولي هذه المرأة. ويقال: باء فلانٌ بفلان يبوء بواءً، إذا ارتضى لقتله بدلاً منه. وأبأت فلاناً بفلانٍ، أي قتلته. وانتصب يقتل على أنه جواب التمني بالفاء، والعامل في الفعل أن مضمرة، أي أما فيهم رجلٌ هكذا فيقتل هذا الرجل برجل لم يكن له نظيراً، فيكون في دمه وفاءٌ بدمه، ولكن سقطت المكايلة في الدماء منذ جاء الإسلام، فلا يقتل بدل الواحد إلا واحدٌ، شريفاً كان أو وضيعاً. وقال بعض بني فقعسٍ رأيت موالي الأولى يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب الموالي ها هنا: أبناء العم. والأولى في معنى الذين، ويخذلونني من صلته. يقول: رأيت أبناء عمي هم الذن يقعدون عن نصرتي على تقلب الزمان، وتصرف الحدثان. وقوله على حدثان الدهر في موضع الحال، أي يخذلونني مقاسياً لما يحدث في الدهر أوان تقلبه وتغيره. فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب قوله: تفاقدوا دعاء، وقد اعترض بين أول الكلام وآخره، ولكنه أكد مايقتصه فصلح لذلك. يقول: هلا جعلوني عدة لرجلٍ مثلي، فقد بعضهم بعضاً وقد جاءهم

стр. 139

الخصم متأخر العجز مائل الرأس منحرفاً. وهذا تصويرٌ لحال المقاتل إذا انتصب في وجه مقصوده، وهو أبلغ في الوصف من كل تشبيه، ومثله قول الآخر: جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط ألا ترىأنه صور لون المذق لما قال: هل رأيت الذئب قط؟ وقوله: إذا الخصم هو حكاية الحال المتوهمة، وهو الرواية المختارة. وقد روي: إذا الخصم والجملة التي تبين بها إذا هذه يجب أن يكون فيها فعلٌ، وقد عريت منه ها هنا، وأظن أن الأخفش جوز مثله. والمعنى: لم أفاتوني أنفسهم، وهلا ادخروني ليوم الحاجة إذا كان الخصم هكذا. وأراد بالخصم الجنس. وقال الأصمعي: البزي: تأخر العجز. وقال غيره: هو إشراف وسط الظهر على الإست. والبيت يشهد للأصمعي. والنكب: شبه الميل في المشي ومنه الأنكب من الإبل، وهو الذي يمشي في شق. وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوثٌ شجاعٌ وعقرب الكلام في تفاقدوا وأنه دعاءٌ واعتراض، على ما مر. وإنما وكرر ما كرره على وجه التأكيد، وتفظيعاً للأمر. والمعنى: هلا جعلوني عدة لرجلٍ مثلي في البأس، فقد بعضهم بعضاً. وقد انتشر في الأرض أعداءٌ كثيرة، وأنواعٌ من الشر فظيعة. والشجاع: الحية. وكنى بالعقرب وبه عن الأعداء والشر. وارتفاع شجاعٌ، يجوز أن يكون على البدل، ويجوز أن يكون على الابتداء ومبثوثٌ خبرٌ له قدم عليه، ويجوز أن ينصبمبثوث على الحال، ويجعل في الأرض الخبر. ولم يثن مبثوث لأن القصد بالشجاع والعقرب إلى خيل الأعداء والشر، فكأنهما شيءٌ واحد. فلا تأخذوا عقلاً من القوم إنني ... أرى العار يبقى والمعاقل تذهب لك أن ترفع المعاقل على الاستئناف، ولك أن تحمله على ما قبله فتطفه على العار. يقول: لا ترغبوا في قبول الدية فإنه عارٌ، والعار يبقى أثره، والأموال تفنى. والمعاقل: جمع المعقلة. والمعقلة والعقل: الدية، وأصله الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول، وهو مصدرٌ وصف به. وحكى الأصمعي: صار دمه معقلةً على قومه، أي صاروا يدونه.

стр. 140

كأنك لم تسبق من الدهر ليلةً ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب يقول: من أدرك ما طلبه من الثأر فكأنه لم يصب ولم يوتر. وهذا بعث وتحضيض على طلب الدم والزهد في الدية. وفي طريقته قول الآخر: كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكاً إذا ما تمولا لكن هذا بعثٌ على طلب المال. وقال آخر: فلو أن حياً يقبل المال فديةً ... لسقنا لكم سيلاً من المال مفعما انتصب فديةً على الحال من المال، والمراد به الإبل لا غير، ونكر قوله حياً وهو يقصد به قصد حيٍ بعينه، لأن المراد كان مفهوماً عند من عرف القصة، فجعله كالتعريض. وقوله سيلاً مفعما والسيل يفعم به الشيء، يجوز أن يكون من باب همٌ ناصبٌ وما أشبهه، ويكون المعنى سيلاً ذا إفعامٍ، ولكن أكثر ما يجيء معنى النسبة فيما كان للفاعل، كطالقٍ ومرضعٍ. ومثله قولهم نخلةٌ موقرٌ. ويجوز وهو الأجود أن يكون عبر عن الكثرة بقوله مفعم كما عبر في قولهم شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ عن التناهي بلفظ فاعل، وإن كان الموت لا يموت، والشعر لا يشعر، كما أن السيل لا يفعم. وقد قيل امرأةٌ فعمة المخلخل، أي غليظةٌ كثيرة اللحم عليه. والمعنى: لو كانت معاملتنا مع حيٍ يرى قبول المال فداءً لأرضيناه بالمال الكثير. ولكن أبى قومٌ أصيب أخوهم ... رضى العار واختاروا على اللبن الدما يقول: ولكن امتنع قومٌ أصبنا صاحبهم من الرضا بالدنية، وآثروا طلب الدم على قبول الدية. وجعل اللبن كنايةً عن الإبل تؤدي عقلاً، لأنه منها، وكما نكر حياً في البيت الأول نكر أيضاً في الثاني قوله أبى قومٌ، والغرض بهما على حدٍ واحد، ولا يجوز أن يكون يقبل المال فديةٌ صفة لقوله حيا، لأنه يبقى أن بلا خبر. فأما قوله أصيب أخوهم فهو صفةٌ لقوله قومٌ. وقوله رضى العار العار في موضع المفعول، أي أبوا أن يرضوا العار خطةً لأنفسهم.

стр. 141

وقالت كبشة أخت عمرو بن معد يكرب أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي الشعر لكبشة أخت عبد الله. والكلام بعثٌ وتهييجٌ. وإنما تكلمت به على أنه إخبارٌ عما فعله عبد الله وأقامه من الوصاة عند الوفاة، فتقول: راسل عبد الله بن معد يكرب لما دنا أجله قومه وذويه، بأن لا يعقلوا دمي. وإن كانت آمنةً من ميلهم إلى قبول الدية، فغلظت القول لتهتاج حميتهم. ويقال عقلت فلاناً، إذا أعطيت ديته. وجعل هذا المفعول الدم لأن المراد مفهوم، كأنه قال: لا تأخذوا بدل دمي عقلاً. ويقال عقلت عن فلانٍ، إذا غرمت عنه دية جنايته أو أرشها. ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكراً ... وأترك في بيتٍ بصعدة مظلم الإفال: جمعٌ وواحده أفيل، وهي صغار الإبل، والأبكر: جمع البكر، وهو الفتى منها. يقول: لا تأخذوا من قتلتي صغار الإبل وبكارتها، فتتركوني في قبرٍ مظلم بصعدة؛ وهو مكان باليمن. وإنما جعل قبره هكذا، لأنهم كانوا يزعمون أن المقتول إذا ثأروا به أضاء قبره، فإن أهدر دمه أو قبلت ديته بقي قبره مظلماً. فإن قيل: لم ذكر الإفال والأبكر وما يؤدي في الديات لا يكون منهما؟ قلت: أراد تحقير الديات، وهذا كما يقول الرجل إذا أراد تحقير أمر خلعةٍ خاز بها إنسانٌ: إنما أعطي خرفاً وفلوساً! وإن كانت الثياب المعطاة كسوةً فاخرةً، والمال الموفر جائزةً سنيةً. وانتصب وأترك بإضمار أن وهو جواب النهي بالواو. ودع عنك عمراً إن عمراً مسالمٌ ... وهل بطن عمرٍو وغير شبرٍ لمطعمٍ عمرو هو أخوها، وكان يعد بألف فارس، ولم يكن ممن يسالم ولا سيما في طلب دم أخيه. وإنما رمته بهذا الكلام لتهيج منه وتبعثه على التعجل في درك الثأر والتسرع في الانتقام. وقوله: " وهل بطن عمرٍو غير شبرٍ لمطعم " تزهيدٌ في الدية، وهذا كما روي في الخبر: " وهل بطن ابن آدم إلا شبرٌ في شيرٍ " لما أريد تزهيده في الدنيا وحطامها. أي ما يصنع بالمال وجوفه يمتلئ باليسير. وعمرٌو لم يكن ممن

стр. 142

يميل إلى الدية، كما لم يكن يميل إلى المسالمة، ولكن المراد ما ذكرناه من التحضيض والحث. فإن أنتم لم تثأروا واتديتم ... فمشوا بآذان النعام المصلم الصلم: قطع الأذن من أصلها، ومنه الصليم: الداهية المستأصلة. واتديتم، معناه قبلتم الدية. يقال: وديته فاتدى، كما يقال وهبته فاتهب، أي قبل الهبة. وفي الحديث: " هممت ألا أتهب إلا من قرشيٍ أو أنصاري " ومثله قضيته الدين فاقتضاه، أي قبله وتوفره. وقوله: " فمشوا " أي امشوا. وضعف الفعل للتكثير. ومن روى " فمشوا " بضم الميم فمعناه امسحوا؛ ويقال لمنديلٍ الغمر: المشوش. والمعنى: إن لم تقتلوا قاتلي وقلتم ديتي فامشوا أذلاء، بآذانٍ مجدعةٍ كآذان النعام. ووصف النعام بالمصلم تصويراً لها، وإن كانت خلقة جميعها ذلك. ومن أحاديثهم عن البهائم: " ذهبت النعامة تطلب قرنين فجدعت آذانها ". ومن روى " فمشوا " فامعنى امسحوا بآذانكم مجدعةً مثلةً بكم كآذان النعام. ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم ترمل وارتمل إذا تلطخ بالدم. قال: إن بني رملوني بالدم ويجوز أن يكون هذا الكلام دعاء عليهم، أي أحلكم الله محل من ذا صفته. وعلى هذا يكون قوله " فمشوا " من البيت الأول أيضاً. وإن شئت جعلته تهياً، وفمشوا أمراً. والمعنى: إذا فعلتم ذلك فتأخروا في المواطن كلها والمناجع، وتخلفوا عن المشاهد والموارد، والبسوا الذل راضين به، فإن مآل أمركم مع تضييعكم دم صاحبكم إلى مثل ذلك. وكان عادتهم إذا وردوا المياه أن يتقدم الرجال ثم العضاريط والرعاة، ثم النساء، إذا صدرت كل فرقةٍ عنه، فكن يغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن آمناتٍ مما يزعجهن غير مستعجلات، فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهو الغاية من

стр. 143

الذل. وجعل النساء مرتملات بدم الحيض تفظيعاً للشأن، وتدنيساً للماء. والأعقاب واحدها عقبٌ، وهو موخر الرجل. يقال: ولى على عقبيه، إذا انصرف راجعاً عن مطلوبه. وقال عنترة بن الأخرس المعنى من طيئ أطل حمل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما شيت فانظر من تضير يقال: شنئته شناءة وشنئاً وشناناً ومشنأةً، إذا كان بغضاً مختلطاً بعداوةٍ وسوء خلقٍ، كما أن الشنف اسمٌ لشدة العداوة. يقول: أدم احتمال الضغائن والبغض لي، وعش مدة مشيئتك فتأمل من يضره ذلك. ويقال ضاره يضيره، وضره يضره بمعنىً واحد. وانتصب موضع ماشيت على أنه ظرفٌ. و " من " مفعول تضير، لأنه استفهام فلا يعمل فيه ما قبله. أي انظر تضير من. فما بيديك خيرٌ أرتجيه ... وغير سدودك الخطب الكبير بين وجه استهانته به، وقلة مبالاته ببغضائه وعداوته. فيقول: لا نفع عندك أعلق رجائي به، وغير إعراضك هو الخطب الكبير، فأما إعراضك فأهون به وأحقر بكونه. وأرتجيه، في موضع الصفة للنفع، أي نفعٌ مرتجىً. ألم تر أن شعرك سار عني ... وشعري حول بيتك ما يسير هذا تقريرٌ له في بيان فضله عليه، وسلامة عرضه من قرفه إياه. يقول: ألم تعلم أن شعرك الذي قلته في لم يعلق بي ذمه، لأنه كان كذباً وزوراً، وشعري الذي قلته فيك يطوف حول دارك وبيتك ولا يفارقك، لأنه كان صدقاً. ويجوز أن يكون المعنى: ألم تر أن شعري الذي قلته فيك سار عني، لأن الرواة احتملوه استجادةً له واستلذاذاً، وشعرك الذي قلته في ملازمٌ لك لزهد الناس فيه لما كان سفسافاً. وساغ الوجهان جميعاً لأن المصدر يضاف إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، فعلى ذلك

стр. 144

جاز أن يقول شعرك ويريد شعري المقول فيك. وروى بعضهم: ألم تر أن شعري سار عني ... وشعرك حول بيتك ما يسير وهذا الراوي صرح بالتفسير الثاني. إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور في طريقته قول أوس: إذ يشزرن إلي الطرف عن عرضٍ ... كأن أعينهم من بغضتي عور يقول: إذا رميتني ببصرك لم يمكنك ملؤه مني بغضاً وعداوة، حتى تعرض عني فعل الناظر إلى الشمس، فكأن الشمس تدور من جهتي. فأما قول الآخر: نظرٌ يزل مواطئ الأقدام فهو صفة نظر المهيب المعظم. وفي نظر الناظرين على اختلافهم ما يستدل به على أحوالهم، وسنذكر ما يجيء عنه مبيناً من بعد. وقال الأحوص بن محمد إني على ما قد علمت محسدٌ ... أنمي على البغضاء والشنآن علمت بمعنى عرفت، ولهذا اكتفى بمفعولٍ واحدٍ. ومعنى البيت. إني مرموقٌ محسودٌ على ما قد عرفته من أحوالي، زائدٌ كل يومٍ على بغضاء الناس وشنآنهم لي، ويكون قوله " على ما قد علمت "، وقوله " على البغضاء " جميعاً في موضع الحال. والعامل في الأول قوله محسدٌ، وفي الثاني أنمي. ويجوز أن يكون على ما قد علمت من صلة محسدٍ، كما تقول حسدته على كذا. وقال بعض الناس: الشنآن: بغضٌ يختلط به عداوة وسوء خلق، فلهذا جاز الجمع بينه وبين البغضاء. وقال غيره: بل هما بمعنى واحد، واللفظان إذا اختلفا على اتفاق معناهما جاز الجمع بينهما تأكيداً.

стр. 145

واحتج بقوله: وهندٌ أتى من دونها النأي والبعد قال: ولا خلاف بين أهل اللغة أنه لا فصل بينهما. ما تعتريني من خطوب ملمةٍ ... إلا تشرفني وتعظم شاني أضاف الخطوب إلى ملمةٍ لأنه أراد بها أوائل أمر عظيم، وجوانب شرٍ فظيع. وأصل الخطب الطلب، يقال خطبت كذا فأخطبني، كما تقول طلبته فأطلبني، فكأنه أراد أوائل ملمةٍ وأسباباً لها تطلبه. ويقال: هذا خطب أمرٍ عظيم، وهذا خطب أمرٍ يسير. فيقول: ما يطرق ساحتي أسباب نازلةٍ شديدةٍ إلا عظمت شأني، ورفعت قدري، لأنه يعرف بلائي فيها، وحسن مخلصي منها، فازددت في عيون الناس وقلوبهم. فإذا تزول تزول عن متخمطٍ ... تخشى بوادره لدى الأقران المتخمط: المتغضب له سورةٌ والتهابٌ، واستعير في آذي البحر وأمواجه إذا التجت. قال: خمط التيار يرمي بالقلع. يقول: إذا انكشفت تلك الخطوب والملمات انكشفت عن رجلٍ متكبرٍ يخاف فلتاته وبدراته عند نظرائه في البأس والشدة. والمعنى: إن الدواهي إذا نزلت بساحتي لا تلين لها عريكتي، ولا تحصل علي تذللاً لم يكن من قبل لي. وقوله: " تخشى بوادره " في موضع الصفة للمتخمط. ولم يرض حتى يجعل البوادر مخشيةً عند أشباهه، فكملت الصفة، وتمكنت القافية. إني إذا خفي الرجال وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان
следующие страницы →